رسالة النجف

صور الإرهاب الصهيوني

 

صور الإرهاب الصهيوني

في الشعر الفلسطيني المعاصر

د. حسن جعفر نور الدين

معاني ودلالات كلمة إرهاب

لا بد في بداية البحث عن صور الإرهاب الصهيوني، من أن نحدّد معنى كلمة إرهاب في معاجم اللغة، والمعاني التي لحقت بها فيما بعد، وتوسّع دلالاتها ومراميها، إذ لعبت السياسة الدولية دورًا كبيرًا في إنتاج معانٍ جديدة لهذه الكلمة التي لفّت العالم من أقصاه إلى أقصاه.

لقد خرج معنى كلمة [إرهاب] عن مؤدّاه اللغوي كما يرد في معاجم اللغة إلى دلالات أخرى كثيرة، فلو استطلعنا معنى هذه الكلمة لوجدنا أنها تقتصر على التخويف، فمعنى كلمة [رهب] هو خاف، ورهب الشيء رهبَهُ أي خافه، والاسم الرُّهب، والرُّهبى، ورجل رهبوت خير من رحموت، وترّهب غيره إذا توعّده، وفي حديث الدعاء: رهبة ورغبةً إليك، وترَّهب الرجل: إذا صار راهبًا يخشى الله(1).

تلك هي المعاني الدالة على رهب ومشتقاتها، ومنها [إرهاب] الذي هو على وزن إفعال، وهو من صيغ المبالغة، ويدل على الإمعان في التخويف والإفزاع وزيادتهما، والإصرار عليهما.

إلا أن معنى هذه الكلمة كما ورد، أخذ يتسع ويشتمل على أبعاد أخرى في العصر الحديث، فالإرهاب الذي يدل أساسًا على التنكيل والتخويف، تحوّل في زمن العولمة إلى دلالات عنيفة وخطرة، ومعانٍ أقحمت فيه إقحامًا، فالإرهاب كما تتناوله الأقلام والمواقف والإسقاطات اليوم، هو صور القتل والتدمير والاغتيال، وتقييد الحريات وفتح السجون والتفنّن في وسائل التعذيب، ليقترن الإرهاب الجسدي مع الإرهاب الفكري في أبشع صور القهر البشري، وأمثلة هذا الإرهاب بمعانيه هذه كثيرة ومتنوعة في هذا العالم اليوم، ولم تسلم شعوب الأرض في كل حقبها وعصورها من الإرهاب الذي تقترفه نظم استبدادية ودول متسلطة، أو أشخاص معتوهون لا يقيمون حسابًا للحرية والحق اللذين وهبهما الله لعباده في الأرض ، ومن هذه الشعوب التي عانت وما زالت تعاني، الشعب الفلسطيني الشقيق، الذي يعاني ويواجه أبشع أنواع القهر والإرهاب في التاريخ البشري، في ظل ضعف عربي وسكوت دولي، إن لم يكن مشاركة من بعض الدول في هذا العدوان الدائم الذي تمارسه الصهيونية منذ إقامتها على أرض فلسطين المغتصبة.

وقد تناول الشعراء الفلسطينيون عامة مفهوم الإرهاب في قصائدهم، وعالجوه وأشاروا إلى أسبابه وألوانه وفاعليه ومعانيه وصوره المختلفة، والداعمين له والحاضّين عليه، كما أنهم تحدثوا عن مواقفهم الشخصية، ومواقف الشعب الفلسطيني خاصة والعرب عامة من هذا الإرهاب وحددوا سبل المواجهة وتأثير الإرهاب على حياة الفلسطينين النفسية والحياتية، وسأتناول مفهوم هذا الإرهاب في الشعر الفلسطيني وفقًا لما تشير إليه مصادر اللغة، ومقتضيات العصر الحديث، من دلالات وتفسيرات وإسقاطات شتى.

��

صور الإرهاب في الشعر الفلسطيني المعاصر (نظرة عامة)

لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إن صور الإرهاب الصهيوني لا تغيب عن معظم نتاج الشعراء الفلسطينيين، وهذا أمر طبيعي، إذ يتحدث هؤلاء عن الإرهاب كمفهوم عام، وعنه كعبء ثقيل ومأساة حقيقية تُثقل كواهلهم وكواهل أبناء شعبهم الفلسطيني المظلوم، وعمَّ يتحدّث الشعراء إن لم يتحسسوا آلام شعبهم ومعاناته، علمًا أن معظمهم -وأعني الشعراء- عانوا ويعانون من هذا الإرهاب، فهم تعرضوا ويتعرضون للسجن والنفي والتنكيل والتعذيب والتشريد، وحتى حدود القتل، وهذا ما نجده مصورًا في أشعارهم، معبرًا عن هواجسهم وعواطفهم نحو أبناء شعبهم الفلسطيني، وقد أدى هذا الشعر دوره في خدمة القضية الفلسطينية، فحملها إلى كل أنحاء العالم كما هي، فكان بذلك الصوت الصادق والمعبر والعالي، والذي لعب دوره إلى جانب المقاومة في فضح أساليب العدو الهمجية ومواجهة عدوانه الغاشم.

��

أنواع الإرهاب في الشعر الفلسطيني

 

- أنواعه في السجن

تُعدّد الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان بعض صور الإرهاب الصهيوني في السجون الإسرائيلية بلغة واضحة جلية فيها إصرار على نيل الحرية بأي ثمن، جاء ذلك عبر قصيدة عنوانها (حريتي) من ديوان الليل والفرسان:

حريتي حريتي، صوت أردده بملء فم الغضب

تحت الرصاص، وفي اللهب

 وأظل رغم القيد أعدو خلفها

في السجن في زنزانة التعذيب في عود المشانق

رغم السلاسل رغم نسف الدور رغم لظى الحرائق

ساظلّ أحفر اسمها حتى أرى الحرية الحمراء تفتح كل باب

والليل يهرب والضياء يدكّ أعمدة الضباب(2).

هنا تتجمع صور إرهابية كثيرة تشكل جزءًا من معجم الإرهاب، منها: الرصاص - اللهب - القيد - السجن والزنزانة - التعذيب - السلاسل- أعواد المشانق - نسف الدور - الحرائق - الضباب - الليل.

والملاحظ غِنى هذا النص الصغير بالألفاظ الدالة على الإرهاب، وقد اعتمدت الشاعرة -كما نرى- شعر التفعيلة القائم هنا على (مستفعلن مستفعلن)، بأسلوب واضح جلي فيه عنفوان وإصرار على الصمود، والفوز بالحرية آخر المطاف.

وفي قصيدة أخرى عنوانها (إليهم وراء السجون) تقول الشاعرة فدوى طوقان في تقديم قصيدتها: (إلى بناتنا وأبنائنا الذين التهمتهم السجون في إسرائيل وفي كل مكان)، وفي تعبيرها (التهمتهم) صورة صارخة عن الوحشية الإرهابية التي تنتهجها الصهيونية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

وفي الأغنية الوصية، صورة صغيرة معبرة صارخة، عن همجية الإرهاب الصهيوني ووحشيته عندما تبتلع السجون الصغار ، وتلتهمهم أقباؤها الموحشة:

وشرَّعت جهنم أبوابها

وابتلعت براعم الصبي الطري في أقبائها(3)

والسجن الذي نعدد فيه صور التعذيب والإرهاب الصهيوني يشتمل على غرف التحقيق أيضًا، لأنها جزء منه، وهكذا لم يقتصر الإرهاب على التنكيل بالرجال والأطفال، إنما شمل النسوة والفتيات الصغار.

ومن مذكرات فدوى طوقان أقصوصة عن (رندة) عبر قصيدة عنوانها (مفكرة رندة)، ماذا جرى لرندة الفلسطينية على أيدي الجلاوزة:

في نصف هذا الليل آهْ

حذاؤه يدق في الدهليزِ مبتدع التعذيب

آتٍ وتدنيني خطاه

في غرفة التحقيق آهْ

من زمن الكابوس والجحيم والصراخْ

حذاؤه يدق في الدهليزْ

دمي يدق، عروقي والنخاعْ(4)

هنا تعداد لصور الإرهاب في السجون وآثارها على المظلومين، ومن الواضح أن القصيدة على نمط الشعر الحديث الذي يخرج أحيانًا حتى على التفعيلة ناهيك عن القافية.

إلا أن الشاعرة أحسنت التعبير عما تريد ووفّقت في تصوير المشهد الدرامي هذا، بلغة واضحة بعيدة عن الغلو والتعقيد.

على كل حال، جميل ومؤلم هذا التعبير الذي يوصل إلى الهدف بأقصر الطرق، أقول جميل ولكنه واقعي وصريح.

أما لماذا كل هذا التعذيب، فمن أجل الحصول على جواب أو معلومة ... ولكنها الصلابة والعنفوان التي تسكن كل فلسطيني:

توحشّي ما شئت يا شراسةَ الأوجاعْ

فلن ينزف من دمي جوابْ(5)

وكم من السجناء المخطوفين لا يُعرف مكان إقامتهم، ولا يدري ذووهم شيئًا عنهم، إنه التفنّن في وسائل الإرهاب التي سبقت كل ألوان الإرهاب التي استعملت في العالم.

هكذا تُصوّر فدوى طوقان في قصيدتها (من مفكرة سجين مجهول مكان السجن) ألوان الإرهاب كافة:

من الفجاج يطفح الظلامُ عابسًا صموتْ

والليلُ ناصبٌ هنا شراعَهُ الكبيرْ

لا زحفُ النجم واجدٌ طريقه، ولا تسللُ الشروق بلا شروقْ

يضيع فيه الصدى والصدى يموتْ

الوقت فاقدٌ هاهنا نعليه، واقف تختلطُ الأيام والفصولْ

ويقف السجانُ وجهه هجر وعينُه حجرْ

يسلبُ منا الشمسَ يسلب القمرْ(6)

انظر إلى هذا النص: سيل من الألفاظ المؤلمة القاسية الدالة على صور الإرهاب تتزاحم خلف بعضها، لتعطي صورة واضحة عن نوايا العدو البغيضة وتصرفاته المشينة، ليس الإنسان فقط يتعرّض للتنكيل، إنما الأشياء والأوقات، والشمس والقمر.

إن لمرارة السجون وإرهابها قصصًا وروايات تحكى وهذه إحداها، تحكي عن تفنن السجانين في ممارسة الإرهاب، وتلذذهم في استخدامه، وابتداعهم أعمالاً يندى لها الجبين، والشعر هنا يقع بين فكيْ التفعيلة والتحرر النهائي من عقدة الوزن التي يراها كثير من المحدثين حجر عثرة أمام إبداعهم، علمًا أن النص مفعم بالصور الجميلة والدامية في آن معًا، وهو مليء بالاستعارات والتشابيه، إلا أن النثرية تسود بعض مقاطعه.

ومن سجن محمود درويش تطلع قصيدة يتحدّث فيها عن معاناته في السجن، معددًا وسائل الإرهاب الصهيوني، إنها الوسيلة التي لا يعرف غيرها الاستعمار البغيض:

كمُّ الأفواه، السوط والاسطبل، والقيد وعنف السلاسل، هي هي نفسها تمارس ضد كل فلسطيني، هكذا يواجه محمود درويش تحدّيه للإرهاب الصهيوني، وهو يعرض قصيدته بطريقة عكسية، فيُظهر بطريقة لولبية استدارية ما يفعله الصهاينة في أداء يرمز إلى تحدي العنجهية الصهيونية:

شدوا وثاقي، وامنعوا عني الدفاتر

والسجائر

وضعوا التراب على فمي

فالشعر دم القلب، ملح الخبز

ماء العين يكتب بالأظافرِ

والمحاجرِ والخناجرْ

سأقولها في غرفة التوقيفِ

في الحمام في الاسطبلِ

تحت السوط تحت القيدِ

في عنف السلاسلْ

مليون عصفور على أغصان قلبي

يخلق اللحن المقاتلْ(7)

هنا صور متعددة للمواطن الفلسطيني المعذب المضطهد، الذي يواجه شتى أنواع التنكيل في السجن، كالتعذيب والعسف والسلب والقتل والتخريب وعنف السلاسل والسياط والقيود، والإذلال في الاسطبل، وغرف التوقيف، زد على هذه الصور الإرهابية صورًا أخرى، كشدّ الوثاق ووضع التراب على الفم.

إلا أن هذا كله لا يخلق إلا المقاومة والإصرار على مواجهة القهر والاستبداد، وأسلوب درويش عذب، سهل ممتنع، واضح جلي، يحاول أن يحشد كل الدلائل على همجية العدو الصهيوني، الذي لن يفلح في وقف مد الثورة والتوق إلى الخلاص.

وهذا الموقف نفسه يقفه الشاعر الفلسطيني حنا أبو حنا عندما اعتقل في سجن الرملة سنة 1958م، في عرض شعريّ خلاب، يدل على أن الشعر الفلسطيني مقاوم من الطراز الأول، وقد أرسل الشاعر من سجنه بطاقة إلى رفاقه يؤكد فيها تصميمه على متابعة الكفاح، وأنه حوّل السجن والسلاسل إلى منابر يدوي صوته فيها ويزرع الرعب في قلوب ساجنيه:

خسئوا فما حبسوا نشيدي

بل ألهبوا نار القصيدِ نار تأجّج

لا تكبل بالسلاسل والقيودِ

نار جحيم للطغاة ْ

شرفٌ لشعري أن يقضّ مضاجعَ

الخصم اللدودِ

فاعجب لشعر يستثير الرعب في مهج الحديدِ

أقوى من السجن المزنّر

بالعساكر والسدودِ

أقوى وأصلب من حشود علوجهم

أبدًا نشيدي(8)

دائمًا نكهة الصمود والعنفوان تطبع الشعر الفلسطيني، حتى لو كان الفلسطيني أسيرَ السجون، فصوت الثورة والتصدي لن يخمد، رغم صور الإرهاب التي يمارسها العدو الصهيوني، وتتجلي في هذا المقطع باللهب والنار المتأججة والجحيم والطغاة وقضّ المضاجع والسجن المزنّر والعساكر والسدود والحشود، وما الذي لم يستعمله العدو بعد من فصول الإرهاب المنظّم.

والقصيدة هنا على وزن التفعيلة (متفاعلن متفاعلن)، تتسم بالوضوح والقوة والواقعية.

ولعل أكثر القصائد شمولية وحِدّة في هذا الباب، قصيدة سميح القاسم (الذي قتل في المنفى كان أبي)، وتحتشد في هذه القصيدة معظم الألفاظ الدالة على الإرهاب، جاء ذلك بشكل قصة صغيرة مؤثرة وناقمة:

ذات يوم فاجؤوني

دفعوا أمي وأختي جانبًا

واعتقلوني

ومع العتمة في بعض السجونْ

ضفروا لي الشوكْ

وعلى الأوحال والأسلاك جرّوني

طوال الليلْ

فركوا بالرمل والملح جراحي

وإلى ركن كريهٍ ركلوني

قتلوني ذات يومٍ ولكن...

ظل مرفوعًا إلى الغرب... جبيني(9)

فتأمل هذه الأعمالَ الإرهابيةَ التي ترافق السجين في سجنه، والتي تدل على سياسة الاستبداد والهمجية والغيّ، التي ما فتئ العدو الصهيوني يمارسها ضد الشعب الفلسطيني المكافح، ودائمًا لغة الإصرار والصمود تكون ملح القصيدة، والقصيدة جميلة موحية، تفيض بالألفاظ القاسية كتدليل على بربرية الصهاينة، وقد جاءت مفعّلة على وزن الرمل (فاعلاتن فاعلاتن...) وبأسلوب واضح وصور جميلة موحية معبّرة.

وانظر إلى هذا المقطع الموحي والخلاب عند محمود درويش، وهو يخاطب السجّان، رمز الإرهاب والوحشية:

سجّان يا سجانْ

لي وجه يحاول أن يراني

سجان سجانْ

لي وجه أحاول أن أراه

والسجن يتسع، البحار تضيق

يخلع السجان ألواني ويعطيني زماني كي أفكر فيك أو بكْ

لي زنزانة تمتد من سنةٍ إلى لغةٍ

ومن ليلٍ إلى خيلْ

ومن جرحٍ إلى قمحٍ

ولي زنزانةٌ جنسية كالبحرْ(10)

زنزانة تجمع كل معاني الإرهاب وعسفه، تتسع وتمتد، جنسية شبقية ذات شهوة للتنكيل والتعذيب.

والمقطع هذا جزء من قصيدة (تلك صورتها وانتحار العاشق)، وفيها يرسم محمود درويش صورة وطنه المعذّب السجين، حيث يعيش أنواع الإرهاب كلها، وهو يرمز في حديثه عن نفسه إلى الوطن ككل، إلى كل ما في فلسطين.

ولا غرو، فالقصيدة موحية جذابة تتسم بالعمق والقوة، وهي على شعر التفعيلة من بحر الكامل (مستفعلن متفاعلن).

ويصرخ توفيق زياد من وراء السجون متحديًا جبروت العدو الصهيوني وإرهابه، في شعر ثوري صارخ يتسم بالقوة والعنفوان، من ضمن قصيدة عنوانها (من وراء القضبان) محافظًا على القافية في كل مقطع من المقاطع:

ألقوا القيود على القيودِ

فالقيد أوهى من زنودي

لي من هوى شعبي ومن

حب الكفاح ومن صمودي

عزم تسعر في دمي

نار على الحطب الشديد

يا طغمة أسقيتها
مرغتها بالوحل حتى
وبصقت ملء عيونها
يا طغمة المسخ الجبان
لا تحسبي زرد الحديد
 

 

كأس المذلة من قصيدي
جيدها ونصبت جيدي
حقدي على عيش العبيد
يضج موتور الوعيد
ينال من همم الأسود
(11)

هذا التنويع للأبيات وللأشكال القائم على نظام المقاطع، فذلكة من الشاعر وتقسيم يهب القصيدة أنغامًا متوازية ومتشابهة، وهي ذات توجّه ثوري حماسي ولكن عادي وغير معقد، واضح سلس جلي ينساب بخفّة وجمالية.

والملاحظ أن الشاعر لا يسكت على ضيم، فهو يواجه صور الإرهاب برد موجع على العدو، وصور الإرهاب قاسية عنيفة ولكنها ليست أعنف وأقسى من عزيمة الشاعر، التي هي عزيمة الشعب الفلسطيني.

ثم يتابع في قصيدة أخرى تحدّيه للزنزانات الوحشية، لآلات التعذيب، لآلهة البطش، وجميعها صور إرهابية قائمة ضمن قصيدة (الحرية أو الموت):

هذي أغنية للأيدي المسحوقة بالأغلال الدمويةْ

تتحدّى الأغلال الدموية

لعيون تتوقد خلف القضبانْ

للقامات المنتصبة في قلب الزنزانات الوحشية

تتحدى الزنزانات الوحشية

هذي أغنية

للعشرة آلاف سجين في قلوب سجونكْ

يا إسرائيل الكبرى والصغرى

هذي أغنيةٌ

للعشرة آلاف جبينْ

مرتفع في وجه الموتِ

وآلات التعذيب الهمجيةْ

تتحدى آلهة البطشِ

لتبقى الأرض العربيةْ

عربيةْ.. (12)

والقصيدة من أنماط الشعر الحديث، معظمها على وزن (فَعْلن فعلن)، حتى أننا لا نجدها دائمًا ضمن سياق النص.

شعراء الأرض المحتلة تحرروا من الوزن، حتى من وحدة القصيدة تقريبًا، ولم يقفوا عند حد الجوازات لكل تفعيلة، بل تعدّوها إلى حد أنك تشعر بأن بعض قصائدهم لا تلتزم بالوزن ولا بالتفعيلة، كقصيدة زياد هذه، رغم أهميتها ونجاح شاعرها في الإفصاح وتعداد صور الإرهاب الصهيوني كما هي ماثلة في كلمات القصيدة، ورغم الموسيقى الرقراقة فيها والمعاني الجميلة.

ومثل زياد فعل معين بسيسو، عندما تحرر من الوزن والتفعيلة، حتى أنه لا يتقيد كثيرًا بوحدة التفعيلة ولا بجوازاتها، جاء ذلك في قصيدة يعلن فيها نهاية عهد السجون والأغلال والإيمان بأمل القضاء على الإرهابيين الصهاينة:

استمعوا لي. اسمعني يا وطني

اسمعني يا وطني

فالآن خريف الأغلال يولي

والآن سأحرق ظلّي

صمتًا صمتًا، يا حملة أبواق الخفاش الخشبيْ

يا أكلة قربان (العجل الذهبي)

صمتًا ولترفع بيرقها العاصفة السريةْ

والبرق السري

ولتغرد أجنحة صليبكَ

يا قلبي

عندما تتفتح أبوابُ السجون ينطلق طائر الحرية بجناحيهْ(13)

ويتحدّى الشاعر محمود دسوقي من سجنه الصهاينة، مؤكدًا أن السجن لن يرهب من سُلبتْ أملاكُه وبيتُه:

لن يرهب السجن مَن أملاكه سلبت
أضحى يهيم فلا أرض ولا ولد
 

 

وبيته درست آثاره القللُ
ولا بيوت ولا مال و
لا عملُ(14)
 

هذا غيض من فيض، من صور الإرهاب الصهيوني (عبر السجون) في الشعر الفلسطيني المعاصر، وبالتالي هذا هو السجن الذي تمارس فيه شتى ألوان الإرهاب والديكتاتورية، وهو لا يعدو شيئًا أمام إرهاب أشد وأمضى، وهو سلب المنزل والأملاك والثروات، سلب اللقمة من أفواه الجياع، حتى أضحوا مشردين مسلوبي العيال والأولاد، مصادري العمل باب الرزق والحياة، صور إرهابية قاتمة يعرضها الشاعر بأسلوب واقعي عادي بعيد عن العمق والجمالية، وهذان البيتان جزء من قصيدة لامية على البحر البسيط.

يتبع==

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1. - لسان العرب: 1/436، دار صادر، بيروت.

2. - ديوان فدوى طوقان، ص554، دار العودة، بيروت، ط1، 1978م.

3. - ديوان فدوى طوقان، ص614.

4. - المصدر نفسه، ص615.

5. - المصدر نفسه، ص616.

6. - المصدر نفسه، ص616 -617.

7. - محمود درويش، عاشق من فلسطين، دار العودة، بيروت ؛ د. واصف أبو الشباب، شخصية الفلسطيني، دار العودة، بيروت، ط1، 1981 /، ص183.

8. - حنا أبو حنا، نداء الجراح، دار العودة، بيروت 1970م ص77 ؛ د. سالم المعوش ، شعر السجون، ص293.

9. - ديوان سميح القاسم، ص188، دار العودة، بيروت، 1987م ؛ د. سالم المعوش، شعر السجون، ص203.

10. - ديوان محمد درويش ، 1/564-567 ، دار العودة ، بيروت ، ط14، 1994م.

11. - توفيق زياد، ديوان أشد على أياديكم، دار العودة، بيروت، ص105.

12. - ديوان توفيق زياد، دار العودة، بيروت، ص466-468 ؛ شخصية الفلسطيني ، ص223 .

13. - ديوان فلسطين في القلب، معين بسيسو، دار الآداب، ط1، 1965م.

14. - الأدب الفلسطيني المقاوم ، كنفاني ، قصيدة السجن والكفاح ن ص174 ؛ المختارات ، د. سالم المعوش ، شعر السجون ، ص196 ، ط1 ، 2003م .

 

 

تتمة =  صور الإرهاب الصهيوني

في الشعر الفلسطيني المعاصر

صور الإرهاب الصهيوني خارج السجون

لا أعتقد أن شاعرًا فلسطينيًا أغفل عن شعره صور الإرهاب الصهيوني التي تقترف كل يوم بحق الأبرياء، فكما أن صور الإرهاب هذه لا تغيب عن عيون وأجساد الفلسطينيين، فإنها لا تغيب أيضًا عن قصائد الشعراء، فهم يتعرّضون كسائر المواطنين لشتى ألوان الاضطهاد، والشعب الفلسطيني جميعه معرّض للمعاناة نفسها، مواطنين ومسؤولين، حكامًا ومحكومين، فمنذ سنة 1948م عام النكبة، وصور الإرهاب تتواصل، بل تزيد وسائلها وأشكالها، وها نحن اليوم على مشارف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين والصهيونية تزداد وحشية وبربرية في ظل صمت عالمي قاتم، ولا ريب أن الشعر الفلسطيني -والعربي بشكل عام- تاريخ طبيعي وأدبي وفكري لمأساة الفلسطينيين، وحياتهم المشبعة بالقهر والعذاب، وقد برع الشعراء الفلسطينيون في رصد وعرض صور الإرهاب الصهيوني، حيث إنها أصبحت وثيقة دامغة وشواهد حية على مجازر العدو الوحشية، وانتهاكاته المتواصلة لشرعة حقوق الإنسان، وضربه عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية التي تحمي حقوق المواطنين بالأمن والحرية والحياة الكريمة.

ففي أقصوصة صغيرة يتحدث سميح القاسم في قصيدة عنوانها (فراشه) على ألوان العذاب الذي يعانيه الفلسطينيون في حياتهم اليومية خارج السجون، حيث تأثير الإرهاب أعمّ وأشمل:

صدفةْ...

حوّمت حولَ الوردة الحمراءِ  صُدفةْ

حوَّمتْ طائرةُ الهليكوبتر السوداء صدفةْ

قذفت قِنبلةَ اللون على الطلاب صدفةْ

أطلقتْ قنبلة الغاز على المنزل واللوزة والوردةِ

صدفة

كنتِ في الوردةِ في اللون وفي الغازِ

وصدفةْ. أغلق الموتُ على المنظرِ شُرفةْ(15)

وما أقساها من صدفة، ومن الملاحظ أن الشاعر خرج على الوزن والتفعيلة مطلقا، وترك لشاعريته العنان تنسج كيف تشاء من غير حدود، في لغة واضحة جلية معبّرة، إنّ الشعر وهو في هذه الواقعية يستطيع أن يستفز الشاعر، بعكس ما لو كان سرياليًا غامضًا يعتمد الرموز المغلقة في الشعر.

وهناك مقطع من قصيدة أخرى تغرق في النثرية من رأسها حتى أخمص قدميها:

عنوان: ولد يرفع الأعلام على أعمدة الكهرباء

أقصرُ من عمركْ، مسافةُ الموت الذي يمتد من بنادق الجيش

إلى ظهركْ(16)

كما تتجلى صورة الإرهابيين الصهاينة وتصرّفاتهم مع سائق تاكسي، توهَّمَ أنهم مسالمون.

والشاعر يتحدث هو لسائق التاكسي عما فعله به الصهاينة:

خارج البلد استوقفوك فلم تترددْ

حلمت بأجر سخيّ عن السَّفرة الهيّنة،

قلتَ في سرك الساذج: الآن قد وقعوا

التيوسُ الأجانبُ، لا يعلمون بأسعارنا المعلنةْ

إنهم ذاهبون لمستوطنةْ

وفتحتَ لهم باب أوجاعك المزمنةْ

عندما أفرغوا باغةَ الفرد في صدغك الساذج

ارتجفت،

"ربما" ارتجفتْ لوزةٌ وبكت مئذنةْ(17)

هكذا مع المواطنين، في أعمالهم، في متاجرهم في مدارسهم، في حقولهم ومنازلهم، صور الإرهاب والتنكيل لا تنتهي، والملاحظ أن الشاعر في القصيدة السالفة لم يلتزم بوزن ولا بتفعيلة، كما فعل في غيرها مما أشرنا إليه، إنه سميح القاسم شاعر المقاومة.

والقصة التي عرضها واضحة سلسة واقعية، وكأنه مصور حاذق لدقائق الأمور.

وما زلنا مع سميح القاسم، ولعله أكثر الشعراء الفلسطينيين عنفوانًا وثورية، ففي قصيدته (على أكتاف أشعاري) يخاطب الصهاينة الإرهابيين قائلاً:

لمن هذي السياط الحمر والأغلال والبارودْ

ويجيب هو أنها: لنسر القمة المفؤودْ

لدوريّ يجوب الأرض منفيًا

لحرفٍ عوَّد الأحزان أن تغلي

هنا يستعمل الشاعر التفعيلة (مفاعيلن مفاعيلن) بأسلوب موسيقي جميل أخّاذ، ولغة تتسم بالقوة، وبهذا التساؤل المرّ، عبر سرد صور الإرهاب التي يستخدمها العدو الصهيوني.

وتأمّل هذا السيل الجارف من العبارات الدالة على الإرهاب الصهيوني، هكذا يتحدّث سميح القاسم مخاطبًا العدو الصهيوني:

أنا يا بابي المغلقْ

على مرّ الليالي السودْ، أحسّ بنكبتي أعمقْ

أحسّ بأحرفي شوقًا لأن تحرقْ

أنا عاهدت حتى الموت، أطفالي وآلهتي

وأتت تريد معصيتي

كفى يا أتفه الأوثان لن أنسى

إله اليتم والأحزان والتشريد... لا تغضبْ

إذا ما دمَّعتْ عيناك جوف دخان أشعاري

فمنا جثث الأحباب، ومن ساحاتنا الحفرةْ

إله الحرب لا تغضبْ،

فمن يُتمي، ومن حزني، ومن جوعي، ومن عاري

يشبّ لهيب أشعاري

ولن أتعبْ، من الجرح الذي غمدت في مجراه أوتاري(18)

أرأيت هذا السيل الجارف من استعراض صور الإرهاب الفاشيّة الدامية، بحق هذا الشعب المعذب، والشاعر إذا تحدّث فهو يمثّل ويتحدّث باسم الشعب الفلسطيني كله دون استثناء، وقد حافظ إجمالاً على التفعيلة (مفاعيلن) بأسلوب رقراق عذب فيه صور خلابة وواقعية في الوقت نفسه.

وتبرز صور الإرهاب الصهيوني بوضوح في قصيدة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو وهو يتحدّث عن شهيد:

يا مثقل الكفين بالأوراق في عصف الخريف وبالثمارْ

الليل ليس له صديق والنهارْ

والشاعر معين بسيسو أحسّ بعمق مأساة شعبه، فكانت محاولة إسكات صوته، ولكنه لم يأبه ولم يكترث لأي شيء، فهو مصرّ عنيد في طلب الحق، من أجل مصلحة شعبه، وهو وإن ظهرت على شعره مسحة من الرمزية ، أضفَتْ على تعابيره بعض الغموض، فهذا ناشئ عن ظروف سياسية عاشها الفلسطيني خارج الأرض المحتلة، وهو في القصيدة التي سنعرضها يظهر بسيسو ملتحمًا مع شعبه وقضيته، يحمل مآسي هذا الشعب ووجدانه، ويعبر عنها خير تعبير، فهو في قصيدته (كأس الخل) يترجم كل هذه المعاني التي أشرنا إليها، يقول معين:

واقترعوا يا شعبي

من يأخذ ثوبي بعد الصلبْ...

كأس الخل بيمناي

وإكليل الشوك على رأسي

باراباس ابن السكين طليقٌ

وابنك يا شعبي

ساقوه إلى الصلب وللرجمْ

لن أهرب من كأس الخلِ

وإكليل الشوكْ

وسأنحت من عظمي مسمار صليبي

وسأمضي

أبذر قطرات دمائي في الأرضْ

إن لم أتمزّقْ... كيف ستولد من قلبي

كيف سأولد من قلبك يا شعبي(19)

تلك صور الإرهاب واضحة جلية في النص، تكشف عن رعونة العدو وبربريته، وعن بطولة الشاعر وعنفوانه الذي لا يتزعزع، يكرّسه للتضحية في سبيل شعبه.

وتأمّل هذه الأبيات التي تُعرّي العدو الصهيوني وتكشف عن صور إرهابه المقيت، وعن إصرار الشعب المناضل على الثأر من القتلة والسفاحين، جاء ذلك في قصيدة من ديوان (المعركة):

أخي من خلال حبال السياط ومن حلقات القيود الثقالْ

تطلع إلى وطن الكادحين وقد شنقوه بسود الحبالْ

أخي، من هنا سوف تجري السيولْ

فتجرف أغلالنا والوحولْ

ويثأر من قاتليه القتيل(20)

هنا على خلاف قصائده السابقة يلتزم الشاعر التفعيلة والقافية، بأسلوب أكثر وضوحًا وواقعية.

ويصوّر الشاعر يوسف الخطيب مدى تحمّله لإرهاب العدو الصهيوني الذي تجاوز كل الحدود:

تحدّيت أن شعبي يباع، وموطني
يباح، وأن أغلي الحصى قوت أطفالي
صعاب دروبي، في الموات اجتبيتها
وفي الشوك والجلمود، والأفق العاري
ويا أيها الجلاد أوثقت معصمي
فمن أين يا جلاد توثق إصراري
(21)

 

والخطيب هنا شانه شأن جميع الشعراء الفلسطينيين، عرض لمجازر وإرهاب الصهاينة، وإصرار على الكفاح والصمود، بأسلوب واضح يتسم بالواقعية والقوة، في ظل تشتت في تفعيلة النص أحيانًا، وتتجلى الصور الإرهابية في الشوك والجلمود والجلاد وتكبيل المعصم وسلب أقوات الأطفال.

وفي قصيدة تتسم بالبساطة والسلاسة والعذوبة على التفعيلة الراقصة (فَعْلَنْ فَعْلَنْ )، يتحدث الشاعر توفيق زياد على صور الإرهاب الصهيوني المتمثل في العذاب الشديد والقيود الثقيلة وانتشار الجوع والبطالة التي كَوَت الشعب ورمته في أتون الحاجة:

ومن أين تأتي النقودْ

وقد أصبحت أمنيات جميلةْ

وأحلام شعب يقاسي العذابْ

ويبلو حديد القيود الثقيلةْ

لوى فكّه الجوع ليا

ونار البطالة تكويه كيّا

سعى في مناكبها

وباع من الفقر بيتًا، بناه بكد وكدحِ

وباع السراج وباع الفتيلةْ

ليطعم أفراخه الجائعين(22)

وتظهر الصور عادية من صميم الواقع بعيدة عن العمق والقوة، إنما هي ثبت وعرض لمعاناة شعب صامد، سلبه الإرهاب الصهيوني علة حياته حتى اضطر لأن يبيع كل شيء تقريبًا.

وانظر إلى هذه المقطوعة التي جمعت على وجه التقريب معظم صور الإرهاب الصهيوني للشاعر الفلسطيني حنا أبو حنا:

كيف العزاء وكيف يسلو الويل شعب ثاكلُ
عصفت بروحه الخطوبُ وصارعته نوازلُ
ما زال يحملُ جرحَه في صدره ويطاولُ
وتسير في درب الدماء على خطاهُ غوائلُ
نبتتْ كأنياب الوحوش تنوشه وتصاولُ
أبدًا تطوف على الرقاب معاولٌ ومناجلُ
(23)

 

تصوير واضح واقعي لحياة الفلسطينيين الشاقة والدامية تحت سياط الإرهاب الصهيوني، ولولا الإشكال في التفعيلة الثانية من البيت الثاني لكانت استقامت القصيدة كلها على (مستفعلن أو متفاعلن)

وننهي هذا القسم بجزء من قصيدة (سوط) للشاعر الفلسطيني العربي محمود درويش، وهي رمز للتحدي والصمود والشموخ، وفيها عرض لبعض صور الإرهاب الصهيوني بأسلوب جمالي خلاب، منتزع من صميم الواقع الفلسطيني، وهي من شعر التفعيلة مبنية على (مستفعلن متفاعلن)، ذات مقاطع موسيقية موحية، تكشف عن شاعرية فذة:

يا سيداتي ساداتي

شامخين على الحرابْ

الساق تقطع والرقابْ

والقلب يطفأ لو أردتم والسحابْ

يمشي على أقدامكم،والعين تُسمل والهضابْ

تنهارُ

ألا صحتم بها، ودمي المُمَلح بالترابْ

إن جفَّ كرمكم يصير إلى شرابْ، والنيل يسكب في الفراتِ

إذا أردتم والغراب، لو شئتمُ

في الليل شابْ... لكن صوتي صاح يومًا

لا أهابْ

فلتجلدوه إذا استطعتم واركضوا خلف الصدى

ما دام يهتف لا أهابْ(24)

يتبع ==

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

15. - ديوان سميح القاسم، ج3، ص528 -529، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992م.

16. - المصدر السابق ، ج3 ص531.

17. - المصدر نفسه، ص520.

18. - المصدر السابق، ج1، ص173-174.

19. - د. واصف أبو الشباب، شخصية الفلسطيني، ص182.

20. - معين بسيسو، ديوان (المعركة)، دار الفن الحديث، 1952 م، صفحات غير مرقّمة ؛ واصف أبو الشباب، شخصية الفلسطيني، ص133.

21. -  يوسف الخطيب، واحة الجحيم، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1964م، ص163-168.

22. - توفيق زياد، ديوان الوطن المحتل، دار فلسطين، ط1، 1968م، ص499 ؛ د. واصف أبو الشباب، شخصية الفلسطيني، ص105.

23. - حنا أبو حنا، ديوان نداء الجراح، دار العودة، 1970م، ص126-127 ؛ شخصية الفلسطيني، ص161.

24. - محمود درويش، الديوان، ج1 ص170، دار العودة، بيروت.

 

 

تتمة =  صور الإرهاب الصهيوني

في الشعر الفلسطيني المعاصر

صور الإرهاب الصهيوني في رثائيات محمد الدره

لم يخل نتاج شاعر فلسطيني أو عربي حتى من الحديث عن استشهاد محمد الدره، الطفل الفلسطيني الذي استشهد وهو في حضن أبيه، في مشهد إرهابي لم يرتكب مثله إلا النازيون، بل إن معظم هذا الشعر اتخذ هذا الحدث منطلقًا للحديث عن صور الإرهاب المماثلة التي ارتكبها العدو الصهيوني بحق الفلسطينيين الأبرياء، وكان حافزًا لهم ودافعا على تفجير النقمة والحقد على هؤلاء البرابرة.

أما المصدر الأساس الذي رجعتُ إليه في هذا القسم، فهو مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري -مقرها الكويت- وقد جمعت هذه المؤسسة معظم القصائد التي قيلت في استشهاد الطفل محمد الدره، في ثلاث مجلدات من القطع الكبير.

والحقيقة، أن باستطاعة أيّ باحث تأليف كتاب عن صور الإرهاب الصهيوني في الشعر العربي عامة والفلسطيني خاصة من خلال هذه الموسوعة.

لكن الآن، ماذا أوحى استشهاد هذا الطفل للشعراء الفلسطينيين، وما الصور الإرهابية التي التقطوها عبر رحلتهم في هذا الحدث الذي أثار من دون شك كوامن شتى ومشاهد مختلفة.

يقول الشاعر الفلسطيني عصام ترشحاني من قصيدة قالها بلسان محمد الدره في حفل تأبينه، يشير في معاناته -ضمنًا- إلى صور الإرهاب التي واجهته:

في ساعة سرقت غدي

والحلم يهرب بالدفاتر والقلمْ،

قلبي تضوّر في يدي، قلبي تكاثر بالفجيعة والألمْ

فرميت أعدائي بهِ

كانوا على كابوس رشاشين من رأسي يعدون الكفنْ(25)

يتحدّث الطفل محمد الدره عن الإرهاب الذي واجهه، ويقصّ علينا صورة مقتله الدامي، بأسلوب حرص الشاعر على أن يكون موحيًا جذابًا داميا، ولم يخرج ترشحاني على موسيقى الشعر فاختار تفعيلة البحر لنصه (متفاعلن أو مستفعلن).

ويستوحي الشاعر الفلسطيني عمر خليل عمر من خلال ما حصل لمحمد الدره، صور الإرهاب الصهيوني وأشكاله، والتي تقترف كل يوم بحق الشعب الفلسطيني، والقصيدة عمودية على بحر الكامل، تفيض بالتحدي والغضب والإصرار على الصمود رغم قساوة المعاناة وعنف المآسي، وقد صيغت بأسلوب حماسي واقعي عذب الجرس والموسيقى ملون ببعض الصور البلاغية:

أطلق رصاصك أيها السفاحُ
أطلق رصاصك إننا فرسانها
يا قاتل الأطفال هذا عهدكم
هذا الرصاص وثيقة عنوانها

 

 

فصدورنا مأوى له ومراحُ
وج
راحنا ورد لها وأقاحُ
عهد اليهود
خديعة ونباحُ
وشم على هاماتنا ووشاح
(26)

 

أما الشاعر الفلسطيني عبد الحليم أبو عليا، فإنه يربط بين الإرهاب الصهيوني والإرهاب الأميركي في قصيدة هي خليط من الشعر العامودي وشعر التفعيلة، وهنا يتحدّث الشاعر على لسان الشهيد محمد الدره وهو يخاطب أباه:

أبي قل لي، وما معنى العروبةْ

قلْ وها دمنا على الطرقاتِ

يهطل والرصاص الحيْ

أبي، قل لي:

لماذا لم تقل شِدمي
يُذبح كيفما يهوى
ومن بالأمس قد قتلوا
وإن جميعهم شِدمي
لماذا لم
تقل لي أنّ
ورأس الحية الرقطا

 

 

يمثل روح هذا العصرْ
ويغتصب الشذى والخيرْ
النبوءة يقتلون الزهرْ
وفي دمهم يسير الغدرْ
أمريكا أساسُ الشرْ
ءِ أمريكا البلاءُ القهرْ

 

لماذا لم تعلمني

بأن العالم المحشوّ في أعقاب أمريكا

يغضّ الطرفْ

وهي تدوس بالدبابة العصفور والأطفال والأزهار

والأشجارَ

تزرعُ في الربوع الخوف

بحقك يا أبي قل لي

لماذا كل هذا العهر(27)

انظر إلى صور الإرهاب التي يفيض بها هذا النص، والملاحظ أن الشاعر يحمّل المسؤولية عن هذا الإرهاب لكلٍّ من إسرائيل وأمريكا التي يعتبرها أساس الإرهاب ومُصدِّرته:

الدم على الطرقات، والرصاص الحي يحصد الأبرياء، والذبح والاغتصاب، والقتل ودوس البراءة، والبلاء والشر، كل هذا يمارس في حق الشعب الفلسطيني المناضل في ظل صمت عربي غريب.

والشاعر هنا يقدّم لنا عرضًا لسياسة الاستعمار، بأسلوب واضح جلي وبلسان الشهيد الطفل: ليكون ما يقوله حجة عليهم ودليلاً ساطعًا على إرهابهم.

وقد استخدم الشاعر في القسمين العامودي والحديث التفعيلة نفسها (مفاعيلن مفاعيلن) وتزخر القصيدة ببعض الصور الواقعية التي تهدف إلى نقل صورة الواقع الفلسطيني إلى العالم.

ونستطيع أن نلمح في قصيدة الشاعر محمود البكر قسمين، أحدهما يشير إلى الإرهاب الصهيوني من خلال حديث محمد الدره نفسه، وثانيهما من خلال الأطفال والناس بشكل عام، لتتشكل من أحاديثهم جميعها معجم المفردات الإرهابية في القصيدة.

والنص بعنوان (نشيد على صدر أمي) بلسان الطفل محمد الدره:

يفاجئني الآن وحشٌ

يعضّ الدروب أمام خطاي

وينشر في كل أرض خرابًا مريعًا

أهذا هو الموت، ما زلتُ غِرًّا

وهذا قميصي رهيف كزغب اليمامْ

وجسمي شبيه بنايْ

فمن أي طين تخلق وحشٌ

بلمسة يهوا

وأيّ ظلام غذّاه، وأية ريح رمته إلينا

فصار قطيع ذئاب بوجه بشرْ

يمارس قتل الطفولة فرض صلاةٍ

ويسفك سيل دماء ليعجن خبز الفطيرْ

ليكمل طقس العبادهْ

ويلهو بقلع العيونْ

ويسكب زيت جراري قرابين فوق الدمارِ

ويسلب كلَّ العذارى

ويخطف من عين طفلٍ ضياء القمرْ(28)

والقصيدة من شعر التفيعلة، دارت جميعها على وزن (فعولن فعولن) واتسمت بالواقعية والأسلوب الإخباري القصصي، ومحور القصيدة الشهيد محمد الدره، وهو أكبر شاهد على همجية العدو، وأكثر معرفة بصور الإرهاب التي عاناها وعايشها رغم صغر سنه، فالعدو لا يفرق بين طفل وشيخ، أو رجل وامرأة، ولو استطلعنا مفردات القصيدة، لوجدنا أنها جميعها تدل دلالة قاطعة على ما نتوخّاه، المعالم الإرهابية تدل على نفسها بنفسها، الوحش والموت والخراب والريح والذئاب والقتل المتعمد وسفك الدماء وقلع العيون والدماء وإطفاء ضوء القمر من عيون الأطفال... الخ.

وليست هذه الصور الإرهابية من قبيل التخيّل، إنها الحقيقة الدامغة التي يدفعها الفلسطيني ثمنًا لتمسّكه بأرضه ومقاومته.

وفي قصيدة (دمنا الذي يمشي بنا) للشاعر الفلسطيني محمود حامد، حديث لمحمد الدره نفسه عن استشهاده وعنفوانه، وهي صورة الفلسطيني المناضل دائمًا، والقصيدة طويلة وهي من شعر التفعيلة (مستفعلن متفاعلن).

بعد مقدمة عن النضال والصمود ونقد الأمة العربية، ودعوة إلى النضال والانتفاضة وخلع ثوب القعود والانكفاء والاحتفاء بدم الشهيد، يخاطب الشاعرُ الجلادَ الصهيوني معددا أعماله الإرهابية بلغة واضحة سهلة ليس فيها عمق وغلو، وتلوح من بين السطور بعض الصور البلاغية الجميلة:

هذا الرصاص لغيرنا يا أيها الجلادُ

أقرأتَ عن طير الأبابيل التي تأتي

أتينا أيها الأوغادُ

هي شهقة البرق التي قد صاغها دمنا

ألا فاسمع غدًا ما يصنع الأولادُ

هنا يمزج الشاعر بين الحديث عن صور الإرهاب وعن مواجهتها بالقوة:

نحن الذين هنا سنبقى

ذلك الشجر المقاوم والغزاة رمادُ(29)

والقصيدة بشكلِ قصة يروي فيها دره ما حصل له، وفيها خطاب طويل لأبيه، وأنك لتلمح من بين الكلمات تصرّفات وإرهاب الصهاينة المجرمين:

خطفوك مني يا أبي، قتلوا طيور الحلم في صدري

وردوني إليك بلا يدينْ

لم يدركوا أني حفظتك يا أبي في المقلتينْ

قدرًا وإني زينب الأخرى،

وأنت تبعث فـيَّ الحسينْ(30)

والملاحظ أن الشاعر ظلّ على نفس النسق التفعيلي واعتمد الموسيقى نفسها في القصيدة كلها معتمدًا قافية الدال والنون، مستخدمًا بعض التعابير التاريخية النضالية الدينية، ليؤكد إسقاط الماضي على الحاضر، وأن كل نضال في سبيل الحق والحرية هو نضال حسيني ضد يزيديي العصر الحديث المتمثلين هنا في القصيدة بالصهاينة الإرهابيين وأمثالهم.

ويعدد الشاعر ماهر رجا في ديوانه (هواجس الفتى الغافي) فصول قصة محمد الدره.

وله قصيدة طويلة مفعّلة عنوانها (مطر يقود محمد) تحكي هذا الواقع بأسلوب فيه مسحة من خيال ومحطات جمالية موحية، وهو يستعمل تفعيلة بحر الرجز الراقص (فعولن فعولن) مما يضفي على القصيدة جوًا موسيقيًا مؤثرًا.

والذي يهمنا في القصيدة مقطع يتناول الإرهاب الصهيوني، ومحمد فيها هو الذي يراهم ويعيش معاناة إرهابهم، التي تحكيها كل عبارة وكلمة مما سيأتي من فصول القصيدة:

يراهم محمد = البنادق أسماؤهم،

وإن قتلوه فهم عادةً

ينحرون الظلال الصغيرة

وهم يولدون لكي يقتلوا

وهم يقتلون لكي يولدوا

ثم يحكي محمد نفسه: وأنا هويت بلا حجر عندما قتلوني

وكنت بلا أصدقاء ولكنهم قتلوني

وقلب أبي: سيقتنصون يديه اللتين تحكّان بي

لكي تمحواني قليلاً أمام الرصاص

فيسقط وشم ذراع  أبي

على جلد صدري مصابا

سيقتلعون الطريق الصغيرة باللعناتْ

ويقتلون وقوف الشجر

لئلا يحاول أن ينهمر فوق شوك السياج

وأخيرًا يقول الشاعر:

قل ما تريد لنا لنموت هنا

لن تموت المدائن بالقبح يا أيها الغرباء

لن تموت ظلال الذين مضوا

فهم يتركون على الدرب أسماءهم

ولا يأخذون على فرس الحزن أحمالهمْ

حنطةً ووجوهًا، بكاءً، وماءْ(31)

هذا غيض من فيض، مما في الشعر الفلسطيني من صور الإرهاب الصهيوني وهو يشكل دون شك جزءًا محترمًا وكبيرًا، مما يحفل به هذا الشعر من معانٍ وتصورات لمختلف جوانب القضية الفلسطينية وأحوالها.

فهرس بأسماء الشعراء حسب تسلسل ورود كل منهم في البحث:

- فدوى طوقان: شاعرة فلسطينية ولدت في مدينة نابلس سنة 1919م، حُرمت من إتمام دراستها بسبب التقاليد الصارمة، وهي شقيقة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان.

من دواوينها: وحدي مع الأيام 1962م، وجدتها 1974م، أعطنا حبّا 1965، أمام الباب المغلق 1967م، الليل والفرسان 1969م.

- محمود درويش: شاعر فلسطيني ولد في 17 آذار سنة 1941م، في قرية البروة، وهو الآن من كبار الشعراء العرب، استقر أخيرًا في رام الله ، شاعر غزير الإنتاج شعرًا ونثرًا.

من دواوينه: "أوراق الزيتون"، "عاشق من فلسطين"، "يوميات جرح فلسطيني"، "وأخيرًا".

- سميح القاسم: شاعر فلسطيني ولد في الأردن في مدينة الزرقاء عام 1939م، انتقل إلى فلسطين وأنهى دراسته الابتدائية في بلدة (الرامة) والثانوية في الناصرة، سجن عدة مرات منها عام 1967م.

من دواوينه: أغاني الدروب (في فلسطين 1964)، دمي على كفّي (فلسطين 1965)، دخان البراكين طبع في فلسطين أيضًا عام 1967م.

 - حنا أبو حنا: شاعر فلسطيني ولد عام 1928م، في قرية الرامة ضواحي الناصرة، ويعيش في حيفا، له ديوان نداء الجرح 1970م.

- معين بسيسو: شاعر فلسطيني من مواليد غزة سنة 1930م.

من دواوينه: المعركة 1951م، فلسطين في القلب 1963م، الأشجار تموت واقفة 1965م، القتلى والمقاتلون والسكارى 1970م.

- محمود دسوقي: شاعر فلسطيني، ولد في قرية الطيبة الفلسطينية.

من دواوينه: مع الأحرار 1959م، "موكب الأحرار" الذي صودر ومنع بيعه واعتقل الشاعر في إثرها حيث نظم قصيدة "السجن والكفاح".

- توفيق زياد: شاعر فلسطيني، من مواليد كفركنّه، إلا أنه انتقل إلى الناصرة وعاش فيها، مثقف ثقافة واسعة ، تعرض للسجن والإقامة الجبرية كثيرًا، بدأ نظم الشعر مع بداية النكبة عام 1948م.

من دواوينه: أشدّ على أياديكم (دون تاريخ)، ادفنوا أمواتكم وانهضوا 1970م، تهليلة الموت والشهادة 1972م، أغنيات الثورة والغضب (دون تاريخ).

- يوسف الخطيب: شاعر فلسطيني من مواليد قرية دورة الخليل عام 1931م، نزح إلى الضفة أيام النكبة، وأتمّ تعليمه في كلية (بير زيت) القريبة من رام الله.

من دواوينه: العيون الظماء للنور (دمشق 1955م)، عائدون (بيروت 1959م)، واحة الجحيم (بيروت 1964م)، وله في النثر مذبحة كفر قاسم (دمشق 1972م).

- عصام ترشحاني: شاعر فلسطيني من مواليد 1944م، مقيم في سوريا، له دواوين كثيرة ، منها: قراءة في دفتر الرعد 1975م.

- عمر خليل عمر: شاعر فلسطيني من مواليد سنة 1936م.

من دواوينه: لن أركع 1965م، أغاني للوطن 1998م.

- عبد الحليم أبو عليا: شاعر فلسطيني من مواليد سنة 1957م ليس له ديوان مطبوع.

- محمود البكر: محمود مفلح البكر، شاعر فلسطيني من مواليد 1947م، من دواوينه أغنيات للأطفال 2000م.

- محمود حامد: محمود رضا حامد، شاعر فلسطيني من مواليد سنة 1941م، له أربعة دواوين في آخرها "شهقة الأرجوان" سنة 2000م.

- ماهر رجا: شاعر فلسطيني من مواليد درعا في سوريا سنة 1961م، له أكثر من ديوان أولها "هواجس الفتى الغاني" 1991م.

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

25. - عصام ترشحاني، ديوان الشهيد محمد الدره، مؤسسة البابطين للإبداع الشعري، ج2 ص331.

26. - المصدر نفسه، ج2 /392.

27. - المصدر نفسه، 2/116 - 117.

28. - المصدر نفسه، 3 / 332.

29. - ديوان الشهيد محمد الدره، ص284.

30. - المصدر نفسه، ص290.

31. - المصدر نفسه، ج3 ص49-52-53.

 

115%