رسالة النجف

الافتتاحية

 

الافتتاحية

يقول الإمام علي (عليه السلام) في عهده الذي كتبه لمالك الأشتر حين بعثه واليًا على مصر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللّطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يَفرُط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل...).

فإذا ما قرأ المرء هذا الكلام لعلي (عليه السلام)، وقرأ ما يماثله من وصاياه وإرشاداته للعمال والولاة و[وكلاء الأمة]، فإنه يجد نفسه أمام منظومة متكاملة في شرعة حقوق الإنسان، وهي منظومة مؤسّسة على نظرة فلسفية لمعنى الإنسان وحقيقة وجوده، ومبنية على فهم دقيق لعلم الإدارة وشؤون التنفيذ، وصادرة عن قلب مجبول بالرحمة ونفْسٍ سموح، وهي قبل ذلك كله ومعه وبعده، تستمدّ أصولها من الدين العالمي والرسالة الخاتمة.

وقد كان الإمام (عليه السلام) سبّاقًا في نظرته ورائدًا فيما يطرحه، ولذلك يقول الأديب جورج جرداق معلّقًا على بعض مضامين الكلام العلوي في الحقوق: [ولعلّ ابن أبي طالب أوّل حاكم في تاريخ الشرق بل في تاريخ الإنسانيات القديمة جميعًا يأمر بما لا يألفه زمانه وأبناء زمانه]([1]).

وإذا كان الظرف قد اقتضى من الإمام علي (عليه السلام) أن يبيّن شرعة الحقوق عبر كتبه لـ[وكلاء الأمة]، لأنه كان الخليفة والحاكم، فإنك تجد الاهتمام عينه بقضية الحقوق لدى حفيده الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالته الخالدة [رسالة الحقوق]، وإن اختلف الأسلوب حيث اتّصفت الرسالة بوحدة الموضوع، واتّسمت بنظام متدرّج في الطرح، وبنسق متسلسل في البحث، ومردّ الأمر إلى أن الإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن حاكمًا يريد توجيه عماله فيكتب لهم بما تقتضيه المتطلبات العملية، بل كان في مقام الإرشاد والتوجيه العام، وهذا ما استدعى اختلاف الأسلوب، فكان مرة كتابًا وأخرى رسالة، وإن كانت المضامين في الحالتين متشاكلة في عمقها وسموّها وأسبقيتها.

ولا يتسع المقام لإجراء المقارنات بين المنظومة الحقوقية التي طرحها أئمة آل البيت ^ وبين المنظومات الحقوقية الأخرى، لذا نلفت انتباه القارئ إلى المقارنة التي عقدها الأديب جورج جرداق بين ما طرحه الإمام علي (عليه السلام) وما طرحه الآخرون، وذلك في موسوعته القيّمة [علي وحقوق الإنسان]، ونكتفي بكلمة واحدة حول ما طرحه الإمام السجاد (عليه السلام)، فنقول:

لعله لم يلتفت أيّ حقوقي لا قديمًا ولا حديثًا للعديد مما سطره الإمام السجاد (عليه السلام) في [رسالة الحقوق]، حيث لم يكتفِ (عليه السلام) بذكر الحقوق المتداولة من حق الراعي وحق الرعية وحقوق الأقارب... بل تعدّى ذلك كله إلى حقوق أعضاء الإنسان وحقوق العبادات وحقوق ذوي المعروف عليه...

ولما كنّا نعيش في عصر ضُيّعت فيه الحقوق واشتهرت فيه مقولة الكيل بمكيالين قولاً وعملاً، فقد رأينا أن من واجبنا أن نذكّر بما ضيّعه العصر، فجعلنا موضوع ملف هذا العدد من [رسالة النجف] هو الحقوق، وذلك تحت عنوان [نظرات إسلامية في الحقوق].

هذا، وفي العدد مقالات أخرى متنوّعة تلمّ بموضوعات هامة، نرجو أن يجد فيها القارئ زادًا فكريًا نافعًا، ومعارف قيّمة.

تحرير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) جورج جرداق، بين علي والثورة الفرنسية، ص297، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1970م.

 

 

حقوق النفس والبدن في الإسلام

الشيخ حاتم إسماعيل

مقدمة

إن من المسائل الظاهرة التي لا لبس فيها، لكل من يسرح نظره في الدين الإسلامي الحنيف، ويعمل بصيرته في نصوصه الشرعية، كتابًا وسنة، أنه نظر إلى الحياة والوجود نظرة واقعية وموضوعية، استطاع من خلالها تنظيم حياة الإنسان على المستوى الفردي والاجتماعي، على نحو يشمل جميع شؤون الحياة المتعلقة به، وعلى المستوى الدنيوي والأخروي، فلم يرتضِ لأتباعه حياة العزلة والابتعاد عن هموم الناس ومشاكلهم، بذريعة المحافظة على الذات وتحصيل الآخرة، كما في بعض الديانات الأخرى، التي توهمت أن خلاص النفس لا يتحقق إلا بإيذائها، كما لم يرتضِ لهم الانغماس المطلق في مقتضيات عالم الدنيا ونسيان عالم الآخرة، وما أعدَّ فيها من حياة طيبة للمحسنين، وقد اشتهر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

"إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".

الانسان في بعديه المادي والروحي

وقد اتفق الفلاسفة الإلهيون، وأتباع الديانات السماوية، أن للإنسان بعدين يشكلان جوهره وحقيقة وجوده، هما البعد المادي ويمثله البدن وآلاته، والبعد الروحي وتمثله نفسه وعقله، وليس لأي منهما أي غنى عن الآخر على صعيد الحياة الدنيا، والوصول به إلى الغاية القصوى.

إن من الواضح أن الوجود نعمة للإنسان تفضّل الخالق تعالى بها عليه، وأراد منه أن يقوِّم هذا الوجود ويسير به في الاتجاه الصحيح، الذي يحقق به كماله وذاته، قال تعالى:

"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه[1]".

وهذه الملاقاة لا يمكن أن تتحقق له وهو في عالم المادة والبدن، لأن المادة محدودة وقاصرة في ذاتها، في تغير وتحول دائم، لا تستقر على حال، من هنا لا بد من عبور الموت ليصل الإنسان إلى ذلك العالم، وهذا بحث فلسفي لا نريد الولوج فيه.

إلا أن ما يهمنا في المقام بيان أن الوصول إلى الكمال المطلق ولقائه تعالى، لا بد وأن يمر في مراحل التطور في هذه الحياة الدنيا، طالما أنه لا يزال متلبسا بلباس البدن، فبواسطة البدن وآلاته يمكنه أن يتواصل مع ذاته، ومع العالم الخارجي المحيط به، وأن يكتشف أسرار الكون.

ومن خلال هذا التواصل والتأمل في مخلوقات الله تعالى، تتحقق له المعرفة والإدراك الموصل إلى الحقيقة المطلقة، وبدون البدن وآلاته وحواسه لا يمكنه التطور أبدا، وهذا يقتضي المحافظة على هذا البدن، سعيا لتحقيق الغاية التي وجد من أجلها، وهذا يستلزم أن يكون للبدن كمالاته أيضًا، التي لا بد من توفيرها، لأجل الوصول إلى ما وراءها.

من جهة أخرى، فإن البدن ما دام وسيلة وآلة لتحقيق الكمال، وليس غاية بحد ذاته، فلا بد من معرفة الغاية والهدف الذي يعمل البدن من أجله، إذ الغاية أشرف من الوسيلة على كل حال، وهذه الغاية هي النفس أو "الأنا"، التي تحقق الكمال وتصل إليه، وفيها تتحقق ذات الإنسان.

إن النفس الإنسانية، بما فطرت عليه من سعي إلى الكمال، وبحث عن الرفاه والراحة والدعة، تستحق أمورًا لا بد من تحقيقها للوصول إلى السعادة الكاملة، وهي تتطلب تكاملاً بين النفس والبدن.

فما هي حقوق كل من النفس والبدن على ذات الإنسان، وهل من حدود تحكم حركته وسعيه نحو الكمال؟

لا بد قبل الدخول في تفصيل هذه الحقوق من تحديد النفس والبدن، وما هو المراد بهما، ومعرفة ذات الإنسان، حيث إن البدن يشكل بُعده الظاهر والمادي، والنفس تشكل البعد الباطن والمجرد، أي إنما يشكلان البعد الدنيوي والأخروي إن صح التعبير . وهذان البعدان هما المرادان بالشعر المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام):

أتحسب أنك جرم صغير
 

 

وفيك انطوى العالم الأكبر
 

حقيقة النفس

النفس حقيقة الشيء وجوهره، وبهذا المعنى يقال شيء نفيس، ومصاديقها متكثرة، حيث تطلق على الدم كما يقال: له نفس سائلة، والروح كما يقال خرجت نفسه، والتنفس الذي هو الشهيق والزفير، وغير ذلك.

ومرد هذه المعاني إلى معنى واحد، هو أن جوهر الشيء وحقيقته هي التي تميزه وتجعله كريمًا ونفيسًا.

وقد ورد عن كميل بن زياد أنه قال: سألت مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت: يا أمير المؤمنين، أريد أن تعرفني نفسي.

قال: يا كميل، وأي الأنفس تريد أن أعرفك؟

قلت: يا مولاي! هل هي إلا نفس واحدة؟

قال: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية، والحسية الحيوانية، والناطقة القدسية، والكلية الإلهية.

ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان:

فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربية، ولها خاصيتان: الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد.

والحسية الحيوانية لها خمس قوى: سمع، وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ولها خاصيتان: الرضا والغضب، وانبعاثها من القلب.

والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر وذكر، وعلم وحلم، ونباهة، وليس لها انبعاث، وهي أشبه الأشياء بالنفوس الفلكية، ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة.

والكلية الإلهية لها خمس قوى: بهاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعز في ذل، وفقر في غناء، وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضا والتسليم. وهذه التي مبدؤها من الله وإليه تعود، قال الله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}([2])، وقال تعالى : {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}([3]) ، والعقل وسط الكل([4]).

لقد شملت هذه الرواية الشريفة كلا البعدين في الذات الإنسانية، أي المادي والمجرد، حيث يشكل القسمان الأولان، وهما النفس النباتية والحيوانية الحسية، بُعده المادي الذي هو البدن، وبيّنت كمالاته وخصائصه التي يمكن للإنسان الاهتمام به من خلال مراقبة الخواص، والعمل على تهذيبه وإيصاله إلى غايته الكبرى.

بينما يشكل الأخيران، أي الناطقة القدسية والكلية الإلهية، بُعده المجرد، وهو الروح والنفس، والذي هو حقيقة الإنسان، التي لا بد من أن يصل من خلال الاهتمام بها إلى هدف خلقه.

بين النفس والروح

وهنا تطرح علاقة النفس والروح، وهل هما متباينتا الذات، أم متحدتان، وعلى فرض الاختلاف والتباين فأي نوع من العلاقة التي تربط بينهما.

بمعزل عن إطالة الكلام والأخذ والرد في البحوث الفلسفية، فإن إرجاع المسألة إلى الأصول اللغوية يدل على أن الروح والنفس بمعنى واحد، وهو ما يستفاد من الرواية المذكورة آنفًا، حيث بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النفس الكلية أنها مدلولة لقوله تعالى : {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، وكذلك لقوله تعالى {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}.

كما ذكر أحمد بن فارس أن الروح مشتق من الريح، ولذلك يقال أراح الإنسان إذا تنفس([5]).

وقد ورد هذا المعنى في روايات أئمة الهدى (عليهم السلام)، فعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، كيف هذا النفخ؟ فقال: إن الروح متحرك كالريح، وإنما سمي روحًا لأنه اشتق اسمه من الريح، وإنما أخرجه على لفظة الريح لأن الروح مجانس للريح، وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتًا من البيوت فقال بيتي...([6]).

وفي باب نفس قال، أي أحمد بن فارس،: "يدل على خروج النسيم كيف كان، من ريح أو غيرها، ومنه التنفس: خروج النسيم من الجوف"، وفي الحديث "لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن"([7]).

ويستفاد وحدة المعنى بين الروح والنفس، بحسب اصطلاح الحكماء، من كلام الشريف الجرجاني في كتاب التعريفات أيضا، فليلاحظ.

ومهما يكن من أمر، فإن الحديث عن النفس هو حديث عن الروح ببعض المعاني، سواء في اللغة أم في الاصطلاح، وكذلك العكس.

كما أنه استنادًا إلى الرواية المذكورة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن الحديث عن النفس وحقوقها هو حديث عن البدن وحقوقه أيضًا كما سنرى.

بين النفس والبدن

أشرنا في ما سبق إلى أن البدن يشكل البعد المادي للإنسان في الحياة الدنيا، وأنه وسيلة للوصول بالإنسان إلى مراتب الكمال، وبدونه تبقى النفس عاجزة عن الوصول إلى مبتغاها وغايتها. ولهذا فإن المحافظة على البدن محافظة على النفس والإنسان، فإن فقدان أي حاسة من حواس الإنسان الظاهرية الخمس، سيؤثر سلبًا على معرفة الإنسان الكلية، المتعلقة بتلك الحاسة، لأن من يفقد حاسة البصر مثلاً لا يمكنه إدراك الألوان، مهما جهدنا في توصيفها له، ولهذا فإن إدراكه لها لا يرقى إلى مستوى الواقعية والمباشرة، بل يبقى أسير التوصيف والمقاربة الخارجية فقط، ولهذا قيل بأن من فَقَدَ حسًا فَقَدَ علمًا.

إن الوصول إلى الكمال وتحصيل السعادة الحقيقية متوقف على العلم والمعرفة، وهذا من البديهيات التي لا جدال فيها ولا نقاش، ولهذا أكثر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من الحث على تحصيل العلم، حتى حصر خشية الله تعالى بالعلماء دون سواهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}([8])، حيث إن غيرهم يسيرون على غير هدى ويخبطون خبط عشواء.

وهذا يعني أن على الإنسان، في سيره التكاملي وسعيه نحو الله تعالى، لا بد وأن يبقى مسلحًا بكافة ألوان المعرفة، وهو يقتضي المحافظة على آلاتها ووسائلها، والتي هي الحواس الخمس الظاهرة، ليتمكن من خلالها من الولوج في كافة الفروع المعرفية، التي تحقق له الغاية المنشودة وهي الاتصال واللقاء المطلق بالله تعالى.

إن هذه المعرفة المتكاملة تستلزم المحافظة على النفس النباتية، والتي فيها نمو الإنسان الجسدي وتحصيله القدرة والكمالات البدنية، وكذلك النفس الحيوانية التي فيها نمو الإنسان على مستوى الحواس الخمس الظاهرة.

وهاتان النفسان هما اللتان تشكلان البعد المادي والجسدي للإنسان، كما بيّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثه المتقدم لكميل بن زياد النخعي.

فإن هاتين النفسين هما المدخل الطبيعي للكمال الروحي والنفسي للإنسان، وإذا كان كماله موقوفًا عليهما، بكافة قواهما وخواصهما، فإن الوصول إلى الكمال موقوف على المحافظة على كل قوة من قواهما، وخاصية من خواصهما كما تقدم.

ولازم ذلك أن لكل قوة وخاصية من قوى النفس -أي النفوس الأربعة المذكورة في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)- حقوقًا يجب على الإنسان مراعاتها والمحافظة عليها، وهو مسؤول بشكل مباشر عن كل ما يتعلق بها من آثار إيجابية أو سلبية في حياته الدنيا، لأن كل ذلك يؤثر عليه في عاجله وآجله على حد سواء.

حقوق البدن

لقد أولى الإسلام أهمية خاصة لصحة البدن وسلامته، وجعل المحافظة عليه واجبًا شرعيًا، ولا يجوز إهماله والتهاون فيه، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لبعض أصحابه، الذي أهمل بدنه وترك الاهتمام بشأنه: "يا عدي نفسه إن لبدنك عليك حقا"([9]).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما شكى له العلاء بن زياد الحارثي أخاه عاصم، لأنه لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال (عليه السلام) : عليّ به، فلما جاء قال له: يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث أما رحمت أهلك وولدك. أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها"([10]).

وكثيرة هي الأخبار الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) التي تحث على الاهتمام بالبدن وسائر الأعضاء، كالحديث الوارد عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: "اعلم يرحمك الله أن الله تبارك وتعالى لم يُبح أكلا ولا شربًا إلا ما فيه من المنفعة والصلاح، ولم يحرم إلا ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكل نافع مقوٍّ للجسم فيه قوة للبدن فحلال، وكل مضر يذهب بالقوة أو قاتل فحرام"([11]).

وعنه (عليه السلام) في جواب مسائل محمد بن سنان، كتب: "حرمت الميتة لما فيها من إفساد الأبدان والآفة...([12]).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في أجوبة مسائل الزنديق قال: فلم حرم الدم المسفوح، قال (عليه السلام): "لأنه يورث القساوة ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن ويغير اللون، وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم"([13]).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، في جواب من سأله، لم حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، قال (عليه السلام): "إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم ما سوى ذلك من رغبة في ما أحل لهم ولا زهد في ما حرم عليهم، ولكنه عز وجل خلق الخلق وعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحها فأحله لهم وأباحه، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه، ثم أحله للمضطر في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأحله بقدر البلغة لا غير ذلك. ثم قال (عليه السلام): أما الميتة فإنه لم ينل أحد منها إلا ضعف بدنه وأوهنت قوته الخ...الحديث"([14]).

هذا جزء يسير من الأحاديث الكثيرة التي تُبيّن أهمية البدن ووجوب المحافظة عليه، بل إن ملاك الحلال والحرام، بحسب هذه الروايات وغيرها، دائر على العموم مدار صحة البدن وسلامته ومرضه وسقمه.

وأما الروايات الشريفة، التي تتحدث عن ضرورة المحافظة على كل عضو من أعضاء البدن، والتي تبين كيفية ذلك، فخارجة عن حد الحصر والإحصاء.

موقع النفس

أشرنا في ما تقدم إلى أن النفس تحتاج إلى البدن في تحصيل كمالاتها في عالم الدنيا، وليس لها غنى عنه في هذه الحياة، وقسّمها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحديث المتقدم في صدر البحث إلى أربعة أقسام، قسمان منها عبارة عن البدن وكمالاته، وقسمان عبارة عن عالم الروح وكمالاته.

وما دامت حاجات البدن ضرورية وأساسية في تحصيل كمالات النفس، وما دامت الغاية القصوى للإنسان هي خلاصه وتحقيق سعادته على المستوى الدنيوي والأخروي، فإن السعادة المنشودة موقوفة على تحقيق هذه الكمالات النفسية والبدنية على حد سواء.

فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:

"جوارح الإنسان وعروقه وأعضاؤه جنود لله مجندة عليه، فإذا أراد الله به سقمًا سلطها عليه فأسقمه من حيث يريد به ذلك السقم"([15]).

إلا أن تحقيق كمالات النفس والوصول بها إلى معارج السعادة والكمال موقوف على معرفة نفسه وحاجاتها ومقتضياتها، وما ينفعها وما يضرها، ومن هنا ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أن: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) طريق معرفة النفس وحدودها، وهو يظهر أن النفس بكمالاتها مرتبطة بشكل كامل بعالم البدن، على نحو يؤدي إلى أن حصول أي خلل في قوى البدن ينعكس بالضرورة على بعد من أبعاد النفس الإنسانية، وهذا يدل على أهمية البدن والمحافظة على سلامته في الإسلام، وبدونه لا يمكن تحقيق السعادة والخلاص.

يقول الإمام (عليه السلام): "عرفان المرء نفسه أن يعرفها بأربع طبائع، وأربع دعائم وأربعة أركان، طبائعه: الدم، والمرة، والريح، والبلغم. ودعائمه: العقل - ومن العقل الفطنة - والفهم، والحفظ، والعلم. وأركانه: النور، والنار، والروح، والماء، فأبصر وسمِعَ وعَقِل بالنور. وأكل وشرب بالنار. وجامع وتحرك بالروح ووجد طعم الذوق والطعم بالماء، فهذا تأسيس صورته.

فإذا كان عالمًا حافظًا ذكيًا فطنًا فَهِمًا عرف في ما هو، ومن أين تأتيه الأشياء، ولأي شيء هو هاهنا، ولما هو سائر بإخلاص الوحدانية والإقرار بالطاعة، وقد جرى فيه النفس وهي حارة، وتجري فيه وهي باردة. فإذا حلّت به الحرارة أشر وبطر وارتاح وقتل وسرق ونصح واستبشر وفجر وزنى واهتز وبذخ، وإن كانت باردة اهتم وحزن واستكان وذبل ونسي وأيس. فهي العوارض التي تكون منها الأسقام، فإنه سبيلها، ولا يكون أول ذلك إلا الخطيئة عملها، فيوافق ذلك مأكل أو مشرب في إحدى ساعات لا تكون تلك الساعة موافقة لذلك المأكل والمشرب بحال الخطيئة، فيستوجب الألم من ألوان الأسقام"([16]).

النفس في القرآن الكريم

لقد تحدث القرآن الكريم عن النفس باعتبارها ميزان التفريق بين الخير والشر، وأنها أساس الأعمال التي تسمو بالإنسان إلى أرقى مراتب الارتباط بالله تعالى، أو التي تهوي به إلى دركات الرذيلة التي تبعده عنه تعالى، بعدما زودها تعالى بالقدرة على فعل كل منهما، تاركًا لها حرية الاختيار، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}([17]).

كما قسّمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار القوى التي تشتمل عليها، والملكات التي تحصلها، وهي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة.

النفس الأمارة بالسوء

والمراد بها القوة الدافعة نحو الرذائل والسيئات، فهي التي تحسّن القبيح وتقبّح الحسن، من خلال إشباع رغبات البدن، ويغلب عليها شهوات البطن والفرج.

إلا أن ذلك لا يعني أن وجود هذه القوى والشهوات أمر سيء فينا، بل إن وجودها ضروري من حيث المبدأ، وذلك أن هذه القوى تشكل نحوًا من كمالات البدن، التي لا يستقيم البدن أو النفس إلا بإشباعها، لكن الكلام في كيفية هذا الإشباع، والسيطرة عليه، من دون افراط أو تفريط، فإن الإفراط بها يهدم البدن ويعيق تكامله، وكذلك التفريط بها لا يخلو من محاذير شديدة قد تؤدي إلى أزمات نفسية ومشكلات اجتماعية تترتب عليها.

وقد عمل الإسلام على تنظيم هذه القوى من خلال الشريعة المحمدية المباركة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع، بقوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}([18]).

وهذه النفس هي المقصودة بقوله (عليه السلام): "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"([19])، وهي التي حث النبي الأعظم على مجاهدتها ومخالفتها، وأطلق على محاربتها اسم الجهاد الأكبر في الحديث المشهور عنه.

النفس اللوامة

قال تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} ([20]).

وقد تكثّرت الآراء في تفسير النفس اللوامة وبيان المراد منها، ولكن الأوفق بحسب السياق والدلالة، هي ما يعبر عنه في هذه الأيام بالضمير أو الوجدان الأخلاقي، حيث إن كلمة اللوامة، صيغة مبالغة من اللوم، أي النفس التي تلوم صاحبها كثيرًا، وهو ما يتأتى عند اقتراف الإنسان خطأً معينًا، أو معصيةً تجاه نفسه أو خالقه تعالى، أو مجتمعه.

وذلك أن الإنسان قد زُوّد في أصل وجوده بكافة القوى الخيرة والشريرة، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}.

إلا أنه لما كان يسعى إلى الكمال بحسب جبلته وفطرته، وهو ما يتنافى مع الرذيلة وأعمال الشر، فإن الفطرة تدفعه إلى الندم وملامة نفسه عند اقتراف ما يخالف كماله المنشود بواسطة أفعاله.

ويستوي في هذه الملامة أو عذاب الضمير كلٌ من المؤمن والكافر بحسب الظاهر، وهذه النفس اللوامة هي التي تشكل الضمانة للإنسان في طريق هدايته، ورجوعه عن الخطايا والموبقات، وعودته إلى جادة الصواب.

النفس المطمئنة

وهي النفس التي استقرت وسكنت نتيجة استقامتها وارتباطها بالله تعالى، وطاعتها المطلقة له تعالى، بحيث يفنى العبد فيه تعالى، لا يرى لنفسه أي خصوصية أو وجود بمعزل عن ربه عز اسمه، فلا تصدر منه أية حركة أو سكنة إلا عن أمره تعالى، وهو ما يجعلها مطمئنة وراضية مرضية، كما قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} ([21]).

ومن الظاهر أنه لا يصل إلى مستوى النفس المطمئنة إلا الأوحدي من الناس كالأنبياء والأولياء، وأما أكثر الناس فإنهم يترددون بين القسمين الأولين، أي بين من غلبت عليه النفس الأمارة، وبين من بقي فيه شيء من النفس اللوامة، التي يمكن أن تحاسبه وتلومه على اقتراف الخطايا، وتدفعه إلى العودة إلى جادة الصواب قبل أن يقفل على نفسه أبواب الهداية والرشاد.

ولهذا نجد أن أكثر الناس، يعيشون الأزمات والمشكلات النفسية والاجتماعية وغيرها، بحثًا عن الراحة والسعادة، ولا يقدرون على تحصيلها، خصوصا إذا لم يسلكوا طريق الهداية التي رسمها لهم الإسلام الحنيف، بعد ما ظنوا من أنفسهم القدرة على تحصيلها بمعزل عن التعاليم الإسلامية السامية.

وهذا ما يدعونا إلى اختصار حقوق النفس على الإنسان، التي تؤهله للوصول إلى ما يرجوه في عاجله وآجله.

حقوق النفس

ينبغي الإشارة هنا إلى أن الحديث عن حقوق النفس ناظر إلى النفس الإنسانية بمعزل عن تقسيماتها المتقدمة، بل نريد من خلاله بيان ما يقتضي إصلاح النفس بمعنى الذات أي "الأنا" وهي شاملة لكل الأقسام المتقدمة.

إنه لما كانت النفس تنزع بطبيعتها إلى تحقيق ذاتها وتحصيل مصالحها، وتنفر عما ينافي هذه المصالح والكمالات، فلا بد من أن تتعرف على ما ينفعها وما يضرها قبل كل شيء، ولما كانت قاصرة بذاتها عن الإحاطة بكل ذلك، وجب أن تستهدي بغيرها من الوحي والعقل وتجارب الآخرين.

إلا أن الوحي يشكل قمة المعارف الممكنة للإنسان لأنه لا مجال فيه للخطأ والاشتباه، إذ إن تجارب الآخرين محفوفة بكثير من الأوهام والقراءات الخاطئة والتطبيقات المنحرفة. كما أن العقل كثير التأثر بعالم المادة وشوائبها، فيمكن أن تختلط عليه الأمور فيظن أن ما يصلحه مضر له، وأن ما يضره مصلحة له، فيقع في الاشتباه والخطأ أيضًا، ولا يعني ذلك عدم قدرة العقل على الإدراك لو أمكنه التجرد الخالص، وهو أمر غير متيسر لكل إنسان كما هو ظاهر.

من هنا كان الوحي الإلهي، من كتاب وسنة، يشكل المعيار الأساسي في بيان المصالح والمفاسد، التي تتعرض لها النفس في مسيرتها الدنيوية.

ولا يخفى أن ما يبيّنه الشارع المقدس، من تشريعات ووسائل تهذيب النفس، سواء في الكتاب أو السنة، كثيرًا ما يبدو مخالفا لما يتطلع إليه عامة الناس، فيحتاج الناس إلى معرفة هذه التشريعات ومحاولة التفاعل معها، والعيش على طبقها من خلال الممارسة السلوكية، بعد تحصيل القناعة بأن الشارع المقدس أعلم بما يصلح الإنسان وما يفسده.

1- من هنا يظهر أن أول حق من حقوق النفس على الإنسان هو تثقيفها بالمعارف الإلهية والعقائد الحقّة وما فيه مصلحتها من سبل الخير والهداية، سواء على المستوى الدنيوي أو على المستوى الأخروي، ولهذا اشتهر على ألسنة العلماء أن "المرء عدو ما يجهل" .

2- فإذا تمت معرفة الإنسان بهذا الحق، وأمكنه أن يثقف نفسه بما يلزم، يتجلى الحق الثاني لنفسه عليه، وهو العمل على وضع هذه المعارف موضع التنفيذ العملي، وتطبيق هذه المعارف في واقعه الحياتي، وهذا ما لا يتأتى له إلا برياضة النفس، ودفعها إلى الالتزام بما عرفته على المستوى النظري.

ولما كانت النفس الإنسانية تنزع بطبيعتها إلى المحسوس، نتيجة أنسها بعالم المادة والبدن، فإن وضع المعارف موضع التنفيذ والسلوك العملي يتطلب مجاهدة لهذه النفس، وسعيًا دائبًا لقهرها وكسر شهواتها المختلفة، وقد اشتهر الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأصحابه بعد عودتهم من إحدى الغزوات: "مرحبا بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: وما هو الجهاد الأكبر يا رسول الله، قال: جهاد النفس"([22]).

إلا أن كسر شهوات النفس، لا يعني منعها من الظهور بالمرة، بل المراد تنظيم هذه الشهوات على نحو يكون في صالح الفرد والجماعة الإنسانية كلها، فإن هذه الشهوات، خصوصًا شهوة البطن والفرج، وجدت لصالح الإنسان، وتنظيم حياته على الوجه الأفضل والأكمل.

3- ولكن ذلك لا يعني سهولة الطريق أمامه، وإلا لم يكن جهاد النفس الجهاد الأكبر، بل لا بد أن يترافق السلوك العملي ورياضة النفس، مع العمل على إصلاح السريرة، وهذا هو الحق الثالث من حقوق النفس، وذلك أن السلوك العملي إذا اقتصر على إخضاع الجوارح، بحسب ما يظهر للآخرين، فإنه يؤدي إلى الابتلاء بالنفاق والرياء، من هنا لا بد للمرء من أن يُقَوِّمَ الظاهر وأن يخضعه لموازين الباطن، ويكون ذلك بتنقية النفس في ذاتها عن كل ما يشوب سلامتها ورقيها في درجات الكمال، والأخلاق الحميدة والفاضلة.

4- ولما كانت النفس الإنسانية تنزع إلى الشهوات، وكان لا بد من مجاهدتها، بغية إصلاحها، استوجب ذلك مراقبتها ومحاسبتها عند كل مفصل ومنعطف من سلوكياتها، لتقويم ما أعوج من أفعالها، والانطلاق بها في تحصين ما حصله من خصال حميدة في مسيرته التكاملية.

وقد وردت الكثير من الأحاديث الشريفة، التي تحث على محاسبة المرء نفسه في كل يوم، وأن أفضل أوقات المحاسبة ساعة النوم، فإنه حين يخلد إلى الراحة والسكينة، يكون قد ترك يومه، بما فيه من مشاكل ومحاسن، ليؤسس ليوم عمل جديد، فيكون هذا الوقت أفضل الأوقات للمحاسبة، واستذكار ما فعله من حسنات، فيعمل على إتمامها والاستمرار بها، وما فعله من أخطاء وقبائح، فيعمل على تركه وإصلاحه.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن النفس الإنسانية، مطواعة بفطرتها، بمعنى أن الإنسان قادر على تربية نفسه وتهذيبها، من خلال سلوكه وأعماله، فإذا حكّم عقله على نفسه انقادت وتجلّت كمالاتها، حتى يصير السلوك ملكة فاضلة فيه.

وأما إذا تركها لإشباع رغباتها وأهوائها، من دون محاسبة ومراقبة، أدت إلى تقييد العقل عن التأثير فيها، وفي ذلك الخسران المبين.

تمت المقالة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة الانشقاق، آية: 6 .

([2]) الحجر: من الآية29 .

([3]) الفجر:27-28 .

([4]) بحار الأنوار: 61/84 .

([5]) معجم مقاييس اللغة، باب روح، ص408 .

([6]) بحار الأنوار : 61/28 .

([7]) معجم مقاييس اللغة، باب روح، ص460.

([8]) سورة فاطر، من الآية: 28 .

([9]) أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات: 4/239 .

([10]) نهج البلاغة، عبده: 2/187 .

([11]) بحار الأنوار: 65/166.

([12]) نفسه، ص165.

([13]) نفسه، ص162.

([14]) نفسه ص163.

([15]) بحار الأنوار: 61/302 .

([16]) بحار الأنوار: 61/302 .

([17]) سورة الشمس ، آية: 7 إلى 10 .

([18]) سورة يوسف، آية: 53 .

([19]) عوالي اللئالي ، الأحسائي ، ط1 ، 1403هـ ، دار سيد الشهداء ، قم : 4/118 .

([20]) سورة القيامة، الآية: 1-2 .

([21]) سورة الفجر، آية: 27-30 .

([22]) وسائل الشيعة : 11/122 .

 

 

رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام)

الشيخ أحمد صمادي

التعريف بالرسالة

رسالة الحقوق هي: للإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، رابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، يلقب بزين العابدين وسيد الساجدين وذي الثفنات والسجاد والزكي و... ويكّنى بأبي الحسن.

ولد (عليه السلام) في المدينة المنورة يوم الجمعة الخامس من شعبان سنة 38 هـ([1])، عاش مع جده أمير المؤمنين (عليه السلام) سنتين، ومع عمه الحسن (عليهما السلام) اثنتي عشرة سنة، ومع والده الحسين (عليه السلام) اثنتين وعشرين سنة.

تولى الإمامة يوم العاشر من محرم بعد شهادة والده سيد الشهداء (عليه السلام)، واستمرت إمامته ما يقارب أربعًا وثلاثين سنة إلى أن استشهد سلام الله عليه عن عمر ناهز السبع والخمسين سنة في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام سنة خمس وتسعين للهجرة ([2]) بواسطة سمٍّ دسَّ إليه (عليه السلام) في طعامه بأمر الوليد بن عبد الملك، ودفن في بقيع الغرقد في المدينة المنورة بجانب عمه الحسن المجتبى (عليه السلام).

تشتمل رسالة الحقوق على إحدى وخمسين حقًا، منها ما يهتم بتربية الإنسان على الأسس الصحيحة التي تحكم علاقات الإنسان بربه سبحانه وتعالى ثم بإخوانه المؤمنين ثم بنظرائه من سائر البشر ثم بسائر من يحيط به مما لا بد من التعامل معه.

ومنها ما يهتم ببناء الإنسان من الداخل ويساعده على بناء ذاته ويعطيه شحنة عقائدية وإيمانية ليسير في الخط الصحيح ويرقى إلى درجات السمو الروحي والارتباط بالله عز وجل، وقد اهتمّت رسالة الحقوق بالسلوكيات الشخصية وضبط الجوارح من اللسان والسمع والبصر واليد والرجل وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، بالإضافة إلى تأكيدها على الالتزام بالأحكام الإلهية في مختلف المجالات، فيمكن اعتبارها بحق أنموذجًا رائدًا لكل وثائق وإعلانات حقوق البشر في العالم مع أنها جاءت قبلها بقرون متمادية، فإنه (عليه السلام) وضع مواد قانونية يمكن اعتبارها من أهم ما كتب حول الحقوق بل أول إعلان إسلامي بل عالمي لحقوق الإنسان، تنطلق بالإنسان نحو عالم أفضل وأكمل لأنها تعمل على تغيير المحتوى الروحي للإنسان، فإنها رسالة توجّهت إلى النفس الإنسانية وعالجت أدقّ التفاصيل التي ترتبط بسريرة الفرد وعلاقته بربه ومجتمعه وكل من حوله، وهي تُعنى بسلامة المجتمع النفسية والروحية، وتُصلِح الأمة روحيًا وفكريًا وثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإداريًا، ففيها الحقوق التي ترتبط بأمر الحكم والدولة مثل حقّ السلطان والرعية وكيف يُتعامل معهما حتى تقوم الدول وتنهض، وحقوق أهل الملّة عامة وأهل الذمّة خاصة، والحقوق المالية وغيرها مما يرتبط بتنظيم الحياة الاجتماعية، وكل ما يرتبط بحياة عزيزة وكريمة للأمة بأسرها.

فهذه الدرّة الثمينة دستور عام يتضمن كل ما تحتاجه البشرية من حقوق، فلم يترك (عليه السلام) حقًا من حقوق الله على عباده، أو حقوق العباد مع أنفسهم أو حقوق العباد بعضهم على بعض إلا ذكره ونبّه عليه، وقد قدّم الأهم فالأهم، وقد بدأها (عليه السلام) بإجمال كالفهرس، ثم فصّلها حقًا حقًا.

سند رواية الرسالة

وقد رويت في الكتب المعتبرة وتلقّاها كبار المحدّثين بالقبول بإيرادها في كتبهم، المؤلّفة للعمل، خصوصًا كتاب من لا يحضره الفقيه الذي وضعه الصدوق عليه الرحمة ليكون حجّة بينه وبين الله جلّ ذكره، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع، وقد ذكرها في باب الحقوق، قال: روى إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين علي بن الحسين قال: حقّ الله الأكبر عليك... الخ ([3])، ورواها في الخصال في أبواب "الخمسين وما فوقه" بسنده عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي باختلاف يسير، وفي الأمالي (المعروف بالمجالس) في المجلس التاسع والخمسون مجلس يوم الجمعة الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة بسنده عن إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)([4]).

ورواها الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني في تحف العقول مرسلة إلى الإمام (عليه السلام) مع تفصيل أكبر مما في كتب الصدوق تحت عنوان: رسالته (عليه السلام) المعروفة برسالة الحقوق([5]).

ورواها السيد ابن طاووس عن الشيخ الكليني في رسائل الأئمة (عليهم السلام) قال: وروينا بإسنادنا في كتاب الرسائل: عن محمد بن يعقوب الكليني، بإسناده إلى مولانا زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: فأما حقوق الصلاة، فأن تعلم أنها وفادة إلى الله إلخ (مما يفيد أنها رسالة وجهت إلى بعض أصحابه (عليه السلام))([6]).

وعنونها النجاشي في رجاله برسالة الحقوق وأسندها عند ترجمة أبي حمزة الثمالي (ثابت بن دينار) قال: وله رسالة الحقوق عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، أخبرنا أحمد بن علي قال: حدثنا الحسن بن حمزة قال: حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)([7])، وذكرها في البحار نقلاً عن الخصال تحت عنوان جوامع الحقوق([8])، وذكرها في الوسائل نقلا عن الصدوق في الفقيه تحت باب: (جملة مما ينبغي القيام به من الحقوق الواجبة والمندوبة)([9]) وقد شرحت بعدة شروح وتناولها العلماء بالبحث والتدقيق .

 نصّ الرسالة

ونكتفي بذكر ما أورده الشيخ الصدوق عليه الرحمة في الخصال لوجود المقدمة فيها التي لا توجد في الفقيه ولاختصارها عما في تحف العقول لأن المجال لا يسع التطويل.

 وسنوردها بحسب رواية الصدوق في الخصال في أبواب الخمسين وما فوقه بسنده عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي قال:

هذه رسالة علي بن الحسين (عليه السلام) إلى بعض أصحابه:

اعلم أن لله عز وجل عليك حقوقًا محيطة بك في كل حركة تحركتها أو سكنة سكنتها، أو حال حلتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها أو آلة تصرفت فيها. فأكبر حقوق الله تعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو أصل الحقوق، ثم ما أوجب الله عز وجل عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك، فجعل عزّ وجل للسانك عليك حقًا، ولسمعك عليك حقًا، ولبصرك عليك حقًا وليدك عليك حقًا، ولرجلك عليك حقًا، ولبطنك عليك حقًا، ولفرجك عليك حقًا، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.

ثم جعل عزّ وجل لأفعالك عليك حقوقًا: فجعل لصلاتك عليك حقًا، ولصومك عليك حقًا، ولصدقتك عليك حقًا، ولهديك عليك حقًا، ولأفعالك عليك حقوقًا.

ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق عليك، فأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك. فهذه حقوق يتشعب منها حقوق.

فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك: حق سائسك بالسلطان، ثم حق سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك. وكل سائس إمام([10])، وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك: حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم فان الجاهل رعية العالم، ثم حق رعيتك بالملك، من الأزواج وما ملكت الإيمان.

وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة وأوجبها عليك: حق أمك ثم حق أبيك ثم حق ولدك ثم حق أخيك، ثم الأقرب فالأقرب والأولى فالأولى.

ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجارية نعمتك عليه، ثم حق ذوي المعروف لديك، ثم حق مؤذنك لصلاتك، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه([11])، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذي تدّعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد، ثم حق أهل ملتك عليك، ثم حق أهل ذمتك ([12])، ثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال، وتصرف الأسباب.

فطوبى لمن أعانه الله على ما أوجب عليه من حقوقه، ووفقه لذلك وسدده.

1- فأما حق الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئًا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة.

2- وحق نفسك عليك أن تستعملها بطاعة الله عز وجل فتؤدي إلى لسانك حقه والى سمعك حقه، والى بصرك حقه، والى يدك حقها، والى رجلك حقها، وإلى بطنك حقه، والى فرجك حقه، وتستعين بالله على ذلك.

3- وحق اللسان إكرامه عن الخنى([13]) وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة فيها، والبر بالناس وحسن القول فيهم.

4- وحق السمع تنزيهه عن سماع الغيبة وسماع ما لا يحل سماعه.

5- وحق البصر أن تغمضه عما لا يحل لك، وتعتبر بالنظر به.

6- وحق يدك أن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك.

7- وحق رجليك أن لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك فيهما، تقف على الصراط فانظر أن لا تزل بك فتتردى في النار.

8- وحق بطنك أن لا تجعله وعاء للحرام، ولا تزيد على الشبع.

9- وحق فرجك أن تحصنه عن الزنا، وتحفظه من أن يُنظر إليه.

10- وحق الصلاة أن تعلم أنها وفادة إلى الله عز وجل وأنك فيها قائم بين يدي الله عز وجل فإذا علمت ذلك قمت مقام الذليل الحقير، الراغب الراهب، والراجي الخائف المستكين المتضرع، المعظم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار، وتقبل عليها بقلبك وتقيمها بحدودها وحقوقها.

11- وحق الحج أن تعلم أنه وفادة إلى ربك، وفرار إليه من ذنوبك، وبه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله عليك.

12- وحق الصوم أن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وبطنك وفرجك، ليسترك به من النار، فإن تركت الصوم خرقت ستر الله عليك.

 13- وحق الصدقة أن تعلم أنها ذخرك عند ربك عز وجل ووديعتك التي لا تحتاج إلى الإشهاد عليها، وكنت بما تستودعه سرًا أوثق منك بما تستودعه علانية وتعلم أنها تدفع البلايا والأسقام عنك في الدنيا، وتدفع عنك النار في الآخرة.

14- وحق الهدي أن تريد به الله عز وجل ولا تريد به خلقه ولا تريد به إلا التعرض لرحمة الله ونجاة روحك يوم تلقاه.

15- وحق السلطان أن تعلم أنك جعلت له فتنة وأنه مبتلى فيك بما جعل الله عز وجل له عليك من السلطان، وأن عليك أن لا تتعرض لسخطه، فتلقي بيديك إلى التهلكة، وتكون شريكا له فيما يأتي إليك من سوء.

16- وحق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدًا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدًا، ولا تغتاب عنده أحدًا، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوًا ولا تعادي له وليًا، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته، وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس.

17- فأما حق سائسك بالملك فأن تطيعه ولا تعصيه إلا فيما يسخط الله عز وجل فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

18- وأما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك، فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم.

19- وأما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيّما لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه، فان أحسنت في تعليم الناس، ولم تخرق بهم ([14])، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله، وإن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقًا على الله عزّ وجل أن يسلبك العلم وبهاءه ويسقط من القلوب محلك.

20- وأما حق الزوجة فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكنًا وأنسًا فتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فان لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها.

21- وأما حق مملوكك فأن تعلم أنه خلق ربك وابن أبيك وأمك ولحمك ودمك، لم تملكه لأنك صنعته دون الله ولا خلقت شيئا من جوارحه، ولا أخرجت له رزقًا، ولكن الله عز وجل كفاك ذلك ثم سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه، ليحفظ لك ما تأتيه من خير إليه، فأحسن إليه كما أحسن الله إليك، وإن كرهته استبدلت به، ولم تعذب خلق الله عز وجل ولا قوة إلا بالله.

22- وأما حق أمك فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبالِ أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحر والبرد، لتكون لها، فانك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه.

23- وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله.

24- وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه.

25- وأما حق أخيك فأن تعلم أنه يدك وعزك وقوتك، فلا تتخذه سلاحًا على معصية الله، ولا عدة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوه، والنصيحة له، فان أطاع الله تعالى وإلا فليكن الله أكرم عليك منه ولا قوة إلا بالله.

26- وأما حق مولاك المنعم عليك، فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عز الحرية وأنسها، فأطلقك من أسر الملكة، وفكَّ عنك قيد العبودية، وأخرجك من السجن، وملكك نفسك، وفرغك لعبادة ربك، وتعلم أنه أولى الخلق بك في حياتك وموتك، وأنّ نُصرته عليك واجبة بنفسك، وما احتاج إليه منك، ولا قوة إلا بالله.

27- وأما حق مولاك الذي أنعمت عليه فأن تعلم أن الله عز وجل جعل عتقك له وسيلة إليه وحجابا لك من النار، وأن ثوابك في العاجل ميراثه، إذا لم يكن له رحم مكافأة بما أنفقت من مالك، وفي الآجل الجنة.

28- وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه، وتكسبه المقالة الحسنة، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله عز وجل، فإذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية، ثم إن قدرت على مكافأته يوماً كافأته.

29- وحق المؤذن أن تعلم أنه مذكر لك ربك عز وجل، وداع لك إلى حظك وعونك على قضاء فرض الله عليك، فاشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك.

30- وحق إمامك في صِلاتك فأن تعلم أنه تقلد السفارة فيما بينك وبين ربك عز وجل، وتكلم عنك ولم تتكلم عنه، ودعا لك ولم تدع له، وكفاك هول المقام بين يدي الله عز وجل، فإن كان نقص كان به دونك، وإن كان تمامًا كنت شريكه، ولم يكن له عليك فضل، فوقى نفسك بنفسه وصلاتك بصلاته فتشكر له على قدر ذلك.

31- وأما حق جليسك فأن تلين له جانبك، وتنصفه في مجاراة اللفظ، ولا تقوم من مجلسك إلا بإذنه، ومن يجلس إليك ([15]) يجوز له القيام عنك بغير إذنك، وتنسى زلاته وتحفظ خيراته، ولا تسمعه إلا خيرا.

32- وأما حق جارك فحفظه غائبا وإكرامه شاهدا ونصرته إذا كان مظلوما، ولا تتبع له عورة، فإن علمت عليه سوءًا سترته عليه، وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوة إلا بالله.

33- وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالتفضل والإنصاف، وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة، فان سبق كافأته، وتودّه كما يودّك، وتزجره عما يهم به من معصية، وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذابًا، ولا قوة إلا بالله.

34- وأما حق الشريك فإن غاب كفيته، وإن حضر رعيته، ولا تحكم دون حكمه، ولا تعمل برأيك دون مناظرته، وتحفظ عليه ماله، ولا تخنه فيما عز أو هان من أمره، فإن يد الله تبارك وتعالى على أيدي الشريكين ما لم يتخاونا، ولا قوة إلا بالله.

35- وأما حق مالك فأن لا تأخذه إلا من حله، ولا تنفقه إلا في وجهه، ولا تؤثر به على نفسك من لا يحمدك، فاعمل فيه بطاعة ربك، ولا تبخل به فتبوء بالحسرة والندامة مع التبعة ولا قوة إلا بالله.

36- وأما حق غريمك الذي يطالبك ([16]) فإن كنت موسرا أعطيته، وإن كنت معسرا أرضيته بحسن القول، ورددته عن نفسك ردا لطيفا.

37- وحق الخليط ([17]) أن لا تغره ولا تغشه ولا تخدعه، وتتقي الله تبارك وتعالى في أمره.

38- وحق الخصم المدعي عليك، فإن كان ما يدعي عليك حقًا كنت شاهده على نفسك، ولم تظلمه وأوفيته حقه، وإن كان ما يدعي باطلاً رفقت به ولم تأتِ في أمره غير الرفق، ولم تسخط ربك في أمره ولا قوة إلا بالله.

39- وحق خصمك الذي تدّعي عليه إن كنت محقًا في دعواك أجملت مقاولته، ولم تجحد حقه، وإن كنت مبطلاً في دعواك اتقيت الله عز وجل وتبت إليه وتركت الدعوى.

40- وحق المستشير إن علمت أن له رأيا أشرت عليه، وإن لم تعلم أرشدته إلى من يعلم.

41- وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه، وإن وافقك حمدت الله عز وجل.

42- وحق المستنصح أن تؤدي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به.

43- وحق الناصح أن تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك، فان أتى بالصواب حمدت الله عز وجل، وإن لم يوافق رحمته ولم تتهمه وعلمت أنه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك إلا أن يكون مستحقا للتهمة، فلا تعبأ بشيء من أمره على حال ولا قوة إلا بالله.

44- وحق الكبير توقيره لسنِّه، وإجلاله لتقدمه في الإسلام قبلك، وترك مقابلته عند الخصام، ولا تسبقه إلى طريق، ولا تتقدمه، ولا تستجهله، وإن جهل عليك احتملته وأكرمته لحق الإسلام وحرمته.

45- وحق الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له.

46- وحق السائل إعطاؤه على قدر حاجته.

47- وحق المسؤول إن أعطى فاقبل منه بالشكر والمعرفة بفضله، وإن منع فاقبل عذره.

48- وحق من سرّك الله تعالى به أن تحمد الله عز وجل أولاً ثم تشكره.

49- وحق من ساءك أن تعفو عنه، وإن علمت أن العفو يضر انتصرت. قال الله تبارك وتعالى {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ([18]).

50- وحق أهل ملتك إضمار السلامة والرحمة لهم، والرفق بمسيئهم وتألفهم واستصلاحهم، وشكر محسنهم وكفّ الأذى عنهم، وتحبّ لهم ما تحبّ لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تكون شيوخهم بمنزلة أبيك، وشبابهم بمنزلة إخوتك، وعجائزهم بمنزلة أمك، والصغار بالمنزلة أولادك.

51- وحق الذمة أن تقبل منهم ما قبل الله عز وجل منهم، ولا تظلمهم ما وفوا لله عز وجل بعهده، ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله محمد وآله ([19]).

فهذه إحدى وخمسون حقا محيطة بك لا تخرج منها في حال من الأحوال يجب عليك رعايتها، والعمل في تأديتها، والاستعانة بالله جل ثناؤه على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين ([20])

 مفهوم الحقّ

إذا عدنا إلى جذور هذا المصطلح نجده يعني الثبوت الذي لا يقبل التغيير.

فالحق لغة: هو الثابت الذي لا يجوز إنكاره من حَقّ الشيء يَحِقُ إذا وجب وثبت.

وفي اصطلاح أهل المعاني: الحكم المطابق للواقع، وهو ينطبق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل([21]).

وللحق ثلاثة أركان على الأقل:

1- صاحب الحق: وهو من ثبت له الحق وهو الله سبحانه أو الإنسان أو...

2- من عليه الحق: وهو المكلف المدين بأداء الحق لغيره.

3- محل الحق: وهو الأمر الذي ينبغي القيام به على الوجه الذي رسمه تعالى وعيّنه النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد استعمل الحق في القرآن في ذات الله تعالى إحدى عشرة مرة كما في آية: {الملك الحق}([22])، وقوله تعالى: {وأن الله هو الحق المبين}([23])، كما نُسب إلى أفعاله تعالى في أكثر من آية كقوله تعالى: {إن وعد الله حق}([24])، وقوله تعالى: {والله يقول الحق}([25])([26]).

فالحق أمر واقعي لا يتصور التغيير، ولا معنى للاعتبار الذهني فيه. ولكن انتزع من لفظ الحق مفهوم أُطلق عليه كلمة الحق، واستعمل في مجال العلاقات والسلوك، وتحول إلى حالة قانونية تنظم علاقات الناس ببعضهم أفرادًا وجماعات وشعوبًا وحكومات كحق الوالدين وغيرهم.

ويمكن أن يراد من الحق بمعناه العام الوارد في الرسالة: بأنه مجموعة من القوانين والنصوص التي تنظم علاقات الناس بربهم وببعضهم.

ظروف الرسالة

الظرف الذي عاشه الإمام السجاد (عليه السلام) من أخطر المراحل التي مرت على آل البيت (عليهم السلام) حيث عاش فاجعة الطفّ ومأساة كربلاء بكل شجونها، والسبي وما أعقب واقعة الطفّ، حيث تجرأ بنو أمية واعتدوا على حجة الله على خلقه، واستباحوا الدم الطاهر وقتلوا أفضل الخلق على وجه الأرض في زمانه سيد شهداء أهل الجنة، وسبط نبيهم محمد (صلى الله عليه وآله)، وانتهكوا حرمة الإسلام، وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسبوا عقائل الوحي وأهل بيت النبوة، وانتهكوا كل القوانين والنواميس، وحرمة الشرفاء والمقدسات، وضاعت قيم الدين والأخلاق من أنفس الناس، وماتت الضمائر، فطغى بنو أمية وتجبروا وتغطرسوا، وسادت شريعة الغاب، فارتكبوا الموبقات من دون أي رادع يردعهم، وأغرقوا المجتمع بالموبقات، وأشاعوا الفحشاء، وجاهروا بالشراب، وشجعوا على الغناء الخليع، وأقاموا الحفلات المختلطة والماجنة حتى في أقدس بقاع الأرض، مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي كانت تعتبر مركز الثقل للعالم الإسلامي، ونشروا الجهل والفجور لان مصلحتهم كانت تقتضي سياسة التجهيل والتضليل والظلم والترغيب والترهيب، وانتهاك الحقوق ونشر الفساد ليسيطروا على المجتمعات والأمّة، ولم يكن هناك نظام وقانون يخضعون له، بل كان القانون يخضع لمشيئتهم ورغباتهم .

ذكر سليم بن قيس تحت عنوان برنامج معاوية لإبادة الشيعة :

(إن معاوية كتب إلى عماله في جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته، فامحوه من الديوان ولا تجيزوا له شهادة). ثم كتب كتابًا آخر: (من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة أنه منهم فاقتلوه). فقتلوهم على التهم والظن، حتى لقد كان الرجل يغلط بكلمة فيضرب عنقه... وجعل الأمر لا يزداد إلا شدّة، وكثر عندهم عدوهم وأظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من الزور والبهتان([27])، فنشأ الناس على ذلك ومضى على ذلك قضاتهم وولاتهم وفقهاؤهم. وكان أعظم الناس في ذلك بلاء وفتنه القراء المراؤون المتصنعون، الذين يظهرون لهم الحزن والخشوع والنسك، ويختلقون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويتقربوا إليهم ويصيبوا بذلك الأموال والجوائز. حتى صارت أحاديثهم تلك ورواياتهم في أيدي من يحسب أنها حق وأنها صدق، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها وأبغضوا... فصار الحق في ذلك الزمان باطلا والباطل حقًا، والصدق كذبًا والكذب صدقًا)([28]).

وأشار الإمام السجاد في الصحيفة السجادية في دعائه يومي الأضحى والجمعة إلى ذلك حيث قال (عليه السلام):

اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة ([29])

وازداد الأمر سوءًا في زمن ولده يزيد "لعنه الله" الذي جاهر بارتكاب الموبقات والرذائل والفجور وشرب الخمور... فلم يكتفِ بما اقترف في واقعة كربلاء من الحرمات وسبي ذراري وعقائل الوحي، بل اعتدى أزلامه وأعوانه على مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد واقعة كربلاء، وأباحها لجنده لمدة ثلاثة أيام، فقتل أكثر من عشرة آلاف من أهلها بالإضافة إلى سبعماية من وجوه المهاجرين والأنصار وحفظة القرآن، واعتدوا على النساء حتى افتضت أكثر من ألف بكر، ونهبت مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يكتف بذلك بل أخذت البيعة من أهل المدينة على أنهم عبيد وفيء ليزيد يفعل بهم وبأموالهم وبذراريهم ما يشاء، ومن أبى منهم ضربت عنقه.

كل ذلك على مسمع من الإمام زين العابدين (عليه السلام)([30]).

وبعد واقعة الحرة هاجم الكعبة وحاصرها وضربها بالمنجنيق وأحرقها بعد لجوء عبد الله بن الزبير إليها فأحرقت وانهدمت، ولم يتراجعوا إلا بعد أن وصلهم نبأ موت يزيد عليه اللعنة([31])

 وكل ذلك كان يعايشه الإمام السجاد (عليه السلام) كما عايش (عليه السلام) بعد يزيد معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك.

ومن الولاة: الحجاج بن يوسف الثقفي، وعبيد الله بن زياد، وهشام بن إسماعيل والي المدينة. وغيرهم من حكام الجور والظلم، نعم عاش الإمام (عليه السلام) وسط هذا المجتمع المريض وفي ظل هذه الظروف القاسية والتي لا تحتمل والتي لا يمكن التغاضي عنها، فقام (عليه السلام) برد الناس إلى الإسلام وإلى تعاليمه السامية وقوانينه السمحاء التي تقتضيها الفطرة الإنسانية والوجدان.

 فبيّن لهم ما عليهم من حقوق ضمن رسالته الإنسانية الخالدة لتكون منارًا للبشرية وللمجتمعات بأسرها، والتي تضمنت الحقوق الثابتة لكل إنسان مهما كان عرقه وعنصره ولونه وجنسه ولغته .

 الهدف السياسي والاجتماعي لرسالة الحقوق

كانت سياسة بني أمية تعمل على القضاء على الإسلام وتشويهه كما عرفنا سابقًا من خلال الظرف الذي عاشه الإمام (عليه السلام)، فلم يبقَ من الإسلام إلا اسمه ومن الدين إلا رسمه، ولم يراعوا أية حرمة، وعطلوا القوانين والسنن وغيّروا كل شيء حتى الصلاة، ولم يبقَ لديهم مما كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا استقبال القبلة، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) (لا والله ما هم على شيء مما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا استقبال الكعبة فقط([32]).

 ونسب إلى الحسن البصري أنه قال: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم([33]).

فابتعد الناس عن الدين واختلط الأمر عليهم بسبب محدثي السلاطين، فاحتاجوا إلى من يعرفهم على الإسلام والدين الصحيح، وبيان واجباتهم وما عليهم من حقوق اتجاه خالقهم واتجاه بعضهم البعض، فلذا كان لابد لحجة الله على خلقه الإمام زين العابدين ومن عنده علم الكتاب، ومن أولى منه بذلك، من تذكير الناس بأيام الله وردهم إلى منابع العز والشرف ومعدن العلم والحكمة، ومن مداواة هذه النفوس ليخلصها من أمراضها ويعرفها حدودها ويهديها إلى الحياة الحرّة الكريمة، وتربية النفوس على هذه الحقوق الإلهية وتطبيقها عمليا ليصبح المجتمع مجتمعًا رساليًا يتعامل بتعاليم الإسلام ويتأسى بخلق النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم، ويعطي كل ذي حق حقه، لأن الناس إذا تلقّوا تلك المعارف وعملوا بتلك الحقوق وطبقوها واتبعوا الله وحججه على عباده، ونبذوا سلاطين الجور وأهل البدع والفجور، ساد في المجتمع المحبة والوئام والسلام والمؤاخاة والقانون والنظام .

فقام (عليه السلام) بتأسيس مدرسته الفكرية، وقاد مشروع الإصلاح والتصحيح استكمالا لنهضة والده سيد الشهداء (عليهما السلام) التي أحيت دين جده وكشفت زيغ وفجور بني أمية وأهدافهم الشريرة للقضاء على الدين، وهيّأت الناس للعودة إلى الدين الحنيف، فتصدّى سلام الله عليه لنشر العلم والمعارف على عدة محاور، فتارة من خلال دروسه التي كان يلقيها في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأخرى عبر أدعيته المفعمة بالدروس والحكمة والمعرفة، وثالثة بواسطة رسالته العظيمة التي تعتبر بحق دستوراً في السياسة، ومنهاجاً عاماً في الأخلاق الاجتماعية، فاق كل دساتير البشر وقوانينهم، وعرفهم بما عليهم من حقوق ترتكز إلى أصول التربية والأخلاق ونظم المجتمع، ويفتقر إليها البشر في علاقاتهم في شتى المجالات وعلى جميع الصعد، وقد ذكر الإمام (عليه السلام) حتى حق السلطان وحق الرعية وحق أهل الملة عامة وحق أهل الذمة وغيرها مما يرتبط بأمور الدولة والحكم وتنظيم الحياة الاجتماعية، وقد عبر (عليه السلام) بالسلطان لان سلطته ليست بولاية إلهية بل بالغلبة والقهر، وقد بين الإمام حقه كمتسلّط على الرعية وأن عليه واجبات اتجاه رعيته فعليه أن يتذكر نعم الله وحوله وقوته الذي لا حول ولا قوة إلا به، وأن لا يظلم العباد، كما أن على الرعية أن تعرف حدود التعامل مع السلطان ولا يسوغ لها تجاوزها رعاية للمصالح العامة ولإنجاح مهمته في حفظ البلاد، وعليها أن تحذر بطشه وسطوته فلا تعاديه حتى لا يلجأ إلى العدوان والبطش إذا لم يهدد كيان الإسلام وشعائره.

وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الله قد جعل هذه الحقوق متكافئة، قال (عليه السلام) في خطبة له في صفين:

ثم جعل الله تعالى من حقوقه حقوقًا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى في وجوهها ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها إلا ببعض، فالوالي إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة، فأعظم مما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عز وجل لكل على كل، فجعلها نظام إلفتهم وعزًّا لدينهم وقوامًا لسنن الحق فيهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه، وأدّى إليها الوالي كذلك، عزّ الحق بينهم، فقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها([34]) السنن فَصَلُح بذلك الزمان وطاب به العيش وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرعية واليهم وعلا الوالي الرعية، اختلفت هنالك الكلمة وظهرت مطامع الجور وكثر الإدغال في الدين([35])، وتركت معالم السنن فعُمِل بالأهواء وعطلت الآثار وكثرت علل النفوس، ولا يستوحش لجسيم حد عطل ولا لعظيم باطل أثل([36])، فهنالك تذل الأبرار وتعزّ الأشرار وتخرب البلاد وتعظم تبعات الله عز وجل عند العباد([37]).

 

المقارنة بين رسالة الحقوق وإعلان حقوق البشر

بعد عدة محاولات تمّت الموافقة في الأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الثاني 1948م وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووقّع على ذلك الإعلان ثمانية وأربعون عضوًا، وامتنعت عن التصويت آنذاك الأقطار الشيوعية (روسيا، روسيا البيضاء، أوكرانيا، تشيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا وبولندة بالإضافة إلى إفريقيا الجنوبية والسعودية) وهو مؤلف من ديباجة وثلاثين حقًا ([38]).

 ثم صدر سنة 1966م في 16 كانون الثاني اتفاقان دوليان يتعلق الأول بالحقوق المدنية والسياسية وسمي بالعهد الدولي الخاص([39]).

ورغم تأكيد هذا الإعلان العالمي على الحريات وحتى عندما نصّ في المادة التاسعة والعشرين على (رعاية المقتضيات الأخلاقية في إطار مجتمع ديمقراطي) أراد بالأخلاق حرّيات الآخرين لا المعاني الأخلاقية الرفيعة، التي تقتضيها الفطرة والوجدان الإنساني وما يرتبط بإنسانية الإنسان لأنهم نظروا إلى الإنسان وكأنه موجود مادي بلا روح ولم يراعوا كونه مخلوقًا متميزًا عن غيره من المخلوقات، فقد أغفل الإعلان العالمي الحقوق التي يحتاجها الإنسان بطبيعته وفطرته لكي تساعده على تكامله واستحكام علاقته بربه وخالقه جل وعلا وبأرحامه وإخوانه بل وبسائر ما يحيط به، والتي نصّت عليها الرسالة كالجانب العقائدي والحقوق المرتبطة بالله تعالى والحقوق الاجتماعية ذات الصبغة الأخلاقية كحقوق الأرحام من الوالدين والحثّ على برهما وشكرهما لما قاما به اتجاه أولادهم وحق الولد على أهله وتحمل المسؤولية اتجاهه وتربيته ومساعدة الأخوة ونصرتهم وتقديم النصح لهم وتوقير الكبير وإجلاله، وعدم التقدم عليه ورحمة الصغير والرفق به وحق الجار وحفظه غائبا وإكرامه حاضرًا ومعاشرته معاشرة كريمة والستر عليه وإكرام الصاحب ومعاملته بالانصاف والتفضل وتعظيم المعلم وتوقيره واحترام مجلسه والاستماع إليه والإقبال عليه وتأدية النصيحة للمستنصح ورحمته والرفق به بل إن الإسلام اهتم بالنصيحة حتى اعتبر الدين النصيحة ([40]) وضبط الجوارح من السمع والبصر واليد والرجل والبطن والفرج والحفاظ عليها وتوجيهها بالاتجاه الصحيح وغيرها من الحقوق التي لم ينصّ عليها الإعلان العالمي بل حتى المادة السادسة عشره من الإعلان والتي نصّت على أن للرجل والمرأة حق التزوج وتأسيس أسرة، وأنهما متساويان في الحقوق أغفلت الجوانب المهمة من حقوق الزوجة من إكرامها والرفق بها والتذكير بأن الله تعالى جعلها سكنًا للزوج وأُنسًا له، وأن لها حق النفقة عليه إلى غيرها من الحقوق التي لم يعرها الإعلان العالمي أية أهمية وحتى الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان والذي أُقر بعد عدة مؤتمرات للخارجيّة: (فاس، إسلام آباد، بغداد، نيامي ([41])، دكّا، صنعاء، عمان، الرياض، طهران، القاهرة) وثلاثة مؤتمرات للقمّة في (الطائف، الدار البيضاء، الكويت) ومجموعة من جلسات الخبراء. وبعد إحالته على لجنة قانونية إلى أن أعدت الصيغة النهائية في مؤتمر طهران من 28 ـ 30 / جمادى الاُولى / 1410هـ الموافق 26 ـ 28 كانون الثاني 1989م والتي تمّت الموافقة عليها نهائيّاً في المؤتمر التاسع عشر لوزراء الخارجيّة في القاهرة، ويتألف من خمس وعشرين مادة ([42]) ورغم اهتمامه بالجانب العقائدي والديني والعبودية لله تعالى كما في المادة الأولى وحقوق الأرحام على بعضهم كما في المادة السابعة وحق الدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر وفقا لضوابط الشريعة الإسلامية كما في المادة الثانية والعشرين وأن كل الحقوق والحريات المقررة في ذلك الإعلان مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية كما في المادة الرابعة والعشرين الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد الإعلان إلا أنه أهمل حقوق الجوارح وحقوق الأفعال والعبادات وكثيرا من الحقوق الأخلاقية والاجتماعية كحق المعلم والمتعلم وحق الكبير وحق الصغير وحق الجار والجليس وحق الشريك وحق الغريم وحق المستنصح والناصح وحق المستشير والمشير وحق السائل وحتى حق الخصم وغيرها من الحقوق.

بينما رسالة الإمام (عليه السلام) -(وإن كان لا يصح مقارنة كلام وقوانين البشر بالقوانين الإلهية الصادرة عن حجة الله على خلقه سيد الساجدين)- والتي صدرت قبل مئات السنين في القرن الأول الهجري بينت كل ما تحتاجه البشرية من حقوق، فلم تترك حقاً من حقوق الله على عباده، أو حقوق العباد بعضهم على بعض ببيان رائع ومنطق لا يقبل الرد وأسلوب جذاب وأفكار صالحة لكل الناس منبثقة عن حاجات المجتمع الإنساني فكانت هذه الرسالة العظيمة والفريدة والوثيقة العالمية تعتبر بحق من عيون التراث الإسلامي، فعلى كل مسلم أن يهتم بها ويدرسها بدقة وعناية لا أن يمر عليها بشكل عابر وأن يسير على نهجها في كل زمان ومكان لينال العزة والكرامة وسعادة الدارين، وينبغي أن تنشر في وسائل الإعلام ليطلع عليها البشر قاطبة لينهلوا من معينها الذي لا ينضب وليعرفوا أن إسلام النبي وآل بيته (عليهم السلام) ليس دينًا ومعتقدًا فقط بل هو دين ودولة ونظام سياسي واجتماعي متكامل.

نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا للعمل بهذه الرسالة المباركة والحمد لله رب العالمين.

تمت المقالة 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) بحار الأنوار ، للعلامة المجلسي : 46 /7 ، تحقيق: السيد إبراهيم الميانجي، محمد الباقر البهبودي، ط2 ، الناشر: مؤسسة الوفاء - بيروت – لبنان.

([2]) وقيل في 12 محرم ، وغير ذلك : نفس المصدر: 46/ 156 .

([3]) من لا يحضره الفقيه ، للشيخ الصدوق: 2 / 619- 624 ، تحقيق: علي أكبر الغفاري ،الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين – قم.

([4]) الأمالي (المعروف بالمجالس) للشيخ الصدوق : 451-458 ، تحقيق: مؤسسة البعثة ، قم ط1، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة.

([5]) تحف العقول، ابن شعبة الحراني : 255-262 ، تحقيق: علي أكبر الغفاري ، ط2 ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة .

([6]) مستدرك الوسائل الميرزا النوري : 4/93 ، الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، بيروت - لبنان ، ورسائل الأئمة للكليني فقدت ولم تصل إلينا .

([7]) رجال النجاشي ، للنجاشي: 117 ، ط5 ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة .

([8]) بحار الأنوار ، للعلامة المجلسي : 71 / 2 ، تحقيق: السيد إبراهيم الميانجي، محمد الباقر البهبودي ،ط2 ،الناشر: مؤسسة الوفاء - بيروت – لبنان.

([9]) وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي : 15/172 ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، ط 2/1414 ، مهر - قم .

([10]) السائس القائم بأمر والمدبر له : تحف: 256 .

([11]) أي المديون : لم يذكر هذا الحق في التفصيل في أي من النسخ ولعله سقط من الراوي أو زيد منه في المقدمة .

([12]) أهل الذمة : تحف : 256.

([13]) الخنى محركة: الفحش في الكلام : الفقيه: 619 .

([14]) الخرق بالضم والتحريك: ضد الرفق : هامش الخصال: 567 .

([15]) تجلس إليه : الفقيه (وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار وإن كان الجالس إليك كان بالخيار. ولا تقوم إلا بإذنه تحف العقول : 266.

([16]) الغريم: الدائن ويطلق أيضا على المديون : هامش تحف العقول: 267.

([17]) الخليط: المخالط كالنديم والشريك والجليس ونحوها - هامش تحف العقول: 268.

([18]) سورة الشورى/41 .

([19]) الامالي: 457 .

([20]) تحف العقول: 272، ذكر في التحف خمسين حقا لأنه لم يذكر حق الحج الذي ذكره الصدوق & .

([21]) رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ، السيد علي خان : 2/270 ، ط4 ، مؤسسة النشر الإسلامي –قم .

([22]) سورة طه: 114 .

([23]) سورة النور: 25 .

([24]) سورة القصص: 13 .

([25]) سورة النحل: 3 .

([26]) موسوعة العقائد الإسلامية ، للشيخ الريشهري : 4/137 ، ط1 ، دار الحديث للطباعة والنشر.

([27]) لذلك نجد أنه قد راج سوق الكذّابين والوضّاعين وحتى بعض من أسلم من أهل الكتاب ،  فمن جملة ما رووه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذبًا وزورًا أنه قال: إن الله ائتمن على وحيه ثلاثاً: أنا وجبرائيل ومعاوية.. انظر : شيخ المضيرة أبو هريرة، لمحمود أبو رية : 230 ، ط3 ، الناشر: منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت – لبنان .

ونسبوا إليه (صلى الله عليه وآله) انه قال:

أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها، واختلقوا عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها وغيرها من الأحاديث المدسوسة التي ملأوا بها الكتب . انظر : كشف الخفاء : 1/204، للعجلوني ، ط3 ، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت

([28]) كتاب سليم بن قيس، لسليم بن قيس: 318 -319 ، تحقيق محمد باقر الأنصاري .

([29]) الصحيفة السجادية الكاملة ، للإمام زين العابدين (ع) : ص282، تحقيق: حاج عبد الرحيم أفشاري زنجاني ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة- طبعة حجرية .

([30]) معالم المدرستين : 3 /188 ، للسيد مرتضى العسكري ، الناشر: مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت – لبنان .

([31]) ميزان الحكمة : 3 ح رقم 2488 ، الشيخ محمد الريشهري ، الناشر: دار الحديث.

([32]) المحاسن ، للبرقي : 1/156، تحقيق جلا ل الدين الحسيني المحدث ، دار الكتب الإسلامية ، طهران .

([33]) جامع بيان العلم وفضله ، ابن عبد البر :  2/ 200 ، دار الكتب العلمية – بيروت.

([34]) أي وجوهها. وذِلّ الطريق : بكسر الذال ، محجته.

([35]) الإدغال: بكسر الهمزة ، وهو أن يدخل في الشيء ما ليس منه وهو الإبداع والتلبيس ، أو بفتحها : جمع الدغل ، و بالتحريك : الفساد .

([36]) أي عظم أو جعل أصلا يرجع إليه ويعتمد عليه وإنما خص الجسيم والعظيم بالذكر للمبالغة في فساد الدين وللإشعار بأن الحقير أولى بما ذكر -شرح أصول الكافي- مولي محمد صالح المازندراني :  12/507 ، ط1 ، الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت – لبنان.

([37]) الكافي للشيخ الكليني : 8 /353 ، دار الكتب الإسلامية طهران.

([38]) وهذه الوثيقة موجودة في موقع الأمم المتحدة لمن أراد الاطلاع عليها إعداد قسم موقع الأمم المتحدة في إدارة شؤون الإعلام الأمم المتحدة، 2003 www.un.org .

([39]) تحقيق وتحليل حقوق الإنسان في الإسلام والإعلان العالمي الدكتور عبد العزيز الخياط موقع مؤسسة الصدرين للدراسات الاستراتيجية - الانترنت .

([40]) جامع أحاديث الشيعة ، السيد البروجردي : 18/122 ، مطبعة مهر - قم.

([41]) نيامي: عاصمة جمهورية النيجر.

([42]) حقوق الإنسان بين الإعلانين الإسلامي والعالمي ، للشيخ التسخيري، و هو موجود على الانترنت.

 

 

الحرية الحقيقية

الشيخ أكرم جزيني

باختصار

الحرية الحقيقية تكمن في العبودية الحقيقية لله تعالى، تلك العبودية القائمة على الحب والرضا وعرفان الجميل، لا على القهر والإجبار والتسلط..

عبودية الله التي تحرر الإنسان من تلك الأصنام المنتشرة في طول الأرض وعرضها..

والتي تحرر الإنسان من سلطان المال والجشع والغطرسة..

وتحرره من سلطان الأهواء والشهوات والمطامع..

فكم من مملوك ينحني أمام ألف إله وإله من آلهة الأرض الخسيسة المزيفة، وهو يظن نفسه حرًا لأنه يرفض الانحناء أمام شريعة السماء ؟!

إن الحرية الحقيقية لا يمكن الحصول عليها إلا عند رفض كل تلك الآلهة المزيفة التي لا يمكن التخلص منها إلا بالعزيمة المستمدة من عبودية الله تعالى.

المدخل

من كلام لإمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول فيه: إن قومًا عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار([1]).

ثلاثة أصناف من عباد الله تشابهت مظاهر عباداتهم، واختلفت دوافعهم:

أما الصنف الأول: فقد نصب أمام عينيه صورة النعيم الذي أعده الله لعباده يوم القيامة، وعبد الله رغبة في الحصول عليه، فهو يقدِّم شيئًا ليقبض شيئًا آخر، وهذا المنطق هو منطق المعاوضة، ومنطق المعاوضة منطق تجاري، وعليه فعبادة هذا الصنف روحها التجارة، ولكنها تجارة مع الله تعالى.

وأما الصنف الثاني: فقد نصب أمام عينيه صورة الجحيم الذي أعده الله للعصاة من عباده، فعبد الله خوفًا من الدخول فيه، فهو يقدِّم شيئًا ليفتدي به من شيء آخر، همُّه الخلاص، وسمته الضعف والخوف، وروح عبادته ممزوجة بالخوف من العقاب.

وأما الصنف الثالث: فهو الذي كلما وقع نظره على شيء أو خطر على فكره شيء انطلق بفكره إلى عظيم قدرة الله وجزيل نِعَمِه، فلا يرى شيئًا إلا ويرى الله معه وقبله وبعده وفيه، قد شغله حبُّ الله عن حبِّ الجنة، وشغله رضى الله عن الخوف من النار، وصار كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم)([2]).

وتتميز هذه الأصناف عن بعضها بأن الأول يزداد رغبة في العبادة كلما اطَّلع على أجر يرغب فيه، والثاني يزداد رغبة كلما اطلع على عقاب يخشى منه، وأما الثالث فرغبته مستقرة في أوجها، يشعر دائمًا بالتقصير، كلما شكر الله بعبادة شعر بأن التوفيق لهذا الشكر يحتاج إلى شكر جديد، قلبه مع الله على الدوام، وروحه معلقة بقربه ووصاله، قد طرح جلباب البشرية وراء ظهره، فلا يرى عظيمًا إلا الله ومن كساه الله ثوب العظمة، فهو خير الثلاثة.. ولذا نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في موضع آخر:  (ربِّ ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا بجنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)([3]).

عبادة الله عبادة الحب والرضا

أن عبادة الله وطاعته ليست طاعة القهر والإجبار، بقدر ما هي طاعة الحب والرضا وعرفان الجميل للخالق البارئ المصوِّر المنعم المتفضل.. الذي خلق كل شيء وسخَّره لخدمة هذا الإنسان العاجز الضعيف،  {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}([4]).

كما أن عبادة الله لا تقوم على الجهل والغفلة، بل على العلم و المعرفة و التفكر و التدبر، فـ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}([5]).

وبالرغم من كل تلك الآيات التي تزيد على أنفاس الخلائق، وكل تلك النعم التي تفوق حد الإحصاء، تجد أصنافًا من الناس ابتليت بعمى البصيرة، فجحدت وأنكرت، وعطَّلت أفكارها، وأخمدت أصوات الفطرة التي تنادي بتوحيد الله تعالى، وصمَّت آذانها عن صوت الحق وهو يناديهم:  {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}([6]).

ولكنهم كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): لو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر ؟!([7]).

وبعد هذا نقول أإذا تحلل الإنسان من كل القيود والضغوط الداخلية والخارجية، وتوجَّه لشكر المنعم الذي جلَّت نعمه عن العدِّ و الإحصاء، وجسَّد ذلك الشكر بصور من العبودية، وبالطريقة التي شرَّعها الله من صلاة وصوم.. وغيرها.. فهل تكون تلك العبودية من مظاهر القهر والإجبار أم من مظاهر الحب وعرفان الجميل ؟!!

إن الذي نراه هو أن القهر والإجبار من سمات آلهة الأرض، وأن التحلل من عبودية تلك الآلهة، والتوجه إلى عبادة الخالق المنعم المتفضل يجسد في الحقيقة أروع أمثلة الحرية، كما سيبدو جليًا عند معرفة المعنى الحقيقي للحرية.

معنى الحرية

إن لفظ  (الحرية) لفظ مشترك يُطلق تارة على غير المملوك، وأخرى على غير المكره، وعليه فالمملوك ليس حرًا، والمكره أيضًا ليس حرًا .

الحرية بالمعنى الأول

أما الحرية بالمعنى الأول وهي المقابلة للمملوكية، فلا تتحقق إلا بالانعتاق من كل ما من شأنه التملك، والتملك ليس حكرًا على الأشخاص فحسب، فالأهواء تتملك، والمخاوف تتملك، والهواجس تتملك، والمال يتملك، والدنيا تتملك، والسلطة تتملك.. وغيرها من الأمور التي تسيطر على الأفكار و القلوب والرغبات.. كلُّها تتملك..

ملكية الأهواء والشهوات

أما ملكية الأهواء والشهوات فإنها لا تحتاج إلى مزيد من الشرح والإيضاح.. ينقل أنه: لمَّا دخل أبو مسلم الخراساني  (مرو)، قال لأهلها: هل في بلدكم حكيم ؟ قالوا: نعم، فلان المجوسي. فقال: عليَّ به، فقال له أبو مسلم: لمَ لقَّبت نفسك حكيمًا ؟ فقال: لأنَّ لي إلهًا، ولا أصبح يومًا إلاَّ وضعته تحت قدمي. فقال أبو مسلم: عليَّ بالسَّيف. فقال المجوسي: مهلاً أيُّها الأمير، ألستم تقرؤون في كتابكم:  {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} ؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أدوس الهوى تحت قدمي لئلاَّ يغلبني. فقال: ما قلت إلاَّ حقًّا([8]).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):  (كم من عقل أسير تحت هوى أمير)، وعنه (عليه السلام):  (عبد الشهوة أذل من عبد الرق)، وعنه (عليه السلام):  (عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره)([9]).

إذًا فالأهواء والشهوات تتملك كتملك الأشخاص وربما أشد، لأن الانعتاق منها قد يكون أصعب ! فكم من شهوة أسهرت صاحبها الليالي، وكم من شهوة رمته في الشوارع، وكم من شهوة كسته ثوب المذلة.. وكأنه عبد مأمور لسيد جائر.. بل كم من شهوة قتلت صاحبها ؟!

فهل من العقل بعد كل هذا أن يُقال أن العبودية لله فيها قهر وإجبار، وعبودية الأهواء والشهوات هي رمز الحرية ؟!!

ملكية المال

أما ملكية المال فإنه يُحكى أن ملكًا دعا زاهدًا إلى قصره وراح يحادثه، ويسأله عن حياته، والزاهد يجيب، فأُعجب الملك به، ورغب في صحبته، وقرر ترك حياة الترف التي تخيم على قصور الحكام، والانطلاق مع ذلك الزاهد، وبعدما انطلقا وقطعا مسافة بعيدة عن القصر، تذكَّر الزاهد عصاه التي نسيها في قصر الملك، فأصر على العودة للإتيان بها، وحاول الملك إقناعه باستصلاح غيرها من أي مكان آخر، فلم يقبل الزاهد، فعادا أدراجهما، وهنا رجع الملك عن قراره، وعزف عن رفقة الزاهد قائلاً، أنت لست أهلاً للصحبة، فقد تركتُ مملكة لأصحبك في زهدك، ورفضتَ أنت أن تتخلى عن عصا؟!.

ومن الحِكَم القيِّمة:  (ليس الزهد أن لا تملك شيئًا ولكن الزهد أن لا يملكك شيء)([10]).

إذًا فالمال أيضًا قد يملك صاحبه.. فكم من إنسان أقلقته أمواله خوفًا عليها من التلف أو السرقة، وكم من إنسان فرض عليه ماله لباسًا معينًا ومسكنًا معينًا وسلوكًا معينًا، وكم من إنسان تحكَّم به ماله، فزرع فيه الغرور، وأخرجه من الواقع إلى الخيال، بل كم من إنسان كان إنسانًا عندما كان فقيرًا فلما اغتنى صار طاغوتًا تسيِّره الأموال شمالاً ويمينًا ؟! وكم.. وكم..

ولكن.. هذا لا يعني أنه ليس هناك أناس استطاعوا أن يكتسبوا جنان الخلد بأموالهم التي يملكونها لا التي تملكهم. ولذا نجد الإمام الحسين (عليه السلام) يقول: مالك إن لم يكن لك كنت له، فلا تبقِ عليه فإنه لا يبقي عليك، وكُلْهُ قبل أن يأكلك([11]).

وهنا نسأل أيضًا هل من العقل أن يُقال أن العبودية لله والتحلي بمكارم الأخلاق فيها قهر وإجبار، أما عبودية المال وما يرافقها من قلق أو غرور أو طغيان هي من مظاهر الحرية ؟!!

ملكية المخاوف

أما ملكية المخاوف فتظهر في سلوك الخائف حيث يُصبح مشلول الفكر، يتصرف بشكل لا إرادي، وكأن شيئًا آخر بدأ يحرِّكه، يُنقل أن عمرو بن العاص دخل على معاوية ضمن مجموعة من أنصاره وكان يريد أن يحط من قيمة معاوية فقال لهم: لا تبالغوا في احترام معاوية، فإذا دخلتم عليه فلا تسلِّموا عليه بإمرة المؤمنين بل قولوا: السلام عليك يا معاوية.

وفي المقابل كان معاوية يقول لأصحابه: هذا عمرو بن العاص قد جاء بقومه، وأظنه يحقرني عند أصحابه، فلنعمل شيئًا نفشل خطته، وكانت الخطة تقضي بأن يقف عشرون رجلاً على الباب وعندما يدخل أصحاب عمرو بن العاص يأخذون كل واحد منهم يهزئونه ويرهبونه.

فدخل الأول وهو محمَّل بوصية عمرو بن العاص ومرَّ بعملية الترهيب، وانتهى إلى حالة الهلع والخوف، فلما رأى معاوية وهو مشلول التفكير، فبدلاً من أن يقول له  (السلام عليك يا معاوية) كما هي وصية عمرو بن العاص، وبدلاً من أن يقول له:  (السلام عليك يا أمير المؤمنين) كما يقتضي البروتوكول الأموي، قال له:  (السلام عليك يا رسول الله)([12]).

وهنا أيضًا نسأل هل الخائف المشلول الفكر نتيجة الإرهاب الذي يمارسه بعض من يرون أنفسهم أحرارًا فيما يفعلون يكون حرًا، والعابد لله المغمور برحمته يكون مقهورًا ومرغمًا ؟!

ملكية السلطة

وأما ملكية السلطة فإنها تفرض على مملوكها سلوكًا عنيفًا يندفع من خلاله لفعل أي شيء في سبيل الحفاظ عليها، وفي هذا السياق يُنقل أنه عندما خرج الإمام الكاظم (عليه السلام) من مجلس هارون العباسي الذي عقده في مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) وكان المأمون حاضرًا وقد شاهد كل مظاهر المبالغة في الحفاوة والإجلال والإعظام التي كان يقدمها هارون للإمام (عليه السلام)، تقدم المأمون من أبيه وسأله قائلاً: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته، وأجللته، وقمت من مجلسك إليه، فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟!

فقال هارون: هذا إمام الناس وحجته على خلقه وخليفته على عباده.

فقال المأمون: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟!

فقال هارون: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) منِّي ومن الخلق جميعًا، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ([13]) فإن الملك عقيم ([14]).

وهنا نسأل أيضًا: من هو الحر؟ الإمام الكاظم (عليه السلام) المجلل بالهيبة والعظمة التي انحنى أمامها هارون، أم أن الحر هو هارون المطوق بشهوة الملك والسلطة التي قد تدفعه لقتل ابنه إذا نازعه ؟!

ملكية الطمع

أما ملكية المطامع فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: لا يسترقَّنَّك الطمع وقد جعلك الله حرًّا، وقال (عليه السلام): عبد المطامع مسترقٌّ لا يجد أبدًا العتق([15]).

فكم هو الفرق واضح بين عمر بن سعد الطامع بملك الرَّي، المردد:

 

أأترك ملك الرَّي والرَّيُّ مُنيتي
 

أم أصبح مأثومًا بقتل حسين
 

 وبين الحر الرياحي الراغب في جنة الله تعالى، القائل إني والله أخيِّر نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئًا ولو قُطِّعت وحُرِّقت ؟؟

ثم أي منهما هو الحر الحقيقي أذاك الذي خاطبه الحسين (عليه السلام) هو وجيشَه قائلاً: ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربًا كما تزعمون. أم هذا الذي وضع الحسين (عليه السلام) خده على خده وخاطبه قائلاً: والله ما أخطأت أمك إذ سمَّتك حرًا، أنت حرٌّ في الدنيا وسعيد في الآخرة ؟!

لقد تنكر الحرُّ الرياحي لعبادة أصنام الأرض يزيد وابن زياد، ورغب بما عند الله الواحد الأحد، فيما جثا ابن سعد أمام تلك الأصنام الخاوية، وانحنى أمام مطامعه الخسيسة !!

ملكية أصحاب النفوذ

وأما ملكية أصحاب النفوذ فتعرفها من سلوكيات المرابطين على أبوابهم، فكم من شخص يدَّعي الحرية، وهو يرابط ليل نهار على أعتاب سلطان هنا أو زعيم هناك، طمعًا بشيء من فتات الدنيا.. فيطرق أبواب المخلوقين وينسى باب الخالق.. ويؤثر حياة الذل تحت النعال، ويخلع ثوب العزّ الذي أعدَّه الله لأوليائه !! ولست أدري ألأجل القناعة أم النفع يندفع هذا الإنسان ليبيع دنياه و آخرته بدنيا غيره ؟! وينسى الخالق الذي كرَّمه وأحسن صورته، قال تعالى:  {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}([16])، وقال تعالى:  {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}([17])، وقال تعالى:  {لَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ([18])، وقال تعالى:  {يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}([19]).

ثم إن كان هذا المرابط عند أبواب السلاطين يبحث عن العزَّة  {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ([20])، وإن كان يبحث عن الملك فـ {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ([21])، وإن كان يبحث عن الهيبة، فإن من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، وإن كان يبحث عن الكرامة، فـ{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ([22])، وإن كان يبحث عن الرزق فـ {فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}([23])، وإن كان يبحث عن النصير فـ {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}([24]).

أو ليست كل هذه الأصناف مستعبدة، حتى ولو كانت تتبجح بالحرية ؟!!

الحرية بالمعنى الثاني

وأما الحرية بالمعنى الثاني وهي المقابلة للإكراه، فيجدها كل إنسان من نفسه عندما يتصرف باختياره وملء إرادته، وهي الحرية الشاملة لكل من حرية الفكر، وحرية الرأي، وحرية التعبير، وحرية الانتماء، بل وحتى حرية العقيدة، قال تعالى:  {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ([25]).

فموقف الشارع من الناس أنه:  {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} ([26])، ويستعمل معهم أسلوب اللِّين، فقد أمر الله نبيَّه موسى (عليه السلام) أن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون ويخاطباه بأسلوب ليِّن:  {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}([27]).

وقد عاتب الله تعالى نبيه إبراهيمَ (عليه السلام) عندما أراه ملكوت السماوات والأرض، وأشرف إبراهيم (عليه السلام) على بعض العصاة، فدعا عليهم فهلكوا، وتكرر منه ذلك الدعاء فقال له الباري جلّ وعلا كما جاء في الحديث القدسي:  (يا إبراهيم، اكفف دعوتك عن عبيدي وإمائي، فإنِّي أنا الله الغفور الرحيم، الجبار الحليم، لا تضرني ذنوب عبادي، كما لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبيدي وإمائي، فإنَّما أنت عبد نذير لا شريك في المملكة، ولا مهيمن عليَّ ولا على عبادي... يا إبراهيم خلِّ بيني وبين عبادي فأنا أرحم بهم منك، خلِّ بيني وبين عبادي، فإني أنا الجبار الحليم، العلام الحكيم، أدبرهم بعلمي، وأنفذ فيهم قضائي وقدري) ([28]).

فهل بعد كل هذا ما يُعدُّ قهرًا وإجبارًا في عبودية الله تعالى ؟! وهو الذي قرَّر بأن الأصل في الأشياء الإباحة والحلية، وجعل دائرة الحلال التي يمرح فيها الإنسان رحبة الأكناف، وقد قال تعالى:  {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}([29]).

نعم إن المحرمات التي حذَّر الشارع من مواقعتها هي عبارة عن طائفة محصورة من الأعمال الرديئة، والتي هي في حقيقتها ليست قيودًا للحرية بقدر ما هي سياج لحريات الآخرين، أو إرشاد للإنسان حتى لا يستعمل حريته في إيذاء نفسه.

فالتكاليف الشرعية التي حصرها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:  (إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ لكم حدودًا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها..) ([30])، ما شُرِّعت إلا للحفاظ على عناوين الحرية التي يحق لغيرك أن يتمتع بها كما يحق لك أن تتمتع بها، فعندما تتجاوز حدودك بدعوى حريتك، وتتعدى على حدود غيرك، فإن الشريعة تضع لك حدًا للحفاظ على حرية غيرك... كما تضع لك حدًا في تصرفاتك مع نفسك، فلا يحق لك أن تجلب لها الضرر بدعوى الحرية، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام، كما لا يحق لك أن تُذل نفسك وتهينها، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): إن الله عز وجل فوَّض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوِّض إليه أن يُذلَّ نفسه، أما تسمع لقول الله عز وجل:  {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}([31]).

ولا بد هنا من وقفة تأمل مع بعض الأحكام الشرعية، وما ذُكر في وجوه تشريعها، والتي نستعرضها على سبيل المثال لا الحصر:

1- وجوب الصلاة: فقد ذُكر في وجه تشريعها أنها:  (تنزيه من الكبر)  (تنهى عن الفحشاء والمنكر)  (حصن من سطوات الشيطان)  (تنزل الرحمة).. وعند ترجمة هذه العناوين تجدها تصب في خانة التسييج لحرية الآخرين ودفع الأذية المادية أو المعنوية عن النفس، وتحصينها، وجلب المنافع لها.

2- حرمة شرب الخمر: الذي يضر بسمو النفس ومقامها، وأحيانًا كثيرة يتعدى شارب الخمر حدود النفس ليضر بالآخرين، فقد يضرب، وقد يقتل دون وعي، وقد يردي نفسه من مكان خطر وما إلى هنالك، فشُرِّع التحريم تحصينًا للنفس وحفاظًا على حرية الآخرين.

3- حرمة السفور والتبرج: قال تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}([32]) الأذية هي العنوان البارز في الآية المباركة، والجلباب هو الحائل الذي يحول دون تعرض النساء والفتيات للأذية الجسدية أو المعنوية، خاصة في المجتمعات التي تفشَّت فيها الرذائل والتي لا تسلم فيها المرأة من الأذية بنظرة أو بكلمة نابية أو بتحرش أو باعتداء.

كما أن الجلباب هو حرز للمرأة يحول دون استغلال الشيطان لها في الإغواء والإضلال، حيث أنها الوسيلة الأبرز من بين الوسائل التي يستغلُّها، فها هو يتبجح ويقول:  (النساء هنَّ حبالتي ومصائدي وسهمي الذي لا أخطيء به، وبهن أوقع في المهالك، ولولاهن ما قدرت على إضلال أدنى آدمي فهنَّ رجائي وعصمتي وسندي وثقتي وغوثي)([33]).

فشرّع الحجاب صيانة للنفس من الأذية ومن استغلال الشيطان، وللحؤول دون إيقاع الآخرين في مصائد الشيطان المتربص.

ختام

إن الحرية الحقيقية لا يجدها الإنسان إلا في العبودية الحقيقية لله تعالى التي تحطِّم كل قيود العبوديات المزيفة، كعبودية الأصنام والأشخاص والأموال والسلطات والأهواء والشهوات والمخاوف..

وبالجملة يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه الإمام الحسن (عليه السلام):.. وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها([34])، وتكالبهم عليها، فقد نبَّأك الله عنها، ونعت لك نفسها، وتكشفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية([35])، يهر بعضها على بعض([36])، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها..

سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربًا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها، ورويدًا يسفر الظلام..

إلى أن يقول (عليه السلام): وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضًا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا..([37]).

وفي وصيَّة من إمامنا الصادق (عليه السلام) لسفيان الثوري: يا سفيان من أراد عزًّا بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل من ذلِّ معصية الله إلى عزِّ طاعته([38]).

تمت المقالة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) نهج البلاغة باب المختار رقم 239.

([2]) نهج البلاغة خطبة المتقين.

([3]) بحار الأنوار ج67 ص 186.

([4]) سورة إبراهيم آية 32 34.

([5]) سورة آل عمران آية 190 191.

([6]) سورة النمل آية 60 63.

([7]) نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج 2 ص 116. ط1 ، 1412هـ ، قم .

([8]) المستطرف في كل فن مستظرف.

([9]) الأحاديث الثلاثة من ميزان الحكمة ج4 ص 3479.

([10]) ميزان الحكمة ج4 ص 2990.

([11]) ميزان الحكمة ج4 ص 2990.

([12]) طرائف الحكم للمدرسي.

([13]) يقصد أنه لو نازعه السلطة لقطع رأسه.

([14]) الاحتجاج ج2 ص 166.

([15]) ميزان الحكم : 1/582 ؛ عيون المواعظ ، الواسطي ، ص340 ، ط1 ، دار الحديث .

([16]) سورة الإسراء من الآية 70.

([17]) سورة غافر من الآية 64.

([18]) سورة التين آية 4.

([19]) سورة الانفطار آية 6-8.

([20]) سورة النساء من الآية 139.

([21]) سورة المائدة من الآية 120.

([22]) سورة الحجرات من الآية 13.

([23]) سورة الذاريات من الآية 22.

([24]) سورة البقرة من الآية 107.

([25]) سورة البقرة آية 256.

([26]) سورة الأعراف آية 157.

([27]) سورة طه آية 44.

([28]) الاحتجاج ج1 ص 36.

([29]) سورة البقرة من الآية 29.

([30]) وسائل الشيعة ج11 ص 206.

([31]) وسائل الشيعة ج11 ص 424، والمقطع القرآني من سورة المنافقون من الأية 8.

([32]) سورة الأحزاب من الآية 59.

([33]) بحار الأنوار ج60 ص 229 من حديث طويل يتحدث عن حوار بين النبي يحيى (عليه السلام) وإبليس (لع).

([34]) أي سكونهم إليها.

([35]) همها الافتراس.

([36]) أي يعوي وينبح.

([37]) نهج البلاغة ، وصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الإمام الحسن (عليه السلام).

([38]) الخصال للصدوق ص 169.

 

 

المرأة المسلمة والمشاركة السياسية

د. طلال عتريسي

 

أشارت الكثير من تقارير المؤسسات ومراكز الدراسات الإقليمية والدولية التي ازدادت وتيرةَ صدورها في السنوات القليلة الماضية، إلى واقع المرأة السيئ في البلدان الإسلامية. وقد استندت تلك التقارير إلى الأمية المتفشية في أوساط النساء تارة، وطورًا إلى القوانين التي لا تُنصف المرأة ولا تساويها بالرجل في المجالات كافة. وربطت بعض الندوات والمؤتمرات التي عُقدت حول هذه القضية بين التنمية الشاملة وبين مشاركة المرأة السياسية وغير السياسية.

فيَعْتبر على سبيل المثال أحد تقارير التنمية الإنسانية العربية الذي صدر عام 2002 : "أن التنمية التي لا تشارك فيها المرأة هي تنمية معرضة للخطر" .

وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة من حيث المبدأ، فإن ما يحتاج إلى نقاش في هذا المجال الذي اخترنا البحث فيه هو البعد السياسي لمشاركة المرأة بما هو جزء أساسي من العملية التنموية الشاملة.

فالدراسات والتقارير ذات الصلة بهذه القضية تستند غالبًا إلى الإحصاءات التي تتحدث عن نقص أعداد النساء في المجالس والهيئات السياسية المنتخبة، وفي الوزارات والبرلمانات وسواها من مؤسسات تشريعية أو تنفيذية أو نقابية، للدلالة على غياب مشاركة المرأة السياسية أو على نقص تلك المشاركة. وغالبًا ما تعود تلك الدراسات إلى المقارنة بين واقع المرأة في البلدان الإسلامية، خاصة على مستوى المشاركة السياسية، وبين واقعها في بلدان أخرى آسيوية أو إفريقية أو أوروبية .. لتسجل بذلك الضعف أو التراجع في مشاركة المرأة في البلدان الإسلامية في الحياة السياسية.

وإذا كانت بعض القوانين لا تزال مجحفة بحق المرأة في أكثر من بلد من البلدان العربية أو الإسلامية لجهة السماح لها بالمشاركة في الاقتراع أو بالترشّح إلى المناصب السياسية المختلفة، وهذا ينسجم مع النقد الذي يوجه إلى واقع المرأة المسلمة، إلا أن بلدانًا أخرى بالمقابل أعطت منذ عقود طويلة المرأة حق المشاركة السياسية بمستوياتها المختلفة.

وقد سمح هذا الحق للمرأة بإيصال بعض النساء إلى مواقع القرار ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير فعلي أو جذري في سياسات الدول أو الحكومات في البلدان التي سمحت للمرأة بتلك المشاركة. وهذا يعني أن هناك فروقات واضحة بين دولة وأخرى، في قوانينها وسياساتها تجاه المرأة.                                                                 

إلا أن ما لا تلتفت اليه التقارير والمؤتمرات الدولية التي تقيس مشاركة المرأة السياسية بأعداد النساء في هذا المجلس أو ذاك أن هناك أنواعًا أخرى من المشاركة السياسية المباشرة والمهمة، والتي لا يمكن رصدها بالجداول والإحصاءات، تقوم بها المرأة وتعتبر ركنًا مهمًا من أركان التنمية الشاملة التي تهدف المجتمعات إلى تحقيقها بالسبل كافة.

ولنأخذ بدايةً بعض المُسلَّمات "الدولية" التي تشير الى عدم الاستفادة من قدرات المرأة في البلدان العربية والإسلامية، والى عدم المساواة في المواطنة أو في الحقوق القانونية ... الناتجة عن المواقف والمعايير الاجتماعية المتحيزة ضد المرأة والتي تمنعها من التعلم ومن تحسين بناء قدراتها.

وتعتبر تلك المسلَّمات أن تزايد معدلات القراءة والكتابة عند النساء غير كاف إذ لا بد من تعديل تلك المعايير المتحيزة ضد المرأة، حتى تتم الاستفادة من قدراتها (في البلدان العربية والإسلامية) لأن مشاركتها السياسية والاقتصادية هي الأدنى في العالم.

ولكن هل يصح هذا المقياس في ضعف المشاركة الاقتصادية والسياسية على واقع المرأة عمومًا في البلدان العربية والإسلامية؟                                                     

وإذا كان من الصعب الحديث عن تجارب الدول الإسلامية المختلفة في هذا المجال وعن التحولات الاجتماعية والقانونية التي تحصل في تلك الدول باتجاه تعزيز تلك المشاركة. فإن السؤال الذي يُطرح هو إلى أي مدى ينطبق مفهوم المشاركة السياسية (على مستوى أعداد النساء) في  هذا الموقع أو ذاك على البلدان الإسلامية الواقعة تحت الاحتلال؟

فهل يمكن على سبيل المثال أن نعتبر أن مشاركة المرأة الفلسطينية السياسية تقتصر على أعداد النساء في المجلس التشريعي أو في مجلس الوزراء، وهنّ قلة في هذين المجلسين؟

أم أن الواقع يفترض النظر إلى المسألة من زاوية أخرى تتجاوز هذا النوع من المجالس إلى ما تفعله المرأة يوميًا في مواجهة الاحتلال؟

فمن وجهة نظرنا نعتبر أن المرأة التي تصبر على فقدان الابن أو اعتقال الزوج، أو تصبر على الحصار، وتعيش التهديد بالقتل، والتهجير، هي امرأة تقوم بالمشاركة السياسية في أعلى مستوياتها. وهذا النوع من المشاركة تنخرط فيه عشرات الآلاف من النساء (في فلسطين ولبنان والعراق..)، وليس بضعة أفراد كما هو الحال في شروط المشاركة "الدولية" التي تحتسب الأرقام والإحصاءات والأعداد.. كما نعتبر أن الأم التي تصبر على تربية ابنها أو حفيدها، بسبب وجود والده في الأسر هي أمّ تشارك في العملية السياسية بشكل مباشر، حتى ولو لم تخرج من منزلها، ونحن نعرف أن صمود المرأة (الأم والزوجة والأخت والابنة..) هو أهم باعث لإرادة التحدي في مواجهة أي احتلال.

المشاركة السياسية إذًا ليست نموذجًا واحدًا يمكن تطبيقه وتعميمه على النساء كافة، بحيث يقال بأنها ضعيفة هنا ومرتفعة هناك وفقًا لبعض الأرقام التي لا تعبِّر عن حقيقة المشاركة الفعلية للمرأة في العملية السياسية.

والمشكلة في هذا المجال أيضًا أن الكثير من المنظمات النسائية العربية والإسلامية تذهب من حيث تدري أو لا تدري إلى تبنّي مفهوم "المشاركة بالأرقام" ذاته الذي تعمل المنظمات الدولية على هديه بدلاً من مفهوم المشاركة الشاملة الذي أشرنا إليه.

- إن معظم ما تدور حوله المؤتمرات المختلفة بشأن المرأة تشير باستمرار إلى قضايا المساواة وإلى ضرورة تغيير القوانين، لكي تحصل المرأة على حريتها الفردية، وتمنع العنف الذي تتعرض له.. إلا أن دور المرأة في القضية الوطنية يكاد يغيب تمامًا عن البحث في واقع المرأة الذي تنتقده التقارير الدولية، وهذا الدور يبرز غالبًا كما سبق وأشرنا إبان الإحتلال. وليس المقصود بذلك فقط أن تقاتل المرأة إلى جانب الرجل أو أن تلتحق بركب الاستشهاديين كما حصل في فلسطين، بل المقصود أن معيار التقييم سيختلف لتحديد مضمون مشاركة المرأة هل هي سياسية أم غير سياسية.

ومن وجهة نظرنا أيضًا أن تربية المرأة لأبنائها على الارتباط بتلك القضية الوطنية، وعلى الانتماء إلى هويتهم ودينهم وثقافتهم.. هو عين المشاركة السياسية وجوهر المشاركة في التنمية الشاملة التي يتحدث عنها الكثيرون.                                                              

- تدعو بعض الهيئات والمنظمات النسائية وغير النسائية بما فيها بعض الهيئات الدولية إلى اعتماد ما يسمى بنظام "الكوتا". أي تخصيص حصة للمرأة في هذا المجلس أو ذاك من المجالس النيابية أو الوزارية أو البلدية... وفي هذه الدعوة اعتراف ضمني بأن المرأة عاجزة عن الوصول إلى تلك المقاعد بإرادتها الحرة والمباشرة، وبأن علينا أن نحفظ لها تلك المقاعد حتى لا يستولي الآخرون عليها، علمًا بأن منطق "الكوتا" نفسه ينطلق من فكرة المساواة بين الرجل والمرأة.

والسؤال الآخر الذي يُطرح في هذا المجال أيضًا، هو لماذا هذه "الكوتا"؟ وهل المطلوب هو التغيير السياسي الذي تشكو منه مجتمعاتنا الإسلامية والعربية أم المطلوب هو مشاركة المرأة فقط من دون أي اعتبار لوظيفة هذه المشاركة في ذلك التغيير المرتقب ؟

إن ما يدعو إليه أنصار "الكوتا" هو تغيير واقع المرأة (من خلال تغيير واقع بعض النخب النسائية) في حين أن واقع المجتمع الذي تعيش فيه المرأة والرجل معًا تحت الظلم أو الاستبداد أو الفقر أو الاحتلال... لا تعيره الكوتا أي اهتمام، ولا تمت إليه بأي صلة. إذ ما هي الفائدة على سبيل المثال من تحديد حصة للنساء في هذا المجلس أو ذاك إذا كان البلد كله تحت الاحتلال؟ وما هي قيمة هذه الكوتا إذا كان النظام السياسي مستبدًا أو تابعًا؟ وهل سيساهم وجود بضعة من النساء في المواقع العليا في تغيير واقع المرأة السيئ تعليميًا واجتماعيًا وقانونيًا؟ وهل هذا ما حصل في التجارب المختلفة عبر العالم؟

إن الجوانب السيئة في واقع المرأة في البلدان العربية والإسلامية لن تتغير بمجرد "كوتا" تُخصص لبعض الفئات من النساء. فهذه الجوانب مصدرها غالبًا إما الأفكار وإما القوانين، ولا شك أن تأثير الأولى أقوى وأشد، لأنها تتضمن القيم والمفاهيم والثقافة والأبعاد الدينية التي تحاول التعبير عن نفسها من خلال القوانين.

ولهذا السبب يحصل الانقسام في كثير من الأحيان حول القوانين ذات الصلة بالقضايا الفكرية أو الاجتماعية، مثل القانون الذي يجيز حق المرأة في الاقتراع أو الترشيح أو القانون الذي يبيح "كل أشكال الأسرة" الذي بات واسع الانتشار في الغرب وترفضه بشدة الدول العربية والإسلامية، بسبب الخلفية الدينية التي تحرم أشكال الأسرة غير التقليدية مثل الأسر المثلية التي يتضمنها قانون "كل أشكال الأسرة".

- إنّ ما نحاول أن نخلص إليه هو التأكيد على وجود فروقات في أوضاع المرأة وحقوقها بين الدول الإسلامية، فهي مقبولة ومتقدمة في مكان وسيئة ومجحفة في مكان آخر. ولا يمكن اعتبار واقع المرأة واحدًا وموحدًا على امتداد العالم الإسلامي.                                      

- إنّ تغيير واقع المرأة لا يمكن أن يستند إلى أولويات ثابتة أو مقررة في أروقة الأمم المتحدة أو في غرف المؤتمرات الدولية والإقليمية، بل إلى الواقع الفعلي الذي تعيشه في هذا البلد أو ذاك، إذ قد يكون القضاء على الأمية هو الأولوية المطلوبة في مكان، والالتحاق بالتعليم العالي هو أولوية أخرى في مكان آخر، وإيجاد فرص عمل، أو تغيير القوانين، أو حق الترشح والاقتراع.. في أمكنة ومجتمعات أخرى، أي أن قضية المرأة ليست واحدة وإنما مختلفة ومتفاوتة.

- لا تنفصل قضية المرأة عن قضية المجتمع عمومًا، إذ يصعب القبول بفكرة تقدم المرأة (على مستوى القوانين أو المواقع السياسية والإدارية) واستمرار جمود المجتمع، لأن المرأة ليست قضية خاصة، فهي جزء من التحولات التي يمر بها المجتمع ومن الأطوار التي ينتقل اليها، ويصيبها ما يصيبه من التقدم والتأخر، ولهذا إن فرضية تغيير واقع المرأة لتغيير واقع المجتمع هي فرضية غير دقيقة، لأن المجتمع الذي يتقدم هو الذي  يتخلص مع تقدمه من كل أشكال التخلف أو الجمود سواء تجاه المرأة  أو  تجاه الأسرة، أو التعليم أو البحث العلمي، أو التنمية أو غير ذلك مما يؤشر إلى مستويات التقدم والتخلف.

- إنّ مشاركة المرأة السياسية لا يفترض أن تعني مشاركة بعض النساء في المواقع السياسية والإدارية، لأن مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية هي ما تقوم به مئات الملايين من النساء في حياتهن اليومية، وأن اختصار المشاركة السياسية للمرأة على أعداد محددة يتم اختيارها وفقًا لـ"كوتا" معينة، هو ظلم بحق ما تبذله المرأة في مجالات الحياة الأخرى التي لا تقل أهمية على الإطلاق عن تلك المواقع التي يراد لها أن تصل إليها.

- إنّ رفع وعي المرأة السياسي هو أهم بكثير من اختيار بعض النساء للمشاركة في بعض المواقع السياسية، لأن هذا الوعي هو الذي يعطي تلك المشاركة مضمونها الحقيقي. وهذا يعني أن السماح للمرأة بالانخراط في الهيئات والمنظمات ذات الطابع السياسي والاجتماعي وبالمشاركة في الاقتراع وبالاهتمام بالقضايا الوطنية هو الذي ينقل المرأة من واقع التهميش إلى واقع المشاركة، ومن واقع الانغلاق إلى الانفتاح على كل قضايا مجتمعها والمجتمعات الأخرى والعالم.

وعندئذ تحقق مشاركة المرأة أهدافها المرجّوة والمتوقعة في المجالات كافة.

 

 

الأذان وحقوق الجيران

الشيخ إبراهيم الأنصاري

 

تزاحم الأذان وحقوق الجيران

جرى الكلام في بعض المحافل العلمية عن مسألة تزاحم الشعائر الدينية مع بعض الحقوق الفردية، مثل كون الأذان أو الشعائر الحسينية أو غيرهما مما يتأذى بها بعض جيران المسجد لكونه مريضًَا عصبيًا أو نفسيًا يتضرر به أو لغير ذلك، وقد أصرَّ بعض الفضلاء على تقديم حق المتضررين ومنع الأذان وغيره من الشعائر، ولم يلتفت إلى مرجحات باب التزاحم، ولا مرجحات تزاحم الحقوق ورعاية الأهم والمهم وإنما نظروا إلى حق المريض وأوجبوا مراعاته ولو بتضييع حقوق الأصحاء من جهات أكثر وأهم.

فطلب مني بعض الأفاضل أن أشير إلى وجوه الخطأ في هذا الرأي الجديد، فأشرت إليها في ضمن مقدمات سبع قصيرة.

وقبل البحث أشير إلى نكتة واضحة احتياطًا ، وهي أن المراد من المقال الدفاع عن مطلق نشر الأذان بالمكبرة في نفسه ، ولا نتعرّض للموارد الخارجة عن المتعارف الذي يؤذي الأصحاء فضلاً عن المرضى ، أو يشتمل على خصوصية أزيد من الأذان المتعارف ، مثل نشر الأدعية والقرآن طويلاً قبل أذان الصبح أو غير ذلك من الأمور الخارجة عن الأذان المتعارف في هذا الزمان .

المقدمة الأولى: السيرة المستمرة

إن الاهتمام بآراء أهل العلم وكبار العلماء والفقهاء والفلاسفة وغيرهم سيرة عامة لجميع العلماء والعقلاء، فتراهم في أول كل مسألة علمية يتعرضون لآراء العلماء ويناقشونها مع أدلتهم ولا يتساهلون في أمرهم، ولا يسرعون إلى مخالفتهم إلا إذا التفتوا إلى تحقيق علمي خفي عليهم مع نهاية الاحتياط.

وإما إذا كان الدليل الذي اعتمد عليه الفقيه المتأخر مذكورًا في كتبهم، أو كان أمرًا بديهيًا لا يحتمل غفلتهم عنه، فالعدول عن رأيهم حينئذ لأجل أمر بسيط أمر منكر.

كما في مسألة الأذان، فإن رفع أصوات الأذان بين المؤمنين وكون بعض الأفراد من المرضى وغيرهم يتضررون كان أمرًا شايعًا في طوال التاريخ من زمن النبي (ص) إلى زماننا هذا، ولو اكتفينا بما رأيناه لكفانا.

فقد كان أذان حرم السيدة المعصومة والمسجد الأعظم في قم يدوّي في أكثر شوارعها وأزقتها وبيوتها، بما فيها من مرضى أعصاب وقلب ونفس وغيرها، على مرأى ومسمع، بل تحت إشراف المراجع العظام كالسيد البروجردي، والخميني، والكلبايكاني، والتبريزي، واللنكراني، والوحيد، وغيرهم إلى يومنا.

وفي النجف الأشرف كان أذان حرم أمير المؤمنين بمرأى ومسمع من السيد محسن الحكيم، والخوئي، والسيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، وغيرهم.

وفي لبنان كان أذان المكبرات في زمن السيد شرف الدين، والسيد موسى الصدر، والشيخ محمد تقي الفقيه وغيرهم.

فهل يحتمل أن مسألة وجود بعض المرضى ممن يسمعون الأذان كان أمرًا دقيقًا وعميقًا خفي على هؤلاء المراجع؟ مع انه واضح للعوام والخواص، أو أنهم جميعًا كانوا ولا يزالون يداهنون في أحكام الله تعالى ويتساهلون بها.

والآن في الجمهورية الإسلامية العتبات المقدسة كلها بيد العلماء، وكذا في النجف الأشرف، فلو تمّ هذا الدليل لمنعوا من إذاعة صوت الأذان من المكبرات، فهل يحتمل غفلتهم عن وجود المرضى في النجف وقم ومشهد وغيرها حاشا ثم كلا ، بل نحن حفظنا شيئًا وغابت عنا أشياء.

المقدمة الثانية: وجوب استمرار الشعائر وحفظها

إن الشعائر الدينية يختلف حالها عن التكاليف الفردية، ففي التكاليف الفردية إذا تزاحم في حق شخص عمل واجب مع عمل مستحب ترك المستحب لأجل الواجب، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا أضرّت النوافل بالفرائض فارفضوها([1]).

ولكن الشعائر الدينية فيها جهتان :

جهة فردية : وهو أن زيدًا مثلاً هل يشارك في الشعائر الحسينية أو لا؟ وأنه هل يذهب إلى زيارة كربلاء أو لا؟ وهذا لم يختلف العلماء في عدم وجوبه سوى الشاذ منهم.

وجهة اجتماعية : لكونها من شعائر الشيعة، ومما يتوقف عليه بقاء التشيّع واستمراره، فما ورد في مزار الشيخ المفيد، وابن قولويه وغيره، من الفتوى بوجوب زيارة الحسين   (عليه السلام) عملاً بالروايات التي اعتمدوا عليها يحمل على هذه الجهة، أعني الوجوب الكفائي لحفظ أصل الشعيرة .

وكذلك الأذان، إذ نرى أنه يوجد خلط بين الحكم الفردي والحكم الكفائي له، حيث لا يقول أحد بوجوب الأذان على نحو الوجوب العيني على كل أحد، ولكنه واجب كفائي، يجب على الحاكم الشرعي نصب المؤذن وتعيين رزق له، كما يجب إقامة الشعائر الحسينية حسب الإمكانات ورعاية الأجواء.

وقد أفتى الجميع بأنه لو لم يوجد حاجّ في سنة من السنين، يجب على ولي أمر المسلمين تجهيز جماعة معتدّ بها لإقامة مراسم الحج، وهذا لا ينافي اشتراط وجوبه الفردي بالاستطاعة، وكذا سائر الشعائر حيث تجب إقامتها على ولي الأمر أو المسلمين وجوبًا مستمرًا في كل سنة، وأما وجوبها على خصوص كل فرد فلم يلتزم به أحد، وكذلك الأذان وذلك لتوقف التذكير بالصلاة ونشر أجواء الإسلام والروحانية عليه.

المقدمة الثالثة: تزاحم الحقوق وتزاحم الأحكام

إن تزاحم حقوق الأفراد لا ربط له بمسألة تزاحم الأحكام التكليفية، بل كل حق اجتماعي ثابتٍ لشخص أو مجتمع أو مذهب يجب احترامه ويحرم مزاحمته، بدون نظر إلى أنه واجب أو مباح، فمرور السيارات في الشارع حق شرعي وقانوني لهم في النهار وبعض الليل، وإن كانوا خرجوا للتفرج والتنزّه، ولا يجوز منعهم بحجة أنه ليس واجبًا من أجل وجود مرضى أعصاب أو قلب، أو مرضى نفس وإن كثروا.

وكذلك الشعائر الدينية حقّ اجتماعي لكل دين أو مذهب، فصوت ناقوس المسيحيين وأذان المسلمين والشعائر الحسينية للشيعة حق يثبته أهل كل دين ومذهب في عرفهم وشرعهم ، بل القوانين الوضعية لا تعارضهم في ذلك في أكثر البلدان ، اللهم إلا ما كان منها علمانيًا متشددًا على ما ينقل .

المقدمة الرابعة: تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة

لا يوجد في العالم عمل إصلاحي لا تراه جماعة معينة مزاحمًا لمصالحها، ولا يروج عمل خير نافع عند العقلاء إلا وهناك فرد أو أفراد يعتبرونه شرًا وضارًا في حقهم بل قد يكون ضارًا بهم واقعًا.

ولكن يوجد تطابق بين العقل والعرف والشرع على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وعلى ترويج الخير النافع للعباد والبلاد وإن تضرر منه فرد أو أفراد، فقد سبقهم جميعًا أمير المؤمنين  (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر حيث قال: إن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة)([2]).

وهذا الحديث يفسر لنا كلام رسول الله  (صلى الله عليه وآله) حيث قال (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) حيث إن بعض الذين يعيشون في آفاق ضيقة يلتفتون إلى الضرر والإضرار الشخصي أو الجسماني عند التزاحم، ولا يلتفتون إلى الضرر النوعي أو غير الجسماني والمادي، فأمير المؤمنين (عليه السلام) يبيّن أنه عند تزاحم الضرر الشخصي مع العمومي يقدم حق العامة ويسقط حق الخاصة بالمقدار الذي يزاحم الحق العام.

ويؤيده العقل الحاكم بوجوب تقديم الأهم على المهم، إذ لا ريب في أهمية حق المسلمين ككُلٍّ وتقدُّمها على حقوق أفرادٍ قليلين يتأذون من صوت الأذان لأجل مرضهم، كما أن هناك من يتأذى من الأذان بدون مرض، بل إنّ من في قلوبهم مرض قد يلتذّون بكل صوت حلال أو حرام إلا صوت الأذان فإنه يزعجهم.

ويؤيد ما ذكرنا فتاوى كثيرة لفقهائنا في موارد تزاحم المصالح العامة مع مصالح الخاصة، منها ما إذا اقتضت مصلحة البلد فتح شارع يبدأ في مكان خاص ، فإن كل بيت يقع في مسير هذا الشارع يجوز هدمه مع ضمان  قيمته، سواء رضي صاحب البيت أو لم يرض، ونظائر هذا كثير.

والحاصل أن إقامة الطقوس الدينية وشعائرها -التي منها الأذان- من أهم الحقوق الاجتماعية والفردية لكل فرد أو مجتمع إنساني، وليس حقًا شخصيًا خاصًا، بل حق عام لكل معتقد بهذا الدين، وسلبه ومنعهم منه إضرار عام بهم وسلب لحريتهم الدينية في إقامة شعائرهم، فإذا تعارض مع الضرر الخاص بفرد أو أفراد يحكم العقل والشرع والعرف بتقديم الحق الاجتماعي العام على الحق الشخصي الخاص.

المقدمة الخامسة: تقديم المصلحة الدينية على الدنيوية

روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) شعر هو ( الموت أولى من ركوب العار والعار أولى من دخول النار)([3]).

معناه أنه عند تزاحم الضرر البدني والجسماني مع ضرر الجاه وكرامة  الإنسان الترجيح مع الثاني، فيجب قبول الضرر الجسماني لدفع العرضي بأن يجعل شخصه فداء لشخصيته وعرضه، وفي المصراع الثاني يقول إنه إذا تزاحم الضرر المستلزم للعار والذي يمسّ بكرامة الإنسان وشخصيته الاجتماعية مع الضرر على دينه يقدم  الثاني، ويجعل شخصيته وجاهه الاجتماعي وعرضه فداءً لدينه، كما فعل هو (عليه السلام) حيث أعرض عن دنياه وجاهه الدنيوي ، بل عرّض نفسه للقتل والتمثيل ، وعِرضه من النساء والأطفال للسبي فداء لدين الله وحفظًا لشرعه .

ومما يؤسف له أن هناك من لا يفهم من الضرر إلا المادي، وأما الضرر الديني الذي هو أهم من كل ضرر فلا يهتم به أصلاً، وذلك لأن من جملة الحقوق الثابتة في جميع الأعراف عند جميع العقلاء (الحرية الدينية) حتى إن الأمم المتحدة أقرّت بها ، وأقرّت بأن إقامة شعائر أي دين أو مذهب سواء كان أذانًا أو شعائر حسينية أو ناقوس النصارى وغيرها حق قانوني يكون المنع عنها إضرارًا أو خيانة، فإذا تزاحم مع حق آخر يقدم عليه.

المقدمة السادسة: شرائط الزمان والمكان

إذا سألنا الذين سنّهم فوق الستين -خصوصًا إذا عاشوا في بلاد خالية من السيارات والمعامل ونحوها- سوف يشهدون بأن صوت الأذان في ذلك الوقت بدون المكبر كان صداه أبعد وانتشاره أوسع من صوت المكبر في زماننا، وأنا أذكر دقيقًا بأن صوت مؤذن قريتنا كان يسمع في قرية بعيدة عن قريتنا بمقدار فرسخين، ولكن سواء كانت هذه الدعوى مقبولة أم لا فلا إشكال أن إقامة الشعائر تتغير حسب الأعراف الزمانية والمكانية، فكما أن الخطباء قديمًا كانوا يخطبون بلا مكبرة والآن معها، وكذا بعض أئمة الجماعة ينتشر صوتهم عبر المكبرة، وكذا المواكب الحسينية حيث أنها كانت بلا مكبرة والآن معها، كذلك الأذان الإعلامي فإنه الآن مع المكبرة مثله قديمًا بدونها بلا تشبيه، نظير تبدّل أصوات الدواب من الخيل ونحوها بأصوات الطيارات والسيارات وأبواقها، فالإزعاج من المكبرة مثل الإزعاج من أصوات السيارات وغيرها، مما صار جزءًا من حياتنا اليومية، ومنعها لأجل وجود المريض ونحوه مرفوض عند جميع العقلاء والعلماء، فلا يخطر ببال أحد الحديث عن منع الناس من استعمال هذه الآلات المزعجة دفعًا للضرر عن المرضى ونحوهم، ولكنك تجد الكثيرين من ضعاف الإيمان أو خصوص بعض المتضررين يلهج بوجوب منع الأذان وإخفاء صوته.

المقدمة السابعة: تقديم ما لا بدل له عند التزاحم

ذكر الأصوليون جميعًا قديمًا وحديثًا خصوصًا أتباع مدرسة الشيخ النائيني أن من جملة مرجحات باب التزاحم كون أحد المتزاحمين له بدل دون الآخر، سواء كان البدل عَرْضيًا مثل الكفارات الثلاث، أو طوليًا مثل التيمم بالنسبة إلى الوضوء، حيث حكموا بتقديم ما لا بدل له على ما له بدل، إما لأنه لا تزاحم هنا، أو لتقديم ما لا بدل له على الآخر.

وفي المقام الأذان الشعاري لا بدل له لأنه ينتفي بتركه، والأذان بدون رفع الصوت بحيث يسمعه أهل البلد ليس أذانًا شعاريًا، وكذا الأذان بدون المكبر ليس أذانًا إعلاميًا في زماننا ، إلا أنه يجب أن يصل إعلامه إلى كل أو أكثر البيوت أو المحلات التي هي في محيط هذا المسجد ، لا خصوص جيرانه ، وإلا لم يكن أذانًا إعلاميًا .

بخلاف المريض العصبي أو النفسي أو ما شابه ذلك، فإنه يمكنه إدخال القطنة في أذنه أو يسد الأبواب ونحو ذلك مما يخلصه من صوت الأذان أو تحمله له كما يتحمّل أصوات السيارات أو غيرها.

حصيلة البحث

النتيجة أن الأمر إذا دار بين إيذاء المسلمين وإضرارهم بإسقاط الأذان من مكبراتهم ومحاربة شعارهم هذا باسم الدفاع عن بعض المرضى على خلاف سيرة المتشرعة ومرتكز أذهانهم، وبين الإبقاء على هذا الشعار وإن نتج عنه بعض الضرر والأذية لهؤلاء المرضى، فنقدّم الحق العام للمسلمين بإبقاء شعارهم وعدم إسقاط الأذان من المكبرات، مع أنه يمكن للمرضى التخلص من هذا الضرر بسدّ أبوابهم أو سدّ آذانهم أو غير ذلك من الطرق، أو يتحملوا هذا الأذان كما يتحملّون أصوات السيارات والطائرات وغيرها، علمًا بأن وقت الأذان هو وقت قصير نسبيًا، بدلاً من إيذاء الكلّ وإضرارهم بالمنع من شعائرهم المذهبية الدائمة وسلب حريتهم الدينية.

والمهم أن مسألة وجود المريض وتأذّيه لم يكن أمرًا دقيقًا أو خفيًّا يغفل عنه العقلاء طوال السنين ويلتفت إليه البعض أخيرًا حتى يكون عدم صدور هذه الفتوى منهم لخفاء منشأه عليهم ، كما أن الاعتراض على الأذان من البعض بذريعة تأذّي المرضى ونحوه كان موجودًا قبل حدوث المكبر ، ولكن لم يكن يعتني به العلماء والعقلاء إلا بقولهم للمعترض: حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

([1]) نهج البلاغة : 3/221-279.

([2]) نهج البلاغة خطب نهج البلاغة ، الشيخ محمد عبدو : 3/86.

([3]) كلمات الإمام الحسين، الشيخ الشريفي : 1/495.

 

 

وجه استقباح العقوق عرفًا([1])

الشيخ محمد مهدي عبد الساتر

 

مقدمة

في هذا العنوان نحاول أن نبحث عن الوجه الذي لأجله استقبح العرف -بما هو عاقل مميز- العقوق، وكذا أن نلامس الوجه الذي لأجله حرّمه الشارع المقدس ضرورة أن العقل مهما بلغ من الصفاء والتمييز عاجز عن الإحاطة بتمام ملاكات الأحكام، وينبغي لفت النظر قبل الغوص في هذه النقطة إلى مسألة الحسن والقبح، ولو على نحو الإيجاز، فنقول :

ذكروا للحسن والقبح معانٍ ثلاثة ([2])، ثالثها وهو ما يراد بهما حين إطلاقهما المدح والذم، وتوصف الأفعال الاختيارية بهما، وقع فيه النزاع بين العدلية والأشاعرة في أن العقل هو الحاكم في حسن الأفعال وقبحها، أو هو الشرع، فقالت العدلية بالأول، وقالت الأشاعرة بالثاني، وقد قدم كل من الفريقين أدلته وحقق في محله فساد رأي الأشاعرة وأدلتهم، لاستلزامها لكثير من المحاذير.

وما نريد قوله وهو ما ثبت في محله أن هناك أفعالاً يستقل العقل بحسنها وقبحها، ويقضي بهما من دون أن يستعين بالشرع ويرى حسنها وقبحها مطردًا في جميع الفاعلين، وملاك قضائه في ذلك ملاءمة الفعل أو منافرته للشخصية العُلوية المثالية التي خلق الإنسان عليها([3]).

هذا وقد قسم القائلون بالحسن والقبح العقليين الأفعال من حيث الاتصاف بهما إلى ثلاثة أقسام :

الأول : ما يكون الفعل بنفسه علة تامة للحسن والقبح، وهذا ما يسمى بالحسن والقبح الذاتيين مثل العدل والظلم، فذات العدل وذات الظلم يكون علة تامة للحسن والقبح، فمتى ما كان العدل كان حسنًا، ومتى ما كان الظلم كان قبيحًا.

الثاني : ما لا يكون الفعل علة تامة، وإنما يكون مقتضيًا للاتصاف بأحدهما لولا المانع من ذلك، فالكذب لو خلي ونفسه كان قبيحًا لولا المانع من ذلك وهو دفع ظلم الظالم عن المؤمن مثلاً.

الثالث: ما لا يكون علة تامة ولا مقتضيًا في نفسه للاتصاف بأحدهما وإنما يختلف باختلاف الجهات والعناوين الطارئة عليه، كضرب اليتيم فإنه حسن للتأديب وقبيح للإيذاء.

ثم إنه بعد هذا العرض نسأل ما يلي :

1 - هل إن العرف بما هو عاقل مميز يستقبح العقوق أو لا؟

2 - إن قلنا بأن العقوق قبيح فمن أي الأقسام الثلاثة هو ؟

وقبل الإجابة عن السؤال الأول لا بد من لفت النظر إلى سؤال آخر مستبطن فيه وهو أن العقلاء حينما يحكمون فما هو ملاك حكمهم، أي أنه لا بد من وجود ضابطة إليها يكون مآل الأمر في حكمهم.

هذا وقد ألمحنا فيما تقدم إلى أن هذه الضابطة هي العقل الذي يستطيع أن يحسّن بعض الأفعال ويقبّحها من دون أن يستعين بشيء ويكون حكمه عليها مطردًا في جميع الفاعلين، وملاك قضائه ملاءمة الفعل أو منافرته للشخصية العلوية المثالية التي خلق الإنسان عليها.

وبعبارة ثانية نقول : إن المولى سبحانه وتعالى حينما أراد خلق الإنسان أراد أن يكون هذا المخلوق على نموذج ونحو معين يناسب الغاية التي لأجلها كان الخلق، ولذا ومن باب إتمام الحجة عليه أودع فيه ما يضطره -لا بمعنى إلجائه- إليها، فكان العقل، وكان مسددا تكويناً، وإلا لما كان مأمونًا في شيء، ولعاد التساؤل يطرق الباب من جديد وأنه ما هو الملاك في حكم العقل وما هي الضابطة في ذلك، وهذه الضابطة أيضًا يعاودها السؤال المزبور وهكذا إلى ما لا نهاية، مضافًا إلى الجهة الأخرى أعني الرسول إلا أن نحو التسديد فيه مغاير لنحو التسديد في العقل كما حقق في محله، ومن هنا قيل : (العقل شرع من الباطن والشرع عقل من الظاهر)، لا بمعنى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وإن كانت ثابتة على نحو الموجبة الجزئية، وإنما بمعنى الحجتية، أي إن العقل حجة ينبغي اتباعه كما الشرع، إلا أن هذا داخل باطن وذاك خارج ظاهر، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) التصريح بذلك حيث يقول : (العقل شرع من داخل والشرع عقل من خارج)([4]).

وبناء لما تقدم فقد أصبح واضحًا أن ملاك حكم العقل هو ما اودعه المولى سبحانه فيه من معان تتوافق والغاية التي أرادها المولى من خلق الإنسان.

إذا اتضح ذلك نعود إلى الإجابة عن السؤال الأول وهو : أن العرف بما هو عاقل مميز يستقبح العقوق أم لا ؟

فنقول : مما لا إشكال فيه أن العرف يستقبح هذا الأمر وذلك بملاحظة أمور :

الأمر الأول : وجوب شكر المنعم

وهو من الأمور التي لا يشك بها أحد على الإطلاق مع قطع النظر عن كون المنعِم منعمًا بالذات، أو كونه منعمًا بالعرض، فإن العقل قاض بذلك حيث يرى بأن المنعِم له نحو تفضّل على المُنعَم عليه، وأن عدم شكره والاعتراف بفضله وإنعامه جحود وكفر بهما، مضافًا إلى أن عدم الشكر قد يجلب ضررًا ويمنع منفعة، وهذا من الواضحات.

هذا ولا يقال بأن أمر وجوب شكر المنعم مختص بالمولى سبحانه وتعالى لأنه هو سبحانه المولى الحقيقي. لأنه يقال : بأن العبرة إنما هي في وجود المولوية حتى لو كانت هذه المولوية اعتبارية، فاعتبار الشيء اعتبار للوازمه، وإن كان هذا الاعتبار على نحو الموجبة الجزئية، أي تابعًا لنظر المعتبر، فاعتبار الأب مولى والزوج كذلك، اعتبار لمولويته وحق الطاعة له، وإن كان هذا الاعتبار تابعًا لنظر المعتبر سعة وضيقًا، فليست طاعتهما كطاعة الله سبحانه، بل لها مستوى معين اعتبره المولى الحقيقي.

ومضافًا لما تقدم، فإن الملاك الذي لأجله حكم العقل أو أدرك وجوب شكر المنعم وباعتباره أمرًا فطريًا، هو نفسه موجود فيما نحن فيه، أي أن للوالدين نحو تفضل، وإن كان في حيز الوجود ولو عرضا، فكيف إذا تجاوز إلى حيز الحضانة والرعاية والكفالة بكل مفرداتها.

ثم إن قضية جلب الضرر ومنع المنفعة أيضًا موجود فيما نحن فيه، فمن المعلوم أن عدم شكرهما مدعاة لجلب كثير من الآثار الشرعية والوضعية السلبية ومنع كثير من الآثار الإيجابية.

هذا، وقد نبّه الكتاب الكريم إلى ذلك بقوله : {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}([5])، وأنّ شكرهما شكر له سبحانه، وأنه أحد أوجه شكره سبحانه لا على نحو البدلية،،وذلك لما لهما من الفضل ولو بالعرض، ولما للشكر من مدخلية في ديمومة الإنعام، وقد ورد الأثر في ذلك، وأن بالشكر تدوم النعم.

الأمر الثاني : وجوب رد الإحسان بمثله

وهو من الأمور التي جبل عليها الإنسان بفطرته التكوينية، ولذا كان هذا الأمر من مدركات العقل العملي، إذ كما أن للعقل النظري أوليات كاستحالة اجتماع النقيضين، فكذلك للعقل العملي أوليات من أوضحها وجوب رد الإحسان بالمثل، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله : {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلَّا الإحْسَانُ}([6]).

والذي هو أحد مصاديق حسن العدل.

ومن هنا فقد كان الرد على إحسان الأبوين بالإساءة مما يأنفه وبمجّه الطبع البشري السليم النظيف من أدران المادة.

الأمر الثالث : الاعتراف بالجميل

وهو من الأمور الفطرية الواضحة التي لا حاجة إلى إقامة الدليل عليها، وإنكار الجميل ينبئ عن سوء السريرة، وتأباه الفطرة النظيفة، لما يشتمله هذا الإنكار من معاني الغدر واللؤم الممقوتين، بحسب الطبع السليم، والعقل يدرك هذا الأمر دونما عناء.

هذا وإن إنكار ما للوالدين من جميل، لهو من أعظم الأمور بشاعة وفظاظة، لما يمثله هذا الإنكار من قلة وفاء ونكران لكل ما يؤْثِر به الأبوان الأولاد ولو بحرمان أنفسهما في سبيل المحافظة على حياة مولودهما ونشأته نشأة صالحة.

ثم إنه لا يقال : بأنه يكفي للتدليل على قبح العقوق كونه ظلماً، فالظلم علة تامة له، لأنه يقال : بأنه وإن كان ذلك حقًا، إلا أننا أردنا أن نبيّن مفردات هذا الظلم، ولا تنافي في البين يذكر، باعتبار أن عدم شكر المنعم من مصاديقه، وكذا رد الإحسان بالإساءة، ونكران الجميل، وإن كان الظلم بحسب الدقة أمرًا عقليًا، وبعض ما ذكرنا من أمور هي عقلائية، إلا أن العرف لا يميز بينهما، وإن كان يميِّز إلا أنه لا يفرِّق.

وبعد الفراغ من الإجابة عن السؤال الأول، ننتقل للإجابة على السؤال الثاني، وهو أنه إذا كان العقوق قبيحًا فمن أي أقسام القبح هو ؟

الظاهر أن قبح العقوق ذاتي، باعتبار أنه ظلم، وقد تقدم أن الظلم علة تامة للقبح.

وما ربما يتوهم من كونه اقتضائيًا إذ أنه لو كان ذاتيًا لاقتضى كونه قبيحًا في كل الموارد، أي أنه لا يتخلف، والحال أننا نجد أن العقوق في بعض الموارد حسن، لا أقل مما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أن رجلاً جاء إليه قال له : إن أمي لا تدفع يد لامس، فقال : فاحبسها، قال قد فعلت، قال : فامنع من يدخل عليها، قال : قد فعلت، قال : قيدها، فإنك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله عز وجل([7]).

فإن المأمور به فيها الحبس ثم التقييد، فلو كانا قبيحين ذاتيين باعتبارهما مصداقين مختصين بالعقوق لاستلزم ذلك النهي عنهما لا الأمر بهما، والحال أنهما مأمور بهما، فظهر من ذلك كون قبحهما اقتضائيًا لنكتة التخلّف.

مدفوع : بأن الاقتضائية تستوجب التخلّف حكمًا لا عنوانًا، أي أن العنوان يبقى، إلا أن حكمه يتغير بحسب المانع وجودًا أو عدمًا، فلا توجد ملازمة بين العنوان والحكم، فالكذب الضار لو خلي ونفسَه كان قبيحًا لولا المانع من ذلك، وهو دفع ظلم الظالم من المؤمن مثلاً فإنه حسن، فالعنوان وهو الكذب الضار باق على كل حال، سواء تغير الحكم لوجود المانع، أم لم يتغير لعدمه، وهذا ما يعبر عنه بالتخصيص.

وهذا بخلافه في الذاتية، حيث توجد ملازمة بين العنوان والحكم وجودًا وعدمًا، فإن الحكم يكون إذا كان عنوانه، ولا يكون إذا عُدم عنوانه، فإذا تغير الحكم، فإن ذلك يكشف عن تغيّر العنوان، فالحكم وهو القبح يكون إذا كان عنوانه وهو الظلم، وأما إذا انقلب الحكم إلى الحسن فإن ذلك يكشف عن انقلاب العنوان من الظلم إلى العدل.

وفي مورد التوهم، القضية ليست قضية بقاء العنوان وهو العقوق وتغير الحكم من القبح إلى الحسن، حتى نحكم بالاقتضائية، وبالتالي الحكم بالتخصيص، وإنما لم يبق العنوان أصلا، بل انقلب إلى عنوان آخر وهو البر، حيث إن الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية قال : (فإنك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها..)، فجعل الحبس أو التقييد في مثل موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصاديق البر لا العقوق، وبالتالي فإن القضية قضية تخصص.

هذا ولكن قد يقال : بأن الحكم بالقبح أو الحسن الذاتيين إنما يكون بسبب العنوان نفسه، لا لأجل انطباق عنوان آخر عليه، بحيث لو خلي ونفسه لم يستوجب ذلك، إذ الذاتي لا يعلل وهو الشيء القائم بنفسه، فالظلم بعنوان نفسه يستوجب القبح، والعدل بعنوان نفسه يستوجب الحسن، فلا يقال لِمَ كان الظلم قبيحًا، وللعدل لمَ كان حسنًا، وهذا بخلافه في بقية العناوين، والتي موردنا منها، فإن ما تعنون بالحسن أو القبح فيها ليس هو بذاته تمام الموضوع، بل هو جزء الموضوع، ومن هنا صح أن يقال : لماذا كان الكذب قبيحًا ليجاب بأنه لا يوجد مانع من انطباق عنوان الظلم عليه.

والخلاصة : أن الحكم إذا لم يمكن تعليله بأمر خارج عن ذاته كان ذاتيًا وإن أمكن تعليله كان اقتضائيًا.

والحاصل : أن موردنا من قبيل الثاني لا الأول، ضرورة أن الحكم فيه ممكن التعليل، فيقال بأن العقوق قبيح لأنه ظلم، وعليه فإن قبحه يكون اقتضائيًا لا ذاتيًا، فتأمل.

وكيف كان، فإن مثل هذه الروايات يمكن تخريجها على كلا التقديرين، فإن التزمنا بالقبح الذاتي نقول بالتخصيص، أي الخروج الموضوعي، وانقلاب العنوان عما هو عليه، وبالتالي انقلاب الحكم تبعًا لذلك العنوان، فنقول بأن هذا ليس بعقوق أصلاً، وإنما هو بر، وبالتالي فهو حسن، وإن التزمنا بالقبح الاقتضائي نقول بالتخصيص والخروج الحكمي، أي بقاء العنوان، وانقلاب الحكم تبعًا لحكم المورد الأقوى الذي ورد فيه العنوان.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])المتتبع لمعاجم اللغة لا يجد اختلافًا بين أصحابها حول معنى العقوق، غاية ما في الأمر أن لكل مفردة من مفرداتها خصوصيتها التي تسبق في الظهور، فالفرس تعق ، يقال فرس عقوق، أي انعقّ بطنها، واتسع للولد، والرمل عق أي انشق وخرق، ومنه قيل للبرق إذا انشقّ عقيقة، والنهر عقيقة، والعصبة ساعة تشق من الثوب، والوالد عقّ عن ولده إذا ذبح عن ولده يوم أسبوعه، وقد عق أباه إذا خرج عن طوعه وأمره، وعقّ والديه إذا قطعهما، ومنه انعقّ الغبار إذا انشقّ وسطع.

ومما تقدم يظهر معنى العقوق، فهو الشق والخرق والقطع والفسخ، ويمكن القول كمعنى جامع بأنه المباينة والمباعدة بين شيء أو أشياء على اختلاف أنحائها.

وبعبارة ثانية : المباينة والمباعدة بالنسبة للفرس هي عينها في جميع ما تقدم من مفردات، إلا أن نحو المباينة الحاصلة للفرس مغاير للنحو الحاصل في غيرها كما لعله يستظهر ذلك مما تقدم.

هذا لغة، وأما اصطلاحًا، فلا يوجد فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، إلا أنه اصطلاحًا مختص بحالة المباينة والمباعدة بين الولد ووالديه أو أحدهما، فعاقّ الوالدين من لا يبرّهما، والعقوق جحود الجميل، وعقوق الوالدين إساءة الولد لوالديه بالقول أو الفعل وإيذائهما أو إغضابهما بترك الإحسان إليهما..

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المعنى متفق عليه بين الأعلام، إلا أنهم لم يتعرّضوا لحالة المباينة والمباعدة الحاصلة من الوالدين اتجاه ولدهما، ولذا رأيتهم يسترسلون في الكلام عن المعنى الأول دون الثاني، وإن كان المعنى الأول أكثر ورودًا في النصوص لخطره وعظمه، باعتبار أن العقوق غالبًا يترقب من جهة الولد لا من جهة الوالدين،فكان طبيعيًا أن يكثر الأئمة سلام الله عليهم الإلفات إليه ولكنهم لم يهملوا الجنبة الأخرى للعقوق، وإن لم يثبتوا جميع ما اثبتوا للجنبة الأولى من آثار شرعية ووضعية، ولم يضعوا هذه الآثار في الكفة نفسها لتلك..

([2]) فتارة يطلقان ويراد بهما كمال النفس ونقصانها، وأخرى يراد بهما الملاءمة والمنافرة للنفس، وكلا الإطلاقين يقعان وصفًا للأفعال ومتعلقاتها.

([3]) الإلهيات ص254.

([4]) مجمع البحرين : 3/224.

([5]) لقمان: من الآية14

([6]) الرحمن:60

([7]) وسائل الشيعة، ج18، ص414، ب48، أبواب حد الزنا، ح1.

 

 

جوته [الشاعر الألماني الكبير]

والإسلام

د. حسن جعفر نور الدين

 

في التراث العالمي رجال كثيرون من ديانات مختلفة أسلموا أو كادوا يدخلون الإسلام، بعد تفكير عميق عاشوه متقلّبين متأمّلين بين ما هم عليه وبين ما رأوه وسمعوه وثقفوه من خلال دراساتهم واطلاعهم على حياة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وتعاليم وقِيم الإسلام العظيم، ومن هؤلاء شاعر ألمانيا الملهم يوهان فدلفجانغ جوته، الذي شغله الشرق بكل ما فيه من أدب وشعر وتقاليد وقيم سمحاء ودين سماوي عظيم، فمن هو جوته ؟

حياته وثقافته([1])

ولد جوته في 28 آب سنة 1749م في مدينة فرانكفورت الألمانية، ومن أسرة مترفة مثقفة.

تلقى علومه الأولى على والده، ومن ثم على أساتذة كانوا يأتون إلى منزل الأسرة، فتعلّم الفرنسية والإنكليزية واليونانية واللاتينية والعبرية والإيطالية، علاوة على لغته الأم.

عندما بلغ السابعة عشرة أرسله أبوه إلى جامعة [لايبنرغ] ليدرس القانون، لكنه مال إلى الآداب والرسم، وقضى بضع سنوات لاهيًا عابثًا، حتى أصيب بالمرض، فعاد إلى منزله، وبعد أن تماثل للشفاء انتسب إلى جامعة ستراسبورغ وأنهى فيها دراسة القانون سنة 1771م.

وما لبث أن عاد إلى مسقط رأسه فرانكفورت وافتتح مكتبًا للمحاماة، بيد أن ميوله الأدبية طغت على عمله القانوني، كما أن رغباته الشديدة كانت تشدّه إلى الشعر والقصة.

وبعد استغراق كلي في كتابة القصص والأشعار، أصدر خلال عامي 1773 و 1775م عمله العظيم (آلام فارتر) الذي فتح له باب الشهرة، فصار محجة كبار الأدباء.

وفي سنة 1775م استقرّ به المقام في [فيمار] في قصر الدوق [كارل أوغست]، الذي أنعم عليه وعيّنه وزيرًا، فأهمل الشعر والأدب، وانصرف إلى مهماته الجديدة، ومنها مستشار خاص للإمارة، ومدير للمسرح، ورئيس لمجلس الهندسة المكلّف ترميم القصر، وأخيرًا إدارة مالية البلدة.

ولم ينس خلال تلك المدة نفسه، فدرس العلوم دراسة نظرية وتطبيقية، منها علم النبات وعلم المعادن وشؤون الحساب، ورغم النجاحات بالمناصب التي كان يحصدها، إلا أنها لم تُرضِ طموحه، إذ ضاق صدره بالمناصب الإدارية، فانصرف إلى الأدب، ليعيش في ما خُلق له ووُجد من أجله.

في العام 1796م، قصد إيطاليا وأمضى فيها ثلاث سنوات مطّلعًا على نتاجها الأدبي، ثم عاد إلى فيمار ليتزوج من فتاة اسمها [كريستيان]، رزق منها عدة أولاد لم تكتب الحياة إلا لواحد منهم.

التقى الشاعر الكبير شيللر، وفي سنة 1808م زاره الإمبراطور نابليون بونابرت، وقلّده وسام صليب جوقة الشرق([2]).

ورث جوته عن أبيه الحزم والنظام، وتحكيم العقل والإدارة الصلبة، وعن الأم الخيال وروح القصص وجمال الظرف، وعن جدته لأبيه روح التمثيل والالتفات إلى الكتابة المسرحية، وعن جدته لأمه أجواء الفرح والترف، مما أشاع في نفسه النزعة إلى الحرية والانفتاح.

بعدما تقدّمت به السن، هانت عليه الحياة، فقد مات [هردر] الناقد الكبير الذي تأثّر به جوته خاصة في الميل إلى القرآن الكريم والإسلاميات، ورحل صديقه شيللر والدوق كارل أوغست، فانصرف إلى الكتابة تسليته الوحيدة، ووضع مذكراته وأكمل رواية فاوست، وفي 22 آذار سنة 1832م، أغمض عينيه إلى الأبد، وأمامه الجزء الأخير من رواية فاوست.

والذي يهمنا الإشارة إليه أن جوته كان مهتمًا بالثقافة والأدب العربيين كثيرًا، وتأثر خاصة بالقصص العربي وأدب الرحلات، فمهر اللغة العربية، وتعمّق في دراسة القرآن الكريم، وأشاد بالشعر الجاهلي في تعليقات وأبحاث كثيرة، وأُنجز في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر ديوانه الملهم الرائع الذي تنفس أجواء الفكر الإسلامي وأنجز بأجمعه بوحي معالم الإسلام وقيمه، ألا وهو [الديوان الشرقي لمؤلفه الغربي]

علاقته بالإسلام

لم تكن علاقة جوته بالإسلام عابرة أو سطحية، إنما كانت ناتجة عن فهم عميق لحقيقة الإسلام الناصعة وإيمان بتعاليمه السمحاء وقرآنه المجيد، وتؤكد هذه الآراءَ قصائدُه الكثيرة المشبعة بالروح الإسلامية والذائبة فيها، حسبه أنه نظم وهو في الثالثة والعشرين من عمره قصيدة رائعة موحية أشاد فيها بنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، ومعنى ذلك أن روح الإسلام كانت متغلغلة إلى أعماقة، فهذه السن المبكرة التي أفصح فيها عن حبه للرسول دليل واضح على منحاه التفكيري وميوله العقيدية، وهذه القصيدة شهادة أرسى فيها قيمه الدينية أيضًا، والدليل على أنها حفرت في أعماقه أنه استمر على هذا المنوال مدى حياته يرفد الشعر الألماني والعالمي بلآلئ شعره الإسلامي، فعندما بلغ السبعين أعلن على الملأ وبصراحة ووضوح أنه يعتزم الاحتفال في خشوع بتلك الليلة التي أنزل فيها الله القرآن على النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وبين هاتين المرحلتين، مرحلة الفتوة والشباب ومرحلة الكهولة -كما ذكرت آنفًا- حياة طويلة أعرب فيها الشاعر عن احترامه وإجلاله للإسلام، وهذا ما نجده في الكتاب الذي يُعدّ إلى جانب [فاوست] من أهم وصاياه الأدبية وتعاليمه الفطرية للأجيال الصاعدة، ونعني به [الديوان الشرقي للمؤلف الغربي]، بل إن الدهشة والإكبار ليزدادان عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور هذا الديوان وقال فيها: إنه هو نفسه لا يكره أن يقال عنه إنه مسلم، ويكرّس هذه المقولة أبياتٌ شعرية دامغة تعتبر مظهرًا من مظاهر إيمان هذا الشاعر واستلهامه الإسلام العظيم وكتاب الله القرآن المجيد، وإقراره التسليم بمشيئة الله وقدرته.

وهذه الأبيات بمثابة رباعية في كتاب الحِكَم، ربط فيها موضوع التسليم بمشيئة الله بالدعوة إلى التسامح إذ قال:

 

من حماقة الإنسان في دنياه

أن يتعصّب كل منا لما يراه

وإذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم

فعلى الإسلام نحيا ونموت أجمعين

 

أما إيمانه بالقضاء والقدر، فلا لَبس فيه أبدًا، ويؤكد ذلك ما قاله في سياق شعره:

 

إذا امتحنك القدر

فهو يعلم جيدًا لماذا

إنه يريد منك القناعة، فأطع دونما اعتراض([3])

 

وقد التزم جوته -في سياق دفاعه عن عقيدة التوحيد- بنصوص القرآن الكريم، متبعًا مضمون الآيات فيه، إذ يقول:

 

لقد اختار إبراهيم سيد النجوم

إلهًا لنفسه

وموسى في تِيه الصحراء

صار عظيمًا بفضل الواحد الأحد

كذلك داود

استطاع أن يبرئ نفسه بقوله:

لقد عبدتُ الواحد الأحد

 

كما أقرّ جوته في المقطعين السادس والسابع من قصيدة [أيتها الطفلة الرقيقة.. هذه الأسماط من اللالئ] الرفض الإسلامي للاعتقاد القائل أن المسيح (عليه السلام) هو ابن الله، هذا الاعتقاد الذي يمثل جوهر الخلاف القائم بين الإسلام والنصرانية، وجوته في هذا الأمر واضح وصريح حيث يقول:

 

ويسوع كان ظاهر الشعورِ

ولم يؤمن في أعماقهِ

إلا بالله الواحد الأحد

ومن جعل منه إلهًا

فقد أساء إليه، وخالف إرادته المقدسة

وهكذا

فإن الحق

هو ما نادى به محمد

فبفكرة الله الواحد الأحد

ساد الدنيا بأسرها([4])

 

إذن، يؤمن جوته بأن الدين الإسلامي بقيادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) -وعبر إحدى أهم التعاليم التي تقوم عليها رسالته النبوية وهو التوحيد- حقق غايته الأساسية بالمحبة والإيمان في أرجاء المعمورة كلها.

ويتابع الشاعر الألماني الكبير عرض أفكاره الإيمانية التي اقتبسها من تعمّقه في دراسة الدين الإسلامي، يتابع التركيز على عظمة الخالق سبحانه وتعالى في الكون وفي خلقه، فكل شيء في هذا العالم العظيم يخضع للإرادة العليّة، فالتدبير الإلهي يُدلّل عليه الشاعر في حديثه عن السماء المرصّعة بالنجوم، وعن كل شيء يتحرك في الطبيعة،حتى عن الطيور وحياتها، إذ كل شيء في هذا الكون يجري بإذنه، أجل كل شيء يخضع لإرادته سبحانه:

 

ألا إن كل شيء شاءه الله

رائع

لأنه سبحانه هو الخير الأعظم

وهكذا تنام كل الطيور

في أوكارها الصغيرة والكبيرة

هذا ما علَّمتني إياه

أو شيء مثل هذا

وما سمعته منك، لن يفلت

من قلبي.. ([5])

 

جوته والقرآن

تأثّرُ جوته بالقرآن الكريم يتضّحُ جيدًا في أبيات شعرية له،تحمل قيمًا وأفكاراً استوحاها منه، ومن ذلك الآية 115 من سورة البقرة {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([6])، هكذا ألهمته الآية رباعية يقول فيها:

 

لله المشرق

لله المغرب

والأرض شمالاً والأرض جنوبًا

تُسكَن آمنةً ما بين يديه([7])

 

وهذه الرباعية هي المطلع الذي استهل به مقطوعاته الشعرية المسماة [طلاسم] في كتاب المغني، وهو الكتاب الأول في الديوان الشرقي.

كما استوحى من خلال اطلاعه على ترجمة [فون هامر] للقرآن الكريم، الآيتين التاليتين من سورة الفاتحة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}([8])، وشعر بميل كبير يحفّزه لتحويلهما إلى مقطوعة شعرية، فنظم رباعية يظهر فيها التزامه بالنص، وإضفاء صيغة الدعاء عليه:

 

يريد الضلال أن يُربكني

لكنك تعرف كيف تهديني

فإن أقدمتُ على عمل أو أنشدتُ

عملاً شعرًا

فأنِرْ أنت لي جادة الطريق

 

وهذه مقطوعة شعرية أخرى من كتاب [المغني]، كان جوته ضمّنها صراحة الآية الكريمة رقم 97 من سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

قال جوته:

 

هو الذي جعل لكم النجوم

لتهتدوا بها في البر والبحر

ولكي تنعموا بزينتها

وتنظروا دائمًا إلى السماء

 

والحقيقة أن اقتباسات جوته من القرآن الكريم لا تحصى، وهي تعبير واضح عن شغفه وإعجابه بهذه الآيات وإيمانه بما تحمله من معانٍ وأفكار، ومن هذه الاقتباسات الآية الكريمة 112 من سورة البقرة: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

إن هذا الاهتمام والشغف بالقرآن الكريم وآياته، لم يكن -كما يذكر مترجم كتاب جوته والعالم العربي- مجرد إظهار لتسامح ديني لا يخفي في الغالب وراءه سوى عدم الاكتراث، إن الأمر عكس ذلك تمامًا، فدراسة جوته للقرآن كانت أعمق من ذلك وأكثر احتفاءً، إذ كانت تنبع من ظمئه الشديد للتعرّف على ما يمكنه التوصل إليه من أفكار ومعتقدات دينية، وسيرة حياته تشهد على أنه كان منذ صباه يُفتّش عن ديانة تناسبه([9]).

إن انجذاب جوته للقرآن الكريم، كان يكمن في ميوله الدينية بشكل خاص، فالمعتقدات الإسلامية الواردة في كتاب الله العزيز كانت تتفق مع معتقداته الدينية والفلسفية.

إن صلة جوته الروحية بالإسلام هي حصيلة الميل الشخصي الذي كان يُكنّه للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وللإسلام، والقناعة التامة بحقيقة ما يقرأ، ولهذا فإن تعبيراته ومواقفه وتصريحاته عن الإسلام في ألمانيا تكمن فيها كل ألوان التحدّي والقوة والجسارة.

ولقد توصّل جوته إلى علاقته الإيجابية المفعمة بالمحبة والإعجاب بالإسلام، عن طريق اكتشافه تطابق بعض أفكاره الرئيسة مع تفكيره ومعتقده الشخصيين مما أيقظ في نفسه التعاطف الكبير معه، إلى حدٍ بات فيه يدلي باعترافات حرّة صادقة.

استمع إلى هذا الفيض العرفاني الديني واحكم:

 

وزوجة محمد التي أفاضت

عليه الحنان

وأعانته على تحقيق أروع الأمجاد

وبعدها تأتي فاطمة الزهراء

الابنة الطاهرة والزوج المصون

ذات الروح النقية كملائكة السماء

في جسمٍ من عسل ذهبي مكنون

 

وحديث جوته عن القرآن والإسلام والنبي حديث مُسلِمٍ مؤمن، فمواقفه لا تختلف عن قناعة ومفاهيم أي مسلم آخر:

القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو أيضًا ذروة البيان العربي، فسحر اللغة العظيم يشهد على أن القرآن الكريم هو وحي من الله، وأن محمدًا (صلى الله عليه وآله) لم ينشر سلطانه على قومه بالسيف بل نشره في المقام الأول بإعجاز الخطاب، فالكلمة الحيّة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية، بل تحتّم أن تكون كلمة نُطقت وكُتبت منذ الأزل في السماء، ومن هنا فإن القرآن هو وحي من الله([10]).

صور إسلامية مع جوته

وتبلغ قمة الوجدانية والحضور المحمدي في يقين الشاعر الألماني الكبير، عندما يحتفي بحوار ثنائي بالسيدة الزهراء وزوجها الإمام علي (صلى الله عليه وآله)، يناجيان فيه سيد البشر "أباهما"، كما تدعو القصيدة الحوار .

يقول جوته بعد أن ينهي المناجاة الروحية بين الزوجين:

"علي وفاطمة، في صوت واحد إلى أبيهم، ذلك البحر العظيم الذي ينتظرهم ليضمهم إلى صدره، وهو يهلل ويكبر زاخرًا بالفرح العظيم"([11]).

وفي كل حديث ينطق به"جوته" شيء من قيم الإسلام وتعاليمه السمحاء حتى غدا الإسلام في قرارته تتأكد ملامحه من تصرفاته وأقواله وأشعاره يقول جوته:

الإيمان بالتدبير الإلهي، والتسليم بمشيئة الله وأهمية أعمال البر والإحسان "الحقيقة أن فينا جميعًا شيئًا من هذه العقيدة".

والحقيقة أن الشاعر الألماني ارتبط في النصف الثاني من حياته ارتباطًا وثيقًا بالإسلام، عندما شعر بالتطابق بينهما في هذا المجال، لقد آمن إيمانًا راسخًا، مَثلَه في ذلك مثل أي مسلم، بقضاء الله وقدره، واعتقد أن الخضوع لله والإذعان لمشيئته وحكمه، هما أقوى دليل على التقوى والإيمان الصحيح([12]).

وفي روايته (آلام فارتر)، رسالة تصور الافتنان بوحدة الوجود، وبأن جوته كان ومنذ مرحلة الشباب على دراية كافية بالعقيدة القائلة، أن الطبيعة هي انعكاس لله، وقد أدرك بذلك تجلي الله في كل ما هو حي، وفي النص الذي سيرد، سيشعر القارئ، أنه أمام إمام من أئمة الصوفية، وأن ما أمامنا ما هو إلا قطعة أو نص من نصوص الأدب العرفاني الذي شاع وبرز كثيرًا عند شعراء الفرس، يقول جوته:

"وحينما أرى الوادي الحبيب، وقد غشيه من البخار سحاب مركوم، وأفترش الحشيش، وأتأمل العالم الصغير يموج بعضه في بعض تحت وريقة من أوراق الكلأ، وتلك الديدان والبعيضات تتحدى الناظر، وتعاجز المراقب، عندئذ أحس في نفسي حضور القوي القدير، أحس بنفحات أعز المحبوبين، الذي برأنا وقادنا إلى النعيم المقيم بفضله ومنته، كما تنطبع عندئذ في خاطري صورة العالم من حولي، وصورة السماء من فوقي، كما تنطبع صورة المحبوب في الخاطر، ليتني كنت أستطيع أن اشرح كل هذا، فتكون هذه الصورة... مرآة الله.

ولا يخامرك الشك في أن ما ستسمعه من شعر في معركة بدر أنه لشاعر مسلم عاصر الرسول وشهد معه تلك المعركة التي أعزت الإسلام، يقول جوته من قصيدة ترجمها الشاعر الكبير عبد الرحمن صدقي:

 

بعد معركة بدر

تحت السماء المرصعة بالنجوم

"محمد يتكلم"

"ليندب الأعداء قتلاهم، فإنهم من الهالكين"

أما الشهداء من إخواننا، فلا تندبوهم

فإنهم أحياء في أعلى عليين

لقد فتحت السموات السبع أبوابها لهم أجمعين

وهم أولاء يقرعون أبواب الجنة

يدخلونها بسلام آمنين... الخ ([13]).

 

والقصيدة طويلة جدًا، وتحس فيها روح الإسلام وعقائده، في نسق صوفي جهادي يحاكي كثيرًا من آيات الكتاب المبين، ولا تشك حين تقرأ هذه القصيدة أن ناظمها مسلم متفقّه بالإسلام، أما خاتمة القصيدة فهي عبير قرآني خلاب، يقول الشاعر مخاطبًا الشهيد المجاهد:

 

فأنعم بهذا الصفو الذي

لا كفاء له ولا عوض منه

بين أسراب من الحور العين

لا يضجر معاشرها

وأكواب من الرحيق المحتوم

لا يسكر معاقرها

نعم الصفو المقيم، ونعمت جنة النعيم([14]).

 

على هذه الشاكلة، يظهر تقدير جوته للإسلام، وتعاطفه الباطني والظاهري معه ومع النبي محمد، وتقديره العالي والعميق للقرآن الكريم، وكما سبق وذكرنا أن الإسلام والقرآن الكريم حظيا بإجلال وتقدير لا مثيل لهما في ديوانه الشرقي، خاصة إذا علمنا أنه كان يتقن اللغة العربية ويمهرها جيدًا.

جوته وحافظ الشيرازي

إن مجرد القول أن الشاعر الألماني جوته كان يقدّر حافظ الشيرازي ويعتبره مميزًا لأنه أقام تفكيره على أساس متين من القرآن الكريم، هذا القول ربما كان كافيًا للإيمان بالمنحى الإسلامي لجوته ولإعجابه العظيم واحتفائه بالقرآن الكريم([15]).

هكذا يعتبر جوته أن حافظ الشيرازي الشاعر الفارسي الكبير أقام تفكيره وفق الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم، وأن حافظًا لقبٌ صار بمنزلة اسم للشاعر، وأنه يعبّر عن التشريف الذي يحوزه أولئك الذين يحفظون القرآن عن ظهر قلب.

لماذا هذه الإشادة بكل من يحفظ القرآن الكريم، أليس في الأمر علّة، ربما هو الإيمان العميق واعتبار الشاعرِ القرآنَ نموذجًا فريدًا ليس له مثيل، وهو أيضًا من دعاة التزوّد بالقرآن، يعني أنه ممن يتخذون الإسلام مرشدًا وهاديًا.

وقد استلهم جوته من اقتران اسم حافظ بالقرآن الكريم، قصيدته المسماة (لقب) فأبياتها التي يستهل بها "كتاب حافظ" استهلالاًً رائعًا، تثني ثناء عظيمًا على تديّن حافظ وتقواه، وفي هذه القصيدة يتقابل الشاعران وجهًا لوجه، ويسأل الشاعر الألماني الشاعر الفارسي الذي تفصله عنه مئات السنين عن معنى اسم حافظ، وكان هدفه من سؤاله، هو أن يشرح لقرّائه الأوروبيين المعنى الديني لهذا اللقب.

يقول جوته:

 

قل لي يا محمد شمس الدين

لِمَ سماك شعبك المجيد حافظ

حافظ:

لأني دائم الذكر للإرث المبارك العظيم

وبتقواي وورعي أحمي نفسي وأصون

من عوادي الدهر الغشوم

كنز مبعوث كريم

سمّوني حافظ الذكر الحكيم

 

وجواب حافظ، يثير في نفس الشاعر الألماني شعورًا بالمتعة والفخار، وإحساسًا بوجود أواصر قربى ومودة بينهما، هي هذه القيم التي تجمع الأديان السماوية وتجعلها متوافقة مع بعضها في جوانب كثيرة، إذ كما يستند حافظ على القرآن الكريم، يستند جوته على العهدين القديم والجديد ويعتز بهما، يقول جوته مخاطبًا حافظ الشيرازي:

 

أراني حريًا بمشاركتك في لقبك

فأنا شبيهك حق الشبه

أنا الذي قبست نفسي الصورة البديعة

من كتبنا المقدسة([16])

 

هذا هو التسامح الديني ووحدة القيم الأخلاقية والإنسانية بين الأديان السماوية.

وهنا، لا يكتفي جوته بمحاكاة حافظ الشيرازي، وإنما يقتدي به في استلهام القرآن الكريم، بل ذهب جوته إلى البعيد في قصيدته الرائعة التي افتتح بها الديوان الشرقي، وخاصة كتاب "المغني"، وهو عبارة عن قصيدة عنوانها (هجرة) أشار فيها الشاعر إلى رغبته في أن يهاجر كما هاجر محمد(صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة عام 622م، لأنه كان يرغب الحج إلى مكة المكرمة، إلى هذا الشرق الصافي، لكي يَسْتروح نسيم الإباء، إلى حيث الفضيلة والطهر والصفاء، وهذه الأبيات كافية للدلالة على ذلك:

 

إلى هنالك حيث الطهر والحق والصفاء

أودّ أن أقود الأجناس البشرية

وأنْفُذُ بها في أعماق الأصل السحيق

حيت كانت تتلقى من لدن الرب

وحي السماء بلغة الأرض([17])

 

وهكذا يظهر لنا مما ورد ومما نجده بشكل عام في ديوانه أن علاقة جوته بالإسلام ونبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ظاهرة مثيرة للدهشة والإعجاب في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه في أعماق نفسه ووجدانه كان شديد الاحتفال والإعجاب بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت -بعد الكتاب المقدس- أوثق وأشد من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى، والمتبصّر بحياته وأدبه يرى أنه لم يقصر اهتمامه بالإسلام والتوق إلى معرفته عن كثب على مرحلة محددة من حياته، إنما ينسحب هذا على مراحل حياته جميعها، منذ مطالع الشباب إلى فترات حياته الأخيرة، وقد سبق وذكرنا أنه نظم وهو في الثالثة والعشرين قصيدة رائعة موحية أشاد فيها بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وعندما بلغ السبعين أعلن أمام الناس عن شغفه ورغبته بأن يحتفل في خشوع بليلة نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله).

هذا غيض من فيض من إسلاميات جوته، ولا ندري إذا كان يخلد في وجدانه، ما لعله لم يصرح به أكثر مما صرحه، ليبقى شغفه بالإسلام وحبه له بعيدًا عن أيّة إيماءات وتخمينات، ولعل تصريحه الواضح وبكل ثقة وإيمان كاف وجلي، وذلك عندما كانت زوجة ابنه تعاني من مرض خطير سنة 1820م، كتب بنبرة مشبعة بالإيمان بالقضاء والقدر إلى أحد أصدقائه قائلاً:

[لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول أيضًا أن ألوذ بالإسلام].

ونضيف إلى هذا الموقف قولين آخرين، أحدهما صرّح به سنة 1831م إلى صديقةٍ له تطلب منه النصيحة بشأن وباء الكوليرا الذي انتشر في طول البلاد وعرضها: [ ليس بوسع امرئ أن يُقدّم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن، فليتخذ كل إنسان القرار الذي يناسبه، إننا جميعًا نحيا في الإسلام مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا].

وفي ديسمبر سنة 1820م كتب جوته لصديقه فيلمر شاكرًا إياه على إهدائه نسخة من مجموعة حِكَمه المنشورة في فرانكفورت، تحت عنوان [آراء في الحياة كتاب للشباب"، ومما قاله جوته عن الكتاب:

[يحفز على التفكير في كل الآراء الدينية الرشيدة، وأن الإسلام لهو الرأي الذي سنقرّ به جميعاً إن عاجلا أم آجلاً]([18]).

إنه الإيمان العميق الذي نوّر به القرآن قلب هذا الشاعر الملهم الذي عرف العربية والشعر العربي في المرحلة الجاهلية ربما أكثر من كثيرين ممن يعتنون بالأدب العربي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ياسين الألوسي، مذاهب الأدب، ص17، دار الشمال، ط 2، 1988م.

([2]) جوته والعالم العربي.

([3]) جوته والعالم العربي، ص252، سلسلة عالم المعرفة، عدد 194.

([4]) جوته والعالم العربي، ص253 -255.

([5]) جوته، والعالم العربي، ص247.

([6]) البقرة:115.

([7]) المصدر نفسه، ص238.

([8]) الفاتحة:6-7

([9]) جوته والعالم العربي، ترجمة عدنان عباس علي،184-188.

([10]) جوته والعالم العربي، ص297.

([11]) جوته والعالم العربي، ترجمة د. عدنان عباس علي، ص206.

([12]) المصدر نفسه ص212.

([13]) جوته والعالم العربي ص307.

([14]) جوته والعالم العربي ص308-309.

([15]) جوته والعالم العربي ص232-233.

([16]) جوته والعالم العربي 234-235.

([17]) جوته والعالم العربي237.

([18]) جوته والعالم والعربي، ص222 و223.

 

 

مع كتاب

سيماء الصلحاء إقامة عزاء سيد الشهداء (عليه السلام)

السيد باسم الصافي

"سيماء الصلحاء إقامة عزاء سيد الشهداء (عليه السلام)" هو كتاب للمقدس الشيخ عبد الحسين صادق (رحمه الله) (1863-1942م) ، اشتمل على اثنين وسبعين فائدة بقيت منه فائدة واحدة هي موضوع بحثنا.

يختص هذا الكتاب بمعالجة موضوع العزاء الحسيني والذي إقامته سمة للصلحاء، حيث عرض المؤلف (قدس سره) لأنواع الإشكالات التي تُوَجّه بين الحين والآخر إلى العزاء الحسيني، فأجاب عنها بروح علمية وقوة استدلال، وبأسلوب أدبي رفيع، فكان بحثًا فقهيًا وتاريخيًا واجتماعيًا فذًا، نتمنى أن يحظى بالتفات العلماء وبالنشر الواسع خدمة للعلم والفقه والمجتمع، ولرسالة الحسين (عليه السلام) الخالدة.

هدم أبنية البقيع

استهل (قدس سره) رسالته بذكر طائفتين نشأتا في العصور المتأخرة ، منها طائفة تنتحل دين الاسلام (وهي الفرقة الوهابية)، وقد ازدلفت إلى المشاهد المقدسة للأئمة الأطهار في البقيع من المدينة المشرفة، فهدمت تلك المعالم الشامخة، والأبنية المؤسسة على تقوى السلف الصالح من المسلمين الذين يمتنع -من الناحية الدينية- حمل عملهم في بنائها على غير الوجه الشرعي السائغ الصحيح، بخدعة أنها قبور مبنية مرتفعة يجب طمسها شرعًا ! والله يعلم والعالمون جميعًا أنها ليست بقبور عالية بل دور مقدسة تحتوي على قبور لم ترتفع عن الأرض قيد شبر.

ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) دفن في الحجرة التي توفي فيها باتفاق كلمة أهل البيت (عليهم السلام) وبني هاشم وعامة الصحابة وأُبقي البناء على حاله ولم يهدم، وهذا الإجماع حجة كبرى عند كافة المسلمين.

إقامة العزاء

والطائفة الثانية قد تألبت لإبطال إقامة العزاء للنبي وآله أيام وفياتهم سيما يوم عاشوراء، وهذه المناسبات إنما هي لهم مناقب ولأعدائهم مثالب، حيث لم يمت منهم أحد حتف أنفه بل مقتولاً شهيدًا لأجل الدين إما بسمٍ أو سيف.

ولا بغية للطائفتين الناصبتين لهم العداوة والبغضاء سوى إخماد توقد ذكر أهل البيت حتى يكونوا نسيًا منسيًا، لا قبور لهم معروفة ولا مصائب كاشفة لفضلهم فاضحة لأعدائهم.

البكاء على الحسين (عليه السلام)

وفي معرض رده على الاشكالات في موضوع البكاء على الحسين (عليه السلام) ، ذكر (قدس سره) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه طالما بكى لفقد كثير من أمته، بكى لأم المؤمنين خديجة ولعميه أبي طالب وحمزة، وبكى لابن معاذ وابن مظعون، ولم تحص أعداد بكائه على أعزَّائه حتى أنه بكى على ولده الحسين (عليه السلام) قبل مصيبته!

قال الشيخ ابن حجر -عمدة علماء الشافعية- في صواعقه ما هذا نصه :

أخرج ابن سعد عن الشعبي قال : مَرَّ عليٌّ - كرم الله وجهه - بكربلاء عند مسيره إلى صفين فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه.

فقال : دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يبكي فقلت : يا رسول الله بأبي وأمي ما يبكيك ؟

قال : كان عندي جبرائيل آنفًا وأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات بموضع يقال له : (كربلاء)، ثم قبض جبرائيل قبضة من ترابه وشمَّمْني إياها فلم أملك عينيَّ أن فاضتا.

وردًا على انتقاد البكاء على الحسين (عليه السلام) رغم طول العهد، قال: إن ذلك مرتبط بإحساس الأمة ومعرفتها بمدى الخسارة الحاصلة بفقده وفقد النبي (صلى الله عليه وآله) وبقية الأئمة (عليهم السلام) فكلما عظمت فائدة الفقيد في حياته عظم المصاب بفقده، والشيعة لم تبرح متخذة يوم وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) -وهو عندها الثامن والعشرون من صفر- يوم حزن عظيم وكآبة كبرى، ومتخذة أيام وفيات الأئمة من أهل بيته أيام أحزان وعزاء لفقدهم فوائدهم وخسارتهم العظمى لهم المستوجبة للحزن عليهم مؤبدا".

وخُصّ الحسين (عليه السلام) من بين الأئمة الهداة بمزيد الحزن عليه، لعظيم مصيبته وجليل رزيته.

وسرّ عظمة هذه المصيبة على مصائب أهل البيت (عليهم السلام) هو ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام[1]  من أن الحسين (عليه السلام) لما كان بقية أصحاب الكساء وهم خيرة الله في خلقه كان فقده فقد الجميع لبداهة أن الشيء ما دامت له بقية لا يعدّ كله مفقودًا، فارتفعت بركات وجود الخمسة بفقد الحسين (عليه السلام)، فلأجل هذا جلّت وعظمت مصيبته واستوجبت الحزن الدائم، لأن خسارة المسلمين خيرَ ذوي الكساء وفيضَ بركات وجودهم إنما كان بفقد أبي عبد الله (عليه السلام)، ففقده هو الجزء الأخير من العلة التامة لفقدهم جميعًا.

ولهذا صحّ عن أخته الحوراء زينب الكبرى ندبها له بقولها : اليوم مات جدي محمد المصطفى، وأبي علي المرتضى، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن المجتبى.

وفي البكاء على الحسين في كل آن قال (قدس سره): إن الشيعة ترى استحباب البكاء على الحسين في كل آن كما ترى استحباب ذكر الله والصلاة على رسوله كذلك ، فهي لم توقّت تلك الأعمال بوقت، ولم تقدرها بكمٍ ولا كيف، بل هي محبوبة الإيجاد على كل حال، وهي نوع من أنواع الطاعة لله يتقرب العبد بها لربه، وهي كالصوم والصلاة خير موضوع فمن شاء استَقَلَّ ومن شاء استكثر، وهي لا تؤدي بذلك كل حق الحسين (عليه السلام) على الأنام عامة وعلى المسلمين خاصة.

والخلاصة -كما قال بعد طول بيان- هي استحباب الحزن والبكاء والصراخ والعويل لمصاب الحسين (عليه السلام)، والسيرة القطعية قائمة على ذلك كله كما اعترف بها شيخ مشائخنا صاحب الجواهر[2]، والأخبار عن أهل العصمة بالغة حد الاستفاضة فمن خالفها فقد خالف الأمة والأئمة ، ومخالفها في ضلال مبين.

خطباء المنبر

يعترض البعض على الخطيب الحسيني أنه ينقل غير الصحيح من الأحاديث وغير المقبول من الروايات وفيه :

أولاً : أنه لم يختلق ذلك من نفسه وإنما يسنده لغيره من الرواة، والعهدة على الراوي، فأي جرم اقترفه بما نقله معنعنًا[3]، أيكون بذلك كاذبًا ؟

اللهم لا، إلا أن يُعلم منه الافتراء الصرف بأن يذكر شيئًا لم يرد به نص، ولا أفتى به فقيه ولا أودعه ثقة في كتاب.

وثانيًا : إن الصحيح والحسن والموثوق به والضعيف والمقبول والمرفوض من الأحاديث الواردة ليس من وظيفة قارئ التعزية تنقيحها، وجمع جميعها بقبضة معرفته، تلك وظيفة العلماء الأساطين، والجهابذة المتبحّرين، علماء الدراية والرواية، الذين يعرفون من رجال الحديث الغثّ من السمين، ويخرجون المدر[4] من بين حب الحصيد، فلا يكلّف بما لا يعنيه.

ثالثًا : إنه لا بد أن يكون إما مقلدًا بأعماله لمرجع ديني أو مجتهدًا، وأنظار المجتهدين مختلفة، وآراؤهم متوزّعة، فمنهم من لا يعمل بغير الصحيح المزكّى كلٌّ من رجال سنده بعدلين، ومنهم المكتفي بتزكية الواحد، ومنهم من يعمل بالحسن، وبعضهم يقبل الموثّق، وبعضهم يعمل بالضعيف جدًا إذا انضم إليه ما يقوّي الظن بصدقه قائلاً : إن المدار بالعمل على الاطمئنان بالرواية لا الراوي.

وكثير من أساطين العلماء يعملون بضعاف الأخبار في السنن -أي المستحبات والمكروهات- اعتمادًا على ما استفاض نقله عن الأئمة الهداة من قولهم : من بلغه ثواب على عمل أوتيه وإن لم يكن كما بلغه[5].

ومن المعلوم أن روايات التعزية من سِنخ الرخص لا العزائم، والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه[6].

فمطالبة المعزّي بأن لا ينقل للمستمعين سوى صحاح الأخبار مع أن المسألة عند العلماء معركة لآرائهم، مع ما عرفت من التسامح في أدلة السنن، ما هي إلا فُرْطَة[7] من التحامل، وشدة من العداء.

الإنفاق على الشعائر

وردًا على من يرى الإسراف في الإنفاق على مجالس التعزية وبقية الشعائر الحسينية ذكر (قدس سره) أن الشيعة تنفق ما تنفق في سبيل التعزية آخذة من الدنيا للآخرة، ومن طريقها إلى منزلها، لتنتفع به في مثواها الأبدي، ومقرها السرمدي، والحادي لها على هذه النفقة لهذا الوجه من الخير هو ما بلغها عمّن أقوالهم حجة، وطاعتهم فريضة، المعصومين من آل محمد (عليهم السلام).

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا وإلينا[8].

وعن الصادق (عليه السلام) أنه كان يقول في سجوده : اللهم اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا، ورجاء لما عندك في صلتنا، وسرورًا أدخلوه على نبيك (صلى الله عليه وآله)، وإجابة منهم لأمرنا وغيظًا أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك فكافِهم عنا بالرضوان[9] (الحديث).

وهو وإن كان مورده نفقة الزوار[10] للحسين (عليه السلام) ولكن مغيًّا بغاية أعم من ذلك وهي قوله (عليه السلام) : ( رغبة في برنا -إلى قوله- أدخلوه على عدونا ) كل ذلك يفيد استحباب بذل المال في كل عمل تترتب عليه تلك الأمور[11]، كالبذل في إقامة عزاء مولانا الحسين (عليه السلام)[12].

وفي مجمع البحرين للثقة الجليل الشيخ الطريحي النجفي : في مناجاة موسى (عليه السلام) أن الله تعالى قال له : يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى أو تباكى وتعزّى على ولد المصطفى إلا وكانت له الجنة ثابتًا فيها، وما من عبد أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيّه طعامًا وغير ذلك درهمًا أو دينارًا إلا باركت له في دار الدنيا الدرهم بسبعين درهمًا وكان معافىً في الجنة..إلخ[13].

وغير ذلك من أخبار الباب المقرونة بالسيرة العملية من الأصحاب، مضافة إلى الآيات والروايات العامة لخصوص المقام، كاستحباب الإنفاق في سبيل الله، وهو سبيل الخير، وأي خير أعظم من عمل يحبه الله ورسوله وآله وهو إقامة عزاء سيد الشهداء على الوجه الأكمل الذي يغيظ الكفار الجاحدين ويرضي المؤمنين ويسر سيد النبيين وآله الطاهرين، فهو أعظم شعيرة من شعائر الله {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}[14].

أَمِثلُ الإنفاق في هذا السبيل يُعَدُّ من الإسراف والتبذير ويقال عنه إنه لم يصادف محله ؟! هذا قولٌ يمقته الله ويمقت عليه أهلَه، ومصادرةٌ لله وأولياء الله من غير حجة ولا سلطان مبين.

فكل درهم ينفقه الشيعي يعدّ ترويجًا لمصاب أبي عبد الله، وإحياءً لأمره المطلوبِ إحياؤه بقولهم (عليه السلام) : " أحيوا أمرنا رحم الله امرءًا أحيا أمرنا"[15]. أي أظهروه وأعلنوه بين الناس إكباتًا للعدو وغيظًا للكافر، وتعظيمًا للشعائر، فذلك الدرهم يُعتاض عنه بسبعين، إما عينًا في الدنيا أو ثوابَ سبعين في الآخرة، سواء كان إنفاقه في سبيل الإطعام وغيره من لوازم العزاء الذي فيه إكبات الأعداء، المحبوب لهم (عليهم السلام) قطعًا كما تقدم عن الصادق (عليه السلام).

فكل أمر لازم لتعظيم قدر المصاب لا ينبغي رفع اليد عنه إلا بدليل قاطع من إجماع على حرمة أو نص خاص، وإلا فالمحكَّم في المقام العمل على الإطلاق بأي مظهر من مظاهر إحياء أمرهم وإحياء ذكرهم الواردين في نصوص المسألة.

ضرب الصدور والظهور

ذكر (قدس سره) أن أفرادًا من العلماء في مصنفاتهم ومؤلفاتهم يطلقون القول بحرمة اللطم على الأموات كحرمة جز الشعور وشق الثياب، بيد أنهم يستثنون من ذلك ما كان على الأنبياء والأولياء عمومًا وعلى النبي وآله خصوصًا، ولا سيما على الحسين (عليه السلام) لعظم مصيبته.

وما مَدرك هذا الاستثناء سوى كون مصائب هؤلاء من أظهر مظاهر وأقوى مصاديق المصائب الدينية التي قد عَرَفْتَ آنفًا رجحان الجزع لها بل وُجوبَه إنكارًا للمنكر.

ومما يؤيده خبر ابن سدير عن الصادق (عليه السلام) : "على مثل الحسين يحق اللطم" [16].

وفي أمالي المفيد وبحار المجلسي ومقتل ابن طاووس والطريحي وأبي مخنف وغيرهم أن الفاطميات لطمن الخدود على الحسين (عليه السلام)[17]، وكون كل ذلك ليس بمرأى ومسمع من الإمام زين العابدين (عليه السلام) -مع كونه معهم بالطف وبالأسر وبالرجوع إلى المدينة وبالمكث بين ظهرانيهم وهن يلطمن ويندبن ويبكين- في حيازة المنع.

وفي مقاتل الطالبيين أن زينب (عليها السلام) لطمت وجهها بمحضرٍ من أخيها الحسين (عليه السلام) حين أخبرها بقتله، نُقل هذا عن زين العابدين (عليه السلام)[18].

ومن سبر السير وتصفّح التواريخ لا يكاد يشك بأن الفواطم مضت عليهن مدة مستمرة وهن يقمن مأتم الحسين (عليه السلام) ويلطمن ومعهن نساء أهل المدينة وأم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) وأم البنين زوج الإمام علي (عليه السلام)[19].

فإذن اللطم على الحسين (عليه السلام) لا شبهة عند كل عالم تاريخي وفقيه متبحّر في جوازه ورجحانه وهو من تعظيم شعائر الدين التي تعظيمها من تقوى القلوب.

أما الخبر الوارد عن الحسين (عليه السلام) أنه قال لأخته زينب : انظري إذا أنا قتلت فلا تشقّي عليّ جيبًا، ولا تخمشي وجهًا، (ولا تلطمي صدرًا)، ولا تدعي بالويل والثبور[20].

يقول (قدس سره): إن صح هذا الحديث كان معارضًا لما هو أقوى سندًا وأكثر عددًا وأوضح دلالة، وهي الأخبار المتقدمة، وهب حصلت المساواة[21] فالقاعدة المقررة في مباحث التعادل والتراجيح[22] هي التساقط والرجوع للأصل الأولي وهو هنا الإباحة.

على أن نهي الحسين (عليه السلام) أخته عن اللطم وغيره لم يكن لمرجوحية اللطم بحد ذاته، كلا ، بل لأنه مظَنَّةٌ لشماتة الأعداء، ولهذا جاءت الرواية عنه بطريق آخر مشتملة على قوله : لا تشمتي بنا الأعداء[23].

وشماتة الأعداء يحذرها كل عزيز النفس أبيُّ الضيم، يأنف الذلّة والهوان، ويترفع بجانبه عن خطة الضعة والصغار، كسيدنا الحسين (عليه السلام) الذي ما لوى للدنية جِيدًا، ولا بايع أحدًا مكرهًا حتى قُتل قتلة عِزّ تُضرب فيها الأمثال، ويستجودها له كل حرّ عزيز، من مسلم وغيره.

فالحسين (عليه السلام) يريد بنهيه أخته الحوراء عن الأشياء التي تصدر من الحزين الكئيب المغلوب على أمره -من شق جيوب ولطم صدور وجزّ شعور وأمثال هذه- أن تترفع بنفسها عنها في مظان شماتة العدو بأهل البيت ، وهذا معنى جليل نفيس ترمي إليه أُباة الضيم في مغازي كلماتها، وتقصده في مطاوي عباراتها، لأنه من أهم أغراضها.

ولهذا لم تزل سلام الله عليها حافظة له تلك الوصية في مظان الشماتة، حتى إنها لما أُدخلت على اللعين ابن زياد وحفّت بها إماؤها وجلست ناحية من القصر سأل عنها اللعين بقوله : من هذه المتنكرة ؟... مرارًا.

فلم تجبه ترفعًا عن مخاطبته حتى قال له بعض إمائها : هذه زينب بنت علي.

فأقبل اللعين عليها متشفيًا شامتًا وقال لها زاهيًا متبجّحًا : يا زينب كيف رأيت صنع الله بأخيك والعتاة المردة من أهل بيتك ؟

فأجابته حينئذ بما يكشف له أنها غير مبالية ولا متوجعة متفجعة بما أصاب أهلها من قتلٍ ما هذا نصه حرفيًا : ما رأيت فيهم إلا جميلاً، " هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله فيما بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر يومئذ لمن الفلج[24] ثكلتك أمك يا ابن مرجانة".

فكان هذا الكلام أشق عليه من رمي السهام وضرب الحسام على الهام، ولهذا أغضبه حتى همّ -على ما نُقل- أن يشفي غيظه بضربه إياها، لولا أن عمرو بن حريث حال بينه وبينها مكفكفًا سَوْرة غضَبه بقوله له : "إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها"[25].

وهكذا كانت حالها لما أُدخلت على اللعين يزيد بالشام ورأته -على ما رواه الطبرسي في احتجاجه عن شيخ صدوق من مشائخ بني هاشم- واضعًا رأس أخيها الحسين بين يديه في طست يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول :

لعبت هاشم بالملك فلا     خبر جاء ولا وحي نزل

فإنها وقتئذ خطبت خطبة بليغة مقرعةً يزيدَ بها، مستظهرة بحججها عليه، وهي من أفصح الخطب الشهيرة المشتملة على قولها له : "لا يستفزنك الفرح بقتلهم، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون}[26].

حسبك بالله وليًا وحاكمًا، وبرسول الله (صلى الله عليه وآله) خصيمًا، وبجبريل ظهيرًا، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً، وأيّكم شرٌ مكانًا وأضل سبيلاً ".

إلى أن قالت : " فلئن اتخذتنا مغنمًا لتجدنّ وشيكًا مغرمًا حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، ثم كد كيدك واجهد جهدك فوالذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوة والانتجاب لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا ترحض[27] عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الله الظالم العادي.

والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة، وختم لأصفيائه بالشهادة، وببلوغ الإرادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك، ولا ابتلى بهم سواك[28])".

فإن هذا الكلام مملوء جرأة، مشحون أُبّهة، طافح عزّة، ظاهرٌ بعدم المبالاة لمصائب أهلها وبشهادتهم لكونها لهم سعادة وهي طبق الإرادة، وهذا هو الكلام الفحل الجارح جوارح العدو[29]، والمقطّع نياطَ قلبه، والموزّع شظايا فلذه[30] وبه يستبين أن لها الغلبة، وعلى أعدائها الدبرة[31]، لكأن نفس أخيها بين جنبيها، ولسان أبيها بين فكّيها، بكل شجاعة وجسارة تفرغ بليغ الخطابة، غير مفحَمَة ولا متلعثمة.

ولا عجب، هي بضعة من أمراء الكلام الذين بهم نشبت أصوله، وعليهم تهدّلت غصونه، فبخ بخ {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}[32].

فهذه حالها سلام الله عليها في مظان الشماتة، وحيث لا شامت فهي الندّابة النوّاحة، الناطحةُ جبينَها بمقدم المحمل حين رأت رأس أخيها الحسين (عليه السلام) بالكوفة على رأس رمح حتى رؤي الدم يسيل من تحت قناعها، على ما روى ذلك المجلسي وغيره عن مسلم الجصّاص[33].

تمثيل واقعة الطف

يقول (قدس سره): هذا العمل إن هو إلا رواية تمثيلية تستعملها الناس طرًّا، وما القصد منها إلا إعلام الحاضر بالغائب بحيث يراه نصب عينيه، فيكون على خبر من تاريخه، ومعرفة أحواله السالفة، ظالمًا كان أم مظلومًا.

التطبير

وأخيرًا يتناول الشيخ (قدس سره) موضوع التطبير وهو ضرب الرؤوس بالمُدى –جمع مُدية ، أي السكاكين- وإدماؤها مدافعًا عن المتطبرين قائلاً :

ما الذي نقموه على هذه الفئة، وسفّهوا لأجله أحلامها، وأخرجوها به عن دائرة الإنسانية ؟!

أَلِبْسُهَا لباسَ الموتى ؟ فهذا عمل غير معيب عقلاً وهو مشروع دينًا في إحرام الحج، ومندوب في كل آنٍ تذكرةً للآخرة، وتأهبًا للموت، وكفى واعظًا([34])، ومن الغرور بالدنيا محذرًا ومنذرًا.

أم بضعها أرؤسها بآلة جارحة، وهذا أيضًا مسنون شرعًا، إذ هو ضرب من الحجامة.

والحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفية : مباحة بالأصل[35]، والراجح منها مستحب[36]، والمرجوح مكروه[37]، والمضر محرم[38]، والحافظ للصحة واجب[39].

فقد تمس الحاجة إلى عملية جراحية تفضي إلى بتر عضو أو أعضاء رئيسية حفظًا لبقية البدن، أتباح هذه الجراحة الخطرة لأجل فائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في إهاب([40]) الرأس لأعظمها فائدة، وأجلّها سعادة أخروية وحياة أبدية، وفوز بمرافقة الأبرار في جنة الخلد ؟!

ألم يقم النبي (عليه السلام) للصلاة حتى تورمت قدماه وعاتبه الله على ذلك عتاب حنان عليه ورأفة به فقال تعالى : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}([41])؟!

ألم يضع حجر المجاعة على بطنه أسوة بأفقر أمته وأعدمها مع اقتداره على الشبع([42]) ؟!

ألم تحج الأئمة بعده مشاة حتى تورمت أقدامهم مع تمكنهم من الركوب([43]) ؟!

ألم يتخذ علي بن الحسين (عليهما السلام) البكاء على أبيه دأبًا، والامتناع من تناول الغذاء من الطعام والشراب حتى يمزجها بدموع عينيه، هذا ويغمى عليه في كل يوم مرة أو مرتين من فرط الكآبة والحزن([44]) ؟!

أيجوز للنبي وآله (عليهم السلام) إدخال المشقة على أنفسهم طمعًا بمزيد الثواب ولا يجوز لغيرهم مع أنهم هم القدوة للمسلمين وبهم -للمؤمنين- أسوة ؟!.

أيباح لزين العابدين (عليه السلام) أن يُنزل بنفسه ما يُنزله من الآلام تأثرًا وانفعالاً من مصيبة أبيه -مع كونه أصبر الصابرين- ولا يباح لوليه أن يُؤلم نفسه لمصيبة إمامه ورزيته الفظيعة ؟!

أينفض العباس الماء من يده وهو على ما هو عليه من شدة الظمأ تأسيًا بعطش أخيه الحسين([45]) -والعباس خير ولد لأبيه بعد الإمامين الحسنين- ولا نقتص أثره ؟!

أيُقرح الرضا جفون عينيه من البكاء([46]) -والعين أعظم جارحة نفيسة- ولا نتأسى به فنقرح على الأقل صدورنا ونجرح بعض رؤوسنا أسوة به وبآبائه؟!

أتبكي السماء والأرض تلك بالحمرة وتي بالدم العبيط حسبما استفاضت بذلك الأخبار([47]) استعظامًا واستكبارًا للرزية ولا يبكي الشيعي بالدم المهراق من جميع أعضائه وجوارحه تأسفًا وتحيّفًا وإجلالاً للخطب واستنكارًا لأمره؟!

ولعل الإذن من الله لسمائه وأرضه أن تنزف على الحسين دمًا يُشعر بترخيص الإنسان الشاعر لتلك المصيبة الراتبة أن ينزف من دمه ما استطاع نزفه إجلالاً وإعظامًا.

وهب أنه لا دليل على الندب فلا دليل على الحرمة، فيبقى العمل مباحًا لحكم الأصل العملي([48]) وفاعل المباح لم يكن فاعلاً قبيحًا([49])، مع أن الشيعي الجارح نفسه لا يعتقد بذلك الضرر، ومن كان بهذه المثابة من العقيدة لا يُلزم بالمنع من الجرح وإن حصل له منه الضرر اتفاقًا كالذي يصوم معتقدًا عدم الضرر فتضرر.

ودعوى أن الأغيار تندد على الإسلام بهذا العمل فهي دعوى مستطرفة ! فإن غير المسلمين يستقبحون تعفير الجبين بالرغام([50]) في سجود الصلاة، ويستقبحون أن تعلو استاهُهم رؤوسهم فيها([51])، ويستقبحون الطواف حول البيت، والهرولة بالسعي وكشف الرؤوس وظاهر الأقدام في الإحرام، وحرمة إزالة الهوام عن أبدانهم، وغير ذلك من الأعمال المشروعة في دين الإسلام، أفنرفع اليد عنها لأن الأغيار تشمئز منها ؟!

ومن المعلوم أن كل أمة مغايرة لأمة ثانية في دينها لا ترى أعمالها المغايرة لأعمالها بحسنة قط، لكونها لا تمد لها إلا طرف المقت والكره، والكاره لا يرى إلا المساوئ كما أن الراضي لا يرى إلا المحاسن :

فعين الرضى عن كل عيب كليلة
 

 

كما أن عين السخط تبدي المساويا([52])
 

ولو نظرت الأغيار بعين البصيرة غير متجافية ولا متجانفة ولا عاصبة رأسها بعقيدتها إلى من يجرحون رؤوسهم بخناجرهم حماسًا وتلهفًا على حرمانهم نصرة إمامهم المستوجب النصرة والإطاعة، وتأثرًا وانفعالاً من عظيم رزئه، لما نبست ببنت شفة ملامًا وتفنيدًا، ولرضخت لقبول معذرتهم، واستحسنت مُثلى طريقتهم، الدالة على أنها بمكان عليّ، تُشكر وتُحمد عليه، لا تُهجى ولا تُذم.

ولعل إمساك النكير من علماء الشيعة عن هذه الفئة التي شعار حزنها على الإمام الشهيد تبضيع رؤوسها، وإهراق دمائها، إما لأنهم يرون أعمالها مستحبة تعظيمًا لشعائر الدين الذي هو من تقوى القلوب، أو لم يقم عندهم دليل على حرمتها، وإلا لما أمسكوا النكير وهو النهي عن المنكر، الواجب على كل مقتدر عليه ومؤثرٍ نهيُه فيه، وكثير من أولئك العلماء الأعلام مُقلَّد عام، تنقاد لفتواه العوام، مثل أستاذنا العلامة الشيرازي([53]) الشهير، الذي بمجرد أن حرّم على الفُرس شرب الدخان عم الامتناع جميع مملكة إيران، فسكوته كغيره من الأساطين المُقلَّدين يُعد منهم إجماعًا سكوتيًا كاشفًا عن رضى المعصوم.

على أن جلّ أساطين علمائنا المتأخرين([54]) كشيخ الطائفة الشيخ جعفر في (كشف الغطاء) ، والميرزا القمي في كتابه (جامع الشتات) ، والحجة الكبرى الشيخ مرتضى الأنصاري في رسالته (سرور العباد) ، والفقيه المتبحر الشيخ زين العابدين الحائري في كتابه (ذخيرة المعاد) ، والعالم الناسك المتورع الشيخ خضر شلاّل في كتابه (أبواب الجنان) ، وحجة الإسلام الميرزا حسين النائيني في أجوبته لأهل البصرة، وجميع علمائنا المعاصرين على ذلك([55]) خلا بصريًا وعامليًا خالفا الأئمة وعلماء الأمة، فنسأل الله الهداية لنا ولهم إلى سواء السبيل والحق المبين إنه أرحم الراحمين.

ـــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) علل الشرائع : 1/225.

([2]) جواهر الكلام : 4/364.

([3]) أي عن فلان الراوي، عن فلان، عن فلان...

([4]) المدر : قطع الطين اليابس ( لسان العرب : 5/162).

([5]) مدارك الأحكام : 1/187. الكافي : 2/87. والمراد بالقول المذكور أن من بلغه خبر عن المعصومين (عليهم السلام) أن ثوابًا يترتب على عمل معين فأتى به المكلف بنيّة التقرب إلى الله عز وجل (أُوتِيه) أي أعطي ذلك الثواب وإن لم يتوفر في الخبر شروط الصحة، تكرمًا منه عز وجل على عباده وهو ما يصطلح عليه في علم الفقه بـ ( التسامح في أدلة السنن ) أي في الأعمال المستحبة فيمكن الأخذ بهذه الأدلة لنيل الأجر المذكور فيها وإن لم تكن تامة ومطابقة لشروط الخبر الصحيح، في حين لا يجوز الأخذ بمثل هذه الأدلة في غير الأعمال المستحبة.

([6]) وسائل الشيعة : 1/108.

([7]) الفرطة : من فرط يفرط أي أسرف وتقدم، فيكون المراد من الفرطة الإسراف والتقدم والخروج عن حد الاعتدال.

([8]) بحار الأنوار : 44/287 .

([9]) الكافي : 4/582 .

([10]) أي: وليس مورده مقيمي العزاء .

([11]) أي الرغبة في برهم (عنهم) رجاء لما عند الله سبحانه في صلتهم إلى آخر ما ذكره في الحديث، أي فكل ما يترتب عليه هذه الأمور من الأعمال فهو راجح ومستحب يؤجر العبد على فعله، وبذل المال في إقامة العزاء فيما يتعنون بالعناوين المذكورة في الحديث فهو لا إشكال راجح حينئذ ومستحب يؤجر عليه صاحبه.

([12]) أي الذي هو محل الكلام.

([13]) مجمع البحرين للطريحي : 3/ 186 .

([14]) سورة الحج : 32 .

([15]) بحار الأنوار : 105/15.

([16]) جواهر الكلام : 4/368 .

([17]) أمالي المفيد ، ص321 ؛ البحار : 45/ 58 و 112 ، مقتل ابن طاووس اللهوف في قتلى الطفوف: 78 ؛ مقتل أبي مخنف، ص203  ؛ مسالك الإفهام للشهيد الثاني: 10/ 29 ، لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص205 .

([18]) مقاتل الطالبيين : 75 .

([19]) بحار الأنوار : 45/122.

([20]) بحار الأنوار : 45/ 3 وليس فيه : ولا تلطمي صدرًا.

([21]) بين الحديثين ، أي الأول القائل بالنهي عن اللطم والثاني القائل بجوازه.

([22]) تضيء هذه القاعدة للفقيه الموازين التي يختار على أساسها هذا الحديث أو الحديث الذي يعارضه في مسألة من المسائل فإذا رأى الفقيه تكافؤ الموازين والمرجحات بين الحديثين المتعارضين بحيث لا يراها تميل إلى أحدهما دون الآخر فقاعدة التعادل والتراجيح تحكم بتساقط كلا الحديثين واللجوء عندئذ إلى الأصل الأولي أي إلى الحكم العام في المسألة وإلغاء أي حكم خاص فيها ينقله خبر أو حديث وكأنه غير موجود بالمرة ، وهو أي الحكم العام في مسألة اللطم بعد إلغاء الخبرين المتعارضين والتنزل باعتبارهما وعدهما متكافئين هو إباحة الفعل وتجويزه لا حظره ومنعه. ومن النصوص التي استند إليها علماء الأصول لتحديد الأصل الأول أو فقل الحكم العام عند غياب النص الخاص في المسألة هو قول الإمام الصادق (عليه السلام) : (كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدًا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) وسائل الشيعة : 1/917. وقوله (عليه السلام): ( كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ) . وسائل الشيعة : 27/174.

([23]) بحار الأنوار : 44/391 .

([24]) الفلج : الظفر والفوز ( لسان العرب ج2ص346 ).

([25]) إرشاد المفيد : 2/115 .

([26]) سورة آل عمران ، 169 .

([27]) الرحض : الغسل ( لسان العرب : 7/153 ).

([28]) الاحتجاج : 2/34-37.

([29]) أي كلامها الجريء جارحٌ لجوارح العدو ومحطم لكبريائه.

([30]) الفلذ جمع فلذة وهي القطعة من الكبد ( لسان العرب : 3/502 ).

([31]) الدبرة : الهزيمة – العين للفراهيدي:  8/ 32 .

([32]) سورة آل عمران آية 34.

([33]) بحار الأنوار : 45/115 ، وفيات الأئمة : ص164. هذه الحادثة استشهد بها العديد من العلماء منهم السيد المرتضى الفيروزآبادي، وذكر أن الخبر -على ما في بالي- ( مشهور لا ينكر ) وذلك في كتيب : ( فتاوى العلماء حول الشعائر الحسينية موجود في المكتبة ولا يخفى أن إيراد استشهاده بهذه الحادثة واعتباره الخبر مشهورًا لا ينكر، مفيد في المقام ويقوي الحجة التي أوردها المصنف(ره).

([34]) ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (وكفى بالموت واعظًا) . الكافي :2/275.

([35]) كفعل من الأفعال يرجو صاحبه أن يحصل على فائدة صحية من ورائه.

([36]) كما لو أجريت الحجامة في أوقات معينة من أيام السنة أو كما لو ثبت أن الحجامة تفيد تقوية البصر مثلاً أو بعث مزيد من الحيوية والنشاط بإزالة شيء من الدم الفائض أو أجريت في أوقات معينة من السنة.

([37]) كما لو أجريت في غير تلك الأوقات.

([38]) كإجرائها على يد غير الخبير بها.

([39]) كما لو أصابه مرض يفسد الصحة أثبتت التجارب أن الحجامة تزيله.

([40]) الإهاب : الجلد ، العين للفراهيدي : 4/ 99 .

([41]) سورة طه : 1 و 2 .

([42]) أمالي الصدوق : ص733 .

([43]) إرشاد المفيد : 2/144 ، مكارم الأخلاق ، ص316 .

([44]) الخصال : 273 و 518 ، وسائل الشيعة: 2/922 .

([45]) بحار الأنوار : 45/ 41 .

([46]) روضة الواعظين للنيسابوري ، ص169.

([47]) العمدة لابن البطريق ، ص405 ، بحار الأنوار : 45/201 ، الدر المنثور للسيوطي: 6/31 .

([48]) الأصل العملي هو ما يُرجع إليه في مقام العمل عند فقد الدليل الشرعي الخاص ( من وجوب أو حرمة أو كراهة أو استحباب).

([49]) أي لم يأت بفعل قبيح.

([50]) الرغام : الثرى (التراب) :  لسان العرب : 12/247.

([51]) في الصلاة.

([52]) مجمع البحرين : 3/256 .

([53]) نصرة المظلوم للمظفّر 93 .

([54]) راجع كتاب ( فتاوى العلماء في الشعائر الحسينية ).

([55]) أي على السكوت عن هذه الفئة.

 

 

 

ابن العلقمي

وحقيقة سقوط بغداد وزوال الدولة العباسية

الأستاذ . طارق شمس

 

مقدمة

يوم الأحد في الرابع من صفر لسنة 656هـ-1258م سقطت عاصمة الخلافة العبّاسية "بغداد"، بعد حصار مغولي قاده حفيد "جنكيز خان" -مؤسس الإمبراطورية المغولية- "هولاكو"([1]).

ويذهب العديد من المؤرخين، إلى اعتبار أن سقوط الخلافة العباسية، وتمكّن المغول من المسلمين، كان سببه -بالإضافة إلى القوة العسكرية المغولية وتشتت المسلمين- "الخيانة"، من قِبل عدد من رجالات الدولة العباسية، وبالأخص "ابن العلقمي"([2]) وزير الخليفة العباسي الأخير المستعصم وهو من الشيعة الاثني عشرية (640-656هـ).

وهي اتهامات أصبحت عند "البعض" من المسلّمات، من دون تمحيص أو دراسة علميّة صحيحة للأوضاع المحيطة بالبلاط العباسي، وبالدولة الإسلامية في الشرق، وبالتحديد في بلاد العراق والشام...

في الواقع، لو عدنا إلى بلاط المغول، حيث العاصمة "قراقورم" في الصين -ولن ندخل في تفاصيل تحرك المغول نحو المشرق الإسلامي- للاحظنا أن الخان الأكبر للمغول في تلك الفترة "منكوقاآن" -أحد أحفاد "جنكيز خان"- ومع وصوله إلى عرش الإمبراطورية المغولية، بدأ العمل للسيطرة على البلاد التي لم تخضع من قبل للدولة المغولية، فأوعز إلى أخيه "هولاكو" بالتحرك للقضاء على "الإسماعيليين" ودخول بغداد، ويبدو أن هنالك من عمل على تحريض "منكوقاآن" على الإسماعيليين، حيث كان يتردد على "منكوقاآن" قاضي القضاة شمس الدين القزويني، الذي كان يوغر صدر "القاآن" على الإسماعيليين.

يؤكد ذلك عدد من المؤرخين الذين يظهرون دور القزويني في تحرك جيوش المغول على الشكل التالي:

-"في ذلك الوقت كان قاضي القضاة المرحوم شمس الدين القزويني موجودًا في بلاط الخان، وذات يوم ظهر للخان مرتديًا الزرد وأخبره أنه يلبسه تحت ثيابه خشية الملاحدة، كما سرد له طرفًا من اعتداءاتهم وعاداتهم"([3]).

-"شمس الدين، كان على اتصال بالمغول وكان إمامًا عالمًا كبيرًا، ذهب مرة إلى منكوخان وطلب منه أن يضع حدًا لشر الملاحدة ويخلّص الناس من فسادهم... كلمات هذا القاضي كان لها اثر عميق في نفس منكوخان إذ نسب إليه الضعف والعجز لأنه لم يستطع أن يستأصل شأفة هذه الطائفة التي تدين بدين يخالف ديانات المسيحيين والمسلمين والمغول..."([4]).

ومع الأساليب التي مارسها قاضي القضاة، عمد منكوقآن إلى تحريك الجيوش نحو المشرق العربي الإسلامي، فطلب من أخيه هولاكو  أن يتحرك نحو قلاع الإسماعيلية ويستأصل شأفتهم.

إلا أن هذه الروايات التي ذكرناها، ليست كافية للقطع بأن المغول تحركوا إلى قلاع الإسماعيليين بسبب فتنة ما، فـ"منكوقاآن" لم يكن راضيًا أصلاً عن هذه الجماعة، الذين اعتمدوا على عمليات الاغتيال، وتحصيل الأموال عبر تهديد الحكّام المسلمين والمسيحيين، مما أثار الكراهية اتجاههم من قِبَل الحكّام ومواليهم، وحتى سكّان "قزوين" أنفسهم عبّروا -لـ "منكوقاآن" نفسه- عن امتعاضهم من الإسماعيليين وأساليبهم التي يتّبِعونها، وهو ما أثار حفيظة "القاآن" الذي اتّخذ تدابير حاسمة للقضاء على الإسماعيلية([5]). إلا أن هذا لا يعني أيضًا أن شمس الدين القزويني قاضي القضاة لم يكن هو من شجّع على الإسراع في اتخاذ قرار القضاء على هذه الفرقة -وهو ما ذكرناه سابقًا-.

ومع اقتراب هولاكو من قلاع الإسماعيلية، أرسل إلى ملوك وأمراء المسلمين يدعوهم إلى الالتحاق بجيشه: "... بناءً على أمر القاآن، قد عزمنا على تحطيم قلاع الملاحدة وإزعاج تلك الطائفة. فإذا أسرعتم وساهمتم في تلك الحملة بالجيوش والآلات فسوف تبقى لكم ولايتكم وجيوشكم ومساكنكم وستُحمد لكم  مواقعكم، أما إذا تهاونتم في امتثال الأوامر وأهملتم، فإنّا حين نفرغ بقوة الله من أمر الملاحدة فإننا لا نقبل عذركم ونتوجه إليكم، فيجري على ولايتكم ومساكنكم ما يكون قد جرى"([6]).

فتقاطر الأمراء المسلمون لدعم هولاكو، ومنهم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأيوبيو الجزيرة الفراتية والشام.

بغداد قبل وصول المغول

كانت عاصمة الخلافة العبّاسية، في تلك اللحظات الخطيرة والحاسمة من تاريخ الدولة العبّاسية، تشهد انقسامًا خطيرًا، ليس فقط بين رجال قصر الخليفة وخاصّته، بل وأيضًا بين السّكان الشيعة والسنّة داخل المدينة.

وفي ذلك يذكر ابن كثير في تاريخه، وفي السنة السابقة لغزو المغول لبغداد: " كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نُهبت فيها "الكرخ" ومحلة الرافضة، حيث نُهبت دور قرابات الوزير "ابن العلقمي"، فاشتّد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبّر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع"([7]).

ملقيًا تهمة قيام المغول بالهجوم على بغداد، وارتكاب ما ارتكبوه من مجازر على الوزير "ابن العلقمي"، وهو أمر يُظهر مدى تأثير الصراع بين المسلمين السّنة والشيعة على واقع الإمارات الإسلامية، والخلافة العباسية، في الوقت الذي كانت فيه القوّات المغولية تتقدم نحو بلادنا.

وقد تسرّع "ابن كثير" في رميه التهمة على الوزير، الذي كان -وبشهادة ابن كثير نفسه- "أستاذ دار الخلافة مدة طويلة... ومن الفضلاء في الإنشاء والأدب... حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لغيره من الوزراء"([8])،

في الواقع فإن الوزير "ابن العلقمي" كان ضعيفًا عند الخليفة، حيث كان يناصبه العداء كل من قائد الجيش "مجاهد الدين الدويدار الشركسي"، وبعض الشخصيات داخل قصر الخليفة، وهم من دبّر استباحة الكرخ([9]) سنة 654هـ -1256م([10]).

ولابن العلقمي دور بارز في دفع المغول عن بغداد سنة 643هـ، ومنعهم من دخول العاصمة حينها، حتى أن المؤرخ ابن أبي الحديد كتب إلى ابن العلقمي قصيدة يمدحه بها على هذا النصر مطلعها:

 

أبقى لنا الله الوزير وحاطه
وامتد وارف ظله لنزيله
يا كالئ الإسلام إذ نزلت به
 

 

لكتائب من نصره ومقانب
وصفت متون غديره للشارب
فرغاء تشهق من نجيع السالب[11]
 

هذا الشخص، من الصعب أن نقبل بفكرة خيانته للخلافة العباسية، وتعاونه مع هولاكو على إسقاطها.

ولدينا عدة أسباب تدفعنا إلى الشك فيما أورده ابن كثير، وغيره من المؤرخين حول اتهام ابن العلقمي بالخيانة ، وهي:

أسباب سقوط بغداد

أولا: الصراع الداخلي والوشايات

- من المتعارف عليه أن الخلافة العباسية، كانت في مرحلة السقوط والانهيار، وقد تسلّط على الخلافة عدد من كبار رجال البلاط العباسي، الذين كانوا ينصّبون الخليفة الذي يرضيهم ، ويبعدون من يخشون من قوّته وبطشه . وكان هؤلاء قد لعبوا دورًا أساسيًا في وصول المستعصم بعد موت المستنصر، ومن أبرزهم الدويدار قائد الجيش ، وسليمان شاه ، والشرابي([12]).

- وكان أن وقع الخلاف بين الدويدار وابن العلقمي، سنة 654هـ، وذلك بعد حادثة طبيعية ضربت بغداد ، حيث حدث سيل عظيم أغرق بغداد ، وهو ما دفع إلى قيام جماعات من اللصوص والمشاغبين بأعمال السلب والنهب والاعتداء على الناس . وعمد الدويدار إلى احتضان هذه الفئات حتى قوي أمره، بينما كانت الخلافة ضعيفة ، فقرر عندها خلع المستعصم ، إلا أن ابن العلقمي وصله خبر الدويدار وخيانته ، فأبلغ الخليفة الذي عمد إلى استدعاء الدويدار وأبلغه بما قاله له ابن العلقمي ، فما كان من هذا الأول ، إلا أن نفى بشدة ، ودافع عن نفسه متهمًا ابن العلقمي بالعمالة لهولاكو ، فطلب عندها المستعصم -الذي صدّقه- منه أن يبقى متيقظًا([13]).

وبذلك زادت الشقة بين الوزير وقائد الجيش ، الذي عمد إلى تحريك أتباعه ، ونشرهم في كل مكان ، يذيعون بين الناس أن الوزير اتفق مع هولاكو ، وأن لديه مشروعًا هدفه القضاء على المستعصم([14]).

- وزادت قوة الدويدار بمن جمع حوله ، حتى خشي منه المستعصم ، فذكر اسم الدويدار في الخطبة بعد اسم الخليفة مباشرة .

- وحدثت مجزرة الكرخ في نفس العام ، 654هـ ، حيث أرسل المستعصم ولده الأكبر أبو بكر ليقضي على فتنة وقعت بين السنة والشيعة في محلة الكرخ ، فأحرقها وأحرق مشهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) .

ويقول في ذلك ابن خلدون : "كانت الفتنة ببغداد لا تزال متصلة بين الشيعة وأهل السنة ، وبين الحنابلة وسائر أهل المذاهب ، وبين العيارين والدعّار والمفسدين ... وضاقت الأحوال على المستعصم فاسقط أهل الجند وفرض أرزاق الباقين على البياعات والأسواق وفي المعاش ، فاضطرب الناس وضاقت الأحوال وعظم الهرج والمرج ببغداد"([15]).

ثانيًا: وضع الخليفة العباسي

- في هذه الأوضاع ، كان جيش المغول يقترب من بلاد المسلمين ، ووصلت رسل هولاكو إلى المستعصم تتهدده ، فيعمد ابن العلقمي -الذي كان على دراية بالواقع الداخلي للخلافة وضعفها وقوة المغول- إلى الاقتراح على الخليفة بإرسال الهدايا إلى هولاكو ، بهدف كسب ودّه ولو مؤقتًا وإبعاده عن أبواب بغداد، إلا أن الدويدار أرسل مع بعض الأمراء رسالة إلى الخليفة يتّهمون فيها الوزير بالتقرّب من هولاكو ، ويرفضون فكرة الهدايا ، ليعدل الخليفة عن إرسالها مكتفيًا برسالة تحمل التهديد والوعيد لهولاكو إن هو اقترب من بغداد ، معتبرًا أن بغداد ما أرادها أحد بسوء إلا وقصم الله ظهره([16]) .

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى وجد ابن العلقمي ، في الخليفة المستعصم، الشخصية الضعيفة ، المترددة ، وأيضًا الشخص الذي عُرف عنه بخله وهو ما ظهر عند المؤرخين :

- "كان متدينًا متمسكًا بالسّنة كأبيه وجده ، ولكنه لم يكن مثلهما في التيقّظ والحزم وعلو الهمة ... ومع موت المستنصر فضّل الدويدار والشرابي والكبار ، المستعصم ... ليكون لهم الأمر"([17]).

- "كان شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني ، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة ، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعّم واللّذات ، لا يراعون له صلاحًا.

ومما يلفت النظر أنه أرسل إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ، يطلب منه جماعة من ذوي الطرب، وفي نفس الوقت وصل إليه رسول هولاكو يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار . فقال بدر الدين : "انظروا إلى المطلوبَين وابكوا على الإسلام وأهله".

حتى أن الوزير ابن العلقمي كان في هذه الظروف المحيطة به ينشد دائمًا :

كيف يرجى الصلاح من أمر قوم
فمطاع المقال غير سديد

 

 

ضيّعوا الحزم فيه أيّ ضياع
وسديد المقال غير مطاع[18]
 

- كما أن المستعصم كان قد أسقط الجند ليتخلّص من أرزاقهم ويكدّس الأموال حتى قال عنه ابن كثير "كان فيه لين وعدم تيقّظ ومحبة للمال وجمعه"([19]).

- عندما كان الخليفة يُحذَّر من خطر المغول ، واقترابهم من بغداد ، كان يقول: أنا بغداد تكفيني ، ولا يستكثرونها لي ، إذا نزلتُ لهم عن باقي البلاد ، ولا أيضا يهجمون عليّ وأنا بها وهي بيتي ودار مقامي"([20]).

ثالثًا: الجيش العباسي ووضعه

أمام كل ما ورد، خشي الوزير ابن العلقمي من زوال الخلافة، ومن أثر الخلافات الداخلية على بغداد وما تبقّى من جندها، فدعى إلى لقاء في منزله، جمع فيه كل أعيان البلاد للتشاور في الأمر، ولإيجاد الحلول المناسبة للخطر المغولي الذي يقترب بسرعة نحو أبواب بغداد، واتُفق خلال هذا اللقاء على جمع الجيوش([21]).

فوافق الخليفة، وأمر بحشد الجند، وبعد تعبئة الجند، طُلب من الخليفة منح المال، إلا أنه رفض، عندها أُحبط ابن العلقمي وأدرك مدى سوء الوضع الذي وصلت إليه الخلافة وبغداد([22]).

ينقل ابن كثير أن الجيش العباسي المدافع عن المدينة  كان لا يبلغ العشرة ألاف فارس، أما ما تبقّى منهم فقد أصبح في أسوأ حال، وقد أنشد الشعراء فيهم قصائد رثاء وحزن على الإسلام وأهله([23]).

وفشل الجيش العباسي بقيادة الدويدار، في منع المغول من الوصول إلى أبواب بغداد عام656هـ، وفرَّ من تبقّى من الجند، ولجأ الدويدار ومن معه إلى بغداد، ومع اشتداد الحصار، حاول الدويدار الفرار من بغداد في سفينة، إلا أن المغول أغرقوها، فعاد بأسوأ حال إلى بغداد([24]) ليُقتل بعدها ومن معه على يد المغول بعد استسلامهم، عندها أرسل المستعصم يطلب وزيره ابن العلقمي ليسأله ما العمل؟ وذلك بعد أن انتهى أمر الدولة، ليخرج بعدها المستعصم مستسلمًا مع أولاده في يوم الأحد 4 صفر سنة 656هـ/1258م وليقتل بعدها.

ومن الأمور اللافتة للنظر، والتي تُظهر كيف أن الخليفة العباسي كان لا مباليًا تجاه الخطر المغولي على أبواب بغداد، انه وأثناء الحصار، كان المستعصم يتلهى بالجواري والراقصات من حوله، حيث يورد ابن كثير أنه "وأثناء حصار بغداد، وأثناء تبادل رشق النبال، أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه  تدعى"عرفة" مما أثار فزع الخليفة، ولما أُحضر السهم الذي قتل الجارية، وُجد مكتوبًا عليه "إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم"([25]).

ومما يذكر في هذا الشأن أن "هولاكو" نفسه سأل الخليفة قبل مقتله: "إذا كنت تعرف أن الذهب لا يؤكل فلمَ احتفظت به، ولم توزعه على جنودك، حنى يصونوا لك ملكك الموروث من هجمات هذا الجيش المغير؟ ولمَ لم تُحوِّل تلك الأبواب الحديدية إلى سهام وتسرع إلى شاطئ نهر "جيحون" لتحول دون عبوري؟

فقال الخليفة: "هكذا كان تقدير الله".

فرد هولاكو: "وما سوف يجري عليك إنما هو تقدير الله"([26]).

وقد أتى هذا الحوار، بعدما انبهر "هولاكو" بقصر الخليفة العباسي، وبعدد الجواري اللواتي بلغن تسعماية جارية. فأمر عندها بوضع الخليفة في السجن وأن يمنع الطعام عنه، ولما طلب "المستعصم" بشيء من الطعام أرسل له "هولاكو" طبقًا فيه جواهر ذهب وفضة وطلب منه أن يأكلهم([27]).

كل هذا وغيره، يبرئ ابن العلقمي الذي كان لا حول له ولا قوة، ويُظهر ومنذ البداية، من أسقط بغداد، ومن كان له الدور في فتح باب العالم الإسلامي أمام الجيوش المغولية الجرارة، من الخوارزمية، إلى قاضي القضاة، إلى الدويدار قائد الجيش، إلى الخليفة، إلى صراع الملوك والأمراء المسلمين... إن التاريخ لا بُدَّ وأن يظهر الحقيقة ولو بعد حين...


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) قائد الحملة المغولية على المشرق الإسلامي، أحد أحفاد جنكيز خان.

([2]) هو محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب (593-656هـ)، مؤيد الدين الأسدي ، وزير المستعصم العباسي ، اشتغل في صباه بالأدب واصبح وزيرًا عام 642هـ، فتولاها أربعة عشر عامًا ، كان حازمًا خبيرًا في سياسة الملك ، كاتبًا فصيح الإنشاء ، اشتملت خزائنه على عشرة آلاف مجلد ، أهين على يد المغول بعد دخولهم بغداد ، ومات غمًا حيث دفن في مشهد الإمام موسى بن جعفر   × (خير الدين الزركلي ، الأعلام : 5/321).

([3]) الهمذاني، رشيد الدين فضل الله، جامع التواريخ، ترجمة محمد صادق نشأت وآخرين، القاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دون تاريخ، م2،ج1،ص223.

([4]) الجوزجاني، طبقات ناصري، ص413-414.

([5]) برنارد لويس، فرقة الحشاشين، ص145.

([6]) الهمذاني، جامع التواريخ، ص121.

([7]) ابن كثير، البداية والنهاية، 13/150-151.

([8]) المصدر نفسه،13/159.

([9]) الكرخ هي محلة من بغداد مستقلة عما حولها وأهلها كلهم شيعة إمامية, ياقوت معجم البلدان،4/448.

([10]) كان ذلك بأمر من الخليفة العباسي بعد أن قتل الشقي الكرخي أحد أبناء "قطفتا" السنية  (ابن خلدون، تاريخه، 5/1149).

([11]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 8/243.

([12]) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، ص 464 .

([13]) الهمذاني ، جامع التواريخ ، 263 .

([14]) المصدر نفسه ، ص 374 ، عباس العزاوي ، العراق بين احتلالين ، 1/162 .

([15]) ابن خلدون ، تاريخه ، 3/536 - 537 .

([16]) الهمذاني ، جامع التواريخ ،ص271 -273 .

([17]) السيوطي تاريخ الخلفاء ن ص464 .

([18]) ابن الطقطقي ، الفخري في الآداب السلطانية ، ص46-47 .

([19]) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 13/238 .

([20]) ابن العبري ، تاريخ مختصر الدول ، ص255 .

([21]) الهمذاني، جامع التواريخ، ص274.

([22]) المصدر نفسه، ص274.

([23]) ابن كثير، 13/150-151.

([24]) الهمذاني، جامع التواريخ، ص287-288.

([25]) ابن كثير، البداية والنهاية، 13/150-151.

([26]) فؤاد عبد المعطي الصياد، مؤرخ المغول الكبير، ج3، ص290.

([27]) المرجع نفسه.

 

 

ل

معالم مكة المكرمة

الشيخ يوسف رغدا

مقدمة

قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ}([1]).

إن لمكة المكرمة مكانتها السامية وموقعها الإيماني الفريد لدى المسلمين جميعًا، وذلك لأنها تحتضن أقدس المقدسات الإسلامية، وتنضح بأغلى الذكريات الحلوة والمرّة في تاريخ انطلاقة الإسلام الأولى، كما تختزن الكثير من أسرار بقاء هذا الدين، وإليها تهوي أفئدة كثيرين من الناس، وتتلاقى في رحابها آمالهم، وتنطلق في آفاقها أرواحهم.

ومن الواضح أن وقوف الإنسان المسلم والمؤمن الواعي على الإسلام، وعلى مواقع شعائره، وثوابت أعلامه، من شأنه أن يعطيه المزيد من الوعي والثبات، وأن يشحنه بكثير من المعاني الروحية السامية، الأمر الذي لا بد أن يكون له دور رئيس وحساس في بناء الشخصية الإسلامية حيث تصبح جذور الشجرة الإيمانية أكثر ثباتًا ورسوخًا، وفارع أغصانها أكثر بسوقًا وشموخًا، وأن هذه الآثار والمعالم لم تعد ملكًا للعرب أو لأهل الجزيرة بل غدت لكل المسلمين، ثم لكل طلاب الحق والحقيقة ولجميع رواد الفضيلة في العالم بأسره.

وإذا كانت مكة المكرمة التي تحتضن الكعبة الشريفة، والمسجد الحرام، ومعالم الإسلام الأولى، ومواقع شعائره، إذا كانت كذلك، فمن الطبيعي أن يتشوق الناس كلهم إلى الاطلاع على ما فيها من آثار وشعائر وأعلام ومنائر، وإلى معرفة لمحة تاريخية عن هذا البلد الشريف، فجاء في هذه المقالة والصفحات القليلة ما يلبي هذه الرغبة، ويستجيب لهذا الطموح، فاشتملت على نبذة تاريخية لمكة المكرمة التي لها موقع مهم في تاريخ الإسلام.

الموقع الجغرافي لمكة

تقع مكة المعظّمة غرب جزيرة العرب ونجد، يحدّها من الشمال المدينة المنورة، ومن الشرق نجد والرياض، ومن الجنوب اليمن، ومن الغرب جدة، يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر (330م) تقريبًا.

تقع هذه المدينة في وادٍ مائل من الشمال إلى الجنوب منحصر بين سلسلتي جبال تكادان تتصلان ببعضهما من جهة الشرق والغرب والجنوب، أعني على أبواب مكة الثلاث، ولذا لا تُشاهد أبنيتها للقادم عليها إلا وهو على أبوابها.

والحرم الشريف بين هذه البيوت مائلاً إلى الجهة الجنوبية مما يلي جبل أبي قبيس، يتلوها شرقًا شِعب بني هاشم ويسمونه شعب علي (عليه السلام).

أسماء مكة المكرمة

لمكة المكرمة أسماء كثيرة، وقد عُني الناس بجمعها، يقول الفاسي في كتابه شفاء الغرام: [ولم أرَ لأحد في ذلك مثل ما رأيت لشيخنا العلامة اللغوي قاضي اليمن مجد الدين الشيرازي، ولكنه أغربَ فيما ذكر، وفاته مع ذلك أسماء أخرى. يقول مجد الدين الشيرازي: ومن أسماء مكة شرّفها الله تعالى: العروض ؛ والسيل ؛ مُخرَج صدق ؛ البيّنة ؛ المعَاد ؛ أمّ رحم ؛ أمّ زحم ؛ أم صُبح ؛ أمّ القرى ؛ البلد ؛ البلدة ؛ البلد الأمين ؛ البلد الحرام ؛ الرّتاح ؛ الناسة ؛ التاشة ؛ حرم الله تعالى ؛ بلد الله تعالى ؛ الباسّة ؛ قادان ؛ البساسة ؛ وطيبة ؛ القادسي ؛ المقدسة ؛ قرية النمل ؛ نقرة الغراب ؛ قرية الحُمس ؛ صلاح ؛ الحاطمة ؛ كَوثى ؛ سبوحة ؛ السلام ؛ العذراء ؛ تادرة ؛ الوادي ؛ الحرم ؛ النَّجز ؛ القرية ؛ بكّة ؛ مكة ؛ العُرش ؛ الحُرمة ؛ البيت العتيق ؛ القادسية ؛ المسجد الحرام ؛ النابية ؛ أم روح... الخ ، وبعض هذه الأسماء مأخوذة في القرآن الكريم .

معاني بعض أسماء مكة

اختلف في مكة بالميم وبكة بالباء، أهما بمعنى واحد أم بمعنيين ؟ وعلى القول الثاني اختلف القائلون به:

فقيل: بكة موضع البيت، ومكة القرية.

وقيل بكّة موضع البيت، ومكة الحرم كله.

وقيل بكّة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله.

وقيل بكة الكعبة والمسجد الحرام، ومكة ذو طوى.

وقيل بكة البيت، وما حواليه مكة.

1- مكة

قال تعالى في سورة الفتح:

{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ...}([2]).

اختلف في معنى تسميتها مكة، فقيل: لأنها تمكُّ الجبارين، أي تُذهب نخوتهم.

وقيل: لأنها تمكّ الفاجر عنها أي تخرجه.

وقيل: لأنها تجذب الناس إليها.

وقيل: لقلة مائها، أي مكّ الثدي أي مصّه لقلة حليبه.

2- بكة

قال تعالى في سورة آل عمران :{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ}([3]).

واختلف في معنى تسميتها بكّة:

فقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها أي تدقّها، والبكّ الدق.

وقيل: سميت بكة لأنها لا يفجر بها أحد إلا بكّت عنقه.

وقيل: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس.

3- أم القرى

قال تعالى: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}([4]).

واختلف في سبب تسميتها بذلك:

فقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها.

وقيل: لأنها أعظم القرى شأنًا.

وقيل: لأن فيها بيت الله، ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدمان على جميع الأماكن سمي أمًّا لأن الأم متقدمة.

وقيل: لأنها قبلة تؤمّها جميع الأمة.

4- البلد

{لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}([5]).

والبلد في اللغة الصدر، قال ابن عباس: هي مكة، وهي صدر القرى.

وفي آية أخرى على لسان النبي إبراهيم (عليه السلام): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}([6]).

وفي آية أخرى: ورد ذكر البلد على لسان إبراهيم (عليه السلام) بمعنى مكة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}([7]).

5- البلد الأمين

{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}([8]).

قال الفاكهي فيما رواه بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} قال: يعني مكة.

6- الباسّة

سميت مكة الباسّة لأنها تبسّ من ألحد فيها، أي تهلكه، أي تحطّه.

7- الحرم الآمن

ورد في القرآن الكريم في موضعين: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}([9]). وفي آية أخرى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا}([10]).

مكة قبل الإسلام

يقول ابن إسحاق: إن غبثان من خزاعة وَلِيَت البيت، وكانوا يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر،حتى كان آخرهم حُليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي.

ثم إن قصي بن كلاب (الجد الأعلى للنبي (صلى الله عليه وآله)) خطب إلى حُليل بن حبشية ابنته حُبّى، فرغب فيه، فزوجه، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العُزّى، وعبدًا، فلما انتشر ولد قصي، وكثر ماله، وعظم شرفه، هلك حُليل، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة، وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشًا قُرعة إسماعيل (القرعة: نخبة الشيء وخياره) بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلّم رجالاً من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه، فأتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة، وقضاعة، عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالاً شديدًا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمرِ مكة، فولي قصي البيت وأمر مكة.

وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملّك على قومه، وأهل مكة، فملّكوه، إلا أنه قد أقرّ للعرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينًا في نفسه لا ينبغي تغييره، فأقرّ آل صفوان وعدوان والنسأة، ومرّة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فكان قصي أول بني كعب، كانت له الحجابة([11])، والسقاية([12])، والرفادة([13])، والندوة([14])، واللواء([15]).

فحاز شرف مكة كله، واتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.

ثم إن قصي بن كلاب هلك، فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده، ثم إن بني عبد مناف بن قصي وعبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلاً، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبد الدار، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.

ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، فتفرّقت عند ذلك قريش، فكان صاحب أمر بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف، وذلك أنه كان أسنّ بني عبد مناف، وكان صاحب أمر بني عبد الدار: عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

ثم تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما كان من حلفٍ في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة).

فولي الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف، وذلك أن عبد شمس كان رجلاً سفّارًا قلّما يقيم بمكة، وكان مُقلاً ذا ولد، وكان هاشم موسرًا.

وكان هاشم فيما يزعمون أول من سنّ الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة، وإنما كان اسمه عمرًا، فما سمي هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه، ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزّة، من أرض الشام تاجرًا، فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في قومه وفضلٍ، وكانت قريش إنما تسميه "الفيض" لسماحته وفضله، ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن، فولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشَرُف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبّه قومه وعظم خطره فيهم.

ثم لما هلك عبد المطلب بن هاشم وليَ زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام فأقرّها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما مضى من ولايته([16]).

المسجد الحرام قبل الإسلام

كان المسجد الحرام عبارة عن فسحة واسعة حول الكعبة المعظمة، ولم يكن حول الكعبة المعظمة دور مشيدة، أو جدر محيطة بالمسجد الحرام، حيث كانت القبائل التي قطنت مكة، من عمالقة، وجرهم، وخزاعة، وقريش وغيرهم، يسكنون في شعاب مكة ويتركون حول الكعبة المعظمة احترامًا لها وتعظيمًا لشأنها، فلا تجترئ أن تبني بجوار الكعبة المعظمة دارًا ولا جدارًا.

فلما آل الأمر إلى قصي واستولى على مكة، وعلى مفتاح الكعبة من خزاعة، بعد أن دارت بينه وبينها حرب شعواء، جمع قصي قومه بطون قريش وأمرهم أن يبنوا بمكة حول الكعبة بيوتًا من جهاتها الأربع، حيث كانوا يقطنون ظاهر مكة وشعابها، وكانوا إذا أرادوا دخول مكة لا يدخلون على جنابة ولا يقيمون بها إلا نهارًا، فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل، فقال لهم قصي: (إن سكنتم حول البيت هابتكم الناس ولم تستحل قتالكم والهجوم عليكم...)، فبدأ هو أولاً وبنى دار الندوة في الجانب الشمالي الذي هو الآن فسحة باب الزيادة، ثم قسّم قصي باقي الجهات بين قبائل قريش.

فبنت قريش دورها حول الكعبة وشرعت أبوابها إلى نحو الكعبة المعظمة، وتركوا للطائفين مقدار مدار المطاف وجعلوا بين كل دارين من دورهم مسلكًا شارعًا فيه باب يسلك منه إلى المطاف وجعلوا بناء الدور مدورة ولم تكن مربعة الشكل، حتى لا يكون بينها وبين الكعبة شَبَه في البناء من جهة التربيع، لكون الكعبة المعظمة مربعة، وجعلوا ارتفاع عموم تلك الدور أقل من ارتفاع الكعبة حيث لا يجرؤون على بناء دار أعلى من الكعبة احترامًا وتعظيمًا لها، ولذلك كانت الكعبة ترى من عموم أنحاء مكة المكرمة، لأنها كانت أعلى من عموم الدور التي بنيت حولها.

وسمي كل من بنى حول الكعبة المعظمة بيتًا من قبائل قريش (قريش البواطن) ثم تكاثرت البيوت بتكاثر السكان وكثرة النسل حتى تعلقت الدور بشعاب مكة في العصر النبوي.

هذا حاصل ما ذكره الأزرقي، والفاسي، وقطب الدين الحنفي في الأعلام، وغيرهم من مؤرخي مكة المكرمة عن أصل المسجد الحرام وصفته ووضعيته وسعته في العصر الجاهلي قبل الإسلام.

ومنه يُعلم أنه لم يكن قبل الإسلام ذكر للمسجد الحرام، وإنما كل ما كان هو مدار الطواف حول الكعبة، وذلك لأنه لم يكن في التشريع الجاهلي صلاة يؤدونها حول الكعبة، وإنما كان المعتاد عند العرب في جاهليتها الطواف حول الكعبة فقط، غير أنه كانت لهم مجالس حول الكعبة في الصباح والمساء، يستظلون من الشمس بظلها، ويتتبعون الأفياء في مجالسهم، وكان المسجد الحرام أو مدار المطاف في الزمن الجاهلي أشبه بمجلس عمومي يجتمع فيه عموم الناس ويتذاكرون في مصالحهم.

وذلك بخلاف دار الندوة، فإنه لا يسمح بالدخول فيه إلا لأناس مخصوصين بموجب شروط مخصوصة، فلما جاء الإسلام وانبثق نوره واعتنقه أفراد من أهل مكة كان من أسلم منهم يستخفي بصلاته عن المشركين في داره وفي شعاب مكة لئلا يؤذوه، وذلك قبل الهجرة، ولم يصلِّ أحد منهم حول الكعبة إلا نادرًا كما وقع ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم هاجر من مكة كل من يستطيع الهجرة من المسلمين إلى الحبشة فرارًا بدينه من إيذاء قريش لهم، ثم هاجر من بقي فيها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المسلمين إلى المدينة إلا من حبس منهم.

وخلت مكة المكرمة من المسلمين بعد الهجرة وأصبحت مجردة من كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويقيم الصلاة غير المستضعفين منهم.

ومكثت مكة على هذا الحال إلى عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، فلما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة منع المسلمين من الهجرة بقوله (لا هجرة بعد الفتح) فصار بعد ذلك يقيم المسلمون صلاتهم حول الكعبة جهارًا.

غير أنه كان سكان مكة قليلين جدًا وهم عبارة عن عدد وجيز، لأن معظم أهلها قد التحقوا بعد الهجرة بالجيوش الإسلامية لأداء فريضة الجهاد، والذب عن دين الإسلام، وكبح جماح أعدائه وبالأخص زمن فتح فارس والروم، ولذلك لم يكن احتياج إلى توسعة المسجد الحرام، لأن سعة مدار المطاف كان كافيًا لصلاة المسلمين المقيمين بمكة، ولم يقع فيه ضيق على المصلين يلجئهم إلى توسيعه، ولهذه الأسباب لم يقع في المسجد الحرام زيادة ولا سعة، ولا تغيير ولا تبديل في العصر النبوي وزمن أبي بكر.

وأطلق في العصر النبوي على مدار المطاف (المسجد الحرام)، وجاء ذكره في القرآن المجيد بهذا الاسم في قوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}([17]).

وأما حدود مدار المطاف الذي كان يطلق عليه المسجد الحرام في صدر العصر الإسلامي الذي هو عصر النبي (صلى الله عليه وآله) فيحده من الجهة الشرقية بئر زمزم، وباب بني شيبة، ويحده من الجهة الغربية حافة المدار الذي عليه أساطين النحاس، ثم حصلت توسعة للمسجد الحرام عدة مرات، أهمها:

1- توسعة عمر بن الخطاب سنة 17 هـ.

2- توسعة عثمان بن عفان سنة 26هـ.

3- زيادة عبد الله بن الزبير سنة 65هـ.

4- زيادة عبد الملك بن مروان سنة 75هـ.

5- زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 91 هـ.

6- زيادة أبو جعفر المنصور العباسي سنة 137هـ.

7- زيادة محمد المهدي العباسي سنتي 160-164هـ.

8- زيادة دار الندوة سنة 281 هـ.

ثم حصلت زيادات عديدة من قبل الملوك والأمراء والسلاطين.

وفي ظل الحكومة السعودية سنة 1368هـ أمر الملك عبد العزيز بتوسعة المسجد الحرام، وبعد التوسعة صارت مساحته 180 ألف متر مربع، وفي ظل حكومة الملك فهد سنة 1409هـ حصلت توسعة للمسجد الحرام إلى أن وصلت مساحته إلى 230 ألف متر مربع.

فضل مكة على غيرها من البلاد

وحسبك بفضل مكة أن فيها بيت الله الذي رضي بحط الأوزار عن العباد بقصده في العمر مرة، ولم يقبل من أحد منهم صلاة إلا باستقبال جهته، وهي قبلة المسلمين أحياءً وأمواتًا، وفيها ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وورد جملة من الأخبار حول فضلها، منها: ما رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن عدي ابن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو واقف على راحلته بمكة، يقول لمكة: (والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إليّ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)([18]).

ومنها: ما صححه عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لمكة: (ما أطيبك وأحبك لي، ولولا قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك ).

وروى سعيد بن عبد الله الأعرج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أحب الأرض إلى الله تعالى مكة، وما تربة أحب إلى الله عز وجل من تربتها، ولا حجر أحب إلى الله من حجرها، ولا شجر أحبّ إلى الله من شجرها، ولا جبال أحبّ إلى الله من جبالها، ولا ماء أحب إلى الله من مائها)([19]).

وقال في خبر آخر: (ما خلق الله تبارك وتعالى بقعة في الأرض أحب إليه منها، وأومأ بيده إلى الكعبة، ولا أكرم على الله عز وجل منها، لها حرّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض)([20]).

فضل الصلاة في مكة

إن الصلاة في المسجد الحرام في مكة أفضل من الصلاة في غيره من المساجد، ويدل على ذلك جملة من الأخبار، نقتصر على عدة أخبار منها:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: (الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة).

ومنها: عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (سألته عن الرجل يصلي في جماعة في منزله بمكة أفضل أو وحده في المسجد الحرام ؟ فقال: وحده) ([21]).

ومنها: عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): صلاة في مسجدي هذا تعدل عند الله عشرة آلاف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة)([22]).

آداب دخول مكة

الغسل

عن الصادق (عليه السلام): (إن الله عز وجل يقول في كتابه {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}([23])، فينبغي للعبد أن لا يدخل مكة إلا وهو طاهر، قد غسل عرقه والأذى وتطهّر ).

التواضع والخشوع

روى أبان بن تغلب: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) مزاملة فيما بين مكة والمدينة، فلما انتهى إلى الحرم نزل واغتسل وأخذ نعليه بيديه، ثم دخل الحرم حافيًا، فصنعت مثل ما صنع، فقال: يا أبان من صنع مثل ما رأيتني صنعت تواضعًا لله محى الله عنه مائة ألف سيئة، وكتب له مائة ألف حسنة، وبنى الله عز وجل له مائة ألف درجة، وقضى له مائة ألف حاجة).

الدخول من أعلاها

عن يونس بن يعقوب: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (من أين أدخل مكة وقد جئت من المدينة ؟ فقال: ادخل من أعلى مكة، من عقبة المدنيين، واخرج من أسفل مكة من ذي طوى).

عن ابن قداح، عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: (سألته عن دخول الكعبة، قال: الدخول فيها دخول في رحمة الله، والخروج منها خروج من الذنوب، معصوم فيما بقي من عمره، مغفور له ما سلف من ذنوبه).

استحباب دخول البيت

عن الصادق (عليه السلام): (لا بد للصرورة أن يدخل البيت قبل أن يرجع، فإذا دخلته فادخله بسكينة ووقار، ثم ائت كل زاوية من زواياه ثم قل: اللهم إنك قلت {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}، فآمنّي من عذاب يوم القيامة. وصلِّ بين العمودين اللذين يليان على الرخامة الحمراء، وإن كثر الناس فاستقبل كل زاوية في مقامك حيث صليت، وادع الله واسأله، ولا تدخلها بحذاء، ولا تبزق فيها، ولا تمتخط فيها).

أما الكعبة من الداخل، فشكلها مربع، مشطور الزاوية الشمالية، وهي التي على يمين الداخل، وبهذه الشطرة باب صغير اسمه باب التوبة، يوصل إلى سلم صغير يصعد به إلى سطحها، وبوسطها من الداخل ثلاثة أعمدة من العود القاقلي، عليها مقاصير ترتكز على حائط الميزاب من جهةٍ، وحائط الحجر الأسود من أخرى، وقطر كل عامود نحو ثلاثين سنتمترًا، ويغطي سقف الكعبة وحوائطها من الداخل كسوة من الحرير الوردي، عليها مربعات مكتوب فيها (الله جل جلاله)، وفي قبالة الداخل من الباب محراب كان يصلي فيه النبي (صلى الله عليه وآله)، ويحيط ببناء البيت من الداخل إزار من الرخام المجزع على ارتفاع مترين.

فضل النظر إلى الكعبة

من تتبع أنواع العبادات وفضلها يرى أن الله تعالى جعل من جنس كل عادة عند الإنسان عبادة، ومن نوع كل مألوف مباحًا، نعم فمجرد النظر إلى وجه العالم جعله عبادة، وكذلك النظر إلى الكعبة المعظمة، وقد ورد في ذلك الأخبار والأحاديث:

منها: عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الله تبارك وتعالى جعل حول الكعبة عشرين ومائة رحمة، منها ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين ).

وروى حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى الإمام عبادة).

وعنه أيضًا (عليه السلام) قال: (من نظر إلى الكعبة لم يزل تكتب له حسنة، وتمحى عنه سيئة، حتى ينصرف ببصره عنها).

وعنه (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا خرجتم حجاجًا إلى بيت الله فأكثروا النظر إلى بيت الله...).

فضل الإنفاق بمكة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (مكة حرم الله، وحرم رسوله (صلى الله عليه وآله)، وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، الصلاة فيها بمائة ألف صلاة، والدرهم فيها بمائة ألف درهم).

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله عز وجل بسبعمائة ضعف ).

عن الإمام علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: (... درهم ينفقه الرجل في الحج يعدل ألف درهم ).

ثواب من صلى بمكة

عن علي بن الحسين (عليه السلام): (من صلى بمكة سبعين ركعة فقرأ في كل ركعة بـ(قل هو الله أحد) و(إنا أنزلناه) وآية السخرة، وآية الكرسي، لم يمت إلا شهيدًا ).

ثواب من صام يومًا في مكة

عن علي بن الحسين (عليه السلام): (صيام يوم بمكة يعدل صيام سنة فيما سواها، والماشي بمكة في عبادة الله عز وجل).

ثواب من ختم القرآن بمكة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (من ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة، ويرى منزله في الجنة ).

فضل التسبيح بمكة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (تسبيح بمكة يعدل خراج العراقين، ينفق في سبيل الله ).

أجر الساجد بمكة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (الساجد بمكة كالمتشحط بدمه في سبيل الله).

أجر من مرض بمكة أو صبر على حرها

قال النبي (صلى الله عليه وآله) : من مرض يومًا بمكة كتب الله له من العمل الصالح الذي كان يعمله عبادة ستين سنة، ومن صبر على حرّ مكة ساعة تباعدت عنه النار مسيرة مائة عام، وتقرّبت منه الجنة مسيرة مائة عام).

ثواب النائم بمكة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: النائم بمكة كالمتشحط في البلدان ).

كراهة الإقامة بمكة

عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إنه كره المقام بمكة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرج عنها، والمقيم يقسو قلبه حتى يأتي في غيرها).

حدود الحرم والمواقيت

قال تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}([24]).

اعلم أنه يحيط بالكعبة ثلاث دوائر:

الأولى: دائرة المسجد، وتكلمنا عنه مفصلاً.

الثانية: دائرة الحرم.

الثالثة: دائرة المواقيت.

فلا يعدو امرؤ الدائرة الثالثة قاصدًا مكة إلا إذا أحرم، وأما دائرة الحرم فجعلها الله مثابة للناس وأمنًا، بل أمن فيها الحيوان والنبات، فحرّم التعرّض لصيدها ومنع قطع شجرها وحشيشها، وقد نصبت عليها أعلام في جهاتها الأربع، وأول من نصب علامات على حدود الحرم إبراهيم الخليل (عليه السلام) بإرشاد جبرئيل (عليه السلام) تعظيمًا للبيت وتشريفًا، وبعده إسماعيل (عليه السلام)، ثم قصي بن كعب بن كلاب.

وقيل إن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم ، ونصبتها قريش بعد ذلك، والنبي (صلى الله عليه وآله) بمكة قبل هجرته، ونصبها النبي (صلى الله عليه وآله) عام الفتح، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم أمر الراضي بعمارة العلمين الكبيرين اللذين بالتنعيم في سنة 325هـ، وأخيرًا الملك سعود بن عبد العزيز أمر ببناء أعلام الحرم سنة 1376هـ، وكذلك في سنة 1383هـ([25]).

وقال التقي الفاسي: وقد ورد في المسافة التي بين المسجد الحرام وأنصاب الحرم أقوال كثيرة:

وأما سبب الخلاف الواقع بين العلماء في المسافة بين الحدود والمسجد الحرام فهو ناتج عن أمرين :

أحدهما: اختلافهم في مبدأ الذرع، حيث جعل بعضهم مبدأ الحد من أبواب المسجد الحرام، وبعضهم جعله من أبواب مكة، مثل باب الشبيكة الذي هو حارة البات، وباب المعلاة الذي هو قريب من الحجون.

والأمر الثاني: اختلافهم في قدر الميل، حيث بعضهم قدّره بستة آلاف ذراع يد، وبعضهم قدر بأربعة آلاف ذراع يد، وبعضهم بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع يد، والذراع يتراوح بين (46سنتم) إلى (52سنتم)([26]).

وقد ذكر المسافات بينها وبين المسجد الحرام التقي الفاسي في كتابه شفاء الغرام، ونحن نذكرها نقلاً عنه مبينين مقدارها بالأمتار.

وحدود الحرم ستة، وهي:

1- من جهة الطائف : وادي عُرَنَة :

حدّ الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن عُرَنَة (18333م) وذلك من جدر باب بني شيبة إلى العلمين اللذين هما علامتان لحد الحرم من جهة عرفة، وهناك كما ذكرنا أقوال أخرى.

2- من جهة العراق : خِلّ المقطَّع :

وحدّه من جهة العراق العلمان اللذان هما بجادة وادي نخلة 5/13353م، وفيه أربعة أقوال من حيث المسافة، وهي ستة أميال، وسبعة، وثمانية، وعشرة، وسمي بذلك لأن عبد الله بن الزبير عندما رمّم الكعبة قطع حجارة الكعبة من هذا الجبل وأخذها إلى مكة.

3- الجعرانة :

وأما حدّه من جهة الجعرانة ففيه قولان: أحدهما اثنا عشر ميلاً، والثاني تسعة أميال، ما يعادل 18 إلى 24 كلم.

ويحدّ الحرم في الجعرانة شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد، ويوجد في هذا المكان مسجد باسم الجعرانة، ومن هذا المكان أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

4- التنعيم :

وحدّه من جهة التنعيم، وهي طريق المدينة (6148م)، وذلك من جدر باب العمرة إلى أعلام الحرم التي في الأرض من هذه الجهة، وهذا الحد هو أقرب الحدود، وأحرم منه النبي (صلى الله عليه وآله) مرة واحدة، وبني في هذا المكان مسجد يعرف بمسجد التنعيم ومسجد عايشة، واليوم يعرف بمسجد العمرة، لأن الناس عندما يريدون أن يأتوا بعمرة بعد الحج يذهبون إلى أقرب الحدود ليحرموا منها للعمرة، وأقربها مسجد التنعيم، فعُرف بـ(مسجد العمرة).

5- الحديبية :

وعلى حد الحرم من جهة الغرب بميل قليل إلى الشمال قرية الحديبية، وهي التي تمّت بها بيعة الرضوان وصلح الحديبية، وتقع من جهة جدة على بعد 20 كلم من مكة، وبني في هذا المكان مسجد يعرف بمسجد الرضوان، ومسجد الحديبية.

6- إضاءة لِبن :

وحد الحرم من جهة اليمن من جدر باب إبراهيم إلى علامة الحد (12009م) وعلى حد الحرم من جهة الجنوب مكان يقال له أضاة، ويعرف المكان باضاءة ابن عمَش.

فضل الحرم وعلة تحريمه

أعظم فضيلة وأشرف مزية للبلد الأمين هو ثبوت تحريمه، واتفاق الأمة على ذلك، وهذا التحريم يشمل مكة كلها إلى الحدود التي ينتهي عندها الحرم، وما بين هذه الأعلام هو حرم مكة الذي جعل الله حكمه حكم الكعبة في الحُرمة تشريفًا لها.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}([27]).

وقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}([28]).

وقال تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا}([29]).

وقال تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}([30]).

وقال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}([31]).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته يوم فتح مكة: (إن هذا بلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيام، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده) ([32]).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الله عز وجل حرّم مكة، ولم يحرّمها الناس، ولا يحلّ لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماءً ولا يعضد بها شجرة)([33]).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن قول الله عز وجل {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}، البيت عنى أم الحرم ؟ قال: من دخل الحرم مستجيرًا به فهو آمن من سخط الله، ومن دخله من الوحش والطير كان آمنًا من أن يُهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم)([34]).

وقال الفاسي: اختلف في تحريمه:

فقيل: إن آدم لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشيطان، فاستعاذ بالله منه، فأرسل الله له ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم، فصار ما بينه وبين موقف الملائكة حرمًا([35]).

وقيل: لأن الخليل (عليه السلام) لما وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بناها أضاء الحجر يمينًا وشمالاً وشرقًا وغربًا، فحرّم الله الحرم من حيث انتهى نور الحجر الأسود([36]).

المواقيت الستة

أما الدائرة الثالثة التي تحيط بالكعبة، فهي دائرة المواقيت.

فلا يعدو امرؤ الدائرة الثالثة قاصدًا دخول مكة إلا إذا أحرم وأهلّ بالتلبية، فحرّمت عليه بذلك محرمات الإحرام.

والمواقيت ستة:

1- ذو الحليفة (مسجد الشجرة - آبار علي (عليه السلام) - مسجد الإحرام):

وهو ميقات أهل المدينة ومن حج عن هذا الطريق، ويبعد عن المدينة ثمانية كيلومترات تقريبًا، وسمي بمسجد الشجرة حيث كان بموضعه شجرة كان النبي (صلى الله عليه وآله) ينزل تحتها بذي الحليفة، وقد تمّ توسيعه وبناؤه على طراز حديث.

ولقد أحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذا الموضع أربع مرات، ثلاثًا للعمرة ومرة لحج التمتع، هي:

1- في السنة السادسة للهجرة، سنة صلح الحديبية.

2- في السنة السابعة، أحرم للعمرة.

3- عند فتح مكة، السنة الثامنة للهجرة.

4- حجة الوداع، السنة العاشرة.

وفي هذا المكان آبار علي (عليه السلام) وهو المحيط الذي أنشأ فيه الإمام علي (عليه السلام) ثلاثة وعشرين بئرًا، فلذا سمي بـ(آبار علي (عليه السلام)).

كان طول هذا المسجد في القرن التاسع 52 ذراعًا، ومن المشرق إلى المغرب مثل ذلك.

وفي العهد السعودي خضع المسجد للتوسعة الكبرى وصار المسجد كما يلي:

شكل المسجد مربّع بضلع (77م)، فتكون مساحته ستة آلاف مترًا مربعًا تقريبًا، يحتوي على فضاء داخلي لمساحة ألف متر مربع، ويتسع لخمسة آلاف مصلٍّ، يتكوّن المسجد من سلسلة صفوف الأروقة على التوالي مفصولة، وتغطي صفوف الأروقة قباب طولية على فاصلة 8/4 أمتار.

2- الجحفة :

كانت تعرف قديمًا باسم (مهيَعة) وهو مأخوذ من هاع هَيعًا وهيعانًا، بمعنى انبسط، أو من هاع هياعًا بمعنى اتسع وانتشر.

وقد يرجع هذا إلى اتساع واديها وانتشاره وانبساطه حيث يبدأ بغدير خم عند نهاية وادي الخراز واسعًا، ويستمر متسعًا حتى يصب في البحر.

ثم سميت بالجحفة، إما لأن السيل اجتحفها في قصة إخوة عاد، التي ينسبها اللغويون إلى ابن الكلبي المؤرخ المتوفى سنة 204هـ، إذ زعم أن [العماليق (وهم ولد عمليق بن لاوذ بن إرم) أخرجوا بني عبيل (وهم إخوة عاد بن عوض بن إرم) من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فاجتحفهم، فسميت جحفة]([37]).

وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة وأشد، وصححها، وانقل حُمّاها إلى الجحفة).

وتقع الجحفة شرقي مدينة (رابغ) مع مَيلٍ إلى الجنوب، وتبعد الجحفة عن مكة 189كلم، كما في خريطة وزارة المواصلات السعودية للطرق البرية، وتبعد عن غدير خم حوالى 4 كلم.

ويسكن أرض الجحفة اليوم قبائل من زبيد، منهم: الزنابق، والروايضة، والعصلان، تخالطهم عناصر من عوف.

ويوجد في الجحفة مسجد كبير شيدته الحكومة على موضع المسجد السابق بعد تهديمه، وفيه مرافق من مراحيض وحمامات للرجال وللنساء.

والجحفة من المواقيت الخمسة التي وقّـتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس، فعن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هنّ لهم، ولكل آت أتى عليهنّ من غيرهنّ، فمن أراد الحج والعمرة... الخ) ([38]).

إذن الجحفة هي ميقات أهل الشام ولمن مرّ عليها. فمن أتى إلى جدة عن طريق الجو ويريد الذهاب إلى مكة، فمكان إحرامه الجحفة.

واكتسبت الجحفة أهميتها كموقع جغرافي من العوامل التالية:

1- وقوعها مرحلة من مراحل طريق الهجرة النبوية الشريفة.

2- كونها مفترق طرق تؤدي إلى الحرمين الشريفين والى يَنبُع حيث المرفأ البحري والطريق الشامي الساحلي.

3- العامل الديني حيث اعتبرت شرعًا من المواقيت الخمسة([39]).

3- وادي العقيق (ذات عرق) :

وادي العقيق ميقات أهل العراق ويبعد حوالى 94 كلم عن شمال شرقي مكة تقريبًا.

4- قرْن المنازل :

ميقات أهل نجد ولمن يأتي من الطائف، ويبعد عن جنوب مكة حوالى 94 كلم، وقال القاضي عياض في معجم البلدان: قرن المنازل هو قرْن الثعالب (بسكون الراء) ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة، وهو (قرْن) أيضًا غير مضاف، وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير([40]).

5- يلملم :

يَلَمْلم، ميقات أهل اليمن، وهو موضع يبعد عن مكة 84 كلم تقريبًا، وفيه مسجد معاذ بن جبل، ويلملم اسم جبل من جبال تهامة.

6- فَخّ :

وهو وادٍ بمكة ويبعد عن مكة حوالى 6 كلم، وهو ميقات الأطفال وغير البالغين، وفي هذا المكان قتل جمع من العلويين سنة 169هـ، وفيه أيضًا دفن عبد الله بن عمر ونفر من الصحابة([41]).


 

([1]) آل ِعمران : 96.

([2]) الفتح، من الآية: 24.

([3]) آل عمران: 96.

([4]) الأنعام: من الآية 92.

([5]) البلد: 1 .

([6]) البقرة: من الآية 126.

([7]) إبراهيم: 35 .

([8]) التين: 1-3.

([9]) العنكبوت: من الآية 67.

([10]) القصص: من الآية 57.

([11]) الحجابة: أن تكون مفاتيح البيت عنده، فلا يدخله أحد إلا بإذنه.

([12]) السقاية: أي سقاية زمزم، وكانوا يصنعون بها شرابًا في الموسم للحاج.

([13]) الرفادة : طعام كانت قريش تجمعه كل عام لأهل الموسم.

([14]) الندوة: الاجتماع للمشورة، والرأي.

([15]) اللواء: يعني في الحرب، لأنه كان لا يحمله عندهم إلا قوم مخصوصون.

([16]) راجع : السيرة النبوية، ابن هشام، ج1.

([17]) الإسراء: من الآية 1 .

([18]) الفاسي المكي، ج 1 ص76.

([19]) الوسائل، ج13، ب19.

([20]) الفقيه، ج2.

([21]) الفروع من الكافي، ج4.

([22]) الوسائل، ج5 ص270.

([23]) البقرة: من الآية125 .

([24]) العنكبوت: من الآية67.

([25]) مرآة الحرمين، رفعت باشاج، ج1 ص225.

([26]) تاريخ عمارة المسجد الحرام ص310.

([27]) القصص: من الآية 57.

([28]) التين: 1-3.

([29]) النمل: من الآية91.

([30]) إبراهيم: من الآية37.

([31]) آل عمران: من الآية97.

([32]) صحيح البخاري: 2/214.

([33]) صحيح البخاري: 5/94، شرح النووي: 9/123، أحمد بن حنبل: 1:259 ؛ فروع الكافي : 4/230.

([34]) فروع الكافي، الكليني: 4/226.

([35]) شفاء الغرام، الفاسي: 1/55.

([36]) المصدر نفسه: 1/54.

([37]) انظر كتابي اللسان والتاج، مادة جحف.

([38]) المحلى، ابن حزم الأندلسي: 7/71 ؛ عن صحيح مسلم: 1/328.

([39]) ميقات الحج، عدد 6 ص82.

([40]) معجم البلدان: 4/332.

([41]) معجم البلدان: 4/237.

 

115%