رسالة النجف

الافتتاحية

 

الافتتاحية

مع صدور هذا العدد من مجلة رسالة النجف تكون المجلة قد أتمّت السنة الخامسة من عمرها، وقد رافقها في رحلتها هذه قرّاء كرام تابعوها بعناية وبمحبة، فكانوا نِعم المشجع ونِعم المعين على دوام حركتها واستمرار عطائها، ولعله من بَدَائِهِ الأمور أنه لولا وجود القارئ المهتم لما كان للنص المكتوب أي معنى.

يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:

يا رفيقي... أنا لولاك أنتَ ما وقّعتُ لحنًا

كنتَ في سرّي لمّا كنتُ وحدي أتغنّى

أليسَ الروضُ حلاهُ أنه يومًا سيُجنى

هذه أصداءُ روحي، فلتكنْ روحُك أُذنًا

نعم... لا يمكن أن يكون للكلمة وجود وحياة إلا بوجود طرفيها (الكاتب والقارئ).

وكما منَّ الله علينا بقرّاء محبين، فقد أنعم علينا أيضًا بكتّاب مخلصين أغنوا المجلة بنصوصهم القيّمة، وقد رافق بعضهم مسيرتها من أول يوم وحتى يومنا هذا، فكانوا كالشموع يذوبون في الليالي لكي يحوّلوا عالم الآخرين إلى نور وضياء.

يقول الشاعر الفارسي منوجهري الدامغاني واصفًا الشمعة:

أجسامنا حية بالروح، وروحُك حية بالجسد

في كل لحظةٍ تُنقصُ روحُك بدنَك قليلاً قليلاً

حتى لنحسبَ أن بدنَك ينطوي في روحِك

تتفتّحين بلا عيون، وتذبلين بغير خريف

وتبكين بلا عيون، وتضحكين بلا فمّ

كلانا يُحرقُ نفسَه لما يريد الأصدقاء

وأصدقاؤنا -بنا- في الراحة، ونحن في الأحزان

هذا هو شأن الكاتب، وذلك كان شأن القارئ، وأما المجلة فهي تقوم بدور الوسيط بين الاثنين ومن هذا الدور تكتسب حياتها.

ولذا نودّ في هذه المناسبة أن ننتهز الفرصة فنؤدي واجب الشكر لجميع كتّابنا وقرّائنا، متمنّين لهم كل الخير، ومعبّرين عن أسمى آيات المودّة والتّقدير.

التحرير

 

 

 

إقناع اللائم على إقامة المآتم

السيد محسن الأمين العاملي (قده)

 

هذا المقال هو الفصل السابع من خاتمة كتاب [المجالس السنية] للسيد محسن الأمين العاملي (قده)(1) .

قال (قده) :

(الفصل السابع) : فيما ذكره المسيو ماربين الألماني والدكتور جوزيف الإفرنسي في أسرار شهادة الحسين (عليه السلام) وفوائد مآتمه.

ننقله هنا لبيان تطابق العقلاء على استحسان مثل هذه المآتم التي أثبتنا بما تقدم تحسين الشرع لها، وقد تُرجم ما ذَكَراه إلى التركية والهندية، وترجم أيضًا إلى الفارسية، وأوردت الترجمة في جريدة (حبل المتين) الفارسية في العدد الثامن والعشرين من السنة الثامنة بتاريخ 7 محرم سنة 1329 هـ -1911م، وترجمنا نحن ما ذكرته الجريدة المذكورة إلى العربية بما هذه صورته.

قال المسيو ماربين الألماني -ذلك الفيلسوف المعروف، والحكيم المشهور من أكبر مؤرخي الإفرنج وأعلمهم بالسياسة الإسلامية- في رسالته المسماة بالسياسة الإسلامية المبنية على فلسفة الإسلام تحت عنوان:

الثورة الكبرى أو السياسة الحسينية

ترجمة ما نقلته جريدة [حبل المتين] عن المسيو ماربين الألماني

الفصل السابع : في فلسفة مذهب الشيعة

الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هو سبط محمد المتولد من ابنته وحبيبته فاطمة (عليهم السلام) ، ويمكننا القول بأنه كان جامعًا للأخلاق والصفات المستحسنة عند العرب في ذلك الزمان، ووارثًا للشجاعة من أبيه، وأعلم المسلمين بأحكام دين جده، وحاويًا بدرجة كاملة للجود الذي هو أحب الصفات، وكان طلق اللسان، فصيح البيان للغاية، اتفق المسلمون بلا مخالف على حسن العقيدة في الحسين، حتى أن الطوائف التي تذم أباه وأخاه(2) تمدحه وتثني عليه، وكتبهم مشحونة بذكر ملكاته الحسنة وسجاياه المستحسنة، وكان غيورًا صادقًا غير هيّاب، وإن لغالب فرق المسلمين عقائد عظيمة في الحسين (عليه السلام) ، ولكن الذي نقدر أن نكتبه في كتابنا بكمال الطمأنينة، وبلا خوف المعارضة هو أن تابعي علي (عليه السلام) (3) يعتقدون في الحسين أكثر مما تقوله النصارى في المسيح (عليه السلام) (4)، فكما أننا نقول إن عيسى تحمّل هذه المصائب لتكفير السيئات، هم يقولون ذلك في الحسين، ويعدّونه الشفيع المطلق يوم القيامة، والشيء الذي لا يقبل الإنكار أبدًا إذا قلناه في الحسين هو أنه كان في عصره أول شخص سياسي، ويمكن أن نقول أنه لم يختر أحد من أرباب الديانات سياسة مؤثّرة مثل سياسته، ومع أن أباه عليًا هو حكيم الإسلام، وحكمياته وكلياته([5]) الشخصية لم تكن بأقل مما هو لسائر حكماء العالم المعروفين، لم يظهر منه مثل السياسة الحسينية.

ولأجل إثبات هذه المسألة يلزم الالتفات قليلاً إلى تاريخ العرب قَبْل الإسلام، فنرى أنها كانت قرابة بين بني هاشم وبني أمية([6])، أي أنهم بنو أعمام، لأن أمية وهاشم أنجال عبد مناف، ومن قَبْلِ الإسلام كان بينهم نفور وكدورة بدرجة متناهية، وحصل بينهم مرارًا مجادلات وقتال، وكان كل من الطرفين طالبًا ثأره من الآخر، وكان بنو هاشم وبنو أمية أعزاء محترمين في قريش، ولهم السيادة، بنو أمية من جهة الغنى والرئاسة الدنيوية، وبنو هاشم من جهة العلم والرئاسة الروحانية، وفي بدء الإسلام ازدادت العداوة بين بني هاشم وبني أمية إلى أن فتح النبي محمد (صلى الله عليه وآله) مكة، وأدخل في طاعته وتحت أمره عموم قريش وبني أمية، وفي الواقع استولى على رئاسة العرب الدينية والدنيوية، فلأجل ذلك ارتفع قدر بني هاشم بين العرب وأطاعتهم بنو أمية، وأضرم هذا التقدم في الباطن نار الحسد لبني هاشم في صدور بني أمية، وكانوا على استعداد للإيقاع ببني هاشم حقدًا عليهم.

فلما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) اتسع لهم المجال لذلك، فسعوا أولاً أن لا يكون الخليفة للنبي (صلى الله عليه وآله) على أصول ولاية العهد بل على أصول أكثرية الآراء، ولم تدع شدة مخالفة بني أمية أن تكون أكثرية الآراء في الخلافة بجانب بني هاشم، فهنا نال بنو أمية مآربهم، وتغلبوا على بني هاشم.

وبسبب الخلافة تمكّن بنو أمية من الحصول على مقام منيع، فسهّلوا الطريق لمستقبلهم، وكانوا يسعون في رفعة منزلتهم عند الخلفاء يومًا فيومًا، وأصبحوا ركنًا من أركان السلطنة الإسلامية، حتى أصبح الخليفة الثالث منهم، وأصبح بنو أمية متفوقين تفوقًا مطلقًا في كل عمل ومكان، ووطّدوا مقامهم للمستقبل.

ونظرًا إلى تلك العداوة والثارات التي كانت لبني أمية عند بني هاشم حسب عوائد العرب في ذلك الزمان، كان إظهارهم لخلوص العقيدة والنيّة الصافية للإسلام أقل من سواهم، وكانوا باطنًا يرون من العار أن يتبعوا دينًا يكون ختامه باسم بني هاشم، ولكثرة المسلمين في ذلك الزمان كان بنو أمية يسيرون وراء مقاصدهم تحت ظل هذا الدين، ولم يعلنوا بمخالفته، وتظاهروا بمتابعته، ولما رأوا أنفسهم في المقامات العالية، ووطّدوا مقامهم في الجاه والجلالة، أظهروا تمردهم عن([7]) أحكام الإسلام، حتى أنهم كانوا في المحافل يستهزئون بدين جاء به بنو هاشم([8]).

ولما رأى بنو هاشم أن الأمر صار إلى هذا، واطّلعوا على نوايا بني أمية لم يقعدوا عن العمل، وأظهروا للناس أعمال الخليفة الثالث بأساليب عجيبة([9])، فأثاروا المسلمين عليه حتى آل الأمر إلى أن اشترك رؤساء طبقات المسلمين في قتله، وبأكثرية الآراء أصبح علي الخليفة الرابع.

من بعد هذه الواقعة تأكد بنو أمية أنها ستكون لبني هاشم السيادة والعظمة كما كانت لهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلهذا قام معاوية -الذي كان حاكمًا بلاد الشام من قبل الخلفاء السابقين، وكان ذا اقتدار ودهاء ونظر بعيد- ناشرًا لواء العصيان على علي، بدعوى أن قتل عثمان كان بإشارة منه، وألقى الخلاف بين المسلمين، وبتلك الطريقة التي كانت بين العرب قبل الإسلام شُهر السيف بينهم.

ومعاوية وإن لم يغلب عليًا في هذه الحروب العديدة، لكنه لم يكن مغلوبًا، ولم يطل زمن تمرد بني أمية على رئاسة بني هاشم حتى قتلوا عليًا (عليه السلام) ([10]) وعندئذ تغلب معاوية، وصالحه الحسن -الذي هو الأخ الأكبر للحسين- وهو الخليفة الخامس، وعادت الخلافة إلى بني أمية، فكان معاوية من جهة يسعى في تقوية ملكه، ومن جهة أخرى يسعى في اضمحلال بني هاشم، ولم يفتر دقيقة واحدة عن محوهم.

وكان الحسين مع أنه تحت نفوذ أخيه الحسن لم يطع بني أمية، ولم يظهر مخالفتهم، وكان يقول علنًا [لا بد أن أُقتل في سبيل الحق، ولا أستسلم للباطل]([11])، وكان بنو أمية في اضطراب منه، وبقي هذا الاضطراب إلى أن مضى الحسن ومعاوية، وجلس يزيد في مقام أبيه على أصول ولاية العهد، وأُبطلت الخلافة بأكثرية الآراء من بعد علي (عليه السلام) ، ولكن بعد تعيينه لولاية العهد استحصل معاوية على صك بأخذ البيعة له من رؤساء القوم، ورأى الحسين (عليه السلام) من جهة أن حركات بني أمية الذين كانت لهم السلطة المطلقة والرئاسة الروحانية الإسلامية قاربت أن تزعزع عقيدة المسلمين من([12]) دين جدّه، ومن جهة أخرى كان يعلم أنه إذا أطاع يزيد أو لم يطعه، فبنو أمية نظرًا لعداوتهم وبغضهم لبني هاشم لا يألون جهدًا في محوهم، وإذا دامت هذه الحال مدة لا يبقى أثر لبني هاشم في عالم الوجود، فلهذا صمّم الحسين (عليه السلام) على إلقاء الثورة بين المسلمين ضد بني أمية، كما أنه رأى من حين جلوس يزيد في مقام أبيه وجوب عدم إطاعته، ولم يُخفِ مخالفته له.

وجدَّ يزيد في أخذ البيعة من الحسين ودخوله في طاعته، فلهذا سلّم الحسين نفسه للقتل عالمًا عامدًا، لما كان يدور في خلده من الأفكار السامية.

وإذا تأمل المنصف بدقة في حركات تمثيل ذاك الدور، وتقدم مقاصد بني أمية، وكيفية تزعزع المسلمين واستيلاء بني أمية على جميع طبقات المسلمين، يحكم بلا تردد أن الحسين (عليه السلام) أحيى بقتله دين جده وقوانين الإسلام، ولو لم تقع هذه الواقعة ولم يحصل ذاك الاهتزاز الكهربائي في المسلمين من قتل الحسين، لم يبقَ الإسلام على حالته الحاضرة أبدًا، وبما أن الإسلام كان قريب العهد كان من المحتمل أن تضمحل أحكامه وقوانينه، ولما كان الحسين (عليه السلام) بعد أبيه مصممًا على القيام بذلك المقصد النبيل، خرج من المدينة بعد جلوس يزيد في مقام أبيه، لينشر أفكاره العالية في مراكز الإسلام المهمة مثل مكة والعراق، وكل نقطة كان يطأها الحسين (عليه السلام) كان يتولد في قلوب أهلها لبني أمية النفور الذي هو مقدمة للثورة، وإن يزيد لم تخفَ عليه هذه النقاط الدقيقة، ولقد علم أنه لو حصل في نقطة من مملكته ثورة ونشر له الحسين لواء المقاومة لسادت هذه الفكرة في جميع البلاد الإسلامية سيادة عامة بسرعة تامة.

أولاً: لنفور المسلمين من كيفية سلوك بني أمية وحكومتهم.

وثانياً: لانعطاف القلوب نحو الحسين (عليه السلام) ، ولكانت سببًا لزوال السلطنة الأبدية من بني أمية.

فلهذا صمم يزيد بعد جلوسه على تخت الملك قبل كل شيء على قتل الحسين (عليه السلام) ، وكانت هذه أكبر الغلطات السياسية لبني أمية، وبهذه الهفوة السياسية محوا اسمهم ورسمهم من صفحة عالم الوجود.

أكبر دليل على أن الحسين (عليه السلام) كان ذاهبًا لمصرعه ولم يقصد السلطنة والرياسة أبدًا هو أنه مع ذلك العلم وتلك السياسة والتجربة التي اكتسبها في عهد أبيه وأخيه في قتالهم مع بني أمية، كان يعلم أنه لفقده الاستعدادات اللازمة مع تلك القوة التي كانت ليزيد لا يمكنه المقاومة.

وأيضًا: الحسين (عليه السلام) بعد قتل أبيه كان يخبر عن نفسه أنه مقتول لا محالة، ومن الساعة التي خرج فيها من المدينة كان يقول بصوت عال وبلا تستر [إنني ذاهب للقتل]، وكان يصرًح بذلك لأصحابه إتمامًا للحجة ليتركه من اتبعه طمعًا في الجاه، وكانت لهجته على الدوام [إن أمامي طريق المصرع]، ولو لم يكن الحسين بهذه الأفكار لم يكن ليستسلم للموت، بل كان يسعى لإعداد جيش لا أنه يفرق الجماعة الذين معه، ولما لم يكن له قصد سوى القتل الذي هو مقدمة لتلك الأفكار السامية وتلك الثورة المقدّسة التي كانت في نظره، رأى أن أكبر وسيلة لتلك الثورة هي فقد الأنصار والقتل مظلومًا، فاختارها لتكون مصائبه أشد تأثيرًا في القلوب.

ومن الواضح أنه مع تلك المحبة التي كانت للحسين (عليه السلام) في نفوس المسلمين في ذلك الزمن، لو صمم على جلب قوة لتمكن من جمع جيش جرار، ولو قتل على تلك الحالة لقيل إنه قتل في سبيل الملك، ولم تحصل له المظلومية التي أنتجت تلك الثورة العظمى، فلهذا لم يبقَ معه سوى الأشخاص الذين لم يمكن انفكاكهم عنه، كأولاده وإخوته وأبناء أخوته وأبناء أعمامه وبعض خواص أتباعه، حتى أن هؤلاء أيضًا كلفهم بالانفكاك عنه فلم يقبلوا، وهؤلاء أيضًا كانوا عند المسلمين موصوفين بالتقدّس وجلالة القدر، وصار بسبب قتلهم مع الحسين (عليه السلام) زيادة في عظم هذه الواقعة وتأثيرها، وكان الحسين (عليه السلام) بقوة العلم والسياسة لم يفتر آنًا عن إفشاء مظالم بني أمية وإظهار نواياهم السيئة في عداوتهم لبني هاشم وآل محمد (صلى الله عليه وآله) .

منها: أنه لعلمه بعداوة بني أمية له ولأهل بيته كان يعلم بأنه بعد قتله سيأسرون نساء وأطفال بني هاشم الذين هم آل محمد، وأنها ستؤثر هذه الواقعة في قلوب المسلمين -خصوصًا العرب منهم- بدرجة فوق التصور، كما جرى ذلك، فحركات ظلم بني أمية وعدم رحمتهم لحريم وصبية نبيهم أثّرت في قلوب المسلمين تأثيرًا لم يكن بأقل من تأثير قتل الحسين وأصحابه، وقد أظهر ذلك عداء بني أمية لآل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) وعقائدهم في الإسلام وسلوكهم مع المسلمين، فلهذا كان يقول الحسين (عليه السلام) علنًا لأصحابه الذين ينهونه عن السفر للعراق [أنا ذاهب للقتل]، ولما كانت أفكارهم محدودة ولم يطلعوا على مقاصده السامية، كانوا يصرون على منعه حتى كان جوابه الأخير لهم [هكذا شاء الله وأمرني جدي]، فكانوا يجيبونه بتأكيد [إذا كنتَ ذاهبًا للقتل فلا تأخذ النساء والأطفال معك]، فكان يجيبهم [قد أراد الله أن يكون عيالي أسرى].

ولما كان الحسين (عليه السلام) يومئذٍ رئيسًا روحانيًا للمسلمين لم يجدوا لتلك الكلمات جوابًا، وكانت دليلاً على عدم تصوره لسوى تلك الأفكار العالية، وأنه لم يتحمّل هذه المصائب للحصول على السلطنة، ولم يرد هذه المهلكة العظيمة على غير علم كما تصور ذلك بعض مؤرخينا، بدليل أنه كان قبل هذه الواقعة بسنين متطاولة يترنم بذكر مصائبه التي ستقع -على سبيل التسلية- لخواص أصحابه من ذوي الأفكار العالية والأدمغة الواسعة، قائلا [سَيُظْهِرُ الله بعد قتلي وظهور تلك المصائب المفجعة أقوامًا يميزون الحق من الباطل، ويزورون قبورنا، ويبكون على مصائبنا، ويأخذون الثار من أعداء آل محمد. هؤلاء الجماعة يروِّجون دين الله وشريعة جدي، ونحبهم أنا وجدي، وسيحشرون معنا يوم القيامة].

فإذا أُنعم النظر في كلمات الحسين (عليه السلام) وحركاته، يُرى أنه لم يفتر لحظة عن إظهار قبائح بني أمية وعداوتهم القلبية لبني هاشم، ومظلوميته، وهذه السياسة البالغة إلى النهاية، وقوة القلب والاستماتة، تثبت سلوكه في طريق أفكاره السامية، حتى أنه في آخر لحظة من حياته أتى بعمل في مسألة طفله الرضيع حيّر فيه عقول الفلاسفة.

ففي تلك الساعة العصيبة، مع تلك المصائب المفجعة، وتراكم الأفكار والعطش، وكثرة الجراحات أيضًَا، لم يصرف نظره عن أفكاره السامية، مع أنه كان يعلم أن بني أمية لا يرحمون طفله الصغير، ولكنه لتعظيم مصيبته حمله على يديه وتظاهر بطلب الماء له، فسمع الجواب بالسهم، كأن الحسين (عليه السلام) كان قصده من هذه الحركة أنه يُعلم العالَم عداوة بني أمية لبني هاشم إلى أي درجة كانت، وأن لا يتصوروا أنه كان إقدام يزيد على هذه الفجيعة اضطرارًا لأجل الدفاع عن نفسه، لأن قتل هذا الطفل الرضيع في مثل هذا الحال مع تلك الوضعية المدهشة لا تظهر إلا وحشيتهم وعداوتهم السبعية التي تنافي قواعد كل دين ومذهب.

وهذه النكتة وحدها ترفع الستار عن وجه قبائح أعمال بني أمية ونواياهم الفاسدة وعقائدهم السيئة، وتظهر للعالَم أجمع وللمسلمين خاصة أن بني أمية لم تسعَ في مخالفة النبوة والإسلام فقط، بل تسعى عن طريق العصبية الجاهلية في أن لا تُبقي من بني هاشم وعلى الأخص بقايا آل محمد ديّارًا.

فالحسين (عليه السلام) بتلك الأفكار السامية، وسعة العلم والعقل، والسياسة التي كانت مسلَّمة له إلى أن قتل، لم يرتكب أمرًا يُلجئ بني أمية لدفعه، حتى أنه مع ذلك النفوذ الذي كان له يومئذ وتلك المقدرة العظيمة لم يستولِ على بلدة من بلاد المسلمين، ولم يهاجم حكومة من حكومات يزيد، وأخيرًا قبل أن تظهر منه حركة عصيان أو تبدو منه إساءة حاصروه في فلاة غير ذات زرع.

أبدًا لم يقل الحسين (عليه السلام) إني سأكون ملكًا أو أريد الملك، إنما كان يظهر مساوئ بني أمية واضمحلال الإسلام من سيرهم، ويخبر عن قتله، وكان فرحًا جذلاً من مظلوميته، ولما حاصروه في البيداء أظهر أنهم لو تركوه فهو مستعد لأن يخرج بعياله وأطفاله من سلطنة يزيد، أي من الممالك الإسلامية، وهذه النكتة وحدها التي تثبت سلامة نفس الحسين أثّرت في قلوب المسلمين غاية الأثر ضد بني أمية.

قَبْلَ الحسين قُتل أيضًا كثير من الرؤساء الروحانيين وأرباب الديانات ظلمًا، وقامت الدعوة من بعد قتلهم وسلّ أتباعهم السيوف على أعدائهم، كما تكرر ذلك في بني إسرائيل، وقضية يحيى هي إحدى الوقائع التاريخية الكبرى، وتلك الخطة التي سلكها اليهود مع السيد المسيح إلى ذلك الزمان لم يقع نظيرها، ولكن لواقعة الحسين مزية على جميع تلك الوقائع.

لم يُرَ في التاريخ أن أحد الروحانيين وأرباب الديانات سلّم نفسه للقتل عالمًا عامدًا لأفكارٍ عالية متأخرة، أي أن كل واحد من أرباب الديانات الذين قُتِلُوا هجم عليهم أعداؤهم وقَتَلوهم عنفًا وظلمًا، وعلى قدر مظلوميتهم كانت قوة الثورة من بعدهم، ولكن واقعة الحسين (عليه السلام) كانت عن علم وحكمة وسياسة وليس لها نظير في تاريخ الدنيا، تأهب الحسين (عليه السلام) للقتل سنين متوالية ونظره ممدود إلى مقاصد عالية جدًا، ولم يوجد في التاريخ أحد سلّم نفسه للقتل عالمًا عامدًا لترويج دينه في المستقبل سوى الحسين (عليه السلام) .

إن للمصائب التي تحملّها الحسين (عليه السلام) في سبيل إحياء دين جده مزيّة على السالفين من أرباب الديانات، ولم تَرِدْ على أحد من الماضين. وعلى فرض القول بأن أشخاصًا أُخَر خسروا نفوسهم أيضًا في طريق الدين، لكنهم ليسوا كالحسين (عليه السلام) ، الحسين جاد بنفسه العزيزة، وبجميع أبنائه وإخوته، وأبناء إخوته وأبناء أعمامه، وخواص أحبابه وأقربائه، جاد بالمال، سلّم عياله للأسر، هذه المصائب لم تفاجئه على حين غرة وعلى غير علم لتكون في حكم مصيبة واحدة، بل وردت هذه المصائب على مرور الزمان واحدة بعد واحدة، وهجوم هذه المصائب المترادفة مختص بالحسين وحده في تاريخ الدنيا.

فمن عظم مصائب الحسين ارتفع الستار فجأة عن سرائر بني أمية، وظهرت قبائح أعمالهم. بمجرد قتل الحسين (عليه السلام) وورود تلك الرزايا المؤلمة وأسر نسائه وبناته، ظهر في المسلمين حسّ السياسة ومادة الثورة ضد سلطنة يزيد وآل أمية، وعلموا أن بني أمية هم مخربو الإسلام، فردّوا بدعهم ومجعولاتهم، وسمّوهم الظالمين والغاصبين، وبالعكس بنو هاشم فسموهم مظلومين مستحقين للرياسة، وعرفت فيهم حقيقة روحانية الإسلام، كأنما أخذ المسلمون حياة جديدة وظهر لروحانية الإسلام رونق جديد.

رياسة روحانية الإسلام -التي كانت قد زالت دفعة واحدة، والمسلمون كأنهم قد نسوا جهة الروحانية الإسلامية- تجددت بنورانية شفافة، كما كانت عظمة مصائب الحسين على جميع مصائب روحانيي السلف مسلّمة، كذلك كانت للثورات التي ظهرت بعد واقعة الحسين مزيّة على ثورات السلف، وكان امتدادها أكثر وآثارها أعظم، ومن هذا الوجه ظهر للعالم أجمع مظلومية آل محمد.

أول نتيجة لهذه الثورة أن الرياسة الروحانية التي لها أهمية عظمى في عالم السياسة تجدّدت في بني هاشم، وعلى الأخص في البقية من آل الحسين([13])، وإلى الآن ينظر جميع المسلمين إلى بني هاشم وخصوصًا ذرية الحسين بنظر الروحانية، ولم تطل المدة حتى زالت تلك السلطنة ذات السعة والاقتدار عن آل يزيد ومعاوية، وفي أقل من قرن سلبت السلطة من بني أمية قاطبة، وانمحى ذكرهم واضمحلوا، بحيث أنه لم يبقَ لهم اليوم اسم ولا رسم ولا ذكر، وأينما ذكر لهم في متون الكتب اسم يقرنه المسلمون بكلمة شماتة، وهذه كلها نتائج السياسة الحسينية التي يمكن أن يقال فيها إنه لم يذكر التاريخ في أرباب الديانات والسلف من الروحانيين إلى اليوم شخصًا كالحسين، مفكرًا في عواقب الأمور، مراعيًا لها، بعيد النظر إلى المستقبل، مستقل الفكر.

قبل أن تصل أسرة الحسين إلى يزيد نُشر لواء طلب ثار الحسين وقامت الثورة ضد يزيد([14]).

مظلومية الحسين كشفت جميع أسرار بني أمية، ورفعت الستار عن نواياهم السيئة، حتى أنه طال لسان اللوم والشماتة على يزيد من أهل داره وحرمه، مع أنه لم يكن بالإمكان ذكر الحسين وأهل بيت علي بخير حول يزيد وبين حاشيته، وبعد هذه الواقعة أصبح يزيد مرغمًا على سماع ذكر اسم الحسين وأهل بيت علي في الملأ العام، وفي الخلوات والجلوات، بالتقديس والتعظيم والمظلومية، وكان ذلك أسخط شيء له، ولكن لا يسعه إلا السكوت، ولما رأى تبرُّؤَ الناس من هذه الأعمال نسب التقصير إلى أمرائه.

ولما رأى شدة إطراء الناس للحسين وذِكر محامده عزّ عليه ذلك، حتى قال يومًا: [كان أحبّ إليّ أن يكون الملك والسلطنة للحسين من أن أرى وأسمع لآل علي وبني هاشم هذا التعظيم والتقديس].

وبالآخرة: فلم يزل أولياء الحسين يستفيدون من هذه الثورات، وتزيد قوة وعظمة بني هاشم، ولم يمضِ أقل من قرن حتى صارت السلطنة الإسلامية الوسيعة في بني هاشم([15]) بلا مزاحم، وأبادوا بني أمية بحيث لم يبقَ لهم اسم ولا رسم، غير أنه بعد بضعة قرون ترأس جماعة منهم في الأندلس واحدًا بعد واحد، واليوم لا يمكن أن يوجد من ذلك البيت العظيم -الذي مرّت عليه قرون وهو ذو عظمة وسلطنة- شخص واحد ولو خامل الذكر، ولو وجد لستر حسبه ونسبه عن الناس من شدة الطعن، كما هو المشهور أن العائلة القاجارية الذين هم سلاطين إيران اليوم، هم من بني أمية، ولكنهم ينكرون هذه الشهرة ويتبرؤون من هذه النسبة.

تحلّى بنو هاشم بعد قرن بقلادة الملك، وكانوا أولاد عم الحسين لا أولاده، لأن أولاده كانوا قد اختاروا العزلة، وكانت رياسة الإسلام الروحانية على الإطلاق مسلّمة لهم.

إن أبناء عم الحسين وإن يكونوا حازوا السلطنة ببركة ثورات أتباع الحسين، لكنهم بعد أن قبضوا على زمامها ورسخت فيها أقدامهم خافوا على مقامهم وسلطنتهم، فمنعوا أصحاب تلك الثورات منها منعًا شديدًا، خوفًا من أن تعود السلطنة الإسلامية في أبناء الحسين شيئًا فشيئًا، فهدأت فورة تلك الثورات شيئًا فشيئًا.

أولاً: للمنع الشديد من أبناء عم الحسين، وثانيًا: لاضمحلال بني أمية.

فلما رأى عقلاء أتباع الحسين وعلي شدة المنع من قبل بني العباس وضعف مادة الثورة، علموا أن لا قدرة لهم على مقاومة بني العباس الذين هم في غاية القدرة، وعلى الثورة ضدهم مع تشتت الأفكار العمومية، فتركوا الثورة ظاهرًا، وغيّروا صورتها باطنًا، باجتماعهم وتذكر تلك المصائب والفظائع التي وردت على الحسين، فأحيوا تلك الثورة العظمى وأظهروها بمظهر جديد.

لما اطّلع سلاطين بني هاشم([16])على هذا التدبير الذي دبّره أتباع الحسين خافوا زيادةً على خوفهم الأول، ورأوا من اللازم شدة معارضة ذلك التدبير على وجه أنهم تتبعوا أتباع علي والحسين، فإذا ظهرت تابعيتهما على أحد يعاملونه معاملة أكبر جانٍ سياسي، وبهذا الجرم صلب وقتل وجرح وحبس ألوف من أتباع الحسين، ومع هذه الشدة لم يتمكنوا من قلع مادة الثورة من أتباع علي، وكلما ازدادوا شدة ومعارضة ازداد أتباع علي والحسين قوة واشتدادًا في الثورة، وكانت العاقبة أنه بتدابير أتباع الحسين زالت سلطنة هذه الطبقة، وتداول السلطنة أولاد الحسين مدة من الزمان([17]).

كانت الرياسة الروحانية بعد الحسين في أولاده واحدًا بعد واحد([18])، وهؤلاء أيضًا جعلوا إقامة عزاء الحسين الجزء الأعظم من المذهب، وأُلبست هذه النكتة السياسية شيئًا فشيئًا اللباس المذهبي، وكلما ازدادت قوة أتباع علي ازداد إعلانهم بذكر مصائب الحسين، وكلما سعوا وراء هذا الأمر ازدادت قوتهم وترقّيهم، وجعل العارفون بمقتضيات الوقت يغيّرون شكل ذكر مصائب الحسين قليلاً قليلاً، فجعلت تزداد كل يوم بسبب تحسينهم وتنميقهم لها، حتى آل الأمر إلى أن صار لها اليوم مظهر عظيم في كل مكان يوجد فيه مسلمون، حتى أنها سَرَت شيئًا فشيئًا بين الأقوام وأهل الملل الأخرى، خصوصًا في الصين والهند.

وعمدة أسباب تأثيرها في أهل الهند هو أن المسلمين جعلوا طريق إقامة العزاء مشابهًا لمراسم إقامة العزاء عند أهل الهند, قبل مائة سنة لم تكن إقامة عزاء الحسين شائعة في الهند شيوعًا تامًا وظاهرة علنًا، وفي هذه المدة القليلة استوعبت بلاد الهند من أولها إلى آخرها، ويظهر أنها كل يوم في زيادة.

لعدم اطّلاع بعض مؤرخينا على كمية وكيفية هذه المآتم ورواجها، استرسلوا في كلامهم على غير علم، وجعلوا يصفون إقامة أتباع الحسين لها بأنها أفعال جنون، ولم يقفوا أبدًا على مقدار ما أحدثته هذه المسألة من التغييرات والتبديلات في الإسلام.

الحسّ السياسي والثوران والهيجان المذهبي التي ظهرت في هذه الفرقة من إقامة هذه المآتم لم يُرَ مثلها في قوم من الأقوام، إن من يسبر غور الترقيات التي حصلت في مدة مائة سنة لأتباع علي في الهند، الذين اتخذوا إقامة هذه المآتم شعارًا لهم، يجزم بأنهم متبعون أعظم وسيلة للترقي، كان أتباع علي والحسين في جميع بلاد الهند يعدّون على الأصابع، واليوم هم في الدرجة الثالثة بين أهل الهند من حيث العدد، وكذلك في سائر البلدان.

عندما نقيس منهج دعاتنا (المبشرين) مع صرف تلك القوة والثروة بمنهج دعاة هذه الفرقة نرى أن دعاتنا لم يحوزوا العشر من تقدم هذه الفرقة، رؤساء ديننا وإن كانوا يحزِّنون الناس بذكر مصائب حضرة المسيح، ولكنه ليس بذلك الأسلوب والشكل الذي يتخذه أتباع الحسين. ويحتمل أن يكون السبب في ذلك أن مصائب المسيح في جنب مصائب الحسين لا تكون مؤثرة مشجية للقلب بتلك الدرجة التي لمصائب الحسين. على مؤرخينا أن يطلعوا على حقائق رسوم وعادات الأغيار ولا ينسبوها إلى الجنون.

يقول المؤلف: إنني أعتقد أن صيانة قانون محمد (صلى الله عليه وآله) ([19]) وترقي المسلمين وظهور رونق الإسلام هو من قتل الحسين (عليه السلام) وحدوث تلك الوقائع, إن هذا القسم من الدماغ السياسي والحس الثوروي (الذي هو عدم الاستسلام للضيم والظلم وهو عند حكماء السياسة أشرف شعار وأعظم سعادة وأفضل صفة ممدوحة لكل إنسان) قد ظهر في هؤلاء القوم بواسطة إقامتهم مآتم الحسين (عليه السلام) ، ومادام هذا العمل ملكة لهم لا يقبلون الذل والضيم, ينبغي تدقيق النظر فيما يذكر في المجالس المنعقدة لإقامة عزاء الحسين (عليه السلام) ، من النكات الدقيقة الباعثة في الإنسان روح الحياة، التي يُسمعها بعضهم لبعض، وفي الحقيقة يعلِّمه إياها.

يقول المؤلف: حضرت مجالس إقامة عزاء الحسين (عليه السلام) مرارًا في إسلامبول مع مترجم خاص، فسمعتهم يقولون: (الحسين الذي هو إمامنا ومقتدانا، وطاعته واتباعه واجبان علينا, لم يتحمل الضيم ولم يدخل في طاعة يزيد، ولأجل حفظ شرفه وعلو حسبه وارتفاع مقامه بذل ماله, بذل نفسه، بذل أولاده, بذل عياله، واستعاض عن ذلك بحسن الذكر في الدنيا والشفاعة في الآخرة والقرب من الله، وقد خسر أعداؤه في الدنيا والآخرة).

من بعد ذلك رأيت وعلمت أنهم في الحقيقة يعلّم بعضهم بعضًا علنًا، أنكم إن كنتم من أتباع الحسين (عليه السلام) , إن كان لكم شرف، إن كنتم تطلبون السيادة والفوز, فلا تدخلوا في طاعة أمثال يزيد، ولا تحملوا الضيم، واختاروا موت العز على حياة الذل، تنالوا حسن الذكر في الدنيا والسعادة في الآخرة.

من المعلوم أن أمة تُلْقَى عليها هذه التعاليم من المهد إلى اللحد في أي درجة تكون في الملكات العظيمة والسجايا العالية. نعم تكون حائزة كل سعادة وشرف, ويكون كل فرد منها جنديًا حقيقيًا مدافعًا عن عزّ قومه وفخرهم, هذه هي نكتة التمدن الحقيقي للأمم اليوم, هذا هو تعليم معرفة الحقوق , هذا هو معنى تدريس أصول السياسة.

نحن الأوروبائيين بمجرد أن نرى لقوم حركات ظاهرية في مراسمهم الملية أو المذهبية منافية لعاداتنا ننسبها إلى الجنون والتوحش، ونحن غافلون عن أننا لو سبرنا غور هذه الأعمال لرأيناها عقلية سياسية، كما نشاهد ذلك في هذه الفرقة وهؤلاء القوم([20]) بأحسن وجه، والذي يجب علينا هو أن ننظر إلى حقائق عوائد كل قوم، وإلا فإن أهل آسيا أيضًا لا يستحسنون كثيرًا من عوائدنا، ويعدّون بعض حركاتنا منافية للآداب، وَيَسِمُونَها بعدم التهذيب بل بالوحشية([21]).

وعلاوة على تلك المنافع السياسية التي ذكرناها، التي هي طبعًا أثر التهيج الطبيعي، فإنهم يعتقدون أن لهم في إقامة مأتم الحسين (عليه السلام) درجات عالية في الآخرة.

كل عارف بالتاريخ واقف على طبائع أهل آسيا يعتقد ويذعن بأنه لا يمكن اليوم بل وإلى ما بعد قرنين إصلاح أخلاقهم وإلقاء التعاليم السياسية عليهم إلا باسم الدين والمذهب.

ينبغي اقتطاف ثمرات حب القومية والوطن من أهالي آسيا تحت ظل المذهب كما كانت أوروبا قبل بضعة قرون، لا يمكن اليوم طلب خدمة من أهالي آسيا كأهالي أوروبا باسم الخدمة القومية والوطنية، ولكن يمكن أخذ خدمات منهم تعود ثمراتها على الأمة والوطن باسم المذهب.

لا يُرى اليوم من المسلمين البالغين ثلاثمائة مليون من هو حائز على الاستقلال سوى خمسين مليونًا([22])، فإذا نبذ المسلمون الدين ظهريًا وراموا التقدم السياسي باسم القومية فسينالون عوض النفع ضررًا، لأن خمسة أسداس المسلمين تحت ضغط ملل أخرى ومضمحلة في أقوام آخرين.

فإذا طلبوا التقدم باسم القومية فيكون الحرمان من الحياة السياسية نصيب هذه الخمسة أسداس، فلا تشترك مع السدس الباقي، ولكنهم إذا راموا التقدم باسم الجامعة الإسلامية فلا بد أن تنبعث روح النهضة في جميع آحاد المسلمين، وبواسطة الرابطة الروحانية ستنجو من الاضمحلال جميع الفرق الإسلامية التي هي تحت ضغط أقوام آخرين، وليس لواحدة من الروابط الروحانية التي بين المسلمين اليوم تأثير في نفوسهم كتأثير إقامة مأتم الحسين.

فإذا دام انتشار وتعميم إقامة هذه المآتم بين المسلمين مدة قرنين لا بد أن تظهر فيهم حياة سياسية جديدة، وإن الاستقلال الباقي للمسلمين اليوم([23]) نِصف أسبابه هو اتباع هذه النكتة، وسنرى اليوم الذي يتقوّى فيه سلاطين المسلمين تحت ظل هذه الرابطة، وبهذه الوسيلة سيتحد المسلمون في جميع أنحاء العالم تحت لواء واحد، لأنه لا يرى في جميع طبقات الفرق الإسلامية من ينكر ذكر مصائب الحسين وينفر منها بسبب ديني، بل للجميع رغبة طبيعية بطور خاص في أداء هذه المراسم المذهبية، ولا يرى في المسلمين المختلفين في العقائد سوى هذه النكتة الاتحادية.

الحسين (عليه السلام) أشبه الروحانيين بحضرة المسيح، ولكن مصائبه كانت أشد وأصعب، كما أن أتباع الحسين كانوا أكثر تقدمًا من أتباع المسيح في القرون الأولى، فلو أن المسيحيين سلكوا طريقة أتباع الحسين، أو أن أتباع الحسين لم تمنعهم من ترقياتهم عقبات من نفس المسلمين لسادت إحدى الديانتين في قرون عديدة جميع المعمور، كما أنه من حين زوال العقبات من طريق أتباع الحسين (عليه السلام) أصبحوا كالسيل المنحدر يحيطون بجميع الملل وسائر الطبقات.

(انتهت ترجمة ما نَقَلَتْه جريدة حبل المتين الفارسية عن المسيو ماربين الألماني)

وأما ما نقلَته عن الدكتور جوزف الإفرنسي فهذه ترجمته إلى العربية، قال في الجريدة المذكورة تحت عنوان:

[ترقيات فرقة الشيعة المحيّرة للعقول]

شرح الدكتور [جوزف] أحد مشاهير مؤرخي فرنسا في كتابه المسمّى [الإسلام والمسلمين] ترقيات كل فرقة من الفرق الإسلامية بأدلتها، والمؤلف المذكور يدّعي أنه إلى الآن لم يشرح أحد من مؤرخي أوروبا أحوال المسلمين بأدلتها مثله.

(ترجمة ما نقلته جريدة حبل المتين عن الدكتور جوزف الإفرنسي)

أولاً: قسّم المؤلف المسلمين إلى قسمين، فقال:

بعد وفاة مؤسس الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله) وقع الاختلاف في عقيدة أتباعه بسبب الخلافة، فقالت طائفة بخلافة صهره علي بن أبي طالب، وخضعت فرقة أخرى لخلافة أبي زوجته أبي بكر بن أبي قحافة، وفي الحقيقة أنه من يوم مفارقة محمد بن عبد الله الدنيا صار اختلاف الكلمة بين المسلمين محسوسًا، ولكن لا يمكن أن يفهم من التواريخ زمان افتراق اسم هاتين الفرقتين، أعني في أي زمان سمّي أتباع الصهر شيعة([24])، وأتباع أبي الزوجة سنيين، ولكن التباين بين هاتين الفرقتين صار يكثر يومًا فيومًا، إلى أن صار الصهر خليفة، وخالفته عائشة زوجة النبي وبنت الخليفة الأول، ونشر لواء الملكية في الشام معاوية أخو الزوجة الثانية للنبي([25])، ونشبت الحروب وسُفكت الدماء، فكانت العداوة إلى ذلك الزمان قلبية، فلما آل الأمر إلى سفك الدماء وطلب الثار صارت علنية، وتسمّى كل من الفرقتين علنًا مع الافتخار أحدهما بالشيعي والآخر بالسني، إلى أن قام ملك الشام بالإغارة على أتباع صهر النبي وقتلهم، وجعل يذكر اسمه بالشتم والقبح في مساجد المسلمين وعلى منابرهم، واستمر ذلك ألف شهر، فزاد هذا العمل العداوة بين الشيعة والسنيين، مع أن السلطنة والاقتدار التام لم ترافق فرقة الشيعة إلا أيامًا قليلة أي أيام خلافة علي بن أبي طالب، ولم يكن لهم كثير قوة واقتدار، ومع هذا كله كانوا كالجراد المنتشر، وكانوا لا يظهرون أنفسهم خوفًا على حياتهم إلى أن قتلوا سبط محمد مع أصحابه قرب الكوفة بأمر يزيد ابن ملك الشام.

اكتسبت هذه المسألة أهمية كبرى، وأفجعت أتباع صهر محمد وقَوَّتْهُم، وجعلتهم مستعدين لمتابعة العمل، فأنشبوا الحروب وسفكوا الدماء وأقاموا المآتم، حتى آل الأمر إلى أن جعلت هذه الفرقة إقامة مأتم سبط النبي جزءًا من المذهب والإيمان، وبما أن هذه الفرقة تعتقد أن رؤساء الدين بعد النبي اثنا عشر شخصًا من أولاد علي وفاطمة، وأن أقوال كل واحد من هؤلاء وأفعالهم في كل حال هي قول الله والرسول وثاني القرآن، وأئمة هذه الفرقة أيدتها في إقامة مأتم الحسين، أصبحت على التدريج أحد أركان مذهب الشيعة بل ركنه الأعظم.

لم يكن لهذه الفرقة في القرون الإسلامية الأولى كثير ظهور، ويمكن إسناد قلة هذه الطائفة إلى سببين:

أحدهما: إن الرئاسة والحكم التي هي بالأصالة مورِثة لنشوء ونمو أتباع المذهب كانت من بدء الإسلام بيد الفرقة الثانية.

ثانيهما: إنه كان القتل والإغارة عليهم في كل زمان ومكان، ولهذا حكم أحد أئمة الشيعة في أوائل القرن الثاني من الإسلام بالتقية وإخفاء مذهب الشيعة، حفظًا لنفوسهم وأموالهم.

التقية قوّت هذه الفرقة، لأنهم حيث لم يكونوا ظاهرين لم تنلهم أيدي أعدائهم القوية بالقتل والغارة، وأقاموا المآتم تحت الستار يبكون فيها على الحسين، فأثّرت هذه المآتم في قلوب هذه الطائفة إلى حد أنه لم يمر عليها زمن كثير حتى بلغت الأوج في الترقي، ودخل في هذه الطائفة بعض الوزراء وكثير من الملوك والخلفاء، فبعضهم أخفى ذلك تقية، وبعضهم أظهره جهارًا. من بعد الأمير تيمور الگورگاني ورجوع سلطنة إيران قليلاً قليلاً إلى الصفوية، اتخذت فرقة الشيعة إيران مركزًا لها.

بموجب تخمين بعض سائحي فرنسا أن الشيعة سدس أو سبع المسلمين([26])، ونظرًا إلى ترقي هذه الطائفة في مدة قليلة بدون إجبار أصلاً، يمكن القول بأنه لا يمضي قرن أو قرنان حتى يزيد عددها على عدد سائر فرق المسلمين، والعلة في ذلك هي إقامة هذه المآتم التي جعلت كل فرد من أفرادها داعية إلى مذهبه.

اليوم لا يوجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة إلا ويقيمان فيها المأتم، ويبذلان المال والطعام.

رأيت في بندر (مارسل) في الفندق شخصًا واحدًا عربيًا شيعيًا من أهل البحرين، يقيم المأتم منفردًا، جالسًا على الكرسي، بيده الكتاب يقرأ ويبكي، وكان قد أعدّ مائدة من الطعام ففرقها على الفقراء.

هذه الطائفة تصرف في هذا السبيل الأموال على قسمين:

فبعضهم يبذلون في كل سنة من أموالهم خاصة في هذا السبيل بقدر استطاعتهم ما يقدّر بالملايين من الفرنكات، والبعض الآخر من أوقاف خصصت لإقامة هذه المآتم، وهذا المبلغ طائل جدًا، ويمكن القول بأن جميع فرق المسلمين منضمة بعضها إلى بعض لا تبذل في سبيل مذهبها ما تبذله هذه الطائفة، وموقوفات هذه الفرقة هي ضعفا أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها، كل واحد من هذه الفرقة بلا استثناء سائر في طريق الدعوة إلى مذهبه، وهذه النكتة مستورة عن جميع المسلمين حتى الشيعة أنفسهم، فإنهم لا يتصورون هذه الفائدة من عملهم هذا، بل قصدهم الثواب الأخروي، ولكن بما أن كل عمل في هذا العالم لا بد أن يظهر له بطبيعته أثر فهذا العمل أيضاً يؤثر ثمرات للشيعة.

من المسلّم أن المذهب الذي دعاته من خمسين إلى ستين مليوناً لا محالة يترقى على التدريج ترقياً لائقاً بهم، حتى أن الرؤساء الروحانية والملوك والوزراء لهذه الفرقة ليسوا بخارجين عن صفة الدعوة، فقراء وضعفاء هذه الفرقة بما أنهم حصلوا ويحصلون على فوائد كلية من هذا الطريق، فهم يحافظون على إقامة هذه المآتم أكثر من كبرائها، لأنهم رأوا في هذا العمل ثواب الآخرة وأجر الدنيا، فلهذا ترك جمع غفير من عرفاء هذه الفرقة أسباب معاشهم، واشتغلوا بهذا العمل، فهم يتحملون المشاق ليتمكنوا من ذكر فضائل كبراء دينهم، والمصائب التي أصابت أهل هذا البيت بأحسن وجه وأقوى تقرير على رؤوس المنابر وفي المجالس العامة.

وبسبب هذه المشاق التي اختارتها هذه الجماعة في هذا الفن تفوقت خطباء هذه الفرقة على جميع الطوائف الإسلامية، وحيث إن تكرار المطلب الواحد يورث اشمئزاز القلوب وعدم التأثير، فهؤلاء الجماعة يتحملون المشاق فيذكرون جميع المسائل الإسلامية العائدة لمذهبهم في هذه الطريقة على المنابر، حتى آل الأمر إلى أن أصبح الأميون من الشيعة أعرف في مسائل مذهبهم ممن يقرؤون ويفهمون من الفرق الإسلامية الأخرى من كثرة ما سمعوا من عرفائهم.

اليوم إذا نظرنا في كل نقطة من نقاط العالم من حيث العدد والنفوس، نرى أن أليق المسلمين بالمعرفة والعلم والحرفة والثروة هي فرقة الشيعة، دعوة هذه الفرقة غير محصورة في أهل مذهبهم أو في سائر الفرق الإسلامية، بل أي قوم وضع أفراد هذه الطائفة أقدامهم بينهم يسري في قلوب أهل تلك الملة هذا الأثر.

إن العدد الكثير الذي يرى اليوم في بلاد الهند من الشيعة هو من تأثير إقامة هذه المآتم، فرقة الشيعة حتى في زمان السلاطين الصفوية لم تسعََ في ترقي مذهبها بقوة السيف، بل ترقت هذا الترقي المحير للعقول بقوة الكلام، الذي هو أشد تأثيرًا من السيف، ترقت اليوم هذه الفرقة في أداء مراسمها المذهبية بدرجة جعلت ثلثي المسلمين يتبعونها في حركاتها، جم غفير من الهنود والفرس وسائر المذاهب أيضًا شاركوهم في أعمالهم، وهذا أمر واضح أنه بعد مضي قرن تُوْدَع هذه الخيالات بطريق الإرث لأبناء تلك الطوائف، فيسلمون بها أو يعتقدون بذلك المذهب، وحيث أن فرقة الشيعة تعتقد أن جميع مطالبها مرتبطة بكبراء مذهبها ويطلبون المدد منهم في الحوائج والشدائد، فسائر الفرق أيضًا التي تشاركهم في أفعالهم وأعمالهم تتأسى بهم كثيرًا، فبمجرد مصادفة قضاء حوائجهم تزداد عقيدتهم رسوخًا.

من هذه القرائن والأسباب يمكن أن يستدرك أنه لا يمر زمن قليل على هذه الفرقة حتى تتفوق من حيث العدد على جميع الفرق الإسلامية، كان أكثر هذه الفرقة إلى ما قبل قرن أو قرنين ما عدا إيران يعملون بالتقية في مذهبهم لقلة العدد وعدم القدرة، ومن الزمن الذي استولت فيه دول الغرب على الممالك الشرقية وأعطت الحرية لجميع المذاهب، تظاهرت هذه الفرقة بمراسم مذهبها في كل نقطة، وهذه الحرية أفادتهم بدرجة أنها رفعت من مذهب الشيعة اسم التقية.

بمناسبة الأسباب التي ذكرت، وقفت هذه الفرقة على مقتضيات العصر أكثر من سائر الفرق الإسلامية، وأقدمت على كسب المعاش وتحصيل العلوم أكثر من الآخرين، ومن هذه الوجهة فالرجال العاملون الذين يعيشون بكد اليمين يوجدون فيهم أكثر من سائر فرق المسلمين، وحيث إن الغالب عليهم العمل، فالملازمون لهم وخدامهم يصيرون بالطبع تابعين لهم، وعلاوة على ذلك أنهم بواسطة الأعمال يحتاج الناس إليهم، ومحبتهم ومعاشرتهم لسائر الفرق موجبة لاختلاط الآخرين معهم عند مشاركتهم لهم في مجالسهم ومحافلهم، وحينما يصغي المباشرون لهم إلى سماع أصول مذهبهم وأحاديثهم مرة بعد مرة لا محالة يألفون مشربهم، وهذا هو عمل الدعاة، والأثر الذي يترتب على هذه الوضعية هو الأثر الذي توخته عرفاء دول الغرب في ترقية دين المسيح مع بذل أموال تحير العقول.

من جملة الأمور السياسية التي ألبستها رؤساء فرقة الشيعة لباس المذهب من عدة قرون وصارت مورِثة جدًا لجلب قلوبهم وقلوب غيرهم، هي أصول التمثيل باسم الشبيه والتعزية في مأتم الحسين، التمثيل أدخلته حكماء الهند في عباداتها لعدة أغراض خارجة عن موضوع بحثنا، الأوربائيون بمقتضى السياسة ألبسوا التمثيل لباس التفرج، وأظهروا في محلات التفرج العمومية لأنظار العام والخاص أمورًا سياسية مهمة لاستجلاب القلوب، وقليلاً قليلاً أصابوا هدفين بسهم واحد، تفريح الطبائع، وجلب قلوب العامة في الأمور السياسية.

فرقة الشيعة حصلت من هذه النكتة على فائدة تامة، فألبست ذلك لباس المذهب، فيستنبط أن فرقة الشيعة أخذت هذا العمل من الهنود، وعلى كل حال فالتأثير الذي يلزم أن يحصل على قلوب العامة والخاصة في إقامة العزاء والشبيه قد حصل.

من جهة يذكرون في مجالس قراءة التعزية المتواصلة وعلى المنابر، المصائب التي وردت على رؤساء دينهم، والمظالم التي وردت على الحسين، ومع تلك الأحاديث المشوقة إلى البكاء على مصائب آل الرسول، فتمثيل تلك المصائب للأنظار أيضًا له تأثير عظيم، ويجعل العام والخاص من هذه الفرقة راسخ العقيدة فوق التصور، وهذه النكات الدقيقة صارت سببًا في أنه لم يُسمع بأحد من هذه الفرقة من ابتداء ترقي مذهب الشيعة أنه ترك دين الإسلام أو دخل في فرقة إسلامية أخرى.

هذه الفرقة تعمل الشبيه بأقسام مختلفة، فتارة في مجالس مخصوصة ومقامات معينة، وحيث إنه في أمثال هذه المجالس المخصوصة والمقامات المعينة يكون اشتراك الفرق الأخرى معهم أقل، أوجدوا تمثيلاً بوضع خاص، فعملوا الشبيه في الأزقة والأسواق، وداروا به بين جميع الفرق.

وبهذا السبب تتأثر قلوب جميع الفرق منهم ومن غيرهم بذلك الأثر الذي يجب أن يحصل من التمثيل، ولم يزل هذا العمل شيئًا فشيئًا يورث توجه العام والخاص إليه، حتى أن بعض الفرق الإسلامية الأخرى وبعض الهنود قلدوا الشيعة فيه، واشتركوا معهم في ذلك.

وعمل الشبيه في الهند أكثر رواجًا منه في جميع الممالك الإسلامية، كما أن سائر فرق الإسلام هناك أكثر اشتراكًا مع الشيعة في هذا العمل من سائر البلاد، ويظن أن أصول التمثيل وعمل الشبيه بين الشيعة قد جاءت من جهة سياسة السلاطين الصفوية، الذين كانوا أول سلسلة استولت على السلطنة بقوة المذهب، ورؤساء الشيعة الروحانيون شيئًا فشيئًا أيدوا هذا العمل وأجازوه.

ومن جملة الأمور التي صارت سببًا في ترقي هذه الفرقة وشهرتها في كل مكان هو إراءة أنفسهم بالمرأى الحسن، بمعنى أن هذه الطائفة بواسطة مجالس المآتم، وعمل الشبيه، واللطم والدوران، وحمل الأعلام في مأتم الحسين، جلبت إليها قلوب باقي الفرق بالجاه والاعتبار والقوة والشوكة، لأنه من المعلوم أن كل جمعية وجماعة تجلب إليها الأنظار وتوجه إليها الخواطر إلى درجة ما.

مثلاً: لو كان في مدينة عشرة آلاف نفس متفرقين، وكان في محل ألف نفس مجتمعين، كانت شوكة الألف وعظمتهم في أنظار الخاص والعام أكثر من العشرة آلاف، مضافًا إلى أنه إذا اجتمع ألف نفس انضم إليهم من غيرهم بقدرهم بعضهم للتفرج، وبعضهم للصداقة والرفاقة([27])، وبعضهم لأغراض خاصة، وبهذا الانضمام تتضاعف قوة الألف وشوكتهم في الأنظار.

لهذا ترى أنه في كل مكان ولو كانت جماعة من الشيعة قليلة يظهر عددها في الأنظار بقدر ما هي عليه مرتين، وشوكتها وقوتها بقدر ما هي عليه عشر مرات، وأكثر أسباب معروفية هؤلاء القوم وترقيهم هي هذه النكتة.

ومن جملة الأمور الطبيعية التي صارت مؤيدة لفرقة الشيعة في التأثير في قلوب سائر الفرق هو: إظهار مظلومية أكابر دينهم، وهذه المسألة من الأمور الطبيعية، لأن كل أحد بالطبع ينتصر للمظلوم، ويحب غلبة الضعيف على القوي، والطبائع البشرية أَمْيَل إلى الضعيفِ ولو كان مبطلاً، والمظلومِ منها إلى القوي وإن كان محقاً والظالم خصوصاً إذا كان بعيداً أو مرت عليه أعوام([28]).

ومصنفو أوروبا الذين كتبوا تفصيل مقاتلة الحسين وأصحابه وقتلهم، مع أنه ليس لهم عقيدة بهم أصلاً، أذعنوا بظلم قاتليهم وتعديهم وعدم رحمتهم، ويذكرون أسماء قاتليهم بالاشمئزاز. وهذه الأمور طبيعية لا يقف أمامها شيء، وهذه النكتة من المؤيدات الطبيعية لفرقة الشيعة.

(انتهت ترجمة ما أردنا نقله مما نقلته جريدة حبل المتين الفارسية عن الدكتور جوزف الإفرنسي، وقد أفاض الكاتب في أمور أخر برهن على أنها من أسباب ترقي الشيعة، كالقول بالاجتهاد، والاعتقاد بوجود المهدي، تركنا ذكرها لعدم تعلقها بما نحن بصدده).


 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) وقد نشرت مطبعة العرفان-صيدا هذه الخاتمة بتمام فصولها في كتيب مستقل عام 1344هـ ، وقد التزمنا بحرفية النص المنشور .

([2]) المراد الخوارج.

([3]) أي الشيعة.

([4]) أي من حيث علو الشأن وسمو المقاصد كما يدل عليه قوله فكما أننا نقول إلخ... لا الربوبية فإنه لا يعتقدها أحد من المسلمين في حق الحسين.

([5]) الظاهر بدل كلمة "وكلياته": "وكلماته".

([6]) دعوى القرابة بين هاشم وأمية غير مسلّمة (التحرير) .

([7]) الظاهر بدل كلمة "عن" : على (التحرير)

([8]) لعل المراد ما فاه به يزيد من قوله لعبت هاشم إلخ..، وما قاله الوليد حين استفتح بالمصحف، وغير ذلك.

([9]) الذين أظهروا ذلك لم يكونوا من بني هاشم كما دلّ عليه التاريخ.

([10]) الذين قتلوا عليًا (عليه السلام) هم الخوارج لا بنو أمية.

([11]) نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن هذا النص وغيره من النصوص الواردة عن الإمام الحسين (عليه السلام) هي تعريب للنص المترجم، والتزاما بالأمانة العلمية ارتأينا نشرها كما هي. (التحرير).

([12]) الظاهر (في) (التحرير).

([13]) يشير إلى الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام).

([14]) كأنه يشير إلى التوابين الذين طلبوا بثار الحسين (عليه السلام) .

([15]) يعني بني العباس.

([16]) بنو العباس.

([17]) يشير إلى الدولة الفاطمية بمصر.

([18]) كأن مراده الأئمة الإثنا عشر.

([19]) أي دين الإسلام.

([20]) يعني الشيعة.

([21]) كرقص النساء والرجال في المحافل العمومية والتهتك وغير ذلك.

([22]) في الأصل الفارسي المترجم منه خمسة ملايين والظاهر تبدل الخمسين بالخمسة سهوًا.

([23]) كأن مقصوده سلطنة الشيعة.

([24]) لفظة الشيعة كانت مستعملة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ، ولم يكن يلقب بها وقتئذ سوى أربعة من الصحابة: سلمان وعمار والمقداد وأبي ذر، ثم انتشرت بعد ذلك بصفين في أصحاب علي (عليه السلام) ، ذكر ذلك أبو حاتم السجستاني في الجزء الثالث من كتاب الزينة، وأما لفظة السنة فلم تكن لتعرف إلا عام صلح الحسن (عليه السلام) لمعاوية، حيث لقب بها معاوية وأتباعه، كما نص على ذلك جملة من المؤرخين (مجلة العلم)، بل الظاهر أن لفظة أهل السنة أطلقت في زمن العباسيين فقط.

([25]) يقصد : زوجة أخرى من زوجاته (صلى الله عليه وآله) وهي السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان (التحرير) .

([26]) كما أن المسلمين هم سدس البشر (مجلة العلم).

([27]) هكذا وردت في المصدر (التحرير).

([28]) حق العبارة أن تكون: والطبائع البشرية أميّل إلى الضعيف -ولو كان مبطلاً- منها إلى القوي وإن كان محقًا، وأميل إلى المظلوم منها إلى الظالم، خصوصًا إذا كان الظالم بعيدًا أو مرّت عليه أعوام (التحرير).

 

 

الفصل الثالث:

أسباب النزول.. عصر الشيوع والانتشار

الشيخ حسن حيدر

 

في مقالة سابقة وقفنا مع أولى اهتمامات المسلمين بأسباب النزول، فكان لنا وقفة مع أسباب النزول في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) ([1]) ، ثمّ عرضنا في مقالة أخرى ما تعرّضت له أسباب النزول بعد وفاته -في -عهد الصحابة- ([2]) ، وكيف وقف الإمام عليّ (عليه السلام) في وجه تجاهلها والتنكّر لها، ونتابع في هذه المقالة سيرنا التاريخيّ لنرى الحال التي آلت إليها الأسباب فيما بعد.

تمهيد

في زمن كان من المتوقّع أن يستمرّ الخط البياني لأسباب النزول في مراوحة بين إصرار أهل البيت (عليهم السلام) على التمسّك بها، وتجاهل الآخرين لهذه الأسباب، بما يعني توضّح الخطّين؛ خطّ السلطة الذي يحاول محو آثار أسباب النزول، وخطّ أهل البيت (عليهم السلام) الذين يريدون إرساء هذه الحقائق، انقلبت الموازين في هذه المرحلة حيث انفجرت ينابيع المرويّات في أسباب النزول خاصّة في مدرسة أهل العامّة، حتّى بدت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تابعة لتلك المدرسة في مجال أسباب النزول، ممّا ولّد شعورًا بأن خللاً ما قد حصل، وأيقظ مجموعة تساؤلات حول طبيعة وحقيقة ما جرى في هذه المرحلة؟!

ففي أواخر القرن الهجريّ الأوّل، وبعد المرحلة الحساسة التي مرّت بها أسباب النزول في زمان الصحابة، وما رافق ذلك من قيامها على أساس صراع بين تجاهلها وإعراض عنها، وبين تأسيس لبنيانها وتأكيد على ضرورة حضورها([3])، وفي وقت بدأ المجتمع الإسلاميّ يفتقد حضور الصحابة الشاهدين على الوحي ونزوله، أطلّت مرحلة جديدة في عالم أسباب النزول، مرحلة بدأ هذا الفنّ، وعلى خلاف ما حصل في المرحلة السابقة، يتّخذ طابعًا أكثر شيوعاً، حيث سعت أجيال لم تشهد الوحي ولم تعاصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى التعرّف عليها وعلى السيرة والأحكام من خلالها، كلّ ذلك في زمان افتقدنا فيه الراوي والشاهد المباشر عليها.

وأوّل ما نتوقّف عنده في هذه المقالة، هو مجموعة الأحداث التي أثّرت مباشرة في شيوع أسباب النزول بهذا الشكل وفي هذه المرحلة بالذات.

أسباب شيوع هذا الباب

تُعدّ مرحلةُ التابعين العصرَ الذهبيّ لانتشار وشيوع أسباب النزول بين الناس، وذلك بعد قحطٍ عانت منه الأسباب في المراحل السابقة، وتوزّعت أسباب هذا الانتشار بين ما هو عقيديّ مرتبط بالصراعات، وثقافيّ مرتبط بنموّ المجتمع الإسلاميّ فكريًّا، وتاريخيًّا نتيجة توسّل جيل المسلمين في هذا العصر أسبابَ النزول سبيلاً للتعرّف على أحداث القرن الأوّل من تاريخ الإسلام، ونتعرّض فيما يلي إلى هذه الأسباب تباعاً.

أ ـ توسّع الصراع المذهبيّ

بعد ترسّخ الانقسامات في المجتمع الإسلاميّ استعرّت نيران الخلاف المذهبيّ بين مختلف المجموعات، لم يعد الخلاف بين الفرق محصورًا بمسألة الخلافة، كما كان عليه الأمر في المرحلة التي تلت وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة، وإنّما تخطّاه لتسعى كلّ فرقة إلى محاولة تقديم الحقائق الدينيّة التي تناسبها.

فقد ترسّخت في الساحة الإسلاميّة هيكليّات سياسيّة فرضت نفسها أمرًا واقعًا، ولم تقنع -بالتالي- بما قنع به الأجداد من النزاع السياسيّ والاجتماعيّ على الحكم والخلافة وحسب، بل تجاوزته لتحاول فرض هيمنة علميّة وثقافية، ممّا ولّد صراعًا ثقافيًّا ومعرفيًّا، فقد أرادت الهيكليّات السياسيّة فرض ما استنبطته من أحكام وقوانين في الأوساط التي تنتمي إليها، مؤمنةً بأنّ من شأن ذلك تثبيت جذورها وضمان استمرارها فترة أطول، لذا لوحظ في هذه الحقبة: [محاولة (...) إيجاد مبرّر موضوعيّ للأحكام(...)؛ ذلك أنّ الهياكل السياسيّة والاجتماعيّة تحتاج إلى قوانين منظّمة لعلمها ووجوده واستمرارها]([4])، فقد [كانوا يبحثون في الواقع عن سلطة بها يشرّعون لفهمهم ذاك، حتّى يسود ويسودهم ومن يمثّلون]([5]).

ولا شكّ أنّ من أهمّ المبرّرات التي يمكن أن تخدم هذا الهدف -لدى الأطراف كافّة-: رواياتُ أسباب النزول، فهي تتمتّع بحصانة توجيه دلالات النصّ القرآنيّ وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) والمفاهيم المختلفة؛ فـ: [..أسباب النزول، كما لا يخفى، عنصر من عناصر التفسير لا يستأثر به منهج دون آخر، وهو سلاح في غاية الخطورة يمكن أن ينفخ بالمعنى في جميع الاتّجاهات، فكان من أكبر الذرائع التي توسّلت بها الفرق لتوجيه الدلالة في خدمة المذهب دفاعًا عن النفس وطعنًا في الغير...]([6])، [حتّى أنّ الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلاميّة الثلاثة من خلافات سياسيّة ومذهبيّة وعنصريّة وفقهيّة وكلاميّة قويّ البروز...]([7]).

ب ـ النموّ الفكريّ

من جهة أخرى يسجِّل الباحثون في هذه الفترة نموًّا ونضجًا فكريًّا كان له أبلغ الأثر في المجتمع الإسلامي، وقد أدّى إلى التوسّع في مختلف العلوم، ولا شكّ أنّ الصدارة كانت لتلك البحوث التي ترتبط بصورة أو بأخرى بكتابهم المقدّس، وهو القرآن الكريم.

فعلماء القرآن يلاحظون أنّه بعد أن انصبّ اهتمام المفسّرين الأوائل على معالجة ظهور الآيات، والاكتفاء بعنصري: [الإبانة والإيضاح بالكشف عن معنى اللفظ لغويًّا، وعن مدلوله عرفيًّا]([8])، بحيث غلب على تفاسير تلك الفترة الطابع اللغويّ، ممّا لا يجعلها تستحقّ اسم التفسير، وهي [أحرى أن تسمّى: دراسة في المفردات]([9])، تغيّرت الظروف الثقافيّة [وانصبّ جهد المفسّرين في مرحلة تالية على معرفة الحوادث المحيطة بنزول القرآن(...) ويُسمّى هذا الشكل من الجهد بـ: "معرفة أسباب النزول" في مصطلح مؤلّفي علوم القرآن]([10]).

وليكون البيان أكثر دقّة وشموليّة نقول: لقد بلغت مدرسة العامّة ذروة اهتمامها بالأسباب معرفيًّا وتفسيريًّا في هذه الفترة المتأخِّرة، وأمّا أهل البيت (عليهم السلام) ، فإنّهم وإن تابعوا -منذ أمير المؤمنين (عليه السلام) ([11])- مختلف جوانب التفسير بما فيه أسباب النزول، كما مرّ بعض بيان، ولم يتركوا الأمر إلى فترة دون أخرى، إلا أنّ ظروفًا معيّنة -مرّ ذكرها- منعت إظهار الصورة كاملة، ثمّ في هذه المرحلة وبعد شيوع هذا الباب لدى مدرسة العامّة، كان لأهل البيت (عليهم السلام) حريّة أكبر في مجال نشرها، وأعطى الأئمّة (عليهم السلام) هامشًا أكبر للتحرّك في إطارها.

والنتيجة على كلّ حال أنّ هذه الفترة التي شهدت تطوّراً ملحوظًا في الإطار الفكريّ، قد شهدت بموازاة ذلك توسّعًا في إطار التعامل مع أسباب النزول على مستوى المدرستين.

ج ـ رغبة الأجيال في معرفة أخبار انطلاق الدعوة

عندما نتحدّث عن الفترة التي تلت الصحابة فإنّنا نتحدّث عن فترة نشأت فيها أجيالٌ عطشى إلى معرفة تفاصيل سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وتاريخ الدعوة الإسلاميّة ونزول الوحي التي تسمع عنها الكثير، وراغبة بالتالي في التعرّف على حقيقة سياق النصّ القرآنيّ والخطاب النبويّ، وما يحفّ به من ملابسات وقرائن.

.. وعلى خطّ موازٍ ظهرت تفسيرات ورؤى عديدة ترتبط بتلك السيرة، بل برزت تناقضات وتنازعات في بيان سيرته المباركة، حينها وجدت أسباب النزول، بما هي رفيقة القرآن من جهة -أي الكتاب المقدّس-، وسيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) من جهة أخرى - أي السنّة الشريفة -، بابًا للانتشار والتوسّع فكانت الملجأ الأوّل لبثّ الحقائق التاريخيّة.

 وخلاصة الكلام: أنّه بالإضافة إلى العامل الإيديولوجيّ العقائديّ الذي طبع المرحلة السابقة من ناحية التأثير في تطوّر البحث في أسباب النزول، والذي تطوّر إلى هيكليّات ثقافيّة ودينيّة متنازعة في هذه الحقبة، برز العامل المعرفيّ ـ على مستوى علوم القرآن وعلى مستوى سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ بشكل واضح، ليشكّل عاملاً إضافيّاً في توجيه الأنظار إلى هذا البحث.

بهذا الشكل ازدادت الحاجة إلى أسباب النزول بصورة ملفتة، ولم يعُد بالإمكان الاستغناء عنها أو تجاهلها، لصلتها الوثيقة بعصر الوحي، قرآنًا وسنّةً وسيرةً نبويّة، فكانت الملجأ الرئيس لأصحاب القرار يستمدّون شرعيّتهم، وعلماء القرآن ينهلون علمهم، والمجتمع يروي ظمأه...

من هنا لم يكن مستغربًا في هذه المرحلة أن تتجاوز رواية الأسباب مرحلةَ الرواية ابتداءً، لنقف على مجموعة من الوثائق التي تُشير إلى رواج واستقرار هذا العالَم في العقل الجمعيّ للمسلمين بمختلف مستوياتهم وأطيافهم، فكيف كانت الحال التي ظهرت عليها أسباب النزول في هذه المرحلة؟

الشكل الذي ظهرت عليه أسباب النزول في هذا العصر:

1ـ نوعان من الأسباب

برزت حاجة المجتمع للأسباب، في ظرف افتُقد فيه المصدر المباشر لنقلها، فكان لا بدّ من اللجوء إلى طبقة أخرى في رواية الأسباب؛ حينها لجأ العامّة إلى من تيسّر وتوفّر من التابعين، وإلى من راح ينسب إلى ابن عبّاس مختلف الكلمات وشتّى الأسباب، وقد شاعت هذه الأسباب بين الناس بمختلف طبقاتهم ومستوياتهم ومذاهبهم حتّى زماننا هذا، وشكّلت هذه الأسباب-المرويّة في غالبها عن التابعين- ما يمكن أن نسمّيه بأسباب النزول الرائجة.

في المقابل لجأ أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى بيت العصمة والطهارة المتمثّل في أئمّتهم، وتلقّوا منهم الروايات في أسباب النزول، بما ينسجم مع منظومتهم الفكريّة والعقائديّة، التي تقوم على أساس أنّهم معصومون يمثّلون امتداداً لخطّ الرسالة، ويشكّل امتدادهم امتدادًا لعصر النصّ، وأنّ ما يروونه فإنّما يرويه الواحد منهم عن أبيه عن جدّه عن الرسول"ص" عن جبريل عن الله عزّ وجلّ، وهو ما يميّز المدرسة الشيعيّة: مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) .

وهذا الواقع سيضطّرنا إلى الحديث عن نوعين من أسباب النزول: الأسباب الرائجة، وروايات أهل البيت (عليهم السلام) ، وهذا أمر -على أهميّته- لم يُلفِت إليه الباحثون، حتّى مَن كَتب على مستوى البحث الشيعيّ، بل حصل خلط كبير بين النوعين من الأسباب وتَوَهّمٌ فيها، وسنتحدّث عن ذلك تباعًا.

2 ـ الأسباب والوضع

شاعت أسباب النزول في هذا العصر بشكل غطّى مختلف الأطياف، ولكن ما لا بدّ من إعادة التنبّه إليه أنّ ذلك قد تمّ في عصر شهد غياب الشاهدين على الوحي إلا ما ندر، وبالتالي: [بانقضاء جيل الصحابة اندثر مصدر مباشر من المصادر المساعدة على ضبط الأطر الاجتماعيّة والمعرفيّة والتاريخيّة التي نزل فيها الوحي]([12])، وكان لذلك تأثير مباشر على طبيعة الأسباب في هذه الفترة، سواء في طبيعة تشكّلها أو على مدى حجيّتها واعتبارها.

فالحركة المستجدّة في إطار أسباب النزول في هذه المرحلة لم تكن كلّها بَرَكة، بل شابها الكثير من التشويه لا سيّما على مستوى اعتبارها، ومن هنا يتساءل البعض - ومن حقّه أن يسأل - : [هل كان نزول الآية لهذه المناسبات المذكورة؟! أم أنّ هذه المناسبات من قبيل القصص التي نسجها المخيال الجمعيّ في حرصه على ربط الأحكام الفقهيّة المجرّدة بأحداث ملموسة وأشخاص تاريخيّين؟!...]([13])، ففي الواقع راج الوضع بشكل هائل في أسباب النزول وشوّه صورتها، ولانتشاره عدّة أسباب:

أ) فمن جهة، كان لغياب الشاهدين على الوحي، التأثير الكبير على انتشار الوضع، إذ غاب بذلك الرقيب المباشر، والمدقّق الفعليّ في صحّة أسباب النزول، فكان [..كلّ أحد يخترع شيئًا ويختلق إفْكًا وكذبًا... ]([14]).

ب) ومن جهة أخرى كان هناك إشراف مباشر من قبل الدولة وأصحاب القرار على تدوينها، وقد أخضعوها [على نحو منهجيّ، لما يخضع له كلّ خطاب من تعديل وتنظيم وإبراز وإخفاء وما إلى ذلك، أي إنّ إعادة بناء الماضي بجميع أبعاده قد خضعت للواقع الثقافيّ الحضاريّ الذي فيه تشكّل ذلك البناء]([15])، وهذا ما جعلها تقع [تحت تأثير واقعه]ها[ الراهن بكلّ أبعاده السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة]([16]).

ج) ثمّ ما زاد الأمر تعقيدًا هو مسألة انتشار القصّاصين، وبروزهم كصنف من الرواة المسلمين، فهذه الجماعة وإن حظيت بالمنزلة الرفيعة اعتبارًا منذ عهد الخليفة الثاني، كما ينقل السائب بن يزيد: [لم يكن يُقصّ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولا أبي بكر، وكان أوّل من قصّ تميم الداري استأذن عمر بن الخطّاب أن يقصّ على الناس قائمًا، فأذن له عمر]([17])، إلا أنّه لم يخلُ ذلك العصر -حيث الصحابة- من ضابط لحركتهم، أمّا في هذه الفترة، فقد تسيّدوا الساحة الثقافيّة ببضاعتهم المزجاة، من غير منازع أو حسيب.

وقد ميّز مشاغل القصّاصين: الاحتفاء بكلّ ما هو عجيب وغريب خارج عن المألوف لعطف قلوب الجمهور، فيما لم تكن الحقيقة التاريخيّة من اهتماماتهم البتّة، بل يتصرّفون فيما يبلغ أسماعهم من أخبار، تضخيمًا واختلاقًا...

لذلك [فإنّ عملهم أوصل إلى نتيجة نراها بديهيّة، هي تعاظم الهوّة الفاصلة بين ما يُروى عن تجربة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ورسالته في مجالس القصّاص (...)، و[بين] ما يقوله القرآن...]([18]).

والنتيجة التي آلت إليها أسباب النزول أنْ تَرَافق أمرُ شيوعِها بانتشار الوضع فيها.

بعد هذه الإلمامة بالأجواء العامّة لأسباب النزول في هذه المرحلة لا بدّ من دراسة دقيقة لوضعيّة الأسباب بتفاصيلها، لنعيش في صميم بحث أسباب النزول في هذه الفترة.

أوّلاً: الأسباب الرائجة

1- طبيعة هذه الأسباب

ثمّة مجموعة كبيرة من أسباب النزول نقل أكثرَها أهلُ العامّة عن التابعين، وتعرّض لها الطبري في تفسيره الشهير بتفصيل، ثمّ ضمّتها كتبٌ خاصّة بين دفّتيها حيث تولّت أمر جمعها منذ القرن الخامس الهجريّ، ككتاب الواحديّ ثمّ من حذا حذوه كالسيوطيّ وغيره، هذا القسم من المرويّات هو الذي اشتهر لاحقًا بعنوان "أسباب النزول"، فهو المستقرّ في الأذهان عندما يُراد الحديث عن هذا الفنّ، وإليه يُشار عند البحث عن سبب نزول آيةٍ ما.

والأمر الذي لا بدّ من تكرار لفت النظر إليه، هو أنّها - في غالبها الأعظم - لا تُمثّل روايات تُنسب إلى معصوم، وإنّما هي أحداث ينقلها نفس الصحابيّ أو التابعيّ، فالروايات في هذه الأسباب لا تكاد تتجاوز عدد الأصابع، كما يمكن ملاحظته عند مراجعة أمهّات هذه الكتب كأسباب النزول للواحدي، وأسباب النزول للسيوطيّ.

وعلى الرغم من شدّة تأثير هذا الأمر على طريقة التعاطي مع هذا النوع من المرويّات([19])، فإنّنا نرى هذه الحقيقة اليوم بعيدة عن الأذهان وقد أغفلها معظم الباحثين المعاصرين، لا سيّما أنّهم يعبّرون عنها بـ : روايات أسباب النزول.

2 - السرّ في اعتماد هذا النوع من الأسباب

في الواقع كان اعتماد علماء أهل العامّة على هذه الأسباب ضرورةً، نتيجة افتقارهم إلى رواياتٍ في تفسير القرآن منقولةٍ عن المعصوم، حيث لا نجد عند العامّة أكثر من 250 رواية، على ما أحصاه السيوطيّ([20])، وقد ذكر أنّ أكثرها لا اعتبار له، ولذا يقول: [الذي صحّ"من المأثور في التفسير" قليل جدًا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلّة]([21])، فيما نُقل عن ابن حنبل قوله الشهير: "ثلاثة ليس لها أصول -ليس لها أصل-: المغازي والملاحم والتفسير]([22])، وعليه فقد اضطُرّت هذه المدرسة إلى اللجوء إلى أسبابِ النزول، بغثِّها وسمينِها، على أساس أنّها الحقائق التي يُلجأ إليها في تبيّن الآيات القرآنيّة.

في المقابل لم تكن المدرسة الشيعيّة ترتكز في التفسير إلى مثل هذه الأسباب؛ لأنّ روايات أهل البيت (عليهم السلام) ، بما في ذلك الروايات التي ترتبط بالكشف عن أسباب النزول، تُمثّل مخزنًا ومرجعًا مهمًّا في عالم تفسير القرآن الكريم بالنسبة لهم، فقد أحصى بعضهم هذه الروايات بأكثر من 4000 رواية([23]).

أسباب النزول ورواجها بين السنّة والشيعة

يظهر ممّا سبق أنّ الحاجة إلى الأسباب الرائجة، المنقولة في غالبها عن التابعين والتي اختلطت بقصص القصّاصين ووضع الوضّاعين، هي حاجة مدرسة أهل العامّة بالدرجة الأولى، لكن لعلّ العمل الشكليّ لبعض المفسّرين، كالشيخ الطوسيّ والشيخ الطبرسيّ، أوهم أنّ المدرسة الشيعيّة مفتقرة هي الأخرى إليها، فإنّ الشيخ الطوسيّ في التبيان، والشيخ الطبرسيّ في مجمع البيان، قد ذكرا هذا النوع من الأسباب تحت عنوان "النزول" أو "سبب النزول" في تفسيرهما بشكل منفرد ومستقلّ، وذلك قبل ولوج معنى الآيات، هذا الأمر فتح الباب أمام توهّم كثير من الباحثين والدارسين بأنّ هذه الأسباب تدخل في صميم الفكر الشيعيّ، وفي منظومة تكوين مفاهيمه حول الآيات القرآنيّة والتفسير.

إلا أنّ نظرةً فاحصة تكشف ما استتر، فإنّ المتابع لعمل الشيخ الطوسي والطبرسيّ، يلاحظ، أنّهما قد أدرجا أيضًا بشكل منفرد ومستقل إلى جانب أسباب النزول، أقوال التابعين في التفسير، كعكرمة ومجاهد ومقاتل...، في المقابل فإنّهما حين ترد رواية عن أهل البيت (عليهم السلام) ترتبط بسبب نزول الآية أو التفسير فإنّهم يوردونها في متن التفسير، فما قاما به في الواقع هو فصل أسباب النزول وأقوال التابعين، عن الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في أسباب النزول والتفسير، وقد صرّحا في مقدّمة "التبيان" و"مجمع البيان" أنّ العمدة في هذا التفسير لا تكون إلا على الخبر الصحيح، وأنّه لا عبرة لغيره من الأقوال، ومن الواضح أنّ المقصود فيه ما أورداه من أسباب نزول رائجة أو أقوال التابعين في التفسير، وهذا ما يمكن ملاحظته عند مراجعة التفسير أيضًا.

وعليه فإنّ إيراد الشيخ الطوسيّ والشيخ الطبرسيّ لأسباب النزول في بداية تفسير الآيات بشكل منفصل، مثله مثل إيراد أقوال التابعين في التفسير، لا يتعدّى كونه مجاراة لمفسّري السنّة شكلاً بعد التأثير الكبير الذي تركه تفسير الطبريّ في ساحة تدوين التفاسير، [خاصّة أنّ تفاسير عديدة أُلّفت بعده لم تتخلّص من سلطته المعرفيّة الضاغطة، التي تختلف قوّتها وأثرها من تفسير إلى آخر]([24])، لذا عدّوه في هذا المجال أهمّ مصدر في التفسير، بمعنى أنّه يُعدّ أصلاً لغيره من الكتب في معالجته للتفسير([25])، وكان [عمدة لأكثر المفسّرين]([26])، ولكن إيرادها بهذا الشكل لم يؤثّر ذلك في المضمون، ومع ذلك فقد أوهم هذا العمل كثيرًا من الباحثين الذين تأثّروا بالبحث السنّي، فساروا في هذا البحث على طريقة أهل العامّة، بل ربما نجد أنّ هذا الوهم هو المستقرّ في أذهان مختلف المثقّفين حين يتحدثون عن أسباب النزول والقصص المرويّة فيها!!

هذا بالنسبة لطبيعة الأسباب الرائجة باسم أسباب النزول والمرويّة عن التابعين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو السبب في رواجها باسم أسباب النزول دون غيرها؟

3 ـ سبب رواج هذه الأسباب

يمكن ردّ سبب رواج هذه المرويّات بعنوان وباسم "أسباب النزول" فيما بعد، دون روايات أهل البيت (عليهم السلام) حيث ظلّت رواياتهم في الأسباب ترد تحت عنوان واسم روايات التفسير، إلى عدّة أمور:

1) لعبت التصنيفات الخاصّة التي ضمّت بين دفّتيها أسباب النزول، من قبيل كتابي الواحدي والسيوطيّ، دورًا كبيرًا في رواج هذه الأسباب، فإنّها كانت السبّاقة في هذا العمل (تدوين أسباب النزول ضمن مصنّف خاصّ)، وأشبعت بالتالي رغبة الناس وفضولهم في معرفة الأسباب وقصصها، ممّا أدّى بالتالي إلى شيوعها كأسبابٍ لنزول القرآن.

على أنّ اللافت في الأمر، أنّ الداعي إلى تصنيفها بشكل مستقلّ عن الروايات يعود بالدرجة الأولى إلى كون هذه الأسباب لا تستند إلى سند متين يمكن الاعتماد عليه، ممّا اضطرهم إلى فصلها عن روايات التفسير، ومن هنا يتّضح سرّ عدم اهتمام علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالتصنيف في أسباب النزول المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) بشكل مستقلّ عن بقيّة رواياتهم في التفسير، كونها جميعاً منقولة عنهم، وتعتمد على سند يتّصل بالمعصومين، فالدراسة السنديّة في كلا القسمين -أسباب النزول وروايات التفسير- واحدة.

2) إلى ذلك كان لتفسير الطبريّ -الذي كان أوّل من تعرّض لهذه الأسباب بشكل منظّم- دور مؤثّر في مجال رواج هذه الأسباب.

3) بالإضافة إلى كلّ ذلك لا يمكن أن نغفل دور أرباب القرار وأصحاب السلطة الذين أرادوا استمداد الشرعيّة من خلال أسباب النزول، فقد روّج هؤلاء للأسباب التي تتناسب مع استمراريّة حكمهم والمذهب الذي يدينون به، فسعوا إلى نشرها وأشاعوها في المجتمع وعند العوامّ، بل قاموا بالإشراف على تدوينها، في مقابل سعيهم الحثيث لحصار بقيّة الأسباب لفرض انحسارها وتلاشيها، وكانت طبيعة الحكم والخلافة في تلك الفترة، تتّفق وتنجسم مع ما رُوي من الأسباب الرائجة وأقاصيصها.

حول دور التابعين

إذا كان لا بدّ من ملاحظات نسجّلها حول دور التابعين في أسباب النزول([27])، فهي كما يلي:

1ـ الملاحظة الأولى هي عدم تعرّضهم لبحث الدراية، واقتصار دورهم على الرواية،

فقد قسّم علماء القرآن أسباب النزول إلى شعبتين:

1) نظريّ، ويطلقون عليه اسم: الدراية، و[يُعنى بذكر قواعد هذا العلم، وما يتعلّق بها]([28]).

2) تطبيقيّ، وفي مصطلحهم: رواية، و[يتناول أسباب النزول الواردة والمأثورة، ويعنى بجمعها...]([29]).

وهناك ارتباط وثيق بين الشعبتين، يمنع الباحث من الشروع في الثاني قبل أن يؤسّس الأوّل؛ فإنّ السير الطبيعيّ لأيّ تحقيق هو أن يجري التطبيق وفقًا لقواعد نظريّة محدّدة، ومع الأسف فإنّه كثيراً ما حدث خلل وإبهام نتيجة دراسة أحدهما دون الآخر، أو عدم الاعتماد على البحث الدرائيّ في الجمع.

2ـ أمّا الملاحظة الثانية فهي مرتبطة بكثرة النقل عنهم، مع وجود المتناقضات التي لا تقبل الجمع فيما نقلوه، وهذا الأمر هو الذي جعل الباحثين يؤكّدون على أنّ ذلك يعود إلى الوضع من قِبَل مَن شُغف بأسباب النزول، حتّى صار كلٌّ ينسب للآية سببَ نزولٍ، كما يؤكّد الواحدي: [وأمّا اليوم فكلّ أحد يخترع شيئاً ويختلق إفْكًا وكذبًا، مُلقِيًا زمامَه إلى الجهالة، غير مفكّر في الوعيد للجاهل بسبب نزول الآية، وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للأسباب لينتهي إليه طالبو هذا الشأن والمتكلّمون في نزول هذا القرآن، فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب]([30]).

بل يعزو بعضهم سبب استقلال علم أسباب النزول إلى: [استفحال ظاهرة وضع الأحاديث النبويّة على نطاق واسع بعد القرن الرابع الهجريّ (...)، ولذلك كَثُر التأليف في مختلف علوم الحديث منذ القرن الرابع، وظهرت مؤلّفات عيّنت ضوابط رواية الحديث، طُرُقَ تحمّلٍ وأداءً (...)، ونعتقد أنّ عديد الأحاديث الموضوعة وُظّفت في بيان أسباب نزول آيات القرآن، ومن ثمّ تزعزعت ثقة العلماء القدامى بأخبار أسباب النزول التي لا غنى لهم عنها...]([31]).

وهذا ما زعزع ثقة العلماء بهذه الأسباب، وكان لذلك الآثار الكبيرة، سواء من حيث الوقوف بشدّة في وجه الاستغراق والإفراط في الاعتماد على أسباب النزول([32])، أم من حيث التمحيص المكثف التي تعرّضت له أسباب النزول من أجل انتخاب الصحيح منها، كما سيأتي في مسرد التأليف.

ثانياً: حركة أهل البيت (عليهم السلام)

إذا انتقلنا إلى الضفّة الأخرى من ضفاف عالَم أسباب النزول، فإنّنا نحطّ الرحال عند دور الأئمّة (عليهم السلام) على مستوى هذا الفنّ في هذه المرحلة التاريخيّة.

فقد تابع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بشكل عامّ، والإمامان الباقر والصادق (صلى الله عليه وآله) بشكل خاصّ([33])، ما بدأه الأمير (عليه السلام) من حركة في إطار أسباب النزول، مع مراعاة مقتضيات مرحلتهم والظروف المستجدّة، لا سيّما اشتداد الحاجة إلى أسباب النزول، والنمّو الثقافيّ والفكريّ للمسلمين في هذا العصر، فضلاً عن حملات وعمليّات الوضع والابتداع التي تعرضّت لها الأسباب، وهذا ما خلق نوعاً من التمايز عن دور أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهو ما نتعرّض له.

أ ـ دورهم على مستوى دراية الأسباب

قد مرّ الحديث عن الثغرة التي وقع فيها التابعون حين أغفلوا البحث في دراية أسباب النزول، فيما لم يفت أهل البيت (عليهم السلام) هذا الأمر، فشهدنا منهم حركة تأسيسيّة في مجال دراية هذا الباب، ونطلّ على بعض جوانبها ضمن النقاط التالية:

1ـ طرح أهميّة أسباب النزول

نبّه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على حقيقة أسباب النزول، وقاموا بتثبيت دورها كعنصر له دور كبير في بيان حقائق ومفاهيم مرتبطة بالقرآن من جهة، وبمجمل أوضاع الإسلام والمسلمين من جهة أخرى، من ذلك ما ورد عن الصادق (عليه السلام) : [اعلموا رحمكم الله أنّه من لم يعرف من كتاب الله: الناسخ والمنسوخ، والخاصّ والعام، والمحكم والمتشابه، والرخص من العزائم، والمكيّ من المدنيّ، وأسباب التنزيل (...)، فليس بعالم القرآن ولا هو من أهله]([34])، وهذا تصريح بأهميّة بحث أسباب النزول، وحثّ على دراسته، وبذلك يمكن تسجيل خطوةٍ متقدّمة في مجال بيان أهميّة هذا البحث، بعد الإشارات التي مرّت في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) .

2 ـ تكوين المصطلح

لا شكّ أنّ من أهمّ مبادئ أيّ علم أو باب من العلوم هو تكوين المصطلح، و طبقاً للوثائق الموجودة بين أيدينا فإنّ أوّل تصريح بمصطلح "سبب النزول" ورد على لسان الأئمّة (عليهم السلام) ، وقد ورد هذا المصطلح في أكثر مناسبة؛ فمن ذلك الرواية التي تقدّمت في مجال بيان أهميّة هذا المبحث حيث عبّر الإمام (عليه السلام) بـ: "أسباب التنزيل"، بالإضافة إلى عدد كبير من الروايات التي تشتمل على هذا العنوان كالذي ورد في الآية: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}([35])، فعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:[كان سبب نزول ذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا تزوّج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها، ورأى زيدًا يباع ورآه غلامًا كيّسًا حصيفًا، فاشتراه...]([36])، وورد في نزول سورة الفتح عنه (عليه السلام) أيضاً أنّه قال: [كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أنّ الله عز وجل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج‏...]([37])، وورد عن أبي محمّد (عليه السلام) : [كان سبب نزول قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ...}([38]) الآيتين، ما كان من اليهود أعداء الله من قول سّيئ في جبرئيل وميكائيل...]([39])، وكذا ورد ذلك في مجموعة أخرى من أسباب نزول الآيات ([40])، هذا بالإضافة إلى وروده في بيان نزول: سورة الكهف([41])، والمعوذتين([42]).

ولعلّهم كانوا يهدفون بذلك إلى تركيز روايات الأسباب في العقل الجمعيّ للمسلمين، ومن اللافت كثرة استخدام عليّ بن إبراهيم نفسه لهذا المصطلح في التفسير المنسوب إليه.

في المقابل فإنّ عبارة "سبب النزول في مدرسة العامّة، [لم تكن معلومة في عهد الصحابة والتابعين]([43])، ويبدو [أنّ الصيغة النهائيّة المعبّرة عن علم أسباب النزول قد استقرّت بمعناها الاصطلاحيّ استقراراً نهائيّاً في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجريّ]([44]).

3 ـ الإشارة إلى كثرة أسباب النزول

في حين يؤكّد الباحثون قلّة الآيات النازلة وفق أسباب النزول، أكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على حقيقة أنّ لأغلب آيات القرآن الكريم أسبابَ نزول، فعن خيثمة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : [يا خيثمة القرآن نزل أثلاثًا:

ثلث فينا وفي أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدوّ من كان قبلنا، وثلث سنة ومثل...]([45])، وبمقتضى المقابلة بين الثلثين الأوّلين والثلث الذي يمثّل حركة عامّة في إطار السنّة والأمثال، يظهر أنّ المراد من الثلثين الأوّلين خصوص ما نزل وفق أسباب النزول.

وفي حديث آخر ورد عن الباقر (عليه السلام) ، في تفسيره للحديث المعروف: [ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن]([46])، قال (عليه السلام) : [ظهر القرآن الذين نزل فيهم، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم]([47]).

وهذه الكثرة تُعدّ متناسقة مع طبيعة القرآن وما أكّدوا عليه من نزوله منجّماً وفق الأحداث والاحتياجات المستجدّة في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) : فإنّ [هذا القرآن لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجّمًا مفرّقًا بحسب الحوادث والمناسبات والوقائع (...)، وهي التي سمّاها العلماء فيما بعد أسباب النزول]([48])، ومع هذا فقد غفل الباحثون في علوم القرآن عن هذه الحقيقة -كثرة أسباب النزول-، لا سيّما أهل العامّة([49]).

4 ـ تأكيد مفهوم "العبرة بعموم اللفظ"

انشغل علماء القرآن والباحثين فيه ببحث عرُف لاحقًا بعنوان: "العبرة بعموم الصيغة لا بخصوص السبب"، أو "المورد لا يُخصّص الوارد"، وهذا المطلب بعينه تمّ التنبيه عليه من الأئمّة (عليهم السلام) قبل أن يرد في كتب علوم القرآن، وقد نصّوا عليه بتعابير مختلفة منها ما ورد عن خثيمة عن أبي جعفر (عليه السلام) : [...ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شي‏ء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السَّماوات والأَرض، ولكل قوم آية يتلونها [و] هم منها من خير أو شر]([50]).

ومن ذلك ما ورد في إطار بيان أنّ للقرآن ظهرًا وبطنًا، حيث ذُكر أنّ: [ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم]([51])...

ب ـ روايات أهل البيت (عليهم السلام) في أسباب النزول :

ما يمكن تسجيله في إطار روايات أهل البيت (عليهم السلام) في أسباب النزول عدّة ملاحظات:

أوّلاً: ضخّ عدد كبير من الروايات

ساهم الإمامان الباقر والصادق (صلى الله عليه وآله) في ضخّ مجموعة من الروايات، وفق ما اقتضته المصلحة والظروف، بحيث بلغت الروايات المنقولة عنهما أضعاف ما رُوي عن الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام عليّ (عليه السلام) ، لذا يلاحِظ المراقب أنّ كتب التفسير والحديث حافلة برواياتهما، ولا يخفى هذا الأمر على أيّ باحث يرجع إلى كتب التفسير والحديث الشيعيّة.

يعود هذا الزخم في بثّ روايات أسباب النزول إلى تغيّر نسبيّ في الظروف التي مرّ ذكرها في عصر الإمام عليّ (عليه السلام) ، ولكن هذا لا يُلغي أنّهم راعوا الحال، فيجب أن لا نَغفل حقيقةَ أنّهم لم يكونوا في وارد استقصاء أسباب النزول؛ لما ذكرناه سابقًا من أنّهم لم يكونوا راغبين في إشاعة الأسباب إذا ما كانت تؤدّي إلى شقّ صفوف المسلمين في مواجهة الأعداء، أو لظروف أخرى، لذا عمدوا إلى عدم الكشف عن أسماء من نزلت فيهم الآيات أحياناً، كما ورد في الآية: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَالِمُ عَلَى يَدَيْه...}([52]) عن الباقر والصادق (صلى الله عليه وآله) : [إنّ هذه الآيات نزلت في رجلين من مشايخ قريش أسلما بألسنتهما، وكانا ينافقان النبيّ (صلى الله عليه وآله) ...]([53]).

وورد ذلك أيضاً عن الإمام الهادي (عليه السلام) عندما سأله المتوكّل العبّاسيّ عنها فيمن نزلت؟، فأجابه (عليه السلام) : [هذان رجلان كنّى الله عنهما، ومنّ بالستر عليهما، أفيحبّ الخليفة كشف ما ستره الله؟!]([54]).

وعلى خطّ موازٍ، ولكن بعيداً عن الخطوط السياسيّة ومسألة شقّ صفّ المسلمين، ابتعد أهل البيت (عليهم السلام) عن فضح الناس، فما يُلفت المتتبّع ويؤكّد هذا المطلب أنّ بعض الأسباب المنقولة عن العامّة تصرّح باسم مرتكبها، ففي آية اللعان([55]) مثلاً يذكر العامّة سبب النزول مع التصريح باسم الزوجين، كما نجده عند السيوطيّ([56])، بينما الرواية عن الصادق (عليه السلام) حين سئل: كيف يُلاعن الرجل المرأة، فإنّه قام بذكر سبب النزول، وبيّن نفس الحادثة المنقولة في أسباب نزول عند العامّة ولكن من غير تسمية الفاعل، فإنّه ذكرها في "رجل من المسلمين وزوجته"([57])، حفظاً لعرض المرأة، وخصوصيّة زوجها!

والنتيجة أنّ عمليّة ضخّ روايات أهل البيت (عليهم السلام) تركّزت في مجال تصحيح الحقائق والعقائد، وكذلك مواجهة كثرة الوضع، مع مراعاة حالة المجتمع وعدم نفخ روح الفتنة فيه.

فأسباب النزول المنقولة عنهم في هذه الفترة كانت أغلبها في معرض الردّ على الوضع والادعاءات الباطلة، التي كثُرت في زمانهم، وحركتهم في مسألة الأسباب وإن توسّعت بالقياس إلى الفترات السابقة، إلا أنّها تأطّرت بنطاق بيان بعض الحقائق اللازمة، وفقاً لما تمليه الظروف، وبما يكفل عدم التناحر بين مكوّنات المجتمع الإسلاميّ.

ثانياً: إيقاظ حسّ الاستفهام عن الأسباب

عمِل أهل البيت (عليهم السلام) على إيقاظ حس الاستفهام عن الأسباب، ما أدى إلى ترسّخ بحث أسباب النزول في العقل الجمعي لأبناء هذا العصر، يبيّن هذه الحقيقةَ كثرةُ السؤال عن الأسباب، كما في الآيات التالية: الآية 200 من سورة البقرة([58])، الآية 83 من سورة آل عمران([59])، الآية 58 من سورة النساء([60])، الآية 93 من سورة الأنعام([61])، الآية 74 من سورة الإسراء([62])، الآية 88 من سورة مريم([63])، الآية 23 من سورة الحديد([64])، وغيرها...، ففي جميع أسباب نزول هذه الآيات نرى المتلقّي هو الذي يُبادر إلى سؤال الإمام عن سبب نزول الآيات، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أنّهم (عليهم السلام) قد نجحوا في إيقاظ حسّ البحث عن أسباب النزول في عقول ووجدان أصحابهم وتابعيهم.

خلاصات واستنتاجات

1ـ إذا أردنا أن ندرس تصاعد الاهتمام بأسباب النزول بين مختلف الفترات الزمنيّة منذ انطلاق الدعوة، بدءاً من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) ، مرورًا بالأمير (عليه السلام) ، وصولاً إلى الصادقين (صلى الله عليه وآله) ...، فسنجد أنّ ثمّة علاقة جدليّة تربط بين أسباب النزول وبين بعض العوامل التي لعبت دورًا هامًّا في تطوّرها، وأهمّها عاملان:

الأوّل: ارتباطها بحقائق التاريخ من السيرة النبويّة الطاهرة ومختلف أحداث عصر الوحي، لذا كنّا نلاحظ أنّ مرور الزمن، وتشوّق الأجيال التي لم تشهد الوحي إلى معرفة ملابسات ذلك العصر، كان يُسهم في شيوعها أكثر فأكثر، ولا سيّما أنّها كانت تلعب دورَ تأييدِ بعض الحقائق التاريخيّة التي يمكن أن تخدم الفئات المتخالفة، ولذا فإنّ لأسباب النزول إمكانيّة حَرْفِ حقائق التاريخ بشكل واسع.

الثاني: العامل الإيديولوجي العقائديّ، فمن الملاحظ أنّه كلّما اشتدّ الصراع المذهبيّ، كلّما تألّق هذا العلم واتّخذ أبعادًا جديدة، وكلّما كثر الجدل العقائديّ، موّنت أسباب النزول هذا الصراع، سلبًا أو إيجابًا، افتراءًا على الإسلام أو تبيانًا للحقائق، فقد كانت أسباب النزول اللاعب الأبرز في تأييد الحقائق، بما يخدم المنظومات العقائديّة المختلفة.

وفي النتيجة لا يمكن للباحث أن يقوم بدراسة أسباب النزول بمنأى عن هذه العوامل، وبمنأى عمّا يمكن أن تؤثّره على الأصعدة كافّة.

2ـ ومن الإشارات التي يمكن أن نخلص إليها، أنّ مختلف الأحداث في هذه الفترة تشير إلى أمر يسوء الأسباب، فكلّ الأحداث التي أدّت إلى تصاعد الاهتمام بها كانت في المقابل تفتح الباب مشرعًا أمام الوضع والجعل، وهذه مسألة جديرة بمتابعتها وتحليل معطياتها عند الحديث عن مدى اعتبار وحجيّة أسباب النزول.

3ـ تبيّن أنّ الأئمّة (عليهم السلام) قد أشاروا إلى مجموعة من الأبحاث في عالم دراية أسباب النزول، كما أنّهم عملوا على ضخّ عددٍ من روايات هذا الباب.

ولكن يا ترى إلى أي مدى ترسم هذه الإشارات وتؤسّس لعلم مستقلّ بذاته، ولفنّ له خصوصيّاته؟ ففرق بين الكلام عن أسباب النزول، وبين الاهتمام بعلم خاصّ مستقلّ في تفسير القرآن.

نقول: حتّى زمانه لا يوجد أيّ دليل يمكن أن يُطمأنّ إليه على استقلال علمٍ باسم أسباب النزول، فالإشارات في عالم الدراية عن أهل البيت (عليهم السلام) ، لا يظهر منها أنّ ثمّة علم قائمٍ بذاته اسمه علم أسباب النزول، وغاية ما يُستفاد منها هو الاهتمام بروايات أسباب النزول في عمليّة الوقوف على معطيات القرآن، وضرورة ذلك لارتباط عدد كبير من الآيات بهذه الأسباب، مع عدم موت الآية بموت السبب.. ولا شيء من ذلك يؤسّس لعلم مستقلّ.

بل ربما تكون القرائن من خلال كلماتهم على العكس منه، حيث لا يظهر التمييز في كلماتهم (عليهم السلام) بين روايات أسباب النزول، وبين غيرها من روايات التفسير المنقولة عنهم ممّا يعني عدم جعلها بابًا مستقلاً، بل يكون الأمر مرتبطًا بها كغيرها من روايات التفسير الأخرى المؤثّرة في عمليّة التعاطي مع تفسير القرآن.

وممّا يؤيّد عدم استقلال روايات أسباب النزول بعلم وباب مستقلّ حتّى أواخر القرن الثالث، أنّنا لو راجعنا المصادر التي تكفّلت تدوينها، فإنّنا لا نجدها قد وضعتها تحت عنوان أو باب مستقلّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) راجع رسالة النجف، العدد 13.

([2]) راجع رسالة النجف، العدد 14.

([3]) راجع رسالة النجف، العدد 14.

([4]) أسباب النزول: بسّام الجمل، المركز الثقافيّ العربيّ، الطبعة الأولى، ص:57ـ58.

([5]) في قراءة النصّ الدينيّ، الشرفي، ص: 57.

([6]) الهادي الجلطاوي، قضايا اللغة في كتب التفسير، ص: 99، وص: 233.

([7]) محمّد عزّة دروزة، كتابه "القرآن المجيد"، وهو مقدّمة لتفسيره: "التفسير الحديث"، ص:217.

([8]) دراسات في علوم القرآن الكريم، د. فهد بن عبد الرومي، مكتبة التوبة, ط7، ص19.

([9]) تاريخ التراث العربيّ، فؤاد سزكين، م1ـ ج1ـ ص:177.

([10]) د. فهد بن عبد الرومي، م س، ص20.

 ([11])راجع رسالة النجف، العدد 14.

([12]) أسباب النزول: بسّام الجمل، المركز الثقافيّ العربيّ، الطبعة الأولى، ص62ـ 63.

([13]) عبد المجيد الشرفي، لُبُنات أو الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ص: 169، ومن هنا يظهر أهميّة أن تُتلقّى مثل هذه الأسباب عن معصوم دون غيره.

([14]) الواحدي، أسباب النزول،دار الجيل، ص:7.

([15]) محمّد عجينة، عمليّة تدوين التراث العربيّ الإسلاميّ، ص: 37.

([16]) بسّام الجمل، م س، 73.

([17]) كتاب القصّاص والمذكّرين، ط1، المكتب الإسلاميّ، بيروت، 1983، ص:175.

([18]) بسّام الجمل، م س، ص: 51ـ 56.

([19]) فرواية الصحابيّ أو التابعيّ لها لا يعني سقوطها عن درجة الاعتبار والحجيّة، فإنّها قد تكون مرويّة عن حسّ، كما أنّ بعضها سُلّم اعتباره بين المسلمين، أضف إلى أنّ قسماً منها قد وافقته روايات أهل البيت (عليهم السلام) ...، ولذلك بحثه الخاصّ في دراستنا إن شاء الله.

([20]) خاتمة الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطيّ، دار الفكر، ط1.

([21]) الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطيّ، دار الفكر، ط1, ج4، ص: 180ـ214ـ 257.

([22]) البرهان في تفسير القرآن: السيّد هاشم البحرانيّ، مؤسّسة البعثة، 1415هـ: 2، ص156، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب: محمّد هادي معرفة، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، ط1: ج1، ص180، وهذا لا يعني أنّ كلّ ما نُسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، فهو صادر عنهم، بل نعتقد بأنّه قد تسلّل الوضع إلى حديثهم: [حيث وجد الكذّابون من رفيع جاه آل الرسول ’ بين الأمّة ومواضع قبولهم من الخاصّة والعامّة، أرضًا خصبةً استثمروها لترويج أباطيلهم...](التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب: م ن:ج1، ص476).

([23]) راجع التفسير والمفسّرون: معرفة: ج1، ص181.

([24]) بسّام الجمل، م س، ص100.

([25]) لاحظ: المدخل إلى علوم القرآن والعلوم الإسلاميّة: د. محمّد أمين فرشوخ، دار الفكر العربيّ، ط1، ص153 و155.

([26]) الحديث في علوم القرآن والحديث: حسن أيوب، دار السلام، ص147.

([27]) كُتبت دراسات كثيرة حول دور التابعين في مجال أسباب النزول، ونحن نكتفي بإدراج ملاحظتين عامّتين، ونركّز البحث في دور أهل البيت (عليهم السلام) حيث لم نجد أيّ دراسة تعرّضت إلى دورهم في هذا الإطار.

([28]) أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص، د. عماد الدين الرشيد، دار الشهاب، ص105.

([29]) د. عماد الدين الرشيد، م ن، ص105.

([30]) الواحدي،م س، ص7.

([31]) بسّام الجمل، م س، ص83.

([32]) لاحظ كلام ابن عاشور، في مقدّمة تفسيره: التحرير والتنوير، كنموذج لذلك.

([33]) وذلك لطبيعة الظروف الموضوعيّة، التي حكمت حركة الأئمّة (عليهم السلام)

([34]) بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسيّ، مؤسّسة الوفاء، ط2، ج93 ص:9.

([35]) الأحزاب،4.

([36]) تفسير القمّي: أبو الحسن عليّ بن إبراهيم القمّي، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، ط3، 1404،ج‏2, ص172.

([37]) تفسير القمّي، م ن، ج‏2, ص309.

([38]) البقرة،97ـ98.

([39]) تفسير نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الهويزي، مؤسسة إسماعيليان، 1415، ج‏1, ص104.

([40]) المجادلة،10، راجع: تفسير نور الثقلين،م ن، ج‏5, 261، هود،12، راجع: تفسير القمّي، م ن،ج‏1، ص: 324، مريم،96، راجع: تفسير القمّي، م ن،ج‏2, ص56.

([41]) تفسير القمّي، م ن،ج‏2, ص31 .

 ([42])تفسير القمّي،م ن،ج‏2, ص450.

([43]) البيان في مباحث من علوم القرآن، الشيخ عبد المجيد غزلان، ص: 93.

([44]) بسّام الجمل، م س، ص75.

([45]) كتاب التفسير، محمّد بن مسعود العيّاشي(تفسير العيّاشي)، المطبعة العلميّة، 1380،ج‏1,ص10.

([46]) بصائر الدرجات: ص196،ح7.

([47]) تفسير العيّاشي, م ن، ج1, ص11.

([48]) إتقان البرهان في علوم القرآن، فضل عباس، دار الفرقان, ط1،ص237، وهو قريب ممّا يذكره الشيخ محمّد هادي معرفة: "وإذا كان القرآن ينزل نجوماً، وفي فترات متفاصلة بعضها عن بعض، ولمناسبات شتّى كانت تستدعي نزول آية أو آيات تعالج شأنها، فقد اصطلحوا على تسمية تلكم المناسبات بأسباب النزول أو شأن النزول على فرق بينهما..."( التمهيد في علوم القرآن: الشيخ محمّد هادي معرفة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، ط1: ج1، 241)، وراجع كلام د. شوّاخ: معجم مصنّفات القرآن الكريم: ج 6، ص127...

([49]) لاحظ: فضل عباس، م ن، ج1, ص 357، دراسات في علوم القرآن الكريم، د. فهد بن عبد الرومي، مكتبة التوبة, ط7، ص 134...

([50]) تفسير العياشي، ج‏1,ص10.

([51]) تفسير العياشي، ج‏1, ص 11.

([52]) الفرقان: 27.

([53]) نهج البيان عن كشف معاني القرآن: محمّد بن الحسن الشيباني، مخطوط، ص: 208.

([54]) بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: الشيخ محمّد تقي التستري، دار أمير كبير للنشر، ط1، ج5, ص63.

([55]) النور،6.

([56]) لباب النقول في أسباب النزول: جلال الدين السيوطيّ، عالم الكتب، ط1، 1422هـ، ص182. ولاحظ ما نقله الواحدي, م س، ص231.

([57]) الكافي، الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ، دار الكتب الإسلاميّة، ط3، ج6، ص163، ح4, وفي المقابل ما رواه السيوطيّ في لباب النقول: ص181 ـ 182.

([58]) تفسير العيّاشي، م س، ج1، ص98، ح270.

([59]) تفسير العيّاشي، م ن، ج1، ص183،ح82.

([60]) الكافي، م ن، ج1، ص226، ح1.

([61]) الكافي، م ن، ج8، ص200، ح242.

([62]) تفسير العيّاشي، م ن، ج2، ص306، ح132.

([63]) تفسير القمي, م س، ج2، ص 57.

([64]) تفسير القمي, م ن، ج‏2, ص351.

 

الإسهامات الفكرية لعلماء جبل عامل

في تطوير الحوزة العلمية في النجف الأشرف

الشيخ جعفر كوثراني

 

المدخل:

بحثنا محوره العلم وليس التأريخ، وإن كنّا لا نستغني عن التأريخ الذي هو مجمع الوقائع والأحداث، وظرف الإيقاع لمن سبقنا من الأجيال.

وقبل ولوج البحث لا بد من إحراز القصد وحسن النية لأنهما أساس العمل، بل هي خير منه كما جاء في الحديث الشريف، وبعد التأمل وجدت أن باب القربات لا ينحصر بل لا ينقطع، فمن باب العلم والعلماء وذكر آثارهم والاطلاع على أحوالهم وتعظيمًا للعلم رأيت البدء، وقد قال الله تعالى { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}([1])، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) "العلم وديعة الله في أرضه والعلماء أمناؤه عليه، فمن عمل بعلمه أدّى أمانته ومن لم يعمل كتب في ديوان الله تعالى أنه من الخائنين"([2]).

ونحن أمام سلف من علمائنا كانوا أبرز مصداق لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : "العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة".

بين جبل عامل والنجف الأشرف

جبل عامل المحدود في ترابه اللامحدود في طموح إنسانه، الذي طاول في قيمته قمم الجبال وناطح في طموح رجاله سحاب السماء، وليس من جزاف القول إذا ما أسميناه بـ"جبل العلياء". وفي إطلاله عابرة على تاريخ وماضي هذا الجبل الشموس النوراني المشعّ، نجده أنه بحق جبل العلم والعلماء، مرّ فيه رجال أحبّوا العلم وشمّروا عن ساعد الجد لكي تنكشف لهم الحقيقة، ويرتقوا إلى علياء المعرفة اليقينية، فحازوا الملكة الراسخة وفازوا بقصب السبق، لقد دخلوا إلى فضاء المعرفة من بوابة هذا الجبل الزاخر بالأدب والقيم، وهاجر قسم كبير منهم إلى حواضر العلم فدخل ميدان النجف العلمي رجال عامليون لا تلهيهم تجارة ولا يشغلهم شاغل عن مذاكرة العلم وشغف المعرفة.. حطّوا رحالهم فيها بعد أن كانت النجف عاصمة العلم الشيعية الأبرز ومجمعًا علميًا لا يستهان به، وقد شارك المهاجرون العامليون في تأسيس نهضة النجف العلمية عبر مختلف الحقب والأدوار التي مرّت بها جامعة النجف الأشرف وحوزتها الدينية، فأغنت الحركة العلمية فيها وأثرت معارفها وأدبياتها ومكتباتها بما صنّفوه من كتب حازت قصب السبق والجدارة في الحوزات وفرضت نفسها كتبًا دراسية لا لحوزة النجف فحسب بل لجميع الحوزات والمعاهد العلمية، كاللمعة للشهيد الأول وشرحها الروضة البهية للشهيد الثاني، وجامع المقاصد للكركي، وغيرها... فكان التأثير بالغًا حتى من الذين لم يقطنوا النجف الأشرف كالشهيدين والشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي، والشيخ الحر العاملي وغيرهم.

ولست هنا في مقام المبالغة أو الخطاب، بل لتقديم معلومة أو تصحيح فكرة أو إنارة منهجية أو إثارة رأي أو الدفاع عن حق معنوي فكري أو نقاش ودحض ما ليس واقعيًا.

وعليه لا بد من الوقوف على بدايات ظهور العلم والعلماء، والكشف على الجيل الأول العلمي الذي أنتجته أرض عاملة، ولا بد من معرفة الأوائل الذين هاجروا إلى النجف الأشرف وخصوصًا أن حوزة النجف تشكّلت في زمن الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه المتوفى بعد أواسط القرن الخامس الهجري سنة 460هـ، الذي هاجر إليها من بغداد ليضع اللبنة الأولى في جامعتها الدينية، وقد اجتمع حوله العلماء وطلاب المعرفة.

والذي يبدو لي أن حوزة النجف انكفأت قرنًا من الزمن إلى الحلة فظهرت المدرسة الحلية على يد مؤسسها ابن إدريس الحلي المتوفى في أواخر القرن السادس الهجري سنة 598هـ، ثم ظهر المحقق الحلي والسيد ابن طاووس والعلامة وفخر المحققين والسيد العميدي والفاضل المقداد السيوري وابن فهد وغيرهم كثر، فاستقطبت الحلة العلماء ورجال العلم وطلبته مدة زمنية مهمة، وكان لها عطاءات علمية مشعة، وكان الشهيد الأول قد شارك في جامعة الحلة فقصد العلامة فلم يدركه بل أدرك ولده الفخر الذي أجازه وقال عنه في إجازته له:"استفدت منه أكثر مما استفاد مني".

والذي ظهر لي من خلال عدة معطيات أن الحياة العلمية دبّت في النجف بعد انكفاء مدرسة الحلة، وعادت الحركة العلمية إلى النجف ولمع نجمها في أواخر القرن التاسع الهجري.

الهجرة إلى جبل عامل

وأما جبل عامل فلم تنكفئ فيه الحركة العلمية فقد امتاز بكثرة من نبغ فيه من الشعراء والعلماء وغيرهم، فمن القرن السادس الهجري (ولعله قبل ذلك)([3]) إلى عصرنا تجد أجيال العلماء تترا فيه ويظهر فيهم الفقهاء والشعراء والمؤلفون العدد الكثير الذي يفاخر به جبل عامل سائر الأقطار والأعصار ولم ينقطع منه العلم من ذلك الحين وعدد النابغين منهم بالنسبة إلى سكان هذا القطر أكثر بكثير من النابغين من غيرهم بالنسبة إلى سكان أقطارهم، وكثرت مؤلفاتهم في كل فنّ، وبلغ عدد طلاب مدرسة المحقق الميسي أربعمائة طالب، وكانت عيناثا وميس وجزين ومشغرة وجبع وكرك نوح وغيرها غاصّة بالمدارس وطلاب العلم، وتخرّج منها الألوف من أعاظم علماء الشيعة.

حتى صار جبل عامل مقصدًا للعلماء ورواد المعرفة، فقد هاجر إليه ناصر بن إبراهيم البويهي وقرأ في عيناثا على الشيخ ظهير الدين العاملي، وقصده المولى عبد الله التستري من علماء إيران الكبار، وحضر أحمد بن فهد الحلي الفقيه صاحب عدة الداعي إلى جزين، وغيرهم.

مؤلفات علماء جبل عامل

إن ما صنّفه علماء هذا الجبل يعد من أهم الكتب في فنونها وأوثق المصادر والمراجع للفقهاء والباحثين ورواد العلم والحقيقة، وشغلت بال المفكرين قرونًا ولا زالت مدار البحث والدرس والتدريس ككتاب الدروس الشرعية والذكرى والقواعد والفوائد للشهيد الأول، وجامع المقاصد للمحقق الكركي، والمسالك والروض للشهيد الثاني، واللمعة وشرحها الروضة للشهيدين، والمدارك للسيد محمد ابن السيد نور الدين، والمعالم للشيخ حسن بن الشهيد الثاني، وكتاب الوسائل للحر العاملي، وأكثر مؤلفات الشيخ البهائي، ومفتاح الكرامة للسيد محمد جواد العاملي.

كما أن أقوالهم ونظرياتهم وتنبهاتهم في المسائل العلمية الدقيقة لخفايا الأمور لا تزال موضع عناية لدى المحققين والفقهاء، وقد دارت على هذه الكتب لهؤلاء العظماء حوزة النجف الأشرف، بل كل المعاهد العلمية والحوزات الدينية للدراسات الجعفرية، وقد تنوّعت في الفقه والأصول واللغة والأدب والتفسير وعلوم القرآن والحديث والعقائد والفلسفة والمنطق، حتى في علم الهيئة والرياضيات كما أُثر عن الشهيد الثاني والشيخ البهائي ذلك، وليس من الجزاف إذا قلنا بأن إسهامات علماء جبل عامل في حوزة النجف كانت حتى من الذين لم يقطنوا النجف منهم.

وعلى سبيل المثال ألّف الشهيد الأول كتاب القواعد والفوائد "تأنيسًا للطلبة بكيفية استخراج المعقول من المنقول وتدريبًا لهم في اقتناص الفروع من الأصول" كما ذكر ذلك الفاضل المقداد السيوري أحد تلامذة الشهيد الأول&.

ولنأخذ أمثلة أخرى ممن جاء بعد الشهيد الأول ممن أثّر وأسهم في الدراسات الشرعية وشقّ طريقها في النجف الأشرف وغيرها من عواصم الشيعة العلمية، الشيخ علي الكركي العاملي المعروف بالمحقق الكركي والملقب بالمحقق الثاني المتوفى 940هـ في النجف الأشرف، فقد قضى بقية عمره بجوار أمير المؤمنين إلى أن دفن فيها &، وهو أول من نبّه على نظرية "الترتب" الأصولية، إذ هي من أدق نظريات علم الأصول ولا تزال موضع بحث وجدل عند العلماء والمحققين، فبعضهم يعتبرها من المحالات وآخرون يعدونها من البديهيات، وهي مسألة لا بد للمجتهدين من الوقوف عليها ومما يمكن أن يعتمد الفقهاء عليها في استنباط الأحكام الإسلامية، وفي فهم المواد الكبرى والقوانين الشريفة التي جاء بها النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله).

وللمحقق المذكور موسوعة "جامع المقاصد" الفقهية، طبعت مؤخرًا في أربعة عشر مجلدًا، وفيها تحقيقات وتدقيقات فتح فيها منهجًا جديدًا في البحوث الفقهية، فكان يشير إلى المسألة ثم يبيّنها ويحقّقها ويحقّق موضوعها ثم يعقد المقارنات والاستدلالات على الموقف الشرعي السليم، وصار هذا الكتاب موضع عناية الفقهاء أمثال الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر (أهم موسوعة فقهية استدلالية إلى يومنا المعاصر، وهو تلميذ السيد محمد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة)، والشيخ مرتضى الأنصاري كان لا يتخطى المحقق الكركي في أيّ مسألة تقريبًا من المسائل المبحوثة في كتابه الدراسي للسطوح العالية (المكاسب)، ومن المعروف في الحوزات العلمية أن طالب العلم بل المجتهد لا يتخرج حتى يدرس بعض كتب الشيخ الأنصاري والتي منها هذا الكتاب.

وعن صاحب الجواهر أنه قال: من كان عنده جامع المقاصد والوسائل والجواهر لا يحتاج بعدها إلى كتاب آخر للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعية.

وناهيك عن الشهيد الثاني (المتوفى سنة 966هـ) الذي بلغت مؤلفاته مائتي كتاب وهو أكثر علماء الشيعة ابتكارًا -على ما ذكر أستاذنا الشيخ الفقيه العاملي (قده)- وله تفوّق عظيم في العلوم الرياضية، وهو من أدخل الشرح المزجي في كتب الشيعة، وأول من ألف في علوم الحديث منهم. وأول من ناقش في الإجماع المنقول، وكتبه لها امتياز على ما يشاركها، فكتاب المسالك لا تستغني عنه مكتبة فقهية إذ هو موسوعة في بابها لا يستغني عنه مجتهد أو مراهق للاجتهاد.

والروضة شرحه على اللمعة الدمشقية للشهيد الأول (ره) يدرّس إلى اليوم في جامعات الشيعة الكبرى كالنجف الأشرف وقم وخراسان، فضلاً عن الحوزات العلمية في جبل عامل.

يقول الشيخ الفقيه (قده): كان الشهيد الثاني (ره) أول من هذّب الدرس ورتّب العلوم... ووضع فيها كتابًا وبرنامجًا للمعلم والمتعلم، وهو أول إمامي صنّف في الدراية فألّف البداية وشرح الدراية، وأٌثر عنه كرامات عديدة منها أنه كان يكتب في كل يوم كراسًا، وكان يغمس القلم في الدواة فيكتب في الغمسة الواحدة عشرين سطرًا أو ثلاثين، ولما استشهد رأى بعضهم أنواراً تتلألأ على جثمانه الشريف، وكانت أسفاره كلها إما في  طلب العلم أو الحج أو الزيارة([4]).

ومن الذين تركوا آثارًا قيمة لا زالت موضع حاجة واعتناء من قبل العلماء وطلبة العلم هو الشيخ حسين بن عبد الصمد المتوفى سنة 984 هـ، وهو يعتبر أول من استدل على حجية الاستصحاب بالروايات، ولا يخفى ما لمسألة الاستصحاب من أهمية في عملية الاستنباط الفقهي، وهي إحدى عناصر الاستدلال المهمة على تحديد الوظيفة العملية للمكلف أو الموقف الشرعي تجاه بعض القضايا التي هي محل ابتلاء المكلفين، والاستصحاب مسألة مترامية الأطراف ومتشعبة المباحث.

ومنهم الشيخ محمد حسن الحر العاملي المتوفى في سنة 1104 للهجرة الذي بات معروفًا في الأوساط العلمية بصاحب الوسائل، أي كتاب "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة" وهو من المجاميع الحديثية والروائية، إذ جمع فيه مؤلفه الشيخ الحر الحديث المروي عن المعصومين (عليهم السلام) في كل المسائل والقضايا، ورتّبها أفضل ترتيب بعد أن بوّبها فأحسن فيها التبويب، بحيث يسهل على الباحث تناول الكتاب والرجوع إلى أي خبر أراد، أو الوقوف على روايات وأحاديث أي مسألة أراد أن يعرف حكمها، وما ورد فيها عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

وهذا الكتاب لا يستغني عنه فقيه مجتهد أو عالم فاضل أو باحث عن حقيقة أي حكم شرعي من طريق الأخبار الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، وفي هذا الكتاب عمدة ما يعتمده الشيعة من الأحاديث الشريفة في فروع دينهم -وأغنى بذلك عن مراجعة الكتب الكثيرة- وقد استغرق في تأليفها عشرين سنة جامعًا فيها أكثر من مائة وأربعة وتسعين كتابًا.

ومن هؤلاء العامليين السيد جواد العاملي المتوفى سنة 1226 للهجرة، ويقال له محمد الجواد المعروف بصاحب مفتاح الكرامة، ويعدّ أول من خصّص كتابًا لجمع أقوال العلماء في كل مسألة أي موسوعة فقهية كاملة، كان الغرض من ذلك تسهيل الأمر على الطلاب والعلماء في مراجعة المسائل الفقهية والوقوف على الآراء، بعد أن استقرأ فيها جميع الآراء الفقهية في كل مسألة، قال عنه في الأعيان:"عالمًا فقيهًا أصوليًا محققًا مدققًا، وهو أستاذ صاحب الجواهر الذي استفاد من كتابه مفتاح الكرامة وكان أعظم معين له في تصنيف كتاب الجواهر" ... وغيرهم كثر.

هذه نماذج ذكرناها وكان الغرض من ذلك ذكر العلماء للاطلاع على أحوالهم وتعظيمًا للعلم وأداء بعض ما لهم من حق علينا، عسى أن يكون ذلك حافزًا لنا في الاقتداء بهذا السلف الصالح في إصلاح النفس وتزكيتها وحثّها على نيل الفضائل والسجايا الخلقية والترقي العلمي.

وختامًا، لا بد من القول بأن التأثير إذا ثبت في حوزة النجف الأشرف من قبل علماء جبل عامل، فهذا لا يعني اقتصار تأثيرهم فيها، بل يعمّ الحوزات الأخرى، لأن حوزة النجف هي الجامعة المحور للمعاهد الدينية والحوزات العلمية، فما يقرر فيها يصبح المنهج والمحتذى، وبالتالي يكون لعلماء جبل عامل ممن ذكرنا وغيرهم فضل المشاركة وبجدارة في رسم مناهج وفكر الحوزات العلمية والمعاهد الدينية، والتالي نشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وتعاليمهم المعروف بالمذهب الجعفري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

([1]) المجادلة من الآية 11.

([2]) الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة، الشهيد الأول، طبع مشهد 1365هـ.

([3]) لأنه لا يمكن وجود علماء بهذا المستوى وغيره من دون تواصل علمي سابق مع فرض عدم وجود هجرة إلى خارج جبل عامل في حينها. 

([4]) نقلا عن كتاب جبل عامل في التاريخ، الشيخ محمد تقي الفقيه (قده) ص94-97.

 

 

ذبائح غير المسلمين

بين الحرمة والحلية(*)

الشيخ حاتم إسماعيل

الذبح –بحسب الظاهر- عبارة عن إزهاق روح الحيوان بطريقة خاصة لغرض أكله، وقد أجمعت الأديان السماوية على حلية أكل اللحم بتوسط الذبح، فلو أزهقت حياة الحيوان بغير فري الأوداج وخروج الدم فلا يحل أكله.

وهذا متفرع على حرمة أكل الدم في كافة الشرائع السماوية كذلك، بل لقد وردت نصوص صريحة في كل من الكتاب المقدس والقرآن الكريم تدل على حرمة أكل الدم.

ذباحة الوثني والمشرك

لا خلاف بين أحد من المسلمين في حرمة ذبيحة غير الكتابي من غير المسلمين، وأما الكتابيين فقد ذهب غير الإمامية إلى حلية ذبائحهم إجمالا، وان اختلفوا في بعض الشرائط والصور المحللة([1]).

وأما علماء الإمامية فقد اختلفوا في ذبيحة الكتابي إلى ثلاثة أقوال:

الأول: الحرمة مطلقًا، وهو المشهور شهرة عظيمة، وكاد يكون إجماعيًا بين المتأخرين.

الثاني: الحلية مطلقًا، وهو ما ذهب إليه جمع من العلماء، منهم ابن أبي عقيل وابن الجنيد والشهيد الثاني ومال إليه صاحب الرياض.

الثالث: الحلية المشروطة، بأن يسمع الكتابي يذبح وقد سمى على الذبيحة، وهو ما ذهب إليه الشيخ الصدوق.

هذا بالنسبة إلى اليهود والنصارى، وأما المجوس فقد وقع الخلاف في إلحاقهم بأهل الكتاب وعدمه، وعليه فيكون حكم ذبائح المجوس تابعًا لما يختاره الفقيه فيهم، أي أن من ألحقهم بأهل الكتاب قال فيهم بما يقوله في الكتابيين، ومن ألحقهم بغيرهم حكم فيهم بحرمة ذبائحهم مطلقًا.

مستند الأقوال

وقد استدل لكل من الأقوال الثلاثة بالكتاب والسنة.

مستند القول بالحرمة

أما القول الأول، أي الحرمة، فقد استدل له بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}([2]).

وتقرير الاستدلال بها أن أهل الكتاب لا يذكرون اسم الله تعالى على ذبائحهم فتكون محرمة بنص الآية الشريفة.

وقد يقال بأن أهل الكتاب لو ذكروا اسم الله على الذبيحة كانت حلالاً بذلك.

وأجاب المشهور على ذلك بأن النصارى إنما يذكرون الله الذي له ابن وهو المسيح، واليهود يذكرون الله الذي ابنه عزير، وهو كاشف عن أنه غير الله تعالى وتقدس، ومعنى ذلك أن ذكره كعدمه، فلا يفيد في رفع التحريم.

بل لقد ورد في بعض الروايات أنهم يقولون باسم المسيح, من قبيل رواية حنان بن سدير قال: "قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الحسين بن المنذر روى لنا عنك أنك قلت إن الذبيحة اسم ولا يؤمن عليها إلا أهلها, فقال: إنهم أحدثوا فيها شيئا لا أشتهيه. قال حنان: فسألت نصرانيًا فقلت له أي شيء تقولون إذا ذبحتم, قال نقول باسم المسيح"([3]).

ولكن هذا الاستدلال غير تام، لأن صريح الآية الشريفة منصب على ما لم يذكر اسم الله عليه. وأما إذا ذكر اسم الله عليه فإنه يحل بحسب مفهوم الآية. وذلك ما تقتضيه الآية الشريفة، سواء كان الذابح مسلمًا أم كافرًا.

وأما أن المسيح أو عزير ابنه تعالى عن ذلك فهي شبهة نشأت من الخارج، وليس لها تأثير في أصل التسمية ولا في ذاته تعالى. خصوصًا وأن الكتابي مقر بالله تعالى، وهذه الشبهات التي ابتلي بها لا تقتضي إنكار الله تعالى ولا تخرجه عن أصل الإقرار به تعالى.

ويؤيده ما ورد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: "سألته عن ذبيحة اليهود والنصارى هل تحل؟ قال: كل ما ذكر اسم الله عليه"([4]).

وما رواه معاوية بن وهب قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح أهل الكتاب فقال: لا بأس إذا ذكروا اسم الله ولكن أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى (عليهما السلام) ([5]).

وقد علق صاحب الوسائل (ره) على هذه الرواية بأنها محمولة على الإتيان بالتسمية الصحيحة وهي لا تجامع الشرك.

إلا أن هذا التعليق في غير محله بحسب الظاهر لأن من المعلوم أن جميع اليهود والنصارى في عصره (صلى الله عليه وآله) قد خالفوا أمر موسى وعيسى (عليهما السلام) فلا يبقى أي معنى لهذه الرواية.

ويؤيده ما ورد عن أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة اليهودي, فقال حلال, قلت: وان سمى المسيح, قال: وان سمى المسيح فإنه إنما يريد الله"([6]).

وقد استدل للتحريم أيضا بجملة من الروايات المستفيضة بل كادت تكون متواترة -حسب تعبير صاحب الرياض (رحمه الله) وإن نفى صاحب الجواهر (رحمه الله)  تواترها بالمعنى المصطلح، إلا أنه قال إن مضمونها مقطوع([7])- من قبيل ما ورد في الصحيح عن شعيب العقرقوفي قال:" كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) معنا أبو بصير وأناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب فقال لهم أبو عبد الله (عليه السلام) قد سمعتم ما قال الله عز وجل في كتابه، فقالوا نحب أن تخبرنا فقال لهم: لا تأكلوها"([8]).

وصحيحة قتيبة الأعشى قال: "سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده فقال له: الغنم يرسل فيها اليهودي والنصراني، فتعرض فيها العارضة فيذبح، أتأكل ذبيحته؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تدخل ثمنها مالك ولا تأكلها، فإنما هو الاسم ولا يؤمن عليه إلا مسلم، فقال له الرجل: قال الله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) كان أبي يقول إنما هي الحبوب وأشباهها"([9]).

قال في الرياض: "وهو ظاهر في التحريم، لكون النهي حقيقة فيه. مضافًا إلى شهادة السياق من حيث فهم الراوي إياه. ولذا عارضه بالآية المتضمنة للحلية الغير المنافية للكراهة، مع تقرير المعصوم له على فهمه وجوابه له بما أجابه"([10]).

لكن هذا الاستدلال غير تام بدوره أيضا، وذلك:

أما الرواية الأولى فإنها غير ظاهرة في التحريم، لأن الإمام (عليه السلام) قد أرجعهم إلى الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، فمرجعها إلى الملاك المذكور في الآية وهو التسمية، فيكون النهي عن أكلها ناظرًا إلى عدم الاطمئنان إلى التسمية.

ويؤيده ما ورد في جملة من الروايات أن الذبيحة هي الاسم، من قبيل ما ورد عن الحسين الأحمسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "هو الاسم ولا يؤمن عليه إلا المسلم"([11]).

وما ورد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب، قال: فقال: والله ما يأكلون ذبايحكم فكيف تستحلون أن تأكلوا ذبائحهم، إنما هو الاسم ولا يؤتمن عليه إلا مسلم"([12]).

وما ورد عن قتيبة الأعشى قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى، فقال: الذبيحة اسم ولا يؤمن على الاسم إلا مسلم"([13]).

أما الرواية الثانية فهي غير ظاهرة في التحريم أيضًا، بل هي في الدلالة على الحل أظهر، وذلك أنها صريحة في الدلالة على أن الذبيحة الاسم، فيكون ملاك النهي فيها عدم الاطمئنان لتحقق التسمية.

وأما السياق الذي استشهد به صاحب الرياض (رحمه الله)  فلا دلالة فيه على التحريم أيضًا، لأن الراوي استشكل بالآية الدالة على حلية طعام أهل الكتاب، وهو أعم من أن يكون الذابح قد سمى أم لم يسم على الذبيحة، أي أن الحلية ثابتة في أصل طعامهم، أما الشروط المعتبرة وغير المعتبرة فأمر آخر، لا يطال أصل الحلية.

وبعبارة أخرى، إن جواب الإمام (عليه السلام) ناظر إلى عدم الاطمئنان إلى التسمية، وسؤال الراوي غير ناظر إلى هذه الجهة بل إلى أصل الحل في الآية الشريفة.

وأما جواب الإمام (عليه السلام) فهو ناظر إلى الأعم الأغلب في الطعام، وإلا فلفظ الطعام عام للحبوب والذبائح. خصوصًا وأن الحبوب وأشباهها ليس لها أية خصوصية، إذ من المعلوم جواز أخذها من المشركين، فضلاً عن أهل الكتاب, فيكون تخصيصه (عليه السلام) طعام الذين أونوا الكتاب بالحبوب وأشباهها ناظرا إلى عدم اشتراط التسمية فيها.

وهكذا الحال في سائر الروايات، فإن الصحيح منها غير ظاهر في التحريم، وأما غيره فحاله معلوم. فلا يتم ما ذكره في الرياض من أنه منجبر بعمل الأكثر، إذ من غير المعلوم استنادهم إليه في المنع، خصوصًا بعد استدلالهم بالروايات الصحيحة.

يضاف إلى ذلك معارضتها بالروايات المستفيضة الدالة على الحل.

مستند القول بالحلية المطلقة

وأما القائلون بحلية ذبائح أهل الكتاب فقد استدلوا أيضا بالكتاب والسنة.

أما الكتاب فهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}([14]).

ودلالة هذه الآية الشريفة على الحل ظاهرة على بعض الاحتمالات، وذلك لأن المراد بطعام أهل الكتاب لا يخلو أن يكون المراد به مطلق الطعام فيكون شاملاً للحم. أو يكون المراد به خصوص اللحم، كما ذهب إليه بعض المفسرين فتكون نصًا في المطلوب. أو يكون المراد به ما عدا اللحم كالحبوب وأشباهها كما ربما يؤيد هذا الاحتمال صحيحة قتيبة الأعشى المتقدمة، فتكون الآية الشريفة خارجة عن محل البحث.

أما الاحتمال الثالث فغير وارد إذ قد تقدم ما فيه حين الحديث عن الرواية الشريفة، فيكون الأمر دائرًا بين الاحتمالين الأولين، وكلاهما يدل على الحلية.

وأما السنة، فقد استدل بكثير من الروايات الدالة على حلية ذبائح أهل الكتاب، وقد وصفها صاحب الرياض بأنها مستفيضة أيضًا.

منها: ما ورد من أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أهدته امرأة يهودية (وهي زوجة عبد الله بن مسلم) شاة مسمومة ومعه بشر بن البراء بن عازب فأكل بشر منها فمات، وأكل النبي (صلى الله عليه وآله) منها فبقي يعاوده ألمه في كل أوان إلى أن مات منه (صلى الله عليه وآله).

وقد وصفه في المسالك بأنه مستفيض أو متواتر، ولا إشكال في أن أكل النبي من الشاة المهداة من امرأة يهودية دليل على حلية ذبائح أهل الكتاب وهو ظاهر.

إلا أن الشيخ البهائي نسب تواتره إلى المذاهب الأخرى غير الإمامية، وأجاب عنه بقوله: "إن الرواية لم يثبت عندنا صحتها فضلا عن تواترها، وعلى تقدير صحتها فاحتمال علمه (صلى الله عليه وآله) بشراء تلك اليهودية ذلك اللحم من جزار مسلم بإخبار أحد من الصحابة أو بإلهام ونحوه قائم"([15]).

إلا أن هذا الجواب غير تام، بعد شهادة الشهيد الثاني بتواتره أو استفاضته، خصوصا وأنها وردت في كثير من مصادرنا ومصادر العامة على السواء.

وأما الاحتمال الذي أورده (رحمه الله)  فهو مجرد احتمال عقلي لا يساعد عليه ظاهر الحديث، ومن المعلوم أن الأحكام لا تبنى على مجرد الاحتمالات العقلية ما لم تقم عليها قرائن لفظية في نصوص الأحاديث الشريفة، وهذا ظاهر.

نعم قد ورد في قرب الإسناد -بسند صحيح- أنه (صلى الله عليه وآله) "تناول الذراع فلاكها ولفظها، وقال إنها لتخبرني أنها مسمومة"([16]).

ومن الروايات الدالة على حلية ذبائح أهل الكتاب، صحيحة الحلبي، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب ونسائهم، فقال: لا بأس به"([17]).

ورواية سعد بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن عيسى، قال: "سألت الرضا(عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى وطعامهم، فقال نعم"([18]).

وهذه الرواية صحيحة على الأقوى لأن الشيخ رواها بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن سعد، وطريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى صحيح. وأحمد بن محمد بن عيسى هو الذي أخرج أحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم لروايته عن الضعفاء، فمن غير المحتمل أن يروي عن الضعفاء وينفي غيره -وهو ثقة- لذلك. كما أنه أخرج سهل بن زياد الادمي من قم إلى الري بعدما شهد عليه بالغلو والكذب، فلا يحتمل أن لا يطيق وجود ضعيف بقم وهو يروي عن الضعفاء، وهذا ظاهر.

فتكون روايته عن سعد وأبيه شهادة بوثاقتهما، فلا يقدح فيها عدم توثيقهما في كتب الرجال.

وكيف كان، فالنصوص الدالة على حلية ذبائحهم مطلقًا مستفيضة هي الأخرى، كما شهد به في الرياض.

مستند القول بالحلية المشروطة

وأما الحلية المشروطة، التي ذهب إليها الشيخ الصدوق (رحمه الله) ، فقد دلت عليها روايات مستفيضة هي الأخرى، كما شهد به صاحب الرياض (رحمه الله)  أيضا([19]).

منها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنهما قالا في ذبائح أهل الكتاب: "فإذا شهدتموهم وقد سموا فكلوا ذبائحهم، وإن لم تشهدوهم فلا تأكلوا، وان أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سموا فكل"([20]).

وصحيحة زرارة عن حمران، قال: "سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في ذبيحة الناصب واليهودي والنصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، فقلت: المجوسي، فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم الله، أما سمعت قول الله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"([21]).

طريق الجمع بين الروايات

بعد ثبوت الاستفاضة بين الطوائف الثلاثة من الروايات، مع وجود الصحيح في كل منها، لا بد من علاج التعارض بينها على فرض ثبوته.

فقد ذهب المشهور إلى عدم إمكان الجمع بينها، استنادًا إلى قوة روايات الطائفة الأولى الدالة على حرمة ذبائحهم مطلقًا، وكثرتها من الناحية العددية، التي تقرب من حد التواتر، والمعتضدة بعمل المشهور، فإنه لا بد من طرح الطائفتين الأخريين.

إلا أن الظاهر أنه لا مجال للمصير إلى هذا القول على إطلاقه، خصوصًا بعد استفاضة, أو تواتر، الروايات الدالة على أن الذبيحة هي الاسم، وهي من هذه الطائفة بالذات, فيكون مدار حلية الذبيحة وحرمتها على التسمية، فيتوجه النهي عنها حينئذ إلى ما لم يحرز التسمية عليه.

وعليه فلا مجال للقول باعتضاد روايات التحريم بالشهرة، لعدم ندرة القائل بالحلية المطلقة كما شهد به المحقق الحلي (رحمه الله)  في الشرائع، وإن كان القول بالتحريم أشهر. مضافا إلى أن هذه الشهرة معلومة الاستناد إلى روايات التحريم نفسها.

بل إن روايات الحلية المشروطة تكون قرينة للجمع بين الطائفتين، لو فرض ثبوت التعارض بينهما، وهو ما مال إليه في الرياض، بل جزم به، ووصفه بأنه في غاية القوة، لولا قوة روايات التحريم بحسب ما أفاده (رحمه الله)  ([22]).

إلا أن هناك بعض الروايات صريحة في التحريم سواء سمى أم لم يسم، من قبيل رواية زيد الشحام، قال: "سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة الذمي، فقال: لا تأكله إن سمى وان لم يسم"([23]).

ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "سألته عن نصارى العرب أتؤكل ذبائحهم، قال كان علي (عليه السلام) ينهى عن ذبائحهم وعن صيدهم ومناكحتهم"([24]).

والجواب أن الرواية الأولى ضعيفة السند لأن فيه مفضل بن صالح وهو معروف بالكذب، فلا يمكن الاستناد إليها.

إلا أن هذه الرواية وردت بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) ([25]).

ولكن هذا النهي لا يمكن حمله على التحريم, بعد ثبوت روايات الحل, فلا بد من حملها على الكراهة والتنزيه والمعاملة بالمثل, بقرينة الرواية المتقدمة عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب، فقال: والله ما يأكلون ذبائحكم، فكيف تستحلون أن تأكلوا ذبائحهم".

وما حصل بين ابن أبي يعفور ومعلى بن خنيس، حيث كانا في سفر فأكل أحدهما ذبيحة اليهود والنصارى وأبى الآخر عن أكلها فاجتمعا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأخبراه فقال:"أيكما الذي أباه، فقال أنا، فقال : أحسنت".

وهي ظاهرة في عدم التحريم حيث استحسن (عليه السلام) ما فعله الممتنع عن الأكل، ولم يخطىء الآكل، مما يدل على مجرد التنزيه.

ولكن هذه الرواية وردت بصورة أخرى وهي: "أنهما كانا بالنيل على عهد أبي عبد الله (عليه السلام) فاختلفا في ذبائح اليهود، فأكل المعلى ولم يأكل ابن أبي يعفور، فلما صارا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أخبراه، فرضي بفعل ابن أبي يعفور وخطأ المعلى في أكله إياه".

إلا أن من الظاهر أن التعبير بالتخطئة من اجتهاد الراوي وفهمه، بخلاف الرواية الأولى فإنها صريحة في نقل كلام الإمام (عليه السلام)، أي "أحسنت".

وعلى كل حال فالرواية ضعيفة بكلا الطريقين.

وأما الرواية الثانية فلا يصح الاستناد إليها أيضًا، لأنها إضافة إلى ضعف سندها بسهل بن زياد، فإنها خاصة بنصارى العرب، مما يدل على أن لهم حكمًا خاصًا بهم، بعد الفراغ عن حكم أهل الكتاب، وهو مشعر بالحلية في غير ذبائح نصارى العرب من أهل الكتاب. والوجه فيه أن هناك رواية عن علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)، قال: "سألته عن ذبائح نصارى العرب، قال: ليس هم بأهل كتاب ولا تحل ذبائحهم"([26]).

وذكر الشهيد الثاني (رحمه الله) ، في وجه تخصيص نصارى العرب بالحكم، بقوله: "إن تنصرهم وقع في الإسلام فلا يقبل منهم، كما ورد في روايات كثيرة"، وذكر بعضها([27]).

ولكن الروايات التي ذكرها لا تدل على الوجه الذي ذكره (رحمه الله)  من أنهم تنصروا في الإسلام، بل إن من المعلوم أن تنصر بعضهم كان قبل الإسلام، وغاية ما تدل عليه الروايات المذكورة هو أنهم مشركو العرب لا أكثر.

وهي وان كانت مشعرة بأن سبب اتصافهم بالشرك هو نصرانيتهم، مما يعني سريان الحكم إلى جميع النصارى، إلا أنه لا مجال لمثل هذا الحمل بعد استفاضة الروايات الدالة على خلاف ذلك، كما أن من المعلوم اختصاصهم بأحكام خاصة في الإسلام، ولو كانوا ملحقين بالمشركين لم يكن للخلاف في حكمهم أي معنى.

والظاهر أن السبب في تخصيصهم بالذكر، ونفي كونهم من أهل الكتاب، والحكم بأنهم مشركون، هو أنهم لم يكونوا مقصودين بدعوة السيد المسيح (عليه السلام) الخاصة ببني إسرائيل كما هو صريح في القرآن الكريم والأناجيل التي يقدسها المسيحيون أنفسهم، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فقد ألقيت الحجة على نصارى العرب عمومًا مع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في قضية المباهلة مع نصارى نجران، بحيث قطعت حجتهم في التنصر، خصوصًا وأن تنصرهم ليس مستندا إلى نصوص دينية، كما يشير إليه عدم وجود ترجمات عربية للأناجيل في زمان النبي (صلى الله عليه وآله), وعدم معرفة أحد من العرب باللغة اليونانية أو الآرامية, التي كتبت أو يفترض أنها كتبت بها.

وعليه، فلا بد من حمل الراويات الناهية عن ذبائح اليهود والنصارى، سواء سمى أم لم يسم على إرادة نصارى العرب.

ويدل عليه ما ورد في صحيحة الحلبي، حيث فرقت في الحكم بين نصارى العرب وغيرهم من أهل الكتاب، قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح نصارى العرب هل تؤكل، فقال: كان علي ينهاهم عن أكل ذبايحهم وصيدهم، وقال: لا يذبح لك يهودي ولا نصراني أضحيتك"([28]).

فقد بين (عليه السلام) أن ذبائح نصارى العرب لا يحل أكلها، وأما اليهود والنصارى فلا يحل أن يذبحوا للمسلم أضحيته، وهذا حكم آخر لا علاقة له بالذباحة والتذكية، ووردت في النهي عن ذباحة اليهود والنصارى أضاحي المسلمين روايات أخرى أيضًا.

روايات الحل والتقية

إلا أن المشهور قد حملوا روايات الحل على التقية، قال في الجواهر: "ومن المعلوم أن هذه النصوص بين الإمامية، كالنصوص الدالة على طهارة سؤرهم ونحوها مما هو معلوم خروجها مخرج التقية، كما أومأ إليه خبر بشير بن أبي غيلان الشيباني: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والنصاب، قال: فلوى شدقه، وقال كلها إلى يوم ما([29]).

ولا يخفى على من رزقه الله فهم اللحن في القول أن هذا الاختلاف منهم في الجواب ليس إلا لها"([30]).

والجواب أنه إنما يصار إلى الحمل على التقية في ما إذا تعارضت الأخبار تعارضًا مستقرًا، على نحو لم يمكن الجمع بينها، وقد تقدم عدم تمامية ذلك.

هذا مع أن أحدًا من علماء المذاهب الأخرى غير الإمامية لم يشترط سماع التسمية من الكتابيين، بل هم بين قائل بعدم اشتراطها أصلاً كما عليه المالكية، وبين مشترط لها في حال حضور المسلم على الذبح، وإلا فهي حلال كما عليه غيرهم.

وعلى العموم فهم يشترطون أن لا يهل بها لغير الله تعالى ولو للمسيح (عليه السلام).

وأما الخبر المشار إليه فإنه ضعيف جدًا من ناحية السند، فلا يمكن التمسك به، ولا الاستناد إليه.

وأما قوله (ره) : إن الاختلاف منهم (عليهم السلام) في الجواب ليس إلا للتقية فغير ظاهر، بعد ثبوت الاختلاف الشديد بين مذاهب العامة في شروط الحلية، والتي تقارب النية وعقد القلب فيما بينهم، وفي مثله لا معنى للحمل على التقية أصلاً، خصوصًا بعد ثبوت عدم حرمتها في الكتاب الكريم.

استدلالات أخرى

وقد استدل لكل من الحرمة والحلية بأدلة أخرى غير الكتاب والسنة:

فقد استدل للحرمة بأن استحلال ذبائحهم ركون إلى الذين ظلموا، إذ من المعلوم أن الكفر والشرك من أكبر الظلم، فيكون مشمولا لقوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}([31]).

وانه نوع استئمان والكافر ليس محلا للأمانة، وبأن للذباحة شرائط مخصوصة فلا يصح الاستناد في حصولها إلى الكافر([32]).

والجواب عن هذه الوجوه -كما في المسالك- بأن هذه الوجوه مشتركة بين الكافر والمسلم، فإن المسلم الظالم داخل تحت الآية الشريفة، كما أن المسلم الفاسق ليس محلاً للأمانة فلا يصح ائتمانه، كما لا يصح الاستناد إليه في تحقق الشرائط المخصوصة للذبح. ومع أنه لا قائل بعدم حلية ذبيحة المسلم الفاسق ما لم يعلم إخلاله بالتسمية أو بغيرها من شرائط الذبح.

فيعلم من كل ذلك أن حيثية الذباحة مغايرة لحيثية الإخلاد إلى الذين ظلموا، فلا يتم الاستدلال.

وأما القائلون بالحلية فقد استدلوا بأصالة الإباحة إلى أن يثبت الحظر، قال الشهيد الثاني (رحمه الله)  تعليقًا عليه: "ولم يظهر من أدلة المانع ما يقيده"([33]).

إلا أنه لا بد من تقييده، بعد ما سمعت من الأدلة الواردة في اشتراط سماع التسمية، وان كان الأصل غير مقيد بعد ورود الأدلة اللفظية كما هو معلوم.

والمتحصل أن ذبيحة الكافر الكتابي يحل أكلها إذا سمى الكتابي عليها وسمعه المسلم، كما ذهب إليه الشيخ الصدوق (رحمه الله)  خلافًا للمشهور.

ذبيحة المجوسي

أشرنا في صدر البحث إلى أنه قد وقع الخلاف بين الفقهاء في ذبيحة المجوسي، فذهب بعضهم إلى الحلية، وذهب المشهور إلى حرمتها مطلقًا، وأن ترجيح أحد القولين تابع لإلحاقهم بأهل الكتاب أو بالمشركين، إذ مسألة الذباحة متفرعة على الحكم فيهم.

والروايات في ذبيحة المجوسي متعارضة أيضًا, فهي بين دالة على حرمة ذبيحته, وأخرى ودالة على حليتها:

فمما دل على حرمة ذبائحهم ما رواه الحسين بن المنذر قال: "قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نتكارى مع هؤلاء الأكراد في قطاع الغنم وإنما هم عبدة النيران وأشباه ذلك، فتسقط العارضة فيذبحونها ويبيعونها، فقال ما أحب أن تجعله في مالك إنما الذبيحة اسم ولا يؤمن على الاسم إلا مسلم"([34]).

ولكن الحكم فيها معلل بأن الذبيحة اسم، وليس التحريم فيها مطلقًا، إضافة لضعف سندها لمحمد بن سنان، والحسين بن منذر على المشهور.

وما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "لا يذبح أضحيتك يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، وان كانت امرأة فلتذبح لنفسها"([35]).

وهذه الرواية صحيحة السند إلا أنها غير ظاهرة الدلالة على حرمة الذباحة، لاختصاصها بذبح الأضحية فلا تشمل المقام.

وما رواه الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه، أن عليا (عليه السلام) كان يقول: "كلوا من طعام المجوسي، ما خلا ذبائحهم فإنها لا تحل وان ذكروا اسم الله عليها"([36]).

وهذه الرواية تامة من حيث السند والدلالة على الحرمة.

ومما يدل على حلية ذبائح المجوس إن سمّوا صحيحة جميل ومحمد بن حمران أنهما سألا أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمون، فقال: فإن حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا، وقال: إذا غاب فكل"([37]).

ورواية الورد بن زيد قال: "قلت لأبي جعفر (عليه السلام) حدثني حديثًا وأمله علي حتى أكتبه، فقال أين حفظكم يا أهل الكوفة، قال: قلت: حتى لا يرده علي أحد، ما تقول في مجوسي قال: بسم الله ثم ذبح، فقال: كل، قلت: مسلم ذبح ولم يسم، فقال: لا تأكله إن الله يقول فكلوا مما ذكر اسم الله عليه, ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"([38]).

ورواية حريز قال: "سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: إذا سمعتهم يسمون وشهد لك من رآهم يسمون فكل، وان لم تسمعهم ولم يشهد عندك من رآهم يسمون فلا تأكل ذبيحتهم"([39]).

الجمع بين الأخبار

من الظاهر أن روايات التحريم المتقدمة لا تصلح لمعارضة روايات التحليل، لأنها إما غير تامة الدلالة أو غير تامة السند، باستثناء رواية الحسين بن علوان فإنها تصلح للمعارضة.

إلا أنه لا بد من حملها على الكراهة والتنزيه، لأن روايات التحليل موافقة لكتاب الله تعالى، الدال على جواز كل ما ذكر اسم الله عليه وحرمة ما لم يذكر اسم الله عليه.

ويدل عليه رواية الورد بن زيد المصرحة بأن التسمية هي الملاك، بحيث لو ذبح المسلم ولم يسم حرمت، ولو ذبح المجوسي وسمى حلت الذبيحة.

ولكن هذه النتيجة، تستلزم حلية ذبيحة المشرك لو ذكر اسم الله عليها، وهو ما ذهب إليه بعض المعاصرين([40])، واعترف به في الجواهر ولذلك جعل التعليل الوارد حكمة، حيث قال: "بل قد يستفاد من ذلك أن هذا حكمة لا تعليل يدور الحكم مداره، وإلا ثبت حتى في المشرك إذا سمى، ولم يقل به أحد"([41]).

ويدل على هذه النتيجة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "كل ذبيحة المشرك إذا ذكر اسم الله عليها وأنت تسمع، ولا تأكل ذبيحة نصارى العرب"([42]).

إلا أنه لا بد من تقييد هذه النتيجة وحصرها بالكتابي، لقيام إجماع المسلمين قاطبة على حرمة ذبيحة المشرك والوثني، كما صرح به الجزري([43])، والشهيد([44])، وتقدم عن الجواهر. والله تعالى أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لا بد قبل البدء من التنبيه إلى أن هذا البحث بحث علمي خالص، وإلا فإن فتاوى المراجع العظام دامت بركاتهم الذين يجب الرجوع إليهم في الفتوى تشترط الإسلام في الذابح

([1]) يلاحظ: الفقه على المذاهب الأربعة: ج2, 21-23 ؛ وفقه السنة: 3, ص251, وإن نسب الشيخ البهائي (رحمه الله)  إلى الحنابلة القول بالحرمة مطلقًا.

([2]) سورة الأنعام، من الآية:121.

([3]) الوسائل, ج16, ص280, باب 26 من أبواب حرمة ذبائح أهل الكتاب وغيرهم, ح3.

([4]) الوسائل، ج16، ص285، باب27 تحريم ذبائح الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ح14.

([5]) نفس المصدر، ص284، ح11.

([6]) الوسائل, ج 16, ص 289, باب 27 من أبواب حرمة ذبائح أهل الكتاب وغيرهم, ح36

([7]) جواهر الكلام, ج36, ص80.

([8]) نفس المصدر السابق، ح25.

([9]) الوسائل، ج16، باب 26 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ص279، ح1.

([10]) رياض المسائل:، ج13، ص304.

([11]) الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح10.

1. الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح24.

2. الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح8.

([14]) سورة المائدة، من الآية: 5.

([15]) حرمة ذبائح أهل الكتاب، ص73.

([16]) قرب الإسناد، ص 326.

([17]) الوسائل، ج16، ص289، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح34.

([18]) الوسائل، ج16، ص290، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح41.

([19]) رياض المسائل، ج13، ص308.

([20]) الوسائل، ج16، ص290، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح38.

([21]) الوسائل، ج16، ص288، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح31.

([22]) رياض المسائل، ج13، ص309.

([23]) الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح5.

([24]) الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح6.

([25]) الوسائل، ج16، ص283، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح23.

([26]) الوسائل، ج16، ص285، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح15.

([27]) المسالك، ج11، ص457.

([28]) الوسائل، ج16، ص286، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح19.

([29]) الوسائل، ج16، ص288، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح28.

([30]) جواهر الكلام، ج36، ص80.

([31]) سورة هود، من الآية:113.

([32]) مسالك الإفهام، ج11، ص454.

([33]) المسالك، ج11، ص462.

([34]) الوسائل، ج16، ص281، باب 26 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح7.

([35]) الوسائل، ج16، ص276، باب 23 من أبراب الذباحة، ح1.

([36]) الوسائل، ج16، ص284، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح12.

([37]) الوسائل، ج16، ص289، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح33.

([38]) نفس المصدر، ح37.

([39]) نفس المصدر، ص290، ح39.

([40]) مباني منهاج الصالحين، ج10، ص658.

([41]) جواهر الكلام، ج36، ص88.

([42]) الوسائل، ج16، ص288، باب 27 من تحريم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ح32.

([43]) الفقه على المذاهب الأربعة، ج2 ص21

([44]) المسالك، ج11، ص451

 

 

 

الدماغ والنفس والذات

دراسة علمية فلسفية

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}

د. محمد شامي

 

تقديم

ينتمي الإنسان إلى عالم المادة ويرتبط بالكون، وينسج علاقات متأصلة مع الوجود بكل أشكاله وألوانه، إلا أنه يحتوي على نقيض المادة أيضًا ضمن جدلية اتحاد-تنافر، فالإنسان عندما يدرك الموجودات، يُعمل فيها الفكر ويستخدم العقل إلا أنه ينسحر ويندهش أمام الجمال ودقة التنظيم الكوني، الأمر الذي يجعله يبدع النظريات والفلسفات والمفاهيم والمعتقدات.

وإذا كان الإنسان ينتمي إلى عالم المادة (الطبيعة) فإنه يملك بُعدًا روحيًا (النفس)، نجده يتكون من كيمياء وفيزياء ولكنه يشتمل على بُعد روحي يسمو به ويرتقي إلى أعلى مراتب الوجود من خلال العقل والوعي والإرادة الحرة والأخلاق والعمل.

يمتلك الإنسان دماغًا مركبًا ومعقدًا، يدرك من خلاله المحسوسات والمعقولات، ويضع مفاهيم ونظريات وآراء، ويحتسب الدماغ كل شيء ثم يعيد احتساب الاحتساب، ليحتسب الذات نفسها التي تعي فكرتها وتراقبها وتضبطها. تتخلّق النفس البشرية وقواها من الدماغ ولكنها لا تلبث أن تتمايز عنه في الوقت نفسه، إذ تخلق عالمها الخاص وتطوّر قواها مستعينة بالدماغ ثم تعيد إبداعها عبر الوعي والإرادة الحرة.

تستوي الذات الإنسانية على تركيب متعدد الأبعاد، يثير فينا الحيرة والدهشة، فهي تتشكل من نفسٍ ودماغٍ وثقافةٍ ومثالٍ في ترابط أصيل، إذ تتشكل الذات وتتخلّق عبر التاريخ الفردي المتأثر بالمحيط الثقافي-الاجتماعي، حيث ينمو الدماغ مستبطنًا الثقافة التي تحفر فيه طرقها ومناهجها، وتنبثق النفس منهما في جدليةٍ تكوينيةٍ حوارية، لتستقل لاحقًا في صيرورة إبداعية، تبدو النفس كينونة جوهرية تتعيّن الذات فيها وتنفصل عنها في آن معًا.

تراقب النفس-الذات قواها ونوازعها مستخدمة الدماغ والأعصاب في معالجة المعلومة وتطابقها مع الواقع الخارجي، تهذب النفس مدركاتها وتؤدب رغباتها بالتواصل مع الثقافة والمعاش والنموذج المثال.

يستدعي البحث في النفس والدماغ مقدمات علمية لا بد منها لكي نكون على مستوى الحاكمية العلمية والمعرفية وهي تطال الدماغ نفسه والأعصاب.

الجهاز العصبي ووظائفه

الجهاز العصبي والدماغ

يتكوّن الجهاز العصبي من مراكز متخصصة شديدة الترابط، معقدة ومتداخلة ومتشابكة، يحتوي الدماغ على مائة مليار خلية عصبية، يمكن لكل خلية منها أن تلتقط وتنقل عدة اتصالات في الوقت نفسه، يمكننا اعتبار الدماغ آلة تقوم على نظام متخصص بل متعدد الاختصاصات، إذ تعمل مجموعات الخلايا العصبية وتتصل وتتواصل باستمرار، وتتشكل المشابك العصبية قبل الولادة (وهي نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية)، ثم تنمو وتتطور بعد الولادة وتستمر في عملها من خلال فاعلية تقوية وإضعاف، فالدماغ لا يتوقف أبدًا عن التطوّر والنمو([1]).

تعمل الخلايا العصبية من خلال نشاط كيمائي-كهربائي، أي من خلال جُزيئات محددة وناقلات عصبية، وعندما تفشل الخلية العصبية في إجراء الاتصال الصحيح فإنها تختفي وتموت، ثم إنّ نصف الخلايا العصبية التي تقوم بتشكيل الوصلات العصبية سوف ينتهي بها المطاف إلى الموت .

الوظيفة العصبية

إن الخلية العصبية هي الوحدة الأساسية العاملة في الجهاز العصبي والدماغ، حيث تتصل الخلايا ببعضها البعض عبر المشابك التي يصل عددها إلى مائة ألف مليار مشبك، ومن هنا كان الكم الهائل لعدد وحجم الاتصالات والارتباطات العصبية الممكنة والمحتملة.

وإذا أضفنا إلى ذلك وجود مراكز متخصصة متعددة ومتنوعة ونقاط اتصال بين المراكز حيث تُصدَّر ألياف وتورد أخرى وتنسق الأحاسيس والتصرفات والحركات الإرادية واللاإرادية، نجد أنفسنا أمام حاسوب هائل ومتطور وعجيب ومتعدد الأبعاد([2]).

تستند الوظيفة العصبية إذًا إلى انتقال السيالة العصبية في الخلايا وهي نبضات كهرو-كيميائية تعبر من المشابك بواسطة الناقلات العصبية.

يعتبر التعلّم واكتساب المهارات والتذكر خصائص تميّز أنشطة الدماغ والجهاز العصبي وخلاياه ، ويرى جان بيار شانجو في هذا السياق([3]) بأن هذه الفاعلية ترتبط بعمل المشابك العصبية ومتحركياتها، فيقول:

1-     "إن الكائنات التي تكون اتصالاتها العصبية مبرمجة بطريقة جامدة وثابتة هي غير قادرة على التعلّم، إذ أن التعلّم يتطلب وجود متحركيات للمشابك، أي قابليتها للتحول والتعديل والتغيّر.

2-     تنتج القابلية للتحوّل (التبدّل) في المشابك من أمرين:

أولهما: مرونة النهايات العصبية جزئيًا (أي حراكها).

وثانيهما: إجراء عدد كبير من الارتباطات العصبية بشكل ظرفي ، أي انتقالي مرن وقابل للتبديل.

3-     يعمل ورود المعلومات وانسيابها على تحديد مميزات الارتباطات العصبية الجديدة وأنواعها وخصائصها، وذلك من خلال اختيار مسارات خاصة متفرّعة من بين عدد كبير من التركيبات المشبكية المتحركة".

تكمن المسارات العصبية المحتملة ومشابكها المتحركة في الأصل ، أي في الموروث الإحيائي-الدماغي، ولكنها تتمظهر وتتنوّع وتتعدّل ، أي تتم إبداعاتها بحسب طبيعة المعلومة الواردة وظروف تشكلها أولاً ، ثم بحسب طريقة التعلّم أثناء النموّ ثانيًا.

نستنتج من هنا في هذا السياق بأن الحرية الفردية وإمكانية المثاقفة تكمنان في أننا نستطيع استخدام مسارات عصبية جديدة ومتعددة كامنة، ثم يتم الإبداع والابتكار أمام المواقف المستجدة والمعلومات التي تستدعي ردّ فعل جديد وملائم.

وعندما تصل التفاعلات المتبادلة وتتواصل فيما بينها إلى مستوى الحاكميات الدماغية المتخصصة، يتم وصلها بمخزون الذاكرة اليومية (تمثلات وصور ذهنية) عندها تعمل المراكز المتخصصة والمتشابكة على دمج المعلومات وربطها وتحليلها، إلا أن الأهم هو أن هذه التفاعلات تنعكس وترتد على نفسها لتُحدث وعيًا ووعيًا ذاتيًا.

ونشير هنا إلى أن هذه الفاعليات المعقدة الإدراكية تتعالى بالقوى الفيزيولوجية وتسمو بها، وتتعالى هذه الأخيرة بدورها بالقوى الجزيئية التي تتعالى بالقوى الذرية وشبه الذرية، بمعنى أن المحصّلات الفكرية النفسية-الإدراكية لهذه الفاعليات هي من نمط آخر يختلف نوعيا عن أصلها الكهربائي والكيميائي ويستحيل علينا كنه جوهر وآلية هذا التعالي في واقعه الفعلي، كما أن من مميزات هذه التفاعلات هي أنها ارتدادية حيث تؤثر النتيجة على السبب والعكس بالعكس، "ويمكننا رصد مفاعيل ومحصلات هذا التعالي وإدراك ملامحه، فالدماغ قائم وسط سيل هائل من المواد الكيميائية دائمة التغيّر"([4]).

الوعي والوعي الذاتي

يعتبر الوعي ذروة التفاعلات العصبية، وبلوغ المسارات والارتباطات المتبادلة مستوى من التعقيد لا يمكننا تصوّره، لذا يرى أنطونيو داماسيو : "بأن الوعي ينشأ من التفاعلات المتجددة باستمرار حول إدراك الدماغ لحالة الجسم (أي ورود المعلومات وتوصيلها كهربائيًا وكيميائيًا) ويترافق هذا الإدراك مع مخزون الذاكرة والوظائف الإدراكية الأخرى... وهذه العملية المعقدة تستخدم في إنتاج الوعي([5]).

وإذا كان الوعي انسياب المعلومات المتبادلة بين الخلايا العصبية ونقاط الاتصال، فأنه انسياب لتبادل مكثف ومركّب ومتطور جدًّا، بحيث يعتقد معه وليم جيمس: "بأن الوعي هو ما يمكننا توقعه من قبل جهاز عصبي متطور جدًّا ومعقد جدًّا لكي يقود نفسه بنفسه"([6]).

وإذا كان بإمكاننا رصد حركة الوعي ومفاعيله في حركة الاستبطان الداخلي أو العين الداخلية حيث تراقب الفكرة ذاتها ووعيها، فإن الإشكالية الكبرى تظل مسألة تحول النشاط العصبي إلى فاعلية ذهنية وتمثلات، وهو تحول محيِّر ولغز كبير، إذ يتجاوز العقل (وهو جوهر- الدائرة المادية وإن كان يرتكز إليها، كما أن تحوّل الفاعليات العصبية إلى تفاعلات متبادلة-ارتدادية لا تجعلنا نفقه ما الذي يحصل بالفعل!!

فيتم إذاً حلِّ المرموزات والإشارات العصبية واحتسابها شموليًا، ثم يُعاد احتساب الاحتسابات المتشابكة، أي معالجتها على مستوى الكينونة أي الكليَِّة الدماغية، وكأننا نقول بمعنى آخر بأن المصطلح العام أو المجرد هو الذي يعالج المرموزات العصبية، إذ لا يتوقع أحد العثور على العقل في جزء من الدماغ أو في كليِّته لأن ذلك هو أشبه بتوقع كون المبرمج جزءًا من الحاسوب الآلي مثلاً، فالعقل فاعلية وليس مادة.

لا تُعفينا هذه التساؤلات من وصف وإدراك مفاعيل الفاعليات الدماغية المعقدة! إذ يبدو أن الجهاز العصبي والدماغي ينتجان مستويات أرقى وأسمى، إذ يحدث الدماغ تحولاً في مرموزات المعلومات لتتشكل مفاهيم ونظريات وآراء على نمط تمثلات وصور ذهنية، تنعقد فيها جدليات ومنطق رياضي بالإضافة إلى اللغة والمنطق الاستدلالي والاستقرائي .

إذًا تتجوهر المعطيات المادية الموضوعية وتنفصل معانيها متجاوزة الدائرة المادية وإن ظلّت ترتكز في الأساس إليها . ينشأ من الدماغ عالم ما فوق المادة يتكوّن من مفاهيم وعمليات احتساب عقلية ومنطق كما أسلفنا يستقل نسبيًا عن عالم المادة ليؤسس عالم النظريات والأخلاق وهو حقل يتأثر بالثقافة والاجتماع البشري .

يمكننا القول إذًا بأن المعنى يجوهر الموضوع ويتحول إلى منطق يسري فوق المعطى المادي ليؤسس عالم الأفكار والمفاهيم.

الذات والأنا ووحدانية المزدوج

يحدث الوعي الذاتي من التطور الأقصى للدماغ وفاعلياته، إذ تعمل المراكز المتخصصة كما ذكرنا على تبادل المعلومات وتلقّي الإشارات والمرموزات المتعددة. كما أن مليارات المشابك العصبية التي تترابط وتتواصل وتتداخل، تضعنا أمام معمل كهربائي-كيميائي هائل ومعقد مما يسمح بانبثاق ذهني محيّر، إذ أن الفكرة ترتد على ذاتها فتزدوج مع أنها تظل واحدة، الأمر الذي يعمل على مراقبة الفكر وضبطه من قبل النفس-الذات.

عندما ننظر في المرآة مثلاً يتم تعيين الذات حضورًا ، فالوعي تلقائي وفوري وحدسي ، ولكن ثمة شاهد مخفي يؤكد الوعي والحضور ، فالوعي الذاتي يعين الحضور ويخفي تجربة تأملية داخل الذات ، وهي تجربة فكرية ذاتية ارتجاعية . يٌبرز التفكير الذاتي الأنا ويموضعها في النفس-الذات وتتجلى خصائص الوعي الذاتي في التأثير الارتدادي على السلوك والكائن نفسه ، مما يمكنّنا من إجراء النقد الذاتي الذي يتفاوت بحسب الأفراد وتجربتهم الخاصة.

يُحدث الوعي إذًا تفكير الفكر في كل شيء ويؤسّس المراقبة النقدية والتأمل والإبداع.

تتطلب المعرفة بكل معانيها انقطاعًا أو فصلاً بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، فلكي يتم الإدراك ينبغي وجود مدرِك ومُدرَك ، وبما أن الوعي الذاتي هو إدراك الذات لذاتها فهذا يعني أن الموضوع والذات يقعان في كينونة واحدة، لذلك كان لا بد من خلق فصل داخل الذات لكي يتحقق وعي الوعي، أي نشوء فاصل بين ذات وموضوع داخل الذات نفسها.

تتحقق المعرفة إذًا داخل الذات من ازدواجية الأنا-الذات وهي ازدواجية أصيلة وليست عارضة، وهنا يبرز العقل الداخلي الذي يحتسب ويدقق ويراقب الذات داخل الكائن الإنساني الحيّ ، وهو يسمح بمعالجة قوى النفس وميولها وسلوك الأفراد . إن العقل الداخلي هو مرآة الذات في علاقة جدلية حوارية .

إذًا ثمة في الذات-الأنا وحدة-ثنائية حيث:

- يؤكد الاحتساب الذاتي (التأمل) الوحدة (الهوية) من خلال حبكته المعلوماتية.

- ويعيّن التمايز أي الفصل (الثنائية).

- ثم يعيد الوصل بينهما أي يربط الحاكمية المحتسِبة بالكينونة المحتسبة أي الأنا-الذات، مما يشكل الكينونة المشتركة بينهما([7]).

تزدوج الذات إذًا ضمن وحدتها الأصلية (هوية-تمايز) إلا أن الرديف يحتجب ويتروحن (روح)، ويُستبطن ويبدو فاقدًا لصفته المادية([8]).

إن الرديف هو انعكاس للذات ولكنه محاور لها ومراقب، لذلك تشير الآية الكريمة في المصدر رقم (1) إلى ذلك لتؤكد وجود النفس-الذات ورديفها الذاتي المحاسب والمراقب.

إن ازدواجية الذات-الأنا هي ازدواجية فريدة وغريبة، ولكنها حاضرة ومؤكدة ، نشعر بها في كل لحظة ، إنها تكمن في الكينونة الكلية على شكل مثال (نموذج) عائم ومتوارٍ ولكنه يلازمنا دائمًا ويراقب سلوكنا وفكرنا ، يقع هذا الضمير في عالم ما فوق المادة ، يبدو هذا الرديف (المثال)  كعيننا الداخلية خارجيًا كشبح غير مرئي، ويعطينا إحساسًا ثابتًا بوجود ذاتنا فهو الأنا وشيء آخر مغاير، يتطابق معنا كطيفٍ جسدي لا يمكن إفساده ودائم الحضور ويفارقنا لحظة الموت.

يتأسس هذا النموذج-المثال في لحظة تكوين الذات ويتطابق معها وينفصل في آن معًا ، ويتشكّل من الموروث الإحيائي ويتغذى من الثقافة (المعتقدات والآراء)، وسواء كان التكوّن حلوليًا (نفخ الروح) أم انبثاقًا من المادة (التجوهر) فإن هذا الرديف النموذج يتعيّن ويحدث الأنا-الذات .

توكيد الذات وتحقيق الهوية

تفترض الذات بداية وجود الكائن الفرد، ولكن الفرد يستمد معناه من مفهوم الذات الذي يرتبط بدوره بانبثاق الوعي.

ويتحقق توكيد الذات من خلال احتلال مركز الأنا (الأنانية المركزية)، فالأنا عند المتكلم لا يمكن تقاسمها مع الغير، فلا يتميز الاختلاف عن الغير بالفرادة الوراثية والتشريحية والنفسانية بل يتعداه إلى وجود مركز للأنا حيث يتم توحيد ودمج كل تجارب الحياة ومركزتها دماغيًا وعاطفيًا([9]).

يبدو الإحساس بوجود الذات الفردية دائمًًا وثابتًًا، وهو إحساس يسبق اللغة والفكر ويترافق مع إدراك الوجود الخارجي المحيط بنا، وتؤدي عملية الإدراك والتعرّف على الأشياء الخارجية إلى حصول متغيرات داخلية في الجهاز العصبي الذي يحتسب وينظم المعلومات وينسقها الأمر الذي يضاعف الإحساس بالوجود الذاتي.

لا تنحصر الذات-الأنا في مركزية أنانية، بل إن شرط التذويت يشمل مبدأ التمايز عن الغير وتضمين الآخر في الهوية الفردية.

يظهر مبدأ الحدود كأصل ثابت في تكوين الأنا – الذات، فجسدنا له حد يفصله عن المحيط الخارجي ومن خلاله نتبادل ونتعارف ونشعر بالوجود، ومن خلاله تتغير تفاعلاتنا الداخلية وتوازناتنا المناعية والهرمونية والعصبية، فنقوم عندها بابتكار السلوك الملائم للظرف واللحظة.

إذًا ثمة حبكة معلوماتية مزدوجة تتحكم بذاتنا، الأولى تُفعّل ما هو من أجل الذات والثانية تُفعّل ما هو من أجل الغير، وقد نخضع مرة للأنانية ومرة أخرى للغيرية، وقد ندمج الاثنين معًا في حوار صراعي مستمر، لذلك رأى آلان ثورين في هذا السياق: "بأن الذات هي صورة يحصّلها الفرد بنفسه من خلال التبادلات اللغوية مع الآخرين، فنحن ذات من خلال التعرف على الآخرين ... وإن أيّ ذات لا يمكن تأكيدها إلا قياسًا على محيطها..."([10]).

يتغذى الإحساس بوجود ذاتنا الفردية من تاريخنا الفردي، وهو إحساس يستمر على الرغم من تغيّر ذرّاتنا وتفاعلاتنا الكيميائية، كما أن ذاكرتنا تحتفظ بالصور الذهنية منذ الطفولة إلى نهاية العمر، وما الإرادة الحرة إلا توكيدًا لاستمرارية الذات من خلال السلوك الحر.

تتأكد الأنا وتتعيّن في لحظة الكلام، حيث تحدّد كينونتها وتفعّل فكرتها عن ذاتها.

إذًا، مهما تعددت وتنوّعت التغيّرات الحاصلة أثناء النمو، فإنها لا تلغي ثبات الأنا وديمومتها، كذلك الوعي والشعور العميق بالذات اللذان يستندان إلى الذكريات والتجارب الداخلية الواعية واللاواعية.

 يستوي الوعي كسمة إنسانية داخلية على تقاطع التوازنات الجسدية الداخلية التي تحافظ على استمرارية الحياة العضوية، مع فاعليات إدراكية تترجم الترسيمات العصبية الداخلية لتشكيل الواقع الخارجي.

يعمل الاحتساب الداخلي-الذاتي بما هو سيرورات إحيائية داخلية على إحداث حالات ذاتية حسية وفكرية، أي أن الفاعلية العصبية تدمج المعطى الخارجي مع الحياة الداخلية الذاتية مما يولّد الذات الواحدة ويؤكّدها أو يولّد إحساسًا ذاتيًا بوعي الوجود والكينونة.

إن السيرورات الداخلية الواعية تستند إلى احتسابات معقدة ومتشابكة في المنظومة العصبية وهي تلقائية وموروثة ولا واعية إلا أنه لا يمكننا فهم وإدراك التجربة الواعية إلا من خلال تقرير يضعه الكائن الفرد نفسه الذي يعيش هذه التجربة، فالتقرير إذًا يمكن تقاسمه مع الغير عبر اللغة والاتصال الشفهي، وبما أن الاحتسابات هي في مجملها لا واعية، "لذلك نشعر أننا في لحظة الكلام، كأننا نسمع صوتًا داخليًا ينص علينا المفردات والكلمات"([11]).

تتكون الذات الفردية من أصل ثابت ودائم وموروث لا يصله وعينا، ثم ترفده التجارب المعاشة والتاريخ الفردي وذاكرتنا مع ما تحمله من صور ذهنية، التي تشكل وعينا متى استحضرناها وتفاعلنا معها حيث تثير فينا انفعالات وأحاسيس تحدد هويتنا وكينونتنا الشخصية، يبرز من هذه السيرورات وتداخلها وتركيب مستوياتها وحاكمياتها إحساس بالوجود الواعي.

ويُلخّص أنطونيو داماسيو هذه السيرورات كما يلي([12]):

"1- ما يسبق - الذات: وهو مجموعة التصويرات العصبية المتناسقة التي تمثل حالة الجسد على مستويات متعددة في الدماغ، ولكننا لا نعيها.

2- الذات -المركزية: وهي تلازم التقرير غير الشفهي الذي يحدث كلما بدّل شيئ ما خارجي أو أحدث تغييرًا في حالة جسدنا .... وإننا نعي هذه الذات المركزية.

3- السيرة التاريخية -الذاتية: وهي سيرة تتشكل من ذكريات تجاربنا التاريخية وتتمظهر على شكل صور ذهنية- تنمو وتتطور يوميًا لتحدد ملامح شخصيتنا وهويتنا... كما أنها تؤدي إلى وعينا الذاتي- المركزي".

نخلص إلى أن مسألة الذات والهوية معقدة وشائكة، وتستدعي الإلمام بسيرورات فردية - تاريخية - ذاتية - وثقافية - اجتماعية.

فالذات تنبثق من هذه السيرورات عبر احتساب الاحتسابات المتعددة وحبكاتها المعلوماتية المتنوعة([13])، ويمكننا إيجاز ذلك بما يلي:

1-       تشمل عملية التذويت (تكوين الذات) وجود نواة مركزية ذاتية موروثة، يضاف إليها تجاربنا الشخصية وذاكرتنا الذاتية.

2-       إن المعرفة الذاتية أي الوعي الذاتي وتوكيد الذات هما انعكاس لشعور مستمر بالوجود يلازم الكينونة، كما أن الذات تحتسب ذاتها وما هو محيط بها، فالكائن يدقّق ويقدّر ويفترض.. إلخ، وتعمل حواسه وخلاياه العصبية بالتشارك حيث تربط المنفصل وتفصل المرتبط، والاحتساب ذاتي ولمصلحة الذات وقياسًا عليها.

3-       وبما أن المعرفة تشترط ذاتًًا وموضوعًًا، لذلك كان لا بد من إحداث فصل داخل الذات نفسها بحيث تزدوج، فيمكنها عندئذ أن تدرك وتعي ذاتها، فالذات تتطابق مع الموضوع وتتمايز عنه في آن معًا.

وعندما يستحيل الفصل داخل الذات، ويظل الموضوع والذات متطابقين تمامًا دون تمايز، يصعب عندئذ الضبط والرقابة وتحديد الأبعاد بين الذات وخارجها، وينتج عن ذلك اضطرابات نفسية وسلوكية كالذهان والاغتراب والشرود الذهني.

4-       أما النظرة الاختزالية فإنها تحوّل الكائن -الفرد إلى مجرد آلة تحتسب ذاتها فقط فتعزله عن محيطه بدليل غريزة البقاء وهي فردية بامتياز .

إن غريزة البقاء غير كافية، ولا يمكننا عزل الفرد عن محيطه الكوني بكل مكوناته وأبعاده، فالذات هي فرد كائن يضاف إليه محيط ثقافي واجتماعي.

فالإنسان الفرد يملك بشكل متكامل ومتعارض الأنا والغير، وليس الآخر مجرد صدفة، بل إنه يتعيّن في العلاقة بين الذات والمحيط كضرورة حيوية وتكوينية للذات نفسها.

لذلك يبدو النموذج القائم على الفردنة المطلقة في هذا السياق كانحراف نفسي واجتماعي، يؤدي إلى الاضطراب العاطفي والانفعالي، حيث الشك الدائم والوحدة القاتلة والكآبة التي تؤدي أحيانًا إلى الانتحار.

الدماغ والنفس

ما هي النفس؟ هل هي الروح؟ وكيف تظهر في المادة؟ وهل هي جوهر يحلّ في المادة؟ أم انبثاق من الكلية العصبية في لحظة الحياة والنشاط الإدراكي والذهني؟

إنها أسئلة كبرى قد لا نتمكن من الإجابة عليها! ذلك أن موضوع النفس قد تناوله الفلاسفة والعلماء منذ أقدم العصور، وهو ما يزال يشغل حيّزًا واسعًا من الفكر الفلسفي والعلمي، ولسوف يظلّ لغزًا محيّرًا وسرًا كبيرًا لا يفارقنا حتى نهاية العمر.

ولكننا سنحاول الإضاءة على جوانب أساسية في هذا الموضوع وفاقًا لما توفر لدينا من معارف علمية ومعلومات موثقة، لعلنا نهتدي إلى كشف بعض من غموض النفس وقواها.

لا بد بداية من توضيح مفهوم النفس (Esprit)، نجد في المعجم مرادفات متعددة منها: الروح، الطيف، النفحة، الفكر، التأمل، العقل، الذهن... إلخ، ولا يخفى على القارئ بأن القاسم المشترك بين كل هذه المرادفات هو الفاعلية المفكرة، أي الفعل العقلي- الذهني الذي يتجوهر في المادة والذي يتميز بواقع غير مادي، أو عائم فوق المادة.

إن الدماغ والجهاز العصبي هما آلة تحتسب وتعالج المعلومة الواردة من الخارج (المحيط الخارجي)، ومن الداخل (الصور الذهنية والتوازنات الداخلية للجسم) وهما ينظمان العمليات الإدراكية والسلوكية للكائن البشري، إنهما أشبه بحاسوب هائل شديد التعقيد.

تتجلّى النفس (الفكر) كفاعلية روحية تستند إلى الفاعليات الدماغية ولكنها لا تلبث أن تنفصل عنها باستقلالية ضمن علاقة حوارية حيث تتخذ السيرورات الاحتسابية شكل التأمل والتفكير واللغة والمعنى والقيمة، وحيث تكمن ظواهر الوعي. وإذا كان الاحتساب الدماغي يتطور إلى وعي الذات إلا أن الذات تجهل في الحقيقة السيرورات الداخلية اللاواعية، فثمة بعد غامض وغير شفاف يفصل احتسابنا الدماغي عن الكلية العضوية للكائن (النفس).

وإذا كان الفكر يتطلب وجود كائن-ذات  يحتسب لذاته، فإنه لا يتمظهر إلا عبر قواعده المنطقية واللغوية التي تتعالى بالأفراد، فثمة شيء في الحقل الروحي يخترق الدماغ والفرد معًا ويتعالى بهما، وعلى ضوء معارفنا الحالية فإننا لا نملك رؤية واضحة لطبيعة العلاقة بين النفس والدماغ، إن لم تكن تلك الوحدة - الثنائية حيث يتجلّى تكامل وثيق بين كينونات مادية (دماغ،جسم) وكينونات غير مادية (معلومات، رموز، عقل).

إن الحديث عن تطابق الدماغ والنفس أي وحدانيتهما أمر يعتوره التباس وتناقض، فالنفس وإن تكن ذات منشأ مادي إلا أنها تتجوهر وتتطور نوازعها وقواها باستقلالية وتؤثر عكسيًا على الدماغ والجسم كله.

ولكننا لا نستطيع بالمقابل دحض الارتباط المؤكد والوثيق بينهما، إذ يظهر أن علاقتهما متأصلة منذ الخلق، وهي تنمو وفق المورّث والتربية والثقافة، كما أننا نستطيع تحويل أو إلغاء أو تعديل بعض قوى النفس وميولها وصفاتها من خلال التأثير الكيميائي أو الكهربائي أو التشريحي للدماغ. وقد نستطيع إلغاء الوعي أو تحويله من خلال جروحات دماغية أو استئصال منطقة معنية من الدماغ أو عقاقير مخدرة، ويمكننا إثارة مناطق محددة كهربائيًا أو كيميائيًا فتحدث رؤى وهلوسات وأحاسيس متنوعة وانفعالات مما يشير إلى أن قوى النفس تتعدل وتتحوّل ماديًا بفعل المؤثرات الخارجية أو الداخلية، فلقد بات معلومًا أن حالة الاكتئاب مثلاً ذات صلة بنقص مادة السيروتونين في المشابك العصبية الدماغية، ولكن المدهش هو أن كل هذه التعديلات والتحولات لا تلغي إحساسنا العميق بالوجود الحي.

إلا أن المسألة الأهم هي ما تشير إليه التجارب والوقائع في أن كل ما يطال النفس وقواها من تحولات أو تبدلات يطال الدماغ وفاعليّاته والجسم كله من خلاله، فالحزن المفرط والأسى أثناء مأتم أو حالة اكتئاب خطير تضعف كلها منظومة المناعة لعدة أشهر، كما أن الآلام النفسية قد تحدث أمراضًا جسدية والرياضة الروحية (اليوغا) قد توقف نبضات القلب، والتنويم المغناطيسي يمكنه إحداث اضطرابات فيزيولوجية.

ولا شك بأن الإيمان العميق بالعقائد الدينية والمعاناة النفسانية العميقة قد تشفي من المرض أو الموت، والمحرمات والسحر واللعنات قد تقتل، والمعجزات قد تشفي، والعلاج البديل أظهر فعاليته عند ثلث المرضى([14]).

يمكننا أن نستنتج من كل هذا بأن العلاقة بين الدماغ والنفس هي علاقة ارتباط دائري وتفاعل متبادل، بحيث يتأثر المسبّب بمحصلته ارتجاعيًا.

ولكن هذا الارتباط العميق بين النفس والدماغ هو أصيل كما ذكرنا سابقًا، بحيث لا يمكن للنفس وحدها أن تفّسر الدماغ، والدماغ لا يمكنه وحده أن يفسّر النفس، فهما يحتاجان إلى بعضهما البعض، فالدماغ يحتاج إلى الفكر (النفس) لكي يعبّر عن نفسه، والفكر يحتاج إلى الدماغ لكي يعبّر عن نفسه، تؤكّد الحاجة المتبادلة بينهما إذًا الارتباط والاختلاف والتماثل والتمايز والتساوي بينهما في الوقت نفسه.

التمثيل الذهني

التمثيل الذهني فاعلية فكرية - نفسية عصبية تعيد تركيبًا إدراكيًا للموضوعات الخارجية، وهو تركيب يتصف بالثبات والتناسب والتناسق، فلقد رأى أنطونيو داماسيو: "بأن التصورات الذهنية تمثل شيئًا خارجيًا بشكل ثابت ومنسجم"([15])، فالصور الذهنية المنطبعة في النفس تعكس بشيء من الأمانة واقعية الشيء الخارجي، إن ما يحصل بالتحديد هو إعادة تشكيل الواقع الموضوعي في التصويرات الذهنية للكائن، وهذا ما كان قد ذهب إليه لوك([16]) في قوله: " ثمة مصدران لمعارفنا كلها وهما الانطباع الذي تحدثه الموضوعات الخارجية على حواسنا، والإجراءات التي تحدثها النفس في هذه الانطباعات". ولكن هذه الصور الذهنية وإن كانت تعبّر عن واقع خارجي فإن الدماغ هو الذي يعيد بناءها أما الفكر (النفس) فإنه ينشئ المفاهيم والمجردات من هذه الصور، كما أن الدماغ يمكنه أن يخلق تمثيلات داخلية ذهنية غير مرتبطة بالعالم الخارجي.

يساهم الدماغ في تشكيل الصور العصبية –الذهنية حيث يصنع ويرسم آثار التفاعل مع المحيط الخارجي في المسارات العصبية المتراتبة والمتخصصة، أي أن الفاعليات الإدراكية ترسم تمثيلات ما لخصائص الأشياء الفيزيائية، وتصور أيضًَا أنماط الاستجابات العصبية والجسدية، ومن خلالها يتم إنشاء الصور الذهنية الداخلية، ولكن التمثيل الذهني ينتج صورًا من طبيعة تختلف عن الصور المادية التي تنطبع في الخلايا العصبية نفسها، لذلك يتم الإدراك من خلال ترجمة التصويرات العصبية إلى مدركات ومفاهيم في المناطق الدماغية المتشابكة ببعضها البعض، إننا ندرك الموضوعات الخارجية من غير شاشة وبشكل تلقائي بوصفها موضوعات لأشياء واقعية، تقوم النفس في هذا السياق بالتمييز بين الصور خارجية المنشأ والصور داخلية المنشأ.

تحلل الآلة الدماغية الموضوع الخارجي وتفككه وتبدله ثم تعيد تركيبه وتشكيله لتبني مثيلاً ذهنيًا له.

أما الذاكرة فهي انطباعة للأحداث في الدماغ تتخذ هيئة الصور الذهنية والمفاهيم المجردة، لذلك يرى لانسلي:" بأن انطباعات الذاكرة تتموضع في أماكن مختلفة ومتعددة من الدماغ، كما أن استحضارها يتم في الأماكن نفسها" ([17]).

إن الصورة الذهنية هي من أشياء الذاكرة وهي مستقلة أو تصبح مستقلة وعابرة، إلا أن استدعاءها لا يتطلب تفاعلاً مباشرًا مع الوسط الخارجي حيث أن استقلالية الصورة تنتج من وجود تزاوج بين الخلايا العصبية وخارطتها الثابتة في الزمن والمتواجدة مسبقًا قبل استدعاء الصورة.

إن ما تختزنه الذاكرة هو الاحتسابات التي أحدثت التمثيل الذهني أو الصورة لحظة الإدراك وليس التمثيل بحد ذاته، كما أن استدعاء الصور الذهنية يتحصّل من إعادة احتساب الاحتسابات السابقة، فالانطباعة في الذاكرة هي احتساب وليس تسجيلاً.

إن المعرفة بحد ذاتها مدونة في الدماغ والأعصاب كمجموعة من الاحتسابات، فالمعرفة إذًا هي معرفة الاجراءات والتفاعلات التي تؤدي إلى المعرفة لذلك قد نفهم كيف أن بعض الصور الذهنية تتداخل وتتشابك وتتدافع وتتقاطع لحظة استحضارها من الذاكرة، وذلك لقربها أو مجاورتها لصور  أخرى (أي أماكن احتساباتها).

روحانية النفس والفكر

يمكننا القول بل الجزم بأن علاقة الدماغ بالنفس والفكر هي علاقة معقدة ومركبة، وتتحدى أي مفهوم قد نصوغه حولها، فهي علاقة بين مادة (دماغ -جسم) وقدرات وطاقات غير مادية (جوهر -نفس - روح)، ثم إن مفهوم المعلومة أو الرمز يعتبر اصطلاحًا عقليًا، إذ أن واقعه غير مادي ولا يمكن اختزاله بالكتلة أو الطاقة، كما أننا نعقل مفهوم التنظيم أو النظام كمفهوم علائقي تجريدي-ذهني أي ظاهرة لا مادية، فهو ذو ماهية عائمة فوق المادة وتخص الفاعلية العقلية.

عندما يرتقي الاحتساب الدماغي إلى مستوى التأمل أي إلى مرتبة التفكير الذاتي، فإنه يدخلنا في عالم مميز ومختلف حيث يتعالى الأصل المادي للفكر ويتضح الالتباس بين أصل النفس (المادي) وقدراتها (اللامادية)، فعملية التجوهر هي اللغز والسر الكبيران، مما جعل إدغار موران([18]) يعتقد بأن السر هو في الفائض الدماغي أي القدرات العقلية والاستعدادات الذهنية التي تفوق الحاجة إليها للتكيّف مع المحيط الخارجي، فالإبداع البشري يتخطى الحاجة العملية ليصل إلى مرتبة التعالي على المادة والوجود.

لا بد من الإشارة في هذا السياق بأن الوعي والتأمل هما من ضروريات الحياة واستمرار البقاء، إلا أن القدرات الإنسانية العقلية والشعورية والأخلاقية تفوق متطلبات الحياة الأساسية بكثير وبشكل يدعو إلى الحيرة والدهشة.

ولا شك بأن الحقل الذهني يشمل حاكميات ومستويات فكرية متعددة منها الاستبطان الذي يعتبر حركة الفكر في الفكر أو وعي الوعي... ([19])، فالاستبطان يساهم في جعلنا نعي وجودنا ويجعل الأنا تدرك ذاتها.

ثمة شيء في الحقل الذهني والفكري ينطلق من متغيرات في الجهاز العصبي والدماغ ولكنه لا يلبث من أن يستقل ويعوم فوق المادة ثم يعود ليؤثر على عملياتها الاحتسابية، فالفكر مثلاً يسبق اللغة في الزمن، والكلام يوضح المعنى والسياق المطلوبين من الفكرة.

نخلص إلى ما يلي:

1- إن الوعي والنفس والعقل هي مفاهيم غير مادية ..... التي تتصل بل تنبثق من سيرورات مادية وتحولات فيزيائية وكيمائية.

2- إن العقل الناظم الأحيائي غير مادي ولكنه يرتبط بالمادة.

3- إن الفاعلية الدماغية قد أحدثت أو أظهرت قوى النفس من خلال فاعلياتها الإدراكية التي يعاد توليفها من خلال الكائن بكليته حيث تكمن النفس وتقوم بدورها المبدع.

4- تبقى المشكلة الأساسية وهي عدم التجانس الحاصل بين المثيرات الفيزيائية الواردة من المحيط الخارجي، والنقل الكهربائي والكيميائي بين الخلايا العصبية والصور الذهنية والتمثلات الإدراكية، ثم عملية المطابقة بينها وبين الواقع الفعلي والروحانية واللامادية للأفكار والكلمات.

إن القضية هنا هي ترجمة ومعالجة للمعلومة وليس نقلاً للطاقة كما هي، ذلك أن الإدراك كفاعلية احتسابية يقوم على:

1- إنه يستند إلى متغيرات مادية واختلافات وتمايزات فيزيائية خارجية، فلو انعدمت هذه المتغيرات والاختلافات والتمايزات في الطاقة والكتلة في المحيط الخارجي لاستحال الإدراك، إذ يمتلك الكائن الحي العضوي مستقبلات حسية تستطيع التقاط أو تلقي هذه التغيرات والمتشابهات والثوابت والاختلافات وترمزها وتترجمها وتحولها وتنقلها إلى متغيرات واختلافات من نمط آخر.

 3- ترمّز الخلايا العصبية المقادير الفيزيائية وليس طبيعة المدركات نفسها.

4- تُجري الفاعليات الدماغية وحاكمياتها الداخلية احتساباتها على كافة المستويات والمناطق حيث تتواصل وتتصل وتتناسق، ثم تعمل على رسم الصورة النهائية للمدركات من خلال الحبكات المعلوماتية المتنوّعة والقوالب والترسيمات المسبقة التي تعيد ضبط وتوليف الظواهر الخارجية والأشكال والألوان والكينونات على رغم تغيّرها في الزمن والبعد.

5- تقوم الكينونة الكلية على ضبط وتنظيم هذا الايقاع والتنسيق، والكينونة هي كل هذا وشيء آخر لا تحديد له ولا موقع خاص له، إنها  النفس مادية الولادة وجوهرية الاستمرار والفاعلية.

الحلم

ما زال الحلم بوصفه فاعلية نفسية - ذهنية يشكل لغزًا وسرًا كبيرين منذ أقدم العصور، ولقد عمل الإنسان جاهدًا على سبر أغواره وتأويله لعله يجد معنى لتعاقب أحداث وتداخل صور ذهنية، متناسقة أحيانًا وعشوائية أحيانًا أخرى، وتبعث كلها على الدهشة والذهول والانسحار.

وفي مقاربة موجزة للحلم والهوام والهلوسة نجد أن القاسم المشترك بين هذه الكينونات الذهنية هي حدوثها في غفلة الوعي أو بغيابه وهي ترتكز على:

1- سيرورات تركيبية للاحتسابات المتعددة التي تخص صورًا ذهنية نستحضرها من الذاكرة.

2- تترافق مع الرغبة أو الخوف من شيء ما.

3- تجاور صورًا أخرى ذهنية أي مناطق احتساباتها.

4- تبدو هذه الكينونات وكأنها تتطابق مع الواقع الفعلي الخارجي.

5- تعبّر عن إثارات عصبية داخلية وليست خارجية.

إن الفاعلية النفسية أو الفكرية تحقق التمييز بين الإدراك الحسي الفعلي والكينونات الذهنية المذكورة من خلال التأمل الفكري فيما هو واقعي وغير واقعي.

فما هو الحلم؟ وهل هو من فعل النفس المنعتقة من ظوابط الوعي؟ أم أنه شيء آخر؟ وما هي حقيقة هذه الصور الذهنية الملونة التي ترد أمامنا في الأحلام كسرديات روائية؟

يرى مالينوفسكي: "بأن ذكريات الأحلام قد تكون في أصل الاعتقاد بوجود الروح أو النفس التي تختلف عن الجسم"([20]).

بينما ذهب فرويد إلى اعتبار الأحلام تمظهرًا للرغبات المكبوتة بشكل مقنّع، وربطها بالغرائز الجنسية وتجديد الطاقة.

ينتج الحلم عن إثارات هائلة عشوائية وفوضوية في المسارات العصبية للجذع المخيّ، ولكن نظامًا ما يفرض نفسه في النهاية، يتحصل من فعل الذات النفس أو من البيئة -الذهنية، ويتشكل نظام الأحلام في سرد متناسق يعتوره تشويش وتداخل هوامات وغموض أحيانًا.

ويرى إدغار موران في تعريفه للحلم: "بأن الحلم الإنساني لا يحتوي على قالب واحد بل قوالب متعددة... كما أنه عبارة عن مزيج من الفوضى واللافوضى، ولكنه يشكل خطابًا متناسقًا يتعرَّض لتشويش دائم من قبل خطابات أخرى..." ([21]).

يجمع علماء الأعصاب بأن التعقيد والتركيب المتزايدين للجهاز العصبي يترافقان مع زيادة فترة الأحلام، التي ظهرت مع ظهور الكائنات ذات الحرارة الثابتة، وأن الأمان ضروري للحلم.

وتشير التجارب والدراسات حول الأحلام بأن آلياتها وبنياتها الحسيّة هي:

1-              إثارة عصبية شديدة ومتواترة في معظم الخلايا العصبية وصولاً إلى الخلايا الحركية والبصرية.

2-              اشتغال منبّه كهربائي (Pacemaker) في الجذع المخي يتصل بالدماغ الخلفي البصري.

3-              تثبيط الألياف الحركية، بحيث يصاب النائم بالشلل، فالنوم شرط أساسي للحلم.

ولقد أدّت الأبحاث العلمية إلى تعزيز الفكرة التي تقول بأن للأحلام وظائف فيزيولوجية على الأقل وإن ظلت موضعًا للشك وهي:

‌أ-                 قد تعمل على تعزيز وتثبيت بعض المسارات العصبية للبصر والذاكرة والتعلّم.

‌ب-            تعزيز نشاط المسارات والمشابك العصبية التي تفتقد إلى الإثارة الحسية لمستقبلاتها بعد الولادة([22]).

‌ج-              ثبات وديمومة بعض المشابك العصبية حيث يعمل الحلم على تعزيز البنيات التي لم تستخدم بفعالية أثناء اليقظة.

‌د-                جعل البرمجة الوراثية تؤمّن ثبات وظائفها.

‌ه-                 تفعيل السمات الوراثية للمزاج الفردي أي تحقيق دائم ومستمر لفردية الفرد من خلال الصور الذهنية الخاصة بالفرد.

يبرز في هذا السياق السؤال الكبير وهو لماذا يستمر الحلم في الظهور عند البالغ، الذي تغلب فيه عناصر البيئة والمحيط الخارجي على العوامل الوراثية؟ قد يكون الجواب هو احتمال وجود تفاعلات بين المحيط الخارجي وبعض الدوائر العصبية المبرمجة وراثيًا، هذه التفاعلات التطورية التي تملك قيمة كبيرة في التكيف البشري، قد تحدث أثناء الحلم ويتم تعزيزها.

يتشكل الحلم غالبًا من تقاطع مركب لمقالات وسرديات إبداعية لا تخلو من الغرابة أحيانًا، إنه عبارة عن صور ذهنية تعبّر عن أحداث مركبّة، وقد يكون تثبيت البرمجة الوراثية أحد وجوهها، أما الوجوه الأخرى فهي روايات تعمل على متابعة وإنجاز مقالات تكون قد كسرت ولم تنجز أثناء اليقظة، أضف إليها تطفل عشوائي تشويشي من قبل المشابك العصبية، وأمام هذه اللوحة الذهنية التي يتقاطع فيها العشوائي والمتناسق تبدو الأحلام صورًا غامضة تستدعي الربط المنطقي وإعادة التركيب والتأويل.

وإذا كان العالم بوظائف الأعضاء يستطيع تحديد سبب الوظيفة العضوية وغايتها، فإنه أمام الحلم لا يعلم سببه ولا وظيفته([23]).

كما أنه لا يعلم أسباب مدة الحلم الزمنية، ما يزال العلم حتى الآن يجهل السبب الذي يجعلنا نملك دماغًا ينام ويحلم، قد نعلم كيف يتم ذلك ولكننا لا نعرف لماذا!! خاصة وأن التجارب التي أجريت على أفراد حرموا من النوم والأحلام لم تُظهر أي تبدلات في السلوك الدماغي أو العضوي تذكر.

وإن يكن بإمكاننا عرض بعض التأويلات المحتملة وهي:

1-              الإضاءة على بعض الهوامات الواعية لتعزيزها في المسارات العصبية.

2-              الإضاءة على بعض الأفكار الملازمة، والعمل على تحقيقها في روايات إبداعية.

3-              الإضاءة على الرغبات المكبوتة لتحقيقها في الحلم.

4-              تحقيق وإنجاز الحلول لبعض المشاكل العالقة التي يمنع الوعي حلها.

5-              تحقيق سلوك مرغوب فيه ولكن بشكل مموّه ومرمّز.

6-              تجميع المخزون المشتّت في الذاكرة، ووضعه في سرد روائي واضح.

7-              إعادة بعض المسارات المهملة وتعزيزها في الذاكرة أو تثبيت بعض الوقائع التي تحصل أثناء اليقظة ووضع الحلول لها، ولا تخلو هذه الحلول من الإبداع كاستشفاف المستقبل والتنبّوء بالأحداث القادمة.

8-              ارتباط بعض الأحلام بالحالات الفيزيولوجية الباطنية أثناء النوم.

لا تستوي الأحلام على وتيرة واحدة، وتتعدد خطاباتها ورواياتها، لذلك سوف يبقى مضمونها لغزًا وسرًا كبيرين، يعود للحالم تأويلها وربط أحداثها بتاريخ الفرد ومعاشه وذكرياته، لذلك كانت هذه المسألة مصدر غنىً للمخيلة الإنسانية المبدعة التي تلجأ إلى شتى أنواع التأويلات الوجيهة وغير الوجيهة، حيث تستعين بالثقافة والمعتقد والإيديولوجيا.

الحلم إذًا أناني بامتياز، لا يمكن تقاسمه مع الآخرين، ويعود إلى الذات الفردية وحدها، فالمشاعر والأحاسيس والانفعالات المثارة في الأحلام تخصّها وحدها، وهي التي قد تستطيع فك الرموز والصور الذهنية وتحليل الرواية واكتشاف منطقها الداخلي إذا كان ثمة منطق داخلي!!

يغيب الوعي في الحلم وتتفاعل المكبوتات والرغبات على أنواعها كما الاهتمامات المخنوقة في الذاكرة والأسئلة الحائرة التي تبحث باستمرار عن إجابات طال انتظارها.

نخلص إلى أنه قد يكون الحلم سياقًا تتم فيه تعزيز البرمجة الوراثية والتعلم أي الاكتساب المعرفي كما يرى هنري أتلان:"إذ قد نستطيع أن نجد تفسيرًا لآليات وغائيات الأحلام أثناء النوم، حيث نجد تزامنًا ناشطًا لمجموع الخلايا الدماغية... ويمكننا تفسير ذلك وكأنه عودة إلى حالة الفوضى أو الحشو الأساسي الكبيرة جدًا، إذ أن القدرة الكامنة على الاكتساب المعرفي تنقص تدريجيًا كلما تعلمنا أو اكتسبنا، فينبغي عندئذ إعادة شحن القوالب والترسيمات الدماغية بشكل ينتج استمرارية التعلم ومتابعته على الدوام"([24]).

إن الفوضى الهائلة وعشوائية الصور الذهنية التي تتداخل أثناء الحلم، قد تكون غايتها إعادة شحن قدراتنا المعرفية والإدراكية الكامنة وتجديدها، وبما أن القوالب الإدراكية والترسيمات المسبقة متخصصة في الربط – والفصل- والتحليل والتفكيك وإعادة الربط، فإننا قد نفهم معنى السرد الروائي في الحلم!!

لذلك سوف يظل الحلم لغزًا يحجب المعنى الفعلي، ولنا نحن أن نقول فيه ونأوله كما نشاء وفاقًا لرغباتنا ومعتقداتنا وآرائنا.

الثقافة والنفس

يمكننا تعريف الثقافة كميزة خاصة بالمجتمع الإنساني بأنها مجموعة المعارف والعادات والتجارب المعاشة والذاكرة التاريخية والمعتقدات الدينية والأسطورية التي تخص هذا المجتمع، وتنتقل الثقافة عبر التواصل بين الأفراد من خلال اللغة والطقوس والقواعد التي تنظّم المجتمع، والتي تحكم سلوكيات الأفراد وتشكّل عنصر لحمة المجتمع وترابط الأفراد والجماعات.

يرتبط الفكر كقوة نفسية بالدماغ من خلال الاحتساب والتأمل والوعي، بل يمكننا اعتبار الفكر تحديدًا محصّلة الاحتسابات والتأملات والوعي، إلا أنه يحتاج إلى الثقافة كعنصر ضروري وأساسي لمظهرة الفكر من خلال اللغة والمنطق حيث تُبرز النفس اندفاعاتها وميولها.

يستند الدماغ في إدراكه إلى ذاكرة وراثية ومبادئ ناظمة للمعرفة تؤطّرها الثقافة، إذ يكتسب مع النفس ذاكرة فردية عبر التجارب اليومية فيدمجان ويستبطنان المبادئ والقواعد الثقافية والاجتماعية الناظمة للمعرفة.

إذًا يدرك الإنسان منذ ولادته من ذاته ولأجلها وقياسًا عليها، غير أنه يدرك أيضًا من خلال مجتمعه، أي ثقافته.

تتغذى المعرفة الإنسانية من ذاكرة إحيائية وذاكرة ثقافية تتقاطعان في ذاكرة فردية لتُشكّلا معايير داخلية وثقافية - اجتماعية.

فعلى عكس الحاسوب الآلي يشتمل الحاسوب البشري على ذاكرة متعددة ومتنوّعة حيث يخضع ويأتمر لحبكات معلوماتية متراتبة ومتداخلة ومتلازمة.

تقوم الفاعليات الإدراكية الإنسانية على حوارية تبادلية بين حاكميات احتسابية وحبكات معلوماتية مختلفة دماغية - احيائية وثقافية - اجتماعية.

ولكن الحبكات المعلوماتية المتنوّعة تتداخل وتتعارض وتتكامل وتتنافس، لذلك كان الإدراك الحسي للأشكال والألوان والأشياء والكينونات يتمّ في تقاطع الترسيمات الغريزية مع الترسيمات الثقافية المكتسبة للإدراك.

تخضع الفكرة مهما كانت صغيرة وهامشية إلى معالجة ومساءلة دماغية - احيائية وفردية تاريخية تصدرها بعد إخضاعها لمراجعة دقيقة للحاكمية الثقافية -الاجتماعية، فلا يعقل السلوك الإنساني إلا ضمن هذه التعددية المتلازمة للحاكميات المعرفية.

إننا نعتقد في هذا السياق بأن الحرية الفردية للفكر تكمن هنا بالذات أي في تعددية الحاكميات وتبادلاتها المعرفية وحوارياتها، فكلما كانت الحاكميات المعرفية متنوعة ومتعددة كلما كان بإمكان النفس ابتداع الفكر المتميّز من كثرة الإمكانيات المتاحة والتركيبات المحتملة واستنباط الفكر الفردي الخاص.

الحرية ممكنة لأنه ثمّة فسحة وانقطاعات وثغرات بين الحاكميات الفردية والثقافية والاجتماعية، ويستطيع الفكر (النفس) بالتأكيد استخدام إمكانياته المختلفة وإبداعه عندما تكون الثقافة تعددية وحوارية منفتحة، أي عندما تتعدد الثغرات في المحددات الثقافية لتضاعف اتساع مروحة الإمكانيات الفكرية والمعرفية.

لا شك بأن الفكر يرتكز في استقلاله النسبي على حبكاته المعلوماتية وعلى مرونة الثقافة من خلال متحركيات المشابك العصبية ومرونة إمكانياتها، وهي مسألة تتعلق بالتربية والتعليم وطبيعة الثقافة نفسها، فكلما كانت متحركيات المشابك مرنة وغير قاسية، كلما كانت المثاقفة ممكنة والتفاعل والحوار مع الآخر سهل التناول وشديد الاحتمال.

نشير في هذا السياق إلى أن السلفية الإسلامية في بعض وجوهها تتسم بالجمود العقائدي والقساوة التأطيرية التي قد يكون مردها إلى عدم إخضاع الفكر للحبكات المعلوماتية المتعددة، بل الاكتفاء بالحبكات الثقافية الصارمة التي تقوم على التلقين القاسي وتلغي الحبكات الفردية وتاريخيّتها، أي أنها تستنبط مسلكياتها من بُعد واحد وليس من كل الأبعاد والمحددات المعرفية الإنسانية المتعددة.

الخلاصة

تتجوهر النفس البشرية وتتعالى بالذات وبالمادة، وتمثل قمة تطور وارتقاء الفاعليات الإدراكية الدماغية. ثمة روحانية تسري إذًا في الخلايا والدماغ، فالكم الهائل من الاتصالات والسيالات العصبية والسيرورات الممكنة تؤدي كلها إلى انبثاق شمولي لكينونة تعوم فوق المادة وتؤثر فيها وتستقل عنها.

وسواء كانت النفس تنشأ من المادة! أم تحل في الجسد، فإنها تفارقه لحظة الموت! وهي إما أنها تموت معه وإما ترد إلى عالم مغاير، وفي كل الأحوال فإن القدرة الإلهية المتعالية تسترد النفوس حين موتها وتعيد إحياءها كما أنشأتها أول مرة.

ــــــــــــــ

([1]) لمزيد من التفصيل، انظر: عالم المعرفة، (هل نحن بلا نظير)، العدد 323 /2006، ص77-83.

([2]) حول هذه النقطة، انظر: عالم المعرفة، (المخّ البشري)، العدد 287 / 2007، ص29 إلى 59.

([3]) انظر: مقالة المؤلف المذكور في كتاب بالفرنسية: وحدة الإنسان-الدماغ، ص59، منشورات سوي 1974م.

([4]) المصدر رقم (2)، ص155.

([5]) المصدر رقم (2) ص 196.

([6]) انظر ديريك دانثون في كتابه بالفرنسية بزوغ الوعي، منشورات فلاماريون 1993 ص24.

([7]) حول الاحتساب والتأمل، راجع مقالنا المترجم في رسالة النجف العدد 12/ 2008 ص109.

([8]) لمزيد من التفصيل انظر : كتاب إدغار موران بالفرنسية، معرفة المعرفة المنهج 3، ص195، منشورات سوي 1986م.

([9]) لمزيد من التفصيل انظر كتاب ادغار موران بالفرنسية، إنسانية الإنسان المنهج 5، ص78-79، سوي 2001م.

([10]) راجع كتاب آلان ثورين بالفرنسية ، نقد الحداثة، ص343، منشورات فايار، 1992م.

([11]) لمزيد من التفصيل-انظر كتاب جان بيار شانجو بالفرنسية ، الواقع والجمال والخير، ص227-228، منشورات أوديل جاكوب، 2008م.

([12]) انظر كتاب أنطونيو داماسيو بالفرنسية، الشعور الذاتي، ص226، منشورات أوديل جاكوب، 1999م.

([13]) نذكّر بان الحبكة المعلوماتية هي مجموعة القواعد والمناهج التي تعمل على معالجة المعلومة الواردة من الخارج أو الداخل، بواسطة حاكميات الدماغ والجهاز العصبي.

([14]) انظر المصدر السابق رقم (9) ص73 .

العلاج البديل : هو إعطاء المريض حقنة من الماء المعقم أو غيره والمريض يظن أنه الدواء الحقيقي الشافي.

([15]) انظر المصدر رقم (13) ص406-407.

([16])انظر جان بيار شانجو في كتابه بالفرنسية ، الإنسان العصبي، منشورات بلوريال، 1982م.

([17])انظر المصدر رقم 9 ص103.

([18]) انظر المصدر رقم (9) ص335.

([19]) لمزيد من التفصيل انظر جون ألكس في كتابه بالفرنسية تطور الدماغ وخلق الوعي- فلاماريون 1994، ص 302-303..

([20]) انظر ميشال جوفيه، في مقالته في كتاب الدماغ الإنساني ، ص102، سوي 1974م. المصدر رقم (4).

([21]) انظر المصدر رقم (4) ص129-130.

([22]) المصدر السابق ص111-112.

([23]) انظر ميشال جوفيه، في كتابه بالفرنسية النوم والحلم، ص211- منشورات أوديل جاكوب،1992.

([24]) انظر المصدر رقم(4) ص212.

 

 

طاغور منارة الشرق

شخصيات متعددة في شخصية واحدة

د. حسن جعفر نور الدين

 

مشرق الشمس والشعر

في السادس من أيار سنة 1861م، وفي قصر [جوروسنكو]، وسط مدينة [كلكتا] الهندية، رُزق [دافندرانات طاغور] صبيًا، هو أصغر أولاده السبعة، فسماهُ [رابندرا]، أي [الشمس] بالبنغالية.

عاش طاغور طفولة هانئة مع أسرة مهرتْ فنونًا مختلفة، بعضها الرسم والغناء والشعر، وقد عبَّ من هذه الينابيع التي شحذت عبقريته.

كان أبوه أحد أعلام الصوفية، لذلك نشأ طاغور مستمعًا إلى تراتيلها التي امتزجت أنغامها بروحه، ووشّحت أشعاره بنغم ساحر.

وقد حرص أبوه على تعليمه في منزله، إذ كان في المدرسة التي ألحق بها لا يحب الخضوع للنظام، وكان معلموه في المنزل أشقاءه، باستثناء معلم واحد كان عالمًا وكاتبًا مسرحيًا. وهو إلى جانب ذلك درس في جامعة البنغال ونال إجازتها في الثالثة عشرة من عمره.

آنذاك كتب أولى نتاجاته الشعرية على لوح أردوازي، وهي أناشيد بعنوان [أزهار برّية]، ثم نشر سنة 1876م أناشيد بعنوان [قراءة الكبار]، ونشرت له مجلة بهاراتي قصيدة أدهشت الشعراء، بعنوان [أسد الشمس] سنة 1877م.

لم يكتفِ والده بتلقينه الدروس النظرية، بل اصطحبه في رحلات أعظمها الصعود إلى الهملايا حيث صومعته النائية، وكان في الحادية عشرة.

هناك سرّح نظره في شغاف الجبل المهيب، متأثرًا بمشاهده التي أغنت إحساسه وخياله، فآخى الطبيعة وأحبها.

وكان الأب يترك ابنه وحيدًا يجوب المسالك الوعرة، زارعًا في نفسه الشجاعة والاعتماد على الذات، وقد جمعه هناك برهبان بوذيين حبَّبوا إليه الصوفية، حتى عُدَّ شاعرَ المتصوفة ومتصوف الشعراء

كان لحياة التأمل هذه أثرها في نزعة الرمزية في شعره، وقد حرّضته على كتابة المسرحيات، مستلاً من مسرح الطبيعة والحياة قيمه الجمالية والإنسانية.

وقد شاء الله لبذرة الشاعرية في ذاته أن تنمو وتتعاظم، فينشر ما بين سن 15 و18 من عمره سبعين ألف بيت من الشعر، وقد جمعها في كتاب سماه [تاريخ شاعر]، ثم أضاف إلى هذا الحشد سنة 1880م قصته المأساوية [القلب الكسير]، ثم سنة 1881م ديوان [أغنيات الطفولة]، فالقصيدة الدرامية [ساعي البريد] سنة 1914م.

وبين عامي 1909 و 1916م أصدر 17 كتابًا ضمّنها أناشيده وأغنياته التي كان ينشدها في مدرسته [مرفأ السلام]، علاوة على مسرحيته الشعرية الرائعة [الناسك].

في هذه الرحلة الشعرية أحداث جمة رسمت حياة الفيلسوف، فقد نجا وهو طفل مع أخيه [جيوتير] خلال رحلة صيد من أنياب نمر شرس، بعد أن جندله جيوتير برصاصة قاتلة.

وظلّت حياة طاغورَ هانئة إلى أن امتحنه القدر بوفاة أمه، وكان في الرابعة عشرة، فخلّف موتها في نفسه حزنًا رافقه مدى حياته، قال في رحيلها:

[لقد حرمني القدر أمي، فأصبحت وحيدًا، كانت الطبيعة رفيقي].

كان يكبر الطفل وتكبر معه قصائده الشجية لتخطّ له طريق المجد، وكأنما أشرقت عبقريته الشعرية مع إطلالته على الحياة.

كان يجد من عائلته التشجيع، بَيْدَ أن أباه كان يُعدّه لدراسة القانون، لذا أرسله إلى كلية برايتون في بريطانيا، وهناك لم يجد طموحه، فعاد إلى وطنه بعد أن نهل من معين الأدب الإنكليزي، وأتقن الإنكليزية، مما ساعده على ترجمة بعض مؤلفاته من البنغالية.

عاد ليطل على العالم بشعره الراقي، ويقدّم له ديوان [أغاني المساء] تحفةَ الشعراء، ثم ألحقه بديوان [أغاني الصباح] المشبع بالغموض والرمزية.

لما بلغ الثانية والعشرين، انتقت له أسرته فتاة في الثانية عشرة اسمها [مريناليني ديفي]، فاستجاب على الفور، إذ لم تكن تسمح التقاليد له بالخروج على قرار العائلة، وقد انتقد طاغور هذا التقليد البالي بعنف في معظم رواياته، خاصة [حطام السفينة]، إلا أن اختيار العائلة كان مناسبًا، فقد محضت ديفي زوجها المحبة والسعادة، وهو يعبّر عن ذلك قائلاً:

[لقد حلّت الفرحة بسرعة من جميع أطراف الكون،إنها زوجي، لقد أشعلتْ مصباحها في بيتي وأضاءت جنباته].

ورزق الله الشاعر ثلاثة أطفال أفعموا قلبه سعادة وبهجة، بَيْدَ أن هذه السعادة لم تدم، فقد ماتت زوجته في ريعان الصبا، ثم لحق بها ابنه وابنته وأبوه، كل ذلك ما بين 1902 و1918م.

مصائب جمة، كادت تهدُّ من صبره، لولا إيمانه بأن الموت صفحة تُطوى لتفتحَ صفحة خالدة أنقى وأحلى.

على حافة سرير ابنه المريض نظم طاغور ديوان [الهلال]، وهو قطع من فؤاده المُعَنَّى ، ومما ورد في ديوان الهلال قصيدة مفعمة بالوجدان اسمها [نشيد أرض المنفى] يتحدث فيها الشاعر على لسان ابنه الراحل مخاطبا أمه في منفسح السماء العظيم :

أمّاه لقد اربدّ النور في السماء ولا أعلم ما هو الوقت

دعي عملك يا أمي واجلسي هنا قرب النافذة

إن ظل المطر قد غطى كل منفسح السماء

البرق الضاري يمزّق بمخالبه الفضاء

وحين تهدر الغيوم ويتهزّم الرعد فإنني أحب أن أشعر بوجيب

قلبي الخائف وأن أتعلّق بك([1])

وفي سنة 1903م طبعت قصائد كثيرة له في ديوان سماه [إهداءات].

ولعل أروع إبداعاته الشعرية ديوانه الخالد [جيتنجالي] أو [القربان الشعري]، وقد عقّب عليه الكاتب الفرنسي أندريه جيد قائلاً:

[ليس في الشعر العالمي كله ما يدانيه عمقًا وروعة].

ومما جاء في هذا الديوان :

هذه صلاتي إليك يا مولاي ، اضرب ، اضرب جذور ذلك الفقر في قلبي

هب لي القوة لأتحمّل في هينة ويسر آلامي وأفراحي

هب لي القوة لأجعل قلبي مثمرًا في خدماته

هب لي القوة لأعمل على ألا أتنكر للفقير وألا أثني ركبتي أمام السلطان المتحدي

هب لي القوة لأرقى بفكري بعيدًا عن السفاسف اليومية

هب لي القوة لأضع قوتي في شغف تحت إرادتك([2]).

هذا الطودُ الشامخ، كان من الحنان بحيث تشجّعت فئرانُ السنجاب على ارتقاء ركبتيه، واطمأنت الأطيار إلى الوقوف على راحتيه.

ومن بعض ما ورد في [جيتنجالي] [نشيد الصلاة] من قصيدة رقم 36 في الديوان :

إن نصيبي من متاع هذه الدنيا سوف يأتي من يديك ، كذلك

كان وعدك ولهذا فإن نورك تلألأ فوق دموعي

إنني أتردد في اتباع الآخرين ، خشية أن أفوتك حيث

تنتظرني عند منعطف الطريق لتكون دليلي.

 نشاطه ونضالاته

حلّق طاغور في كل اتجاه، مُجنّحًا بالحب والألم، والفكرة والنغم، تزهو باسمه الهند، وهو يفرع جبالها، ويجوزُ حدودَها، وينحدر كالشعاع النقي، فيغسلُ بكلماته الأرواحَ والقلوب التائقة إلى الحرية والسلام.

في عام 1901م أنشأ في ضواحي [كلكتا] مدرسة سماها [شانتي نيكيتان]، أي [مرفأ السلام]، كانت في قلب الغاب بين سلالات الأشجار الباسقة، وقد وضع لها خطة تلحظ برامجها وقوانينها، فالدروس النظرية تبدأ مطلع الفجر وتختم عند الثانية عشرة ظهرًا، بعد الظهر، تبتدئ برامج التعليم العملية، حيث ينصرف الطلاب إلى الحدائق ينسقونها ويزرعونها، ويختار بعضهم التوجه إلى القرى المجاورة لتعليم الفلاحين وإرشادهم، وبعد العشاء، يعكف الطلبة على قراءة القصص أو ترتيل الأغاني، أو تمثيل المسرحيات، وفي العاشرة ليلاً يأوي الجميع إلى النوم.

في هذه المدرسة ألقى طاغور محاضرات على طلابه جمعها في كتابه [سادهانا]، ثم أنشأ سنة 1918م، غربي البنغال، في [شانتي نيكتان]، مدرسته الفلسفية، [فيسفابهاراتي]، أي الجامعة الهندية للتعليم العالي، وكان هدفها تعزيز ثقافة السلام والتعاون بين الشعوب.

وكان قد تبرع بربع المبلغ الذي حصل عليه سنة 1913م إثر نيله جائزة نوبل للآداب لبناء هذا الصرح العظيم.

قام برحلات لا تحصى، فلفّ القارات سائحًا ومحاضرًا وواعظًا، حاملاً مشاعل المحبة والسلام.

عاود زيارة بريطانيا سنة 1913م، وتعرّف على شاعريها [ييتس] و[إزراباوند] موثقًا صِلاته بالأدب الإنكليزي.

كانت رحلته هذه طويلة ومفيدة، مرّ فيها بمصر، فكرّمه أدباؤها، وأقام له شوقي أمير الشعراء احتفالاً مهيبًا حضره د. طه حسين وسعد زغلول، الذي أجّل اجتماع مجلس النواب ساعة لكي يتسنى للنواب المشاركة في التكريم، وغنّى فيه محمد عبد الوهاب مقطوعة من [مصرع كليوباترا].

وخلال مروره بروما، استقبله في ساحة [كولوسيوم] ثلاثون ألف شخص بالهتاف والتحية، ومنحته جامعة أكسفورد في بريطانيا سنة 1940م دكتوراه فخرية تقديرًا لعبقريته وعطائه، وكان قد مُنح جائزة نوبل للآداب سنة 1913م على ديوانه العظيم [قربان الأغاني]، أو [جيتنجالي]، وجاء في قراءة اللجنة:

[إنها المرة الأولى وربما الأخيرة التي نعثر فيها على إنسان من هذا الطراز، فائق البراعة، عظيم الجودة].

في رحلاته كان وطنه في قلبه وعقله، لم يتوانَ عن نصرته، مقاومًا بشعره وخطبه ورواياته مكائد الاستعمار، فقاد تظاهرات شعبية سنة 1905م تندّد بتقسيم البنغال، وسعى إلى إبعاد مناهج التعليم البريطانية عن مناهج الهند.

وتدفعه حميته إلى التخلّي عن لقب (فارس)، الذي خلعه عليه ملك بريطانيا جورج الخامس سنة 1915م، بعد أن أطلق الإنكليز النار على متظاهرين هنود ضد التواجد الاستعماري، فقتلوا منهم أربعمائة متظاهر، وقد دفع قبوله لهذا اللقب (سير) خصومه إلى اتهامه بخيانة الهند.

وإن كان قد حصل تباين بينه وبين غاندي حول وسائل مقاومة الاستعمار البريطاني، إلا أن ما فعلاه عبّد طريق الاستقلال، فأبو الهند ومنارة الهند، نقلا بلدهما بالقصيدة والكفاح، والمغزل والمظاهرات، والصيام والمقاطعة إلى ضفاف الحرية.

قال غاندي في صديقه طاغور:

[طاغور بحق منارة الهند]، ولعله منارة الشرق كله.

عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانت الهند تخوض نضالها في سبيل الاستقلال، خاطب شعبه قائلاً:

[حيثما يتحرر العقل من الخوف ويشمخ الرأس عاليًا، وحيثما تتوافر المعرفة بلا قيود، وحيثما تنطلق عقولكم نحو العمل لبلوغ فردوس الحرية، أناشدك رباه أن توقظ قومي من غفلتهم وغفوتهم].

هذا هو عبقري الهند، ذو وطنية حادة واستيعاب واعٍ للحب والله والمرأة والرجل والطبيعة.

هو شخصية وحيدة نوعها، مصلح كانت له شجاعة مهاجمة الآراء الاجتماعية في الهند المتمثل بنظام الطبقات، وعقيدة تناسخ الأرواح أعز عقائد الهنود على قلوبهم، كما أنه احتجّ على الإسراف في النزعة القومية، حسبه أنه خطيب مُفَوّه، ومحاضر لَسِن، ومربٍّ موجِّه، وصوفي معتدل.

طاغور الموسيقي

وهب الله طاغور صوتًا عذبًا، وعشقًا للموسيقى والغناء، كان يصغي منذ صغره إلى أخيه [جيوتير] وهو يعزف على البيانو، ويدندن بقصائده وفق ما يسمعه من لحن، فهو يرى أن اللحن يجب أن يسبق الشعر، بل أن الشعر والموسيقى كيان واحد.

هكذا كانت الموسيقى الهواء الذي تنفّسه منذ طفولته، إذ سرعان ما وجد نفسه ينشد الأغاني الزاخرة بحبه للهند، ويضع لها موسيقاها بنفسه، وتعظم غبطته عندما وجد الهند تتغنى بها وتهيم بإيقاعها الجميل.

وقد وضع طاغور أكثر من ثلاثة آلاف أغنية، أسهمت في تطور الموسيقى الهندية المعاصرة، وكان لدراسته في لندن أثر كبير في هذا التطور، خاصة في نتاجه الشخصي، حيث أبدع مسرحيته الموسيقية [فالميكي] تيمنًا بأقدم شعراء الهند.

وعندما أشرف على الكبر، اعتمد على ابن أخيه، فكان طاغور يغنّي وابن أخيه يأخذها عنه ويذيعها، لتصبح على كل شفة ولسان.

جاء في كتاب [السادهانا] لطاغور:

 [الموسيقى أنقى أشكال الفن، وهي أقرب تعبير عن الجمال.

إن نور الموسيقى يضيء الدنيا.

إيه أيها المعلم، لقد جعلت قلبي أسيرًا في الشابك الممتدة من موسيقاك].

طاغور المصوّر

كان طاغور متعدد المواهب ، لم يثنه تقدم العمر عن إشباع ميوله الفنية التي أججّها إحساسه بروعة الفن وجماله.

ففي السبعين من عمره، رأى أن يزاول مهنة التصوير، كانت له عين باصرة تفسّر جمالات الأشياء، ومن هنا كان عليه تفسير لوحاته التي كانت مزيجًا غريبًا من الألوان، وهو في إجاباته للسائلين كالشاعر الرمزي الذي يلقي على القصيدة مهمة الإجابة، إذ كان يجيب أن على صوره أن تفصح عن المعنى وليس عليها أن تفسّره، فالفن يماثل الحبّ كونه غير قابل للتفسير.

إن لوحة طاغور تلد كالفكر حين يدخل في سُبات، ثم تتّضح وهي في طريقها إلى التكوين، ويعجب المرء بين دقة التصوير ورحابته في آن معًا، وتنساب الألوان بقعة ضبابية، فبياض ثلجي، فحمرة، تليها خضرة موشاة بلون بنفسجي، وتأتلق الألوان جميعها في اللوحة لتصبح عالمًا حيًا.

هكذا اكتشف الناس في عبقرية طاغور أسرار النغم واللون، في لوحات خلابة، واحتفاءً بهذه العبقرية الخالدة أقيمت لطاغور معارض كثيرة، ظفرت بإعجاب نقّاد الفن والتصوير في العالم أجمع.

هكذا حلا لطاغور أن يدخل جنّة الألوان وهو طاعن في السن، ليجوّد في فن التصوير، ويترك قرابة ألفي لوحة تعدّ تراثًا فنيًا خالدًا.

كانت تنسرح نظراته إلى الألوان الخلابة، ثم تنكفئ إلى نسيج لوحته، وتواكب نقلة ريشته، وتهديها وتفسح أمامها عالمًا من الزهر البديع.

ولإيمانه بأن روحًا تجمع الفنون، كان يعمد إلى مخطوطات قصائده يبزّ فيها يراعه بخطوط وأشكال عجيبة، كأنها أشباح تتمايل برشاقة.

وبشكل عام، كانت لوحاته تجلوه مصورًا بارعًا، تنقاد الألوان لريشته طيّعة راضية.

طاغور المسرحي

برع طاغور في تأليف المسرحيات الشعرية، ولقد شاء الله أن تجتمع فيه عناصر الفن كلّها.

في معظم مسرحياته تلمس روح الشعر وحضوره، كما في مسرحية [دورة الربيع] التي تلامس فن الشعر والغناء أكثر من المسرح.

فالحوار فيها صور شعرية مفعمة بالموسيقى، والأزهار تؤدي أدوارها في الربيع فتسعد وتشقى كالناس، كما يرى طاغور:

[ ها هي تتراءى براعم غضة، تتغنى مع برعم (الشامباك).

إن حركتي تختبئ في سكون أعماقي، في ميلاد الأوراق الغضّة، وفيض الزهور].

وفي المسرحية أفكار فلسفية وحكم بليغة، وصور ساحرة.

ويلوّن دائمًا في مسرحيته الحوار بأبيات من الشعر مليئة بالحكمة وبُعد النظر كما في قوله عندما يتحدث عن الحظّ:

ألا إن حظ ابن آدم   يبدو   سريع التقلّب لا يستقر
كزهرة لوتس  تهفو  شرودًا    فطورًا تقرّ وطورًا تفر
وينهب في الغد ما كان أعطا    هُ ويلعب لعبة القدر
فكل اعتقاد بحظٍ      جنون    كل اعتماد على الحظ
شرّ[3]

وهكذا معظم مسرحيات طاغور، تؤالف بين الصورة الشعرية والفكرة، كما في مسرحية [الضحية] التي يسود فيها حوار فكري هادف، إذ يقرر الملك [غوفيندا] تحريم الأضاحي، بعد أن صُدِع قلبه بمرأى فتاة راحت تبكي عندما أخذت عنزتها لتقدم قربانًا.

وتسود في مسرحية [شيترا]، الصورة الشعرية دون أن تمس عمق الفكرة، كذلك في مسرحيات [الملك والملكة]، و[الضحية]، و[لعنة الوداع]، و[ماليني] و[الناسك].

ويظهر في مسرحية [مكتب البريد] طفل أقعده المرض، ينتظر أمام النافذة رسالة من الملك [هيرالد]، وهو يتحدث إلى السابلة في حوار ساذج، يضيقون في البدء بأسئلته، لكن الحديث يتصل سلسًا كنغم جميل لينقّي همومهم وأحزانهم، بَيْدَ أن الرسالة المنتظرة لم تصل إلى الطفل المدنف، وأخيرًا يَمثُل الملك نفسه أمام الطفل لتتسامى روحه مطمئنة سعيدة.

وهكذا في مسرحيات طاغور جميعها، وعددها أربع وعشرون، تمتزج الصور والأفكار بنبضات فؤاده، حاملة رسالته الإنسانية إلى العالم.

آخر المطاف

[من أنت أيها القارئ، أنت الذي ستقرؤني بعد مائة عام

ليس في مكنتي أن أبعث إليك بزهرة واحدة من هذا الإكليل الربيعي ولا بشعاع مذهب واحد من تلك السحب هناك]([4]).

هكذا كتب طاغور رسالته قبل رحيله بأيام.

كان زرعه غنيًا وحصاده وفيرًا، ثم غاب العملاق عن مائة وعشرين مجلدًا تاركًا كرومه النديّة للأجيال.

في 8 آب سنة 1941م، قطف الموت روح الشاعر العظيم، بينما كان بين رفاقه وأفراد أسرته، كان يعلم ذلك:

[أنا أعلم أنه سيأتي يوم أضيّع فيه هذه الأرض عن ناظري].

بهذا كان يودع نفسه:

[إن الحياة تغادر في صمت بعد أن تسدل على عينيّ الستار الأخير].

وقبل أن يرحل قدم عصارة فكره وذكرياته:

[سأضع أمام زائري كأس حياتي المترعة، وكل قطوف كرومي، كل حصاد حياتي الدؤوب].

 ثم غابت شمس طاغور وراء هضاب التاريخ، إلا إنها ظلّت وهي في خفائها حاضرة حضور الضمير.

كان قد جاوز الثمانين بخطوات، من 1861 وحتى 1941م، عمر ثريّ أكثر مما هو بكثير، وما بين هذين التاريخين مائة وعشرون مجلدًا، ولوحات فنية، وقطع موسيقية، ومجموعات شعرية، ونضال مرير، وأسفار وتنقلات، جعلت من طاغور واحدًا من عباقرة العالم بأسره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

([1]) روائع طاغور ، ص310 .

([2]) روائع طاغور ، ص69 .

([3]) روائع طاغور ، ص354 ترجمة بديع حقي ، ط 4 1979م .

([4]) روائع طاغور ، ص41 .

 

 

"فَعالِ" و"فَعْلالِ"

دراسة خاصة لكل الألفاظ على طرازها

شريف يحيى الأمين

 

تمهيد:

يندهش الباحث في تراث الفكر الإسلامي العربي بلغة الضاد والقرآن والعلم، وغنى هذه اللغة بالمفردات الغزيرة، مما يدل على سعة هذه اللغة وسعادتها بالسالف من أهلها، فيتوقف مليًا ويأخذه العجب مما قدّمه مصنفو الموسوعات والأسفار من معلومات ومعارف وكنوز فكرية متنوعة (طب وفلسفة ورياضيات وفلك وغيرها) وهي أشرف ما لدينا، تدل على ذهنية علمية مع تصميم وإصرار لإنجاز ما وطّنوا أنفسهم عليه مع اعتماد كل واحد منهم على ما سطره من سبقه في مختلف المواضيع التي تناولوها، حتى أنهم بيّنوا أن لكل كلمة وحرف معنى خاصًا، بل ولكل حركة (فتحة أو ضمة أو كسرة)، استنبطوه بالأدلة والبراهين التي اعتمدوا عليها والشواهد التي ركنوا إليها، فاهتموا بهذه اللغة الشريفة وبكل دقائقها وتفاصيلها، فما وجدوه صحيحًا دونوه وما كان خطأً أشاروا إليه وأصلحوه وما كان مهملاً أضافوه، ثم إنهم من أجل تسهيل فهم هذه اللغة والعناية بها ابتدعوا طريقة نظم الأراجيز لما فيها من ترغيب للّغة وقواعدها، والتي بلغ بعضها الألف بيت (ألفية ابن معطي وألفية ابن مالك) واللّتان حظيتا بشرح العديد من العلماء، مما دلّ على رغبة متواصلة وراسخة للحفاظ والحرص على هذه اللغة عن طريق الاهتمام الجدي بها وفهمها وشرحها وتقصّي كل معانيها.

أسماء الأفعال المقيسة على وزن "فَعالِ":

إن الكثير من الذين كان لهم حظ واهتمام بدراسة اللغة وقواعدها وفروعها ربما ما زالوا يذكرون بيتين من الشعر:

أحدهما:

إذا قالت حَذامِ فصدقوها

 

فإنّ القول ما قالت حَذامِ
 

والآخر:

هي الدنيا تقول بملء فيها
 

 

حَذارِ، حَذارِ من بطشي وفتكي
 

فهما من الشواهد الشعرية الشائعة لاسم هذا الفعل في بعض معانيه، والذي من حقه أن يأخذ نصيبه من البحث وحده لا أن يشرح بصورة عرضية مع بقية أسماء الأفعال الأخرى: المرتجلة منها والمنقولة، مثل ( شتّان وهيهات وعليك ودونك وسواها)، بل من المناسب والمفيد -بعد إيراد الشروح المذكورة والموزّعة في مختلف المصادر- من ترتيب هذه الألفاظ بشكل خاص ليكون شاملاً لها حسب أنواعها، لما فيها من الطرافة والنكهة الخاصة المصاحبة للفائدةـ، فإن الأولى والأجدر أن تأخذ نصيبها وحدها، لا أن تحشر وتشرح بشكل هامشي ومقتضب، من أجل ذلك اقتضى جمعها من مصادرها، كونها مبعثرة في الشعر والنثر والتراجم والأمثال والتاريخ بالإضافة إلى كتب اللغة (معاجم وصرف ونحو)، وقد تصبح هذه الطريقة نموذجًا لبقية أوزان اللغة وحتى حروفها من ألفها إلى يائها بشكل موسوعي مبسط ليسهل درسها وفهمها ونشرها والترغيب بها.

صياغته وأنواعه وسبب بنائه على الكسر

يصاغ من مصدر كل فعل ثلاثي اسم فعل موازن "فَعالِ" بفتح الفاء والعين، ويبنى على الكسر للدلالة على مجموعة ألفاظ: إما للدلالة على الأمر أو صفة سب للمؤنث، وإما تختص باسم علم للجنس أو للدلالة على مجموعة من أسماء أعلام.

الأول: يصاغ من مصدر كل فعل للدلالة على الأمر مما اجتمع فيه ثلاثة شروط:

أ- أن يكون ثلاثيًا .

ب- أن يكون تامًا أكان صحيحًا مثل كتب أم معتلاً مثل وسع.

ج - أن يكون متصرفًا.

فهو اسم فعل موزون أو مقيس (قياسي)، المعنى أن له ضابطًا وحكمًا كليًا على جزئياته بلفظ واحد في جميع حالاته، فيبنى من نزل نَزالِ ومن ذهب ذَهابِ، بمعنى انزل واذهب، فهو اسم فعل أمر، بمعنى افعل وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره : أنت.

- ولا يبنى من الأفعال الناقصة مثل كان وظل وصار وكاد.

- كما أنه لا يصاغ من غير المتصرف مثل نعم وبئس وساء وحبّذا.

- كما أنه لا يصاغ من الأحرف المشبّهة بالفعل مثل ليت ولعل.

- ولا يصاغ من الرباعي مثل دحرج وبعثر ودكرب وقعطب.

- ولا يجوز بناء شيء منها من نحو اللّصوصية، لأنه لا فعل له على قول ابن هشام مع أن لها فعلاً هو : لصَّ الباب، أي أغلقه.

- ولا يصاغ من الأسماء الجامدة أكانت ثلاثية أم رباعية مثل تين وتفاح وعنب وزينب وجعفر.

يتفق اسم الفعل والفعل بالدلالة على المعنى الواحد وينوب عنه في معناه وعمله وزمنه، ويؤدي هذا المعنى على هذا الوجه مع إيجاز اللفظ لالتزامه صورة واحدة لا تتغير بتغير المفرد والمثنى والجمع والتذكير والتأنيث،ولا يبرز منها ضمير أصلاً، كما يتوافقان في التعدي واللزوم، ويجوز توكيد الفعل باسم الفعل مثل: اقلب قلابِ وانزل نزالِ، ولا يجوز العكس أي لا يجوز تقديم اسم الفعل على الفعل، ولا يعمل اسم الفعل إلا مذكوراً، ولا تتصرف أسماء الأفعال ولا تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، بل تدل على حالة واحدة وهي عاملة ولكن لا محل لها من الإعراب.

- وأما بناؤه على الكسر وكان من حقه السكون لأن فعل الأمر ساكن إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين، كما شرح هذا الأمر الجوهري، وزاد "الأعلم النحوي": لأنه اسم علم مؤنث مثل حَذامِ وقَطامِ، والكسرة والياء مما يُخصّ به المؤنث كقولك: "أنت تعلمين" ونحوه.

الثاني: يُصاغ اسم بمثابة صفة سب للمؤنث، ولا يجوز تأنيثه، وهو عامل ولكن لا محل له من الإعراب، فلا يكون مبتدأً ولا خبرًا ولا فاعلاً ولا مضافًا، ولا يستعمل إلا في النداء فيقال: يا خَباثِ بمعنى يا خبيثة، ويا لَكاعِ بمعنى يا لئيمة، ومن كلام عمر (رض) لبعض الجواري: أتتشبهين بالحرائر يا لَكاعِ؟، فأما قول الشاعر:

أطوف ما أطّوف ثمّ آوي

 

إلى بيت قعيدته لَكاعِ
 

فاستعمالها في غير النداء ضرورة شاذة، وتعرب لَكاعِ خبرًا لمبتدأ هو "قعيدته"، ومنهم من شرحها على وجه آخر تقديره قعيدته مقول لها يا لَكاعِ.

الثالث: ومنها ما يُصاغ ولكنه صار بالغلبة علمًا للجنس، مثل حَلاقِ اسم للموت، كانت في الأصل صفة لكل ما يحلق، وجَباذِ للمنيّة، ومنها أيضًا حَيادِ للداهية بمعنى تحيد أي تميل سميت بها تفاؤلاً.

ومن الممكن أن يسبق هذه الأسماء أو يتبعها فعل أمر مناسب لها مثل حَيدي حَيادِ أو فَشاشِ فُشِّيه.

الرابع: كما يُصاغ منها أسماء أعلام نساء أو حيوانات أو أمكنة وغيرها، وجميع هذه الأعلام الشخصية ألفاظها مؤنثة ولا تدخلها الألف واللام ولا يجمع مثل قَطامِ وحَذامِ وغَلابِ، وقد منعت من الصرف للعلمية والتأنيث والعدل، أما عند التنكير فحكمها الصرف، كقولك: "رُبّ سعادٍ وقَطامِ" لبقائه بلا سبب أو على سبب واحد وتعامل كبقية أسماء الأعلام، ويبني أهل الحجاز هذه الأسماء على الكسر مطلقًا وفي كل حال، أما أهل نجد فيوافقون أهل الحجاز بشرط أن يكون آخره راء مثل جَعارِ وسَفارِ وحَضارِ، أما بقية الأسماء التي لا تنتهي بالراء فيجرونه مجرى ما لا ينصرف نحو عمر وزفر، فيقولون هذه رَقاشُ وقَطامُ وحَذامُ وهو القياس والتأنيث، لأنه علم وليس فيه إلا العدل، غير أن الأشعار جاءت على لغة أهل الحجاز، كما بيّن الجوهري هذا الأمر مثل قول امرؤ القيس: قامت رَقاشِ على عجلٍ.

وللنابغة: أتاركةٌ تدللها قَطامِ؟

ولآخر: إذا قالت حَذامِ فصدقوها.

الفئة الأولى: أفعال الأمر المشار إليها فقط في بعض المراجع

على سبيل إجازة استعمالها والتمثيل بها، مرتبة على حروف المعجم:

أَكالِ: بمعنى كُل (أمرٌ بالأكل).

بَدارِ: بَدارِ أيها الطلاب إلى الدرس، أي بادروا إلى الدرس.

بَراكِ: يقولون بَراكِ ، بَراكِ، بمعنى ابركوا أي واظبوا واثبتوا.

تَراكِ: يقولون: تَراكِ الفاسقَ، أي اترك الفاسقَ.

جَمادِ: جَمادِ له، كلمة تقال للبخيل، أي لا زال جامد الحال، وهو خلاف حمادِ، قال المتلمس:

جَمادِ لها، ولا تقولي
 

 

لها أبدًا، إذا ذُكرَت حَمادِ

حَذارِ: بمعنى: احذر، قال أحدهم: حَذارِ من أرماحنا حَذارِ.

وقال أبو الفرج الساوي أحد كتّاب الصاحب بن عباد، راثيًا فخر الدولة:

هي الدنيا تقول بملءِ فيها
 

 

حَذارِ، حَذارِ من بطشي وفتكي

ولآخر:

سلْ عن شجاعته وَزِرْهُ مسالمًا
 

 

وحَذارِ، ثم حَذارِ منه محاربًا
 

وقال رجل ناصحًا بنيه:

حَذارِ بني البغيَ لا تقربنَّه

 

حَذارِ، فإن البغي وخيم مراتعه

وقال غيرهم:

حَذارِ حَذارِ من جشعٍ فإني
 

 

رأيت الناس أجشعها اللئامُ
 

وقال آخر وقد أدخل عليه حرف جر:

أَبيتُ كأني من حَذارِ قضائه.

حَضارِ: أي احضُر.

حَمادِ: حَمادِ لفلان، أي حمدًا له وشكرًا لأنها صفة غالبة.

خَراجِ: يقولون: خَراجِ، خَراجِ، وهي لعبة لهم تدعى الخريج.

دَبابِ: دعاء للضبع، يقال لها: دَبابِ أي دِبّي.

دَراكِ: أي أدرك، قال الشاعر:

دَراكِها من إبل دَراكِها

 

أما ترى أن الموت لدى أوراكها

ذَهابِ: بمعنى اذهب.

ذَمارِ: أي احفظ ذمارك.

زَحامِ: بمعنى ازحم في مجال الإصلاح.

سَماعِ: أي اسمع.

ضَرابِ: بمعنى اضرب.

ضَمارِ: بمعنى اضمر.

طَمامِ: بمعنى الأمر، هذا من قولهم: جاء السيل فطمَّ الركيّة، إذا دفنها حتى يسويها بالأرض.

ظَفارِ: بمعنى اظفر، أو معدول عن ظافر، وقد أعربه قوم.

عَبابِ: يقولون: لا عَبابِ: أي لا تعبَّ في الماء مثل الدواب.

غَلاقِ: كأنه معدول عن غالق، والغَلاق إسلام القاتل إلى أولياء المقتول تفعل فيه ما تشاء.

قَلابِِ: يقولون: اقلب قَلابِ، يضرب للرجل تكون منه السقطة فيتداركها بأن يقلبها إلى غير معناها.

كَتابِ: بمعنى اكتُب.

كَسالِ: بمعنى اكسل.

مَساسِ: يقال: لا مساسِ، وهذا من قول بعض العرب، ويُبنى على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المسّ، أي لا تَمسَّني أو لا مماسَة.

لَعابِ: بمعنى العب.

مَناعِ: بمعنى امنع، وحكمه من المنع.

نَزافِ: أي انزُف، ومنه قول ابنة الجُلَنْدى ملك عُمان حين ألبست السُّلَحْفاة حُليَّها فغاصت في البحر فدعت جواريها وقالت: انزُفْنَ نَزافِ، نَزافِ، لم يبقَ من البحر غيرُ قُدافِ، أي لم يبقَ غيرُ جرّة من فَخار.

نَزالِ: بمعنى انزل، وهو معدول عن المنازلة، ولهذا أنّثه زهير بقوله:

ولأنتَ أشجعُ من أسامةَ إذ
 

 

دُعِيَتْ نَزالِ وَلُجّ في الذُّعْرِ
 

ولطليحة الأسدي:

عَوَيتُ لهم صدرَ الحِمالةِ
 

 

إنها معاودة قِيل الكماةِ: نَزالِ
 

عَوَيْتُِ: لويت، والحِمالة اسم فرسه.

ولآخر: ودَعْوا نَزالِ، فكُنتُ أولَ نازلٍ.

نَصارِ: بمعنى انصُر.

نَضادِ: من نضدتَ المتاع، إذا رصفته.

نَظارِ: بمعنى انظُر، قال رؤبة بن العجاج:

[نَظارِ كي أركبها نَظارِ].

نَعاءِ: من النَّعو، كانت العرب إذا مات منهم شخص له قدر ركب راكب فرسًا وجعل يسير في الناس ويقول: "نَعاءِ فلانًا"، أي انعَه وأظهر خبر وفاته، قال شاعرهم:

نَعاءِ ابن ليلى للسماحة والنَّدى
 

 

وأيدي شمال باردات الأناملِ
 

وقال الكميت:

نَعاءِ، جُذامًا غير موت ولا قتلٍ
 

 

ولكن فراقًا للدعائم والأصلِ
 

ولجرير:

[نَعاءِ أبا ليلى لكل طِمِرَّةٍ]، وفي الحديث [يا نَعاءِ العرب]، أي انعَهُم.

هَمامِ: لا هَمامِ، بمعنى لا أَهِم ولا أفعلُه، قال الكميت:

عادلاً غيرَهم من الناس طُرًا
 

 

بهم، لا هَمامِ لي، لا هَمامِ
 

يعاطِ: هذا من قولهم للذئب إذا زجروه: يَعاطِ، قال شاعرهم:

صُبَّ على شاءِ أبي رِباطِ
 

 

ذؤالةُ كالأقدحِ المِراطِ
 

                         يهفو إذا قيل له: يَعاطِ.

ولآخر: وقد أنّثه: تنجو إذا قيل لها: يَعاطِ، الضمير في لها راجع إلى الضبع.

الفئة الثانية: أسماء الأفعال بمثابة صفة سب للمؤنث.

خَباثِ: يا خَباثِ، أي يا خبيثة، قال ابن مالك: [في سبّ الأنثى وَزْنُ يا خَباثِ].

دَفارِ: يا دَفارِ بمعنى يا مُنتِنة، أي يا لَكعاء، ويقال للأمة إذ شُتمتْ يا دَفارِ، وأكثر ما ترد في النداء، وأم دَفارِ كنية الدنيا.

دَناءِ: يا دَناءِ، أي يا دنيئة.

زَناءِ: يا زَناء، أي يا زانية.

سَراقِ: من سرق، يقال: يا سَراقِ بمعنى يا سارقة.

فَجارِ: يا فَجارِ، يريد يا فاجرة.

فَساقِ: يا فَساقِ أي يا فاسقة، من فسق بمعنى فجر وخرج عن أمر ربه.

قَثامِ: يا قَثامِ، كلمة تقال للأمة القذرة.

لَكاعِ: يا لَكاع، بمعنى يا لئيمة، ومن كلام عمر (رض) لبعض الجواري: "أتتشبهين بالحرائر يا لَكاعِ؟".

ولا تقل : جاءتني لَكاعِ ولا رأيت لَكاعِ ولا مررت بلكاعِ.

الفئة الثالثة: أسماء بمثابة اسم علم جنس.

بَدادِِِ: أي مُتبَدَدة، هذا من قولهم في الحرب: "يا قومِ بَدادِ، بَدادِ"، أي ليأخذ كل رجل قرنه، وقولهم: جاءت الخيل بَدادِ أي مُتبَدَدة.

قال الشاعر:" والخيل تعدو بَدادِ".

كما يقال : " فرّقناهم بَدادِ"، ولحسان:

كنّا ثمانيةً وكانوا جحفلاً
 

 

لَجِبًا فَشُلّوا بالرماح بَدادِ
 

وبُني على الكسر لأنه معدول عن المصدر (وهو البدد) وللتأنيث والصفة، فلما منع بعلتين من الصرف، بني بثلاث، لأنه ليس بعد المنع من الصرف إلا منع الإعراب.

بَلالِ: يقال:[ لا تَبُلُّكَ عندي بَلالِ]، أي لا يصيبك منّي ندى ولا خير.

وقالت ليلى الأخيَليَّة:

فلا وأبيك يا ابن أبي عقيل
 

 

تَبُلُّكَ بعدها عندي بَلالِ
 

وهو ما يَبُلُّ الحلق من الماء واللبن، ومنه الحديث: [غير أن لكم رحمًا سأبلّها بِِبَلالِها] أي أَصِلُها بالدّعاء.

بَهانِ: هي المرأة الطيّبة النَّفَس والأرج.

جَباذِ: اسم للمنيّة، كانت في الأصل صفة عامة لكل ما تُجْبَذ ثم اختّصت بجنس المنايا، قال عمرو بن جميل:

فَاجْتَبَذتْ أقرانُهم جَباذِ
 

 

أيدي سبا أبرحَ ما اجتباذِ
 

جَداعِ: السَّنة الشديدة التي تَجدعُ بالمال، أي تذهبُ به، قال أبو حنبل الطائي:[لقد آليتُ أغدرُ في جَداعِ].

جَعاِر: اسم للضبع لكثرة جعرها، وهي معدولة عن جاعرة، وإنما بُنيت على الكسر لأنه حصل فيها العدل والتأنيث والصفة الغالبة، ومعنى غالبة أنها غلبت على الموصوف حتى صار يُعرف بها كما يعرف باسمه.

يقولون لها: روغي جَعارِ وانظري أين المفر]، ولا يقال: روغي إلا للمؤنث، وهي من المراوغة، وقال الشاعر:

فقلت لها عِثِّي جَعارِ وابشري
 

 

بلحمِ امرئٍ لم يشهدِ اليومَ ناصرُه
 

كما يقال لها إذا وقعت في الغنم:

أسرعتِ في قرار
 

 

كأنما ضراري
 

                               أردتِ يا جَعارِ.

حَلاقِ: كانت في الأصل صفة غالبة لكل ما يحلق عامة، ثم اختُصت بجنس المنايا، لأنه يستأصل الأحياء كما يستأصل الحلق الشعر، يقال: [سُقوا بكأسِ حَلاقِ].

حَيادِ: الداهية، كلمة يقولها الهارب الفار، وأصلها من حاد الشيء أي انحرف، وحَيادِ: المعنى اعدلي عنّا أيتها الحرب، قال علي عليه السلام: [فإذا جاء الجهاد قلتم حَيدي حَيادِ].

سَباطِ: اسم للحمى قال المتنخِّل:

أَجَزْتُ بفتيةٍ كرامٍ
 

 

كأنهم تملُّهم سَباطِ
 

"أجزت قطعت، تملّهم تحرقهم وتشويهم، وسَباط حمى نافض، أي ذات الرِّعدة".

سَوارِ: اسم جنس للداهية، قال الأزدي:

فقام مؤذنٌ منّا ومنهم

 

ينادي بالضحى: سوري سَوارِ
 

(سوري بمعنى ثِبي وثوري).

صَمامِ: الداهية أو الحرب، يقال لها صَمّي صَمامِ، أي زيدي واشتدي يا شديدة، وذلك إذا أبى الفريقان الصلح ولجّوا في الاختلاف فوقعت الحرب.

قال ابن أحمر:

فَردّوا ما لديكم من رِكابي
 

 

ولما تأتكم صَمِّي صَمامِ
 

"أي لا تجيبي الراقي ودومي على حالِكِ، فجعلها عبارة عن الداهية.

وقال الأسود بن يعفر:

فرت يهودُ وأسلمت جيرانَه

 

صَمّي لما فعلتْ يهودُ صَمامِ

كما يضرب للرجل يجيء بالداهية، فيقال له: صَمّي صَمامِ، أي اخرسي يا صَمامِ.

كما يقال: صَمامِ، صَمامِ، أي تَصامُّوا بالسّكوت.

طَبارِ: الداهية، يقال وقعوا في بنات طَبارِ، أي الدواهي.

طَمارِ: الداهية، معدول عن طامر، من طمر، إذا وثب عاليًا. كما يقال وقع في بنات طَمارِ، أي وقع في الدواهي.

فَجارِ: اسم للفجور، وهي معرفة جاء في ألفية ابن مالك: [كذا فجارِ علم للفجرة].

وقال النابغة:

إنّا احتملنا خُطَتَينا بيننا

 

فحملتُ بَرّةً واحتملتَ فَجارِ

فَشاشِ: الفَشّ إخراج الريح من الوَطْب (وعاء من الجلد) يقولون فَشاشِ فُشِّيه من استه إلى فيه، أي أخرجي ريح الكبر منه من استه إلى فيه وافعلي به ما شئت، فما به من انتصار.

فَشاشِ: المرأة الضروط عند الجماع.

فَياحِ: اسم للغارة، كان يقال لها في الجاهلية " فَيْحي فَياح"، أي اتسعي عليهم وتفرقي يا متّسعة، وذلك أن الخيل المغيرة إذا اندفعت انتشرت، كما يقال: فاحت الغارة تفيح، أي اتسعت قال شاعرهم:

دفعنا الخيلَ شائلةً عليهم

 

وقلنا بالضحى: فَيْحي فَياحِ

ومعنى فَيْحي انتشري أيتها الخيل المغيرة، وسماها فَياحِ لأنها جماعة مؤنثة وهي مثل حَيدي حَيادِ.

قَثامِ: أنثى الضبع، سميت بذلك لتلطخها بجعرها (الجعر هو الغائط الخارج من استها).

قَطاطِ: أي حسبي، يقال: قَطاطِ قطِّيه، قال عمرو بن معدي كرب:

أطلتُ فِراطهم حتّى إذا ما

 

قتلتُ سَراتَهم كانت قَطاطِ

أي قاطّة لهم.

كَسابِ: لقب للذئب.

لَحاصِ: اسم للشِّدة والداهية لأنها صفة غالبة، هذا من قولهم التحصه أي ألجأه واضطره إلى أمر ما، قال الهُذَلي:

قد كنتُ خرَّاجًا ولوجًا صَيْرمًا

 

لم تلتحصني حيصَ بيصَ لَحاصِ

معناها لم يعلق بها ولم يلحقه اختلاط وفوضى، وتُعرب لَحاصِ فاعلة تلتحصني.

لَزامِ: بمعنى صفة لازمة، تقول سببته سبًا يكون لَزامِ ، أي صار هذا الأمر لازمًا عليه.

هَجاجِ: يقال: ركب فلان هَجاجِ إذا ركب العمياء المظلمة، قال المتمرس بن عبد الرحمن الصحاري:

فلا يدَعْ اللئامُ سبيلَ غيٍّ

 

وقد ركبوا على لومي هَجاجِ

وَجاجِ: بمعنى الستر والحاجز، قال شاعرهم:

أُسودُ شرى لَقين أسودُ غابٍ

 

ببرزٍ ليس بينهم وَجاجِ

وَقاعِ: هي الدائرة على الجاعرتين، وحيثما كانت لا تكون إلا الإدارة أي ليس لها موقع معلوم، يقال: كويته وَقاعِ، قال عوف بن الأحوص:

وكنتُ إذا مُنِيتُ بخصمِ سوءٍ

 

دلفت له فأكويه وَقاعِ

يَسارِ: يقال: أنظرني حتى يَسارِ، معدول عن المصدر وهو المَيسرة.

قال الشاعر:

فقلتُ: امكُثي حتى يَسارِ لعلّنا

 

نحجُّ معًا، قالتْ أعامًا وقابلَه؟

الفئة الرابعة: أسماء الأعلام على اختلافها:

بَراحِ: اسمٌ للشّمس، أنشد قُطرب:

هذا مُقام قدمَي رَباحِ

 

ذبَّبَ حتى دَلكتْ بَراحِ

دَلكتْ بمعنى زالت وغابت.

بَهانِ: في الأصل هي المرأة الطيبة النفْس والأرج وهي امرأة بعينها دعيت بهذا اللقب لطيب نفسِها ومرحها، وقد ذكرها شاعرهم:

ألا قالتْ بَهانِ ولم تأبّق

 

نعمتَ ولا يليقُ بكَ النّعيمُ

حَذامِ: علم مؤنث، قيل إنها بنت العتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة، وقيل بنت الرّيان، كانت نبّهت قومها بوصول أعدائهم فلم يلتفتوا إليها وأخلدوا إلى المضاجع، لِما نالهم من التّعب، فقال أحدهم:

إذا قالتْ حَذامِ فصدقوها

 

فإنّ القولّ ما قالت حَذامِ

فلم سمعوه ثار القوم ولجأوا إلى وادٍ كان قريبًا منهم فانحازوا حتى أصبحوا وامتنعوا من أعدائهم.

حَضارِ: جبل بين البصرة واليمامة وهو إلى اليمامة أقرب، قال أبو النجم العِجلي:[وصوَّبَ الصَّخرَ إلى حَضارِ].

حَضارِ: اسم لكوكب، وهو أحد المُحْلِفَين، من أقوالهم: "حَضارِ والوزن محلَفان" وهما نجمان يطلعان قبل سُهَيْل، فيظن الناس بكل واحد منهما أنه سُهَيْل، فيحلف واحد أنه سُهَيْل ويحلف آخر أنه ليس به، وأنشد بعضهم:

أرى نارَ ليلى بالعقيقِ كأنّها

 

حَضارِ، إذا ما أعرضت وَفُرُودُها

والفُرودُ نجومٌ تخفى حول حَضارِ.

حَناذِ: اسم للشمس الطالعة، أو لحرارتها، قال عمرو بن حُمَيْل:

تَسْتَرْكِدُ العِلجَ به حَناذِ

 

كالأرمدِ استغضى على اسْتِئْخاذِ

خَصافِ: اسم لفرس أنثى كانت لمالك بن عمرو الغساني، ويسمى فارس خَصافِ، وهو أحد فرسان العرب المشهورين، ويقال إنه كان من أجبن الناس ولكنه أخذ العبرة من سهم وقع على حيوان فقتله، فأدرك أن القتل لا مفر منه، فشدَّ على أعدائه في المعركة، فكان من أشجع الناس، وقيل فيه: "أجرأ من فارس خَصاف"ِ، وشهد يوم حَليمة فأبلى بلاءً حسنًا.

وأنشد ابن بري : "تاللهِ لو ألقى خَصافِ عشية".

ويقال: إن خَصافِ فرس ذكر أيضًَا.

خَطافِ: اسم كلبة من كلاب الصيد عند بعضهم.

خَطافِ: اسم هضبة في بلادهم، وقيل جبل.

ذَمارِ: بلدة باليمن، والنسبة إليها ذَماري.

رَباحِ: اسم ساقٍ عندهم، ورد في قول الشاعر: "هذا مَقامُ قَدَمَي رَباحِ".

رَقاشِ: علم مؤنث تدعى الناقمية بنت عامر بن سعد بن عدي بن جديلة.

من أقوالهم: "اسقِ رقاشِ، إنها سقايّة" يضرب في الإحسان إلى المحسن، وقال امرؤ القيس:

قامت رَقاشِ وأصحابي على عجلٍ

 

تُبدي لكَ النَّحرَ واللُّبَّاتِ والجيدا

ورَقاشِ: أخت لجذيمة الأبرش، وفيها يقول: "خَبِّريني رَقاشِ لا تَكْذبِني".

سَجاحِ: علم مؤنث، اسم للكذّابة التي ادّعت النّبوة، هي امرأة من بني تميم بن مرة، ادّعت النّبوة فيهم ثم حملتهم على أن زفّوها إلى مُسَيْلَمة الكذّاب، فوهبت نفسها له، قال أحدهم:

وَأَزْنى من سَجاحِ بني تميم

 

وخاطِبها مُسَيْلَمةَ الزَّنيمِ

وقال الراجز: "عصت سَجاحِ شَبْنًا وقَيسًا".

كما يقال: "أعْلمُ من سَجاحِ"، وقيل لها أخيرًا بعد أن أسلمتْ: "قد أبصَرت من بعد العمى سَجاحِ".

سَرابِ: اسم ناقة كانت للبسوس خالة جسّاس بن مرة الشيباني، فرآها كليب وائل في حماه وقد كَسرت بيض طير كان قد أجاره، فرمى ضرعها بسهم، فوثب جسَاس على كليب فقتله، فهاجت حرب بكر وتغلب ابني وائل بسببها أربعين سنة، ومنه المثل "أشأمُ من سَرابِ".

سَفارِ: اسم منهل أي ماء لبني مازن بن مالك، يقع بين البصرة والمدينة قبل ذي قار، حيث كانت الوقعة بين بكر بن وائل وتميم ذكرها الفرزدق:

متى ما تَرِدْ يومًا سَفارِ تَجِدْ بها

 

أُدَيْهِمَ يرمي المُسْتَجيزَ المعَوَّرا

ولآخر: "وَصَخْرَ ذَاتِ الهامِ من سَفارِ".

سَكابِ: اسم فرس ذكرها الشاعر:

أبيتَ اللّعنَ إنّ سَكابِ عِلْقٌ

 

نفيسٌ لا يُعاُر ولا يُباعُ

شَمامِ: مشتق من الشمَم وهو العلو: جبل لباهلة ذكره جرير:

عاينتُ مَشعلةَ الرّعالِ كأنها

 

طيرٌ تغاول في شَمامِ وُكورا

ولآخر: "تظلُّ نسورٌ من شَمامِ عليهما" وله رأسان يسميان ابني شَمامِ، أشار إليهما لبيد:

فهلْ نبِّئتَ عن أخوينِ داما

 

على الأحداثِ إلا ابني شَمامِ؟

صَلاحِ: اسم مكة المكرمة، قال بعضهم:

أبا مَطرٍ هلمَّ إلى صَلاحِ

 

فَيَكْفيكَ النَّدامى من قُريش

ضَرافِ: موضع في ديارهم.

ضَمارِ: اسم صنم كان لمرداس أبي العباس بن مرداس يعبده، فلما حضره الموت، قال لابنه العباس: "أي بني اعبد ضَمارِ فإنه ينفعك ويضرك" فبينما العباس يومًا عند ضَمارِ إذ سمع من جوف ضَمارِ مناديًا هذه الأبيات:

قُلْ للقبائلِ من سُلَيمٍ كلّها
إنَّ الذي وَرِثَ النّبُوةَ والهُدى
أَوْدَى ضَمارِ، وكان يُعبدُ مرةً

 

أَوْدَى ضَمارِ وعَاشَ أهلُ المسجدِ
بَعدَ ابنِ مريمَ، مِنْ قُريشٍ مُهْتَدِ
قَبل الكِتابِ إلى النبي محمدِ

فأحرق العباس ضَمارِ وأتى النبي (ص) وأسلم.

ضَمارِ: موقع كانت فيه وقعة لبني هلال.

طَفافِ: يقال: : أتانا عند طَفافِ الشّمس" أي عند دنوّها للغروب.

طَمارِ: المكان المرتفع، يقال: انصبَّ عليه من طَمارِ" قال الشاعر يذكر مكانًا بعينه في الكوفة:

فإن كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري
إلى بطلٍ قد عفَّرَ السيفُ وجهَه
 

 

إلى هانيءٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ
وآخرَ يَهوي من طَمارِ قَتيلِ
 

طَمارِ: اسم جبل جاء حديث مطرف :"من نام تحت صدفٍ مائلٍ وهو ينوي التوكل فيلرمِ نفسه من طَمارِ".

طَمارِ: ابنتا طَمارِ، هضبتان عاليتان وقيل جبلان ذكرهما ورد العنبري:

وَضَمَّهُنَّ في المَسيلِ الجاري

 

ابنا طِمرٍ وابنتا طَمارِ

طَمامِ: مدينة كانت قرب حضرموت.

ظَفارِ: مدينتان باليمن في موضعين إحداهما قرب صنعاء، وكان بها ملوك حِمْيَر، وفيها قيل:" ومن دخل ظَفارِ حَمَّر" أي تكلم بالحِمْيرية، وقيل صبغ ثوبه بالحمرة لأن فيها المَغْرة (الطين الأحمر)، ووُجد على أركان سور ظَفارِ مكتوبًا: لمن ظَفارِ؟ لحِمير الأخيارِ، لمن مُلك ظَفارِ؟ للحبشة الأشرارِ، لمن مُلك ظَفارِ؟ لفارس الأخيارِ، لمن مُلك ظَفارِ لحمير سيحار.

إي يرجع إلى ملوك اليمن.

وظَفارِ الثانية: مدينة على ساحل بحر الهند وبجبالها يوجد شجر اللَّبَّان.

عَرارِ: اسم بقرة بعينها، ومنه المثل :"باءت عَرارِ بكَحل" يقال كانتا بقرتين انتطحتا فماتتا جميعاً، أي باءت هذه بهذه، يضرب لكل مُستَوَيَيْن، وقد تمثّل بهما عنقاء الفزاري: "بَاءَتْ عَرارِ بكَحلٍ فيما بيننا" أي قُتلَ القاتل بمقتوله.

وقيل: كَحل وعَرارِ ثور وبقرة كانا في سبطين من بني إسرائيل فعقر كَحل وعقرت به عَرارِ، فوقعت حرب بينهما حتى تفانَوا.

عَرارِ: ذات عَرارِ وادِ بنجد.

عَظامِ: موضع ذكره عدي بن الرِّقاع العاملي:

"فعَظامِ فالبرقات جاد عليهما".

غَلابِ: اسم امرأة.

غَلافِ: عين غَلافِ موضع في ديارهم.

قَدامِ: منهل البحرين.

قَطامِ: هو من القَطم أي القَطع، وهو اسم علم لأكثر من امرأة.

قال النابغة:" أتاركةٌ تدلُلَها قَطامِ".

ولآخر :

ولم أرَ مهرًا ساقه ذو سماحةٍ

 

كمهرِ قطام من فصيحٍ وأعجمِ

أهل الحجاز يبنونه على الكسر على كل حال، أما أهل نجد فيجرونه ما لا ينصرف.

كَرارِ: خرزة تؤخذ بها نساء الأعراب، تقول الساحرة : "يا كَرارِ كُرّيه، يا هَمرة اهمريه" أي اسكبيه، إن أقبل فسرّيه ون أدبر فضرّيه".

كَسابِ: اسم لكلبة من كلاب الصيد ذكرها لبيد:

فتقصّدتْ منها كَسابِ فَضرّجَت

 

بدمٍ وغودر في المكر سُحامها

وسُحام اسم لكلبة.

لَصافِِ: كأنه معدول عن لاصفة، وتأنيثه للأرض أو البقعة التي يكثر فيها اللّصف (شبيه بالخيار).

لَصافِ: ماء في ديار ضبّة، ذكرها النابغة في شعره:

بمصطَحِباتٍ من لَصافِ وثبرة

 

يَزُرنَ إلالاً سيرُهُنَّ التّدافعُ

لصاف: ماء من مياه إياد القديمة، وقد صرّفه الشاعر:

إن لَصافًا لا لَصافِ فاصبري

 

إذا حقّقَ الركبانُ هُلْكَ المنذرِ

لَصافِ: ماء بالدَّو لبني تميم، وقيل هو جبل ومنزل لهم، قال بعضهم:

"فإذا لَصافِ تبيضُ فيها الحُمَّرُ" (والحُمَّر طيور صغيرة).

مَطارِ: موضع بين الدهناء والصَّمّان ذكره جرير:

ما هاجَ شوقَكَ من رسومِ ديارِ

 

بلِوى عُنَيِّقَ أو بِصُلبِ مَطارِ

مَغارِ: قرية من قرى فلسطين.

مَلاعِ: عقاب ملاع، أرض أضيف إليها العُقاب، وقيل نعت لها، وقيل هي صحراء عُقبانها أخبث العُقبان وإياها عنى الشاعر:

أنت الوفيُّ فما تُذَمُّ وبعضهم

 

تُوفي بِذمّته عُقابِ مَلاعِ

ومن أمثالهم في الهلاك: " ذهبت به عُقاب مَلاعِ وأودت به عُقاب مَلاعِ، كما يقال :" أبصر من عُقابِ مَلاعِ".

مَناعِ: هضبة في جبل طيء والمناعان جبلان.

نَضادِ: جبل بالعالية في ديارهم.

نَضادِ: جبل آخر لغنيّ ويبنى عند أهل الحجاز على الكسر وعند تميم ينزلونه ما لا ينصرف، قال أحدهم:

لو كان من حَضَنٍ تضاءل ركنُهُ

 

أو من نَضادَ بكى عليه نَضادُ

وقال كثير يصرفه:

كأن المطايا تتّقي من زُبانةٍ

 

مناكد رُكنٍ من نَضادٍ مُلَمْلَمِ

ولآخر: " عقلتُ إلى يَلملمَ أو نَضادِ".

ويقال له: نَضادِ النَيِّر" ويوم نضاد النَيِّر من أيامهم.

نَطاعِ: ماء في بلاد بني تميم يقال :" شربتْ إبِلُنا من نَطاعِ.

نَطاعِ: وادٍ ونخيل لبني مالك بن سعد بين البحرين والبصرة، وقد أعربه شاعرهم:

وأقربُ منهلٍ من حيث راحا

 

أثالُ أو غُمازةُ أو نَطاعٌ

ويوم نَطاعِ من أيامهم ذكره الأعشى: "بِظِلْمِهُم بِنَطاعِ المَلْكَ ضاحيةً".

وَبارِ: قبيلة من قبائلهم ذكرها الأعشى:" ومرَ دهرٌ على وَبارِ".

وَبارِ: أرض كانت لعادٍ بين رمال يَبْرين واليمن، وكانت أكثر الأرضين خيرًا، قال بعضهم: "أو تجعلوا دونكم وَبارِ".

وقال الفرزدق: " كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وَبارِ"

 وعين وبار في ديارهم.

وَساعِ: قرية من قرى اليمن، معدول عن واسع.

وَصابِ: جبل يحاذي زَبيد باليمن.

خلاصة ومناقشة:

من الواضح أن تستنتج القواعد والتعاريف لكل موضوع، وتستخلص من الشواهد والأمثال المتشابهة على الأكثر والأعم، وهذا ما درج عليه فقهاء اللغة وعلماؤها، أما ما وجدوه نادرًا فقد اعتبروه ضرورةً شاذة أو مستثنى أو من غرائب اللغة.

ومن هذه الشواذات في أسماء الفعل دخول بعض العوامل اللفظية على قسم من هذه الألفاظ التي لها صفتان، فهي من ناحية لها صفة الاسم ومن ناحية ثانية عمل الفعل مع كونها غير متصرفة.

وقد أخذت هذه الحالات عدة مناقشات متشعبة بين اللغويين، تبين مدى حرصهم وإصرارهم على معرفة معنى ومغزى كل كلمة وما ترمي إليه لتخريج المعنى الأصلي لها وتبريره، ومن هذه الأمور دخول اللام النافية على اسم فعل الأمر "مَساسِ" تذكّر المطّلع بالجهود التي بذلها كثير من النحاة في بحثهم عن معنى وعمل "حتّى" والتي قيل فيها : "إنها حتحتت قلوب النحاة حتى أن أحدهم مات وفي نفسه شيء من حتى".

وقد أشار ابن هشام إلى أنه لم يقع في التنزيل "فَعالِ" أمرًا إلا في قراءة الحسن "لا مَساسِ"([1]) بفتح الميم وكسر السين، وهو دخول "لا" النافية على اسم الفعل بمنزلة قولهم للعاثر إذا دعوا عليه "لا لَعًا"، وفي معاني القرآن العظيم للفرّاء: [ومن العرب من يقول :" لا مَساسِ" يذهب به إلى مذهب دَراكِ ونَزالِ. وفي كتاب "ليس" لابن خالويه: لا مَساسِ مثل نَزالِ هذا من غرائب اللغة. ووجه غرابته أن "لا" النافية دخلت على اسم الفعل، مع أن اسم الفعل في المشهور من الاستعمال العربي لا يجوز أن يدخل عليه عامل يؤثر فيه.

وذكر العلامة [اللقاني] أن وجه غرابة هذا الذي نقله ابن هشام عن الفراء وابن خالويه أنهما جعلا لا النافية مع ما بعدها اسمًا واحدًا، فزعما أنه ركّب من لا مع مَساسِ ثم أراد منه الإثبات لا النفي. وهنا صارت هي والاسم بمعنى الإثبات أي على رأي اللقاني أن معنى قوله "لا مَساسِ" "امسُسْني".

أما الجوهري والزمخشري فقد حملاه على أنه من باب قَطامِ" وأنه معدول عن المصدر وهو المسّ.

إن ما أشار إليه الفراء عن بعض العرب من يقول "لا مَساسِ" يذهب به  إلى مذهب دَراكِ ونَزالِ بمعنى النفي يوجد له نظائر وشواهد تؤيّد وتؤكد هذا الرأي، منها قول الكميت:" لا هَمامِ" بمعنى النفي، وهو ممن يحتج بشعره وكذلك قولهم :"لا عَبابِ" أي لا تعبّ مثل الدواب.

كما تبيّن أن بعض العوامل الأخرى مثل حروف الجر أو النداء أو غيرها دخلت على اسم فعل الأمر كقول عبيد الله بن الربيع : "كأني من حَذارِ قضائه" وكذلك ياء التنبيه كما جاء في الحديث :"يا نَعاءِ العرب".

كما ورد إضافة اسم لصفة سب المؤنّث مثل "أم دَفارِ"، بمعنى الدّنيا وكان أشير في شرحها إلى أنها أكثر ما ترد في النداء، والمعنى أنها يمكن أن ترد في غير النداء، وهذا يدل على سعة صدر اللغة العربية وتقبّلها لكل روائع الفكر البشري وتشعبه.

ملحق: فَعْلالِ وزن آخر قريب من فَعالِ مصاغ من الرباعي

إن ما أشار إليه ابن الناظم أثناء شرحه لألفية أبيه ابن مالك في معرض حديثه عن اسم الفعل "فَعالِ" : "وشذَّ موضوعه من الرباعي كقَرْقارِ بمعنى قَرْقِر، وقاس عليه الأخفش" قد نبّه عليه بهذه الكلمات إلى وجود صياغة تضاف إلى ما سبق، وإن كان لم يذكر ما هي الألفاظ التي صاغ عليها الأخفش (هذا المعروف بالصغير شارح كتاب سيبويه) ولعل من يحظى بها فيضيفها إلى هذا البحث، فمن الواضح أن وزنها هو "فَعْلالِ"، وقد أضاف الجوهري "عَرْعار"ِ إلى "قََرْقارِ" مقتصرًا على هاتين اللفظتين. أما في اللسان فقد أورد ألفاظًا أخرى، وتذكر كلّها فيما يلي مرتبة على حروف المعجم:

بَحْباحِ: كلمة تنبئ عن نفاذ الشيء وفنائه، و هي جواب لمن سأل: أبقي عندكم شيء؟

حَمْحامِ: مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

عَرْعارِ: حكاية صوت الصبية، مبينة على الكسر معدولة عن عَرْعَرَة، وهذا مذهب سيبويه، وردّ عليه أبو العباس قائلاً: "ولا يكون العدل إلا من بنات الثلاث، لأن العدل معناه التكثير".

ومعنى عَرْعارِ لعبة للصبيان، يخرج الصبي فإذا لم يجد صبيانًا يرفع صوته قائلاً: عَرْعارِ فيخرج إليه الصبيان، قال النابغة:

مُتَكَنَِّفَي جَنبَي عكاظٍ كِليهما

 

يدعو وليدُهم بها عَرْعارِ

يريد أنهم آمنون وصبيانهم يلعبون هذه اللعبة، وقال الكميت:

حيثُ لا تنبضُ القِسيُّ ولا تلـ

 

ـقى بعَرْعارِ وِلدةً مذعورا

يرى الكميت أن هذا الثور لا يسمع إنباضَ القسي ولا أصواتَ الصبيان ولا يذعره صوت.

قَرْقارِ: بني على الكسر وهو معدول عن القَرْقَرَة بمعنى قَرْقِر، قال أبو النجم من الرجز:

قالتْ لهُ ريحُ الصّبا قَرْقارِ

 

واختلط المعروفُ بالإنكارِ

يريد قَرْقِر بالرّعد كأنه يأمر السّحاب بذلك.

مَحْماحِ، مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

هَمْهامِ: مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

خاتمة

اتضح مما سبق أن اللغة العربية تحتوي اسمي فعلين موزونين:

أحدهما على وزن فَعالِ مصاغ من الثلاثي، وهو المشهور، مثل "حَذارِ ورَقاشِ".

وآخر مغمور على وزن فَعْلالِ مصاغ من الرباعي مثل قَرْقارِ وهَمْهامِ، ويأتي في المرتبة الثانية وغير معروف.

وفي النهاية إن في هذه اللغة من الدرر الثمينة ما يستحق من أهلها والغيارى عليها الاهتمام الجدي والدائم بها، والحدب عليها كي يأنسوا بها وتأنس بهم.


 

3.))سورة طه آية97.

 

 

"فَعالِ" و"فَعْلالِ"

دراسة خاصة لكل الألفاظ على طرازها

شريف يحيى الأمين

 

تمهيد:

يندهش الباحث في تراث الفكر الإسلامي العربي بلغة الضاد والقرآن والعلم، وغنى هذه اللغة بالمفردات الغزيرة، مما يدل على سعة هذه اللغة وسعادتها بالسالف من أهلها، فيتوقف مليًا ويأخذه العجب مما قدّمه مصنفو الموسوعات والأسفار من معلومات ومعارف وكنوز فكرية متنوعة (طب وفلسفة ورياضيات وفلك وغيرها) وهي أشرف ما لدينا، تدل على ذهنية علمية مع تصميم وإصرار لإنجاز ما وطّنوا أنفسهم عليه مع اعتماد كل واحد منهم على ما سطره من سبقه في مختلف المواضيع التي تناولوها، حتى أنهم بيّنوا أن لكل كلمة وحرف معنى خاصًا، بل ولكل حركة (فتحة أو ضمة أو كسرة)، استنبطوه بالأدلة والبراهين التي اعتمدوا عليها والشواهد التي ركنوا إليها، فاهتموا بهذه اللغة الشريفة وبكل دقائقها وتفاصيلها، فما وجدوه صحيحًا دونوه وما كان خطأً أشاروا إليه وأصلحوه وما كان مهملاً أضافوه، ثم إنهم من أجل تسهيل فهم هذه اللغة والعناية بها ابتدعوا طريقة نظم الأراجيز لما فيها من ترغيب للّغة وقواعدها، والتي بلغ بعضها الألف بيت (ألفية ابن معطي وألفية ابن مالك) واللّتان حظيتا بشرح العديد من العلماء، مما دلّ على رغبة متواصلة وراسخة للحفاظ والحرص على هذه اللغة عن طريق الاهتمام الجدي بها وفهمها وشرحها وتقصّي كل معانيها.

أسماء الأفعال المقيسة على وزن "فَعالِ":

إن الكثير من الذين كان لهم حظ واهتمام بدراسة اللغة وقواعدها وفروعها ربما ما زالوا يذكرون بيتين من الشعر:

أحدهما:

إذا قالت حَذامِ فصدقوها

 

فإنّ القول ما قالت حَذامِ
 

والآخر:

هي الدنيا تقول بملء فيها
 

 

حَذارِ، حَذارِ من بطشي وفتكي
 

فهما من الشواهد الشعرية الشائعة لاسم هذا الفعل في بعض معانيه، والذي من حقه أن يأخذ نصيبه من البحث وحده لا أن يشرح بصورة عرضية مع بقية أسماء الأفعال الأخرى: المرتجلة منها والمنقولة، مثل ( شتّان وهيهات وعليك ودونك وسواها)، بل من المناسب والمفيد -بعد إيراد الشروح المذكورة والموزّعة في مختلف المصادر- من ترتيب هذه الألفاظ بشكل خاص ليكون شاملاً لها حسب أنواعها، لما فيها من الطرافة والنكهة الخاصة المصاحبة للفائدةـ، فإن الأولى والأجدر أن تأخذ نصيبها وحدها، لا أن تحشر وتشرح بشكل هامشي ومقتضب، من أجل ذلك اقتضى جمعها من مصادرها، كونها مبعثرة في الشعر والنثر والتراجم والأمثال والتاريخ بالإضافة إلى كتب اللغة (معاجم وصرف ونحو)، وقد تصبح هذه الطريقة نموذجًا لبقية أوزان اللغة وحتى حروفها من ألفها إلى يائها بشكل موسوعي مبسط ليسهل درسها وفهمها ونشرها والترغيب بها.

صياغته وأنواعه وسبب بنائه على الكسر

يصاغ من مصدر كل فعل ثلاثي اسم فعل موازن "فَعالِ" بفتح الفاء والعين، ويبنى على الكسر للدلالة على مجموعة ألفاظ: إما للدلالة على الأمر أو صفة سب للمؤنث، وإما تختص باسم علم للجنس أو للدلالة على مجموعة من أسماء أعلام.

الأول: يصاغ من مصدر كل فعل للدلالة على الأمر مما اجتمع فيه ثلاثة شروط:

أ- أن يكون ثلاثيًا .

ب- أن يكون تامًا أكان صحيحًا مثل كتب أم معتلاً مثل وسع.

ج - أن يكون متصرفًا.

فهو اسم فعل موزون أو مقيس (قياسي)، المعنى أن له ضابطًا وحكمًا كليًا على جزئياته بلفظ واحد في جميع حالاته، فيبنى من نزل نَزالِ ومن ذهب ذَهابِ، بمعنى انزل واذهب، فهو اسم فعل أمر، بمعنى افعل وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره : أنت.

- ولا يبنى من الأفعال الناقصة مثل كان وظل وصار وكاد.

- كما أنه لا يصاغ من غير المتصرف مثل نعم وبئس وساء وحبّذا.

- كما أنه لا يصاغ من الأحرف المشبّهة بالفعل مثل ليت ولعل.

- ولا يصاغ من الرباعي مثل دحرج وبعثر ودكرب وقعطب.

- ولا يجوز بناء شيء منها من نحو اللّصوصية، لأنه لا فعل له على قول ابن هشام مع أن لها فعلاً هو : لصَّ الباب، أي أغلقه.

- ولا يصاغ من الأسماء الجامدة أكانت ثلاثية أم رباعية مثل تين وتفاح وعنب وزينب وجعفر.

يتفق اسم الفعل والفعل بالدلالة على المعنى الواحد وينوب عنه في معناه وعمله وزمنه، ويؤدي هذا المعنى على هذا الوجه مع إيجاز اللفظ لالتزامه صورة واحدة لا تتغير بتغير المفرد والمثنى والجمع والتذكير والتأنيث،ولا يبرز منها ضمير أصلاً، كما يتوافقان في التعدي واللزوم، ويجوز توكيد الفعل باسم الفعل مثل: اقلب قلابِ وانزل نزالِ، ولا يجوز العكس أي لا يجوز تقديم اسم الفعل على الفعل، ولا يعمل اسم الفعل إلا مذكوراً، ولا تتصرف أسماء الأفعال ولا تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، بل تدل على حالة واحدة وهي عاملة ولكن لا محل لها من الإعراب.

- وأما بناؤه على الكسر وكان من حقه السكون لأن فعل الأمر ساكن إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين، كما شرح هذا الأمر الجوهري، وزاد "الأعلم النحوي": لأنه اسم علم مؤنث مثل حَذامِ وقَطامِ، والكسرة والياء مما يُخصّ به المؤنث كقولك: "أنت تعلمين" ونحوه.

الثاني: يُصاغ اسم بمثابة صفة سب للمؤنث، ولا يجوز تأنيثه، وهو عامل ولكن لا محل له من الإعراب، فلا يكون مبتدأً ولا خبرًا ولا فاعلاً ولا مضافًا، ولا يستعمل إلا في النداء فيقال: يا خَباثِ بمعنى يا خبيثة، ويا لَكاعِ بمعنى يا لئيمة، ومن كلام عمر (رض) لبعض الجواري: أتتشبهين بالحرائر يا لَكاعِ؟، فأما قول الشاعر:

أطوف ما أطّوف ثمّ آوي

 

إلى بيت قعيدته لَكاعِ
 

فاستعمالها في غير النداء ضرورة شاذة، وتعرب لَكاعِ خبرًا لمبتدأ هو "قعيدته"، ومنهم من شرحها على وجه آخر تقديره قعيدته مقول لها يا لَكاعِ.

الثالث: ومنها ما يُصاغ ولكنه صار بالغلبة علمًا للجنس، مثل حَلاقِ اسم للموت، كانت في الأصل صفة لكل ما يحلق، وجَباذِ للمنيّة، ومنها أيضًا حَيادِ للداهية بمعنى تحيد أي تميل سميت بها تفاؤلاً.

ومن الممكن أن يسبق هذه الأسماء أو يتبعها فعل أمر مناسب لها مثل حَيدي حَيادِ أو فَشاشِ فُشِّيه.

الرابع: كما يُصاغ منها أسماء أعلام نساء أو حيوانات أو أمكنة وغيرها، وجميع هذه الأعلام الشخصية ألفاظها مؤنثة ولا تدخلها الألف واللام ولا يجمع مثل قَطامِ وحَذامِ وغَلابِ، وقد منعت من الصرف للعلمية والتأنيث والعدل، أما عند التنكير فحكمها الصرف، كقولك: "رُبّ سعادٍ وقَطامِ" لبقائه بلا سبب أو على سبب واحد وتعامل كبقية أسماء الأعلام، ويبني أهل الحجاز هذه الأسماء على الكسر مطلقًا وفي كل حال، أما أهل نجد فيوافقون أهل الحجاز بشرط أن يكون آخره راء مثل جَعارِ وسَفارِ وحَضارِ، أما بقية الأسماء التي لا تنتهي بالراء فيجرونه مجرى ما لا ينصرف نحو عمر وزفر، فيقولون هذه رَقاشُ وقَطامُ وحَذامُ وهو القياس والتأنيث، لأنه علم وليس فيه إلا العدل، غير أن الأشعار جاءت على لغة أهل الحجاز، كما بيّن الجوهري هذا الأمر مثل قول امرؤ القيس: قامت رَقاشِ على عجلٍ.

وللنابغة: أتاركةٌ تدللها قَطامِ؟

ولآخر: إذا قالت حَذامِ فصدقوها.

الفئة الأولى: أفعال الأمر المشار إليها فقط في بعض المراجع

على سبيل إجازة استعمالها والتمثيل بها، مرتبة على حروف المعجم:

أَكالِ: بمعنى كُل (أمرٌ بالأكل).

بَدارِ: بَدارِ أيها الطلاب إلى الدرس، أي بادروا إلى الدرس.

بَراكِ: يقولون بَراكِ ، بَراكِ، بمعنى ابركوا أي واظبوا واثبتوا.

تَراكِ: يقولون: تَراكِ الفاسقَ، أي اترك الفاسقَ.

جَمادِ: جَمادِ له، كلمة تقال للبخيل، أي لا زال جامد الحال، وهو خلاف حمادِ، قال المتلمس:

جَمادِ لها، ولا تقولي
 

 

لها أبدًا، إذا ذُكرَت حَمادِ

حَذارِ: بمعنى: احذر، قال أحدهم: حَذارِ من أرماحنا حَذارِ.

وقال أبو الفرج الساوي أحد كتّاب الصاحب بن عباد، راثيًا فخر الدولة:

هي الدنيا تقول بملءِ فيها
 

 

حَذارِ، حَذارِ من بطشي وفتكي

ولآخر:

سلْ عن شجاعته وَزِرْهُ مسالمًا
 

 

وحَذارِ، ثم حَذارِ منه محاربًا
 

وقال رجل ناصحًا بنيه:

حَذارِ بني البغيَ لا تقربنَّه

 

حَذارِ، فإن البغي وخيم مراتعه

وقال غيرهم:

حَذارِ حَذارِ من جشعٍ فإني
 

 

رأيت الناس أجشعها اللئامُ
 

وقال آخر وقد أدخل عليه حرف جر:

أَبيتُ كأني من حَذارِ قضائه.

حَضارِ: أي احضُر.

حَمادِ: حَمادِ لفلان، أي حمدًا له وشكرًا لأنها صفة غالبة.

خَراجِ: يقولون: خَراجِ، خَراجِ، وهي لعبة لهم تدعى الخريج.

دَبابِ: دعاء للضبع، يقال لها: دَبابِ أي دِبّي.

دَراكِ: أي أدرك، قال الشاعر:

دَراكِها من إبل دَراكِها

 

أما ترى أن الموت لدى أوراكها

ذَهابِ: بمعنى اذهب.

ذَمارِ: أي احفظ ذمارك.

زَحامِ: بمعنى ازحم في مجال الإصلاح.

سَماعِ: أي اسمع.

ضَرابِ: بمعنى اضرب.

ضَمارِ: بمعنى اضمر.

طَمامِ: بمعنى الأمر، هذا من قولهم: جاء السيل فطمَّ الركيّة، إذا دفنها حتى يسويها بالأرض.

ظَفارِ: بمعنى اظفر، أو معدول عن ظافر، وقد أعربه قوم.

عَبابِ: يقولون: لا عَبابِ: أي لا تعبَّ في الماء مثل الدواب.

غَلاقِ: كأنه معدول عن غالق، والغَلاق إسلام القاتل إلى أولياء المقتول تفعل فيه ما تشاء.

قَلابِِ: يقولون: اقلب قَلابِ، يضرب للرجل تكون منه السقطة فيتداركها بأن يقلبها إلى غير معناها.

كَتابِ: بمعنى اكتُب.

كَسالِ: بمعنى اكسل.

مَساسِ: يقال: لا مساسِ، وهذا من قول بعض العرب، ويُبنى على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المسّ، أي لا تَمسَّني أو لا مماسَة.

لَعابِ: بمعنى العب.

مَناعِ: بمعنى امنع، وحكمه من المنع.

نَزافِ: أي انزُف، ومنه قول ابنة الجُلَنْدى ملك عُمان حين ألبست السُّلَحْفاة حُليَّها فغاصت في البحر فدعت جواريها وقالت: انزُفْنَ نَزافِ، نَزافِ، لم يبقَ من البحر غيرُ قُدافِ، أي لم يبقَ غيرُ جرّة من فَخار.

نَزالِ: بمعنى انزل، وهو معدول عن المنازلة، ولهذا أنّثه زهير بقوله:

ولأنتَ أشجعُ من أسامةَ إذ
 

 

دُعِيَتْ نَزالِ وَلُجّ في الذُّعْرِ
 

ولطليحة الأسدي:

عَوَيتُ لهم صدرَ الحِمالةِ
 

 

إنها معاودة قِيل الكماةِ: نَزالِ
 

عَوَيْتُِ: لويت، والحِمالة اسم فرسه.

ولآخر: ودَعْوا نَزالِ، فكُنتُ أولَ نازلٍ.

نَصارِ: بمعنى انصُر.

نَضادِ: من نضدتَ المتاع، إذا رصفته.

نَظارِ: بمعنى انظُر، قال رؤبة بن العجاج:

[نَظارِ كي أركبها نَظارِ].

نَعاءِ: من النَّعو، كانت العرب إذا مات منهم شخص له قدر ركب راكب فرسًا وجعل يسير في الناس ويقول: "نَعاءِ فلانًا"، أي انعَه وأظهر خبر وفاته، قال شاعرهم:

نَعاءِ ابن ليلى للسماحة والنَّدى
 

 

وأيدي شمال باردات الأناملِ
 

وقال الكميت:

نَعاءِ، جُذامًا غير موت ولا قتلٍ
 

 

ولكن فراقًا للدعائم والأصلِ
 

ولجرير:

[نَعاءِ أبا ليلى لكل طِمِرَّةٍ]، وفي الحديث [يا نَعاءِ العرب]، أي انعَهُم.

هَمامِ: لا هَمامِ، بمعنى لا أَهِم ولا أفعلُه، قال الكميت:

عادلاً غيرَهم من الناس طُرًا
 

 

بهم، لا هَمامِ لي، لا هَمامِ
 

يعاطِ: هذا من قولهم للذئب إذا زجروه: يَعاطِ، قال شاعرهم:

صُبَّ على شاءِ أبي رِباطِ
 

 

ذؤالةُ كالأقدحِ المِراطِ
 

                         يهفو إذا قيل له: يَعاطِ.

ولآخر: وقد أنّثه: تنجو إذا قيل لها: يَعاطِ، الضمير في لها راجع إلى الضبع.

الفئة الثانية: أسماء الأفعال بمثابة صفة سب للمؤنث.

خَباثِ: يا خَباثِ، أي يا خبيثة، قال ابن مالك: [في سبّ الأنثى وَزْنُ يا خَباثِ].

دَفارِ: يا دَفارِ بمعنى يا مُنتِنة، أي يا لَكعاء، ويقال للأمة إذ شُتمتْ يا دَفارِ، وأكثر ما ترد في النداء، وأم دَفارِ كنية الدنيا.

دَناءِ: يا دَناءِ، أي يا دنيئة.

زَناءِ: يا زَناء، أي يا زانية.

سَراقِ: من سرق، يقال: يا سَراقِ بمعنى يا سارقة.

فَجارِ: يا فَجارِ، يريد يا فاجرة.

فَساقِ: يا فَساقِ أي يا فاسقة، من فسق بمعنى فجر وخرج عن أمر ربه.

قَثامِ: يا قَثامِ، كلمة تقال للأمة القذرة.

لَكاعِ: يا لَكاع، بمعنى يا لئيمة، ومن كلام عمر (رض) لبعض الجواري: "أتتشبهين بالحرائر يا لَكاعِ؟".

ولا تقل : جاءتني لَكاعِ ولا رأيت لَكاعِ ولا مررت بلكاعِ.

الفئة الثالثة: أسماء بمثابة اسم علم جنس.

بَدادِِِ: أي مُتبَدَدة، هذا من قولهم في الحرب: "يا قومِ بَدادِ، بَدادِ"، أي ليأخذ كل رجل قرنه، وقولهم: جاءت الخيل بَدادِ أي مُتبَدَدة.

قال الشاعر:" والخيل تعدو بَدادِ".

كما يقال : " فرّقناهم بَدادِ"، ولحسان:

كنّا ثمانيةً وكانوا جحفلاً
 

 

لَجِبًا فَشُلّوا بالرماح بَدادِ
 

وبُني على الكسر لأنه معدول عن المصدر (وهو البدد) وللتأنيث والصفة، فلما منع بعلتين من الصرف، بني بثلاث، لأنه ليس بعد المنع من الصرف إلا منع الإعراب.

بَلالِ: يقال:[ لا تَبُلُّكَ عندي بَلالِ]، أي لا يصيبك منّي ندى ولا خير.

وقالت ليلى الأخيَليَّة:

فلا وأبيك يا ابن أبي عقيل
 

 

تَبُلُّكَ بعدها عندي بَلالِ
 

وهو ما يَبُلُّ الحلق من الماء واللبن، ومنه الحديث: [غير أن لكم رحمًا سأبلّها بِِبَلالِها] أي أَصِلُها بالدّعاء.

بَهانِ: هي المرأة الطيّبة النَّفَس والأرج.

جَباذِ: اسم للمنيّة، كانت في الأصل صفة عامة لكل ما تُجْبَذ ثم اختّصت بجنس المنايا، قال عمرو بن جميل:

فَاجْتَبَذتْ أقرانُهم جَباذِ
 

 

أيدي سبا أبرحَ ما اجتباذِ
 

جَداعِ: السَّنة الشديدة التي تَجدعُ بالمال، أي تذهبُ به، قال أبو حنبل الطائي:[لقد آليتُ أغدرُ في جَداعِ].

جَعاِر: اسم للضبع لكثرة جعرها، وهي معدولة عن جاعرة، وإنما بُنيت على الكسر لأنه حصل فيها العدل والتأنيث والصفة الغالبة، ومعنى غالبة أنها غلبت على الموصوف حتى صار يُعرف بها كما يعرف باسمه.

يقولون لها: روغي جَعارِ وانظري أين المفر]، ولا يقال: روغي إلا للمؤنث، وهي من المراوغة، وقال الشاعر:

فقلت لها عِثِّي جَعارِ وابشري
 

 

بلحمِ امرئٍ لم يشهدِ اليومَ ناصرُه
 

كما يقال لها إذا وقعت في الغنم:

أسرعتِ في قرار
 

 

كأنما ضراري
 

                               أردتِ يا جَعارِ.

حَلاقِ: كانت في الأصل صفة غالبة لكل ما يحلق عامة، ثم اختُصت بجنس المنايا، لأنه يستأصل الأحياء كما يستأصل الحلق الشعر، يقال: [سُقوا بكأسِ حَلاقِ].

حَيادِ: الداهية، كلمة يقولها الهارب الفار، وأصلها من حاد الشيء أي انحرف، وحَيادِ: المعنى اعدلي عنّا أيتها الحرب، قال علي عليه السلام: [فإذا جاء الجهاد قلتم حَيدي حَيادِ].

سَباطِ: اسم للحمى قال المتنخِّل:

أَجَزْتُ بفتيةٍ كرامٍ
 

 

كأنهم تملُّهم سَباطِ
 

"أجزت قطعت، تملّهم تحرقهم وتشويهم، وسَباط حمى نافض، أي ذات الرِّعدة".

سَوارِ: اسم جنس للداهية، قال الأزدي:

فقام مؤذنٌ منّا ومنهم

 

ينادي بالضحى: سوري سَوارِ
 

(سوري بمعنى ثِبي وثوري).

صَمامِ: الداهية أو الحرب، يقال لها صَمّي صَمامِ، أي زيدي واشتدي يا شديدة، وذلك إذا أبى الفريقان الصلح ولجّوا في الاختلاف فوقعت الحرب.

قال ابن أحمر:

فَردّوا ما لديكم من رِكابي
 

 

ولما تأتكم صَمِّي صَمامِ
 

"أي لا تجيبي الراقي ودومي على حالِكِ، فجعلها عبارة عن الداهية.

وقال الأسود بن يعفر:

فرت يهودُ وأسلمت جيرانَها

 

 

صَمّي لما فعلتْ يهودُ صَمامِ

 

كما يضرب للرجل يجيء بالداهية، فيقال له: صَمّي صَمامِ، أي اخرسي يا صَمامِ.

كما يقال: صَمامِ، صَمامِ، أي تَصامُّوا بالسّكوت.

طَبارِ: الداهية، يقال وقعوا في بنات طَبارِ، أي الدواهي.

طَمارِ: الداهية، معدول عن طامر، من طمر، إذا وثب عاليًا. كما يقال وقع في بنات طَمارِ، أي وقع في الدواهي.

فَجارِ: اسم للفجور، وهي معرفة جاء في ألفية ابن مالك: [كذا فجارِ علم للفجرة].

وقال النابغة:

إنّا احتملنا خُطَتَينا بيننا

 

 

فحملتُ بَرّةً واحتملتَ فَجارِ

 

فَشاشِ: الفَشّ إخراج الريح من الوَطْب (وعاء من الجلد) يقولون فَشاشِ فُشِّيه من استه إلى فيه، أي أخرجي ريح الكبر منه من استه إلى فيه وافعلي به ما شئت، فما به من انتصار.

فَشاشِ: المرأة الضروط عند الجماع.

فَياحِ: اسم للغارة، كان يقال لها في الجاهلية " فَيْحي فَياح"، أي اتسعي عليهم وتفرقي يا متّسعة، وذلك أن الخيل المغيرة إذا اندفعت انتشرت، كما يقال: فاحت الغارة تفيح، أي اتسعت قال شاعرهم:

دفعنا الخيلَ شائلةً عليهم

 

 

وقلنا بالضحى: فَيْحي فَياحِ

 

ومعنى فَيْحي انتشري أيتها الخيل المغيرة، وسماها فَياحِ لأنها جماعة مؤنثة وهي مثل حَيدي حَيادِ.

قَثامِ: أنثى الضبع، سميت بذلك لتلطخها بجعرها (الجعر هو الغائط الخارج من استها).

قَطاطِ: أي حسبي، يقال: قَطاطِ قطِّيه، قال عمرو بن معدي كرب:

أطلتُ فِراطهم حتّى إذا ما

 

 

قتلتُ سَراتَهم كانت قَطاطِ

 

أي قاطّة لهم.

كَسابِ: لقب للذئب.

لَحاصِ: اسم للشِّدة والداهية لأنها صفة غالبة، هذا من قولهم التحصه أي ألجأه واضطره إلى أمر ما، قال الهُذَلي:

قد كنتُ خرَّاجًا ولوجًا صَيْرمًا

 

 

لم تلتحصني حيصَ بيصَ لَحاصِ

 

معناها لم يعلق بها ولم يلحقه اختلاط وفوضى، وتُعرب لَحاصِ فاعلة تلتحصني.

لَزامِ: بمعنى صفة لازمة، تقول سببته سبًا يكون لَزامِ ، أي صار هذا الأمر لازمًا عليه.

هَجاجِ: يقال: ركب فلان هَجاجِ إذا ركب العمياء المظلمة، قال المتمرس بن عبد الرحمن الصحاري:

فلا يدَعْ اللئامُ سبيلَ غيٍّ

 

 

وقد ركبوا على لومي هَجاجِ

 

وَجاجِ: بمعنى الستر والحاجز، قال شاعرهم:

أُسودُ شرى لَقين أسودُ غابٍ

 

 

ببرزٍ ليس بينهم وَجاجِ

 

وَقاعِ: هي الدائرة على الجاعرتين، وحيثما كانت لا تكون إلا الإدارة أي ليس لها موقع معلوم، يقال: كويته وَقاعِ، قال عوف بن الأحوص:

وكنتُ إذا مُنِيتُ بخصمِ سوءٍ

 

 

دلفت له فأكويه وَقاعِ

 

يَسارِ: يقال: أنظرني حتى يَسارِ، معدول عن المصدر وهو المَيسرة.

قال الشاعر:

فقلتُ: امكُثي حتى يَسارِ لعلّنا

 

 

نحجُّ معًا، قالتْ أعامًا وقابلَه؟

 

الفئة الرابعة: أسماء الأعلام على اختلافها:

بَراحِ: اسمٌ للشّمس، أنشد قُطرب:

هذا مُقام قدمَي رَباحِ

 

 

ذبَّبَ حتى دَلكتْ بَراحِ

 

دَلكتْ بمعنى زالت وغابت.

بَهانِ: في الأصل هي المرأة الطيبة النفْس والأرج وهي امرأة بعينها دعيت بهذا اللقب لطيب نفسِها ومرحها، وقد ذكرها شاعرهم:

ألا قالتْ بَهانِ ولم تأبّق

 

 

نعمتَ ولا يليقُ بكَ النّعيمُ

 

حَذامِ: علم مؤنث، قيل إنها بنت العتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة، وقيل بنت الرّيان، كانت نبّهت قومها بوصول أعدائهم فلم يلتفتوا إليها وأخلدوا إلى المضاجع، لِما نالهم من التّعب، فقال أحدهم:

إذا قالتْ حَذامِ فصدقوها

 

 

فإنّ القولّ ما قالت حَذامِ

 

فلم سمعوه ثار القوم ولجأوا إلى وادٍ كان قريبًا منهم فانحازوا حتى أصبحوا وامتنعوا من أعدائهم.

حَضارِ: جبل بين البصرة واليمامة وهو إلى اليمامة أقرب، قال أبو النجم العِجلي:[وصوَّبَ الصَّخرَ إلى حَضارِ].

حَضارِ: اسم لكوكب، وهو أحد المُحْلِفَين، من أقوالهم: "حَضارِ والوزن محلَفان" وهما نجمان يطلعان قبل سُهَيْل، فيظن الناس بكل واحد منهما أنه سُهَيْل، فيحلف واحد أنه سُهَيْل ويحلف آخر أنه ليس به، وأنشد بعضهم:

أرى نارَ ليلى بالعقيقِ كأنّها

 

 

حَضارِ، إذا ما أعرضت وَفُرُودُها

 

والفُرودُ نجومٌ تخفى حول حَضارِ.

حَناذِ: اسم للشمس الطالعة، أو لحرارتها، قال عمرو بن حُمَيْل:

تَسْتَرْكِدُ العِلجَ به حَناذِ

 

 

كالأرمدِ استغضى على اسْتِئْخاذِ

 

خَصافِ: اسم لفرس أنثى كانت لمالك بن عمرو الغساني، ويسمى فارس خَصافِ، وهو أحد فرسان العرب المشهورين، ويقال إنه كان من أجبن الناس ولكنه أخذ العبرة من سهم وقع على حيوان فقتله، فأدرك أن القتل لا مفر منه، فشدَّ على أعدائه في المعركة، فكان من أشجع الناس، وقيل فيه: "أجرأ من فارس خَصاف"ِ، وشهد يوم حَليمة فأبلى بلاءً حسنًا.

وأنشد ابن بري : "تاللهِ لو ألقى خَصافِ عشية".

ويقال: إن خَصافِ فرس ذكر أيضًَا.

خَطافِ: اسم كلبة من كلاب الصيد عند بعضهم.

خَطافِ: اسم هضبة في بلادهم، وقيل جبل.

ذَمارِ: بلدة باليمن، والنسبة إليها ذَماري.

رَباحِ: اسم ساقٍ عندهم، ورد في قول الشاعر: "هذا مَقامُ قَدَمَي رَباحِ".

رَقاشِ: علم مؤنث تدعى الناقمية بنت عامر بن سعد بن عدي بن جديلة.

من أقوالهم: "اسقِ رقاشِ، إنها سقايّة" يضرب في الإحسان إلى المحسن، وقال امرؤ القيس:

قامت رَقاشِ وأصحابي على عجلٍ

 

 

تُبدي لكَ النَّحرَ واللُّبَّاتِ والجيدا

 

ورَقاشِ: أخت لجذيمة الأبرش، وفيها يقول: "خَبِّريني رَقاشِ لا تَكْذبِني".

سَجاحِ: علم مؤنث، اسم للكذّابة التي ادّعت النّبوة، هي امرأة من بني تميم بن مرة، ادّعت النّبوة فيهم ثم حملتهم على أن زفّوها إلى مُسَيْلَمة الكذّاب، فوهبت نفسها له، قال أحدهم:

وَأَزْنى من سَجاحِ بني تميم

 

 

وخاطِبها مُسَيْلَمةَ الزَّنيمِ

 

وقال الراجز: "عصت سَجاحِ شَبْنًا وقَيسًا".

كما يقال: "أعْلمُ من سَجاحِ"، وقيل لها أخيرًا بعد أن أسلمتْ: "قد أبصَرت من بعد العمى سَجاحِ".

سَرابِ: اسم ناقة كانت للبسوس خالة جسّاس بن مرة الشيباني، فرآها كليب وائل في حماه وقد كَسرت بيض طير كان قد أجاره، فرمى ضرعها بسهم، فوثب جسَاس على كليب فقتله، فهاجت حرب بكر وتغلب ابني وائل بسببها أربعين سنة، ومنه المثل "أشأمُ من سَرابِ".

سَفارِ: اسم منهل أي ماء لبني مازن بن مالك، يقع بين البصرة والمدينة قبل ذي قار، حيث كانت الوقعة بين بكر بن وائل وتميم ذكرها الفرزدق:

متى ما تَرِدْ يومًا سَفارِ تَجِدْ بها

 

 

أُدَيْهِمَ يرمي المُسْتَجيزَ المعَوَّرا

 

ولآخر: "وَصَخْرَ ذَاتِ الهامِ من سَفارِ".

سَكابِ: اسم فرس ذكرها الشاعر:

أبيتَ اللّعنَ إنّ سَكابِ عِلْقٌ

 

 

نفيسٌ لا يُعاُر ولا يُباعُ

 

شَمامِ: مشتق من الشمَم وهو العلو: جبل لباهلة ذكره جرير:

عاينتُ مَشعلةَ الرّعالِ كأنها

 

 

طيرٌ تغاول في شَمامِ وُكورا

 

ولآخر: "تظلُّ نسورٌ من شَمامِ عليهما" وله رأسان يسميان ابني شَمامِ، أشار إليهما لبيد:

فهلْ نبِّئتَ عن أخوينِ داما

 

 

على الأحداثِ إلا ابني شَمامِ؟

 

صَلاحِ: اسم مكة المكرمة، قال بعضهم:

أبا مَطرٍ هلمَّ إلى صَلاحِ

 

فَيَكْفيكَ النَّدامى من قُريش

ضَرافِ: موضع في ديارهم.

ضَمارِ: اسم صنم كان لمرداس أبي العباس بن مرداس يعبده، فلما حضره الموت، قال لابنه العباس: "أي بني اعبد ضَمارِ فإنه ينفعك ويضرك" فبينما العباس يومًا عند ضَمارِ إذ سمع من جوف ضَمارِ مناديًا هذه الأبيات:

قُلْ للقبائلِ من سُلَيمٍ كلّها
إنَّ الذي وَرِثَ النّبُوةَ والهُدى
أَوْدَى ضَمارِ، وكان يُعبدُ مرةً

 

أَوْدَى ضَمارِ وعَاشَ أهلُ المسجدِ
بَعدَ ابنِ مريمَ، مِنْ قُريشٍ مُهْتَدِ
قَبل الكِتابِ إلى النبي محمدِ

فأحرق العباس ضَمارِ وأتى النبي (ص) وأسلم.

ضَمارِ: موقع كانت فيه وقعة لبني هلال.

طَفافِ: يقال: : أتانا عند طَفافِ الشّمس" أي عند دنوّها للغروب.

طَمارِ: المكان المرتفع، يقال: انصبَّ عليه من طَمارِ" قال الشاعر يذكر مكانًا بعينه في الكوفة:

فإن كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري
إلى بطلٍ قد عفَّرَ السيفُ وجهَه
 

 

إلى هانيءٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ
وآخرَ يَهوي من طَمارِ قَتيلِ
 

طَمارِ: اسم جبل جاء حديث مطرف :"من نام تحت صدفٍ مائلٍ وهو ينوي التوكل فيلرمِ نفسه من طَمارِ".

طَمارِ: ابنتا طَمارِ، هضبتان عاليتان وقيل جبلان ذكرهما ورد العنبري:

وَضَمَّهُنَّ في المَسيلِ الجاري

 

ابنا طِمرٍ وابنتا طَمارِ

طَمامِ: مدينة كانت قرب حضرموت.

ظَفارِ: مدينتان باليمن في موضعين إحداهما قرب صنعاء، وكان بها ملوك حِمْيَر، وفيها قيل:" ومن دخل ظَفارِ حَمَّر" أي تكلم بالحِمْيرية، وقيل صبغ ثوبه بالحمرة لأن فيها المَغْرة (الطين الأحمر)، ووُجد على أركان سور ظَفارِ مكتوبًا: لمن ظَفارِ؟ لحِمير الأخيارِ، لمن مُلك ظَفارِ؟ للحبشة الأشرارِ، لمن مُلك ظَفارِ؟ لفارس الأخيارِ، لمن مُلك ظَفارِ لحمير سيحار.

إي يرجع إلى ملوك اليمن.

وظَفارِ الثانية: مدينة على ساحل بحر الهند وبجبالها يوجد شجر اللَّبَّان.

عَرارِ: اسم بقرة بعينها، ومنه المثل :"باءت عَرارِ بكَحل" يقال كانتا بقرتين انتطحتا فماتتا جميعاً، أي باءت هذه بهذه، يضرب لكل مُستَوَيَيْن، وقد تمثّل بهما عنقاء الفزاري: "بَاءَتْ عَرارِ بكَحلٍ فيما بيننا" أي قُتلَ القاتل بمقتوله.

وقيل: كَحل وعَرارِ ثور وبقرة كانا في سبطين من بني إسرائيل فعقر كَحل وعقرت به عَرارِ، فوقعت حرب بينهما حتى تفانَوا.

عَرارِ: ذات عَرارِ وادِ بنجد.

عَظامِ: موضع ذكره عدي بن الرِّقاع العاملي:

"فعَظامِ فالبرقات جاد عليهما".

غَلابِ: اسم امرأة.

غَلافِ: عين غَلافِ موضع في ديارهم.

قَدامِ: منهل البحرين.

قَطامِ: هو من القَطم أي القَطع، وهو اسم علم لأكثر من امرأة.

قال النابغة:" أتاركةٌ تدلُلَها قَطامِ".

ولآخر :

ولم أرَ مهرًا ساقه ذو سماحةٍ

 

كمهرِ قطام من فصيحٍ وأعجمِ

أهل الحجاز يبنونه على الكسر على كل حال، أما أهل نجد فيجرونه ما لا ينصرف.

كَرارِ: خرزة تؤخذ بها نساء الأعراب، تقول الساحرة : "يا كَرارِ كُرّيه، يا هَمرة اهمريه" أي اسكبيه، إن أقبل فسرّيه ون أدبر فضرّيه".

كَسابِ: اسم لكلبة من كلاب الصيد ذكرها لبيد:

فتقصّدتْ منها كَسابِ فَضرّجَت

 

بدمٍ وغودر في المكر سُحامها

وسُحام اسم لكلبة.

لَصافِِ: كأنه معدول عن لاصفة، وتأنيثه للأرض أو البقعة التي يكثر فيها اللّصف (شبيه بالخيار).

لَصافِ: ماء في ديار ضبّة، ذكرها النابغة في شعره:

بمصطَحِباتٍ من لَصافِ وثبرة

 

يَزُرنَ إلالاً سيرُهُنَّ التّدافعُ

لصاف: ماء من مياه إياد القديمة، وقد صرّفه الشاعر:

إن لَصافًا لا لَصافِ فاصبري

 

إذا حقّقَ الركبانُ هُلْكَ المنذرِ

لَصافِ: ماء بالدَّو لبني تميم، وقيل هو جبل ومنزل لهم، قال بعضهم:

"فإذا لَصافِ تبيضُ فيها الحُمَّرُ" (والحُمَّر طيور صغيرة).

مَطارِ: موضع بين الدهناء والصَّمّان ذكره جرير:

ما هاجَ شوقَكَ من رسومِ ديارِ

 

بلِوى عُنَيِّقَ أو بِصُلبِ مَطارِ

مَغارِ: قرية من قرى فلسطين.

مَلاعِ: عقاب ملاع، أرض أضيف إليها العُقاب، وقيل نعت لها، وقيل هي صحراء عُقبانها أخبث العُقبان وإياها عنى الشاعر:

أنت الوفيُّ فما تُذَمُّ وبعضهم

 

تُوفي بِذمّته عُقابِ مَلاعِ

ومن أمثالهم في الهلاك: " ذهبت به عُقاب مَلاعِ وأودت به عُقاب مَلاعِ، كما يقال :" أبصر من عُقابِ مَلاعِ".

مَناعِ: هضبة في جبل طيء والمناعان جبلان.

نَضادِ: جبل بالعالية في ديارهم.

نَضادِ: جبل آخر لغنيّ ويبنى عند أهل الحجاز على الكسر وعند تميم ينزلونه ما لا ينصرف، قال أحدهم:

لو كان من حَضَنٍ تضاءل ركنُهُ

 

 

أو من نَضادَ بكى عليه نَضادُ

 

وقال كثير يصرفه:

كأن المطايا تتّقي من زُبانةٍ

 

 

مناكد رُكنٍ من نَضادٍ مُلَمْلَمِ

 

ولآخر: " عقلتُ إلى يَلملمَ أو نَضادِ".

ويقال له: نَضادِ النَيِّر" ويوم نضاد النَيِّر من أيامهم.

نَطاعِ: ماء في بلاد بني تميم يقال :" شربتْ إبِلُنا من نَطاعِ.

نَطاعِ: وادٍ ونخيل لبني مالك بن سعد بين البحرين والبصرة، وقد أعربه شاعرهم:

وأقربُ منهلٍ من حيث راحا

 

أثالُ أو غُمازةُ أو نَطاعٌ

ويوم نَطاعِ من أيامهم ذكره الأعشى: "بِظِلْمِهُم بِنَطاعِ المَلْكَ ضاحيةً".

وَبارِ: قبيلة من قبائلهم ذكرها الأعشى:" ومرَ دهرٌ على وَبارِ".

وَبارِ: أرض كانت لعادٍ بين رمال يَبْرين واليمن، وكانت أكثر الأرضين خيرًا، قال بعضهم: "أو تجعلوا دونكم وَبارِ".

وقال الفرزدق: " كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وَبارِ"

 وعين وبار في ديارهم.

وَساعِ: قرية من قرى اليمن، معدول عن واسع.

وَصابِ: جبل يحاذي زَبيد باليمن.

خلاصة ومناقشة:

من الواضح أن تستنتج القواعد والتعاريف لكل موضوع، وتستخلص من الشواهد والأمثال المتشابهة على الأكثر والأعم، وهذا ما درج عليه فقهاء اللغة وعلماؤها، أما ما وجدوه نادرًا فقد اعتبروه ضرورةً شاذة أو مستثنى أو من غرائب اللغة.

ومن هذه الشواذات في أسماء الفعل دخول بعض العوامل اللفظية على قسم من هذه الألفاظ التي لها صفتان، فهي من ناحية لها صفة الاسم ومن ناحية ثانية عمل الفعل مع كونها غير متصرفة.

وقد أخذت هذه الحالات عدة مناقشات متشعبة بين اللغويين، تبين مدى حرصهم وإصرارهم على معرفة معنى ومغزى كل كلمة وما ترمي إليه لتخريج المعنى الأصلي لها وتبريره، ومن هذه الأمور دخول اللام النافية على اسم فعل الأمر "مَساسِ" تذكّر المطّلع بالجهود التي بذلها كثير من النحاة في بحثهم عن معنى وعمل "حتّى" والتي قيل فيها : "إنها حتحتت قلوب النحاة حتى أن أحدهم مات وفي نفسه شيء من حتى".

وقد أشار ابن هشام إلى أنه لم يقع في التنزيل "فَعالِ" أمرًا إلا في قراءة الحسن "لا مَساسِ"([1]) بفتح الميم وكسر السين، وهو دخول "لا" النافية على اسم الفعل بمنزلة قولهم للعاثر إذا دعوا عليه "لا لَعًا"، وفي معاني القرآن العظيم للفرّاء: [ومن العرب من يقول :" لا مَساسِ" يذهب به إلى مذهب دَراكِ ونَزالِ. وفي كتاب "ليس" لابن خالويه: لا مَساسِ مثل نَزالِ هذا من غرائب اللغة. ووجه غرابته أن "لا" النافية دخلت على اسم الفعل، مع أن اسم الفعل في المشهور من الاستعمال العربي لا يجوز أن يدخل عليه عامل يؤثر فيه.

وذكر العلامة [اللقاني] أن وجه غرابة هذا الذي نقله ابن هشام عن الفراء وابن خالويه أنهما جعلا لا النافية مع ما بعدها اسمًا واحدًا، فزعما أنه ركّب من لا مع مَساسِ ثم أراد منه الإثبات لا النفي. وهنا صارت هي والاسم بمعنى الإثبات أي على رأي اللقاني أن معنى قوله "لا مَساسِ" "امسُسْني".

أما الجوهري والزمخشري فقد حملاه على أنه من باب قَطامِ" وأنه معدول عن المصدر وهو المسّ.

إن ما أشار إليه الفراء عن بعض العرب من يقول "لا مَساسِ" يذهب به  إلى مذهب دَراكِ ونَزالِ بمعنى النفي يوجد له نظائر وشواهد تؤيّد وتؤكد هذا الرأي، منها قول الكميت:" لا هَمامِ" بمعنى النفي، وهو ممن يحتج بشعره وكذلك قولهم :"لا عَبابِ" أي لا تعبّ مثل الدواب.

كما تبيّن أن بعض العوامل الأخرى مثل حروف الجر أو النداء أو غيرها دخلت على اسم فعل الأمر كقول عبيد الله بن الربيع : "كأني من حَذارِ قضائه" وكذلك ياء التنبيه كما جاء في الحديث :"يا نَعاءِ العرب".

كما ورد إضافة اسم لصفة سب المؤنّث مثل "أم دَفارِ"، بمعنى الدّنيا وكان أشير في شرحها إلى أنها أكثر ما ترد في النداء، والمعنى أنها يمكن أن ترد في غير النداء، وهذا يدل على سعة صدر اللغة العربية وتقبّلها لكل روائع الفكر البشري وتشعبه.

ملحق: فَعْلالِ وزن آخر قريب من فَعالِ مصاغ من الرباعي

إن ما أشار إليه ابن الناظم أثناء شرحه لألفية أبيه ابن مالك في معرض حديثه عن اسم الفعل "فَعالِ" : "وشذَّ موضوعه من الرباعي كقَرْقارِ بمعنى قَرْقِر، وقاس عليه الأخفش" قد نبّه عليه بهذه الكلمات إلى وجود صياغة تضاف إلى ما سبق، وإن كان لم يذكر ما هي الألفاظ التي صاغ عليها الأخفش (هذا المعروف بالصغير شارح كتاب سيبويه) ولعل من يحظى بها فيضيفها إلى هذا البحث، فمن الواضح أن وزنها هو "فَعْلالِ"، وقد أضاف الجوهري "عَرْعار"ِ إلى "قََرْقارِ" مقتصرًا على هاتين اللفظتين. أما في اللسان فقد أورد ألفاظًا أخرى، وتذكر كلّها فيما يلي مرتبة على حروف المعجم:

بَحْباحِ: كلمة تنبئ عن نفاذ الشيء وفنائه، و هي جواب لمن سأل: أبقي عندكم شيء؟

حَمْحامِ: مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

عَرْعارِ: حكاية صوت الصبية، مبينة على الكسر معدولة عن عَرْعَرَة، وهذا مذهب سيبويه، وردّ عليه أبو العباس قائلاً: "ولا يكون العدل إلا من بنات الثلاث، لأن العدل معناه التكثير".

ومعنى عَرْعارِ لعبة للصبيان، يخرج الصبي فإذا لم يجد صبيانًا يرفع صوته قائلاً: عَرْعارِ فيخرج إليه الصبيان، قال النابغة:

مُتَكَنَِّفَي جَنبَي عكاظٍ كِليهما

 

 

يدعو وليدُهم بها عَرْعارِ

 

يريد أنهم آمنون وصبيانهم يلعبون هذه اللعبة، وقال الكميت:

حيثُ لا تنبضُ القِسيُّ ولا تلـ

 

 

ـقى بعَرْعارِ وِلدةً مذعورا

 

يرى الكميت أن هذا الثور لا يسمع إنباضَ القسي ولا أصواتَ الصبيان ولا يذعره صوت.

قَرْقارِ: بني على الكسر وهو معدول عن القَرْقَرَة بمعنى قَرْقِر، قال أبو النجم من الرجز:

قالتْ لهُ ريحُ الصّبا قَرْقارِ

 

 

واختلط المعروفُ بالإنكارِ

 

يريد قَرْقِر بالرّعد كأنه يأمر السّحاب بذلك.

مَحْماحِ، مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

هَمْهامِ: مثل بَحْباحِ وزنًا ومعنى.

خاتمة

اتضح مما سبق أن اللغة العربية تحتوي اسمي فعلين موزونين:

أحدهما على وزن فَعالِ مصاغ من الثلاثي، وهو المشهور، مثل "حَذارِ ورَقاشِ".

وآخر مغمور على وزن فَعْلالِ مصاغ من الرباعي مثل قَرْقارِ وهَمْهامِ، ويأتي في المرتبة الثانية وغير معروف.

وفي النهاية إن في هذه اللغة من الدرر الثمينة ما يستحق من أهلها والغيارى عليها الاهتمام الجدي والدائم بها، والحدب عليها كي يأنسوا بها وتأنس بهم.


 

4.))سورة طه آية97.

 

115%