رسالة النجف

الإفتتاحية

 

الافتتاحية

بسم الله الرحمن الرحيم

روي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال :

"حديثنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن أو مدينة حصينة ، فإذا وقع أمرنا وجاء مهديّنا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان ، يطأ عدونا برجليه ، ويضربه بكفيه ، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد".

وروي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال :

"يا عليّ ما عرف الله إلا أنا وأنت ، وما عرفني إلا الله وأنت ، وما عرفك إلا الله وأنا" .

 وما أردنا من ذكر هذين الحديثين سوى عرض نموذج سريع لمقام آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، مدللين بذلك على مقدار الصعوبة ومدى القصور اللذين يعتريان الكاتب أو الشاعر حين يتصدى للكلام على أصحاب ذلك المقام ، عنيت بهم العترة الطاهرة (عليهم السلام) .

وهذا ما عبر عنه الكثيرون من الكتّاب والبحّاثة ، والمبدعين على اختلاف مشاربهم وتباين مللهم ونحلهم . ولو شئنا الاستقصاء لاقتضانا ذلك إلى تأليف سفر كبير يجمع كلماتهم ويصوّر مواقفهم .

غير أننا ولضيق المقام سنكتفي بإشارة عابرة إلى نصوص بعض الأدباء المبدعين ، والتي يبيّنون فيها مدى صعوبة الحديث حول آل بيت النبوّة (عليهم السلام) ، أو يصوّرون فيها غرابة أمرهم بحيث أن محبة الخلق إياهم قد تعدّت النوع الإنساني لتصل إلى كل العوالم . وقد اقتصرنا على انتقاء كلمات بعض النصارى دون المسلمين ، بغية التدليل على أن أمر آل البيت (عليهم السلام) لم يختص بأهل دين واحد ، أو بأصحاب ملّة معيّنة .

يقول الشاعر سعيد عقل ، متحدثًا حول الإمام علي (عليه السلام) :

كلامي على ربّ الكلامِ هوىً صعبُ
 

 

تهيّبتُ إلا أنني السيفُ لم ينبُ
 

ويقول الشاعر خليل فرحات مخاطبًا الإمام عليًا (عليه السلام) :

وتستغفر الأعمارُ عندك

جهلها...

وتبقى كما يا أنت

في العِلم والغَفر !..

ويقول الشاعر زبينا بن إسحق النصراني الرسغي :

وما تعتريني في عليّ ورهطه
يقولون ما بال النصارى تحبُّهم
فقلت لهم إني لأحسب حبّهم
 

 

إذا ذكروا في الله لومةُ لائم
وأهل النُّهى من أعرب وأعاجم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم
 

إننا وانطلاقًا من ذلك كله رأينا أن نُخصّص ملف هذا العدد بموضوع غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ، وهو الإمام الأخير في سلسلة النور من آل بيت النبوة (عليهم السلام) ، وهو أمل أهل الأرض في قيام الدولة العادلة ، ونحن إذ نفعل ذلك فإننا نعترف سلفًا بالقصور ، ونقرّ بالعجز عن وفاء الموضوع بعض حقه ، أو حتى عن مقاربته مقاربةً معقولة ، غير أن هذا الأمر وإن كان صعبًا مستصعبًا ، إلا أنه لم يحُل دون فعل الميسور .

هذا فيما يتعلق بملف العدد ، وأما فيما يتعلّق بالمقالات الأخرى ، فنأمل أن يجد فيها القارئ دراسات قيّمة لما تتميز به من لفتات نادرة وأطروحات جديدة. والله ولي القبول .

 

 

 

 

السفارة في زمن الغيبة الصغرى

الشيخ أحمد صمادي

مقدمة

ولد الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه) ليلة النصف من شعبان سنة 255هـ، وعاش في كنف والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مُغيَّبًا عن الأنظار إلا عن الخُلّص من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، واستلم الإمامة بعد شهادة والده (عليهما السلام) يوم 8 ربيع الأول سنة 260هـ وله من العمر أربع سنوات وما يقارب السبعة أشهر، وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يغيب عن شيعته ومواليه لأسباب لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، وإن كشف الأئمة (عليهم السلام) بعض تلك الأسباب لإقناع السائلين عن ذلك كما سيأتي، وبما أن الغيبة التامة شديدة الوقع على أتباع أهل البيت ومواليهم، فلذا كانت للقائم (عجل الله فرجه) غيبتان، والأولى منهما -والتي عرفت بالصغرى- تمهيد للكبرى التامة.

روى الكليني (أعلى الله مقامه الشريف في كتاب الكافي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه(1).

وقد أعدّ النبي وآله (عليهم السلام) لإمامة الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، ومهّدوا لغيبته التي هي من أبرز خصائص الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، فكان ما ورد من الرسول والأئمة الأطهار (عليهم السلام) في هذا المورد، عبارة عن عملية تعبئة نفسيّة للأمة الإسلامية لاستقبال هذا الحدث المهم: حدث الغيبة، وتفاصيله، وخصائصه.

وسنتناول في بحثنا هذا، واحدًا من الأمور التي ترتبط بالإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه)، وبحقبة من تاريخه الشريف، وهو قضية السفارة في الغيبة الصغرى.

مفهوم السفارة والسفير

السفير هو: من يحمل شيئًا مِمّن يرسله إلى المُرسل إليه ومنه قوله تعالى {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ}(2)، أي كتبة من الملائكة يستنسخون من اللوح أو الوحي، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله ورسله، جمع سافر، من السِفر بالكسر أو السفارة، يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها(3).

وقيل: هم الذين يسفرون بالوحي بينه تعالى وبين الأنبياء على أنه جمع سفير من السِفارة بكسر السين، وأصلها الإصلاح، يقال: سفرت بين القوم أي أصلحت، ثم سمي الرسول سفيرًا لأنه يسعى في الإصلاح ويُبعث له غالبًا فأطلقت السفارة على مُطْلَق الرسالة(4).

وقال السيد الطباطبائي: الفرق بين الرسول والنبي (صلى الله عليه وآله) أن النبوة هي منصب البعث والتبليغ، والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم والقضاء بالحق بين الناس(5).

ولهذا أُطلق "السفير" على الرسول والوصي صلوات الله عليهما، ففي زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم مولده الشريف: السلام عليك أيها السفير بين الله وبين خلقه(6).

وفي زيارة الأمير (عليه السلام) يوم المولد: السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين يا أمين الله في أرضه وسفيره في خلقه(7).

وكذا في زيارة الحسين (عليه السلام) أول رجب والنصف منه ومن شعبان: السلام عليك يا سفير الله وابن سفيره (8).

وفي بعض الزيارات للائمة (عليهم السلام): أنتم السفراء بينه وبين خلقه(9).

وفي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام): وأما حق إمامك في صلاتك فأن تعلم أنه تقلد السفارة في ما بينك وبين ربك(10).

وقد جاء التعبير بالسفير والوكيل والباب في حق الوكلاء المخصوصين بالإمام (عجل الله فرجه) في كلمات الأئمة (عليهم السلام). فقد روي عن العسكري (عليه السلام): أن أبا محمد عثمان بن سعيد العمري وكيله، وهو بابه والسفير بينه وبين شيعته(11).

وفي زيارة السفراء -والتي نقلها شيخ الطائفة أعلى الله مقامه في التهذيب، بعد زيارة المعصومين أرواحنا فداهم- لكل واحد من هؤلاء الأربعة: أشهد أنك باب المولى، أديت عنه وأديت إليه... والسلام عليك من سفير ما آمنك ومن ثقة ما أمكنك(12).

فهم باب الإمام الذي منه يُؤتى، وبتوسطهم يتم سؤال الإمام وطلب الحوائج منه (عليه السلام).

كذلك ورد التعبير عنه بالطريق على لسان جماعة من الشيعة في زمن السفير الثاني، حيث تنازعوا في مسألة عقائدية، فقال بعضهم: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألوه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه؟ فإنه الطريق إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة(13).

لذا فإن السفارة هي مقام عظيم تَقلّدها السفراء الأربعة رضوان الله عليهم، فهم ينقلون ما يرسله الإمام إلى الناس، وما يرسله الناس إلى الإمام، فيسفرون بعلم الإمام (عليه السلام)، ويكشفونه للناس، ويقضون حوائجهم. فالسفارة -سواء كانت بفتح السين بمعنى الرسول أو بكسرها بمعنى المصلح- هي موجودة في السفير، فهو مصلح ورسول للإمام (عليه السلام)، وواسطة بينه وبين الناس، وهذا المعنى لا يوجد في مطلق الوكيل والنائب، وإن عُبّر بذلك عنهم رضوان الله عليهم كما في رواية العسكري (عليه السلام) المتقدمة، إلا أن المراد به: الوكالة والنيابة الخاصة، وبذلك يفترقون عن الوكلاء الذين كانوا يعملون تحت لوائهم في مختلف المناطق في الغيبة الصغرى.

السفراء في الغيبة الصغرى

السفير الاول

هو: أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن عمرو العَمْري الأسدي السَمّان، نسبة إلى جده من أمه أبي جعفر العمري، وقيل: إن أبا محمد الحسن العسكري (عليه السلام) قال: لا يجمع على امرىء بين عثمان وأبي عمرو، وأمر بكسر كنيته، فقيل العمري، ويقال له العسكري لأنه كان يسكن عسكر (سر من رأى)، ويلقب بالسّمان والزيّات لأنه كان يتّجر بالسمن تغطية للأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى الإمام العسكري (عليه السلام) ما يجب عليهم من المال جعله أبو عمرو في زقاق السمن وحمله إليه تقية وخوفًا(14).

كان رضوان الله عليه عالمًا فقيها جليلاً محترمًا عند الفريقين، أمينًا على أمور الدين والدنيا، موضع ثقة المسلمين، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو ثقة العسكريين (عليهما السلام)، وبابهما الذي يؤتى منه، ووكيلهما المطلق، وسفير خاتم الأئمة الطاهرين الإمام الحجة بن الحسن صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)، ونائبه في زمان الغيبة الصغرى كما تقدم، ويكفيه جلالة و فخرًا أنه تولى تجهيز الإمام العسكري (عليه السلام)، فعن أبي نصر هبة الله بن أحمد الكاتب عن شيوخه: أنه لما مات الحسن بن علي (عليهما السلام)، حضر غسله عثمان بن سعيد رضي الله عنه وأرضاه، وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه ودفنه، مأمورًا بذلك للظاهر من الحال، التي لا يمكن جحدها ولا دفعها إلا بدفع حقائق الأشياء في ظواهرها.

وكانت توقيعات صاحب الأمر (عجل الله فرجه) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان، إلى شيعته وخواص أبيه أبي محمد (عليه السلام)، بالأمر والنهي والأجوبة عما يسأل الشيعة عنه، إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفي عثمان بن سعيد رحمه الله ورضي عنه، وغسله ابنه أبو جعفر، وتولى القيام به، وحصل الأمر كله مردودًا إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته، لما تقدم له من النص عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة العسكري (عليه السلام)، وبعد موته في حياة أبيه عثمان رحمة الله عليه.

رزق رضوان الله عليه بولدين هما: أحمد ومحمد الذي خلفه في السفارة(15). تشرّف بخدمة الهادي (عليه السلام) وله من العمر إحدى عشرة سنة(16). بل ذكر العلامة في الخلاصة أنه كان من أصحاب الجواد وخدّامه (عليه السلام)(17) . ثم صار وكيلا للهادي (عليه السلام)، ومن بعده عُين وكيلاً خاصًا للإمام العسكري (عليه السلام).

حدث أحمد بن إسحاق بن سعد القمي قال: دخلت على أبي الحسن علي بن محمد صلوات الله عليه في يوم من الأيام، فقلت: يا سيدي أنا أغيب وأشهد، ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت، فقول من نقبل؟ وأمر من نمتثل؟ فقال لي صلوات الله عليه: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعني يقوله، وما أداه إليكم فعني يؤديه. فلما مضى أبو الحسن(عليه السلام) وصلت إلى أبي محمد ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) ذات يوم، فقلت له (عليه السلام) مثل قولي لأبيه، فقال لي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعني يؤديه(18).

بل كان رضوان الله عليه مصدرًا للأموال التي ترسل إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، كما جاء في مكاتبة العسكري (عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل: يا إسحاق... فلا تخرجن من البلدة حتى تلقى العمري رضي الله عنه برضاي عنه، وتسلم عليه، وتعرفه ويعرفك، فإنه الطاهر الأمين العفيف، القريب منّا وإلينا، فكل ما يحمل إلينا من شيء من النواحي فإليه المسير آخر عمره، ليوصل ذلك إلينا، والحمد لله كثيرًا، سترنا الله وإياكم يا إسحاق بستره، وتولاك في جميع أمورك بصنعه، والسلام عليك وعلى جميع مواليَّ ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم كثيرًا(19).

وقد نصبه الإمام العسكري (عليه السلام) وكيلاً وبابًا وسفيرًا عن ولده الحجة (عليه السلام)، كما أخبر الشيخ علي السد آبادي في المقنع: حيث قال: إن الحسن بن علي (عليه السلام) نص على ولده الخلف الصالح (عجل الله فرجه)، وجعل وكيله أبا محمد عثمان بن سعيد العمري الوسيط بينه وبين شيعته في حياته، فلما أدركته الوفاة أمره (عليه السلام) فجمع شيعتهم وأخبرهم أن ولده الخلف صاحب الأمر بعده (عليه السلام)، وأن أبا محمد عثمان بن سعيد العمري وكيله، وهو بابه والسفير بينه وبين شيعته، فمن كانت له حاجة قصده، كما كان يقصده في حال حياته(20).

وحدث محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان، قالا: دخلنا على أبي محمد الحسن (عليه السلام) بسر من رأى، وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته، حتى دخل عليه بدر خادمه فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن، في حديث طويل يسوقانه إلى أن ينتهي... إلى أن قال الحسن (عليه السلام) لبدر: فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلا يسيرًا حتى دخل عثمان، فقال له سيدنا أبو محمد (عليه السلام): امض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال. ثم ساقا الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: يا سيدنا ! والله إن عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علمًا بموضعه من خدمتك، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى، قال: نعم واشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمدًا وكيل ابني مهديكم(21).

وروى الشيخ في كتابه الغيبة، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز، عن جماعة من الشيعة، منهم علي بن بلال، وأحمد بن هلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح، في خبر طويل مشهور قالوا جميعًا: اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) نسأله عن الحجة من بعده، وفي مجلسه (عليه السلام) أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له: يا بن رسول الله أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي، فقال له: اجلس يا عثمان، فقام مغضبًا ليخرج، فقال: لا يخرجنّ أحد، فلم يخرج منا أحد إلى أن كان بعد ساعة، فصاح (عليه السلام) بعثمان، فقام على قدميه فقال: أخبركم بما جئتم؟ قالوا: نعم يا بن رسول الله، قال: جئتم تسألوني عن الحجة من بعدي؟ قالوا: نعم، فإذا غلام كأنه قطع قمر، أشبه الناس بأبي محمد (عليه السلام)، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه...(22).

وقد أقرّه الحجة المنتظر (عجل الله فرجه)، وكانت التواقيع تخرج بواسطته إلى شيعته كما يتضح من كتبه (عجل الله فرجه)(23)، فكان وكيله العام في تدبير الأمور والشؤون الدينية للطائفة، من قبض الحقوق، واستلام الوجوه الشرعية والصدقات، واستلام الكتب وإيصالها، وغير ذلك، بل كان الواسطة الوحيدة بين الإمام (عجل الله فرجه) وبين وكلائه على المناطق، إذ كان هناك وكلاء آخرون في الولايات والنواحي، كلّ يعمل حسب توكيله في منطقته، وكانوا يرسلون الأموال إلى عثمان بن سعيد (رضوان الله عليه)، فهو واسطتهم الوحيدة مع الإمام (عجل الله فرجه) كما تقدم، بل ظهرت المعجزات على يديه (24).

ولذا لم يشك أحد بسفارته، لا سيما وأنه الثقة المأمون على الدين والدنيا، فقد قام إجماع الطائفة الحقّة على سفارته وسفارة بقية السفراء (رضي الله عنهم)، بل هو من المسلمات، بل من ضروريات المذهب.

لم تتضح سنة ولادته (رضي الله عنه إلا أن الأقرب كونها بحدود سنة 210هـ كما استقرب البعض(25)، بناءً على رواية خدمته للإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام) وعمره إحدى عشرة سنة كما تقدم.

توفي في سنة 265هـ، فكانت سفارته حوالى خمس سنوات، وقد أبلغه الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بوقت وفاته، وأمره بأن يوكل السفارة إلى ولده محمد، وقام بتجهيزه ابنه محمد، ودفنه في بغداد في الجانب الغربي في شارع الميدان، وهو اليوم معروف يقصده الموالون للزيارة والتبرك، وقال الشيخ محمد حرز في كتابه مراقد المعارف: وقفت على قبره سنة 1387هـ-1967م، وكان قد كتب على واجهة بابه من سوق الميدان: هذا مسجد نائب الإمام (عليه السلام) عثمان بن سعيد العمري العسكري. وكان على قبره قبة صغيرة، وكانت تقام فيه صلاة الجماعة، ويدرس فيه الأحكام(26).

وقد عزّى به الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، في كتاب وجهه إلى ولده محمد (رضوان الله عليه قال عبد الله بن جعفر الحميري: وخرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العَمْري في التعزية بأبيه (رضي الله عنهما).

جاء في فصل من الكتاب: إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليمًا لأمره ورضاء بقضائه، عاش أبوك سعيدًا ومات حميدًا، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام)، فلم يزل مجتهدًا في أمرهم، ساعيًا فيما يقرّبه إلى الله عز وجل وإليهم، نضَّر الله وجهه وأقاله عثرته.

وفي فصل آخر: أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله عز وجل ولدًا مثلك، يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإن الأنفس طيبة بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك، وعضدك ووفقك، وكان الله لك وليًا وحافظًا، وراعيًا وكافيًا ومعينًا(27).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) الكافي الشيخ الكليني: 1/339، تحقيق وتعليق علي أكبر الغفاري، ط3، 1367هـ، نشر دار الكتب الإسلامية، طهران، تصحيح الشيخ محمد الآخوندي .

(2) سورة عبس آية: 15 .

(3) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 88/302، نقلاً عن البيضاوي .

(4) حاشية رياض السالكين: 3/235، السيد علي خان ط4، 1415، مؤسسة النشر الإسلامي، تحقيق السيد محسن الأمين .

(5) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي: 3/198، جامعة المدرسين قم .

(6) إقبال الأعمال، السيد ابن طاووس: 3/129، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني ط1، 1416، مكتب الإعلام الإسلامي.

(7) المزار، الشهيد الأول، ط1، 1410 هـ، ص 67، مؤسسة الإمام المهدي (ع) أمير - قم.

(8) المصباح، الكفعمي، ص491، ط3، 1983م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت.

(9) مستدرك سفينة البحار، الشيخ علي النمازي الشاهرودي: 5/50، تحقيق الشيخ حسن بن علي النمازي، ط1419، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

(10) وسائل الشيعة، الحر العاملي: 15/176، ط2، 1414هـ، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث-قم.

(11) الأنوار البهية، الشيخ عباس القمي ص328، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.

(12) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي: 6/118، تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان، ط4، دار الكتب الإسلامية، طهران.

(13) الغيبة، الشيخ الطوسي، 294.

(14) المصدر السابق، 354.

(15) المصدر السابق، 356.

(16) معجم رجال الحديث، السيد الخوئي: 12/122، ط5، 1992م بيروت، منشورات مدينة العلم قم.

(17) خلاصة الأقوال، العلامة الحلي تحقيق: الشيخ جواد القيومي ط1، 1417 هـ مؤسسة النشر الإسلامي.

(18) الغيبة، الشيخ الطوسي، 355.

(19) اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي: 2/848 تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

(20) الأنوار البهية، الشيخ عباس القمي ص328.

(21) الغيبة، الشيخ الطوسي، 356.

(22) المصدر السابق، 358.

(23) المصدر السابق، 362.

(24) جامع الرواة محمد علي الأردبيلي 1/533 نشر، مكتبة المحمدي قم .

(25) موسوعة المصطفى والعترة، الشيخ حسين الشاكري: 13/405، ط1 الهادي قم .

(26) الكشكول المبوب الحاج حسين الشاكري، ص 107، مطبعة ستارة قم، ط5، 1418 .

(27) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 510.

 

 

تتمة مقال = السفارة في زمن الغيبة الصغرى

السفير الثاني

هو محمد بن عثمان بن سعيد العمري، يكنى بأبي جعفر، ويلقب بالخلاني(28).

نصّ والده السفير الأول على سفارته بأمر من الإمام (عجل الله فرجه)، كما نص على سفارته الإمام العسكري (عليه السلام) كما تقدم (29).

وقد أكد الإمام (عجل الله فرجه) ذلك في كتاب التعزية إليه بوالده، كما تقدم في الكتاب الذي رواه الحميري، وحدّث محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، قال: خرج توقيع من الناحية المقدسة، عن الإمام المهدي (عليه السلام)، إلى محمد بن عثمان، وفيه: والابن -محمد بن عثمان- وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه، ونضَّر الله وجهه، يجري عندنا مجراه، ويسدّ مسده، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل...(30).

وكذا ما جاء في جواب الإمام على أسئلة إسحاق بن يعقوب من توقيعه (عجل الله فرجه): وأمّا محمّد بن عثمان العمري رضي اللّه عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي، وكتابه كتابي(31).

وعن محمد بن همام، قال: قال لي عبد الله بن جعفر الحميري: لما مضى أبو عمرو رضي الله تعالى عنه، أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نُكاتَب به، بإقامة أبي جعفر رضي الله عنه مقامه(32).

وكان رضي الله عنه ثقة العسكري (عليه السلام)، أخبر أبو علي أحمد بن إسحاق، أنه سأل أبا محمد (عليه السلام): من أعامل أو عمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعمها، فإنهما الثقتان المأمونان(33).

وقد كان لأبي جعفر كتب فقهية مما سمعه من الإمام العسكري (عليه السلام)، وما سمعه والده من العسكريين (عليهما السلام)، منها كتاب الأشربة، وقد ذكرت ابنته أم كلثوم أن هذه الكتب وصلت بعد والدها إلى الحسين بن روح ثالث سفراء الإمام، ويعتقد أنها انتقلت بعده إلى أبي الحسن السمري السفير الرابع(34).

وقد حفر قبرًا لنفسه، وسوّاه بالسّاج، ونقش آيات من القرآن الكريم وأسماء الأئمة (عليهم السلام) على حواشيه، وكان ينزل فيه كل يوم ويقرأ جزءًا من كتاب الله تعالى ثم يخرج، وذلك بعد أن أخبره الإمام (عجل الله فرجه) بجميع أمره، وأنه سيموت بعد شهرين، وأخبر أصحابه بذلك، فمات في نفس الموعد الذي أخبر عنه(35).

توفي آخر جمادى الأولى سنة 305هـ، كما جاء في رسالة أبي غالب الزراري(36).

فتكون مدة سفارته أربعين سنة من حين استلامه السفارة بعد وفاة والده سنة 265هـ، أعدّ خلالها وكلاء محليين، وكان يشرف على نشاطاتهم، ويدير أُمور الشيعة ويهتم بها، وصدرت تواقيع عديدة من الإمام (عجل الله فرجه) على يديه، ولطول مدة سفارته كان أوسع السفراء تأثيرًا في وسطه الاجتماعي، وأكثرهم توفيقًا في تشرفه بالإمام (عجل الله فرجه)، وتلقّي علوم آل البيت منه.

ودفن في بغداد عند والدته، ومرقده شاخص بالرصافة، في الشارع المؤدي إلى باب الكوفة قديمًا، والآن يقع في "محلة الخلاني" -نسبة إليه وإلى مرقده الطاهر-، وهو أحد المراكز الشيعية في بغداد، واليوم ظهر مرقده على شارع الجمهورية العام، وله حرم مجلّل إلى جانب جامع عامر بالمصلين، أمامه صحن واسع، وفيه مكتبة عامرة ذات كتب قيِّمة، تعرف بمكتبة الخلاني، تأسست سنة 1364ه‍ (37).

السفير الثالث

هو الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي. بدأ سفارته بعد وفاة السفير الثاني، نصّ عليه السفير الثاني بأمر من الإمام (عجل الله فرجه)، اشتهر بإخلاصه ووثاقته، عمل وكيلاً لدى السفير الثاني، الذي عمد في السنوات الأخيرة من سفارته إلى تكثيف المهمات عليه، بتوجيه من الإمام المهدي (عجل الله فرجه) لإعداده للسفارة وتهيئته لها.

حدّث هبة الله بن محمد، ابن بنت أم كلثوم، بنت أبي جعفر العمري، قالت: حدثتني أم كلثوم بنت أبي جعفر رضي الله عنه، قالت: كان أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه وكيلاً لأبي جعفر رضي الله عنه سنين كثيرة، ينظر له في أملاكه، ويلقى بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصيصًا به، حتى أنه كان يحدّثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه وأنسه. قالت: وكان يدفع إليه في كل شهر ثلاثين دينارًا رزقًا له، غير ما يصل إليه من الوزراء والرؤساء من الشيعة -مثل آل الفرات وغيرهم- لجاهه ولموضعه وجلالة محله عندهم، فحصّل في أنفس الشيعة محصّلاً جليلاً، لمعرفتهم باختصاص أبي إياه وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الأمر. فمهدت له الحال في طول حياة أبي، إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه، فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد إلا جاهل بأمر أبي أولاً، مع ما لست أعلم أن أحدًا من الشيعة شك فيه، وقد سمعت هذا من غير واحد من بني نوبخت رحمهم الله، مثل أبي الحسن بن كبرياء وغيره (38).

وقال أبو علي محمد بن همام: إن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه جمعنا قبل موته، وكنا وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لنا: إن حدث عليّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أُمرت أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه، وعوّلوا في أُموركم عليه(39).

وأخبر محمد بن علي بن متيل، عن عمه جعفر بن محمد بن متيل، قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري السمان -رضي الله عنه- الوفاة، كنت جالسًا عند رأسه أسائله وأحدثه، وأبو القاسم الحسين بن روح، فالتفت إليّ ثم قال لي: قد أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال: فقمت من عند رأسه، وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني، وتحولت عند رجليه(40).

وكان جعفر بن أحمد بن متيل صديقًا حميمًا للسفير الثاني، يُكثِر مجالستَه ومعاشَرته، حتى بَلَغ من أمره أنَّ أبا جعفر العمري في أواخر حياته لم يكن يتناول طعامًا إلاّ ما تهيّأ في منزل جعفر بن أحمد، وكان الكثيرون من الشيعة يَتَوقَّعون أن يكون جعفر هو النائب الثالث، لكن اختيار الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وقَعَ على الحسين بن روح.

ورغم ذلك، فإنَّ جعفر بن أحمد لم يُغيِّر سُلوكَه مع الحسين بن روح، بل كان بين يديه كما كان بين يدي السفير الثاني، صديقًا وفيًا، يحضر مجلسه، ويُعينُه على أداء مَهامِّه ومسؤوليّاته(41).

وقد سئل جعفر بن متيل عن ذلك، فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي قاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأُناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلي كنت أدُلّ على مكانه، وأما أبو القاسم فلو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(42).

كان عند الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه كتاب التأديب، فأرسله إلى علماء قم، وقال لهم: أنظروا في هذا الكتاب، وانظروا فيه شيء يخالفكم؟ فكتبوا إليه: إنه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف إلا قوله: في الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع(43).

قال الشيخ الطوسي: كان أبو القاسم رحمه الله من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقية. وقال أبو عبد الله بن غالب: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح(44).

وقد أشار الشيخ في كتاب الغيبة إلى حبسه في زمن المقتدر العباسي، وأنه أنفذ من محبسه في دار المقتدر توقيعًا إلى أبي علي بن همام في ذمّ الشلمغاني في ذي الحجة سنة 312هـ، وخرج من الحبس في مدة يسيرة(45).

وأخيرًا، وبعد أن أمضى في السفارة والوكالة واحدًا وعشرين عامًا، وأثناء مرضه، أخبره الإمام الحجة (عجل الله فرجه) بأنه ميت، وأمره بأن يوصي بالسفارة من بعده للسّمري. فتوفي رضوان الله عليه في 18 شعبان سنة ست وعشرين وثلاث مائة(46)، ودفن ببغداد جانب الرصافة، ومرقده مشهور ومعروف، مشيد عامر، وفوق قبره شباك مجلل، يزدحم عليه الزائرون والمتعبّدون، وتقام فيه الصلوات المفروضة جماعة من بعض علماء الشيعة الإمامية، يقع قبره في (النوبختية)، في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي، النافذ إلى التل والدرب الآخر إلى (قنطرة الشوك)، بهذا عرفت قديمًا، كما صرحت به النصوص التأريخية، وفي عصرنا يعرف موضع قبره في (سوق الشورجة) التجاري ببغداد، في زقاق غير نافذ، ويُعد مرقده اليوم من المراكز الشيعية(47).

السفير الرابع

هو الشيخ الجليل علي بن محمد السَّمَري -بتشديد السين وفتحها وفتح الميم يكنى بأبي الحسن، وقيل السيمري والصيمري(48).

تولى السفارة بعد وفاة الحسين بن روح بالنص عليه بأمر من الإمام (عجل الله فرجه) (49) في 18 شعبان سنة 326هـ(50).

حدّث أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري، فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعًا نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر(51)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى. فهذا آخر كلام سُمع منه رضي الله عنه وأرضاه، ومضى أبو الحسن السمري رضي الله عنه بعد ذلك في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فكانت سفارته ثلاث سنوات(52).

وبرحيل السفير الرابع بدأت مرحلة جديدة من التاريخ، وهي الغيبة الكبرى، التي انقطعت فيها السفارة والبابية والنيابة الخاصة، وفيها يكون للفقهاء النيابة عن الإمام (عجل الله فرجه)، وهم الذين تتوفر فيهم شروط النيابة العامة عن إمام العصر والزمان (عجل الله فرجه) التي رويت عن أئمتنا (عليهم السلام)، من قبيل: فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه مخالفًا على هواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم(53).

ومن قبيل ما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكمًا، فإني قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله قد استخف، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله (54)، فكلّما ظهر شخص تتوفر فيه تلك الشروط والمعايير العامة أصبح نائبًا عن الإمام ومرجعًا للشيعة في أُمور الدين والدنيا في الغيبة الكبرى.

دفن رضوان الله عليه في بغداد، في المكان المعروف قرب قبر الشيخ الكليني، ومرقده لا يزال شامخًا واضحًا للعيان، جنب (مسجد القبلانية)، واقع في سوق السراي -(وكان معروفًا بسوق الهرج)- ببغداد، قرب نهر دجلة، قرب (المستنصرية) في الضفة اليسرى من نهر دجلة، وهو اليوم عامر، وعليه قبة، يزوره المسلمون خصوصًا وفود الشيعة الإمامية، فهو يعتبر من مراكز الشيعة المهمة في بغداد(55).

دعوى السفارة في الغيبة الصغرى

بما أن مقام السفارة مقام عظيم ومهم، فلذا ادّعاه جماعة كذبًا وزورًا، وقد عقد الشيخ في كتابه الغيبة بابًا في (ذكر المذمومين الذين ادّعوا البابية والسفارة كذبا وافتراء لعنهم الله) وعدّ منهم:

1- الحسن الشريعي: وهو أول من ادعى مقامًا لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم، وما هم منه براء، وظهر منه القول بالكفر والإلحاد، فلعنته الشيعة وتبرأت منه، وخرج توقيع الإمام (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه.

2- محمد بن نصير النميري: ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان، وأنه الباب، وادعى أنه رسول نبي، وأن علي بن محمد (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسن (عليه السلام)، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضًا، وأن الله عز وجل لا يحرّم شيئًا من ذلك، وادعى ذلك الأمر بعد الشريعي، وقد فضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر محمد بن عثمان له، وتبريه منه، واحتجابه عنه.

3- أحمد بن هلال الكرخي: قال جماعة من الشيعة له: ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة؟ فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، وليس أنكر أباه -يعني عثمان بن سعيد- فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه، فقالوا: قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف على أبي جعفر، فلعنوه وتبرؤا منه، ثم ظهر التوقيع على يد أبي القاسم بن روح بلعنه والبراءة منه في جملة من لعن.

4- أبو طاهر محمد بن علي بن بلال: أمره الإمام (عجل الله فرجه) بأن يوصل ما عنده من مال إلى السفير الثاني، لكنه امتنع من ذلك، وادعى السفارة، وأنه وكيل الإمام، وقد خرج اللعن بحقه، وتبرأت منه الجماعة ولعنته.

5- الحسين بن منصور الحلاج: ادعى البابية والوكالة، وأراد أن يلبس الأمر على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وكان لأبي سهل منزلة عند الناس لمحلّه من العلم والأدب، فاستدعاه وراسله بعنوان أنه وكيل للإمام، وقال له: إني مأمور من قبل الإمام بمراسلتك، وظن أن الأمر ينطلي عليه، فطلب منه أبو سهل طلبًا يسيرًا على سفراء الإمام: أريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، لأني أحب الجواري والشيب يبعدني عنهن، وأنا بعد ذلك طوع يديك، فانكشف أمره، وصار أُحدوثة للصغير والكبير.

6- محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني: كان من الفقهاء، وهو صاحب كتاب التكليف الذي كان منتشرًا بين الناس، فطلبه السفير الثالث ليرى ما فيه، فجاؤوا به، فقرأه من أوله إلى آخره، فقال: ما فيه شيء إلا وقد روي عن الأئمة إلا موضعين أو ثلاثة، فإنه كذب عليهم في روايتها لعنه الله.

كان له مقالات فاسدة، قال الشيخ في كتابه الغيبة: له حكايات قبيحة وأمور فظيعة نُنزّه كتابنا عن ذكرها، ذكرها ابن نوح وغيره، وقد أمر الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح بلعن أبي جعفر الشلمغاني، والبراءة منه وممن يتولاه ورضي بقوله أو كلّمه فضلاً عن موالاته. ثم ظهر التوقيع من صاحب الزمان (عجل الله فرجه) بلعن أبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني والبراءة منه وممن تابعه وشايعه ورضي بقوله وأقام على تولّيه بعد المعرفة بهذا التوقيع(56).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(28) قال بعض فضلاء الكرخ والزوراء: أنه لقب بالخلاني نسبة إلى بيعه الخل، حيث كان يكتسب به تسترا بالكسب عن ضغط بعض المتعصبين من أهل الخلاف، كما كان والده عثمان بن سعيد يبيع السمن حتى عرف بالسمان، وقيل: إن من حلمه وورعه وعقليّته الجبارة، ووداعته وصفائه، وكان لا يحمل حقدًا على أحد قط فهو خل لكل إنسان، وصاحب وصديق، فاشتهر عند الناس بالخلاني (الكشكول المبوب الحاج حسين الشاكري، ص 92 ).

(29) الغيبة، الشيخ الطوسي، 356.

(30) المصدر السابق، 362.

(31) إعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ الطبرسي 2/ 271.

(32) الغيبة، الشيخ الطوسي، 362.

(33) الكافي الشيخ الكليني: 1/330.

(34) تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 404، 405 ط2، دار التعارف بيروت .

(35) المصدر السابق، 405.

(36) تهذيب المقال في تنقيح رجال النجاشي، السيد الأبطحي: 2/400، ط1، النجف الأشرف .

(37) الكشكول المبوب الحاج حسين الشاكري، ص 91 .

(38) الغيبة، الشيخ الطوسي، 372.

(39) المصدر السابق، ص371 .

(40) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 503 .

(41) الغيبة، الشيخ الطوسي، 370.

(42) المصدر السابق، ص391 .

(43) المصدر السابق.

(44) المصدر السابق، 384 .

(45) المصدر السابق، ص391، ذكر الدكتور جاسم حسين في كتابه تاريخ سياسى غيبت إمام دوازدهم (التاريخ السياسي لغيبة الإمام الثاني عشر)، ص199 انه بقي في السجن لمدة خمس سنوات حتى سنة 317 هـ وهو يتنافى مع ما ذكره الشيخ الطوسي .

(46) هامش علل الشرائع، الشيخ الصدوق، 1، 5.

(47) ببغداد (الكشكول المبوب الحاج حسين الشاكري، ص 95)

(48) أيضًا: تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 412.

(49) جامع الرواة، الشيخ محمد علي الأردبيلي ج2، 468، ط1، 1403 هـ، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم .

(50) هامش علل الشرائع، الشيخ الصدوق، 1، 5.

(51) ظاهر المكاتبة أن من يدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، وهو ينافي ما نقل عن بعض الأجلاء من التشرّف ومشاهدة الإمام (عجل الله فرجه)، بل استفاضت الأخبار وتظافرت الآثار عن جمع كثير من الثقات الأبرار من المتقدمين والمتأخرين ممن رأوه وشاهدوه (عليه السلام) في الغيبة الكبرى، وقد عقد لها المحدثون في كتبهم أبوابا على حدة، وسيما العلامة المجلسي رضي الله عنه في البحار ( أول ج52 ص1-90 ) لئلا ينافي سائر الأخبار، فلا بد من بيان المراد من ادعاء المشاهدة في المكاتبة، وقد ذُكر في ذلك وجوه نكتفي منها بما ذكره أغلب من تعرض للمسألة وهو: أنه لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) إلى الشيعة على مثال السفراء، لئلا ينافي الأخبار التي ذكرت من رآه (عليه السلام) (بقرينة المقام لأنه خطاب للسفير الرابع؛ بحار الأنوار: 52/151، و53/319). ومن أراد الاطلاع على بقية الوجوه فليراجع بحار الأنوار: 53/319-324).

(52) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 516؛ والغيبة، الشيخ الطوسي، 395.

(53) وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي 27، 131.

(54) الكافي الشيخ الكليني: 7/412.

(55) الكشكول المبوب، الحاج حسين الشاكري، ص 98.

(56) الغيبة، الشيخ الطوسي، 397-406.

 

تتمة مقال = السفارة في زمن الغيبة الصغرى

وكلاء الإمام (عجل الله فرجه) في الغيبة الصغرى

وكان للإمام (عجل الله فرجه) وكلاء في الغيبة الصغرى، تنحصر وكالتهم ونيابتهم على مناطقهم، والسفراء واسطة بينهم وبين الإمام (عجل الله فرجه)، وهم كثر، ينتشرون في مختلف المناطق الإسلامية، ولا يعرف عددهم بالدقة، مهمتهم تسهيل وتكميل وتوسيع عمل السفراء الأربعة في مختلف المناطق والبلدان الإسلامية، لا سيما في ظرف السرية والتكتم الذي كان سائدًا آنذاك، حيث لا يمكن للسفراء الاتصال بالقواعد الشعبية المنتشرة في العالم الإسلامي ، وكان الإمام (عجل الله فرجه) يتولى إقامتهم في منصب الوكالة مباشرة، كما يظهر من كتاب إقامة محمد بن إبراهيم بن مهزيار مكان والده، والذي جاء فيه: قد أقمناك مقام أبيك فاحمد الله تعالى(57)، وكذا ما جاء في كتاب إقامة إبراهيم بن محمد الهمداني العطار البغدادي، قال (عجل الله فرجه): وكتبت إلى مواليّ بهمدان كتابًا، أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك، وأن لا وكيل لي سواك(58).

وقد ذكر الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين وتمام النعمة ثلاثة عشر شخصًا من وكلاء ونواب الإمام المهدي في الغيبة الصغرى، وعدّ منهم: العمري وابنه، وأضاف إليهم السيد محمد الصدر ستة أشخاص(59).

ولكن بعض المؤرخين والباحثين عدّ منهم الكثير، بما يصل إلى خمسة وعشرين، وتجاوز بعضهم إلى القول بوصول عددهم إلى المائة(60). نذكر منهم:

من بغداد:

1- حاجز (بن يزيد الملقب بالوشّاء).

2- والبلالي (علي بن بلال)(61).

3- والعطار (إبراهيم بن محمد الهمداني العطار).

ومن الكوفة:

4- العاصمي(62).

ومن أهل الأهواز:

5 - محمد بن إبراهيم بن مهزيار.

ومن أهل قم:

6- أحمد بن إسحاق (بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري)(63).

ومن أهل همدان:

7- محمد بن صالح (بن محمد الهمداني الدهقان).

ومن أهل الري:

8- البسامي(64).

9- والأسدي -يعني نفسه أي راوي هذا الحديث، وهو (أبو علي محمد بن جعفر بن عون الأسدي).

ومن أهل آذربيجان:

10- القاسم بن العلاء (أبو محمد)(65).

ومن أهل نيسابور:

11- محمد بن شاذان (بن نعيم النيسابوري)(66).

ومنهم:

12- إبراهيم بن مهزيار (أبو إسحاق الأهوازي والد محمد بن إبراهيم)(67).

13- محمد بن حفص بن عمرو العمري.

14- الحسين بن علي بن سفيان أبو عبد الله البزوفي.

15- إبراهيم بن محمد الهمداني(68).

16- أحمد بن اليسع بن عبد الله القمي.

17- أيوب بن نوح بن دراج النخعي(69).

ومنهم:

18- القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم النهاوندي(70).

ومنهم:

19- علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد(71).

20- هارون بن عمران الهمداني أبو عبد الله(72).

21- العزيز بن زهير الهمداني(73).

ومنهم:

22- القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد(74).

ومنهم:

23- محمد بن علي الهمداني -والد إبراهيم بن محمد الهمداني-(75).

التوقيعات الشريفة

من الأمور المرتبطة بالغيبة الصغرى: التواقيع الشريفة التي كانت تصدر عن الإمام (عجل الله فرجه) في الغيبة الصغرى، والمقصود بالتوقيع: الكتاب الموقع، وإنما أطلق عليه بأنه توقيع من باب تسمية الكتاب بأهم ما فيه أو أبرز ما فيه، أو ما يختم به وهو التوقيع، والمقصود: ليس خصوص الإمضاء للإمام (عجل الله فرجه)، إنّما المقصود هو الكتاب الذي يتضمن جواب الإمام على أسئلة الناس الموقّعة من قبله (عجل الله فرجه)، والتي كانت تصدر عن الناحية المقدسة.

وكانت هذه الأسئلة تعطى للسفير، وهو بدوره يوصلها للإمام (عجل الله فرجه)، وكان الإمام يجيب عليها، وتعتبر هذه التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدّسة، والتي نلمسُ من خلالها معايشته (عجل الله فرجه) للأحداث والوقائع بكلّ دقائقها وتفاصيلها. فتجد رسائله المقدّسة تصل إلى شيعته لمعالجة ما يعتريهم من محنٍ ووقائع، ويزاول من خلال ذلك دوره القيادي، ولطفه وعطفه لشيعته وأتباعه ومحبيه.

نماذج من التوقيعات

نذكر منها توقيعه (عجل الله فرجه) إلى إسحاق بن يعقوب، الذي تعرّض فيه لكثير من المسائل، قال: سألت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتابًا، قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه): أما ما سألت عنه -أرشدك الله وثبّتك- من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح (عليه السلام). أما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف (عليه السلام). أما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب (قيل: الشلماب شراب يتخذ من الشيلم وهو حبٌّ شبيه بالشعير، وفيه تخدير نظير البنج، وان اتفق وقوعه في الحنطة وعمل منه الخبز أورث السدر -أي تحيّر البصر- والدوار والنوم، ويكثر نباته في مزارع الحنطة)... وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره، وكذب الوقّاتون... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم.... وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت، وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون، وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم بريء، وآبائي (عليهم السلام) منهم براء... وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحل منها شيئًا فأكله فإنما يأكل النيران... وأما علّة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}... فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتّبع الهدى(76).

بل كان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يطلبون من الإمام (عليه السلام) الدعاء حتى لأمور دنياهم فضلاً عن أمور دينهم، كما حصل مع والد الصدوق، روي أن علي بن الحسين بن بابويه، كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه، فلم يرزق منها ولدًا، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضوان الله عليه، أن يسال الحضرة، أن يدعو الله أن يرزقه أولادًا فقهاء، فجاء الجواب: (إنك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية، وترزق منها ولدين فقيهين)، قال أبو عبد الله بن سورة حفظه الله: ولأبي الحسن بن بابويه ثلاثة أولاد: محمد (الصدوق)، والحسين وهو فقيه لكنه لم يكن مشهورًا كأخيه الصدوق، وهما ماهران في الحفظ، ويحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل (قم)، ولهما أخ اسمه الحسن، وهو الأوسط، مشتغل بالعبادة والزهد، ولا يختلط بالناس ولا فقه له، قال ابن سورة: كلما روى أبو جعفر وأبو عبد الله ابنا علي بن الحسين شيئًا يتعجب الناس من حفظهما، ويقولون لهما: هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام (عليه السلام)، وهذا الأمر مستفيض في أهل قم. وفي رواية النجاشي في رجاله: إن جواب الإمام: (قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدين ذكرين خيرين)(77).

نكتفي بهذا الأنموذج من التوقيعات الشريفة التي صدرت عن الناحية المقدسة وهي كثيرة جدًا.

اختفاء التوقيعات

وهنا تساؤل يفرض نفسه وهو: أين تلك التوقيعات التي صدرت عن الإمام (عجل الله فرجه) بخطه وتوقيعه الشريفين؟ ولماذا لم يُعثر على أي نسخة أصلية من هذه التوقيعات، حتى في المتاحف وغيرها التي تهتم بهذه الأمور؟ وما نقلته الكتب هو حكاية هذه التوقيعات الشريفة فقط.

والجواب: أن السبب في ذلك لعل منشأه أن الإمام (عجل الله فرجه)، كان يأمر السفراء بأن لا يعطوا الكتب إلى من يطلبها من الناس غير الوكلاء، بل يقرؤون عليه التوقيع، ثم يخفونه أو يمزقونه، أو لعل هناك تدخّلاً ربانيًا لإخفائها بعد الاستفادة منها، حتى لا تقع في أيدي الظلمة، فيتوصلون من خلالها إلى الإمام (عجل الله فرجه)، لأن العثور على هذه التوقيعات ووقوعها بيد السلطات يعني كشف شبكة الاتصالات بين الإمام (عجل الله فرجه) وقواعده، والحذر الشديد من قبل السفراء -الذي أدّى إلى عدم العثور على أي خيط مهما كان ضئيلاً- يدل على وجود هذه العلاقة السرية الخطيرة، التي كانت تربط الإمام (عجل الله فرجه) بقواعده المنتشرة في مناطق شاسعة، ومن هنا نرى القدرة على تحمل المسؤولية لأولئك السفراء العظماء، الذين حافظوا على وحدة المذهب طيلة ما يقارب من سبعين سنة، على الرغم من الحملات التي قامت بها السلطات لكشف هذه العلاقة، ولكنها باءت جميعها بالفشل والخيبة

 ويؤيد ذلك: ما رواه أبو علي المتيلي، قال: جاءني أبو جعفر (السفير الثاني)، فمضى بي إلى العباسية، وأدخلني خربة، وأخرج كتابًا فقرأه علي، فإذا فيه شرح جميع ما حدث على الدار، وفيه: أن فلانة -يعني أم عبد الله- تؤخذ بشعرها وتُخرج من الدار، ويُحدر بها إلى بغداد، فتقعد بين يدي السلطان، وأشياء مما يحدث، ثم قال لي: احفظ، ثم مَزَّق الكتاب. وذلك قبل أن يحدث ما حدث بمدة(78).

وأخيرًا: لا يسعنا إلا أن ندعو الله تعالى بتعجيل الفرج لإمامنا وولينا خاتم الأوصياء بقية الله الأعظم صاحب العصر والزمان الحجة المنتظر، والصلاة والسلام على نبينا وآله الطيبين الطاهرين.

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(57) المصدر السابق، 282.

(58) اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي: 2/869.

(59) تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 610-629.

(60) مقال: وكلاء الإمام المهدي عليه السلام للشيخ حسن الشيخ عبد الأمير الظالمي .

(61) كما جاء في قاموس الرجال للتستري في ترجمته لكن ذكر السيد الصدر في تاريخ الغيبة الصغرى أن المراد به الابن: أبو طاهر محمد بن علي بن بلال وقد جاء في بعض توقيعات الإمام (عليه السلام) انه الثقة المأمون وذكره الصدوق في قائمة الوكلاء لكن الشيخ ذكره في المذمومين مما أوجد هذا الارتباك بحقه، لكنه كان وكيلاً في مبدأ أمره ثم انحرف وفسد (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 612-613 ط2، دار التعارف بيروت).

(62) ذكر السيد محمد الصدر انه دائر بين شخصين هما: 1- عيسى بن جعفر بن عاصم . و2- أحمد بن محمد بن طلحة أبو عبد الله، وكلاهما لم يذكرا في الوكلاء، لكن الصدوق عدّه من الوكلاء (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 614)، والأقرب أنه أحمد بن محمد، فهو الذي يلقب بالعاصمي وهو الكوفي، وكان من مشايخ الكليني، وكان معاصرًا للغيبة الصغرى. وأما عيسى بن جعفر فهو معاصر لصفوان بن يحي ومحمد بن سنان، وكان في زمن الصادق (عليه السلام) (جامع الرواة، الشيخ محمد علي الأردبيلي: 2/124، ط1، 1403 هـ، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي-قم) ويؤيد ذلك ما قاله الشيخ عباس القمي: العاصمي هو: أحمد بن محمد بن عاصم أحد وكلاء الناحية المقدسة الذي تشرف بلقاء مولانا الحجة ابن الحسن صاحب الزمان عليه السلام، (الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي، 454، مكتبة الصدر - طهران، تقديم محمد هادي الأميني).

(63) كان مقربا لدى الإمام العسكري (عليه السلام) ويكفيه فخرًا أن الإمام (عليه السلام) أرسل إليه توقيعًا رواه الصدوق في كمال الدين ص 434 جاء فيه: « وُلد لنا مولود، فليكن عندكم مستورًا، وعن جميع الناس مكتومًا، فإنّا لم نظهر عليه إلاّ الأقرب لقرابته والموالي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرّنا به والسلام] .

(64) قال في الغيبة الصغرى: الشامي -تبعًا للشيخ الطبرسي في إعلام الورى بأعلام الهدى- غير معروف النسب كان من أهل الري وكان من وكلاء القائم (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 618)، والصحيح أنه البسامي كما جاء في رواية كمال الدين، لم يُعرف اسمه بل كل من تكلم عنه ذكره بلقبه.

(65) أقام في مدينة الران من أذربيجان، وكان في زمن السفيرين الثاني والثالث، وكانت لا تنقطع توقيعات الإمام (عليه السلام) إليه، وأخبره الإمام في بعض هذه التوقيعات أنه سيموت بعد أربعين يومًا، وأرسل إليه بسبعة أثواب للتكفين، وقد عزّى الإمام (عليه السلام)، ابنه فيه (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 621- 622).

(66) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 442 - 443 .

(67) ورد في التوقيع لمحمد بن إبراهيم: قد أقمناك مقام أبيك فاحمد الله تعالى (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 623).

(68) جاء في كتاب الإمام الحجة (عليه السلام) إليه، كتبت إلى مواليَّ بهمدان كتابًا أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك، وأن لا وكيل لي سواك (تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 627).

(69) تاريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، 623.

(70) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص81، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ط1، 1379، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم .

(71) وسائل الشيعة (آل البيت) الحر العاملي، 30/433 نقلا عن العلامة .

(72) نفس المصدر: 30 /504 نقلا عن النجاشي في ترجمة محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني.

(73) نفس المصدر، الوسائل: 30/421 نقلا عن النجاشي في ترجمة محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني.

(74) الهمداني، كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه، ص11، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، ط1، 1417مؤسسة النشر الإسلامي، الناشر: مؤسسة نشر الفقاهة - قم .

(75) خاتمة المستدرك، الميرزا النوري، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 3/255، ط1، 1416 المطبعة: ستارة - مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم.

(76) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 484-485؛ الغيبة - الشيخ الطوسي، 390-393.

(77) علل الشرائع، الشيخ الصدوق، 1/7-8.

(78) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، 498 .

 

نحن وعلائم الظهور

السيد باسم الهاشمي

المقدمة

إن موضوع (المهدي) (عجل الله فرجه) من المواضيع الحيوية والهامة في علومنا الإسلامية وعقائدنا الدينية وهو رغم ذلك لم يحظَ بما يليق به من الاهتمام والدرس والتحقيق من قبل المسلمين عمومًا.

وأهميته -إضافة إلى بُعده العملي وأثره في حركة التاريخ الإسلامي ومستقبله- تنبع من إجماع المسلمين في رواياتهم على ظهوره في آخر الزمان ونشره العدل ومحوه الظلم عن وجه الأرض كما روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا"[1].

وروى المسلمون علامات لظهوره([2])، ومع ذلك لا يأخذ هذا الموضوع القدر اللازم من المعرفة والاهتمام في المتداول من علومنا وثقافتنا الإسلامية إلا ما هو سائد في أوساط شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين عاشوا ولا يزالون قضية الإمام المهدي بتفاصيل واضحة وعقيدة راسخة، مأمومين لإمامته ومترقّبين لظهوره ودولته ومتلهفين للقائه وعدله جيلاً بعد جيل، ولا أمل يحدوهم ولا رجاء يعمر قلوبهم في إصلاح حال المسلمين وتصويب العقائد والأحكام الإسلامية والقضاء على الانحرافات والخلافات والظلم والظالمين سواه، وفي ذلك سلوة لهم في تحمّل ما ينزل بهم وبالمسلمين عمومًا من بلاءات.

 الانتظار والعلائم

إن ترقب وانتظار ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في آخر الزمان ذُكرت له علامات يُستهدى بها على قرب الظهور والبشارة بحلول الوقت، وكتب المسلمين زاخرة بذكر هذه العلامات، وهي محل مراجعة وتدقيق ومتابعة المنتظرين.

إلا أن هذا الانتظار شابَهُ ويشوبه بعض حالات التطرّف والخطأ وسوء التعامل مع موضوع بهذه الأهمية.

وقد حذّر الأئمة (عليهم السلام) من الظواهر السلبية التي يمكن أن تظهر على المؤمن وهو يترقب ظهور إمامه بلهفة وشوق، ووضعوا الحدود السليمة لهذا الأمر المهم وأرشدوا إلى كيفية الترقب لظهور لا يُعرف وقته وأوانه.

وهذه الظواهر السلبية هي: الاستعجال، ومجازفة التطبيق، والتوقيت، والإذاعة.

الاستعجال

إنّ حبّ الخير والعدل والإيمان وبُغضَ الظلم والفساد والطغيان أمران فطريان في قلب المسلم والمؤمن بل كل إنسان حرّ سويّ، وبالتالي يتلهف لزمان العدل والخير ويتبرّم من الواقع الذي ينتشر فيه الظلم والانحراف.

هذا من جانب ومن جانب آخر يشتاق المؤمن لرؤية المعصوم والاهتداء بهديه والعيش في ظلّه السامي ونوره المتلألئ، والارتواء من صافي علمه وحكمته، كل ذلك يدفع بالقلوب والأرواح شوقًا إليه ولزمانه، وهو أمر طبيعي، إلا أنه قد يخرج عن الاعتدال وعن الحدّ السوي نازعًا لباس الصبر الجميل، وخارجًا عن التسليم لأمر رب العالمين، فيتحول عاملاً مُربكًا للمؤمن والمؤمنين، وربما أوقعهم باليأس والقنوط والإعراض والإهمال وما إلى ذلك من سيئات الأحوال والصفات.

ولذا حذّر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من استعجال الفرج، ودعوا إلى الانتظار والترقّب مع التسليم لأمر الله عز وجل وحكمته.

قال إبراهيم بن خليل: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟

فقال (عليه السلام): يا أبا إسحاق أنت تعجل!

فقلت: إي والله أعجل وما لي لا أعجل وقد بلغت من السن ما ترى!

فقال (عليه السلام): "..أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل.."([3]).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله"([4]).

وقال (عليه السلام): "مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجل، واستعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم"([5]).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: "هلكت المحاضير" فسئل عن معنى ذلك فقال: "المستعجلون، ونجا المقرِّبون"([6]).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "... ولا تستعجلوا ما لم يعجله الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدًا أُوقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته سيفه، فإنّ لكل شيء مدة وأجلاً"([7]).

وعن أبي جعفر (عليه السلام): ".. ما لكم لا تملكون أنفسكم وتصبرون حتى يجيء الله تبارك وتعالى بالذي تريدون، إنّ هذا الأمر ليس يجيء على ما تريد الناس إنما هو أمر الله تبارك وتعالى وقضاؤه والصبر، وإنما يعجل من يخاف الفوت"([8]).

وعن الصادق (عليه السلام) عند ذكر ملوك بني العباس قال: "إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إنّ الله لا يعجل لعجلة العباد، إنّ لهذا الأمر غاية يُنتهى إليها فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا"([9]).

التطبيق

وهو الربط بين ما ورد من علامات الظهور والفرج وبين الواقع والترقب على أساس ذلك.

فالنفس المؤمنة متشوقة لقرب الظهور ومتلهفة للقاء القائم المعصوم بأمر الله ليملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعدما تملأ ظلمًا وجورًا، فتجزم بانطباق بعض العلامات ذات الصياغات العامة التي يمكن أن تنطبق على أكثر من مصداق ولم يحدّد المورد المقصود بعينه، أو أنه لم تذكر المدة بين حصول العلامة -على فرض صحة التطبيق- وبين موعد ظهور الإمام وحصول الفرج، وتحدّد على أساس ذلك موعدًا للظهور.

إنّ هذه العمومية في علائم الظهور الواردة وعدم التوضيح -وهو من حق الله عز وجل- إنما يقصد به التخفيف على المُنتظِر وتهوين الأمر عليه فلا يقع في اليأس لطول العهد والمدة لو علم بها على وجه الدقة، ومراعاة لضعفه وقلة عزمه، أو عظيم لطف من الله عز وجل بعباده المؤمنين ليهون عليهم الانتظار، حيث يربيهم بالأماني.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) لعلي بن يقطين: "إن الشيعة تربّى بالأماني منذ مائتي سنة"([10]).

ومن شواهد ذلك ما ورد في قصة نوح عن الصادق ‘ في أن الله عز وجل قدَّر في أمر الإمام المهدي الإبطاء كما في إبطاء نوح (عليه السلام)، قال:

وأما إبطاء نوح (عليه السلام)، فإنه لما استنزلت العقوبة على قومه من السماء بعث الله عز وجل الروح الأمين (عليه السلام) بسبع نويّات، فقال: يا نبي الله إن الله تبارك وتعالى يقول لك: إن هؤلاء خلائقي وعبادي ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مُثيبك عليه، واغرس هذه النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين.

فلما نبتت الأشجار وتأزّرت وتسوّقت وتغصّنت وأثمرت وَزَهَا الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله سبحانه وتعالى العِدَة، فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه.

فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاثمائة رجل وقالوا: لو كان ما يدّعيه نوح حقًا لما وقع في وعد ربه خُلف.

ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها مرة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلاً، فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه، وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرّح الحق عن محضه وصفي من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة، فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوّتك بأن أستخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تَخْلُص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم، وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن مني لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبث طينهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوح الضلالة، فلو أنهم تسنّموا مني الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم لَنشقُوا روائح صفاته ولاستحكمت سرائر نفاقهم وتأبدت حبال ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة، والتفرد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}([11]).

قال الصادق (عليه السلام): وكذلك القائم فإنّه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم (عجل الله فرجه)([12]).

وفي قضية مريم (عليها السلام) قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): "إنّ الله أوحى إلى عمران إني واهب لك ذكرًا سويًا مباركًا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فحدّث عمران امرأته حنة بذلك، وهي أم مريم.

فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلام فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى، أي لا تكون البنت رسولاً، يقول الله عز وجل: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}([13]) فلما وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشّر به عمران ووعده إياه.

فإذا قلنا في الرجل منا شيئًا فكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك"([14]).

فالعمومية في التعبير والمجاز في الكلام أمور اقتضت حكمة الله عز وجل استعمالها لمصالح العباد، وهي حق وصدق، وبالتالي علينا في علائم الظهور أن نحسب حساب ذلك ولا نسرع في التطبيق الجازم دون الأخذ بنظر الاعتبار الاحتمالات المخالفة فنقع في الخطأ والتأثيرات السلبية، فقد ينعكس على ضعاف الإيمان والعلم والنفوس المشككة إعراضًًا ويأسًا وتشكيكًا.

ومن تجارب زمننا الحاضر ما حدث في إحدى المجتمعات الإسلامية في أوائل التسعينات من القرن الماضي حيث شاع بين الناس أن الصيحة في السماء -وهي إحدى العلائم- ستحدث في شهر رمضان من تلك السنة، وانتشر الخبر سريعًا بين المؤمنين كحالة من حالات التطبيق الخاطئ، وأوجد خيفة لدى بعضهم، وما إن حلّ الموعد ولم تحدث الصيحة حتى انعكس سلبًا على عامتهم وبسطائهم.

وكان هذا التطبيق غير السليم مخالفًا لإرشادات الأئمة (عليهم السلام)، وناتجًا عن عدم الوضوح في فهم مجمل العلامات، لأن الصيحة لا تكون إلا بعد خروج السفياني، وأيضًا تمّ الجزم بما هو احتمال أو ظن في أعلى التقادير، والتسرع بالإذاعة مما أوقع الناس بما لا يحمد، وهذا ما نريد التنبيه عليه من الحالات الخاطئة في الانتظار والتعامل مع علائم الظهور.

ومن أسباب التطبيق الخاطئ أيضًا -بالإضافة إلى الرمزية والعمومية بالتعبير- هو عدم الحتمية لبعض العلامات وربما حصول التغيير في تفاصيلها أو وقتها، وأيضا احتمال وجود الخطأ الروائي في بعضها وهو ما تتعرض له الروايات من سهو الراوي أو الناسخ القديم أو الخطأ المطبعي الذي قد يُغيّر المراد ويقلب المعنى رأسًا على عقب، وهذا ما يدركه جيدًا كل من مارس التحقيق في الروايات والمصادر القديمة.

والتطبيق السليم المعتمد هو غالبًا ما يكون بعد حدوث العلامة ولا يجزم به في كثير من الأحيان، أما الأسوأ في هذا الأمر فهو التطبيق الاستباقي بتحديد هوية بعض من تشمله العلامة أو توقع الأحداث المرتبطة بها والجزم بحدوثها في زمن محدد، ولا مانع من أن يكون التوقع والتطبيق صحيحًا في نهاية المطاف، إلا أن في العملية مجازفة ومغامرة علمية لأنها تعتمد الظن دون الحق ولا يغني الظن عن الحق شيئًا.

ومن هنا علينا التريث بالتطبيق وأخذ الأمور على نحو الاحتمال والظن والترقب وترك المجال لكل طارئ وتغيير في أمر الله أو انكشاف الخطأ في التطبيق أساسًا.

التوقيت

أما التوقيت لموعد الظهور فهو أسوء حالة يمر بها بعض المنتظرين المستعجلين للأمر والمجازفين بالتطبيق والمدعين علمًا لم يصدر عن أهله، والمتاجرين -أحيانًا- بشوق الناس لإمامهم، في حين أن الأمر لم ينزل وقته للناس ولم يحدّد وإنما ينتظر حكم الله عز وجل.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه: "من وَقّت لك من الناس شيئًا فلا تهابَنَّ أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتًا"([15]).

وكلمة "لا تهابَنَّ" تشير إلى احتمال أن يكون الموقت -أحيانًا- شخصية علمية أو دينية، أو من المنتظرين فيهاب الإنسان تكذيبه.

وسأل الفضيل الإمام الباقر (عليه السلام): هل لهذا الأمر وقت؟

فقال (عليه السلام): "كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون"([16]).

والأوقات على فرض معرفتها فهي خاضعة للمحو والإثبات.

روي: "إن علم الله غلب علم الموقّتين، أن الله وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر لم يعلمها بنو إسرائيل، فلما جاز الوقت قالوا: غرنا موسى، فعبدوا العجل"([17]).

فالبداء والمحو والإثبات غيّر الموعد الإلهي لموسى عند الملاقاة إلى الأربعين فكان الامتحان لإيمان بني إسرائيل وتسليمهم لله عز وجل ورسوله.

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): "فإذا حدثناكم بحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، فتؤجروا مرتين "([18]).

حيث أن المحو والإثبات من سنن الله عز وجل وهو الامتحان لإيمان المسلم وتصديقه لله والرسول والأئمة (عليهم السلام).

إن موعد قيام الإمام وظهوره هو من أمر الله عز وجل وليس لأحد التوقيت فيه كما ورد عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في التوقيع الصادر عنه: "أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقّاتون"([19]).

بل إن الله عز وجل يُغيّر الوقت لو أذيع ونشر جزافًا وكان مطابقًا للواقع في علمه، كما ورد ذلك عن الصادق (عليه السلام) وقد سأله أبو بصير عن القائم فقال: "كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت".

ثم قال (عليه السلام): "أبى الله إلا أن يخالف توقيت الموقتين"([20]).

نعم يستثنى من التوقيت ما كان على نحو الرجاء والاحتمال والتفاؤل والتوقّع واستعمال الحسابات القرآنية أو الروائية أو العلمية والظواهر الكونية، وهو ما تذهب إليه العقول والنفوس طلبًا للمعرفة والاطلاع دون الجزم وادعاء العلم، فهنا يخرج الإنسان عن النهي عن التوقيت، ولا حجة لما يصل إليه، ولا دليل عليه مهما اجتمعت قرائن الصحة، ولكن عليه أن لا يذيعه ويحث عليه ويزيد من توقع واستعجال بسطاء المؤمنين الذين لا يقفون كثيرًا عند الفرق بين العلم والظن والاحتمال، ويعتبرون كل ما يسمعونه أو يقرأونه في خانة العلم والمسلمات، ولا يلتفتون إلى المحو والإثبات.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

[1] سنن أبي داود 2/309.

[2] كما في كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر لابن حجر العسقلاني.

[3] غيبة النعماني، ص111، وعنه بحار الأنوار: 52/113 ح29.

[4] الخصال: ص616، وعنه بحار الأنوار 52/123، ح7.

[5] المصدر نفسه.

[6] غيبة النعماني، ص106، وعنه البحار: 52/138 ح43. المقربون : على صيغة الفاعل ، أي الذين يرونه قريبًا ولكن لا يستعجلونه .

[7] نهج البلاغة: 2/133، وعنه البحار: 52/144، ح62.

[8] قرب الإسناد، ص381، وعنه البحار / 52/110، ح17..

[9] غيبة النعماني، ص307 ؛ وعنه البحار: 52/118، ح46.

[10] غيبة الطوسي، ص221 ؛ وعنه البحار: 52/102، ح4.

[11] هود: من الآية ٣٧

[12] كمال الدين، ص355.

[13] آل عمران: من الآية36

[14] الكافي:1/535 ؛ وعنه البحار:52/119، ح39.

[15] غيبة الطوسي، ص426 ؛ وعنه البحار: 52/104، ح8.

[16] غيبة الطوسي، ص426 ؛ وعنه البحار: 52/103 ح5.

[17] غيبة الطوسي، ص426 ؛ وعنه البحار: 52/104، ح9.

[18] غيبة النعماني، ص305 ؛ وعنه البحار: 52/118، ح45.

[19] الاحتجاج، للطبرسي: 2/281 ؛ وعنه البحار: 52/111، ح19.

[20] غيبة النعماني، ص303 ؛ وعنه البحار: 52/117، ح44.

 

 

تتمة مقال = نحن وعلائم الظهور

الإذاعة

إن العمل الاجتماعي بل وحتى العمل الفردي يحتاج إلى الكتمان كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"([21]).

فكيف إذا كان عملا تغييريًا فيه مواجهة مع الظالمين والطغاة وأعوانهم، وهو تغيير جوهري معلن الأهداف في القضاء على دولة الظالمين والقيام بالحق والعدل والانتصاف للمظلوم وأخذ الحق من الظالم!

فإذاعة موعد القيام يعرضه في الأسباب الطبيعية إلى الفشل والتعثر، وقد ورد أن محاولات الإصلاح سبق أن قدرت في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) وعلم بها الناس فأذاعوها فأخّرها الله.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "وقد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة فحدثتم به وأذعتموه فأخّره الله عز وجل".

وقال (عليه السلام) لإسحاق بن عمار: "يا إسحاق إن هذا الأمر قد أخر مرتين".

وهو أمر طبيعي في حركات التغيير الكبرى أن تتلكأ عند انكشاف أمرها قبل أوانه، فكيف إذا اصطدم مع إرادة الله عز وجل كما في قول الصادق (عليه السلام): "أبى الله إلا أن يخالف وقت الوقاتين"([22]).

إنّ حكمة الله جل وعلا وتدبيره يقتضيان أن لا يأتي أمر الإمام المهدي إلا بغتة.

قال النبي (صلى الله عليه وآله): "مَثَلُه مَثل الساعة لا يُجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض، لا يأتيكم إلا بغتة "([23]).

فإذاعة التوقّعات وما يصل إليه الإنسان من نتائج حسابات على وجه التوقيت وحتى الاحتمال يعرّض الأمر للتأخير حتى لو كان التقدير صائبًا، فسنّة المحو والإثبات حاكمة فيه {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}([24]).

أهداف العلائم

إن المحاذير التي ذكرناها في متابعة وترقب علائم الظهور لا تلغي الأهداف المهمة التي طرحت لأجلها، وهي:

أولاً: تربية المؤمنين والمنتظرين بالأماني، والمحافظة على الأمل حيًا في نفوسهم، ولذا كان إخفاء الوقت والرمزية والعمومية أحيانًا طابعًا عامًا لعلائم الظهور.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) لعلي بن يقطين: "يا علي إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة"([25]).

وقال يقطين لابنه علي -وهو من بني العباس-: ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن؟!

يريد ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) بني العباس أنهم سيملكون وكانت دولتهم، فيما أخبر بدولة أهل البيت العادلة ولم تتحقق بعد.

فأجابه ابنه علي بكلام متين مأخوذ عن الإمام (عليه السلام)، قال: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضركم فأعطيتم محضه وكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعلّلنا بالأماني، ولو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب ولرجعت عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه، وما أقربه، تألّفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج([26]).

وذلك لأن: "كل متوقع آت وكل آت قريب دان"([27]).

وقول الله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}([28]).

وقول النبي (صلى الله عليه وآله): "بُعثت والساعة كهاتين"([29]) وضَمَّ سبابتيه.

فالزمن يوصف بالقرب لكل ما هو آت في دنيا يتسابق فيها الليل والنهار وتدور رحى سنيها على أجيالها.

ثانيًا: من أهداف طرح علائم الظهور وتفصيلها إعلام المؤمنين بما سيحدث وعدم مفاجأتهم بالأحداث وخصوصًا الغريبة والشديدة منها، مما يؤدي إلى النجاة من شدائدها بل والاستبشار بحدوثها، مثال ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) في موضوع "الهدّة": "تكون هدّة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان.."([30]).

والهدة الصوت العظيم الناتج عن سقوط شيء وارتطامه بالأرض، ولعله نيزك كبير يصطدم بها، فبمعرفة هذه العلامة يهون أمرها عند الوقوع على العارف بها.

ثالثًا: الاستعداد ليوم الظهور وترقبه عن علم وبينة، خصوصًا في العلائم الأخيرة التي يترتب بحصولها على المؤمن تكاليف من استعداد أو سفر.

مثاله ما ورد في موضوع السفياني حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): "السفياني لا بد منه ولا يخرج إلا في رجب " فقال له رجل: يا أبا عبد الله، إذا خرج فما حالنا؟

فقال (عليه السلام): "إن كان ذلك فإلينا"([31]).

فمعرفة العلائم تساعد المؤمن على اتخاذ الإجراء اللازم لمواكبة أحداث الظهور والمشاركة الناجحة في هذا الأمر العظيم.

نحن والعلائم

المنهج السليم إذًا في التعامل مع علائم الظهور هو المعرفة بها بالعموم وما أمكن من التفصيل، مع ملاحظة وجود مشاكل في روايات العلائم من دقة النقل وصحة السند واحتمالات الوضع، وأن تراجع الكتب الموثوقة والمحاطة بتدقيق العلماء.

وأيضًا علينا ترقب هذه العلامات بانتظار ايجابي من دون عجلة واستقراب للأمر والتطبيق المجازف، بل الأفضل اعتماد العلامة بعد تحققها ووضوحها والابتعاد أيضًا عن الجزم ما أمكن.

وترك التوقيت واشد منه إعلان وإذاعة هذا التوقيت.

والتسليم لله عز وجل في أمره مع الاستعداد والانتظار.

والدعاء بتعجيل الفرج فإنه يقرّب الأمر، فقد ورد في بني إسرائيل إن الله جل وعلا قضى عليهم بمدة من العذاب، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجّوا وبكوا إلى الله أربعين صباحًا فأوحى الله إلى موسى وهارون يخلصهم من فرعون فحطّ عنهم سبعين ومائة سنة".

ثم قال (عليه السلام): "هكذا أنتم لو فعلتم لفرّج الله عنّا فأما إذا لم تكونوا فإن الأمر ينتهي إلى منتهاه"([32]).

علائم الظهور

تنقسم علامات الظهور للإمام المهدي عجل الله فرجه إلى قسمين:

الأول: العلامات المتفرقة غير الحتمية.

الثاني: العلامات الكبرى الحتمية.

العلائم المتفرقة غير الحتمية

وهي أحداث وأوضاع مختلفة متناثرة في صفحات التاريخ الإسلامي والعالمي، وهي غير حتمية، بل يشملها البداء والمحو والإثبات، وهذه العلامات كثيرة، سنشير إلى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر:

الخسوف والكسوف:

خسوف وكسوف في غير وقتيهما، فالخسوف عادة يكون في وسط الشهر، والكسوف في أوله، فيما سيحدث خسوف في أول الشهر وكسوف في وسطه، ولعلهما بسبب جرم غير القمر في الكسوف، وغير الأرض في الخسوف.

قال الباقر (عليه السلام): "اثنان بين يدي هذا الأمر، خسوف القمر لخمس وكسوف الشمس لخمسة عشر، ولم يكن ذلك منذ هبط آدم إلى الأرض..."([33]).

الموت السريع

يقول الإمام الصادق (عليه السلام)، "قدّام القائم موتان: موت أحمر وموت أبيض، حتى يذهب من كل سبعة خمسة، فالموت الأحمر السيف (أي القتل)، والموت الأبيض الطاعون (أي: الوباء)"([34]).

إنه دمار شامل يبيد أكثر الناس، ولعله يكون بحرب عالمية حديثة يستعمل فيها السلاح بأشد صورة وأفتك أنواعه.

وليس بالضرورة أن يكون القتلى كلهم بالسلاح مباشرة، بل قسم منهم قد يموت بمثل الأوبئة الطبيعية، والأمراض المستجدة، بالإضافة إلى ما ينتج من تفسّخ الأجساد المقتولة من أمراض وأوبئة.

إن هذا الموت الواسع المنتظر سوف يكون له عدة آثار ونتائج تتعلق بظهور الإمام المهدي، منها تصفية عدد كبير من الشرائح الفاسدة في المجتمع البشري والمتدنية بعيدًا في مهاوي الضلال والتي تصعب هدايتها وتتعسّر، وليس لها في علم الله عز وجلّ إلا الاستئصال من الجسم البشري حفاظًا على أجزائه الأخرى الأكثر سلامة، كما تُستأصل الأورام الخبيثة من البدن.

ومن نتائجه أيضًا تقديم الدليل العملي والواقعي الحسي للبشرية على فساد أنظمتها التي صنعتها لنفسها من شيوعية واشتراكية ورأسمالية وعلمانية، حيث سيتم الدمار والخراب على يد المدنية الحديثة وبسواعد المثقفين والعلماء الغربيين والشرقيين الذين ساروا بطريق المدنية من دون إيمان وخلق يردعهم عن استغلاله لمنافعهم المادية الأنانية وتحقيق نزواتهم الشاذة عن السمو والكرامة الإنسانية.

إن ذلك سيكون أكبر دليل على فشل الإنسان، في سيره بعيدًا عن الدين الإلهي وعن الفطرة الإنسانية السليمة، وستوجِد في نفوس شعوب العالم المتبقية تطلّعًا نحو نظام جديد وقائد مخلّص لها من آلامها العميقة.

علامات أخرى:

منها الرايات السود من خراسان، ومنها ما قد يومئ إلى ثورة صاحب الزنج في البصرة، وقتل أهل مصر أميرهم، وقحط يشمل أهل العراق يأتيهم من قبل العجم، وانحسار نهر الفرات عن كنز، والدجال.

هذا بالإضافة إلى العلامات التي تتحدّث عن سلوك الناس وأنواع المعاصي ومظاهر الانحراف عن الطريق القويم كإماتة الصلاة وإضاعة الأمانة واستحلال الكذب وأكل الربا وأخذ الرشا واستعمال السفهاء وقطع الأرحام، واتباع الأهواء، والاستخفاف بالدماء، وتحلية المصاحف، وزخرفة المساجد، وتطويل المنائر، وإكرام الأشرار، ونقض العهود، وتشبّه النساء بالرجال والرجال بالنساء... ([35]).

وهدم حائط مسجد الكوفة، وظهور المغربي بمصر، وتملُّكه الشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، وحمرة تظهر في السماء، ونار تظهر بالمشرق وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة، وخلع العرب أعنتها، وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم.

وأيضًا خراب الشام، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة، وخروج ستين كذابًا كلهم يدعي النبوة، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام، وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل أهل العراق، وموت ذريع فيه، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات([36]).

العلائم الكبرى الحتمية

وهي تحمل في طياتها وقتًا نسبيًا ذكره الأئمة (عليهم السلام)، وهو غير مشمول بنفي التوقيت لأنه ليس رقمًا تاريخيًا بل هو أرقام زمنية تصف مدة العلامة أو المدة بينها وبين الظهور، وهذا متوقف على تشخيص العلامة، بالإضافة إلى أنها في زمان يقترب كثيرًا من يوم الظهور مما يجعل كشف الوقت المتبقي ذا فائدة بالغة في سير أحداث الظهور وسلوك المؤمنين والأنصار حينها.

وهذه العلائم خمس تجتمع في السنتين الأخيرتين من عصر الغيبة ولا يشملها البداء.

قال الامام الصادق (عليه السلام): "قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء"([37]).

1- السفياني

السفياني رجل يخرج في بلاد الشام من نسل أمية واسمه الصريح أو الرمزي عثمان بن عنبسة، ويكون وجهه قبيحًا وفيه أثر الجدري، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: هو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدري، إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان وأبوه عنبسة وهو من ولد أبي سفيان([38]).

يتحرك السفياني في بلاد الشام فيواجه مقاومة من قائَدين آخَرين يرفضان خروجه وهما الأصهب والأبقع.

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) فأول أرض تخرب أرض الشام، يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون ويقتله السفياني ومن معه ويقتل الأصهب([39]).

وهذه الحرب تدوم خمسة أشهر ينتصر فيها السفياني وبعد أن تستتبّ الأمور له يسيطر على منطقة الشام ويحكم لمدة تسعة أشهر يظهر بعدها الإمام المهدي (عجل الله فرجه).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إن السفياني يملك بعد ظهوره على الكور الخمس حمل امرأة([40]).

2- اليماني:

قائد عسكري يخرج من اليمن بجيش ويتجه نحو العراق فيما كان السفياني قد توجه إليه مع الخراساني والذي هو أيضًا قائد عسكري يخرج من إيران ويدخل العراق في مواجهة السفياني الغازي.

قال الصادق (عليه السلام): خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد (الظاهر أن المراد تحركهم نحو العراق) وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق([41]).

3- قتل النفس الزكية

تبدأ قصة النفس الزكية، وهو رجل هاشمي طاهر، عندما يظهر الإمام المهدي ظهورًا أوليًا كثائر في المدينة المنورة، فيبعث السفياني جيشًا إلى المدينة، وقبل أن يصل هذا الجيش إلى المدينة يرسل الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أحد أتباعه، وهو محمد بن الحسن، إلى مكة المكرمة يدعو أهلها لنصرة الثائر في المدينة، إلا أن أهل مكة سيرفضون الدعوة ويأخذون الرسول داخل بيت الله الحرام فيذبحونه صبرًا بين الركن والمقام فيهتز عرش الرحمن -كما ورد- لهول هذه الجريمة، وهتك حرمة الله عز وجل حتى ورد أن الله عز وجل لا يمهل أهل مكة بعد ذلك فيكون الظهور المبارك بعد خمس عشرة ليلة فقط من ذبح النفس الزكية.

روي : أن النفس الزكية غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم ولا ذنب، فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد... ([42]).

ووصف أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل النفس الزكية فقال: قتل نفس حرام في يوم حرام في بلد حرام عن قوم من قريش، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لهم ملك بعده غير خمس عشرة ليلة([43]).

4- الخسف في البيداء

عندما يتجه جيش السفياني إلى المدينة لقتل الإمام المهدي يخرج الإمام إلى مكة.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة فيبعث جيشًا على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفًا يترقب على سُنّة موسى بن عمران.

قال: وينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء يا بيداء أبيدي القوم فيخسف بهم([44]).

5- الصيحة في السماء

الصيحة هي صوت عظيم يحدث في السماء في فجر ليلة القدر ليلة الثالث والعشرين من آخر شهر رمضان في عصر الغيبة ويعقبه ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في شهر محرم الحرام.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان([45]).

وهذا الصوت سيكون على شكل عبارة أو عبارات يسمعها كل أهل لغة بلغتهم.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): ينادي مناد باسم القائم.

قال الراوي: خاص أم عام ؟

قال الإمام: عام يسمعه كل قوم بلسانهم.

قال الراوي: فمن يخالف القائم وقد نودي باسمه؟

قال الإمام: لا يدعهم إبليس حتى ينادي في آخر الليل فيشكك الناس([46]).

ولعل نداء إبليس عبارة عن نشرات الإذاعات المسائية التي ستعطي تفسيرًا موهمًا لهذا الصوت لتشكك الناس به([47]).

هذه هي العلامات الحتمية الخمس التي تشكل الأساس لعلائم الظهور دون غيرها وذلك لحتميتها ولوجود وقت فيها.

انتهى المقال

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([21]) ميزان الحكمة، 1/630.

([22]) غيبة النعاني، ص303 ؛ وعنه البحار، 52/117، ح42 - 43 -44.

([23]) كمال الدين، ص373 ؛ وعنه البحار: 51/154.

([24]) الرعد: ٣٩.

([25]) غيبة الطوسي، ص341 ؛ وعنه البحار: 52/102، ح4.

([26]) غيبة الطوسي، ص341 ؛ وعنه البحار: 52/102، ح4.

([27]) نهج البلاغة، ص197.

([28]) المعارج: ٦ - ٧

([29]) بحار الأنوار: 2/307.

([30]) الملاحم والفتن، ص310.

([31]) غيبة النعماني، ص313.

([32]) تفسير العياشي: 2/154 ؛ وعنه البحار: 52/131، ح34.

([33]) كمال الدين، ص655، وعنه بحار الأنوار: 52/207، ح41.

([34]) المصدر السابق نفسه.

([35]) كمال الدين وتمام النعمة، ص526، وعنه بحار الأنوار: 52/193.

([36]) إرشاد المفيد: 2/369 ؛ وعنه بحار الأنوار: 52/219.

([37]) كمال الدين، ص650 ؛ وعنه البحار: 52/204.

([38]) كمال الدين 651، وعنه البحار ج52/205.

([39]) غيبة النعماني289، وعنه البحار ج52/237.

([40]) غيبة الطوسي449، وعنه البحار ج52/215.

([41]) غيبة الطوسي 447، وعنه البحار ج52/210.

([42]) غيبة الطوسي464، وعنه البحار ج52/217.

([43]) غيبة النعماني 267، وعنه البحار ج52/234.

([44]) غيبة النعماني290، وعنه البحار ج52/238.

([45]) كمال الدين650، وعنه البحار ج52/204.

([46]) كمال الدين 651، وعنه البحار ج52/205.

([47]) لقد عرضنا هذه العلامات باختصار شديد ولمزيد من التفصيل والوضوح راجع كتابنا دولة المهدي.

 

 

شخصية الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

في الشعر العربي المعاصر

د. حسن جعفر نور الدين

يعيش الإمام المهدي، محمد بن الحسن العسكري، صاحب العصر والزمان، في ذاكرة التاريخ والشعوب، لأنه يماشي في حياته المتواصلة الزمن والعصور، ويستمرّ معها حضورًا روحيًا ونفسيًا وجسديًا، متخفيًا عن الأنظار، لا يُعلم مكان وجوده، بأمرٍ من الله تعالى، حتى يحين موعد خروجه الميمون بعد أن تكون الظروف قد نضجت وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، وبعد أن يسود العالم القَتلة والسفّاحون، هكذا تروي الأحاديث المأثورة والمتواترة عن الرسول والأئمة الأطهار (عليهم السلام).

إذًا، يعيش الإمام المنتظر بيننا، وربما يشاركنا بعض مهامنا دون أن ندري، وتُحدّثنا وقائع كثيرة وروايات مختلفة عن حوادث تحقق أصحابها عن رؤيتهم للمهدي بعد انصرافه فجأة إثر أعمالٍ قام بها معهم ولأجلهم، ظنًا منهم أن من يساعدهم عابر سبيل ليس إلا، ولا يستغربنّ إنسان ما يُتداول عنه من أعمال، فربما يشاركنا الصلاة في المسجد، ويدخل في زحام السوق، ويحضر مجالس جده الحسين (عليه السلام)، لكن لا أحد يحدد صورته وهويته وهيأته، ولو حصل لانتفت الحكمة من إخفائه.

نعم إنه يراقب ويشارك ويسجّل ويختلط بالآخرين، موجود بالقوة الإلهية والفعل السماوي.

وكما تكرّس المهدي (عجل الله فرجه) في التاريخ البشري، اختمر أيضًا في قلوب وعقول المؤمنين، ودخل باب الشعر من ميدانه العريض، وصدرت دراسات وتحليلات وانتقادات حول طبيعة هذه الشخصية النادرة التي تناولتها الأقلام ما بين مُصدّق واثقٍ مؤمن، وبين شاكٍّ متقلّب، وبين منكر مسقط لكل الأحاديث التي تؤكد وجود واستمرارية القائم (عجل الله فرجه) من منطلق لا إيماني صرف.

إلا أن المهدي رغم كل الشكوك والمواقف المنكرة لحتمية وجوده والتي لا تعتبر سوى فقاعات من الماء الآسن سرعان ما ينتهي، رغم كل الشكوك، فإن اسمه يزداد سموًا وحضورًا وانتظارًا، وعلاوة على الوعد الإلهي بهذه المنحة العظمى فإن طبيعة الحياة والوجود والصراعات التي لا تنتهي وارتفاع وتيرة الجنوح إلى الجريمة والرذيلة والفوضى، جميعها تفضي إلى معادلة واضحة، أن البشرية بحاجة إلى مخلّص منقذٍ مُعزّز بصلاحيات وقدرات سماوية مؤهل لقيادة البشرية إلى طريق الحق والعدل والإيمان.

على كل حال، لن أخوض في هذا الموضوع كثيرًا، فقد ضاقت الكتب والدراسات والآراء حوله منذ غيابه، وستبقى تعيشه حتى حضوره، وليس من شأني هنا الخوض في هذه التفاصيل، إلا أنَّ أَبْلَغَ رَدٍّ على كل ما قيل أو يقال: هو هذا الشعر العالي المهدوي، والذي يعتبر أحد الأسلحة التي تحارب مع المهدي، تحارب من أجل حضوره الغائب، وغيابه الحاضر، وهكذا حفل الشعر العربي بهذا الموضوع المثير واللافت في آن معًا، وذهب الشعراء يولونه الاهتمام الكبير، فكتبوا وحللوا ونظموا قصائد لا تُحصى منذ ألف سنة ونيف، وها هي دواوينهم تزخر بمعاني هذه الظاهرة وعظمتها وإعجازها، وليس بكثير على ربٍّ أوجد السماء والأرض وما بينهما من أن يُبقيَ عبدًا من عباده الصالحين المقرّبين، يختاره ليكون إمامًا ومرشدًا، ومنقذًا للبشرية كلها، ومحققًا أحلامها في الرخاء .

إذن، منذ ألف ومائة عام تقريبًا والشعر "المهدوي" يتناسل يومًا بعد يوم، فأئمة آل البيت (عليه السلام) حظَوا جميعًا بكرامات لم يحظَ بها أيّ من عظماء الإنسانية وأعيانها، نظرًا لجمعهم بين علو الشأن المرتبط بالسماء إلى جانب الفرادة في العلم والمعرفة، والتي كانت في أصولهم ومتواترة فيهم، يبرع فيها صغيرهم ككبيرهم، وجديدهم كقديمهم، إنها المنح السماوية التي اختصوا بها.

وقد تباين الشعراء في طريقة تناولهم للإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، فمنهم، وهم الغالبية الساحقة، تحدّثوا عنه من الوجهة الدينية التاريخية، مؤكدين خروج المهدي يومًا ما، في ردٍّ على الذين يشكّون في حصول هذا الحدث، أو في أصل وجود شخصية الإمام نفسه، منكرين إمكانية استمرار شخص على قيد الحياة مئات السنين، ويدحض هذه المقولة ما ورد في القرآن الكريم حول نوح (عليه السلام) بقوله تعالى : {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}[1]، هذه مدة الإقامة فقط، فكيف بمراحل الحياة الأخرى، أضف إلى ذلك حياة السيد المسيح التي ما زالت مستمرة كما توحي الآية الكريمة {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}[2]، إذ يجمع اللغويون والمفسّرون على أن رفع المسيح إلى السماء تمّ أولاً، ثم يليه في ما بعد الوفاة التي ستسبقها عودة المسيح إلى الأرض ليقوم بدوره إلى جانب الإمام المهدي في إعادة صياغة مجتمع الإيمان والحق والعدالة.

الاتجاه الديني والتاريخي والواقعي في شعر الإمام المهدي

نحن هنا إزاء ألوان من الشعر المهدوي الذي ينطلق من منشأ ديني تاريخي صرف، ويعبّر عن شخصية الإمام المهدي وفق السيرة التاريخية المعروفة له(عجل الله فرجه)، ومن ثمَّ الإشارة إلى الأهداف التي ترمي إليها غيبة الإمام، وربط الحاضر بكل ما يكتنفه من أحداث ووقائع بالماضي، لتأكيد استمرارية هذا الوجود حتى يحين موعد الظهور المبارك الذي ينتظره الناس بفارغ الصبر.

يقول الشاعر الدكتور يحيى الشامي في هذا المنحى، مخاطبًا صاحب العصر والزمان :

صاحب العصر يا إمام الزمانِ
قر
ّة العين أيّ أيّ ديار
أنت فيها وأين أين استقرّت
 

 

يا شريكَ الكتاب والفرقان
يا غريب الديار والأوطان
بالغريب النوى وأيّ مكان
 

ثم يميل بعد المديح إلى التماس الفرج والظهور، تأكيدًا لأسباب وموجبات بقائه على قيد الحياة، تمهيدًا لخروجه، وبدء مسيرته الجهادية لتعزيز الإيمان والعدل والحق :

يا أبا صالح[3] وأيّ غياب
بُحَّ صوتي وطال طال انتظاري
هي ذي الأرض كلها ملئت جَوْ
يا إمام الزمان يا صاحب العصـ
هوذا المسجد السليب، وذي الصّخـ
فالوح
ى سيدي الوحى قمْ فأدركْ
أدركِ الدينَ سيدي ليكون الد
 

 

قد عراني من شأنه ما عراني
لك يا ذا النفوذ والسلطان
رًا وجضَّتْ بالظلم والعدوانِ
ـر ألا اخرج فحسبنا ما نعاني
ـرة تشكو فظاعة العدوان
قد ألِفنا عبادة الأوثان
ين لله، راسخ البنيان
 

هكذا تشتد مناجاة الشاعر ومناداته عندما يذر الشرّ بقرنيه ويعصف الظلم بالناس، وأظن أن المعاني واضحة جلية لا لبس فيها أو غموض، وإنما مشبعة بحس إيماني عميق.

والإمام المنتظر هنا يمثّل الحلم المنطلق من خلفية دينية، الحلم الذي تعيشه الملايين وتنتظره بشغف عامًا بعد عام، وهو أمر بيد علاّم الغيوب، إنه الحلم المشبع بالألم والمرارة، ففي كل أزمة ومعاناة وضيق، يتجلّى الإمام (عجل الله فرجه) في الأذهان، ويحتلّ الأفكار والمشاعر، ويرجوه الناسُ العودة والظهور، ليس من باب الاتكالية، وإنما من باب المساعدة والنجدة، لإعادة الحق إلى نصابه، ومحاربة دعاة الضلال والفساد والانحراف.

ويجسّد الشاعر يحيى الشامي هذا الحلم الذي لاح في ومضات خاطفة ولحظات مثيرة ومناسبات خاصة، وحكايات محددة، ظهر فيها المنتظر دون أن يعرفه أحد، يساعد هذا، ويُنجد ذاك، ثم يختفي فجأة وسط ذهول ودهشة كبيرين:

يا أنيس القلوب في وحشة الدر
حاضر أنت في المواسم طرًا
ما خَلَتْ منك حقبة كيف تخلو
حدثتني الركبان عنك فقالت
في أعالي البحار في كل نجد
كم شريد قد ضلّ يومًا سبيلاً
وأناس تقطعت بهم السبـ
كنت غوثًا لهم ولكن بسيما
بينما هم في حيرة وضلال
لحظتك العيون للتوِّ لكن
ثم لمّا أنجيتهم من هلاكٍ
فطنوا للذي جرى بعد حين
 

 

بِ وليل المشّرد الحيرانِ
شاهد أنت في ضمير الزمانِ
من إمام في السرّ والإعلانِ
أنت في كل بقعة ومكانِ
في الصحارى القفار في القيعانِ
وهو يمشي في الأرض كم ركبانِ
ـل فإذ أنت ظاهر للعيانِ
غير سيماك طيب الأردان
وسهام الحتوف منهم دواني
كنت أنأى من حيّز الأذهانِ
وتردوا بعصمة وأمان
فتنادوا من بعد فوتِ الأوان
[4]
 

وللشاعر قصائد أخرى في الإمام المهدي، وجميعها ذات اتجاه واحد، ينبع من إيمان عميق وحسٍّ وجداني مرهف في إطار من الصور الواضحة الجميلة الدالة على عمق العقيدة في قلب الشاعر، وهذا ما لمسناه في ما أوردناه من أبيات له.

وفي اتجاه وجداني عارم، كانت قصيدة حسن محمد نور الدين حول الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ومعظمها إطراء ومديح واحتفاء بهذا القادم إلينا يومًا ما، وهذا ما درج عليه معظم الشعراء الذي أرّخوا لهذه الشخصية المعجزة "إلهيًا والتي ستبقى لسان حال الشعراء جميعهم وبشتى اتجاهاتهم وإلى أن يتحقق الظهور:

غدوتَ وخَطْوك السامي يزيد
وفي شعبان لاحت مكرمات
وحلّت في حِمانا نيِّراتٌ
 

 

فغنّى فيك شعري والقصيد
تزفّ البُشْرَ بالنُّعمى تجود
وضاءت في نواحينا الورود
 

وهكذا تستمرّ القصيدة على هذا المنوال، في معانٍ واقعية، وحشد طافح من ألفاظ المديح، وينفذ بعد ذلك إلى دعوة الإمام (عليه السلام) إلى الإسراع لنجدة الشعوب المقهورة، شأنه شأن معظم الشعراء الذين تناولوا المهدي (عليه السلام) ودوره المستقبلي في لمِّ الشمل وملاحقة الأعداء :

فغذِّ الخطو مولانا وعرّجْ
ودكدكْ موطنًا قد حلَّ فيه
وبارك خطو شجعان كرام
ولُمَّ الشمل سيدنا المفدّى
وزدْ فينا التقى عزمًا ووصلاً
وروّضْ طغمة حكمت بشعب
سعاة للبلاء دعاة شرٍّ
 

 

على تلك الرُّبى قُلْ ما تريدُ
طُغاة أهل شِرك أو يهودُ
على الأعداء في الهيجا أُسُودُ
وخلِّ الأرض في الباغي تميدُ
بغير العزم لا يُفرى الحديدُ
تغذّتْ من تزندقها ثمودُ
لشهوتهم، دمى، خدم، عبيدُ[5]
 

هكذا يدخل الشاعر من بوابة المهدي المنتظر، لينتقد الحكّام الطغاة، دعاة الشر والفساد، متأملاً وراجيًا ظهور الحجة لحسم كل الأمور باسلوب عذبٍ، مستخدمًا بحر الوافر أحد أهمّ البحور التي تصلح للتعبير عن النَّفَس الوجداني في الشعر العربي :

ألا يا طلعة المهدي هلاّ
 

 

يزول الفصل أو تلغى الحدود
 

وبذلك أصبح صاحب العصر والزمان أملاً وحلمًا ينتظره المؤمنون بفارغ الصبر لينقذهم، ويؤسس فيهم دولة القانون والعدالة والحق.

إلا أن المهدي (عجل الله فرجه) لا يريد من الشعوب أن تركن إلى الذلّ والاستكانة والطاعة العمياء للظالمين انتظاراً لمجيئه الميمون وظهوره السعيد، وإنما أن يكون وجوده، وتمنّي حضوره حافزًا ودافعًا لكل شعوب العالم للمطالبة بحقوقهم، والذود عنها، ومقارعة الظلم، لأن هذه هي أحداث وتطلّعات صاحب العصر والزمان، وهم بذلك يُعبّدون الطريق لظهوره، ويؤكّدون وجوده، من خلال استلهام شخصيته وتعاليمه وأهدافه :

وتُبنى دولة الإسلام فينا
وتبدو القدس جذلى في رُبانا
وتُطوى الغيبة الكبرى ويبدو
وتعلو راية السبطين فيها
 

 

وفي عليائها يحلو القعود
ويعلو فوق تربتها النشيد
إمام العصر موكبنا يقود
ويزهو من تلألئها السجود
 

وانتقيت من قصائدي حول المهدي واحدة تقع بين الرمزية والمباشرة، وقد فاضت عليّ خلال وجودي في المسجد النبويّ الشريف صيف 2007م، تخيّلت وجوده معنا هناك، ثم في كل مكان لاح لخاطري :

بعيني هاتين شاهدته يُقلّمُ المساءْ
ويدخل الحقول دون منجلٍ وقافيهْ
رأيته ينام فوق بركة مهاجرهْ
هكذا رأيته وغاب في النجومْ
 

ولشدة تعلّق الناس به ومحبّتهم له، وتوقّعهم حضوره، أصبحوا يرونه في كل شيء جميل، ويبصرونه في عيونهم الداخلية كما يشتهون :

فقيل صار وردةً، وصار منجل الحصادْ
وقيل صار دفترًا، قصيدة الفؤادْ
وصار شتلة خضراء، زبدة الخِطابْ
وقيل صار حنطةً في بيدر الحطّابْ
وصار في الديار يوقظ الدُّجى ويلبس الحفاة
نراه في منامنا وحلمنا، في الوصل والشتاتْ
 

وعندما لمحته في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله)، سمعته يتحدّث عن أمّته، وهو حزين، لِما آلت إليه، وعندما حاولت أن أقترب منه لأتبارك من طلعته، اختفى، وسيبقى كذلك يلوح ثم يغيب إلى أن يأمره الله بالرجوع والعودة للقيام بدوره المنشود :

يعينيّ هاتين رأيته في مسجد الرسولْ

يقول ما لا يُقالْ،

عن أمةٍ هزيلةٍ مقموعةٍ تعيشُ في السؤالْ

وتنتهي بلا سؤالْ

وعندما أسرعت نحوهُ،

وجدتني في وحدتي، أصيح يا سيدي تعالْ

ولكنْ، كأنْ لم يَحِنْ بعدُ ذلك الجوابْ

أغلقت دفتري، وما يزال مغلقًا

إلى أن يأمره الله بالوصولْ

على بُراقِ جدّه الرسولْ

وفي قصيدة أخرى لي من ديواني "مقاطع إلى وجه الشرق"، مختصة بالإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، تحتشد المعاني والدلالات والصور حول هذه الشخصية الفريدة في التاريخ البشري، فهو زهرة الفرقان وشمس المصطفى، ترنو إليه ملاعب الأمجاد، وتخفق خلفه الدنيا، يمشي بأفئدة الليالي والسنين، ويقيم في الأحداق، في النّسمات، في قلب الندى والياسمين، ونُبصره خلف أمنياتنا ومن بين أسوار العيون :

مولاي دعني في مروجك أستريحْ

فلقد تَعبتُ من المسير بلا دليلْ

دعني أُغرّدُ في فضائك ليس يطربني

فضاءٌ سمّمته يدُ الدخيلْ

لم يبقّ إلا أنتَ ننتظر السماءَ

لتعلنَ الحدثَ العظيمْ

تنساب فوق طقوس هذا الكونِ

كالألحانِ في جسد النسيمْ

فنقول إنكَ زهرةُ الفرقان والنبأُ الرخيمْ

ونقولُ إنكَ أنت شمسُ المصطفى

والبدرُ في ميزانك الأعلى يقيمْ

تمشي ولكن دون أن ندري

بأفئدة الليالي والسنينْ

وتقيمُ في الأحداق في النسماتِ

في جفن الندى والياسمين

تنساب مثل النور ترمقنا

فنبصرُ وجهكَ النبوي خلفَ الأمنيات وخلفَ أسوار العيونْ

وتستمر القصيدة على هذا النسق الوجداني الذي يؤكد جملة قناعات ومسلمات حول دور المهدي المنتظر والعقيدة المتأصلة في مفهوم الناس عنه، وتنتقل إلى ربط دور الحاضر بالماضي، وعلى أن النضال الذي يقوم به أحفاده في مناهضة الظلم والاستغلال هو جزء من مشروعه المستقبلي، ومن هنا دائمًا دعوة المهدي (عجل الله فرجه) إلى الإسراع في العودة، لأن الفساد يكاد يعمّ الكون بأسره، والقهر والعبودية ينهشان في جسد الشعوب وقيمها، والقصيدة من شعر التفعيلة، متخذة جزءًا من بحر الكامل ميدانًا لها :

غذِّ الخطى يا سيدي وأقبلْ

ففي الآفاق شيطانٌ رجيمْ

وأطلقْ سيوفك من سرائرها

فقد صدئتْ أسّنتنا من النوم الثقيلْ

يا سيدي وانشرْ مروجكَ

فوق آجام الصحارى والطلولْ

واشخص، فخلفك أنسرٌ

بيضاء تربض عند منبرك الأثيلْ

أبناؤك الشمُّ الذين سقيتهمْ

شهد الكرامة والفدا

وأذقتهم من شمس موسمك الجميلْ

يا سيدي. وغدًا ستأتي فوق أجنحة الندى

ويزفّك العرش الرحيمْ

ملكًا سماويًا يرفرف معلنًا موت العمالة والخيانةِ

والدجى النزقِ الجسيمْ

إني أراك موشحًا صدرَ الثرى

بنشيدكِ العذب الجليلْ

فأشرقْ يعُد للنيّرات السُّعدُ

تمشي في عروق الأرض أعراس النخيلْ[6]

ويستعجل الشاعر نزار الحرّ الحجة المنتظر (عجل الله فرجه) ليعيد الأمور إلى نصابها والحق إلى أصحابه، فقد ساد الضلال واستبدّ المجرمون، فلترفرف بيارق نصرك في كل مكان، فأنت العروة الوثقى التي يتمسّك بها الصالحون المنتظرون عودتك بكل شوق :

حجة الله هل يطولُ الغيابُ
عجَّلَ اللهُ في ظهوركَ حتى
صاحبَ الأمر والهدى أنتَ والمهـ
إنكَ القائم الذي يُرتجى والـ
ومقيمٌ فينا ومنتَظرٌ يَسْـ
يا إمام الزمانِ هيا أغثنا
أصبحَ الحقُ باطلاً وغدا البا
فانصرِ الحقَ واملأ الأرضَ قسطًا
معجزاتُ الإله فيكَ استدامتْ
 

 

ويغشّي على العيون الضبابُ
يتجلى بعد الضلال الصوابُ
ـديُّ والمستغاثُ والغيَّابُ
ـخلفُ الصالحُ الكريمُ اليُهابُ
رُو وتشريفنا إليك انتسابُ
عجبٌ كلُّ ما نراه عُجابُ
طلُ حقًا وكلُ عُرفٍ يُعابُ
وليُنزَّلْ بالظالمين العقابُ
وستُحنى لها لديكَ الرقابُ[7]
 

ولا تخفى على القارئ معاني الأبيات، وهي من بحر الخفيف، وتدور جميعها حول أهمية عودة المهدي واستعجال ظهوره، بلغةٍ سهلة بسيطة واضحة.

الاتجاه الرمزي أو الرمزية في الشعر المهدوي

يحتلّ الإمام المهدي روح القصائد الرمزية في الشعر العربي المعاصر، ويطلّ علينا من خلال الرمز فقط، دون التفاصيل والمعاني المتداولة الشائعة التي عرفناها، ومن ذلك الاتجاه الديني والتاريخي لشخصية الإمام المهدي (عجل الله فرجه).

فالشعر الرمزي يكتفي بالتلميح دون التصريح، أو أنه يكتفي بالإيماءة السريعة التي تصف الحال وتدل على المراد، ومن هذا الشعر الرمزي ما يدل على نفسه بنفسه، سريع التناول، قريب المنال، كقول الشاعر نزار قباني في رثاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر سنة 1970م :

القائدُ لم يذهب أبدًا

بل دخل الغرفة كي يرتاح

وسيصحو حين تطلّ الشمس

كما يصحو عطر التفاح[8]

وهذان البيتان وإن كانا في رثاء الزعيم العربي، إلا أنهما تحملان النَّفَس المهدوي، وتعبّران عن فكرة المجيء والعودة.

بل يصرّح نزار قباني علنًا في قصيدة أخرى عنوانها (إليه في يوم ميلاده)، ويقصد ميلاد عبد الناصر، فهو يذكر الرمز بالاسم مشيرًا إلى أن المرثي يحمل جذوةً من قبس المهدي، إذ أنه يستحضر هذا الرمز الموجود ويلبسه الزمن المعاصر، وتستمر أفكار وروح عبد الناصر في أمته وتنتصر يومًا ما :

تأخرت يا أغلى الرجال فليلُنا
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا
 

 

طويل وأضواء القناديل تسهر
وأنت لنا "المهدي" أنت المحرر[9]
 

إذن كل شخصية يعتبرها الشعب خلاصَه، هي بمثابة مهدي له، من هنا رسوخ هذه الدلالة في أعماق الشعوب، كدليلِ أملٍ بالمستقبل.

ويتحدّث الشاعر شوقي بزيع عن المهدي المنتظر بعمق وشمولية، في أداءٍ مليءٍ بالرموز والإشارات، فهو يشير إلى علاقة المنتظر بالناس وتواصله معهم بأسلوب إخباري قصصي.

إن شعراء الحداثة يوغلون في الأعماق، يفلسفون الموضوع الذي يتصدّون له، يبنونه بغير ما يبنيه غيرهم، يستحضرون أحداث التاريخ السحيقة، ويقيسونها على الحاضر، أو يقيسون الحاضر عليها، فتستحيل حلمًا وأملاً ورمزًا.

ولعل الشاعر شوقي بزيع أكثر شعراء الحداثة مقاربة لموضوع المهدية أو المهدوية، إذ انفرد عنهم تقريبًا بأنه خصّص قصيدة حديثة وطويلة ومتشعبة عن الإمام المهدي، فاستحال الرمز عنده رموزًا تعيش مع الناس في ذاكرتهم وحاضرهم، والقصيدة عنوانها "الطواف في رحاب صاحب العصر"، وقد جاءت في أول ديوان صدر له وهي غنية بالصور الجمالية والخيال الخصب البديع :

وحين تقولُ الرعيةُ

كان الخليفةُ ظلاً وأنتَ التوغلُ

كانت عقاربُ كفيكَ تُعلنُ بدءَ التقيهْ

وعيناك في دورة الفلك تستحضران المسافاتِ

ينمو على وجهك البحرُ، تغفو همومُ الصغارْ[10]

هكذا يبدو المهدي متوغلاً في الزمن، يستحضر المسافات، وكأن عقارب كفيه عقارب الوجود، وعينيه بوصلة الفلك، يحمل هموم الصغار، ويحنو على البحر، فينمو على صفحة وجهه التي مساحتها الكون.

وسيعود يومًا ما، مؤكدًا على الفكرة التي أرساها سواه من الشعراء، عبر وجوده الخفي في الأشياء، هكذا تحتشد الرموز في قصيدة شوقي بزيع عبر معانٍ متعددة خلاّبة تفضي إلى حقيقة واحدة، أن المهدي يعيش يين الناس، يتواصل معهم، يشاركهم همومهم ومسرّاتهم من خلال طيفه، وتاريخه وسيرته، والروايات عن معجزاته :

وقد أعشبت مقلتاك

ومن يومها يطلع العشب مثل التعاويذِ

لكن كفك أبلت بلاء الأساطير قبل الفجيعهْ

وقد عاينوك تصلي وحيدًا على جذع سيناءَ

حيث تقوَّسْتَ كالرمح في جوف من يعبرونْ

رأتك العصا فاستحالت زهورًا

هكذا تتلاحق الرموز وتتكثف في فضاء قصيدة الشاعر، حتى لتكاد تتحول إلى حقل ذي دلالات مختلفة، تدور جميعها حول المهدي المنتظر وحضوره اللامنظور في الأزمنة والدهور، حيث يحمل السيف في مواجهة المستبدّين والعروش الظالمة :

وماذا لو اشتعلت في أتون البراءة عيناكَ

هذا ربيع الجراحِ

التئم بين ورد المسافة والشوكِ

أزهر على حدق المقبلين

فنحن بذور تطارد كالنحل وهج الخصوبةِ

لكننا لم نزل بانتظارك

منذ ابتداء الخليقة

وسوف تعود وتهدي إلينا تفاصيل موت معاصرْ

تجمعت كالعين في غابة الدمعِ

جئت مضاجعنا في الخفاء وأورقت فينا، أنا صوتك الآن والورق الدائري

دخلتُ مسام العصور وأعشبت في غفلة الوقت[11]

ثم يتابع الشاعر رسم صورة المهدي في خيوط من الرموز، كباقة ٍ من الورود المتشابكة، بعد أن يستعير صوته وجرحه ودمه :

أنا صوتُك الآن والورق الدائريُّ

دخلتُ مسام العصور وأعشبتُ في غفلة الوقتِ

كانت ألوف السيوف تغنّي دمي في العشايا

وتغري العذارى بصوتي

وبشكل عام، فالمهدي في قصيدة شوقي بزيع هو المسام والإشارة، والتوغّل والامتداد الزمني والطريقة والسد والحلم المنتظر.

يقول في مطلع القصيدة :

مغرقٌ في التواصلِ

تنسلُّ خلفَ ارتعاش الأصابعِ

تهذي

تراوح كالظل بين الحقيقة والوحي

وتركض كالطفل بين الفرادة والقمع[12]

وما زال المهدي يركض في برية هذا الكون حتى يحين موعد ظهوره الميمون، فيصبح هذا التواصل الروحي الذي يقوم الآن بينه وبين الخلق، تواصلاً حقيقيًا وملموسًا ومرئيًا، وغني عن القول أن القصيدة من الشعر الحديث الرمزي، وقد استعمل الشاعر تفعيلة بحر المتقارب (فعولنْ فعولنْ) مادة قصيدته، وهي تفعيلة راقصة ذات حيوية وتصلح للموسيقى.

وتكثر في مجموعات الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين الرموز التي تعبّر عن حضور المهدي المنتظر، وإشراقه وتحيُّنِ الناس لفرص ظهوره، وقد عبّرتِ المقطوعةُ الأخيرةُ من قصيدة أو معلقة "قبر للأرض" من ديوانه منازل النرد، عبّرت عن هذا المفهوم التاريخي النضالي الغيبي، في صفحة 132 إشارةٌ صارخةٌ تعني ما أشيرُ إليه :

يا حادي العيسِ

وأخبرهمْ أني سأعودْ

فلينتظروني

في ثنية هذا الجبل الصافي

ما بين الطلقة والرمانْ

ولينتظروا جبل الريحانِ

إذا جلجلَ فيه الرعدُ

ودمدمَ فيه الصوتُ الجارفْ

هذا الانتظار، وتوقّعُ العودة، هو من موروثات هذا الحدث التاريخي (غيبة الإمام الثاني عشر)، وتتحدد دلائل هذا الرمز أكثر عندما يذكر الشاعرُ السردابْ، فهو المكان الذي اختفى منه الإمام المنتظر، كل ذلك بلغة حيّة وخيال فسيح وفكر عميق :

فلتفتحْ أبوابَ مدينتكَ الموصدةِ

حتى أدخلْ

فأنا (كي تصدقني الرؤيا)

أبصرتُ الضوء يلوحُ

على آخر هذا السردابِ

فآنسني فدخلتْ[13]

ويبقى السرداب علامةَ المتوقّع والمستقبلِ على خلفية الرمز (الإمام المهدي) كما يتراءى لي في قول الشاعر شمس الدين :

وقال غدًا يأتي من سرداب الدمع

فتى

ويسجر هذا النهر بصرخته

إنه الحلمُ الذي يعشبُ في الصدور والعقول إلى حين تحقيقه أو كما يقول الدكتور محمد حمود في كتابه (محمد علي شمس الدين أميرال الطيور)([14]):

"إن هذا السرداب مرتبط في الذاكرة الشيعية بالإمام المهدي الذي سوف يأتي ليملأ الأرضَ عدلاً بعد أن ملئت جورًا".

ومن ديوان الشاعر شمس الدين (منازل النرد) ومن آخر قصيدة (قبرٌ للأرض)، وهي قصيدة قيلت بمناسبة حرب سنة 1996م ومجزرة قانا التي ارتكبها الكيان الصهيوني، يتكرر ذكر "السرداب" الرمز الذي يشير إلى الحجة المنتظر، وكأن في كل مناخ ملحمي حربي يناضل فيه الجنوبيون ملمح لشخصية المهدي وانتظار خروجه :

لا أحد يعرف في هذا المنفى أحدا

فأنا كي تصدقني الرؤيا

أبصرتُ الضوء يلوح على آخر

هذا السرداب

فوجدت قبورًا تنشقُّ

ويخرج منها قتلاها[15]

ونلمح شخصية المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) صاحب العصر والزمان رمزًا لكل المصلحين الذين يملون لخير الشعوب، لذلك يسير المؤمنون خلف خطاه، حتى وهو غائب، لأنهم يعرفون تعاليمه وأهدافه ويسيرون بموجبها، وهو الذي سيخرج في سبيلهم، إنهم المظلومون والفقراء والمسحوقون :

ومشى ، فمشينا خلف خطاهُ

كما يَتْبَعُ نهر مجراه

كنّا فقراء وتوابين

وأخلاطًا من زنجٍ وشعوب مغلوبة[16]

إلا أن الشعراء، وكانوا أول من آمن بالأعجوبة كما يقول الشاعر محمد علي شمس الدين، لم يبقوا على موقفهم، وتواروا منتظرين أن يخرج من سرداب آخر مهدي آخر، وهذا جزء من الحيرة في أمر المهدي والجهل حول يوم عودته الحقيقية جسدًا وروحًا إلى الناس :

لكنّ الشعراء، وكانوا أول من آمن بالأعجوبهْ

وجدوا في منتصف الصحراءْ

أمرًا ما

ملتبسًا بين النار وبين الماءْ

بين المعجزة الكبرى والأكذوبهْ

فتواروا خلف مدامعهمْ

وانتظروا

أن يخرج من سرداب آخرْ

مهديٌّ آخرْ[17]

إنه الشعر الرمزي، الذي تتوارى فيه المعاني خلف حجب من الخيالات الفسيحة التي لا يُقبض عليها بسهولة، هنا تجد رقيًا في الأسلوب والمعاني والأفكار، تتوارى المعاني خلف الأسلوب الرمزي كما يتوارى الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) عن الأنظار، في رحاب هذا الكون الفسيح، إلا أنه أخيرًا ستطلع الشمس، شمس المهدي، لتنير العالم أجمع.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) العنكبوت: من الآية14.

([2]) آل عمران: من الآية55.

([3]) كنية للإمام المهدي (عجل الله فرجه)، درجت على الألسنة ، ولم نعثر -فعلاً- على مستند لها .

([4]) د. يحيى شامي، محض الولاء، ص141.

([5]) حسن محمد نور الدين، الديوان المخطوط.

([6]) حسن جعفر نور الدين، مقاطع إلى وجه الشرق، ص105-107.

([7]) نزار الحر، ديوان خاتم الأنبياء والأئمة الأوصياء، ص56-59، دار بلال، ط1، 2003م.

([8]) نزار قباني، المجموعة الشعرية، ص

([9]) المصدر نفسه، ص

([10]) شوقي بزيع، الأعمال الشعرية، ج1، ص88، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الصنائع، ط1، 2005م.

([11]) شوقي بزيع، الأعمال الكاملة، ص89-91.

([12]) شوقي بزيع الأعمال الشعرية من ديوان عناوين سريعة لوطن مقتول، ص87.

([13]) د. محمد علي شمس الدين، منازل النرد، دار الانتشار العربي، ص132-134، ط1، 1999م.

([14]) محمد حمود، محمد علي شمس الدين أميرال الطيور، دار الفكر اللبناني، ط1، سنة 2008، ص60.

([15]) د. محمد علي شمس الدين، منازل النرد.

([16]) د. محمد علي شمس الدين، أميرال الطيور، دار الآداب، ط1، 1992م، ص121-124.

([17]) محمد علي شمس الدين، أميرال الطيور، ص123و124.

 

 

الحياة الآخرة في نصوص أهل الكتاب

الشيخ حاتم إسماعيل

بداية

لا شك أن ظاهرة الموت قد أقلقت الإنسان منذ بداياته الأولى على هذه الأرض، ومنشأ هذا القلق والخوف، إضافة إلى دلالته على حب الحياة والحرص عليها، أنه يكشف عن الخوف من المصير، والقلق عما يؤول إليه أمره.

لقد افترض كثير من الباحثين، خصوصًا الماديون منهم، في قضية الموت وما بعده، أن هذا القلق هو الذي دفع أتباع الأديان، سماوية وغير سماوية، إلى الاعتقاد بعالَم آخر، يلي هذا العالم وهذه الحياة، وهذا يفترض أنه لولا مسألة الموت التي واجهت الإنسان ولم يستطع أن يجد لها تفسيرًا مرضيًا ومقبولاً، لم يكن للدين أيّ محل في حياة الإنسان بزعمهم.

وتعلّل الكثير من هؤلاء بأن حياة ما بعد الموت من الأمور التي لا يمكن إثباتها بالطرق العلمية والتي لا تقع تحت التجربة والحواس، ولهذا فهي مجرد أمر افتراضي لا يَرقى إلى مستوى الحقيقة والواقعية.

هل الموت عدم أم حياة

لكنّ الشيء الأكيد في هذه المسألة، أن أصل الخوف والخلاف هو السؤال التالي: هل الموت فناء وعدم، وبالتالي فَحُبُّ البقاء، والحرص على الحياة، هو الذي يؤدي إلى القلق والخوف من الموت، ويؤدي إلى البحث عن البقاء بكل الوسائل الممكنة. أم أن الموت تجديد حياة، وانتقال إلى مستوى أرقى وأسمى من الحياة التي نعيش؟

وفي هذا الفرض الثاني، ربما يقال أنه لا يبقى للقلق والخوف محل وموقع في نفس الإنسان، إذ ما دام الإنسان مفطورًا على حبّ الكمال والسعي نحوه، فمن الطبيعي أن يحلّ الاطمئنان والاستقرار النفسي بالموت، وانتظار الحياة الآخرة بشغف وشوق، ما دامت تُلبّي هذا الطموح، وتُحقّق هذه الرغبة فيه.

إلا أن حقيقة الأمر أن الاعتقاد بكون الموت بداية لحياة جديدة راقية، لا يقضي على القلق والخوف عند المؤمن بذلك، لأن من الواضح أن حُبّ البقاء لدى الإنسان، بل لدى جميع الكائنات الحيّة، مترافق ومتلازم مع حُبّ الراحة، والبحث عن السعادة والهناء ورغد العيش، وهذا ما يُفسّر الاختلاف والتفاوت بين الناس، أعم من المؤمنين بدين وغيرهم، في الحرص على الحياة والزهد بها.

إن الاعتقاد بحياة جديدة بعد الموت يثير التساؤل والقلق من نوع آخر، وهو: ما هو مصير المرء بعد هذه الحياة؟ فهل سيتمكن من تحقيق آماله وأحلامه؟ وهل سيصل إلى رغباته وغاياته التي يرجوها؟ أم أنه سيعود إلى الشقاء والعذاب من جديد، وفي هذه الحال ستكون حسرته أكبر وآلامه أشد؟

ارتباط المآل بالأعمال

من هذا المنطلق، يمكننا تفسير الحرص على الأعمال الصالحة، في مختلف المجتمعات الإنسانية، والحثّ عليها في هذه الحياة، من جهة أنها تُؤمّن للعامل نتائج مرضية له، في سعيه الحثيث نحو التكامل والنظر إلى المستقبل برؤية متفائلة ومطمئنة.

كما يمكن تفسير الحذر من الأعمال المشينة التي يمكن أن يقترفها الإنسان في هذه الحياة، لجهة أنها تُشكّل عقبةً كَأْداءَ بوجه سيره التكاملي، وبحثه عن السعادة، وبالتالي تراه شديد الحذر من ملاقاة الحقيقة، التي فيها جزاء أعماله، فتنعكس خوفًا واضطرابًا في ذاته، ويَحذَر الموت، ويحرص على الحياة، خوفًا من مواجهة مصيره المحتوم.

ولما كان الإنسان عاجزًا عن تقدير أعماله، لجهة صلاحها وعدمه، فإنه يعيش قلقًا من نوع آخر حول مصيره، يرتبط بالحيرة والعجز عن تقييم أعماله، والحكم عليها بميزان الحق، نظرًا لكثرة العوامل المؤثرة في صلاح العمل وفساده، سواء النفسية منها أو الاجتماعية أو غيرها، وهذا ما يُفسّر ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام): (لا يكون العبد مؤمنًا حتى يكون خائفًا راجيًا، ولا يكون خائفًا راجيًا حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو)([1])، وغيره من الاحاديث الشريفة الكثيرة، والدالة على أن المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء بشكل دائم.

الدين والخوف من الموت

في مقابل ذلك، نجد أن بعض الباحثين يحاولون أن يثبتوا أن الخوف من الموت هو أحد الأركان الأساسية في ابتداع فكرة الدين، كما أشرنا، وأنها ليست متأصلة في النفس الإنسانية، بسعيها نحو الكمال.

يقول ول ديورانت: "وتعاونَتْ عدّة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنها كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة، أو الأحداث التي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة الآلهة والشكر على ما يصيب الإنسان من حظ سعيد"([2]).

ويقول في مقام آخر: "الدين دعامة الأخلاق بوسيلتين أساسيتين، هما الأساطير والمحرمات، فالأساطير هي التي تخلق العقيدة في ما وراء الطبيعة، ثم يكون من شأن هذه العقيدة أن تضمن بقاء أنواع من السلوك، يريد المجتمع (أو يريد الكهنة) بقاءها. فما يرجوه الفرد في السماء من ثواب وما يخشاه لديها من عقاب، يضطره اضطرارًا أن يُذعن للقيود التي يفرضها عليه سادته أو جماعته، فالإنسان ليس بطبعه مطيعًا رقيقًا طاهرًا، وليس شيء كالخوف من الآلهة -وذلك بعد القهر الذي خضع له الفرد قديمًا فأنشأ في نفسه الضمـير- أخضع الإنسان لهذه الفضائل التي لا تتفق وطبيعته إخضاعًا مطردًا صامتا"([3]).

إلا أن من الظاهر أن هذا التحليل المتطرف، والمغرق في المادية، لا يتوافق مع سياق الوقائع التاريخية للمجتمعات الإنسانية، بدائيةً كانت أم مدنيةً، وقد وردت في سياق كلام ديورانت نفسه، خلال سرد تاريخ الحضارات التي تحدث عنها على مدار التاريخ، حيث أن الاعتقادات الدينية، ومنها حياة ما بعد الموت، قد لازمت حياة الإنسان منذ بداياته الأولى، فلا معنى لفرض الأسطورة في حياة الإنسان الأول، لأن المفروض أنه سابق عليها.

هذا بالاضافة إلى أن نزوع الإنسان نحو الشر، وإن كان مظهرًا من مظاهر سلوكه، إلا أن من الواضح أن مصدر هذا النزوع هو الغريزة، التي سرعان ما يدرك المرء عدم صوابيتها، إذا احتكم إلى عقله وفطرته، سواء كان مؤمنًا بدين أم لم يكن، وهو ما تفرضه الحياة الاجتماعية نفسها لديه، إذ ليس الانسان مجرد غرائز وشهوات، وإلا لم يختلف عن سائر الحيوانات الأخرى بشيء، بل هو يعقل ويدبر ويتأمل ويفكر، في ما يصلح ذاته وما يفسدها.

وعلى هذا الأساس نراه يعمل على سن القوانين التي تنظم حياته، وتحفظ له بقاءه، وأمنه، وراحته، وما ذلك إلا لأن فطرته الأولى تنزع به نحو التكامل والسموّ.

موقف القرآن الكريم

تشكّل الحياة الآخرة ركنًا أساسيًا من الأركان التي يُبيّنها القرآن الكريم، والتي لازمت دعوات الأنبياء (عليهم السلام)، في مختلف مفاصل التاريخ الإنساني، وقد عمل الأنبياء(عليهم السلام) في كافة مواعظهم وبراهينهم، التي صدعوا بها للناس، على جلب الاهتمام لهذه الحياة والتركيز عليها.

بل نجد أن حقيقة العالم الآخر، وحياة ما بعد الموت المفترضة، قد سبقت الوجود الإنساني على الأرض، فقد تحدث عنها إبليس بشكل واضح، حيث إنه بعد تمنعه من السجود لآدم (عليه السلام)، قال تعالى حكاية عنه: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}([4]).

وفي مقام بيان أن الإنسان الأول قد أدرك هذه الحقيقة أيضًا، وأنها لم تبق في ذهن الملائكة وإبليس، يُبيّن القرآن الكريم أن الإنسان أدركها بوضوح، وعمل لها، منذ بداياته أيضًا، وذلك من خلال عرضه لما جرى بين ابني آدم، قال تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}([5]).

فقد ذكرت هذه الآيات الشريفة صراحة أن الجيل الأول للانسانية كان مُدركًا لحياة ما بعد الموت، وأن مصير الإنسان إما إلى الجنة، أو إلى النار، وإلا لم يكن لتقديم القربان من ابني آدم (عليه السلام) أي معنى، لأن من الواضح أن تقديم القربان يكون لجلب رضا الله تعالى ودفع غضبه وسخطه، كما أن الآيات قد ذكرت النار صراحة، وأما الجنة فيدل عليها قوله تعالى {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}([6]) .

فما يذكره الكثير من الباحثين، ومنهم ول ديوارانت، من أن العقائد الدينية، والاعتقاد بعالم الآخرة، والثواب والعقاب، لم توجد مع الإنسان الأول، وأنها قد خضعت للكثير من التطورات والتغييرات على مر العصور، يبقى بلا مبرر مقبول.

الحياة الآخرة في التوراة

رغم أهمية الاعتقاد بالحياة الآخرة في التاريخ البشري، ورغم تأكيد القرآن الكريم على اهتمام سائر الأنبياء (عليه السلام) بهذه العقيدة، وتركيزهم على الإيمان بها، والعمل لأجلها، ودعوتهم الناس إلى الاهتمام بما يقتضيه من العمل الصالح، للفوز بالجنة، واجتناب ما يؤدي بهم إلى الهلاك، إلا أننا لا نجد أيّ ذكر لها في التوراة، لا من قريب ولا من بعيد. بل إن العهد القديم بسائر أسفاره، يكاد يكون خاليًا من التعرض لهذه المسألة الهامة، والخطيرة في حياة الإنسان.

هذا مع العلم أن اليهود لا ينكرون هذا المعتقد، بل هو جزء من اعتقادهم الديني، ولهم صلوات خاصة تتعلق بحياة ما بعد الموت.

إنّ كل ما ورد في العهد القديم، ويتحدث عن الحياة الآخرة، لا يدل على هذا المعتقد إلا من بعيد، وبشكل جزئيّ وهامشيّ جدًا، بنحو لا يغني المعرفة الدينية شيئًا، ولا يحثّ الانسان اليهودي على العمل الصالح، واجتناب الأعمال السيئة، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية، التي أبعدت الحياة الآخرة، عن تفكير اليهودي وذهنه، وبالتالي ارتبط بالحياة الدنيا بشكل مطلق، حتى كأن الحياة الآخرة خارجة عن العقيدة الدينية عنده.

إن أول إشارة في العهد القديم وردت في سفر أيوب، وهو متأخر نسبيًا، يقول فيها: "وبعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله"([7]).

وتعترض هذه الكلمة إشكاليتان: إحداهما: إن أيوب (عليه السلام) لم يكن من بني إسرائيل، بل يميل بعض الباحثين الكتابيين إلى أنه لم يكن شخصية تاريخية، بل هو شخصية رمزية([8]).

واختلف القائلون بتاريخية الرجل، فذهب بعضهم إلى أنه من نسل عوص ابن آرام بن سام، وبعضهم أنكر ذلك. وقد استندوا إلى ما ورد في بداية السفر "كان رجل في أرض عوص اسمه أيوب"([9]).

ويتفرع عن هذا الكلام اشكالية أخرى، وهي سبب ورود سفر أيوب في أسفار العهد القديم، ما دامت أسفاره قد كتبت لتبرز أعلائية العنصر الإسرائيلي في تاريخ الإنسانية وأنه مختار من الله تعالى دون سائر الأمم والشعوب.

والإشكالية الأخرى هي عدم اتفاق الباحثين على واقعية السِّفر، حيث ذهب بعضهم إلى أن السِّفر لأكثر من مؤلف، جرى ضم بعض أجزائه إلى بعض من دون مناسبة([10]).

هذا عدا عن الإشكال في دلالة الجملة على الحياة الآخرة، والتي تفترض أنها حياة غير جسدية، وهي تحتمل أكثر من دلالة، لا تستلزم البعث بالضرورة، بل يمكن دعوى أخذها من العقائد الهندوسية وغيرها من الوثنيات.

كما وردت إشارة إلى الحياة الآخرة في سفر أشعياء، الذي عاش في حدود القرن الثامن قبل الميلاد، يقول فيها: "تحيا أمواتك تقوم الجثث. استيقظوا ترنّموا يا سكان التراب"([11]).

وفي سفر دانيال، الذي عاش في حدود القرن السابع والسادس قبل الميلاد، يقول: "وكثير من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي"([12]).

ودلالة هذا النص على عدم شمول البعث لجميع الناس ظاهرة، ويمكن أن يقال بأن المبعوثين -بحسبه- هم اليهود وخصومهم الذين واجهوهم، لأن قوله "وكثير من الراقدين" صريح في عدم إرادة الكل.

وبمعزل عن مدى دلالة هذه النصوص على ثبوت الحياة الآخرة، فإن النتيجة القاطعة، التي يخرج بها الباحث، هي عدم إيلاء التوراة، والعهد القديم على العموم، أيّة أهمية تُذكر لحياة ما بعد الموت.

وهنا يعود التساؤل من جديد عن المستند الذي استند إليه اليهود في تثبيت هذا المعتقد الهامّ والخطير في حياة الإنسان اليهودي.

الحياة الآخرة في الإنجيل

وعلى العكس من ذلك، فقد أولى العهد الجديد، وخصوصًا الأناجيل الأربعة، أهمية خاصة واستثنائية، لمسألة الحياة الآخرة، على نحو يبدو أن الأناجيل قد استقت عقائدها ومفاهيمها الدينية من مَعين آخر مغاير، للأسفار القانونية للعهد القديم.

ولقد بين السيد المسيح (عليه السلام) بعض الجوانب المتعلقة بالحياة الآخرة، مسندًا إياها إلى تعاليم الأنبياء، ففي حوار بينه وبين الصدوقيين، قال لهم: "تضلّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله، لأنه في القيامة لا يتزوّجون بل يكونون كملائكة الله في السماء، وأما من جهة قيامة الأموات، أفما قرأتم ما قيل لكم من قِبل الله القائل، أنا إله إبراهيم وإله اسحاق وإله يعقوب. ليس الله إله أموات بل إله أحياء"([13]).

وبمقتضى القانون الذي أعلنه السيد المسيح (عليه السلام) في بداية دعوته بقوله: "لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم، إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل"([14])، يتبين أن المراد بالكتب التي لا يعرفها الصدوقيون بحسب تعريفه هي كتب الأنبياء والنصوص المقدسة.

ولقد أرسل هذه العقيدة إرسال المسلمات، حين توجّه بالتوبيخ إلى المدن الإسرائيلية التي لم تؤمن به، من قبيل قوله "ولكن أقول لكم أن صور وصيداء تكون لهم حالة أكثر احتمالاً يوم الدين مما لكما"([15]).

وقوله: "ولكن أقول لكم أن أرض سدوم تكون لها حالة أكثر احتمالاً يوم الدين مما لك"([16]).

وهذا ان دل على شيء، فإنما يدل على وضوح الفكرة في أذهان مخاطبيه من اليهود، كما تقدم، وأنها مستندة لا محالة إلى نصوصهم المقدسة.

مُستند المسيح في الحياة الآخرة

وما دام السيد المسيح (عليه السلام) قد أعلن التزامه بقوانين العهد القديم، وعدم الخروج عليه، ولو بمقدار حرف أو نقطة، وأكّد على استناده إلى مواعظه وتعاليمه، ونراه يؤكد على أهمية القيامة والحياة الآخرة، فالإشكال الذي يطرح نفسه بقوة في المقام، هو:

كيف يمكن التوفيق بين هذه التأكيدات المتتالية، على الحياة الآخرة، استنادًا إلى كتب الأنبياء، وخلوّ هذه الكتب "القانونية" من أيّة إشارة يمكن أن تصدّق أقواله؟!

ذلك أن الأمر لا يخلو من عدم دقّة السيد المسيح (عليه السلام) في استناداته، وبالتالي عدم صحة أقواله وادعاءاته، نعوذ بالله من ذلك، أو من القول بوقوع التحريف والتلاعب، وإخفاء بعض النصوص الهامة التي ترتبط بالاعتقادات الحقة.

ولكن تصديق اليهود لكلامه وادعاءاته (عليه السلام)، وعدم مناقشتهم له فيها، إضافة إلى اعتقادهم بحياة ما بعد الموت، يؤكد حتمية الفرض الثاني، وهو وقوع التحريف والتلاعب بالنصوص القانونية، وإخفاء بعض النصوص والأسفار، التي تتمتّع بصدقية وقداسة في ذهن السيد المسيح (عليه السلام)، والتي لم يستطع اليهود مناقشته فيها ولا الردّ عليها.

ومن الظاهر أن هذه الاشكالية يدركها كهنة اليهود وأحبارهم، لأن الناس العاديين منهم كانوا ملزمين بتلقي المعارف الدينية من الأحبار، وبالتالي معرفة ما تحتويه الأسفار المقدسة كانت حِكرًا على الأحبار دون سواهم. ومقتضى ذلك أن اليهودي العادي كان يسلم بالأمور تسليمًا، والأحبار هم الذين يدركون حقيقة الأمر.

ولازم ذلك البحث عن هذه النصوص المفترضة، ومحاولة استنطاقها والتأمّل فيها، والتحقيق في السبب أو الأسباب الكامنة وراء هذا الإخفاء.

بعض الجواب في كهوف قمران

فقد كشفت المخطوطات المكتشفة في مغاور قمران، على شاطئ البحر الميت، جانبًا مهمًا من هذه النصوص، والتي تتحدّث بشكل لافت عن حياة ما بعد الموت. وقد أظهرت الكثير من التفاصيل المذهلة في توصيف الحياة الآخرة، في مختلف الأسفار، الممتدة في عمق التاريخ، بدءًا من سفر أخنوخ، مرورًا بمزامير سليمان، وصولاً إلى كتب الوحي، وبعضها من كتابات بعض المسيحيين بحسب الباحثين.

واللافت في هذه النصوص أنها تتوافق في الكثير من مفاصلها الأساسية مع ما جاء به القرآن الكريم، وتخلو منها مدونات أهل الكتاب القانونية.

وهذا يشكل دليلاً إضافيًا وقرينة أخرى على إعجاز القرآن الكريم، الذي أخبر عن تلاعب أهل الكتب بنصوصهم المقدسة وإخفاء بعضها، بحيث تتوافق توصيفاته لعالم الآخرة، بالإضافة إلى غيرها من المفاهيم الدينية، مع ما كان قد أخفي عن مسرح الأحداث قبل الإسلام بمئات السنين، وهذا ما لا يمكن تفسيره، أو توجيهه إلا من خلال الوحي الإلهي على قلب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

الصدوقيون في المخطوطات

والأمر اللافت في هذه المخطوطات تركيزها على مدح الصدوقيين، وأنهم هم الذين اختارهم الله لإثبات ميثاقه للأبد، وأنهم هم القديسون الذين ينفذون أوامره ويعملون على خلاص المؤمنين في الآخرة([17]).

وهذا يدل على أن لهذه المخطوطات علاقة بهذه الطائفة، وأنهم هم الذين أخفوها، خوفًا عليها من أن تقع في أيدي خصومهم، الأمر الذي يُعرّضها للتلف لا محالة، وهو ما يؤكد النتيجة التي ذكرناها في مقالة سابقة([18])، وهي أن المراد بالأسينيين أتباع عيسى (عليه السلام)، أي العيسويون، وليسوا طائفة خاصة في مقابل الصدوقيين والفريسيين، كما ذهب إليه مختلف الباحثين في الكتاب المقدس، ولو فرض وجود طائفة باسم الأسينيين غير العيسويين، فليس لهم أي علاقة بالمخطوطات، وتكون المحصلة أن طائفة الصدوقيين هم الذين اتبعوا السيد المسيح (عليه السلام) من اليهود، وهم العيسويون الذين تنتسب المخطوطات إليهم.

إلا أن هذه النتيجة غريبة جدًا، ومثيرة للاستهجان للوهلة الأولى، حيث إن المتسالم عليه بين الباحثين هو أن طائفة الصدوقيين ينكرون الاعتقاد بالقيامة والحياة الآخرة، فقد ورد في التلمود ما لفظه: "لقد كانت القيامة واحدة من المواضيع الهامة للخلاف بين الفريسيين والصدوقيين. يقول الصدوقيون إن الروح تنطفئ أثناء موت الجسد، وهذا الموت يعتبرونه نهاية الكائن البشري. فهم لا يعترفون بالعالم الآخر، ويرفضون عقيدة الثواب والجزاء والقصاص التي يمنحها الفريسيون أهمية عالية جدًا، يدافعون عنها بحماسة شديدة"([19]).

وقد أرسلت هذه المقولة ارسال المسلمات في العهد الجديد، كما يدل عليه قولهم: "في ذلك اليوم جاء إليه صدوقيون الذين يقولون ليس قيامة"([20])، وفي أعمال الرسل: "لأن الصدوقيين يقولون أنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح وأما الفريسيون فيُقرّون بكل ذلك"([21]).

الصدوقيون والقيامة

وفي مقام الجواب عن هذه الإشكالية، لا بد من الإشارة إلى أن العهد الجديد، على العموم، قد كتب بريشة بولس الرسول، الذي سيطرت نظرته إلى السيد المسيح (عليه السلام) ومختلف الاعتقادات عند أهل الكتاب، أو بتأثير من أفكاره التي انتشرت بسرعة، وأدّت إلى ظهور المسيحية في بلاد الرومان والمناطق التي دعا فيها، خلافًا لرؤية التلاميذ والحواريين، وقد صرّح بولس بأنه ينتمي إلى طائفة الفريسيين، عندما دخل مجمع اليهود وثارت ضجة بين الحضور، فقال لهم: "أيها الرجال الأخوة أنا فريسي ابن فريسي. على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم"([22]). وفيه إشارة إلى أن الصدوقيين ممن لا يؤمنون بالقيامة أيضًا.

ومن المعلوم أن الغلبة كانت من نصيب الفريسيين، الذين ظهروا على مسرح الأحداث وكأنهم وحدهم اليهود.

وأما الصدوقيون فلم يكن لهم حول ولا قوة، بل إن فرقتهم آلت إلى الانقراض والزوال والاستضعاف لمن بقي منهم.

إن التاريخ الإنساني يكتب عادة بأقلام المنتصرين وأتباعهم، ونظرتهم إلى الأحداث وتقييمها هي التي تثبت على صفحة التاريخ، وأما المهزومون الذين لا يبقى لهم حول ولا قوة فلا يجرؤ أحد، على العموم، على الجهر بِحُججهم ورؤيتهم إلى الأحداث، إلا بمقدار ما يريده المنتصر، وغالبًا ما يكون بهدف النيل منهم، وهذه حقيقة لا شُبهة فيها.

من هنا، يجب النظر بحذر وريبة إلى المدونات الرسمية للأحداث، وفي أقل الفروض لا بد من الإحتياط في التعامل معها، خصوصًا إذا ظهرت حقائق مخالفة، أو افتراضات مغايرة، كما هو الحال في ما نحن فيه، بعدما كشفت الآثار عن هذه الكنوز الدفينة، أي مخطوطات البحر الميت، التي تدل على أن الصدوقيين ليسوا فقط ممن يؤمنون بقيامة الأموات، بل إن كتاباتهم قد أبرزت الكثير من التفاصيل عن حياة ما بعد الموت، والتي لم نجد لها عينًا ولا أثرًا في المدوّنات القانونية لأهل الكتاب.

الصدوقيون يؤمنون بالروح

وأما ما ذكروه من أن الصدوقيين لا يؤمنون بالروح، وأن الانسان يفسد ويفنى بالموت، فإننا نجد أن النصوص الواردة في مغاور قمران تُفنّدها وتُكذّبها بشكل واضح وصريح أيضًا، وقد ورد فيها الكثير من النصوص الدالة على أن الأرواح هي التي تُحاسب وتُثاب وتُعاقب، ويكفي أن نشير إلى بعضها في المقام، فقد ورد قوله: "وقال الله: إن روحي لن تبقى دائمًا في الإنسان لأنه جسد"([23]).

وورد أيضا: "وسأُحيي الموتى، أقيم الذين يرقدون من الأرض. الجحيم سيعيد مستحقه واللجة ستفرغ خزانها لكي أعطي لكل بحسب أعماله وبحسب ثمار دسائسه، بحيث أحكم بين الروح والجسد"([24]).

"ولكي تأتي حصص كل حيّ وفقًا لروحه في يوم الحساب والمجيء"([25]). وغيرها كثير.

وهي صريحة، كما ترى، في تكذيب وتزييف ما ورد في الكتب القانونية للمسيحيين، وفي التلمود. وهو ما يؤكد عدم إمكان الوثوق بكل ما جاء فيها.

ويؤمنون بالملائكة

وأما ما ورد في سفر أعمال الرسل من أنهم لا يؤمنون بالملائكة، فتُكذّبه النصوص نفسها أيضًا، إذ قد ورد فيها من التفاصيل عن حياة الملائكة وتشديدهم للناس، وحضورهم عند الموت وغير ذلك ما يأبى على الحصر، إلا أننا نذكر بعضًا يسيرًا منها، لتأكيد هذه الحقيقة:

فقد ورد أن الملائكة تحضر عند موت الإنسان، حيث يقول: "إذ ها أن اليوم يقترب يا أبنائي من الأجل المحدد والزمن المعين يستحثني، والملائكة الذين سيمضون معي يقفون أمامي، وغدا سأصعد إلى السماء العليا في موروثي الأبدي"([26]).

كما أن قسمًا من الملائكة يستغفرون للناس، مع أن بعضهم قد خالف هذه المهمة، فيقول: "اذهب وقُلْ لحُراس السماء الذين أرسلوك لتتوسل من أجلهم: كان لكم أنتم أن تتوسلوا من أجل البشر، لا للبشر أن يتوسلوا من أجلكم، لماذا تركتم الأعالي السماوية، المعبد الخالد الخ.."([27]).

والنار الأبدية عليها ملائكة غلاظ شداد "وأما المجيء بالنسبة لجميع الذين يسيرون في هذه الروح، فهو يشتمل على غزارة الضربات التي يدبرها جميع ملائكة الدمار، وعلى الهاوية الأبدية من خلال الغضب والتأثر لرب الانتقام"([28]).

كما بيّن أنه يوجد رؤساء للملائكة، أو الملائكة الكبار، وهم سبعة ، ذكر أسماءهم، وأن لكل منهم وظيفته الخاصة في هذا العالم والعالم الآخر، وأن لهم سلطة كبيرة على الأرواح([29]).

يتبين من كل ما تقدم أن كل ما ورد من إنكار الصدوقيين لبعض المعتقدات مجرد افتراء عليهم، لا يمتّ إلى الحقيقة والواقع بصلة، وأن الدافع إليه هو غلبة الفريسيين وأنصارهم على الأحداث، بحيث كُتب التاريخ بأقلامهم، وهم في هذه الحالة قادرون على النيل من خصومهم كما يشاؤون، دون رقيب أو حسيب عليهم. وقد يكون ذلك من الأسباب الهامة التي دفعت الصدوقيين إلى حياة العزلة، والابتعاد عن الضوضاء، حرصًا على أنفسهم، وعلى محفوظاتهم الكتابية، التي اضطروا إلى إخفائها عن أعين الناس.

الصدوقيون والمسيح

استنادًا إلى ما تقدّم، يتبيّن أن السيد المسيح (عليه السلام) قد استند، في تركيزه على مسألة القيامة والحياة الآخرة، إلى كتابات أهل الكتاب التي اعتمدها الصدوقيون، من قبيل هذه المدونات المدفونة في مغاور قمران، نظرًا لشدة المقاربة والتشابه بينها وبين تعاليمه (عليه السلام). ولا يمكن افتراض استناده إلى اعتقادات الفريسيين الخالية من هذه العقيدة إلا من خلال تعاليم التلمود، ولا يوجد مدوَّن غيره يتحدث عن الحياة الآخرة. لأن من المعلوم تاريخيًا أن التلمود قد كتب بين عام 200 -400 للميلاد، مع أنه قد تقدّم في احتجاجه على أهل الكتاب "الصدوقيين" بما هو مدون.

وبهذا تتوضّح صلته بهم، فقد ورد في بعض كلمات الباحثين أنه (عليه السلام) كان على صلة طيّبة بهم، لأنه هاجم الفريسيين، وقَبِل سلطان قيصر الروم، على نحو ما فعله الصدوقيون، غير أن إنكارهم للبعث والدار الآخرة ... كانت سببًا في الخلاف بينهم وبين المسيح، وقد حاول عيسى ردهم إلى الاعتقاد السليم، ولكنهم لم يستجيبوا له وقاوموا دعوته أكثر مما قاومها غيرهم([30]).

حيث تضمّنت هذه العبارة إثبات علاقة السيد المسيح (عليه السلام) بالصدوقيين، غير أنها زعمت اختلافه معهم في مسألة الحياة الآخرة.

ولا إشكال في أن منشأ هذا الزعم هو ما تسالم عليه الباحثون الكتابيون من إنكار الصدوقيين مسألة البعث. فإذا ثبت أن هذه التهمة من افتعال خصومهم نتيجة سيطرة الخصوم على ساحة الأحداث، وضعف صولة هؤلاء، وأن حقيقة الأمر بقيت مخفية مع هذه المخطوطات، تبين مع اكتشافها أن الصحيح خلاف المتسالم عليه، وأنهم من أشد الناس إيمانا بالحياة الآخرة، وحرصًا على الاعتقاد بها، خصوصا بملاحظة أن النصوص المقدسة المسيحية قد كُتبت بأقلام الفريسيين أيضًا، وعلى رأسهم بولس الرسول كما تقدم، الأمر الذي يعني أن تكون في نفس السياق المتقدم من الافتراء على الصدوقيين، ومحاولة إزاحتهم من مسرح التاريخ بالمرة.

الجزاء بحسب الأعمال

من الميزات الهامة والمثيرة في هذه المخطوطات أن الحساب والجزاء يحصل لكل من البَرّ والفاجر، وأن كلا منهما ينال جزاء عمله، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشر.

وهذا الجزاء والثواب والعقاب يشمل جميع الأمم والشعوب ولا يختص ببني إسرائيل، بل إن مُسِيئَهم لا يختلف عن مُسيء الشعوب، والأمم الأخرى في عقابه، كما أن محسنهم لا يتميز عن أي محسن آخر في جزاء أعماله الحسنة، ففي شرح حبقوق من هذه المخطوطات، ورد صريحًا قوله: "إن الله سيقيم دينونته وسط الشعوب الكثيرة، ومن هنا سيحضره للمثول في المحاكمة، ووسطهم سيعلنه مذنبًا، وبِنار من كبريت سيدينه"([31]).

ولا يخفى ما في هذا النص من توافق مع القرآن الكريم، الذي أكّد في كثير من آياته الشريفة أن الحساب يكون علنيًا يوم القيامة.

الحساب بعد الموت

وفي مقام وصف الحياة الآخرة، ورد وصف الأرض وما يحصل عليها يوم القيامة، ففي سفر أخنوخ يقول: "أقاصي الأرض كلها ستهتز، والرجفة خشية عظيمة سيجتاحانها حتى تخومها، كالجبال العالية ستهتز، وتسقط وتنهار، والهضاب المرتفعة ستنخفض عند ميعان الجبال، وستذوب مثل الشمع أمام النار، والأرض ستفتح كهاوية فاغرة، وكل ما على الأرض سيهلك، وستكون الدينونة على الأشياء كلها"([32]).

وهذا التغيّر والانقلاب العظيم إنما يكون بعد الموت، وبعد حساب البرزخ، فإنه قبل يوم القيامة تُحشر أرواح الموتى في أماكن تناسب أعمالهم، فأرواح الأبرار في مكان، وأرواح الأشرار في مكان آخر، حتى يأتي يوم الحساب الأكبر: "فسألته -أي الملاك المرافق لأخنوخ- عندها، لماذا كانت الكهوف كلها مفصولة عن بعضها بعضًا، فأجابني: خُلقت هذه الكهوف الثلاثة لفصل أرواح الموتى. كذلك خُصص لأرواح الأبرار ذلك الكهف حيث يشع المنبع الضوئي، وهكذا فقد تمّ خلق واحد لأرواح الخطاة الذين ماتوا ودفنوا دون أن يكونوا قد حوكموا خلال حياتهم، وقد وضعت أرواحهم جانبًا لكي تعاني هذا العذاب القاسي حتى يوم الدينونة، والجلد والتعذيب للذين يلعنون إلى الأبد، أنه العقاب المستحق لأرواحهم، ولهذا نقيدهم هنا إلى الأبد"([33]).

"فقد أجابني إذن ملاك السلام الذي كان يرافقني: هذان التنينان مجهّزان ليوم الله العظيم وسيغذيان، عندما سيحل عليهم عقاب رب الأرواح، فإنه سيحل بحيث لا يحل عقاب ربّ الأرواح سدى، وسيميت الأطفال مع أمهاتهم، والأبناء مع آبائهم، بعد ذلك سيأتي الحساب بحسب نعمة وحلم الرب"([34]).

ومن المهم ملاحظة أن الملائكة تحضر حين موت الإنسان وترافقه إلى عالم الآخرة: "ها إن اليوم يقترب يا أبنائي من الأجل المحدد، والزمن المعين يستحثني، والملائكة الذين سيمضون معي يقفون أمامي وغدًا سأصعد إلى السماء العليا في موروثي الأبدي"([35]).

القيامة الكبرى

وفيما يتعلق بيوم القيامة فقد بيّنت هذه الأسفار كثيرًا من المواصفات المتعلقة به، من الخلود في النعيم والجحيم، وأن الحساب على الأرواح والأجساد، وأن الأجساد تعود إلى الحياة، ومواصفات الجنة والنار وغير ذلك، مما لا يرتبط بخصوص بني إسرائيل، بل هو شامل لجميع الناس دون استثناء.

"بعد ذلك، في الأسبوع العاشر، في جزئه السابع سيحصل حساب العالم، ويأتي زمن الحساب الكبير الذي سيطبق بين الملائكة، ستمر السماوات الأولى، وعندها فإن سماوات جديدة ستظهر"([36]).

"ولكن إذا ساعة حساب العالم البشر حانت، والتي سيقيمها الله نفسه، محاكمًا في آن معًا الأشخاص الورعين والكفار، عندها فإنه سيلقي بالكفار في نار الظلمات، وسيختبرون مدى كفرهم، لكن الأناس الورعين سيبقون على الأرض الخصبة، لأن الله سيعطيهم النفس والحياة والفرح"([37]).

وكل ذلك يتحقق في يوم القيامة الكبرى: "وعندما تكون سنين العالم قد تمت، عندها يتوقف النور وتنطفئ الظلمات. وسأحيي الموتى وأقيم الذين يرقدون من الأرض، الجحيم سيعيد مستحقه واللجة ستفرغ خزانها لكي أعطي لكل بحسب أعماله وبحسب ثمار دسائسه، بحيث أحكم بين الروح والجسد، العالم سيتوقف، والموت سينطفئ"[38].

خلود الروح والجسد

وهذا الحساب والثواب والعقاب ثابت ودائم لا زوال له ولا نهاية، فإن المؤمنين خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض: "إنّ قدّيسي الرب سيحيون بها إلى الأبد. إن فردوس الرب، وأشجار الحياة هم قديسوه. وزرعهم متجذّر إلى الأبد، ولن يقتلع طالما كان هناك سماوات"([39]).

وهو ما يتحقق بعد إعادة الجسم بعد تلفه وتفتُّتِه: "وستستهلك كل شيء وتقلّص الكون إلى رماد مسود، ولكن عندما يصبح كل شيء رمادًا مغبرًا، فإنّ الله سيُسكن النار الرهيبة بالطريقة التي كان قد أشعلها بها، وسيشكل الله نفسه من جديد عظام ورماد البشر، وسيعيد الفانين كما كانوا في السابق، عندها يقع الحساب الذي يقضي الله نفسه به"([40]).

والنصوص كثيرة، تلك التي تتحدث عن حياة ما بعد الموت، مما كان الزمان قد أخفاه عن أعين الناس، حتى كشفت عنه الحفريات والآثار، وكثير منها يتطابق إلى حد كبير مع ما ذكره القرآن الكريم عن ذلك العالم، ولا وجود له في الأسفار القانونية من الكتاب المقدس، مما يشكل قرينة إضافية، وإعجازا آخر، في صالح القرآن الكريم والنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، الذي أخبر عن هذه الحقائق ، ونسبها إلى مختلف الأنبياء، دون أن تظهر آثارها في أسفار الكتاب المقدس، كما تكررت الإشارة إليه، فكان إخبارًا بالغيب، فصدق وعده، وهو ما يؤكد وحدة الدين الإلهي على مر الأجيال.

خلاصة واستنتاج

نستنتج من كلّ ما تقدم أنّ حياة ما بعد الموت، من الحقائق الثابتة في جميع دعوات الأنبياء، وهي مقارنة لوجود الإنسان على الأرض.

إنّ مقارنة بسيطة بين هذه النصوص وغيرها وبين ما ورد في القرآن الكريم في كثير من آياته الشريفة، التي تتحدث عن عالم الآخرة وحياة ما بعد الموت، تُبيّن أنهما من مصدر واحد، وهو تصديق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا..}([41]).

ونتيجة أخرى لا تقلّ أهمية وخطورة على الأولى يمكن استخلاصها أيضًا، وهي أن فرقة الصدوقيين، الذين يبدو أنهم الاتباع الواقعيون للسيد المسيح (عليه السلام)، من أشد الناس إيمانا بالحياة الآخرة، ولولاهم لم يمكن الوصول إلى هذه المخطوطات، التي ربما تكون قد لاقت ما لاقاه غيرها، مما أخفاه أتباع الديانة اليهودية، في محاولة القضاء على كل ما يرتبط بدعوة السيد المسيح (عليه السلام)، وغيره من الأنبياء (عليهم السلام).

وبناء عليه، فإن مخالفة هذه النتيجة لِمَا تسالم عليه الباحثون، من الحكم السلبي على هذه الفرقة، تبعًا لما ورد في التلمود وأسفار العهد الجديد، المنتشرة بحكم غلبة الفكر الفريسي على مفاصل الحياة العامة، لا تعني التطرّف في الاستنتاج، بل توجب إعادة النظر في الكثير من المسلمات، ومحاولة قراءة التاريخ والأحداث والدعوات، على ضوء هذه المكتشفات.

وسواء صحت هذه النتيجة أم أخطأت هدفها، فلا بد من إعادة التأمّل في المرويات الكتابية، فضلاً عن التاريخية، والاستنتاج الصحيح منها، بُغية الوصول إلى الحقيقة المرجوة، والهدف المنشود.

*  *  *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) بحار الأنوار، ج70، ص392.

([2]) قصة الحضارة، دار الجيل، بيروت، ج1، ص100.

([3]) المصدر نفسه، ص117، 118.

([4]) الأعراف: 14-18.

([5]) المائدة، آية: 28- 29

([6]) المائدة: من الآية27 .

([7]) أيوب: 19/21.

([8]) رجال الكتاب المقدس، القس الياس مقار، دار الثقافة، مصر، 1988 ج2 ص134.

([9]) سفر أيوب: 1/1 .

([10]) راجع: قاموس الكتاب المقدس، ص148.

([11]) أشعياء: 26/19.

([12]) سفر دانيال: 12/2

([13]) إنجيل متى: 22/29-30 .

([14]) إنجيل متى: 5/17-18 .

([15]) انجيل متى: 11/22 .

([16]) انجيل متى:11/24 .

([17]) مخطوطات قمران، ج1 ص116.

([18]) راجع : رسالة النجف، العدد 13 ، مقال بعنوان (الدين الحق في نصوص أهل الكتاب).

([19]) التلمود، آبسحوهنن، ترجمة جاك مارتي، دار الخبال، بيروت، 2005، ص443.

([20]) إنجيل متى: 22/23.

([21]) أعمال الرسل: 23/8 .

([22]) أعمال الرسل:23/6.

([23]) مخطوطات قمران، ج2، ص182 .

([24]) مخطوطات قمران، ج3، ص196 .

([25]) مخطوطات قمران، ج1، ص81 .

([26]) مخطوطات قمران، ج3، ص159 .

([27]) مخطوطات قمران، ج2، ص37 .

([28]) مخطوطات قمران، ج1، ص79 .

([29]) مخطوطات قمران، ج2، ص39 .

([30]) مقارنة الأديان اليهودية، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، ط12، 1997، ص231.

([31]) مخطوطات قمران، موسى ديب الخوري، ج1، ص288.

([32]) مخطوطات قمران، خوري، ج2، ص28 .

([33]) نفسه، ص40 .

([34]) مخطوطات قمران، خوري، ج2، ص62 .

([35]) مخطوطات قمران، خوري، ج3، ص159 .

([36]) مخطوطات قمران، خوري، ج2، ص104 .

([37]) مخطوطات قمران، خوري، ج3، ص53 .

([38]) مخطوطات قمران، خوري، ج3، ص196 .

([39]) مخطوطات قمران، خوري، ج2، ص 477 .

([40]) مخطوطات قمران، خوري، ج3، ص56 .

([41]) النساء، آية:50 .

 

 

أسباب النزول..

بين التجاهل وبوادر التأسيس..

الشيخ حسن حيدر

في مقال سابق، تابعنا أولى اهتمامات المسلمين بباب أسباب النزول القرآني، حيث كان لنا وقفة مع أسباب النزول في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)([1])، واستكمالاً لبحث الإطار التاريخيّ الذي تشكلت فيه أسباب النزول وتطوّرت، نقف في هذا المقال عند المرحلة التي تلت وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، لنرى كيف رست وتشكّلت أسباب النزول في هذه المرحلة؟

تمهيد: وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وانقطاع الوحي

في السنة الحادية عشرة للهجرة، انتقلت الروح الطاهرة للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الملأ الأعلى.. ارتحل الرسول (صلى الله عليه وآله) وانقطع الوحي، فانتهت بذلك حقبة نزول القرآن وفق أسباب خاصّة، وانتقل الحديث إلى تداول الأسباب بين الأصحاب، أو روايات أسباب النزول.

وقد كان من المرتقب أن تُثمر حركة الرسول (صلى الله عليه وآله) في مجال أسباب النزول([2]) اعتمادًا عليها، واقتداءً بأعلام النزول الممدوحين بلسان الوحي، لاسيّما في هذا العصر الذي فتحت فيه الصراعات أبوابها، إلا أنّ ما حدث كان العكس تمامًا، فقد مرّت أسباب النزول في هذه الفترة بمرحلة خطيرة كادت تطيح بها لولا يقظة المهتمّين.

وقبل الغوص في تبيّن الشكل الذي آلت إليه أسباب النزول في هذه الفترة، لا بدّ من رسم المشهد العامّ لهذه المرحلة بعلاماتها البارزة.

المشهد العام

تميّزت مرحلة ما بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) من تاريخ الدعوة الإسلاميّة بما ظهر على مسرح السياسة الإسلاميّة من خلاف مذهبيّ، حيث شهدت الأمّة الإسلاميّة مخاض ولادة مجموعة من الفرق المتنوّعة، وبالتالي اختلفت صورة المجتمع الإسلاميّ جذريًّا ؛ ففي حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله): "لم تتكوّن الفرق الإسلاميّة (...)، كان المسلمون آنذاك يُدينون للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بالطاعة المطلقة، ويتلقّون ما يقوله لهم وما يأمرهم به وينهاهم عنه بالقبول والإذعان، يجمعهم معنى واحد يعملون له، دون أن يكون بينهم خلاف في السبل التي ينتهجونها والوسائل التي يتبعونها؛ لأنّ من حلّ في مركز القيادة منهم، وهو النبيّ (صلى الله عليه وآله)، كان المرجع الأوّل والأخير في كلّ ما يأخذون وما يدعون"([3])، حتّى لو كان ذلك الأمر مجرّد ظاهر قد لا يوافقه الباطن.

وبمجرّد انتقال الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الملأ الأعلى انشغلت الساحة بانقسام الناس إلى جماعات تعقد الولاء لواحد من الصحابة وفقًا لمعايير مختلفة، فالأنصار عقدوا الولاء لسعد بن عبادة، والقرشيّون عقدوها لأبي بكر، والهاشميّون لعليّ (عليه السلام)...([4])، فـ"المسألة الأولى التي اشتجرت فيها آراء قادة الرأي في المسلمين بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) هي مسألة الخلافة (...)، أمّا غير هذه المسألة من المسائل التي يذكرها مؤرّخو تلك الفرق فلم تكن ذات أثر قويّ"([5]).

ومن دون أدنى ريب فقد كان لهذه الحال التي آلت إليها أوضاع المسلمين أبرز الآثار، وعلى مختلف المستويات، فـ"قد ترتّب على هذا الانشقاق بروز الإرهاصات الأولى للمذهبيّة الإسلاميّة؛ من سنّة وشيعة وخوارج (...)، وكانت كلّ فرقة [تحاول أن] (...) تثبت جدارتها بتمثيل الإسلام والقيام بشؤونه"([6])، بناءً على أحقيّتها في تمثيل خطّ الرسالة وتشكيل الامتداد الطبيعيّ له.

دور أسباب النزول في هذه المرحلة

إذًا نشب النزاع في هذه المرحلة على الحكم وخلافة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فكان صراعًا سياسيًّا محتدمًا احتاجت فيه الفرق إلى التسلّح بمختلف أنواع التجهيزات، ولا شك أنّ أهمّها الاستعانة بأسباب النزول، الحُبلى بالوقائعِ والأحداثِ المرتبطةِ بما كان يوحى إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والتي تُسعِف هذا الواقع، وتحسم عددًا كبيرًا من نقاط النقاش، بحيث تشكّل هذه المرحلة امتدادًا لجهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مجال الحركة في إطار الأسباب، وبالتالي البناء على اللبنة الأولى التي ثبّتها النبيّ (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال، ولكنّ الذي حدث هو شيء آخر تمامًا، حيث يمكن اختصار معالم أسباب النزول في هذه المرحلة بمسير وفق خطّين:

الخطّ الأوّل يتمثّل بالوقوف بوجه ظاهرةٍ استجدّت في هذا العصر، وهي ظاهرة التجاهل والتنكّر لأسباب نزول القرآن وعدم الاتّكاء عليها في استخراج تعاليم القرآن ومفاهيمه، خاصّة بالنسبة لمسألة خلافة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بما يؤكّد أنّ فريقًا من المتخاصمين متضرّر تمامًا من وقائع أسباب النزول، فيما تخدم هذه الأسباب فريقًا آخر.

والخطّ الثاني يتمثّل بما قام به الحريصون على الإسلام ومفاهيمه من محاولة إعادة ترميم هيكل أسباب النزول، وذلك عن طريق بثّ عدد منها في المجتمع، مع ما شاب ذلك من تحدّيات وظروف حسّاسة، جعلت هذا الأمر محدودًا.

ونلقي في هذه المقالة الضوءَ على أسباب النزول ضمن هذين الخطّين، لنضع هذه الأسباب في إطارها الطبيعيّ.

أ- ظاهرة التنكّر لأسباب النزول

ظاهرة غريبة تستوقف معظم الباحثين في مجال أسباب النزول، وتتمثّل بغياب روايات أسباب النزول المروية عن أعلام الأصحاب رغم أهمية هذا الباب، فبمراجعة أمهّات الكتب الجامعة لأسباب النزول، ككتابي الواحدي والسيوطي في جمع أسباب النزول، تدهشنا حقيقة أنّ الأسباب المنقولة عن عيون الأصحاب لا تكاد تتجاوز عدد الأصابع، فيما جلّ الأسباب مروية عن التابعين ممّن ينتمون إلى مراحل لاحقة من مراحل تاريخ الإسلام.

هذا الأمر رسم علامةَ استفهامٍ كبرى حول هذا الموضوع: ففي هذا العصر المتعطّش إلى أسباب النزول، أين اختفت الأسباب التي وضع الرسول (صلى الله عليه وآله) لبنتها وركّز بنيانها؟

ليست المسألة هنا مجرّد توقّفات أو إشارات لباحثين، بل المسألة أكثر جديّة ومصيريّة، فهي تنطوي على أبعاد قد تكون مأساويّة بالنسبة لهذا البحث، لأنّ أمير المؤمنين(ع)([7]) يطرح مواقف صريحة تشير إلى حالة تجاهلٍ للأسباب وتنكّرٍ لأبعادها الحقيقيّة، فما علينا سوى الإطلالة على بعض هذه الأحاديث.

أمير المؤمنين (عليه السلام)وأسباب النزول

يظهر جليًّا في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ ما عاب هذه المرحلة في عالم أسباب النزول هو تغاضي الصحابة عنها، وعدم تعرّضهم لها في تعاطيهم مع القرآن وظروف الإسلام، على الرغم من ازدياد حاجة المجتمع إلى المعرفة بأسباب النزول نتيجة الظروف التي استجدّت عقب وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)([8])، وهذا ما يمكن لمسه بمراجعة بعض الحقائق التي نقلها لنا التاريخ، ولا سيّما من خلال متابعة كلمات هذا الإمام، حيث يشير إلى هذه الظاهرة ويقف بشدّة لمنع انتشارها، ويمكن تلخيص ذلك في ثلاث نقاط:

1 ـ الاحتجاج بأسباب النزول

أوّل ما يُطالعنا في هذا النطاق ما يظهر من احتجاجٍ متكرّرٍ لعليّ (عليه السلام) بأسباب النزول في محضر الصحابة، الذين يُفترض بهم أنّهم على فقهٍ وعلمٍ واسعٍ بهذا الباب ! ممّا يشير إلى بروز ظاهرة التنكّر لأسباب النزول، لا سيّما إذا تأمّلنا الصيغةَ واللهجة الشديدة والمستنكِرة في بيان هذا المطلب، ففي الآية:12 من سورة الحاقة، ينقل الأصبغ بن نباتة قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "ويل لهم، والله أنا الذي أنزل الله فيَّ {وَتَعِيها أُذُنٌ وَاعِيَة}([9])، فإنّا كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيُخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفًا؟"([10])، فتعبيره بـ: "ويل لهم"، وكذلك قسمه "والله"، وتعريضه بغيره، يشير إلى تلك الحقيقة الدفينة وتلك الظاهرة المشينة التي تحدّثنا عنها.

ومن ذلك ما ورد عنه (عليه السلام): "..فهل فيكم أحدٌ أنزل الله تعالى فيه: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُون}([11])، إلى آخر ما اقتصّ الله تعالى من خبر المؤمنين غيري؟!، قالوا: اللهمّ لا"([12])، وغنيّ عن البيان صيغة الاحتجاج والاستنكار التي يعتمدها أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان سبب نزول هذه الآية، ويبدو من خلاله واضحًا أنّه يخاطب من تغاضى عن مثلها عامدًا.

كما نقلوا عنه أنّ رجلاً سأله وهو على المنبر: ما نزل فيك أنت؟ -من القرآن-([13])، فأجابه الأمير (عليه السلام): "أما إنّك لو لم تسألني على رؤوس الأشهاد ما حدّثتك، ويحك هل تقرأ سورة هود؟! ثمّ قرأ عليّ (عليه السلام): {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْه}([14])، رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بيّنة، وأنا الشاهد منه"([15])...

فالمطالع لهذه الروايات يلمس تأثّر أمير المؤمنين (عليه السلام) بما يدور حوله من غضّ النظر عن أسباب النزول المرتبطة بآيات الوحي، خصوصًا تلك التي تمسّ جوهر الخلافة، بما يعني ذلك من عمليّة تغيير لحقائق الإسلام ومفاهيم وطبيعة مسيرته، وهذا ما يُفسِّر بوضوح ما ورد عنه (عليه السلام) من استنكار حازمٍ لهذا الأمر في عدد كبير من أسباب النزول.

2 ـ التعريض بالآخرين

في خطّ موازٍ للوقوف بحزم بوجه التغاضي عن أسباب النزول، يتحرّك أمير المؤمنين (عليه السلام) اتجاه رجالات قريش فيُعرّض بهم بشدّة، وكان هذا التعريض متّصلاً بأسباب النزول، فهو يذكِّر مَن غفل أو تغافل، بأسباب النزول وأعلامها الممدوحين أو المذمومين؛ إذ الكلّ مشترك فيها!

فقد رُوي عن جابر عن عبد الله بن يحيى قال: "سمعت عليًّا (عليه السلام) وهو يقول: ما من‏ رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه آية أو آيتان من كتاب الله..."([16])، وروى عُبّاد بن عبد الله الأسدي أنّه سمع عليًّا يقول مثل ذلك وهو على المنبر([17])، فعليّ (عليه السلام) يقف مذكّرًا لمن خاف الآخرة أو خاف وعيد، داعيًا الناس إلى البحث عن هذه الآيات وأسباب نزولها.

وكذلك قوله المتقدّم: "فهل فيكم أحدٌ أنزل الله تعالى فيه: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُون}([18])، إلى آخر ما اقتصّ الله تعالى من خبر المؤمنين غيري؟ قالوا: اللهمّ لا"([19])، في تنبيه وتعريض واضح.

ولعلّ الهدف الأساس من هذه التساؤلات، والتي هي من نوع الإقرار، هو التهديد المبطّن لبعض رجالات قريش ممّن ظهر بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأمام جيلٍ إسلاميٍّ حديث لم يتسنَّ له مصاحبة الرسول ولا الاطّلاع على ظروف المرحلة السابقة، بصورةٍ غير صورتهم الحقيقيّة وبسيرةٍ غير السيرة التي تحكيها أسباب النزول، طمعًا في ارتقاء مناصب قياديّة، فكان ذلك من الأمير (عليه السلام) تنبيهًا لهم وتذكيرًا بماضيهم، حتّى لا يتنكّروه في هذه اللحظات الحسّاسة، ولا يخلو ذلك من حثٍّ للناس على العودة إلى أسباب النزول المغيّبة عن الساحة ـ على ما يبدو ـ لكشف هذه الحقائق.

3 ـ تأكيده على ضرورة العودة إلى الأسباب

إضافة إلى ما مرّ، يلفت المتابعَ ما أُثِرَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، من تكرارٍ وتأكيدٍ على رَبط العلم بالقرآن بالعلم بأسباب النزول، في صيغة لا تخلو هي الأخرى من إشارات إلى أنّ ثمّة فاصلة حدثت بين القرآن وأسباب النزول في تلك الفترة.

فعندما حاول البعض أن يتعرّض للأمير (عليه السلام)، بأنّه لا يُحسن كثيرًا من القرآن كان جوابه واضحًا في هذا الإطار، قال: "ويل لهم إني لأعرف ناسخه من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وفصله من فصاله، وحروفه من معانيه، والله ما من حرف نزل على محمد (صلى الله عليه وآله) إلا أني أعرف فيمن أنزل، وفي أي يوم، وفي أي موضع..."([20]).

كما ورد أنّه (عليه السلام) كان يقول: "ما نزلت آية إلا وأنا علمت فيمن أنزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إنّ ربي وَهَبَ لي قلبًا عقولاً ولسانًا طلقًا"([21]).

وقوله (عليه السلام): "ما نزلت من القرآن آية إلا وقد علمت أين نزلت، وفيمن نزلت، وفي أيّ شيءٍ نزلت، وفي سهلٍ نزلت أو في جبل"([22]).

وبهذا المعنى مجموعة من الروايات ضمّتها كتب التفسير والحديث وغيرها([23])، وكلّ ذلك يشير إلى محاولة عليّ (عليه السلام) تركيز فكرة في أذهان الناس، وهي تقوم على أساس أنّ العالم الحقيقيّ بالقرآن هو العالم بأسباب نزوله، ولعلّ هذه الفكرة الواضحة لم تكن بحاجة إلى تأكيد وتكرار من الأمير (عليه السلام)، بل هي ليست بحاجة للتنبيه عليها أصلاً لولا تلك الفاصلة التي حدثت بين القرآن وأسباب نزوله في هذا العصر، وإذا ضممنا إلى ذلك مجموعة الروايات التي احتجّ فيها بأسباب النزول، وبطريقة تنبيهه على تلك الغفلة والجهل بهذه الأسباب والوقوف في وجه ذلك، تظهر الصورة جليًّا ويتبيّن أنّ المجتمع الإسلامي كان يبعد شيئًا فشيئًا عن أسباب النزول بشكل غير مبرّر.

وبالفعل فإنّ المريب في هذه المرحلة أنّه عدا حركة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن يدور في فلكه كابن عبّاس، فإنّنا لا نلاحظ أيّ توجّه في إطار الأسباب، ولا يمكن رصد أكثر من بعض الحركات الخجولة جدًّا بالقياس إلى أهميّة هذا المطلب، لذا لا نجد من الأسباب ما نُقل عن وجوه الصحابة ـ غير عليّ (عليه السلام) ـ، بل النقل عن مختلف الصحابة لا يخلو من ندرة في هذا المجال([24])، وهذا يؤكّد أن حركة تجاهلٍ واسعة قد تعرّضت لها الأسباب في هذه المرحلة، وهذا ما وقف بوجهه أمير المؤمنينّ (عليه السلام)، وفق ما ظهر من كلماته ومواقفه.

ب ـ حركة نحو التأسيس

لم يقتصر دور الإمام عليّ (عليه السلام) على انتقاد الواقع الذي آلت إليه أسباب النزول، بل تعدّى ذلك إلى محاولة ترميم هيكليّتها، من هنا نرقب حركةً ملحوظةً للأمير (عليه السلام) ساهمت شيئًا ما في سيرها التصاعديّ، حيث راح يبثّ بعض الأسباب بحسب مقتضيات المرحلة وبما يلائم الظروف الموضوعيّة لتلك الفترة التاريخيّة الحسّاسة، ونشير فيما يلي إلى مجموعة من الأسباب المرويّة عنه:

فقد تقدّم ما رواه من نزول الآية: 12 من سورة الحاقة، والآية: 18 من سورة السجدة، والآية 17 من سورة هود فيه.

كما نقلوا عنه نزول الآية: {إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ}([25])، في الرسول (صلى الله عليه وآله) وفيه (عليه السلام) ([26]).

ورووا عنه نزول الآية: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدوا اللهَ عَلَيْه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}([27])، فيه وفي عمّه حمزة، وأخيه جعفر، وابن عمّه عبيدة بن الحارث([28]).

كما ورد عنه نزول: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ} ([29]) في بني أميّة([30]).

وسبب نزول الآية: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُم جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين...}([31])، حيث أجاب الرسول (صلى الله عليه وآله) من قال له: لو أكرهتَ من قَدرت عليه من الناس على الإسلام، لكَثُر عددنا وقَوِينا على عدوّنا، بأنّه: "ما كنت لألقى الله تعالى ببدعة لم يُحدِث لي فيها شيئًا، وما أنا من المتكلّفين"([32]).

وممّا نُقل عنه (عليه السلام) سببُ نزول الآية: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذوا عَدُوِّي وَعَدْوّكُم أَوْلِيَاء تُلقُونَ إِلَيهِمْ بِالمَوَدَّة}([33])، وذلك عندما أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجموعة من المسلمين في أثر ظعينة كانت تحمل كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين يُحذّرهم قدوم النبيّ (صلى الله عليه وآله) ([34]).

وكذا أسباب نزول أخرى كالتي ينقلها السيوطيّ عن ابن عساكر عن عليّ (عليه السلام) في الآية:{وَإِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...}([35])، وعن ابن مردويه عنه (عليه السلام) سبب نزول: {الرِجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِسَاء}([36])، وكذلك قضيّة الصدقة بين يدي الرسول (صلى الله عليه وآله) عند مناجاته، ونزول الآية: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَات}([37]).

إلى غير ذلك من الأسباب التي رُويت عنه سلام الله عليه([38]).

أثر حركة أمير المؤمنين (عليه السلام)

أثّرت حركة أمير المؤمنين ع، في الوقوف بوجه التنكّر لأسباب النزول بل والتأسيس لمرحلة جديدة فيها، أثرًا جليًّا في المجتمع، ويتّضح ذلك، من خلال بروز ظاهرة السؤال عن أسباب النزول بالنسبة للآيات المختلفة، وهذا يُعدّ مَعْلَمًا مميِّزًا لهذه المرحلة يمكن للباحث أن يُسجّله، مع ما يعنيه ذلك من تأثّر المجتمع بحركة عليّ (عليه السلام) ولو ضمن حدود معيّنة، ومن نماذج ذلك:

ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص: عن ابن كدينة الأودي، قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فسأله عن قول الله"عزّ وجلّ": {يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدي اللهِ وَرَسُولِه}([39])، فيمن نزلت؟، قال (عليه السلام): "في رجلين من قريش"([40]).

وروى ابن شهراشوب في المناقب: عن عبد خير، قال: سألت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِه...}([41])، قال (عليه السلام): "والله ما عمل بها غير أهل بيت رسول الله، نحن ذكرنا الله فلا ننساه... فلما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: لا نُطيق ذلك، فأنزل الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}([42])" ([43]).

ولكن يبقى سؤال يمسّ صميم هذه المرحلة الحساسّة، وهو: إلى أيّ مدى كان عليّ (عليه السلام) مطلق اليد في التعامل مع الأسباب، وهل كان بالإمكان أن ينطلق ويحلّق في هذا الباب حيث يشاء؟!، وبالتالي هل من معوّقات وقفت حاجزًا أمام سير علم أسباب النزول قُدُمًا في هذا العصر؟!، هذه المشكلة لا بدّ من طرحها ليكتمل البحث عن هذه المرحلة في عالم أسباب النزول، وهو ما نقوم به في الفقرات اللاحقة.

ج ـ معوّقات في وجهِ التأسيس

ثمّة قضيّة لافتة تستوقف الباحث في مجال أسباب النزول في هذه الفترة، ذلك أنّ المراجع لروايات أمير المؤمنين يجد أنّه (عليه السلام) يتجنّب بيان أسماء من نزلت بشأنهم الآيات، كالذي تقدّم حين سأله أحدهم عن قول الله"عزّ وجلّ": {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنوا لا تُقَدِّموا بَيْنَ يَدي الله وَرَسولِه}([44])، فيمن نزلت؟، فإنّ الإمام (عليه السلام) قد اقتصر في جوابه على قوله: "في رجلين من قريش"([45])، كما قد مرّ في بعض الأحاديث السابقة.

بل يظهر منه أكثر من ذلك، حيث يؤكّد، وفي أكثر من مناسبة، على أنّه لو لم يُسأل عن سبب النزول، لما تعرّض إلى بيان ذلك:

فقد رُوي أنّهم سألوه مرّة: ما نزل فيك؟ فأجابهم: "لولا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم..."([46]).

ونقلوا في مورد آخر أنّ رجلاً سأله وهو على المنبر: ما نزل فيك أنت؟ ـ من القرآن ـ([47])، فأجابه الأمير (عليه السلام): "أما إنّك لو لم تسألني على رؤوس الأشهاد ما حدّثتك"([48])...

هذا كلّه يبيّن أنّ الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن في روايته أسبابَ النزول في مقام استقصائها، بل لم يكن بصدد إشاعة هذه الأسباب ونشرها بشكل واسع، وقد اقتصرت حركته على نقل ما فيه بيان حقائقَ تدخل في إطار تقويم ما حصل من تشويه أو تشويش مرتبط بأمور مصيريّة، لمن يريد من الناس أن يستضيء بنور كلماته، كلّ ذلك مع مراعاة الظروف الموضوعيّة والحسّاسة في ذلك الزمان.

والسؤال الذي يجول في الخاطر أنّه: مع إدراك أهميّة أسباب النزول والتأكيد على دورها وارتباطها بالقرآن الكريم، فما هو الداعي إلى هذا الموقف؟! وبالتالي لماذا لم يقم بإشاعة قدر أكبر من أسباب النزول؟!

عوائق إشاعة الأسباب

لعلّ أهمّ العوائق التي حالت دون إشاعة ونشر أحاديث هذا الباب تتمثّل في أمرين:

أوّلاً: موقف حسّاس في لحظة حاسمة

مرّت الدعوة الإسلاميّة في فترة ما بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) بموقف دقيق في تلك اللحظة التاريخيّة:

فقد كان المشركون يتربّصون بالإسلام الدوائر بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حيث كانوا يتحيّنون فرصة وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لينعوا الإسلام بوفاة رسوله، وهذه الحقيقة استوجبت عدم إثارة بلبلةٍ في صفوف المسلمين قد تُفكّك أواصرهم، ما أمكن.

من هنا كان الإمام (عليه السلام) يَحذر الفتنة ويحاول أن يقي الإسلام شرّها، وهذا ما أشار إليه في قوله: "لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين"([49])، هذا من جهة.

من جهة أخرى فإنّ الداخل الإسلاميّ لم يكن محصّنًا بما فيه الكفاية، ذلك أنّ عددًا كبيرًا من المسلمين كان ما يزال جديد عهد بالإسلام، ويُخشى عليه الارتداد وما شابه فيما لو أُثير لغط كبير حول رجالات الصحابة، الذين كانوا يمثّلون له القدوة باعتبارهم الجيل الأوّل الذي ذاق حلاوة معاصرة رسالة السماء ورسول الإسلام (صلى الله عليه وآله)([50]).

لذا يرى السيّد جعفر مرتضى، في معرض حديثه عن علّة عدم إيراد الأسباب في القرآن الكريم أنّها: "سوف توجب للقارئين مشاكل كثيرة مع أولئك الذين يرون أنّ سلفهم هذا، رغم انحرافاته وجناياته، لا بدّ أن يبقى هو المثل الأعلى للناس، ولا بدّ من ضرب كلّ من يحاول المساس به، من قريب أو بعيد، حتّى ولو كانت المحاولة تأتي من قبل أقدس شخصيّة (...)، ولذا فإنّ الجهر بأسرار كهذه فيه خطر كبير ومهالك عظيمة..."([51]).

مثل هذه الوقائع ـ تربُّص المشركين وعدم إثارة البلبلة في صفوف المسلمين ـ كانت تستدعي تجاوز مجموعة كبيرة من الأسباب، لا سيّما في مجال بيان الأعلام المرتبطين بها على نحو الذمّ.

وهذا الأسلوب لا بدّ منه اللهم إلا إذا تعارض مع واجب بيان بعض الحقائق والمفاهيم الإسلاميّة الأصيلة، والتي يؤدّي الجهل بها إلى انحراف مسيرة الدين، وهذا كان يضطّر الإمام (عليه السلام) إلى: "أن يُعرّف الناس على المخلِص والمزيّف، وعلى الصحيح والسقيم، ويقطع الطريق على المستغلّين وأصحاب الأهواء من النفوذ إلى المراكز الحساسّة ثمّ التلاعب بالإسلام وبمفاهيمه وقيمه..."([52]).

فكانت نتيجة الموقف المسؤول لأمير المؤمنين (عليه السلام)، هي التوازن في بيان الأسباب، بحيث ينسجم موقفه مع مصلحة الإسلام العليا في ظرفٍ استثنائيّ من جهة، وبما يكفل استمرار تداول هذه الحقائق والمفاهيم على مرّ الأجيال من جهة أخرى([53]).

ثانيًا: مقتضيات فرضها القرآن وأَمْلَتْها السنّة

الأمر الآخر الذي كان يحول دون إشاعة الأسباب بشكل واسع، هو مسألة الاقتداء بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي تخلّق بأخلاق القرآن، والتي تقوم على أساس عدم فضح المنافقين، وغيرهم ممّن ستر القرآن أسماءهم، فـ:"إنّ سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) مع المنافقين تأبى ذلك، فإنّ دأبه تأليف القلوب، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطّلاع على سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) "([54])، ولا يُقاس ذلك "بذكر أبي لهب المعلن بشركه ومعاداته للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، مع علم النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأنّه يموت على شركه"([55]).

ولا شكّ أنّ عددًا كبيرًا من أسباب النزول، ترتبط بالمنافقين وأسمائهم، وهذا ما يجب تجنّبه، وقد صرّح صلوات الله عليه بذلك حين قال: "ولو شئت أن أسمّي القائلين بأسمائهم لسمّيت وأومأت إليهم بأعيانهم، ولو شئت أن أدل عليهم لدللت، ولكني في أمرهم قد تكرّمت..."([56])، اللهم إلا فيما من شأنه التعريف بحقائق ومفاهيم من الضروريّ أن يعتقد المسلم بها، وكذلك ما يرتبط ويؤثّر على حالة الدعوة الإسلاميّة في مختلف الفترات والأزمنة.

هذا الأمر بلا شكّ قد منع من وصول عدد كبير من أسباب النزول، ومن عدم إشاعتها في المجتمع.

وقفة مع مصحف عليّ (عليه السلام)

ختامًا لهذه المرحلة، لا بدّ أن نلقي ضوءًا على مسألة مصحف عليّ (عليه السلام)، وما يُنسب إليه من دور على صعيد أسباب النزول.

فقد جمع عليّ (عليه السلام)، بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، القرآنَ في كتاب عُرف بمصحف عليّ، وقد بيّن في هامش الآيات شيئًا من تفسيرها، كبيان المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ...

ولا كلام في أنّه (عليه السلام) قد تعرّض في كتابه لبعض أسباب النزول، وذلك في معرض بيانه لعدد من الآيات ([57])، ولكنّ الكلام في أنّه هل صحيح ما يظهر من بعض الباحثين من أنّه (عليه السلام) استقصى تلك الأسباب، وأنّه جعلها بابًا مستقلاً بحدّ ذاتها فأوردها منفصلة في مصحفه([58])، ليكون بذلك أوّل من جعل هذا الباب مستقلاً، وأوّل من دوّن كتابًا فيه؟

في الحقيقة أغلب الشواهد تشير إلى خلاف ذلك:

أوّلاً: قد مرّت الإشارة إلى تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام) غير مرّة على عدم رغبته في إشاعة أسباب النزول ونشرها بشكل واسع، لما تقدّم من الموقف المسؤول في تلك الفترة الحساسّة والمصيريّة من تاريخ الإسلام، فكان يُجيب حين يُسأل عن الأسباب: "لولا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم..."([59])...

ثانيًا: إنّ ما رُوي عن عليّ (عليه السلام) في تعريفه بمصحفه ليس فيه ما يشير إلى ذلك المطلب، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف كتابه: "ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف"([60]).

ثالثًا: لم تظهر فكرة أنّ مصحف عليّ (عليه السلام) قد خَصّ أسباب النزول بذاك الشكل إلا في فترة متأخّرة، وذلك بعد أن شاع هذا العلم عند أهل العامّة، فبينما لا نرى مثل الشيخ الصدوق والشيخ المفيد يأتي على ذكر ذلك عند حديثه عن مصحف عليّ (عليه السلام)، نرى المتأخّرين هم من حاول استفادة هذا المعنى؛ فما يذكره الصدوق في الاعتقادات حول هذا المصحف هو نَقْل ما رُوي عن عليّ (عليه السلام): "قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، لمّا جمعه، فلمّا جاء به فقال لهم: هذا كتاب الله ربّكم كما أُنزل على نبيّكم، لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف"([61])، وغاية ما يذكره المفيد أنّ "عليًّا (عليه السلام) كتب في مصحفه تأويل بعض الآيات وتفسيرها بالتفصيل"([62])، وأنّه (عليه السلام): "قدّم المكيّ على المدنيّ، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كلّ شيء منه في محلّه"([63]).

ونُقل عن ابن سيرين قوله: "إنّ عليًّا كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وعنه تطلّبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه"([64]).

رابعًا: إنّ الشواهد تُشير إلى أنّ استقرار هذا العلم قد تأخّر عقودًا عن تلك الفترة التي عاش فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) حياته المباركة، كما سيأتي.

خامسًا: وهذه ملاحظة عامّة، يمكن أن تُسجّل بالنسبة لمجمل هذه الفترة، ذلك أنّه لم يرد في أيّ من الوثائق التي ارتبطت بهذه الفترة مصطلح خاصّ بعلم أسباب النزول، لا بعنوان "سبب النزول"، ولا بأيّ عنوان غيره، بل إنّه يرد تارة بتعبير: "فيمن نزل"، وأخرى: "في أيّ شيء نزلت" أو "فيمَ أنزلت"، وثالثة: "على من نزلت"، فيما ترد على ألسنة السائلين بصيغة أعمّ: "سألته عن قوله تعالى".

وكذلك لم يُفْصَل عنوانُ "أسباب النزول" عن بقيّة عناوين تفسير القرآن الأخرى، وإنّما ترِد جنبًا إلى جنبٍ بلا تمييز بينها، فتارة يرد: "..فيمن أنزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت..."([65])، وأخرى: "أعرف فيمن أُنزل، وفي أيّ يوم، وفي أيّ موضع..."([66])، وثالثة: "..أين نزلت، وفيمن نزلت، وفي أيّ شيء نزلت، وفي سهل نزلت أو جبل"([67])، فيما نرى أنّه قد تمّ فصل مثل عناوين الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، في نفس تلك الأحاديث، بشكل واضح([68]).

مع هذه الحال لا يمكن أن نطمئنّ إلى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ذكر كلّ أسباب النزول المرتبطة بالآيات القرآنيّة، وأنّه جعلها تحت عنوان مستقلّ خارج إطار التفسير العامّ للآيات؟!، وغاية الأمر أنّه تعرّض لبعض الأسباب عندما اقتضت المصلحة ذلك عند بيان وتفسير بعض الآيات، وبما ينسجم مع الموقف العامّ الذي اتّخذه في تلك الفترة، وذلك إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ هذا الباب لم يستقرّ بعد ضمن بابٍ مستقلٍّ، ولم يأخذ عنوانًا خاصًّا حتّى تاريخه.

وتكون النتيجة أنّ مصحف عليّ (عليه السلام)، لم يخرج عن الإطار العامّ لحركة أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجال أسباب النزول، من الإشارة إلى ضرورة الاطّلاع عليها، وأنّها يمكن أن تحدّد مسار الإسلام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، بالإضافة إلى التعريض بمن حاول أن يتجاهلها أو يتغاضى عنها في مرحلة كان المجتمع فيه بأمسّ الحاجة إليها، أمّا دعوى استقلال الأسباب بعلم خاصّ به على يد أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهي دعوى بعيدة المنال.

تقييم المرحلة

في مجال تقييم هذه المرحلة يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

إنّ أبرز ما يميّز هذه المرحلة هو بروز ظاهرة تحاول تسيير أمور الإسلام وفهم القرآن، على أساس التغاضي عن أسباب النزول، ويمكن أن نقول بأنّ الأسباب قد تعرّضت لمحاولة تجاهل منظّمة، وقد كان دور أمير المؤمنين (عليه السلام) الوقوف بوجه هذا الأمر، والتأكيد على ضرورة الرجوع إلى أسباب النزول.

بالإضافة إلى ذلك، نلاحظ أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قام في هذه الفترة بنشر مجموعة من روايات أسباب النزول، بما يتناسب مع الظروف الموضوعيّة.

فما هو مسلّم أنّ الأمير (عليه السلام) قد رفع من شأن أسباب النزول وأثْرى هذا الباب، في وقت كانت تفقد الكثير من رصيدها، بسبب عدم عناية كبار الصحابة بها.

في المقابل، لم يرد حتّى هذا الزمان، في أيٍّ من الوثائق التي وصلتنا، مصطلح "سبب النزول"، بل لم يستقرّ لهذا الباب مصطلح معيّن، فورد بتعابير مختلفة، كما أنّ هذا الباب لم يُفْصَل عن الأبواب والعناوين التفسيريّة الأخرى، حتّى في روايات الأمير (عليه السلام) التي أشارت إلى أهميّة الاطّلاع على الروايات المرتبطة بأسباب النزول، وإنّما ورد مقارنًا لغيره من أبوابٍ وفروعٍ مرتبطة بالقرآن، بلا تمييز ظاهر بينها.

وفي النتيجة بدا أنّ حركة أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواجهة تجاهل الأسباب من جهة، وبثّ عدد من أسباب النزول من جهة أخرى، قد زرعت بذور الاهتمام بهذا الباب، ممّا ألهم اللاحقين تأسيس وتكوين باب بهذا المعنى، فكانت هذه المرحلة تقوم على ثنائيّة الوقوف بوجه التنكّر للأسباب وبوادر التكوّن والتأسيس.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) راجع مقال: الرسول وأسباب النزول: رسالة النجف، العدد 13.

([2]) المصدر السابق نفسه.

([3]) نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، المؤسسة الدوليّة للطباعة والنشر، ط7، ص: 57.

([4]) لاحظ: امصدر نفسه: 57 - 73.

([5]) المصدر نفسه: 57.

([6]) أسباب النزول: بسّام الجمل، المركز الثقافيّ العربيّ، الطبعة الأولى: ص59.

([7]) لا شكّ أنّ أكثر الشخصيّات تأثيرًا في مسألة أسباب النزول، هي شخصيّة عليّ (عليه السلام)، حليف القرآن، فإنّها تشكّل مَعْلَمًا بارزًا يختصر هذه المرحلة، بما تمثّله من شخصيّة فريدة في ارتباطها بالقرآن الكريم من جهة وبالرسول (صلى الله عليه وآله) من جهة أخرى، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد أن أخذ بيد عليّ (عليه السلام): "هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يرِدا عليّ الحوض فأسْألهما: ما أخلفتم فيهما" (الصواعق المحرقة: 75، مجلة تراثنا، العدد الرابع، السيد محمد رضا الجلالي، 60)، وقد ورد عن أمّ سلمة: "سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يرِدا عليّ الحوض" (مستدرك الصحيحين: الحاكم النيسابوريّ: ج3/124، وقال: صحيح الإسناد، المعجم الصغير: الطبرانيّ: ج1/255)، ويشير السيّد الجلاليّ إلى دقّة المعنى الذي تشير إليه الرواية في بيان ارتباط عليّ (عليه السلام) والقرآن، وذلك من خلال جعل هذا الارتباط على نحو "المعيّة" (مجلة تراثنا، العدد الرابع، السيد محمد رضا الجلالي، 60).

وهذا المقام لأمير المؤمنين (عليه السلام) قد شهد عليه الصحابة:

فعن عمر بن الخطّاب: "عليّ أعلم النّاس بما أُنزل على محمّد[(صلى الله عليه وآله)] " (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت، عبيد الله بن أحمد(الحاكم النيسابوريّ)، ج1/30).

 وعن عبد الله بن مسعود: "إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن" (حلية الأولياء: أبو نعيم الأصفهاني، دار الكتب العلميّة، 1409: ج1/65).

 وعن ابن عبّاس قال: "علم النبيّ [(صلى الله عليه وآله)] من علم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ (...)، وما علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلا كقطرة في سبعة أبحر" (ينابيع المودّة لذوي القربى، الشيخ سليمان القندوزي، دار أسوة، ط1: ب:14/80).

 وعن عامر الشعبيّ: "ما أحد أعلم بما بين اللوحين من كتاب الله بعد نبيّ الله من عليّ بن أبي طالب" (شواهد التنزيل: ج1/36).

 وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفسه إلى شيء من معنى ذلك في عدّة مناسبات، فقد ورد عنه (عليه السلام): "سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل" (فتح الباري في شرح البخاريّ، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة للطباعة: 8/485، تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، ط1:7/337).

 وفي حديث آخر: "ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها عليّ، فكتبتها بخطّي، وعلمني تأويلها وتفسيرها..." (بصائر الدرجات:198، كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق)، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1405:1/284، بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسيّ، مؤسّسة الوفاء، ط2: 89/41، الاحتجاج: أحمد بن عليّ الطبرسيّ، منشورات دار النعمان للطباعة والنشر: 1/223، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت: عبيد الله بن أحمد (الحاكم الحسكانيّ)، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، ط1: 1/35).

 وكذا قوله (عليه السلام): "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمَ أُنزلت!، وأين أُنزلت؟!، إنّ ربي وهب لي قلبًا عقولاً" (الطبقات الكبرى: محمّد بن سعد، دار صادر: 2/338، الصواعق المحرقة: 76، كفاية الطالب: الكنجي الشافعيّ: ب:52/208، حلية الأولياء: 1/68، شواهد التنزيل: 1/33).

وبالتالي فقد أثْرت هذه الشخصيّةُ العظيمةُ هذا الموضوعَ بشكل استثنائيّ ومكثّف في هذه المرحلة، وهذا ما يدفعنا إلى أن نقف عندها في محاولة رسم معالم هذه المرحلة التاريخيّة الحسّاسة.

ويتناول البعض دور ابن عبّاس، في هذا المجال، وما نقله من أسباب شكّلت رصيدًا كبيرًا في مصادر أسباب النزول، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى مسألتين في هذا المجال:

أ - يؤكّد ابن عبّاس نفسه أنّ ما نقله فهو عن عليّ (عليه السلام)، فقد نُقل قوله: "علم النبيّ (صلى الله عليه وآله) من علم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ، وعلمي من علم عليّ..." (ينابيع المودّة: باب:14/80، وورد في بحار الأنوار مع اختلاف في النصّ: 89/105)، ويقول في حديث آخر: "جلّ ما تعلمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب" (بحار الأنوار: 89/105)، ثمّ إنّه يقول: ".. وما علمي، وعلم أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله) في علم عليّ إلا كقطرة في سبعة أبحر" (بحار الأنوار: 89/105).

ب - تعرّضت شخصيّة ابن عبّاس لتشويه كبير من خلال كثرة الوضع على لسانه، ويرجع ذلك إلى أهميّة شخصيّته، مع عدم تبنّي جماعة خاصّة له بحيث تجرّد قوله عن الموضوع عليه، من هنا يروى عن الشافعيّ: "لم يثبت عن ابن عبّاس إلا زهاء مائة حديث في التفسير" (إتقان البرهان، د. فضل عباس/ ج2ـ 225).

ومن ذلك تفاسير كثيرة نُسبت إليه، بعضها لا يمكن أن يكون له، ومنها تفسير ساذج في حدّ ترجمة بسيطة، وفي واقعه هو تفسير لمؤلّف قام بتصدير كلّ سورة برواية لابن عبّاس تيمّنًا وتبرّكًا باسم ترجمان القرآن، "فزعموه تفسيرًا مستندًا إلى ابن عبّاس في الجميع، وهذا وهم أوهمه ظاهر التعبير" (لاحظ: التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب: الشيخ محمد هادي معرفة، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، ط1: 1/297-298).

ومن الشواهد على ذلك الأشياء المتناقضة التي نُقلت عنه، في مختلف أبواب التفسير، والتي لا يمكن أن تصدر عن رجل واحد.

لذا رأينا أنّ الاعتماد على ما نُقل باسم هذه الشخصيّة، يحتاج إلى تدقيق وتمحيص ضمن بحث مستقلّ، أمّا الاعتماد على كلّ ما نُقل عنه فإنّه سيعطي معلومات مغلوطة في هذا المجال، ويحرف التحليل التاريخيّ عن وجهته الصحيحة.

([8]) وقد تقدّمت الإشارة إليها.

([9]) الحاقة، 12.

([10]) كتاب التفسير، محمّد بن مسعود العيّاشي (تفسير العيّاشي)، المطبعة العلميّة، 1380: ج1، ص14، ح1).

([11]) السجدة،18.

([12]) الأمالي: محمّد بن الحسن الطوسيّ، مؤسّسة البعثة: ط1، ج2، ص159.

([13]) وذلك بعد أن ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه: "ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية أو آيتان"، وقد تقدّم التعرّض لهذا الحديث.

([14]) هود/17.

([15]) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربليّ، دار الأضواء، ط2: ج1، ص315.

([16]) تفسير العياشي: ج‏2/ 142-143.

([17]) كشف الغمّة: ج1 ص315.

([18]) السجدة،18.

([19]) أمالي الطوسي: ج2 ص159.

([20]) تفسير العياشي: ج‏1، ص: 14.

([21]) المصدر نفسه: ج‏1، ص: 17.

([22]) الأمالي: الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق)، مؤسّسة البعثة، ط1: ص227، ح13.

([23]) الطبقات الكبرى: 2/338، الصواعق المحرقة: 76، شواهد التنزيل: ج1، ص:280، حلية الأولياء: 1/68، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: السيّد حسن الصدر، منشورات الأعلميّ: ص318.

([24]) نعم نُقل عن ابن عبّاس، وفضلاً عن أنّه يُعدّ من المعسكر العلويّ، فإنّ كثيرًا من المنسوب إليه يحتاج إلى تحقيق كما تقدّم.

([25]) الرعد،7.

([26]) تفسير العياشيّ: ج‏2/ 142-143، و: ج‏2 / 203.

([27]) الأحزاب،23.

([28]) تأويل الآيات في فضائل العترة الطاهرة: السيّد شرف الدين علي الحسيني الاسترآبادي النجفي، مطبعة أمير، ط1: ج2 ص449 ح8.

([29]) محمّد، 22.

([30]) تفسير القمّي: أبو الحسن عليّ بن إبراهيم القمّي، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، ط3، 1404 ج‏2 / 308.

([31]) يونس، 99.

([32]) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق)، مؤسّسة الأعلميّ، ط1: ج1 ص134 ح33.

([33]) الممتحنة،1.

([34]) صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاريّ، دار الفكر، 1401: 4/72،5/98، ومسلم في صحيحه، دار الفكر: كتاب فضل الصحابة161، تفسير القمّي 2: 361، ونقلها عن مجمع البيان: تفسير نور الثقلين، عبد علي بن جمعة العروسي الهويزي، مؤسسة إسماعيليان، 1415: ج‏5، ص301-302، البرهان في تفسير القرآن: السيّد هاشم البحرانيّ، مؤسّسة البعثة، 1415: ج5 / 352.

([35]) البقرة، 186، راجع: لباب النقول في أسباب النزول: جلال الدين السيوطيّ، عالم الكتب، ط1، 1422: ص32.

([36]) النساء، 34، راجع: لباب النقول في أسباب النزول: 76.

([37]) المجادلة، 13، راجع: سنن الترمذي: محمّد بن عيسى الترمذيّ، دار الفكر، ط2: 3300، المعجم الكبير للطبراني: 1/109، ابن جرير الطبريّ ومنهجه في التفسير: محمّد بكر إسماعيل، دار المنار، ط1: 15/28.

([38]) كالآيات الأربع التي نقل الشيخ الطوسيّ عن أمير المؤمنين"ع" قوله إنّ الله صدّقه بها، راجع: أمالي الطوسي: ج2 ص108...

([39]) الحجرات، 1.

([40]) الاختصاص: محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد)، جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة: ص128.

([41]) آل عمران، 102.

([42]) التغابن، 16.

([43]) مناقب ابن شهرآشوب، ج2 ص177.

([44]) الحجرات1.

([45]) الاختصاص: ص128.

([46]) أمالي الصدوق ص227 ح13.

([47]) وذلك بعد أن ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه: "ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية أو آيتان"، وقد تقدّم التعرّض إلى هذا الحديث.

([48]) كشف الغمّة: الأربلي، ج1 ص315.

([49]) نهج البلاغة: الخطبة 74.

([50]) راجع: نهج البلاغة: الخطبة: 150، صحيح البخاري: ج8، ص:151، وج9، ص:58، كشف المحجّة لثمرة المهجة، ص: 70 ـ 71.

([51]) حقائق هامّة حول القرآن الكريم: السيّد جعفر مرتضى، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، ط1/167ـ 168، ولذا فمن الغريب أن يَحتمِل ولم تمرّ بعدُ بضع صفحات، أن يكون مصحف عليّ (عليه السلام) قد أورد الأسباب بهدف تعريف الناس عليها، وبالتالي اقتصر في بيان هذه الحكمة على تبرير لماذا لم ينزل القرآن مع أسباب النزول؟!، مع أنّ الحكمة بعينها تجري في مصحف عليّ (عليه السلام)، وهو حليف القرآن.

([52]) حقائق هامّة حول القرآن الكريم: السيّد جعفر مرتضى،167.

([53]) وهذا ما نلاحظه في مجمل مواقفه، حيث كان صلوات الله عليه يريد من ناحية أن يحافظ على وحدة صفوف المسلمين، ومن ناحية أخرى يرى من واجبه حفظ الحقائق والمفاهيم الإسلاميّة التي ترتبط بصميم الإسلام، هكذا نراه في نهج البلاغة يتجاهل في كثير من خطبه حديث مظلوميّته، في المقابل يُلقي الضوء على تلك الحقيقة من غير أن يؤثّر ذلك على موقف المسلمين العامّ كما في خطبته الشقشقيّة، فمن رغب في الحقّ اتّبع أهله وتتبّع أدنى إشاراته.

([54]) البيان في تفسير القرآن: السيّد أبو القاسم الخوئيّ، مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئيّ، ص: 224، حقائق هامّة حول القرآن الكريم: السيّد جعفر مرتضى،ص163.

([55]) نعم يرى البعض بأنّه: "لا بُعد في ذكر النبيّ"ص" أسماء المنافقين لبعض خواصّه كأمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره في مجالسه الخاصّة" (البيان في تفسير القرآن، السيد الخوئي، ص225).

([56]) البرهان في تفسير القرآن: ج‏2، ص: 805.

([57]) ممّا لا شكّ فيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أورد ضمن التفسير ما يرتبط بالآيات من أحداث تاريخيّة وحقائق ممّا يُشير إلى أسباب النزول، فقد ورد أنّهم "أرجعوه إليه؛ لأنّ أوّل صفحة ]فتحوها وجدوا فيها[ (...) فضائح القوم أعني المهاجرين والأنصار (...)، فأرجعوه ثمّ بادروا إلى تهيئة البديل الذي ليس فيه شيء من ذلك"( الاحتجاج: 1/227، البحار: 89/42، بصائر الدرجات: 196)، كما ورد عن البزنطيّ أنّه وجد مصحفًا عند الإمام الرضا (عليه السلام)، ففتحه فوجد فيه عند بيان آية: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}(البيّنة/1): "اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم" (الكافي: 2/461، البحار:89/54، تفسير البرهان: المقدّمة: 37).

وغير بعيد أن يكون (عليه السلام) أوردها بهدف إلقاء الحجّة والتحذير والتنبيه من غير أن يهدف إلى إشاعتها بشكل واسع بين الناس -كما مرّ ذكره-، لا سيّما وأنّه كان يعلم بأنّهم لن يأخذوا بكتابه مع وجود ذلك فيه!

([58]) راجع مثل: التمهيد في علوم القرآن: 1/292، بزوهشي بيرامون آخرين كتاب إلهي (فارسي)، د رجبعلي مظلومي: جلد1، جزء3، ص:83، دروس في المناهج والاتّجاهات التفسيريّة للقرآن: 77، سير تطوّر تفاسير الشيعة: أيازي: 28...

([59]) أمالي الصدوق ص227 ح13.

([60]) الاحتجاج: 1/383، البحار: 89/40، البيان: 242، تفسير الصافي، الفيض الكاشاني: المقدّمة السادسة: 1/42.

([61]) اعتقادات الصدوق: الاعتقاد في مبلغ القرآن، المناقب لابن شهراشوب: 2/41.

([62]) أعيان الشيعة: 1/89.

([63]) عدّة رسائل للمفيد: 225.

([64]) الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطيّ، دار الفكر، ط1: 1/58، المناهل: 1/247، الصواعق المحرقة: 126، طبقات ابن سعد: 2/338، تأسيس الشيعة: 317.

([65]) تفسير العيّاشي: 1/17.

([66]) تفسير العيّاشي: 1/14.

([67]) أمالي الصدوق: ص:227، ح13.

([68]) تفسير العيّاشي: 1/14.

 

 

التضليل الإستشراقي

الخيّام نموذجًا

الأستاذ أكرم محمد نبها

الاستشراق صفةٌ مرتجلةٌ تدلّ على الاتجاه نحو الشرق لدراسة وجوه الثقافة فيه من: لغة وأدب وتاريخ وفقه وعلوم، على حدِّ قول د. عمر فروخ.

إن الباحثين لا يتفقون على تاريخ محدد لبدء الاستشراق، فمنهم من يرى أنّه بدأ في القرن العاشر ومنهم من يقول أنه بدأ في القرن الحادي عشر ومنهم من يذهب إلى أنه بدأ في القرن الثاني عشر حيث تمّت فيه لأول مرَّةٍ ترجمة "معاني القرآن" إلى اللغة اللاتينية،... وهذا الخلاف دفع (د. مصطفى السباعي) إلى القول : "لا يعرف بالضبط من هو أول غربي عُني بالدراسات الشرقية، ولا في أي وقت بالتحديد كان ذلك([1])".

وفي سنة 1873م عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس ثم تتالت المؤتمرات التي تلقى فيها الدراسات حول الشرق وآدابه وحضارته، وإذا بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنقل إلى أوروبا حيث بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين وخمسين ألف مجلد !!...

ينقسم الاستشراق إلى قسمين كبيرين:

1- الاستشراق الإيجابي، وهو استشراق ذو خلفيّة علميّة بحتة، امتاز بالعمق والموضوعيّة، وهاتان الصفتان لازمتا الاستشراق الألماني بالعموم، فعمل أصحابه على جمعِ ونشر فهرسة للمخطوطات العربية، من أمثال: فلوجل (1802) الذي وضع "المعجم المفهرِس لألفاظ القرآن الكريم" و"المعجم المفهرِس لألفاظ الحديث النبوي"، و"معجم شواهد العربية"، ونشرَ "كشف الظنون" لحاجي خليفة، وكتاب "الفهرست" لابن النديم، ووضعَ فهرست المخطوطات العربية الموجودة في فيينا... والمستشرقون الألمان رفدوا المكتبة العربية بأمّهات الكتب، وكانت بحقٍّ مؤلفاتٍ رائدةً أفادَ منها المحققون العرب كـ"الكامل" للمبرد، و"تاريخ الطبري"، و"بدائع الزهور" لابن أياس، و"مقالات الإسلاميين" ، لأبي الحسن الأشعري، ومؤلفات ابن جنّي... وإن ننسَ فإننا لا ننسى أعمال المستشرق الألماني الكبير (كارل بروكلمان) وكتابه "تاريخ الأدب العربي"، ويبقى لهذا المستشرق فضل السّبق في التعريف بالتراث العربي الإسلامي المخطوط في جميع مكتبات العالم([2])، وعليه، فإنّ الاستشراق الألماني لم يرتبط بأهداف سياسية أو دينية أو استعمارية، وإنما غلبت عليه الروحُ العلمية والإنصاف والموضوعية، وشملت اهتماماته فروع المعارف الشرقية من: آداب ولغة وتاريخ وجغرافيا وفنون... والاهتمام بعلم الببليوغرافية وفهرسة المخطوطات وتصنيف وتحرير المعاجم العربية([3]).

2- الاستشراق السّلبي، وهو استشراق كان ذا خلفية تبشيرية دينيّة تنصيريّة، هذه الصفات لازمت جزءًا كبيرًا من الاستشراقين الفرنسي والإنكليزي، وقد استفاد منه المستعمرون، فمن الناحية الفكرية يرمي هذا الاستشراق إلى تشويه الإسلام، وحملِ المسلمين على النفور من دينهم كما سيأتي في بحثنا عن الخيام. (يقول) الدكتور عبد الرحمن الميداني: "إنّ للمستشرقين وسائلَ فكرية مختلفة يتبدّى من خلالها خطرُ الاستشراق على الأمة الإسلامية، ومُجمل هذه الوسائل هدفها:

ـ التّشكيك وإلقاء الشّبهات والمغالطات.

ـ تزيين الأفكار البديلة.

ـ افتراء الأكاذيب([4])".

ويكفي للتدليل على ما تقدّم أن نستشهدَ بادّعاء المستشرق (شاخت) بأنّ "الشريعة الإسلامية ليست شريعةً منزّلة بل هي جماع ما كان لدى العرب من أعراف".

إنّ إبعادَ المسلمين عن دينهم وسلخهم عن هويّتهم الإسلامية، هو دأب المستعمرين والمستشرقين العاملين على تنفير المسلمين من دينهم، وتشويه التاريخ الإسلامي، والتّشكيك به، وبذا يقول (د. عبد الرحيم عثمان): "أنّ أبرزَ هدفٍ للمستشرقين هو إضعافُ مُثل الإسلام، وقيمه العُليا من جانب، وإثبات تفوّق المُثل الغربية وعظمتها من جانبٍ آخر، وإظهار أيّ دعوة للتّمسك بالإسلام بمظهر الرّجعيّة والتّأخر([5])".

إنّ التعصب الأعمى دفع بعض المستشرقين إلى أن يفتروا الكذب على الدّين الإسلامي، وعلى علمائه الأفاضل، فأحالوا حسناتِه سيّئاتٍ، وشوهوا حقائقه الناصعة، فخانوا بذا أمانة العلم، فهم غير أحرياء بأن يُنسبوا إلى العلم، ويُنظموا في سلك العلماء.

ومن أجل التّدليل على هذا التّضليل الاستشراقي نقدّم نموذجًا تطبيقيًّا، وهو الحكيم العارف عمر الخيّام من خلال ما نُسب إليه من رباعيات.

عمر بن إبراهيم الخيام النّيسابوري (408 أو443هـ-515 أو517هـ)، وعرفه الغربُ من طريق رباعيّته، والرباعيات نوعٌ من الشعر يقسِّمُ فيه الشاعرُ قصيدتَه إلى أقسام، في كلٍّ منها أربعةُ أشطرٍ مع مراعاة نظامٍ معين للقافية في هذه الأشطر.

يُقسمُ هذا البحث إلى قسمين وخاتمة، في الأول نرسم صورة الخيّام كما جاءت في المصادر الإسلامية المعاصرة للخيام أو القريبة من عصره، وفي الثاني نرصدُ صورة الخيام كما رسمها الغربيون، ثم نصل إلى خلاصة.

وقبل أن أشرع في البحث أقدّم نموذجًا لرباعيات الخيام، تعريب الشاعر المصري (أحمد رامي([6]))، ونموذجًا آخر تعريب الشاعر العراقي (أحمد صافي النّجفي([7]))، ونلاحظ أنّ هذه الرباعيات تحمل مضمونين مختلفين، أحدهما يظهر فيه الخيام الزّاهد المؤمن الصوفيّ ، والآخر يظهر فيه الخيام المتهتّك العابث المنكر للبعث، مع الإشارة إلى أن معاني الإيمان والكفر، الزهد والتهتك موجودة في تعريب الشاعرين أحمد رامي وأحمد صافي النجفي.

الرباعيات بتعريب أحمد رامي:

(1)
 

إن تُفصل القطرة ُمن بحرها
ففي مـداهُ مُنتهى أمرِها
تقاربتْ يـا ربّي ما بيننا
مسافةُ البُعد على قدرها
 

(2)

يـا عالـم الأسرار علمَ اليقين
يـا كاشفَ الضّرّ عن البائسين
يـا قابلَ الأعذار عُـدنا إلـى
ظلّـكَ فـاقبلْ توبـةَ التّائبين

 

الرباعيات بتعريب أحمد صافي النّجفي:

(1)
 

دعْ عنكَ حرصَ الوجودَ واهنَأ
إنْ أحسنَ الـدّهرُ أو أسـاءَ
واعبثْ بشعْرِ الحبيبِ واشربْ
فـالعمرُ يمضي غـدًا هَبـاءَ
 

(2)
 

ما شهِدَ النّارَ والجنَانَ فتىً
أيُّ امرئٍ من هناك قد جـاءَ
لـم نـرَ ممّا نرجو ونحذَرُه
إلاّ صفاتٍ تُحكى وأسـماءَ

 

عمر الخيّام في المصادر الإسلامية

يقول الوزير (نظام الملك([8])) في بعض مذكّراته "...جاءني عمر ووعدّته أن أدخله في خدمة السلطان (بناءً على عهدٍ كان بيننا) فبادرني بقوله: بربِّكَ لا تفعل، وإنّ خير ما تجودُ به على صديقك القديم أن تضمنَ له العيش في ظلّكَ الوارف، مكفيًا مؤونة الكسب، ومتفرّغًا لخدمة العلم والفلسفة، وممارسة الحكمة والفضيلة...".

قال النّظّام السّمرقندي([9]) في كتابه (جهار مقاله)، والذي ألّفه حوالى سنة 550 هـ، وهو أقدم مصدر لتاريخ الخيّام: "... سمعتُ حجّةَ الحق عمر يقول: سيكون قبري في موضع تنتشر الأزهار عليه كلّ ربيع.. ثمّ هبطتُ نيسابور سنة 530 هـ، فقيل لي إنّ ذلك الرجل العظيم قد مات.. وغلبني البكاء لأنّني لم أكن أعرف له ندًّا بين الرجال".

عرّف البيهقيُّ([10]) عمرَ الخيّام "بالإمام وحجّة الحقّ، إنّه تلو ابن سينا في أجزاء علوم الحكمة([11])، وقال الشهرزوري([12]) في كتابه (نزهة الأرواح) الذي كتبه حوالي سنة 600هـ: "كان عمر الخيام تلو ابن سينا في علوم الحكمة".

وقال القفطيُّ([13]) في كتابه (تاريخ الحكماء) الذي ألّفه في سنة 640هـ: "عمر الخيام إمام خرسان، وعلاّمة الزّمان، يعلم علم اليونان، ويحثّ على طلب الواحد الدّيان([14])".

وقال زكريا القزويني([15]) في كتابه (آثار البلاد وأخبار العباد) الذي ألّفه سنة 674 هـ: "نيسابور يُنسب إليها من الحكماء عمر الخيام، وكان عارفًا بجميع أنواع الحكمة...".

ونقل القمّيُّ : "أنّ الخيّام كان أحد الحكماء الثمانية في عصر السّلطان جلال الدين ملكشاه".

ويقولُ أهلُ الترجمة عن قاضي القضاة (أبو المعالي) "حكيم، فقيه، شاعر، صوفيّ أخذ عن عمر الخيام".

ونقل (آغا بزركـ الطّهراني) أنّ (للشيخ الرئيس ابن سينا خطبة اسمها) التّمجيد والتّوحيد (أوّلها: سبحان الملك الجبّار الواحد القهّار... شرحها الحكيم العارف عمر الخيام([16])).

وكما نلاحظ، فإنّ المؤرّخين والمحقّقين العرب والمسلمين، القريب منهم من عصر الخيام والبعيد، يقولون أن الخيام هو: الإمام، الحجة، تلو ابن سينا، علامة الزّمان، الحاثّ على طلب الواحد الديان، الحكيم العارف...

عمر الخيّام كما صوّره الغربيون

تناول الغربيون عمر الخيام الشاعر من خلال رباعياته التي نظمها شعرًا بالفارسية، ولعل السيد (توماس هيد) هو أوّل مَن لفتَ الانتباه إلى رباعيات الخيام في سنة 1700م، ثمّ ترجمها ترجمةً حرفيّة (المسيو نيقولاس) سنة 1818م، وكان يقول : "إنّ عمر الخيام صوفيّ"، وفي سنة 1859م ترجمَ الشاعرُ الإنكليزيّ (إدوارد فيتزجيرالد) رباعيات الخيام عن نسخة موجودة في مكتبة (بودليان) في أكسفورد، ويعود تاريخ نسخها إلى سنة 865هـ.

لم يهتمْ أحدٌ من الإنكليز بذاك النّوع من شعر الرباعيات، فكسَدَتْ عند الناشر اللّندني (كارتش)، وهبط ثمنها إلى بنسٍ واحدٍ. ولسببٍ غير معروف (وسوف تعرفه) تحرّك جمعٌ من الشعراء النّقاد والمثقّفين الإنكليز ونظّموا حملةً أظهروا فيها المقام الرفيع للرباعيات بين الآثار الأدبية، هذه الدّعاية الضّافية المركّزة جعلت النّسخة الواحدة للرباعيات ترتفع من بنسٍ واحدٍ إلى ستّين جنيهًا إنكليزيًّا!! وَاكَبَ جنونُ الطلبِ هذا على نسخ الرباعيات قيامَ الشاعر الإنكليزي (إدوارد فيتزجيرالد) سنة 1868م بإخراج طبعة ثانية من الرباعيات مؤلّفة من مائة رباعية ورباعية، وبقيت قيمة هذه الرباعيات في ارتفاعٍ مستمرٍّ...

بعد الانتهاء من العمل على مضمون الرباعيات ورفعها إلى المقام الرفيع بعدما كانت مغمورة لا يعيرها أحدٌ انتباهًا، انتقل العمل إلى مَنْ نُسبت إليه هذه الرباعيات، عنيتُ عمر الخيام، فقام بعض المستشرقين بحملة من أجل اتهام صاحب هذه الرباعيات المزعومة والتشكيك بدينه وأخلاقه وعقائده، فكتب الأديب الفرنسي (تيو فيل جوتيه) مقالاً عدّ فيه عمر الخيام "أكبر نموذج للمفكّر الحرّ في العصور الوسطى".

وتساءل المستشرق (أرنست رينان) في مقالٍ له "هل كان عمر الخيام صوفيًّا متعمّقًا أو صاحبَ متعةٍ مجدّفًا؟؟"

هاتان النّظرتان الاستشراقيّتان تؤشّران بوضوح إلى الهدف المرجو، فحرّية الفكر عند الخيام، برأي (جوتيه)، تتمثّل في جرأته على الله، وتشكيكه في الدين والبعث والنشور، ودعوته إلى التّمتع بالحياة الدنيا بعيدًا عن كل ضابط دينيّ أو أخلاقي. وسؤال (رينان) ليس بريئًا، وإنّما هدفه أن يثير الغبار من حول إيمان عمر الخيام للوصول إلى الهدف المنشود، فكلّ مَنْ يقرأ ترجمة (فيتزجيرالد) لا يخامره الشّك أن الخيامَ صاحبُ متعةٍ، مجدّفٌ متهتّكٌ، لا أنّه صوفيٌّ متعمّق !

إنّ هذه الرباعيات التي ملأت الدنيا وشغل صاحبها الناس قد بلغ عددها أكثر من (1200) رباعية، ولو قُدّر لأحدٍ أن يُعمّر مائةَ عامٍ، ويغيّرَ كلَّ يومٍ دينَهُ وآراءَهُ لما كان بإمكانه أن يأتي بهذا الكمّ الكبير من الآراء المُتضاربة.

هذا الكمُّ الضخمُ، من الرباعيات، أوّلُ مَنْ وجّه إليه النّقد كان الباحث والمستشرق الرّوسي (جوركوفسكي) سنة 1897م، فقد أثبتَ أنّ كثيرًا من هذه الرباعيات، سواءٌ أكانت مؤمنةً صوفيّةً أم مجدّفة متهتّكة، هي ليست للخيام وإنما هي لعددٍ كبير من شعراء الفرس قد أحصى منهم أكثر من أربعين كالعطّار والرومي وحافظ وغيرهم، وما أكثر المؤمنين، وما أكثر دعاة الإلحاد في كلّ زمان ومكان، وما أكثر المنتحلين والوضّاعين!!

وفي سنة 1904م أكّدَ الباحث الدانمركي (أرنور كريستين سان) أصالةَ أربع عشرة رباعيّة فقط للخيام، ويؤكّد ذلك عودتنا إلى المصادر والمراجع التي ذكرت رباعيات الخيام، حيث نجد مخطوط (مؤنس الأحرار في دقائق الأشعار) لمحمد بن بدر الجاجرمي، والمدوّنة عام 741هـ قد ذكرت ثلاث عشرة رباعية في فصل مستقلٍّ باسم الخيام، والباحثون يعتبرون هذه الرباعيات الثلاث عشرة هي خيّاميّة أصيلة لا يرقى إليها الشّك، وكلّها تحمل مضامين إيمانيّة صوفيّة.

صحيحٌ أنّ هناك رباعيات فارسيّة تمَّ الكشفُ عنها تفوحُ من جنباتها رائحة الخمور والقيان، وتشكّك بالبعث والنّشور، وتجسّدُ قمّة الفسق والفجور، ولكنّها قطعًا ليست للخيام، وإنّما ألصقها بالخيام بعض المستشرقين، وساعدهم على ذلك الشاعر الإنكليزي (فيتزجيرالد)، حيث أخذ المضامين المؤمنة القليلة للخيام، والمضامين الكثيرة جدًّا المجدّفة الفاسقة لغيره، وغزلها شعرًا إنكليزيًا ضافيًا، ولم تعُدْ هذه الرباعيات بمضمونها للخيام ولا لغيره وإنما أصبحت لهذا الشاعر الإنكليزي (رباعيات فيتزجيرالديّة)، "محلاّة بصور ملوّنة منقوشة وكتابات مُتقنة كلّ الإتقان سُمّيت (Life echoes) أي أصداء الحياة([17])"، وعندما تُرجمت إلى العربية كانت تحملُ سمومَ الشّكِّ والتّجديف والتّشويه واللهو والعبث، فسرت في جسد الأمّة شيطانًا خبيثًا...

دعا (فيتزجيرالد) المسلمين باسم عالمهم الأكبر وشاعرهم الأخطر إلى تعاطي الخمور ومغازلة النساء من دون حياء، وملازمة السّرور والغناء، وحثّهم على الإباحية والزّندقة، فكانت هذه الرباعيات (الفيتزجيرالديّة) المنسوبة إلى الخيام توافق عقيدة المدنيّة الغربية الحديثة وذوقها وأخلاقها ومفاهيمها ولا توافق عقيدة الخيام وذوقه وأخلاقه ومفاهيمه...

وإذا عرفنا أهدافَ بعض المستشرقين، المرتبطة بالمستعمر والمبشّر، في تشويه صورة الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم، أصبح من السّهل تفسير هذا الاهتمام البالغ بتلك الرباعيات الفاجرة المنحرفة عن الدين والقيم الأخلاقية، ومن ثم نسبتها إلى عالم فاضلٍ عارفٍ ربّانيّ حكيم بهدف تهشيم العقيدة الإسلاميّة، والذّابّين عنها، يقول (مبشر الطرازي) في كتابه (كشف اللّثام عن رباعيات الخيام) : "إنّ خواصَ الغربيّين ممّنْ لهم علاقة بالتّبشير وجدوا في هذه الرباعيات (المنسوبة إلى الخيام) بُغيتَهم المنشودةَ في الطعن بالدين الإسلامي، والاستهزاء بتعاليمه المقدّسة، مستندين في ذلك إلى مقولاتٍ مختلقة مزعومة نُسبت إلى رجلٍ عظيم من عظماء الشرق، وعالم من علماء الإسلام، وإمامٍ من أئمّة المسلمين، فاستفادوا من ترجمة هذه الهذيانات باسم فلسفة الخيام".

على ضوء ما تقدّم، نجزمُ أنّ جُلَّ ما تُرجم من رباعيات هي ليست للخيام، ويؤيّدُ ذلك قول المؤرّخين والمُحقّقين، والأهم من كلّ ذلك عقيدة الخيام، ونحن بذلك لا ننكرُ شاعرية الخيّام، قال الشهرزوري: "له أشعارٌ حسنة بالفارسية والعربية"، ولم يقل له أشعار خسيسة رخيصة، وعليه، يمكن أن نخرجَ بقاعدة نحدّد من خلالها رباعيات الخيام من غيرها وهي:

كلّ رباعيّة تحملُ معنىً ساميًا هي للخيام، وكلّ رباعية تحمل معنىً خسيسًا فهي ليست له.

وكيف يمكن لحكيمٍ قال عنه العلماء: "إنّه مجدّد المائة الخامسة" أن يكون خليعًا معاقرًا لدنان الخمرة مواظبًا على مجالس اللهو والغناء، وهذا ما أشار إليه الباحث الإيراني (صادق هدايت 1902-1951) إنّ الرباعيات المُستهترة المنسوبة إلى الخيام هي فاقدة للانسجام المعنويّ والتّركيبي، وفيها آراء مُتناقضة متضاربة، وهذا الاضطراب يمكنُ مُشاهدته حتى في أقدم مجموعة رباعيات، في تلك الموجودة في مكتبة "بودليان" بأكسفورد، ثمّ إنّ مقارنة هذه الرباعيات بتلك المدوّنة في كتاب (مؤنس الأحرار) نجدُ أنّ هذه المجموعة الأخيرة تتميّزُ بنمطٍ تفكيريٍّ واحدٍ وأسلوبٍ محدّدٍ، لذا يمكن الجزم بانتسابها إلى الخيام".

خلاصة القول، إنّ الشاعر الإنكليزي (فيتزجيرالد)، ومن ورائه المستشرقون والمستعمرون والتنصيريون، قد تضافرت جهودهم وأوهموا المشارقة والمسلمين أن مَنْ يُفترض به أن يكونَ أمينًا على دينهم يعاقرُ الخمرة ويتهتّكُ ويعربدُ ويفعل الأفاعيل، إذن، فلا حرجَ عليكم أن تُقلّدوا علماءكم وتتّبعوا فلسفتهم في الحياة!! فهلاّ تنبّه العربُ والمسلمون لمثل هذه التّشويهات والخزعبلات الهادفة، وخاصة تلك التي تغزو المسلمين في هذا العصر عبر الفضائيّات الناطقة بالعربيّة والعبريّة !

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) محاضرة للدكتور مصطفى السّباعي، الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم.

(2) أسماء وأعمال المستشرقين في هذه الفقرة مصدرها: إسماعيل أحمد عمارة، المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية، دار حنين، عمان.

([3]) هذه لائحة بأسماء بعض من المستشرقين الألمان مأخوذة من المصدر السابق:

فيشر، هانزفير، شراكل، أولمان، فلوجل، إيفالد فاجنر، كارل بروكلمان، يوهان فوك، مارتن هارتمان، فريدريش روجار، يوليوس فلهوزن، تيودور نولدكه، ليتمان، برجستراشر، شاده، شاخت (والأسماء الأربعة الأخيرة مارسوا التدريس في جامعة القاهرة).

([4]) د. عبد الرحمن الميداني، أجنحة المكر الثلاثة.

([5]) د. عبد الرحيم عثمان، معالم الثقافة الإسلامية.

([6]) أحمد رامي: شاعر وروائيّ مصري (1892-1981)، كتب الرواية، وترجم العديد من مسرحيات (شكسبير)، وهو أوّل مَن عرّب رباعيات الخيام عن الفارسية.

([7]) أحمد صافي النّجفي: شاعر عراقي (1895-1976)، ترك حوالى عشرة دواوين شعرية، عرّب رباعيات الخيام مبوّبة بحسب القافية على حروف المعجم.

([8]) نظام الملك (408هـ -485هـ)، أصله من نواحي طوس، وزير حازم عالي الهمّة، وهو الذي أنشأ المدرسة النّظاميّة، له (أمالي نظّام الملك في الحديث). الأعلام: خير الدين الزركلي، ج2، ص202.

([9]) محمد بن عمر بن علي المعروف بالنّظام السمرقندي، له من التصانيف (جهار مقاله) أي "أربع مقالات".

([10]) البيهقي: أحمد بن علي بن محمد البيهقي (470هـ-544هـ)، أصله من نيسابور، لغوي، عالم بالقراءات.

([11]) الأعلام: خير الدين الزركلي، ج5، ص38.

([12]) محمد بن محمود الشهرزوري، كان حيًّا سنة 687هـ، إشراقي حكيم ، له (نزهة الأرواح وروضة الأفراح)، وهو من قسمين: أولهما في تاريخ الحكماء قبل الإسلام، والثاني في تاريخ الحكماء بعد الإسلام. (معجم المؤلفين: عمر كحالة، ج11، ص320 ؛ الذريعة: آقا بزرك الطهراني، ج4، ص142).

([13]) القفطي: علي بن يوسف القفطي، مات سنة 646هـ، له (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) ويقال له: تاريخ الحكماء.

([14]) الأعلام: خير الدين الزركلي، ج5، ص38.

([15]) زكريا القزويني: (605هـ-682هـ) مؤرّخ جغرافي، ولد بقزوين له (آثار البلاد وأخبار العباد).

([16]) آقا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 2، ص 202.

([17]) الأعلام: خير الدين الزركلي، ج5، ص38.

 

 

خليل فرحات في المرايا الأربع

الشاعر والمربّي والناقد والإنسان

الأستاذ غازي قيس

أما الشاعر، فالحديث عنه، تنقلُك أطرافه إلى حيث التجلّي صفة من صفات المبدعين الكبار، هو شاعرُ الملاحم، والمطولات، والمذّهبات، لا تخرج القصيدة من تحت أنامله، إلا تحفةً فنيّة، تضاف إلى متحف الإبداع الإنساني الخالد.

وأما اللُّغة فعجينةُ تَبْرٍ، والكلماتُ عرائسُ وَجد، ترفل هانئةً في عرس الوجود...

وأما المربّي فحدِّث بنعمة التربية الحقيقية التي خَرَّجت أجيالاً من الرجال المميزين والقياديين الذين تسلّحوا بالمُثُل وبالعلم وبالمعرفة الشاملة..

كان أستاذ اللغة العربية في الجامعة اللبنانية -فرع البقاع- كما درّس في دار المعلمين والمعلمات في زحلة، فكان مرجعًا لغويًا فريدًا..

وأما الناقد فهو الذي ما تناول موضوعًا من الموضوعات الأدبية أو الفنية إلا وغاص في جمالاته، وأضاء عليه وغضّ الطرف عن نقاط الضعف وأخطاء اللغة والطباعة، حسبه في ذلك أنه صاحب المدرسة النقدية التي تقول :

"إنَّ نقدَ الجمالات أخصبُ من نقد العيوب"

فهو ما جرح شعور كاتبٍ أو شاعرٍ أو أديب، بل كان الموجِّهَ والمرشد..

وأما الإنسان، فسبحان الخالق العظيم على هذا الخَلْقِ والخُلق، فقد خصَّه الله سبحانه وتعالى بحدسٍ صافٍ ورؤيةٍ صائبةٍ، وإيمانٍ لا يتزعزع ما قرَّبه من الأولياء والصالحين، فكان رقيقًا مثل قميص الفجر، عذب الروح مثل الماء الزلال، جمَّ التواضع كبنفسجةٍ تبوح بأسرار الخلق ونِعَمِ الخالقِ كلما لامستها نسمة هواء..

ولعلّ إنسانيته ومحبّته قد جعلتاه يضحّي بكل ما هو مادّي في سبيل الإنسان، ما قصَده طالب حاجةٍ، إلا وحصل على مبتغاه. هذه الصفات النبيلة قرّبته كثيرًا من الإمام علي بن أبي طالب × فإيمانه بالإمام وهو الماروني الزَّحلي، فاقَ إيمان الكثيرين من المسلمين بهذه الشخصية الفذّة التي لا تتكرّر في تاريخ الإنسانية..

تحوّلت علاقته بالإمام إلى نوع من التجلّي والانصهار الروحي، فغدا اسم عليّ على لسانه، تسبيحًا وتسليمًا. وكان أن أصابه داء في الساق أقعده، وقرّر الأطباء بَتْرَ السّاق، وقد روى لصفيّهِ الشاعر نجيب جمال الدين وشريكه في حبّ الإمام وقائع تجربته هذه، فقال :

" بقيت يا صاحبي عشرة أيام، ورجلي هذه، وأشار إلى اليسرى، مرفوعة إلى العلاء بحبل، بعد أن احتبس فيها الدم واعتصم، وأبى أن يدور، وذلك بسبب انخفاض السكر أو ارتفاعه لا أدري... وتهدّد الجسد كلّه، لا الرجل، عندها اجتمع الأصدقاء من الأطباء إليّ في البيت، وكان القرار بالقطع...

ولم أعترض إنما قلت : لديّ مشوار إلى عليّ([1])، فإن قطعتم، فكيف أمشي؟

ولم يفهموا.. إلا صديقتك جورجيت -يعني السيدة قرينته- فقد قالت : كفى بربك ! ودعنا الآن من الشعر، فالمسألة فيها حياتك، يعني نحن جميعًا!

وأجبتها : ولأنها كذلك، فهذا موقفي !

وأكمل :

ثم انصرفوا، وبعد يوم واحد، فككت رجلي من المشنقة، وقمت ولم أعُدْ بعدها للفراش... أفلا ترى أن الإمام هو الذي أمرني بالرحلة، فكيف أتخلّف ! ثم إلا ترى أنه كان كما يجب، فكيف لا أكون كما يُحبُّ، وبخاصة كما يجب ؟!

وأضاف: يا أبا فيصل، لن توحش الطريق، ما دام فيها ذلك الرفيق!.."([2]).

عندها بدأ بكتابة ديوانه الشهير : "في محراب عليّّّ"([3])

هذا الكتاب هو حصيلة إيمان رؤيوي لشاعر، ربما كان آخر العمالقة من شعراء الملاحم في هذا العصر..

قيل الكثير في خليل فرحات، الشاعر والمربّي والناقد والإنسان. لكنَّ الذي لم يُقَلْ فيه هو أكثر بكثير مما قيل، ولهذا نستعيد ذكراه في الكتابة عنه، وبخاصة عن مُذَهّبتِه الشعرية : " في محراب عليّ "

إنها حقًا مفخرة الشعر العربي من آخر ماردٍ في هذا الزمن القزم.

خليل فرحات !

هنيئًا لك في المحراب، وهنيئًا لنا أننا عرفناك عن قرب، وعشنا معك رُبْعَ قرنٍ من الزمن، لم تكن مُدّة كافية لنستزيد من معين شعرك الصافي، لقد علمتنا الحبّ والإيمان والصدق، وأدخلتنا معك إلى محراب عليّ وأنت الماروني المؤمن، فكنت برائعتك هذه دليلاً للكثيرين من المفكّرين والمثقفين المسلمين وغير المسلمين، إلى المحبّة المطلقة للإمام الذي لا يتكرّر.. طيّبَ الله ثراك ونوّر مثواك .

مقتطفات من ديوان  "في محراب عليّ"

 

قصيدة بعنوان : " المحبة أقوى "

أميرَ المَلا .. ماذا ؟

عَطَفْتَ على الملا !

غَداةَ بُغَاثُ الطّيرِ في ملعبِ النَّسرِ !

 

أرادوكَ في الجُلَّى

لِتدفعَ عنهمُ ...

وعند اقتضاءِ الحقِّ

نالوكَ بالشَّتْرِ !([4])

 

وأَمْعَنَ طمَّاعٌ

وباعدَ كارِهٌ

وأخلّفَ وعَّادٌ

وأَقْصَرَ ذو بَرِّ

 

وظنَّ الألى أمُّوا "السقيفةَ"([5])

أنهُ سيلجأُ ...

رِئْبَالُ([6]) الرُّجولةِ

للزَّأرِ ...

 

ولكنَّ للأرحامِ وَصلاً

وللعُلى خِلاقًا

وللإسلامِ حقًا ...

... على الحرِّ

 

وظلّ بمنأى ،

عن غَوَاياتِ سُلطةٍ ،

أمينًا على كِبْرِ العزيمةِ ،

ذو الكِبْرِ !

 

وظلَّ ، بلا حقٍّ

إلى جنبِ ربِّه

وظلُّوا بلا ربٍّ

على الجانبِ المزري ! ([7])

 

أقاموا عليك الحدَّ([8]) ... ظلمًا

فهل دَرَوا

بأنَّ حدودًا منكَ

فيهم سَتَسْتَشري ؟ ([9])

 

وغايتُكَ المُثلى

بقاؤك هاديًا

تُعمِّرُ أرواحَ العِطَاشِ

إلى العَمْرِ !

 

من قصيدة " على دروب النهج"

.... ....

كلامٌ كوجهِ السَّعْدِ

طارِفُ ([10]) لَفظِهِ

وتالِدُهُ ([11]) كالكنزِ ...

في أَمْنعِ الجُزْرِ

 

يُريكَ ، بلا حَصْرٍ

عجيبًا من الرُّؤى

ويُسمعُ فذَّ النَّغْمِ ، أيضًا 

بلا حصْرِ

 

وتأخُذُكَ الآياتُ ،

بعضٌ معَ المَدى ،

وبعضٌ إلى الفِردوسِ ،

فالعرشِ ، فالسِّدْرِ([12])

 

كأنَّ بُنَى التركيبِ

رَفٌّ بأجْنُحٍ

وضرْبٌ من الأرياحِ

ترْفُقُ بالسَّفْرِ([13])

 

يحارُ بها المأسورُ

هلْ كانَ أَسْرُهُ

منَ النَّغَمِ المسحورِ

أم شِدَّةِ الأسرِ ؟ ([14])

 

مَقاصيرُ للنجوى

بها تُحرمُ الرؤى

كما يُحرمُ العُبادُ

في هيكلِ السِّحر !

 

هو النهج

... مِعراجٌ جديدٌ إلى السما !

بل النهجُ مِعراجٌ([15])

إلى قلبكَ العُذري !

 

وما النهجُ والقرانُ ...

إلا تلازَمَا

وإن يكن القرآنُ

أنأى([16]) عن الشعر

 

وما عَجَبٌ ؟

فالعارفون توافقوا

على أنه ظِلُّ الألوهةِ

في القَدْرِ ...

 

وفي النهجِ ...

أشياء الأناجيل جُملةً !

وليس يَحَارُ المرءُ

في المُلهمِ السِّري

 

بيانك لم ينهَضْ

لِكسفِ بيانِها ...

ولكنّكَ النَّقَّاشُ

يَخلُدُ في الصخرِ ...

 

بعينيَّ أفدي النّهجَ ...

إني ربيبُه!

فوَجْدٌ كلا وجدٍ

ودَرٌّ كلا دَرِّ !

 

تَتبَّعْتُهُ ، واللهِ

حتى رأيتُني

مليكَ ملوك الفِكرِ

والكَلِمِ البِكرِ

 

فأنت بِقَصْرِ القولِ

وحدَكَ رَبُّه

وكلُّ ملوك القولِ

من خَدَم القصْرِ ...

 

من قصيدة : " على الصراط"

وليِّي وليُّ النهجِ ...

دُنيايَ بيتُه

وصحْبٌ له عالونَ

في مُعجِزِ السِّفرِ

 

أراني على بِشْرٍ

إذا ضمني لهم مَعَادي ،([17])

وإلا ...

فالجُفونُ على عَبْرِ([18])

 

حسينٌ ، أبو الأبرارِ ،

سيد رحلتي

خلالَ دهاريري المُحمْلقةِ

الخُزْرِ([19])

 

وفي النفسِ نُعمَى

أنني اليوم داخلٌ

إلى حرم الأسيادِ

والعِترةِ الطُّهرِ

 

أجوزُ مجازَ النورِ

حتى يقودَني

إلى مِنبرِ التكوينِ

علاّمةُ النَّبْرِ

 

هنالك مَلقايَ الضمائرَ

حُرَّةً ...

هناك خلاصُ الروحِ

من ليلها الغَمْرِ ! ([20])

 

هنالك " للزهراءِ "

عَرشٌ مُؤَثَّلٌ

وهَنَّا لها زُهرٌ ..

يُجَلْبِبْنَ بالفخرِ

.... ....

قصيدة : "السُّكْر المقدس"

حَبَبْتُ عليًا ،

بل عبدتُ صِفاتِه !

بلى ... تَعبُدُ العطارَ

قارورةُ العِطرِ !

 

فيا سيد النهج العظيمِ

ترَفَّقنْ

بأحلاميَ السَّكْرى

وسبحان ذا السُّكرِ

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) يقصد رحلته الشعرية .

([2]) مقدمة قصيدة "في محراب عليّ"، لشاعرنا خليل فرحات، بقلم الشاعر نجيب جمال الدين، ص15-16.

([3]) في محراب علي، ديوان شعري، لشاعرنا الزحلي خليل فرحات، قدّم له الشاعر الراحل نجيب جمال الدين، طبع الكتاب في مطبعة زحلة الفتاة، بتاريخ 31 أيار 1991م، ويتألف من 120 صفحة من القطع الوسط.

([4]) الشتر : التَّنقُّص والتجريح والشتم .

([5]) السقيفة : هي سقيفة بني ساعدة التي تمّت فيها مبايعة أبي بكر وإبعاد علي عن الخلافة على الرغم من وصية النبي .

([6]) الرئبال : الأسد .

([7]) المزري : المحقّر والشائن .

([8]) الحدّ : العقوبة .

([9]) تستشري : تتفاقم وتعظم .

([10]) الطارف : الجديد .

([11]) التالد : القديم .

([12]) السدر : شجر النبق ، وهو هنا سدرة المنتهى ، أي الشجرة التي عن يمين العرش في معتقد المؤمنين .

([13]) السَّفر : المسافرون وهي جمع مسافر مثل صَحب جمع صاحب .

([14]) شدة الأسر : قوة التعبير وبلاغته .

([15]) معراج : مصعد ، سُلّم .

([16]) أنأى : أبعد .

([17]) المَعَاد : المرجع والمصير .

([18]) العَبر : الحزن وسيلان الدموع

([19]) الخزر : جمع أخزر وخزراء ، والأخزر مَن ضاقت عينه

([20]) الغمر : الكثيف .

 

 

من القصيدة اللامية للشيخ محمود عباس العاملي

 

يا أيّها النّاس إنّ الأمّ واحدة
وخالق الكلّ ربّ واحدٌ أحد
ما بالنا وسبيل الرشد واحدة
أنترك الحقّ تقليدًا لمن سلكوا
ونقتفي مسلك الغاوين نتبعهم
قد كان ألجأ أباءًً لكم سلفوا
فتابعوا القوم خوفًا من غوائلهم
وقد أتاكم زمان الأمن فانقشعت
فحكّموا العقل والبرهان فارتجعوا
فالحقّ كالشّمس لا يخفى على نظر
قلّدتم في أمور الدين قادتكم
أنّى يقاد أخو عقل وقائده
إن كان ما أسّس الآباءُ يمنعكم
فذاك ضد لما تهوى نفوسكم
فما قنعتم من الدنيا بما لبسوا
سمّيتم العصر عصر النور تسمية
إن كان ذا العصرُ نورًًا يستضاء به
إنّ الجنون فنون في الورى كثرت
فكم ترى في عباد الله من بِدع
قوم يقولون إنّ الكون ذو قدم
وهذه الشمس تُبدي عكس ما زعموا
تبدو الغزالة
([1]) في صبح فإن غربت
إنّ الحدوث بجزء الشيء ينبئنا
فالكون كُلٌّ من الأجزاء مجتمع
وذا يقول بأنّ الكون موجده
إنّ الطبيعة بنت الكون تتبعه
ألا ترون بأنّ الطبع مكتسب
وذاك ينحت من أحجاره صنمًا
وذا يقول بأنّ الخير موجده
وذا يقول بأن الروح قد خرجت
وأعجبُ الكلّ من قالوا له ولد
وذلك الابن عين الأبِّ متصل
والفصل للوصل ضدٌ ليس يقبله
إنّي لأعجب من قوم عقولهم
لم لا يميل إلى التحقيق عاقلهم
قد قلّدوا الأهل والآباء واعتمدوا
وأثبتوا الصلب للباري بزعمهم
 تنزّه الله عن هذا المقال فما
أيُصلب الربّ للأوزار يحملها
فكلّ ذنب جناه العبد يحمله
ولست أدري أهذا الربّ خصّصهم
أم عمّم الخلق فاديهم برحمته
فإن يكن خصّص الأتباع حاف به
وإن يكن عمّم الخاطين قاطبة
 

 

ووالد الكلّ يا إخواننا رجل
والكلُّ منّا على جدواه يتّكل
نبغي التّفرق في الدنيا ونقتتل
سبُلَ الضلال كأنّا خلفهم هَمَل
على الضلال وقد ضاءت لنا السبل
أهلُ السيوف ومن كانت لهم دول
والأمر يحدث والأيام تنتقل
تلك الغيوم وزالت عنكم العلل
إلى الصواب فنهج الحقّ معتدل
فكيف يخفى إذا لم تمرض المقل
قد ضلّ طير على الغربان يتكل
من الخيانة والإضلال محتمل
من القبول لما عنه قد اعتزلوا
من التباعد عمّا أهلُكم قبلوا
ولا قنعتم من الدنيا بما أكلوا
تُدمي العيون ومنها القلب يشتعل
فوحّدوا الدين دين الله واعتدلوا
عنه المذاهب والأديان والملل
ولم يكن في ذراري آدمٍٍٍ نحل
لا بدء فيه و لا ينتابه حول
كآية الليل تعطي ضد ما نقلوا
جاء الظلام وثوب الليل منسدل
إنّ الحدوث على ذا الكلّ مشتمل
وكلّ جزء به التغيير متصل
طبيعة فيه ليست عنه تنفصل
والبنت لا تنتج الآباء لو عقلوا
من ذي الطبيعة يا من مسّهم خبل
ينحو إليه فيدعوه ويبتهل
ربّ عن الشرّ ممنوع ومنعزل
من الفقيد إلى ذيّاك تنتقل
يفدي الأنام ويعطيهم إذا سألوا
في ذاته من طريق وهو منفصل
صافي العقول فكيف القوم قد قبلوا
أرقى العقول بدنياهم إذا اشتغلوا
فيعرف الحق كي يعطيه من جهلوا
على الرجال وحكم العقل قد عزلوا
ليغفر الذنب ممن قبلهم فعلوا
هذي العقيدة إلا العار والدخل
عن العباد إذًا فليكثر الزلل
ربّ العباد فلا خوف ولا وجل
بحمله الذنب عنهم وانقضى الأجل
ففاز فيها أَخِيرُ الناس والأُوَل
وصف البخيل وما من شأنه البخل
تشاكل الناس من جاروا ومن عدلوا
 

 

 

 

يا أمّة الصلب إنّي جئت أسألكم
هل نال بالصلب ذاك الربّ راحته
فإن يكن أحرز المصلوب راحته
وإن يكن ضامه صلب اليهود له
فاخشوا عليه غداة الحشر كيدهم
أو راجعوا العقل: ربًّا غير مقتدر
أخالق الخلق يرضى جوف إمرأة
والله ربٌّ له الأكوان شاهدة
وأنّه السيد الأعلى فلا فلك
منزّه عن شبيه من خلائقه
وهو الغني فلا زوج ولا ولد
قد أوجد الكون ربُّ الكون من عد
فكيف يرضى بأن يلقيه ذو سفه

 

 

فجاوبوني بحقّ الحقّ وامتثلوا
أم مسّه الضيم والآلام والعلل
فاز اليهود وفي مرضاته دخلوا
توجّه العار للمصلوب والفشل
إنّ اليهود أناس عندهم دغل
أن يغفر الذنب إلا وهو معتقل
يحلّ فيه وفيه الدمّ والزغل
بأنّه الفرد لا شبه ولا مثل
يحوي علاه ولا سهل ولا جبل
فليس تشبهه أنثى ولا رجل
و لا شريك ولا جسم فينتقل
م ولا اعتراه لدى إيجاده ملل
على الصليب ويعلو مجده الفشل

 

 

 

يا أمّة الصلب إنّي عدت ثانية
لكنما الحبًُ يدعوني ويدفعني
فإنّما الناس إخوان جميعهم
جوّزتُم أن يكون الربُّ متحدًا
 أبٌ وإبنٌ وروح القدس أجمعهم
هل القديم حديثًا صار عندكم
هل أدرك الصلبُ ذاك الربَّ أجمَعه
فإن يكن أدرك الجبار أجمعه
وإن يكن أدرك الناسوت منفردًا
لأنه منهمُ والذنب دنّسهم
لئن رضينا بهذا منكم فلنا
جوّزتُم الصلب كي تمحى ذنوبكم
لم لا يعود ليلقى الصلب ثانية
ولست أدري أقتل الرب معصية
فإن تكن زلة منهم ومعصية
وإن يكن طاعة منهم فقد سعدوا
إني لأقسم بالله العظيم وما
ما منكم اليوم ذو لبٍّ يقول به
والعارفون يقينًا كلّهم عدلوا
وإنّما خطة التقليد مانعة
أعاذنا الله من شرّ الضلال فلا
إنّ الضلال كثير في الورى وله
انظر بعينك في قوم الأولى ذهبوا
 

 

إلى السؤال وما من قصدي الجدل
إلى النصيحة إذ تُُُُجلى بها السبل
سيّان أعرضوا عن ذاك أو قبلوا
ثلث الأقانيم وهو المشكل الجلل
ربٌّ عظيم ولكن قومه قتلوا
أم الحديث قديمًا حينما جبلوا
أم أدرك البعضَ فيه وهو منفصل
فمن إليه عباد الله قد وكلوا
عن الإله فلا تفدى به الجمل
فكيف يفدي البرايا منهم رجل
أهلَ العقول سؤال نحوكم يصل
ونحن خلق وفينا الذنب والزلل
كيما نفوز كما فزتم ونتصل
أم طاعة نالها مَن ربهم قتلوا
فهو المسبّب لا تأسوا لما عملوا
فيما جنوه ونعم الفعل ما فعلوا
جاءت به الكُتْبُ والآيات والرسل
إلا الأصاغر أهل الجهل والخبل
عن الصليب إلى التنزيه واعتدلوا
من الظهور إلى أن يحضر الأجل
مولى عليه سوى الرحمن نتكل
في كل قوم مصاب فادح جلل
ضد الحجى لمقال قبحه جهلوا
 

 

ــــــــــ

هامش

[1] أي الشمس .

 

115%