رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

التحرير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يصدر هذا العدد من مجلة رسالة النجف ونحن  نعيش في أجواء عاشوراء، أجواء المواقف الشامخة والقيم العظيمة.

تتوالى السنون وتتعاقب الأجيال وتبقى عاشوراء مدرسة لا تنفد دروسها، فهي منارة خالدة تضيء الدروب لكل جيل فاتحة عينيه على مواطن الحق، ومحرّكة إرادته لاجتراح المعجزات.

ولما كان المجال لا يتسّع للإفاضة في حديث عاشوراء، رأيت من الخير أن أكتفي بإيراد كلمة رائعة ختم بها المرحوم الشيخ عبد الله العلايلي كتابه "الإمام الحسين"، فهي تغنينا عن الكثير من الكلام. قال رحمه الله:

((مرّ نسر يحلّق فوق الآكام، فتكنّفته بُغاث النسور من كل مكان...

تُهيب به أن لا يمضي بعيدًا، فهناك صقور تعيث فسادًا وتبثّ رعبًا.

ولكن النسر.. شدّ جفنيه طويلاً، كأنه لا يصدق أن هذه لغة نسر...

على أنه مضى وهو يقول: إن النسر شيء في المعنى وليس شيئًا في الشكل...

فإذا استحال المعنى شكلاً فقط، فهناك مسوخ لا نسور!...

وانطلق يهوي غير مبال بما سوف يعترضه.

وما هو حتى واكبته جماعة الصقور، فنال منها كثيرًا ونالت منه مقتلاً...

على أنه كان مغتبطًا أيضًا فقد همس في أنفاس المحتضر... سوف يظل في الأجيال أنه هنا يرقد نسر وجد حقيقته...

وهناك تحيا نسور فقدت حقيقتها...

إنني أقضي ويبقى في ضمير الوجود: أن اقتحام الطريقة، دائما في الإمكان...)).

التحرير

السنة السادسة / العدد الثامن عشر/ كانون أول 2010 - محرم : 1432هـ

 

السيرة الحسينية وجدليات الإصلاح[1]

 

السيد محمد رضا شرف الدين

من كربلا مهوى الملائك ينشر
مهـما تقـادمـت الســنـون فإنـه
فـبهـا تجــلّى الله مـن عليــائــه
مشـــكاة نــور الله منــه أضالع
فيها الفـؤاد وقد رمته قسيُّـهم
وشـغافه فهي الزجاجــة إنـها
ولها مـن الأوداج مُتَّـقَـدٌ غـدا
مـذ فاض دمُّ النحر منها زيتها
 

 

أرج الفدا يسبي العقول فيُسكر
يشــتدُّ طيــبا أيـن مـنـه الأذفــر
بالسـبط فــهو مثالـه والمظهــر
لهفي لها تحت السنابك تكسـر
مصباحها المكنونُ يبقى يُزهــر
كالكوكب الدُّري بل هي أزهر
زيتونــةً فرعـــاءَ لا تُسـتَنكـــــر
من غير مــسٍّ بالسـنا يتفــــجَّر
 

تقديم

إنَّ موضوعَ العنوان المتقدم يستحق النفير العام في أوساطنا العلمية لما يمتاز به من حيوية وحياتية، إذ إنه يلامس قضية تُعَدُّ الرصيدَ الذي وهب الحق وأتباعه البقاء إلى يومنا هذا على رغم ضراوة الهجمات والتحديات التي لولاها لكان اندراسه أمرًا مُحتّمًا.

ومن هنا فإنه يتطلب مساحة كبيرة من البحث الموضوعي الدقيق، وهو ما نفتقده بحدة في دوائرنا التي إليها يعود أمر سدانة الشرع وصيانة الدين.

ولولا بعض الجهود الجزئية المشكورة لأمكننا القول بأنَّ هذه المسألة الكبرى أودعت طي الإهمال الفظيع دون مُبرّرٍ مقبول وأعذار موجهة.

وما نحن الآن بصدده لا يعدو كونه لمعة خاطفة عملنا فيها على تلخيص ما لدينا بصورة مضغوطة جدًا، طوينا فيها الكثير من المقدمات استثارةً للعزائم واستنهاضًا للهمم بغية تحقق الكفاية في هذا الجانب المصيري.

فإن كان فيها ما يحقق المنشود فهو بفضل المنعم الوهاب وعناية وليه عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما شابَها من خلل فهو مَعزيٌّ لقصور صاحب السطور.

تمهيد

إنّ أيةَ حادثةٍ تاريخيّةٍ غالبًا ما تُبتلى بتحريفاتٍ قد تَمَسّ جوهرها. وهذه التحريفاتُ تارةً تكونُ وليدةَ تفاعلاتٍ سلبيةٍ مع تلك الحادثةِ وأخرى إيجابية. فيعمل المتضررون وأتباعهم على تقزيمها وتحجيمها في محاولة لتهميشها والحدّ من آثارها. في حين قد يعمد المنتفعون منها أو المعجبون بها إلى تضخيمها إلى حدّ يخرج بها عن غاياتها.

وكلا الفريقين يشتمل على شرائح تختلف من حيث المستوى الفكريُّ والثقافيُّ مما يؤثّر على طبيعة العمل فيترك بصماتٍ متغايرةً -وفي الاتجاه ذاته- يتأرجح بين السذاجة المفضوحة أو الدّهاء الخفي.

ومع تباعد الأيّام وتقادم القرون قد تدفن الحقائق تحت ركام هائل من التزييف الناتج عن عمل الفريقين.

وهنا يقف الباحث عن الحق والحقيقة أمام مهمة شاقّة لاستخراج الجوهر وسط الشوائب المتراكمة. وهي مُهمَّة في غاية الدقة. فهو بين محذورين:

- لصوق الأجسام الدخيلة بالمعدن الأصيل المستخرج.

- الإضرار بالجوهر الصافي بإنقاص ما هو من صلب جنسه.

محدوديّةُ التدوين التاريخي

إنَّ الأقلام التي تعنى بالتدوين التاريخي تنقسم -غالبًا- إلى قسمين رئيسين:

(القسم الأول): أقلام البلاط التي تقوم بإثبات ما يصبّ في صالح السلطة أو السلطات الغاصبة من تلميع صورتها وتبرير مواقفها وتشويه صورة الحركات المناهضة لها أو لأسلافها ممن نسجت على منوالهم.

(القسم الآخر): الأقلام المعارضةُ للواقع السائد والمُتبرّمة من ممارسات المتسلطين.

(أما القسم الأول): فلا يُرتجى منه أن يدوّنَ ما يتنافى مع مصلحة أربابِ نعمته، فهو لا يعدو كونه من الأجهزة المرتزقة، وهل يُتوقَّعُ مِنَ الجلّاد أن يُقرَّ بتفاصيل ما يُنزلُهُ بضحيَّته؟!

اللهم إلا إذا كانت الجريمة غايةً في الفظاعة، بحيث لا يمكن إنكارها فلا مناص حينئذٍ مِنَ الإقرار بها بصورة جزئية مُلَطَّفَة.

(وأما القسم الآخر): فهو يُكابِدُ شتّى أنواع القمع، ويُعاني من مطاردةٍ حَثيثةٍ تقطعُ عليه أنفاسَه، فإن سنحت الفرصة لأحدهم بذكر شيء من الحقائق احتاج إلى فرقٍ فدائيةٍ تحمل خشبتها على كتفها لتنقلَ تلك الصورَ إلى الأجيال الصاعدة.

ومن هنا نجدُ بأنَّ المصادرَ التاريخيّةَ لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تُعاني مِنْ محدوديَّةٍ حادّةٍ جدًا فقد كان -في بعض الحقبات- يُحكَمُ على مَن تفوّه بلَمَعاتٍ مِن فضائلهم بألوان التنكيل وصنوف التعذيب بل بعقوبة الإعدام، فكيف بمن ينشر مثالب أعدائهم المتسلطين على سدة القرار؟!

وفي يومنا شاهد صدق على الأمس البعيد، فالتاريخ سنّته أن يعيد الكرة مرة بعد مرة.

ولذا فإنَّ ما سمحت الظروفُ بتدوينه حدوثًا عاثتْ به الأعاصيرُ المتواترةُ بقاءً.

وبين هذه وتلك لم يظفر بنعمة البقاء إلا نتفٌ متناثرةٌ لا تحمل إلا اليسيرَ من الكثير الكثير.

فليس للباحث بعد هذا إلا أن يجيد قراءة ما بينِ السطورِ واستشفافَ ما وراءَ القراطيسِ وأن يتقن فنَّ لمِّ الشذرات ورصف المنمنمات.

إنَّ جميع ما ذكرناه لهو جارٍ في أيّة حادثة من الحوادث التاريخية كبيرةً كانت أم صغيرةً، بائدةً كانت في آثارها أم خالدةً في فاعليتها وتفاعلاتها، وبغض النظر عن خصوصيات أبطالها وميزات أهدافها وطبيعة تكتيكاتها.

خصوصيات واقعة الطف

لا شك عند ذي مسكة في أنَّ واقعة الطف تُعدُّ من المنعطفات التاريخية القصوى.

ولسنا نغالي إذا ما قلنا بأنها ألقت بظلالها على مسار البشرية ومصيرها، وما زالت إلى يومنا هذا تسري في شرايين الأمم، تستثير فيهم الهمم، وتضخ في نفوسهم أعلى القيم، دون أن تقتصر في ذلك على من عرفها أو انتحل الولاء لرموزها أو دان بعقيدة صاحبها.

إننا نعتقد بأنها ساعات أوقفت الزمن وأخرست اللُّسُن، وأنَّها فاقت جميعَ الحدود التاريخية والجغرافية والعقلية والعقلائية.

إنَّ الحدث المرادَ توثيقُهُ هذه المرّة لم يقوَ على تعقله أهل العالم العلوي ولا مكونات العالم العنصري بحسب اعتقادنا.

فقد أتت صحاحُ الأخبار لتُعلِمَنا بضجةٍ كبرى اجتاحت المجتمعَ الملائكيَّ في علياء الملكوت، وقد تمحور إقليم الوجود يومها حول ساحة كربلاء، انقلابٌ لفَّ أظلة العرش وما يُرى وما لا يُرى، وما في الجنَّة من حورٍ وولدانٍ، وما في النّار من زبانية وأعوان، ناهيك عن الآفاق والأفلاك والبسيطة بكل ما تحويه.

وما كان كذلك لا يمكن أن يحيط بتفاصيله إلا المحيط بجميع تلك العوالم.

إننا نعتقد بأن نهضةَ سيدِ الأحرارِ ورائدِ الفداءِ لم تكن عمليّةً عسكريّةً أو انقلابًا سياسيًّا أو ثورةً ترمي إلى تغيير السلطة.

بل كانت كتابًا صارخًا خالدًا مداده الدماء والدموع يشتمل في صحائفه على سور وصور تضمن خلود الأصول الأخلاقية والقيم الإنسانية إلى نهاية المطاف.

تلك الأصول التي هي مهد الدين ووعاؤه وأُُسُّهُ وأساسه والتي بها حياة الأمم واستمرارها ككائنات أراد الله لها التكريم.

إنَّ تسلسل العمليات الانحرافية التي تلت عهد خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله) كان قد وصل إلى درجته القصوى، من اندراس المفاهيم الدينية مفهوما فمفهوما، إلى انحلال الأصول الأخلاقية، وحتى اضمحلال القيم العربية التي كانت مرتكزًا لقبول الدعوة المحمدية.

كانت الأمة تطلق آخر ما لديها من حشرجات الاحتضار، وبموتها معنويًا يتحقق الإخفاق المُحتَّم لجهود أطوار الرُّقي التي جاءت بها كافة الشرائع.

إنه الموت الذي لا حياة بعده، وبه انتفاء العلةِ الغائيّةِ مِن الخِلقة.

لذا كانت المرحلةُ تتطلب نهضةً هي الصاعقةُ التي تُفجّر صدمةً تُسعفُ الكيان المحتَضَر، لتستفيقَ الضمائرُ في صحوةٍ لا هجعة بعدها، صدمةٌ تَخرجُ في فعلها وردود فعلها على الأعراف، تمتاز بالتشدد الأخلاقي، تَظهرُ فيها القيَمُ بشكلها الصارخ دستورًا متجسدًا في واقعٍ عمليِّ يستثيرُ على الدوام العمقَ في قراءةِ موادِّه وبنوده.

كان سُلَّم الأولويات في نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) تتصدره العناصر الأخلاقية، وقد تعمد في تلك اللوحةِ التي قام بروعةِ رسمِها اشتمالَها على مشاهدَ تهزُّ الوجدان؛ ليعطي البُعدَ العاطفيَّ مكانةً تتقدم حالةَ التعقّلِ العُرفيّ في عصر نضبت فيه العواطفُ إلا كرذاذ.

ولذا خرقت نهضتُه -على حدّ تعبير بعض الأكابر- النواميسَ ومزقت القواميس.

فتفاعلت مع رسالتها الأعصار والأمصار فلم تقتصر في ذلك على شريحة أو طبقة أو أهل ملة أو أبناء نحلة دون أخرى.

ومن هنا تُفَكَّك لغة الترميز لتُترجَم على ضوء ما ذكرناه الكثير من المواقف التي نُقِلت -والتي طالما أثارت الجدل- فينقلب التشنيع والاستغراب حينئذ إلى تحسين وإعجاب، بل وإلى الحكم بلابُدّيّة وقوع مثل هذه المواقف بدلاً من استبعادها والطعن في مصادرها.

وعصارة الكلامِ في هذا المقامِ:

أنَّه في يوم العاشر من المحرَّم عامَ واحدٍ وستّينَ للهجرة النبوية برزت الفضائلُ كلُّها إلى الرذائل كلِّها.

وهذه هي النتيجة التي توصلت إليها بعد دراسة مطولةٍ انطلقت من النصوص المُكرّسة للدور الرئيسي الذي يقوم به الولي الإلهي والذي لا يمكن أن يتخلى عنه مهما تغيرت الظروف الموضوعية ومهما اشتدت هوجُ الرياح عتوًّا.

إن كل ما ذكرناه ناء عن صناعتي الشعر والخطابة تماما بل هو ثمرة أقيسة برهانية قطعية الإنتاج والنتائج.

لكن المؤسف أننا نرى كثيرًا من الباحثين ما زالوا يتخبطون في تشخيص ماهيّة هذه النهضة.

ولذا ما انفكت كثيرٌ من المقاول والأقلام تنعتها بالثورة دون النهضة، مع الفرق الفارق الذي يحمله كلٌّ من التعبيرين.

بهذا المختصر يظهر دون لبس بأنّها تأبى الخضوع لبوتقةِ التدوين، وهي التي كاد ينوء تحت عبئها عالم التكوين.

فهي حقًا لا ترقى إليها خواطر الأوهام ولا تبلغ شأو عليائها فِكَرُ الألباب.

محاولات التنقية

ومع كل ذلك انبرى العديدُ من الباحثينَ وبكلِّ ثقة مع اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومستوياتهم وأهدافهم فمخروا في لججها، ورفعوا شعار الإصلاح التاريخي لأعظم حركة إصلاحية في تاريخ البشرية.

فأين ترى تقع المحاولات الإصلاحية والعمليّاتُ التنقَويّة التي باشرت تاريخَ واقعةِ الطَّف من إتقان هذه المهمة؟

وإلى أي حدٍّ اقتربت أو ابتعدت عن مقصدها؟

وما هي أبرز سماتها وأجلى صفاتها؟

إنَّ ما نلاحظه عمومًا في محاولات دعاة تنقية تاريخ نهضة الطف قد يُلَخّصُ في النقاط التالية:

1- فقدان الأطروحةٍ المنهجيّةٍ للتوثيق التاريخي، فترى البعضَ يعمَدُ في محاولته إلى طرح حفنةٍ من النماذج ليهيلَ عليها وعلى ناقليها وابلاً من لاذع النقد دون أن يرتكز في نقده على أسسٍ واضحةٍ وآليّاتٍ محددة. فتارة ينطلق من عدم اعتبار المصدر وأخرى من قصور السند وطورًا من جهة أخرى، بينما تراهُ يأخذُ بما يشتمل على هذه النقاط في موضع آخر دون إبراز ميزان لهذه الازدواجية.

ولذا نرى أن غياب الأطروحةِ المنهجيّة تولّد تلقائيًا حالةَ الفرزِ الانتقائيّ بما يتوافق مع أهواء الناقد واستذواقاته الشخصية.

2- عدم تحديد دائرة البحث مما يحول دون بنّائيته إلى حدّ الاشتغال بتتبع عثرات النعاة والتقاط هفوة هنا أو كبوة هناك فيقومون بنشرها وتخليدها بَدَلاً من وأدها مما يلزم منه نقض الغرض، فتتحول الهفوة التي ألقيت في مجتمع خاص محدود إلى مدوّنةٍ تتناقلها الأجيال ومادةَ تشنيع يتلقفها المغرضون.

 بل قد تتسرب فيما بعد إلى تاريخ النهضة فيكون للناقد شرفُ الإسهام في التحريف بعد أن كان قاصدًا تنزيه التاريخ وتنقيته من عناصر التزييف.

3- غياب الموضوعية والمنطق في عملية التنقية وغلبة الأجواء التهويلية وإطلاق الادعاءات المضخّمة بفعل تحكم الانفعالات النفسية على أقسامها.

4- تأصل عقدة النقص وفقدان الثقة بالذات والتي كثيرًا ما تنتاب أبناء الفئة المضطهدة عبر التاريخ تأثرًا بالحملات التشنيعيّة الحاقدة ؛ فيتحرك الباحث ليدافع عن قضيته بإسقاط كل ما يظن أنه ثغرةٌ ينفذ الشانئون من خلالها فيبادر إلى النفي والنقد مستبقا للغير من باب النقد الذاتي قطعًا للطريق أمام نقد الآخرين للمدرسة التي ينتمي إليها.

وقد تتفاقم هذه الحالة فيصاب صاحبها بداء فقدان الهوية المعرفية.

5- عدم امتلاك الخبرويةِ المطلوبةِ في هذا المضمار، من الإحاطةِ بالمصادرِ والتمييز بين غثها وسمينها، ومعرفة المراجعِ ومآخذِها والوقوف على آلياتِ الجمع ومِلاكاتِ التنافي بين النصوص والتبحر في اللغة وأساليب البيان في سبيل فهم النص.

6- عدمُ خوض غمارِ التتبعِ المسوّغِ للبَتِّ في الواقعة نفيًا وإثباتًا إمّا لعدم توفر المصادر وإمّا للتسرع الذي قد يعود لإحدى النقاط الآنفة أو الآتية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ما يمتاز به النفي في إثباته إذ يحتاج إلى استقصاء شامل واستقراء تام بخلاف الإثبات الذي قد يكفي فيه العثور على نص معتبر.

7- الاشتغال بالمفردات الجزئية وإيلاؤها عظيم الاهتمام بما يؤول إلى زعزعة المكونات الأساسية في الذهنية العامة، وبذلك يسقط نداء الحقائق الهامة صريع صخب التفصيلات.

8- عدم الوقوف على منطلقات النهضة وأهدافها وآلياتها العملية المرسومة لها، مما يجرُّ الناقدَ إلى استنكار جملة من الحوادث ونفي كثير من المواقف دون استناد إلى حجة، بحجة تصادمها مع العلة الغائية المتوخاة منها.

9- النقص المعرفي ولا سيما في الجنبة العقائدية، حيث لا سبيل لورود مشرعة هذه النهضة دون توفر المخزون المعرفي العقدي الذي يمثل الإطار الجوهري الأساس في توثيق المنقولات التي تحكي خطوطها وخيوطها وترسم ملامحها بكلّ تفاصيلها.

10- فقدان السمو الروحي والتأصّل الأخلاقي، إذ كيف يمكن لمن هو أجنبي عن روح الواقعة بتمام ما للكلمة من معنى، ومن يحكم أفكاره وأفعاله النمطُ المادي الدنيوي أن ينفذ إلى لُباب نهضة إلهيّة إنسانيّة ترتكز على البُنيَةِ الأخلاقيّة القيمية وتستقي مدادها من عالم الغيب، هيهات، هيهات أن يلامس مثل هذا قِرابَها فضلاً عن استجلاء لُبابها.

11- طغيان روح التمرد على التراث: لقد مُنينا في عصرنا بحالة هي الأولى من نوعها بحسب ما وصل إلينا من أنباء الماضين. ألا وهي روح التمرد على التراث وهاجس الولع بالتجديد. لقد وصل الأمر ببعضهم إلى أن يَعُدَّ نسفَ المسلّمات التاريخية فتحًا مُبينًا.

إننا لا نأبى التجديد ولا ننكر أهميته، بل نرى بأنه الوسيلة الناجعة للحفاظ على المضمون إذا ما اقتصر على جهة الأسلوب، أما إذا انقلب إلى هدف في حد ذاته فلا نرى فيه إلا محقًا للدين بل سائر الشرايع والقيم.

وإننا مع التحقيق والتدقيق في التراث لكن بشرط أن لا يتضخم كخلية سرطانية فيفتك بالجذور لنصبح كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

إنّ موجة التمرد هذه أصبحت واقعًا لا يمكن أن يضمر، وقد تجلت في بعض النتاجات التي عالجت بعض مفردات تاريخ النهضة فعاجلتها بالإنكار.

12- سيطرة روح التشكيك: لا شك في أن الشك ضرورة فكرية تشكل الجسر للوصول إلى الحقيقة إنه القنطرة التي إذا ما أحسن المرء سلوكها وصلت به إلى اليقين المقصود.

لكن الشك هذا بإمكانه أن يتحول إلى حالة مَرَضيّة يقعد بالإنسان عن الرُّقيِّ المعرفيّ، فإنَّ من أكبر آفات العقل البشري -ومنذ القِدَم- هو اختناقه في شرنقة قاتلة من الشكوك.

وقد تبلورت هذه الحالة في العهد الإغريقي على يد رمزين من رموز هذا المنهج وهما تيمون وبيرون ثم سرعان ما تلاشت بفعل كفاح سقراط وغيره من رواد منهج اليقين لتعود بحلة جديدة بعد الانفجار المنبثق عن روح التمرد على عهد الاستبداد الكنسي في الغرب لتتردد أصداء منهج الشك في الساحة الفكرية الإسلامية والعربية في عملية اجترار نمطي على يد ثلة من المنبهرين بالنتاج الهجين، حيث قدَّموا للأمة ما أكل الدهر عليه وشرب من أفكار الأغارقة ملبّسًا لَبوسَ التجديد، ليدور المثقف في دوامة من الشك لا يخرج منها حتى خروجِ النَّفسِ عن رَوح آخرِ الأنفاس.

13- الإسقاط: باتخاذ نتائج وقناعات مسبقة قد تكون ناشئة عن خلفيات كوّنتها ظروفٌ مرحلية تحجب الرؤية المجردة وتدفعه نحو إسقاط الوقائع عليها.

14- الأغراض التعبوية: تفسير الواقعة بما يُجَيّرُها لمصلحة مشروع سياسي أو عسكري معين يدفع بأصحابه لإزالة جميع المفردات التاريخية التي تعاكس خطابهم التعبوي.

إنَّ هذه الهنات لوحظت على تلك المحاولات من حيث المجموع، بمعنى أنها ليست مجتمعة في محاولة واحدة بل بعضُها يجل عنه بعضُ من ابتُلي ببعضها الآخر.

نماذج تطبيقية

لا يخفى على القارئ اللبيب أننا لسنا بصدد بحث تحقيقي تشييدي ينتج نفيًا أو إثباتًا لمفردات تاريخية من الواقعة العظمى، وإنما نريد توجيه نظرة ناقدة تدقيقية تكشف عن صحة ما ادعيناه في العنوان السابق من افتقاد تلك المحاولات لأدنى مقومات النهوض، ومن ثمة يكفي في ردّها إيرادُ احتمال عقلائي على خلافها ليُبطِلَ ما تحتويه من صورة استدلال ويظهر عقمها في مقام الإنتاج.

وحيث كانت محاولاتهم تهدف إلى إثبات نفي تلك الوقائع كانوا هم المطالبين بإقامة الدليل السليم من أية خدشة.

أما الناقد فلا يكلف غير سلامة ما يطرحه -من احتمال ثبوتي- عن معارضة مسلم عقلي أو نقلي.

النموذج الأول: علمُ الإمام (عليه السلام) بمصرعه وإخبارُه الآخرين بذلك

من الجدليات التي أثيرت قبل نحو نصف قرن وما زالت تتردد في أندية الفكر وصحائف الثقافة هي قضية النصوص الدالة على تصريح الإمام الحسين (عليه السلام) بعلمه بمصير مسيرته وإخباره الآخرين بذلك.

وقد أحصيت له (عليه السلام) سبعة عشر موقفًا يعلن فيه أنه مقدم على الشهادة ، منها:

أ - من خطبة له (عليه السلام) لما عزم على الخروج إلى العراق:

..خُطَّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه.  كأني بأوصالي تقطعها عُسلانُ الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منى أكراشًا جُوَفا، وأجربةً سُغُبًا، لا محيص عن يوم خط بالقلم.  رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين. لن يشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لُحمتُه، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرُّ بهم عينُهُ، ويتنجّز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مهجته، وموطّنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل فإني راحلٌ مصبحًا إن شاء الله([2]).

ب - كتابه إلى بني هاشم:

 بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أما بعد، فإنّه من لحق بي منكم استُشهد معي ومن تخلَّف لم يبلغ الفتح. والسلام([3]).

جـ - جوابه لأحد الناصحين في منزل بطن العقبة:

 عن لوذان أحد بني عكرمة أنَّ أحد عمومته سأل الحسين (عليه السلام): أين تريد؟  فحدثه. فقال له: إني أنشدك الله لما انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطَّؤا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيًا، فأما على هذه الحال التي تذكرها فإني لا أرى لك أن تفعل.

قال: فقال له: يا عبد الله! إنه ليس يخفى عليَّ، الرأي ما رأيت، ولكنَّ الله لا يغلب على أمره.

ثم قال (عليه السلام): والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم ([4]).

د- رؤياه (عليه السلام) في أثناء الطريق:

عن الصادق (عليه السلام): لما صعد الحسين بن علي (عليهما السلام) عقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلا مقتولاً.

قالوا: وما ذاك يا أبا عبد الله.

قال: رؤيا رأيتها في المنام.

قالوا: وما هي؟

قال: رأيت كلابًا تنهشني، أشدّها عليَّ كلب أبقع([5]).

هـ - موقف آخر:

هذه كتب أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهم إلا قاتِليَّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمةً إلا انتهكوها فيسلط الله عليهم من يذلُّهم حتى يكونوا أذلَّ من فرم الأمة([6]).

و - جوابه لسيدتنا أم المؤمنين أم سلمة:

وقد نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار حيث قال:..وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ (عليه السلام) لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَتَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَا تَحْزَنِّي بِخُرُوجِكَ إِلَى الْعِرَاقِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ يَقُولُ: يُقْتَلُ وَلَدِيَ الْحُسَيْنُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فِي أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا كَرْبَلَاءُ. فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهْ! وَأَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ ذَلِكَ، وَإِنِّي مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَيْسَ لِي مِنْ هَذَا بُدٌّ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي أُقْتَلُ فِيهِ، وَأَعْرِفُ مَنْ يَقْتُلُنِي، وَأَعْرِفُ الْبُقْعَةَ الَّتِي أُدْفَنُ فِيهَا، وَإِنِّي أَعْرِفُ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَقَرَابَتِي وَشِيعَتِي، وَإِنْ أَرَدْتِ يَا أُمَّاهْ أُرِيكِ حُفْرَتِي وَمَضْجَعِي.

ثُمَّ أَشَارَ (عليه السلام) إِلَى جِهَةِ كَرْبَلَاءِ، فَانْخَفَضَتِ الْأَرْضُ حَتَّى أَرَاهَا مَضْجَعَهُ، وَمَدْفَنَهُ، وَمَوْضِعَ عَسْكَرِهِ، وَمَوْقِفَهُ، وَمَشْهَدَهُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بُكَاءً شَدِيدًا، وَسَلَّمَتْ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهْ! قَدْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرَانِي مَقْتُولاً مَذْبُوحًا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَقَدْ شَاءَ أَنْ يَرَى حَرَمِي وَرَهْطِي وَنِسَائِي مُشَرَّدِينَ وَأَطْفَالِي‏ مذبوحين([7]).

ز- من كلام له (عليه السلام) قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام:

.. أعلم علمًا أن هناك مصرعي ومصارع أصحابي لا ينجو منهم إلا ولدي علي([8]).

وموئل هذه الجدلية هي إشكالية قديمة تمتد إلى عصر الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) مفادها (المنع من إقدام المعصوم على ما فيه قتله) انطلاقًا من قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}([9]).

أما الآية فقد ذكر في معناها وجوه: منها قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وهو المروي عن حذيفة، وابن عباس من أنّ معناها {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بالامتناع من الانفاق في سبيل الله.

ومنها ما روي عن البراء بن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة.([10])

وهذان المعنيان مؤيَّدان بسياق العبارة كما لا يخفى.

فهل الإقدام على الموت هو إلقاء للنفس في التهلكة وبقول مطلق؟!

الموت والحياة والهلكة والنجاة في القاموس الديني

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.

وفي موضع آخر: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}.

وفي آية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.

وفي آية أخرى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.

وفي حديث شريف ذي مضامين عالية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): منكِرٌ للمُنكَرِ بقلبه ولسانه ويديه، فخِلالُ الخيرِ حصلَها كلَّها، ومُنكِرٌ للمُنكَر بقلبه ولسانه وتاركٌ لهُ بيده، فخصلتان من خصال الخير حاز، ومُنكِرٌ للمنكَرِ بقلبه وتاركٌ بلسانه ويده، فخلة من خلال الخير حاز، وتارك للمنكر بقلبه ولسانه ويده، فذلك ميت الأحياء.

وعنه (عليه السلام) في حديث آخر: .. وآخرُ قد تسمّى عالمًا وليس به، فاقتَبَسَ جَهائلَ مِن جُهّالٍ، وأضاليلَ مِن ضُلّالٍ، ونصب للناس أشراكًا من حبالِ غرورٍ وقولِ زور، قد حملَ الكتابَ على آرائه، وعطفَ الحقَّ على أهوائه، يؤمِّنُ من العظائم، ويُهوّن كبيرَ الجرائم، يقول: أقفُ عندَ الشبُهات، وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدعَ، وبينها اضطجع، فالصورة صورةُ إنسان، والقلبُ قلبُ حيوان، لا يَعرفُ بابَ الهُدى فيتّبعَه، ولا بابَ العمى فيصدَّ عنه، فذلك ميّت الأحياء.

ومن هذا المنطلق كان قول ابن الرعناء الضبابي الذي سارت به الركبان:

ليس من مات فاستراح بميت
 

 

إنما الميت ميت الاحياء
 

وقد كرس السبط الشهيد هذا المفهوم بقوله (عليه السلام): .. إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما.

إذن: مفهوم الهلكة والنجاة والموت والحياة في القاموس الديني يختلف عن ما يراه أبناء الدنيا. والنظرة الكونية الإلهية تغاير النظرة المادية الإلحادية في تقييمها. والتحريم الشرعي ليس منصبًّا على إقدام المرء على ما فيه موته بعنوانه.

مقاومة العين للمخرز عند العقلاء

وكذلك العقل لا يحكم بقبحه ذاتًا فهو في حكمه تابع للعنوان الذي يندرج تحته.

والعقلاء لا يذمّون ولا يسفّهون من يقع على الموت إذا ما كان يرمي -من خلال ذلك- إلى تحقيق هدف سام، بل يرون بأن ذلك هو قصارى ما تصل إليه النفس البشرية من رفعة ورُقيّ كما هو الحال في تقييمهم للذين يقفون في وجه العدو -مع ما يمتلكه من أسلحة فتاكة ومدرعات محصنة- ليقاوموه بالبنادق أو الأحجار أو اللحم الحي.

وإنهم ليبجّلون من يُقدم على تفجير نفسه في جمعٍ من الغزاة المعتدين غاية التبجيل، وليس ذلك في قاموسهم جنونًا أو تهورًا أو انتحارًا، بل هو عين التعقل والشجاعة وأسمى مراتب التضحية والشهادة.

وقديمًا ذهب قول الشاعر مثلاً:

يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها
 

 

والجود بالنفس أقصى غاية الجود
 

الأمر الإلهي بالإقدام على ما فيه القتل

ثم إنَّ الله تعالى الذي حرَّم على الإنسان قتلَ نفسه أو الإقدام على ما فيه قَتلُهُ أو قَتلُ غيرِه قد يجيز له ذلك، أو يأمره به، كما في إقرار من اقترف موجب الحد والقصاص (كالقتل واللواط والزنا محصَنًا والاغتصاب) فإنه يجوز له أن يعترف أمام الحاكم الشرعي بجريمته ويستسلم لتنفيذ الحكم فيه.

وكما في قضية بني إسرائيل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([11]).

وكذا الحال في قضية سيدنا الخضر (عليه السلام) قوله عز وجل: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}([12]).

ولولا إمكان صدور مثل هذا التكليف لم يهمَّ نبيُّ الله إبراهيم بذبح ولده، ولم يستسلم الولد لإرادة أبيه. قوله تعالى: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}([13]).

والجهة الأكثرُ أهميةً في هذه الواقعة هي: أنَّ الله تعالى لم يُعب عليه تصديقَه وهَمَّه بذبح ولدِهِ امتثالاً للأمر، بل امتدحه على ذلك حيث قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}([14]).

وقد كانت سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحرب أن ينتدب رجلاً من أصحابه ليحمل المصحف فيدعو البغاةَ إلى كتاب الله عالمًا بأنَّه مقتول لا محالة.

كما كان منه في وقعة الجمل حيث نادى (عليه السلام): من يأخذ هذا المصحف، فيدعوهم إليه، وهو مقتول، وأنا ضامن له على الله الجنة؟

فلم يقم أحد إلا غلام، عليه قباء أبيض، حدث السن، من عبد القيس، يقال له: (مسلم).. فأعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) إشفاقًا، ونادى ثانية: من يأخذ هذا المصحف، ويعرضه على القوم، وليعلم أنه مقتول، وله الجنة؟

فقام مسلمٌ بعينه وقال: أنا أعرضه.

ونادى ثالثة، ولم يقم غير الفتى، فدفع المصحف إليه، وقال: إمضِ إليهم، واعرضه عليهم، وادعهم إلى ما فيه.

فأقبل الغلام حتى وقف بإزاء الصفوف، ونشر المصحف، وقال: هذا كتاب الله، وأمير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه.

فقالت عائشة: اشجروه بالرماح قبحه الله.

فتبادروا إليه بالرماح، فطعنوه من كل جانب، وكانت أمه حاضرة فصاحت، وطرحت نفسها عليه، وجرَّته من موضعه، ولحقها جماعة من عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أعانوها على حمله حتى طرحته بين يدي أمير المؤمنين وهي تبكي.. ([15]).

وتكرر منه (عليه السلام) مثل ذلك في النهروان([16]).

وفي هذا السياق قال الشيخ المفيد في الرد على من استشكل في خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد مع علمه بالمصير:.. لا يمتنع أن يتعبّده الله بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل، ليبلغه الله بذلك من علو الدرجة ما لا يبلغه إلا به، ولعلمه تعالى بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كُلّفَها سواه لم يؤدّها، ويكون في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ما لا يقوم مقامَه غيرُه، فلا يكون بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) ملقيًا بيده إلى التهلكة، ولا معينًا على نفسه معونةً مستقبحةً في العقول([17]).

وكذا العلامة الحلي حيث قال:.. فجاز أن يُكلَّف ببذل مهجته الشريفة -صلوات الله عليه- في ذات الله تعالى، كما يجب على المجاهد الثبات، وإن أدى ثباته إلى القتل، فلا يُعذَلُ في ذلك([18]).

وعلى هذا المنوال كان كلام المحقق البحراني:.. إن رضاهم صلوات الله عليهم بما ينزل بهم من القتل بالسيف والسم، وكذا ما يقع بهم من الهوان والظلم على أيدي أعدائهم، مع كونهم عالمين به، وقادرين على دفعه، إنما هو لما علموه من كونه مرضيًا له سبحانه وتعالى، ومختارًا له بالنسبة إليهم، وموجبًا للقرب من حضرة قدسه، والجلوس على بساط أنسه.

وحينئذ، فلا يكون من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الذي حرّمته الآية، إذ هو ما اقترن بالنهي من الشارع نهي تحريم، وهذا مما علم رضاه به واختياره له، فهو على النقيض من ذلك.

ألا ترى أنَّه ربما نزل بهم شيء من تلك المحذورات قبل الوقت المعد، والأجل المحدد، فلا يصل إليهم منه شيء من الضرر، ولا يتعقبه المحذور والخطر؟! فربما امتنعوا منه ظاهرًا، وربما احتجبوا منه باطنًا، وربما دعوا الله سبحانه في رفعه فيرفعه عنهم، وذلك لما علموا أنه غير مراد له سبحانه في حقهم، ولا مقدر لهم.

وبالجملة: فإنهم صلوات الله عليهم يدورون مدار ما علموه من الأقضية والأقدار، وما اختاره لهم القادر المختار([19]).

علم الإمام الحسين بمصيره حقيقة ثابتة على جميع المناهج

لا يمكن الالتزام بإنكار تلك الحقيقة وهي علم الإمام الحسين (عليه السلام) بمصيره على طبق أي منهج من المناهج الفكرية السائدة:

المنهج الإمامي

أما بناء على اعتقادنا بعلمه اللدني وميراثه الملحمي عن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) فهو أمر قطعي لا ريب فيه. وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) اختص بعلم البلايا والمنايا ثلة من أصحابه كميثم التمار ورشيد الهجري وحبيب بن مظاهر الأسدي فما بالك بوصيه وخزانة علمه([20]).

إنَّ حقيقة علم الإمام (عليه السلام) -كمًّا وكيفًا- وإن كانت غير متبلورة في العصور المتقدمة لعوامل متعددة نوكل بيانها إلى محله إلا أنَّ علماءنا الأبرار في العصور المتأخرة أشبعوا الكلام فيها ردًا للشبهة التي جاءت ممن تسمى بالتشيع ممن لا يعذر في ذلك بعد زوال الظروف التي كانت تحكم الأولين.

وقد صُنّفت رسائل خاصة في إظهار الإمام (عليه السلام) على الغيب بإذن الله والتوفيق بين القول بعلمه وإقدامه على ما فيه موته([21]).

وقد استندوا فيها إلى الآيات والأخبار وما يؤيدها من وجوه الاعتبار فلتراجع في مظانها.

وأخصر ما سيق فيها من الوجوه العقلية المحتفة بالشواهد النقلية في مجال ذب المحذور هو: أنَّ علمهم بالحوادث علم بها من جهة ضرورتها أي من جهة وقوع تلك الحوادث حتمًا بما لا مردَّ له دون ما يعرض عليه البداء، والعلم الذي هذا شأنه لا يبعث الإنسان نحو التحرز ولا ينتج تنجيزًا ولا تفعيلاً للتكليف بتجنب الوقوع في مغبة تلك الواقعة فإذا كان الخطر بحيث لا يقبل الدفع بوجه من الوجوه فالابتلاء به وقوع في التهلكة لا إلقاء للنفس فيها، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: أتاني جبرائيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد إنَّ أمَّتك ستقتل ابنك حسينًا من بعدك. قلت: أوَ لا أراجع الله فيه؟

قال: إنه أمر قد كتبه الله عز وجل([22]).

المنهج السُّنّي

وإن أبيت ذلك فدونك ما ورد من الأحاديث النبوية وإخبارات الصحابة بمن فيهم أمهات المؤمنين وكذا أعلام التابعين حيث لم تتفرد مصادرنا به بل ورد مضافًا إليها في مجاميع الحديث والتاريخ والسير عند أهل السنة.

لقد كان الجميع يرقب ذلك اليوم.

فمن دان بما عليه العامة لا مناص له من الإقرار بمعرفة الإمام (عليه السلام) بمصيره([23]).

المنهج المادّي

وإن أبيت إلا سلوك سبيل الماديين من الباحثين فإن أدنى قراءة للجغرافيا السياسية والمعطيات الميدانية تكشف جليًا أن من أراد غير الفتح الاستشهادي من حركته لا يكاد يسلك السبيل الذي سلكه الحسين (عليه السلام).

رجل يعلن عن رفضه وكفاحه في ضمن حدود الدولة التي يناهضها دون قوة عسكرية يعتصم بها بل تراه يصرح بوجهته ومقصده على مرأى ومسمع من العيون والمخبرين بدلاً من أن يتكتم على ذلك حتى يبلغ مأمنه ويتوسط قاعدته الشعبية التي تحميه.

ويسير باتجاه مدينة تحوي مزيجًا غير متجانس لا تمتلك الأصالة في تكوينها، فكوفة الجند مدينة مستحدثة يقطنها خليط من القبائل المهاجرة من مواطن متباعدة بدلا من أن يسير إلى بقعة آمنة ذات نسيج متجانس ومجتمع متماسك.

وكيف يختار تلك المدينة وقد رأى منها ما يتلمَّظُ مرارتَه مما كان منها تجاه أبيه وأخيه (صلى الله عليه وآله) قبل عقد وعقدين؟!.

ثمَّ إنَّها على مقربة من حاضرةٍ اتسمت بالعداء المطلق لأهل بيته في الغالب، علاوةً على قربها النِّسْبيّ مِن عاصمة السلطة وخزّانِ قوّتها في بلاد الشام.

ولذا لمّا عزم على المسير عارضه كلُّ من لقيه مِن العبادِلةِ أبناءِ عباسٍ وعمرَ والزُّبير إلى أخيه محمد ابن الحنفية وحتى الفرزدقِ الشاعرِ الذي لا قِدَمَ ولا قَدَمَ لهُ في عالم السياسة.

فمصير مسيره (عليه السلام) كان واضحًا عند أي شخص عاقل ملتفت إلى ما يدور حوله، فلما أبى عليهم الرجوع عن رأيه ودّعوه وداع مفارقٍ فراقَ غيرِ آيب، فاعتنقه بعضهم قائلاً: استودعك الله من قتيل([24]).

إنَّ من أراد غيرَ الفتح الاستشهادي لا يمكن أن يقوم بما قام به إلا أن يكون مفرطًا في عالم السذاجة والغباء معاذ الله.

فالخطة المُثلى لمن أراد إسقاط النظام وتشييد دولته على أنقاضه هي ما أشار إليه بعضُهُم من الخروج إلى اليمن.

أرض فيها من وعور الجبال ما يصلح للتحصن، تتكون من مجتمع قبلي صلب، لم تتعرف على الإسلام إلا من خلال أمير المؤمنين (عليه السلام).

وهي على مقربة من البحرين الكبرى التي تشاطرها الصفاء العقدي حيث غِراسُ ابنَي سعيدِ بن العاصِ مؤمنَيْ آلِ أمية.

وهما معا تتمتعان بخصوصيتين أخريين:

أ - البُعد النِّسبيّ عن موقع ثقل السلطات.

ب - الثروات الطبيعية التي تمهد لنشوء دولة قوية مستقلة ابتداءً فالتوسُّعُ شمالاً إلى الحجاز وصولاً شيئًا فشيئًا إلى العراق فالشام بعد اتساق الأمور.

أين هذا من مخطط نهضته وطبيعة مسيرته؟!

ثم إن غالبية الذين كاتبوه لم يكونوا بحيث يمكن الاعتماد عليهم، كيف وفيهم رؤوس الخوارج وأعداء البيت العلوي وشخصيات مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟!

بعد هذا، كيف للباحث مهما كانت خلفياته واعتقاداته أن ينفي الكتب والخطب والتصريحات التي وردت في تاريخ النهضة ناصة على علمه بمصيره وإقدامه على ما فيه قتله؟!.

اللهم إلا أن يتجاوز ما تعتقده الطائفة في علم الإمام (عليه السلام) وما تدين به الأمة من صحة إخبارات نبيها (عليهما السلام) وما أجمع عليه المنصفون المنتمون إلى سائر الملل والمشارب من كونه (عليه السلام) شخصيةً فكريةً واجتماعيةً مرموقةً تفيضُ حِكمةً وتتوقدُ فهمًا.

 النموذج الثاني: عددُ الجيش المهاجم:

اختلفت المصادر التاريخية في تحديد عدد الفئة التي بادرت إلى ارتكاب تلك المجزرة الرهيبة في طور الطف.

وهناك أحاديثُ نصت على أنها تبلغ الثلاثين ألفًا ومنهم من ذكر سبعين ألفًا والبعض نقل ما يفوق هذا العددَ بأضعافٍ مضاعفةٍ مما أثار حفيظة بعض الناقدين.

والحجة في الإصرار على النفي هو عدم تعقل ابتعاث السلطة مثل هذه الأعداد من أجل قمع فئة قليلة دون المائتين.

وهذا النفي مردود لجهات منها:

أ- لم يكن عدد معسكر الإمام (عليه السلام) محددًا لدى السلطة، والساحة عندها كانت مفتوحة أمام جميع الاحتمالات، ويؤيده تحرك مواكب متعددة نحو أرض المعركة لم يكتب لها الوصول قبل وقوع الواقعة.

ب- إن عظم المحتمَل يحتم على المحتمِل أن يرتب الأثر على احتماله مهما كان الاحتمال ضعيفًا، واحتمال اندلاع تحرك يزعزع عرش الحاكم لهو قمة هرم الخطر عند المتشبثين بسدة الحكم قديمًا وحديثًا.

ت- لا يُقتصَرُ في إحصاء الجيش المناهض للنهضة على خصوص المباشرين للقتال فإن جبهة الإسناد والخطوط الخلفية وفرق الإمداد المجتمعة في المسالح والمعسكرات ما زالت إلى يومنا هذا تعد في عمليات الإحصاء جزءًا لا يتجزء من الجيش، ومع الأخذ بعين الاعتبار لكون حركة الحسين (عليه السلام) كانت الحركة الوحيدة التي تخشاها السلطات فإن كافة التجهيزات العسكرية كانت تعنى بها أولاً وبالذات. فما هو وجه الاستبعاد بعد هذا البيان.

ث- إن المراقب لمجريات الأمور قبل الواقعة وإبانها وبعد انتهائها يجزم بأن التجييش والنفير العام الذي قامت به السلطة آنذاك كان بمثابة استفتاء شعبي عمدت إلى إنهائه -ترهيبًا وترغيبًا- لمصلحتها وبنتيجة حاسمة تقطع الطريق أمام أية حركة أخرى، ولم يكن المقصود مجرد الظفر على تلك الثلة الطيبة.

فما هو وجه الاستبعادِ بل النفيِِ القاطعِ لضخامة العدد؟!

وما هو المسوغ لتكذيب ما ورد؟!

النموذج الثالث: عددُ القتلى:

وأرى بأن أساس نفيه هو الجزم بكون الواقعة خالية من العنصر الغيبي.

وهو توهم محض فإن قائد المعسكر هو ابن من كان سيفه معجزة تتقاصر دونها الفرسان.

وقد يعين الفارس على نفسه.

ومما يقرب الصورة ما ورد في جملة من المصادر المعتبرة من فرار العسكر بين يديه فرار المعزى([25])، ومن تأمّل في كيفية فرار المعزى وقف على ما يستلزمه مثلُ هذا الفرار.

والقتل إذا ما كان بفعل الحملة فإنه ينسب لصاحبها حتى ولو لم يباشره بصارمه.

وقد يكون استعمال القوة الإلهية أبلغ في إلقاء الحجة وإتمامها.

نعم ما ينافي الغرض هو حسم المعركة بعامل غيبي ولا ينافي ذلك اشتمالها على بعض العناصر الغيبية ما لم تصل إلى ذلك الحد.

ونحن إذ لم نكن ملزمين بإثبات ما أرادوا نفيه، ولسنا بصدد توثيق ما ردّوه، يكفينا أن نقول بأنَّ المصادر وإن لم تنص على اشتمال القتال على العنصر الغيبي، وتسلح المعسكر الحسيني بالمدد الإلهي، لكنَّ المتأمل في التفاصيل التي تعرضت إليها من طبيعة الحملات، وكيفية المبارزات، وجزئيات الحوارات، ومفردات الأفعال وردودها، لَيَقف على نحو الجزم بأن المصادر ذكرت اللازم دون الملزوم؛ إذ لا يعقل أن تقع مثل تلكم الحوادث المدهشة إلا بقوة ربانية، ومدد إلهي وعامل غيبي.

وأما من لم يؤمن بالغيب فأبلغ عقله عني السلام.

النموذج الرابع: عقدُ قران القاسم بن الحسن (عليه السلام)

من الموارد التي أثارت حفائظ غيارى العقلانية والتعقل قضية عرس سيدنا القاسم (عليه السلام)، فأتحفونا بما جادت به قرائحهم الفياضة استهجانًا واستنكارًا وتنديدًا بمن يبني على ما جرت عليه القرون في الحواضر الشيعية من إحياء مراسم التفجع الموسومة بعرس القاسم عرّيس واقعة الطف، وقد أمطروا خطباء المنبر الحسيني الشامخ بوابل نيران النقد اللاذع متهمين إياهم باجتراح جريمة التزييف التاريخي لهذه الواقعة العظمى مستندين في حملتهم تلك تارة: على عدم وجود الإثبات التاريخي والنص المعتبر. وأخرى: على عدم تعقل قيام سيد الشهداء (عليه السلام) بمثل هذا الأمر في خضم الأحداث المهولة التي تذهل كل مرضعة عما أرضعت والتي تنأى بالتفكير فيما هو أهم بكثير من عقد قِران غلام لم يبلغ الحلم على ابنة عمه وفي خيمة تتوسط الهيجاء بين أعمدة الدخان وصهيل الخيول العادية وزعيق الفرسان واصطكاك الأسنة وتطاير الرؤوس وتطايح الأيدي وأنين اليتامى وصراخ الأيامى واستغاثات العطاشى.

المصادر التاريخية لعرس القاسم:

إنَّ القضية لم تنطلق من نسج خيال العوام ولم تُبتدَع بفعل تفاعل عاطفيٍّ ساذج. بل نقلها ثلةٌ من العلماء الأفذاذ.

فأوّل مَن وصلَ إلينا نقله لهذه الواقعة هو العَلّامة المفسر الأديب الفلكي المولى حسين الكاشفي([26]) في روضة الشهداء([27]) وهو من أعلام القرن التاسع، وقد توفي في السنة العاشرة بعد التسع مائة للهجرة، وقد ألف كتابه المذكور في منتصف القرن التاسع على ما ذُكر. ثم تلاه من لم يعهد عنه غير التحقيق والتدقيق في خبرويّة مشهود له بها من قبل علماء التراجم مزدانة بوثاقة وورع مجمع عليه، وهو العلامة المحدّث الفقيهُ اللغوي المؤرخ المتبحر أعبدُ أهل زمانه وأورعهم الشيخ فخر الدين الطُّريحي (قدس سره) والذي ذكر الواقعة بأكملها في كتابه المنتخب([28])، وقد ذكرها أيضًا بتفاوت يسير: معاصره العلامة النسابة الجليل والمؤرخ الشهير السيد ضامن بن شدقم الحسيني المدني في كتابيه: (تحفة لب اللباب في ذكر نسب السادة الأنجاب) و(تحفة الأزهار).

نص رواية العرس:

نقل غير واحد من الأعلام هذه الرواية عن العلامة الطريحي ولم يتعرض أحدٌ منهم إلى رواية العلامة ابن شدقم، لذا ارتأيت نقلها عنه بلفظه، حيث قال في كتابه تحفة لب اللباب:

«السيد القاسم بن أبي محمد الحسن السبط (عليه السلام) قد حضر مع عمه الحسين (عليه السلام) وقعة الطف، فاستأذنه في البراز، فقال له (عليه السلام): يا بن أخي أنت لي من أخي علامة، فأريد أن تبقى لي لأتسلى بك، فجلس مهمومًا مغمومًا واضعًا رأسه بين ركبتيه حزين القلب باكيًا.

فذكر أن أباه (عليه السلام) قد عقد له عوذة في عضده الأيمن وقد قال له: يا بني إذا أصابك ألمٌ أو همٌّ فحلها واقرأها وافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبًا فيها، فعند ذلك حلّها وقرأها، فهذا ما وجده مكتوبًا فيها:

يا ولدي يا قاسم أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإذا رأيت عمك الحسين (عليه السلام) بكربلاء وقد أحاطته الأعداء، فاطلب منه البراز ولا تترك الجهاد بين يديه على أعداء الله ورسوله وأعدائه، ولا تبخل عليه بروحك، فإذا نهاك فعاوده حتى يأذن لك لتحظى بالسعادة الأبدية.

فنهض القاسم إلى عمه (عليه السلام) وعرض عليه العوذة فتنفس الصعداء وقال (عليه السلام) له: يا بني هذه وصية لك من أبيك وعندي وصية أخرى منه لك فلا بد من إنفاذها، ثم نهض (عليه السلام) آخذًا بيده وبيد أخويه عون والعباس ودخل بهم الخيمة، وأمر أخته زينب بإحضار الصندوق، وفتحه واستخرج منه قباء أخيه الحسن (عليه السلام) وعمامته، فألبسهما القاسم وعقد له على ابنته وأدخله عليها وخرج عنهما.

فجعل القاسم ينظر إليها وهو يبكي، فسمع القوم ينادون: هل من مبارز؟! ما من مبارز؟! إن القوم قد ذلّوا.

فنهض مسرعًا يقول: إن هذا وقت البراز إلى القتال ليس فيه أعراس ولا حطة عقال وسنلتقي إن شاء الله الواحد المتعال، فقال له عمه (عليه السلام): يا بن أخي أتمشي برجليك إلى الموت؟!

فقال: لم لا تكون روحي لك الفداء ونفسي لك الوقاء، إذ لا صديق حميم يحميك ولا ذاب يذب عنك ولا دافع يدفع عنك.

ثم إن الحسين شق أزياق([29]) القاسم وقطع عمامته نصفين فعممه بنصف ودلّى نصفها الثاني على وجهه وكفنه بثيابه وقمّطه بسيفه وأمره بالبراز»([30]).

ملاحظات مستفادة:

وهنا لا بد من الإشارة لبعض النقاط المستفادة من هذه الرواية:

ألف: اندفاع القاسم التلقائي لأداء دوره الفدائي وذلك قبل اطلاعه على وصية أبيه.

ب: امتياز القاسم في كونه علامةً للسبط الأكبر دون سائر إخوته حيث لم يرد في حق أحدهم مثل هذا النقل، ومن هنا نرى بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يرى فيه السلوة المذكِّرة بأخيه كما كان علي الأكبر علامة مذكِّرة بشخص النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

ج: إن ما اعترى الفتى من هَمّ وغَم لعدم الإذن له بالقتال يدل على أنه كان يحمل رؤية فريدة للجهاد والفداء بين يدي عمه (عليه السلام). فهو لا يرى في ذلك واجبًا مفروضًا لا بد من تأديته للخروج عن عهدته، بل كانت نفسه المقدسة توّاقة ترقب ساعة الوصال تلك بفارغ الصبر، فالموت عنده بتلك الطريقة أشهى من العسل كما سبق ما نقلناه عنه. وهنا تظهر مصداقية قول الشاعر في حقه وحق أمثاله من فتيان كربلاء:

أطفالهم بلــغوا الحــلوم بقـربهم
 

 

شوقــًا إلى الهيجــاء لا الحســـناء
 

قد كانت هذه هي الرؤية السائدة لدى أبناء المعسكر الحسيني على تفاوت درجاتهم واختلاف أعمارهم ومنابِتهم وألسنتهم، وهو أمر يثبته ما تواتر في الأدلة التاريخية من سلوكياتهم التي مارسوها في ساحة الوغى، مما يقطع معه بصحة مضمون ما روي عن سيدهم أمير الفداء (عليه السلام) من قوله -مطمئنًا عقيلة الطالبيين- ليلة الأضحى الكربلائي:

«أما والله لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن أمه»([31]).

د: إن ما وجّهه الإمام الحسن (عليه السلام) لولده من خطاب بشأن تلك الوصية التي أودعها إياه في العوذة المذكورة يدل على عناية خاصة من ذلك الجانب الرفيع كما يدل على وعي كبير كان يمتلكه القاسم الذي لم يكن في حينها إلا فتى دون الخامسة عشر من العمر.

هـ: كون تزويج القاسم وصية معهودة من السبط الأكبر لأخيه السبط الشهيد تجعل منها قضية مبدئية تتجاوز حدود القضايا العائلية المحضة، فالوصية الأولى والتي كان المخاطب فيها القاسم مباشرة كانت تحمل أمرًا بالجهاد حتى الفوز بالسعادة الأبدية، وأما الوصية الأخرى والتي كان الواسطة في إبلاغها سيد الشهداء ففيها الأمر بالتزويج مقدمًا على الجهاد والشهادة، وفي ذلك دلالات منها:

1 - إن مسألة الزواج والعلقة الزوجية ليست في عمقها علاقة جسدية غرائزية، بل الأساس فيها عهد روحاني وارتباط معنوي تباركه السماء ليلتف بالرحمة الإلهية مضافًا إلى الوشائج العاطفية، ومن هنا لا تسقط أهميته إذا ما علم تعذر إقامة تلك العلاقة للظروف المحيطة أو لعدم المقتضي في أحد الزوجين أو كليهما.

2 - إنها لا ينتهي أمدها بانقضاء هذه الحياة الدنيا بل تمتد أبعادها إلى عالم الخلود، وهذا ما تفيده جملة من آي الكتاب المحكم، ولذا لا يعتد بقصر المدة في هذه النشأة وطولها.

قال جل علاه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}([32]).

وفي آية أخرى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}([33]).

فالزوجية كالعلقة النسبية تمتد إلى النشأة الآخرة في وجودها وآثارها.

3 - إن امتثال الأمر والنهي الشرعيين لا يترك لمجرد الاستنسابات البشرية، فقضية النهي عن العزوبة وأن العزاب هم شرار موتى الأمة وغير ذلك مما ورد مؤكدًا في الشرع المقدس تبقى على إطلاقها تبعث الكُمّل نحو الامتثال حتى ولو لم يكن الحكم إلزاميًا.

4 - إن مدرسة الطف توجت القاسم أميرًا للعِرِّيسين وبذلك نصبته مثلاً أعلى لهم وحجة كبرى عليهم لتتم محاكاتها لجميع الشرائح والطبقات والأحوال الاجتماعية في رسالتها المفتوحة للأجيال.

و: إن ما قامت به يد العصمة من تخصيص القاسم بتعميمه بعمامة أبيه السبط الأكبر (عليه السلام) وإلباسه قباءه، وبناءً على ترميزيّة الرسالة والقصدية التي تحكم جميع مفرداتها ومكوناتها كما أثبتناه في بحثنا المشار إليه، تدل على أن رابع أصحاب الكساء كان حاضرًا في الملحمة العاشورائية ممثَّلاً بولده، وأن القاسم كان الوجود التنزيلي لأبيه الحسن (عليه السلام) دون سواه في تلك المنازلة.

النموذج الخامس: طلبُ الماء

ووجه استشكالهم هو توهم لزوم ذلك ظهور سيد الأباة بمظهر الذلة والمهانة.

وهو مردود لأن الذلة إنما تكون إذا طلب الإنسان من غيره ما ليس له، أما المطالبة بما هو من أدنى حقوقه فأية مذلة فيها.

والماء من الحقوق البديهية لأي إنسان حتى ولو كان عدوًا، فهو (عليه السلام) إنما طلب ما هو حق مشروع له، وهو الذي كشف المشرعة في صفين فأروى أهل الكوفة ولم يمنع منه أهل الشام، وهو الذي صلى الإستسقاء فأمطرت السماء ورفع الجدب عن البلاد إبان حياة أبيه (عليهما السلام).

ثم إن في طلبه تحقيقًا لمرامي نهضته من استدرار المشاعر الإنسانية وإظهار قبح التسافل المعنوي الذي منيت به الأمة بفعل المتسلطين عليها.

وهذا يصلح ردًا على إشكالهم الآخر في طلبه الماء لطفله.

النموذج السادس: خروجُ ربات الخدور ناشرات الشعور:

هناك زيارة نقلها الشيخ الجليل محمد بن المشهدي تحت عنوان: "زيارة أخرى يزار بها في يوم عاشوراء"، في كتابه المزار ثم قال: ومما خرج من الناحية (عجل الله فرجه الشريف) إلى أحد الأبواب..

ونقلها السيد رضي الدين بن طاوس في مصباح الزائر فقال: زيارة كان يزور بها الشريف المرتضى..

تشتمل هذه الزيارة على مضامين عالية وعلى صور مفجعة ومنها:.. فلما رأين النساءُ جوادَك مخزيًّا، ونظرن سرجك عليه ملويًّا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور..

فقامت قيامة البعض واعتبروا ذلك جريمة تاريخية كبرى تنسب إلى ربات الخدر النبوي وهي مخالفة الشرع الأقدس بنشر شعورهن.

ولو كلفوا أنفسهم التأمل في المصادر اللغوية لعلموا أن النشر لا يقابله الستر ليكون بمعنى الكشف وإنّما يقابله الطي واللف ومن ثم كثر التعبير باللف والنشر.

قال الخليل: ونشرت الثوب والكتاب نشرا: [ بسطته ]([34]).

وقال ابن فارس: ( نشر ) النون والشين والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وتشعبه.. خلاف طويته([35]).

وقال الزبيدي: النشر: خلاف الطي، كالتنشير، نشر الثوب ونحوه ينشره نشرا. ونشره: بسطه، وصحف منشرة، شدد للكثرة.

وفي خبر عمار بن موسى الساباطي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ... وعن المرأة تغتسل وقد امتشطت بقرامل ولم تنقض شعرها كم يجزيها من الماء؟

 قال: مثل التي نشرت([36]) شعرها وهو ثلاث حفنات على رأسها([37]).

ولنساء العرب أساليب في إظهار الجزع عند المصيبة كشق الجيب ولطم الخد.

ولما كانت المرأة العربية شديدة الاهتمام بشعرها حريصة على تطويله وتصفيفه في غدائر وضفائر تضفي عليه رونقا ساحرا كان من أهم آيات التفجع ومظاهر الجزع وعلامات الحداد إرساله ونفشه بحلّ ضفائره وعقائصه.

وإذ أصبح هذا الفعل شعارًا استعمل من باب الاستعارة في الشعر العربي كما في عينية ابن أبي الحديد حيث قال:

والشمس ناشرة الذوائب ثاكل
 

 

والدهر مشقوق الرداء مقنع
 

وقد ترسخت هذه الأعراف حتى أصبحت سلوكًا ارتكازيًا يُمارَسُ دون تكلفٍ، كما يُستخدَم كرسالة لإبلاغ موقف أو إيصال مفهوم ما.

وهو ما هددت به الصدّيقة الشهيدة ÷ عصابة المنقلبين حينما اقتادوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت:

والله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري، ولأشقن جيبي، ولآتين قبر أبي، ولأصيحنَّ إلى ربي..

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله، إن نشرت شعرها، وشقت جيبها، وأتت قبر أبيها، وصاحت إلى ربِّها، لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها [ وبمن فيها ]..([38])

فتظهر الجزع لربها وتستصرخه مستعدية على القوم فيتجاوب عالم الملك لذلك بأمر مالكه.

ويتحصل من جميع ما تقدم

أ - أن النشر لم يؤخذ في مفهومه الكشف ولا الستر فهو لا بشرط بالنسبة إلى كلا المفهومين.

ب - عدم الملازمة المصداقية بينه وبينهما.

ت- كونه سلوكا رائجا عند نساء العرب يدل على قمة التفجع.

ث- أنه من صغريات الجزع، فهو أمر محبوب إذا ما كان انتصارًا لقضية محقة أو تفاعلاً معها، وفي طليعتها قضية الإمامة.

جـ- أن الزيارة المذكورة حيث نسبت نشر الشعر إلى ربات الخدر الحسيني كان ذلك قرينة على أنه لم يقترن بما نهى عنه الشرع المبين من الكشف الذي هو -في كل الأحوال- أجنبي عن النشر مصداقًا ومفهومًا.

 النموذج السابع: فاطمةُ بنتُ الحسين (عليه السلام) المخلّفة في المدينة

أنكر وجودها بعض الباحثين وذلك لعدم استقصائهم زوايا الكتب التاريخية، فنسبوا قصتها إلى اختلاق أهل المنبر تسرعًا، مع أنها ذكرت في جملة من المصادر المعروفة كتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر([39])، وتلخيصه لابن منظور، وفرائد السمطين للجويني الشافعي، وبغية الطلب لابن العديم على ما حكي عنه، والخوارزمي في مناقبه، وقد نقلها عنه العلامة المجلسي في بحار الأنوار حيث قال:

«رُويَ في كتاب المناقب القديم، عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن أبيه، عن أبي عبد الله الحافظ، عن يحيى بن محمد العلوي، عن الحسين بن محمد العلوي، عن أبي علي الطرسوسي، عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن يعمر، عن إسحاق بن عباد، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: لما قتل الحسين بن علي جاء غراب فوقع في دمه ثم تمرغ ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي (عليهما السلام) وهي الصغرى، فرفعت رأسها فنظرت إليه فبكت بكاءً شديدًا وأنشأت تقول:

نعب الغراب فقلت من
قال الإمام، فقلت من؟!
إن الحسين بكربلا
فابك الحسين بعبرة
قلت الحسين؟! فقال لي
ثم استقل به الجناح
فبكيت مما حل بي
 

 

تنعاه ويلك يا غراب
قال الموفق للصواب
بين الأسنة والضراب
ترجي الإله مع الثواب
حقا لقد سكن التراب
فلم يطق رد الجواب
بعد الدعاء المستجاب
 

قال محمد بن علي: فنعته لأهل المدينة فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطلب فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن علي (عليه السلام)»([40]).

أقول: المشهور بين أهل السير كون فاطمة الصغرى هي صاحبة الخطبة المعروفة في مدينة الكوفة، وهي زوج سيدنا الحسن المثنى، وقد كانت مع ركب السبايا. لكن هذه الرواية تصرح بكون الصغرى هي المخلفة في المدينة، ومع الاشتراك في الاسم فقد يقع فيه ما وقع في اسم علي بن الحسين من الاختلاف في تعيين الأكبر من الأصغر منهما، فإذا اختلف في الرجال مع كون أحدهما إمامًا، فكيف بعقائل النبوة وحليفات الخدور؟! فلا مجال لاستبعاد الحادثة المذكورة بحجة كون فاطمة بنت الحسين الصغرى مع ركب السبايا كما ذهب إليه ابن عساكر بل يستفاد منها تعدد البنت المسماة بفاطمة.

نكتفي بهذا القدر من النماذج ولدينا مزيد، سائلين المولى أن يوفق الباحثين للمزيد من العمل في هذا السبيل تلبية لاستنصار إمام الهدى وسيد الشهداء (عليه السلام).

ــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) ألقي هذا البحث في شهر شعبان من عام 1431 للهجرة في مهرجان ربيع الشهادة العالمي والذي تقيمه العتبتان المقدستان الحسينية والعباسية في كل عام بمناسبة ذكرى ميلاد الإمامين الحسين والسجاد وأبي الفضل العباس (عليهم السلام)، وقد أضيفت إليه فيما بعد بعض التعديلات التي اقتضاها المقام.

([2]) كشف الغمة للقاضي الإربلي ج2 ص239، اللهوف للسيد ابن طاوس ص38، نزهة الناظر للحلواني ص86، مثير الأحزان لابن نما الحلي ص29، معارج الوصول للزرندي الشافعي ص94، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص367، عوالم الإمام الحسين للعلامة الشيخ عبد الله البحراني ص217، لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص70، المجالس الفاخرة للسيد عبد الحسين شرف الدين ص207.

([3]) بصائر الدرجات للصفار 502، دلائل الإمامة للطبري الشيعي ص 188 ونوادر المعجزات ص110 له أيضًا، الخرائج والجرائح للراوندي ج2 ص771، ذوب النضار لابن نما الحلي ص29، الدر النظيم لابن حاتم العاملي الشامي ص532، اللهوف للسيد ابن طاوس ص41، مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج3 ص461، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج42 ص81، أعيان الشيعة ج1 ص620 ولواعج الأشجان ص 256 للسيد محسن الأمين، المجالس الفاخرة للسيد عبد الحسين شرف الدين ص104.

([4]) الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص76، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص375، عوالم الإمام الحسين للعلامة الشيخ عبد الله البحراني ص225، أعيان الشيعة ج1 ص596 ولواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص88، وراجع تاريخ الطبري ج4 ص301 ومقتل أبي مخنف الأزدي ص80

([5]) كامل الزيارات لابن قولويه ص157، بحار الأنوار ج45 ص31، عوالم الإمام الحسين للعلامة الشيخ عبد الله البحراني ص156.

([6]) تاريخ دمشق ج14 ص216، سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص306، تاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص12، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص183، ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص64.

([7]) بحار الأنوار: ج44 ص331، وعنه: المجالس الفاخرة للسيد عبد الحسين شرف الدين .

([8]) دلائل الإمامة للطبري الشيعي ص74 وعنه اللهوف للسيد ابن طاوس ص61 وبحار الأنوار ج44 ص364.

([9])  البقرة من الآية 195 .

([10]) التبيان للطوسي ج2 ص152.

([11]) البقرة:54.

([12]) الكهف:74.

([13]) الصافات: 102.

([14]) الصافات: 103 ـ 105.

([15]) الجمل للشيخ المفيد ص182، وقد ذكرت الحادثة في: تاريخ الطبري ج4 ص511, وشرح الأخبار للقاضي النعمان.

([16]) الخرائج والجرائح للراوندي ج2 ص756، ومجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص241، والمعجم الأوسط للطبراني ج4 ص228، وكنز العمال للمتقي الهندي ج11 ص290، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج33 ص386.

([17]) المسائل العكبرية ص70.

([18]) أجوبة المسائل المهنّائية ص148.

([19]) راجع الدرر النجفية ص84 فما بعد.

([20]) راجع على سبيل المثال: بصائر الدرجات، باب في الأئمة أنهم ورثوا علم أولى العزم من الرسل وجميع الأنبياء وأنهم صلوات الله عليهم أمناء الله في ارضه وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب العرب، والكافي ج1 ص223 باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم وكذا باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم، وأمالي الطوسي ص166، وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج2 ص547، والاختصاص للمفيد ص77، وعيون المعجزات للحسين بن عبد الوهاب ص88، والثاقب في المناقب لابن حمزة ص121، المناقب لابن شهر آشوب ج2 ص94 إلى 112، والمحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص155، وتفسير فرات الكوفي ص283، ورجال الكشي ج1 ص291، والمجدي لعلي بن محمد العلوي ص51، والفضائل لابن عقدة ص125، ونهج الإيمان لابن جبر ص 271 و641، وأعلام الدين للديلمي ص463.

([21]) فليراجع على سبيل المثال لا الحصر: المعارف السلمانية للعلامة السيد عبد الحسين الموسوي اللاري، وعروض البلاء على الأولياء للعلامة السيد هادي الخراساني وهي رسالة فريدة ساق فيها عشرين وجهًا تحقيقيًا في هذا المقام، وإقدام المعصوم على ما فيه قتله، ورسائل في علم الإمام للعلامة المظفر والشيخ شهاب الدين الإشراقي والمرجعين الشيخ الفاضل اللنكراني والشيخ الصافي الكلبايكاني والشهيد السعيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي، وهناك أيضًا رسالتان للعلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان في علم الإمام، ورسالة في علم الأئمة بالغيب والاعتراض عليه بالإلقاء إلى التهلكة لسيدنا الأستاذ العلامة الرجالي المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي (دامت إفاضاته) وقد طبعت في مجلة (تراثنا) الغراء الصادرة عن مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) في قم المقدسة العدد الرابع السنة التاسعة 1414 للهجرة وهي مقالة جليلة تناولت الشبهة من أساسها وأحاطت بكافة جوانبها.

([22]) شرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 ص143، وتاريخ دمشق لابن عساكر ج14 ص197.

([23]) راجع على سبيل المثال: المستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص176، وتاريخ دمشق ج14 ص190 و195و196و197، ومقتل الخوارزمي ج1 ص232 و234 و236 و237 و238، والصواعق المحرقة لابن حجر المكي ص295، وتلخيص المستدرك للذهبي ج3 ص176، وصحيح ابن حبان ج15 ص142، ومسند أبي يعلى الموصلي ج6 ص129، المعجم الكبير للطبراني ج3 ص120. وللمزيد راجع فاجعة الطف للمرجع الديني السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم ومقتل الحسين من موروث أهل الخلاف لأخينا الفاضل الشيخ زهير الحكيم القطيفي ج1 الفصل الثاني في الأخبار الغيبية عن الشهادة الحسينية.

([24]) راجع على سبيل المثال: مناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي ج2 ص261، تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى ص227، الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص546، التاريخ الكبير للبخاري ج1 ص356، تاريخ دمشق ج14 ص301، سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص292، تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ج2 ص307، البداية والنهاية لابن كثير ج6 ص259، السيرة الحلبية ج1 ص270، إمتاع الأسماع للمقريزي ج12 ص241، جواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص275، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي ج11 ص78، السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص100، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج45 ص96، لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص74.

([25]) راجع على سبيل المثال: روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص189، الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص111، تاريخ الطبري ج4 ص345، الكامل في التاريخ لابن الأثير ج4 ص77، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص204، مقتل أبي مخنف ص180.

([26]) من أعلام القرن التاسع، وقد أدرك العقد الأول من القرن العاشر، وقد تعرض في العقود المتأخرة إلى هجمة عنيفة ارتكزت على ما أتى به في كتابه المذكور، وقد خفيت منزلته العلمية وشخصيته المعرفية بسبب ذلك إلى حد أصبح يضرب به المثل في السذاجة والجهل، وتسطير الأساطير. ورسمت للناس عن كتابه صورة مجانبة للواقع حتى عدّوه مجمعًا للسفاسف والأوهام، ومثالاً للتزوير والاختلاق، ودأبُ الناس في عصرنا هذا ترجيع صدى كلمات الناقدين بوتيرة ببغائية تريحهم من عناء التحقيق، ولذا كان لابد من وقفة استشرافية نتطلع من خلالها وبتجرد إلى مكانة المصنِف وماهية المصنَف من خلال كلمات أرباب التراجم والفهارس حيث يرجع إليهم في أمثال هذا المقام.

قال صاحب رياض العلماء: «الصوفي الشاعر الأديب المنشي الفاضل العالم الفقيه المحدث المفسر المنجم الجامع لأكثر العلوم حتى لعلوم السحر والأعداد والنجوم واسرار الحروف والجفر وغير ذلك وله في كل فن تأليفات وكان في عصر السلطان حسين ميرزا بايقرا أيام وزارة الأمير بشير علي أو علي شير له بل أدرك زمن السلطان الغازي الشاه إسماعيل الصفوي وكان يتهم في هراة وسائر بلاد ما وراء النهر بالتشيع وفي سبزوار وسائر بلاد الشيعة بالتسنن والتحنف والتشفع وخاصة من صحبته للأمير شير علي ومصاهرته المولى الجامي وهما من غير الشيعة حتى أنه كان ذات يوم في كاشان أو سبزوار يعظ الناس على المنبر ويفسر لهم القرآن فجرى ذكر نزول جبرائيل على الرسول (صلى الله عليه وآله).

فقال إنه نزل عليه ألف مرة فقام رجل من أهل المجلس فقال له وكم مرة نزل على علي (عليه السلام)؟!

فتحير في الجواب؛ لأنه إن قال لم ينزل عليه خشي أن يظن العوام به غير التشيع وإن قال نزل عليه فجبرائيل لم ينزل إلا على الأنبياء، فقال نزل عليه ألفي مرة.

فقال السائل: وكيف ذلك، فقال: لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وإذا كان جبرائيل قد نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) ألف مرة، فلا بد أن يدخل من الباب ويخرج منه فكلما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) مرة يكون قد نزل على علي (عليه السلام) مرتين فتخلص من جهال العوام بهذا الجواب.

وأكثر تصانيفه لا سيما تفسيراه مؤلفة على طريقة غير الشيعة وأدرج فيها طرائق الأحاديث الصوفية، ولذلك يظن عدم تشيعه لكن تشيعه عندي واضح. وقال: له ولد فاضل اسمه علي بن الحسين.

وعن حسن بك روملو في تاريخه: إنه كان فائقا على أهل زمانه في علم النجوم والإنشاء وله حظ في سائر العلوم.

وقال صاحب الأعيان: وفي مسودة الكتاب ولا أعلم الآن من أين نقلته: واعظ جامع للعلوم الدينية عارف بالمعارف اليقينية عالم بعلم الحديث والتفسير والرياضيات والحروف، حسن التقرير هاجر في أول أمره إلى هراة ولازم سلطانها مير شير علي وتزوج أخت ملا عبد الرحمن الجامي الصوفي ولهذا نسبه أهل بلده المتصلبين في التشيع إلى التسنن.

وعن القاضي الشهيد نور الله التستري في مجالس المؤمنين ما تعريبه: إن المولى الفاضل الحسين الواعظ الكاشفي السبزواري كان مجمعًا للعلوم الدينية وسفينة للمعارف النفسية وكان له اطلاع على العلوم الغريبة كالجفر والتكسير والسيميا وكان ماهرًا في علم النجوم وكان له نفس مؤثرة وعبارات مقبولة وكان في غاية البلاغة والفصاحة.

وفيه عن التاريخ المسمى حبيب السير: أن المولى حسين الواعظ هذا كان لا نظير له في علم النجوم والإنشاء وكان متفوقًا على أقرانه في سائر العلوم وكان يعظ الناس بصوت حسن جميل ويبين معاني الآيات البينات القرآنية وغوامض أسرار مقاصد الأخبار النبوية بعبارات لائقة وإشارات رائقة وكان يعظ الناس صباح يوم الجمعة في المسجد الجامع الذي بناه الأمير شير علي بهراة ويوم الثلاثاء في المدرسة السلطانية ويوم الأربعاء في مزار الخواجة أبي الوليد أحمد وكان في أواخر أيام حياته يعظ الناس مرة يوم الخميس في حظيرة السلطان أحمد ميرزا ومصنفاته كثيرة وآثاره غزيرة وكان شاعرا بالفارسية وله قصائد في مدح أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأورد بيتين من بعض قصائده حاصل ترجمتها: إن سؤال إبراهيم (عليه السلام) بقوله: ومن ذريتي بعد قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ومطابقة الجواب للسؤال بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ وعلو مقام إبراهيم (عليه السلام) عن طلب المحال دليل واضح على أن الإمامة لا تليق بمن كان أكثر عمره في الخطأ.

وقد عرّفه العلامة المحقق أبو الحسن الشعراني في مقدمته على روضة الشهداء قائلا ما تعريبه: من أكابر أهل العلم والدين وأركان المؤلفين وأساتذة الأدب والنثر والذي قلما يتذكر الدهر نظيرا له..

وعنون له الأستاذ عمر كحالة في معجم المؤلفين فقال:

صوفي، أديب، شاعر، فقيه، محدث، مفسر، منجم..

وتبين من جميع ذلك: أن المصنف شخصية علمية موسوعية جامعة ذو تاريخ إجتماعي وسياسي فريد مما يدل على رجحان عقل وديناميكية ملفتة نادرة الوجود ثم إن كون منبته ومحتده في مدينة سبزوار ـ التي ما انفكت ثابتة على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على رغم التقلبات المذهبية التي شهدتها بلاد فارس ـ شاهد على تشيعه ولعل الظروف التي عاشها فرضت عليه منهج المداراة الذي مكنه من أداء رسالته.

وأما كتابه «روضة الشهداء» فهو كتاب فريد في بابه لم يسبقه إليه الأولون ولم يلحق به الآخرون صاغ فيه المأثور من المصائب التي كابدها الأنبياء ثم عطف على مصائب العترة الطاهرة ولا سيما سيد الشهداء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولعن الله ظالميهم من الأولين والآخرين ـ وقد اعتمد في مادته على مصادر كثيرة منها ما هو معتبر مشهور، ومنها ما هو مجهول مفقود لم يصل إلينا منه عين ولم نعثر له على أثر فكان متفردا في نقل جملة من التفاصيل التاريخية قال العلامة الشعراني في مقدمته المشار إليها: إن كثيرًا من الكتب والروايات التي ينقلها المؤلف ليست موجودة في عهدنا وقد نعد بعضها ساقطًا عن الاعتبار لكن حاشا لهكذا رجل أن يأتي بكلام دون دليل.

ولا ريب في أن موقعه المقرب من السلطان في بلاد الأفغان مكنه من الحصول على المزيد من نفائس التراث التي بعثرتها يد الزمان فذوبها المصنف في قالب قصصي بديع فكان الكتاب لوحة أدبية رائعة وعند مقارنة ما نقله من المصادر المتوفرة لدينا مع الأصل نراه دقيقًا في الترجمة جامعًا بين أمانة النقل وروعة السبك وبذلك احتل الكتاب مكانة رفيعة بين أبناء اللغة الفارسية طيلة قرون وتربع على المنبر الحسيني لا ينازعه في ذلك أحد حتى استغنى خطباء الفرس به عن عناء صياغة المصائب الحسينية فكانوا يقتصرون في مجالس العزاء على تلاوة نصوصه ومن هنا وإلى يومنا تسمى مجالس العزاء في إيران بمجالس (روضة) وقرّاء العزاء بـ (روضة خوان) وسرت التسمية إلى اللهجة العراقية حيث يطلق عليهم اسم (رَوزَخون) حتى تعرض إلى النقد اللاذع من قبل بعض العلماء ومنهم من له مكانته العلمية التي تخوله إسقاط ما ينقده عن الاعتبار في أعين الناس فخرّ هذا الكتاب صريعا منبوذا وشاطره في صرعته تلك كتاب «أسرار الشهادة» للفاضل الفقيه الدربندي قدس سره ونرى بأن الهجمة كانت تفتقر للكثير من التحقيق والتتبع والموضوعية وهناك بعض المفردات التي أخذت على الكتابين والتي زاغ بصر الناقد عن وجودها في جملة من المصادر التاريخية المعتبرة المتوفرة وللكلام صلة مذخورة إلى محلها.

([27]) روضة الشهداء للمولى حسين الكاشفي ص321.

([28]) منتخب الطريحي ص365 ـ 366 ومعالي السبطين للمازندراني الحائري ص450 عنه، ومدينة المعاجز ج3 ص366.

([29]) جمع زيق، وهو ما أحاط بالعنق من القميص.

([30]) تحفة لب اللباب في ذكر نسب السادة الأنجاب ص216 ـ 217 وتحفة الأزهار وزلال الانهار ج2 ص86 بمزيد من التفصيل.

([31]) المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة ص231 ومقتل الإمام الحسين للمقرم، ومعالي السبطين للمازندراني الحائري.

([32]) الرعد : 23 .

([33]) غافر : 8 .

([34]) كتاب العين 252:6

([35]) معجم مقاييس اللغة 430:5

([36]) في نسخة وفي نسخ أخرى: يشرب ونثرت

([37]) الفقيه 100:1

([38]) تفسير العياشي 2/67 .

([39]) تاريخ دمشق ج70 ص24.

([40]) بحار الأنوار ج45 ص171.

 

 

حكم المشاعر

والأمور الجديدة والمستحدثة في الحج والعمرة

الشيخ أحمد صمادي

 

لقد مرت المشاعر المقدسة بعدة مراحل من التغيير والاستحداث (كتوسعة المسعى وبناء جدار فوق الجمرات ونحو ذلك)، مما أثار تساؤلات على المستوى الفقهي في كيفية التعامل مع تلك المتغيرات. ونحن سوف نحاول إلقاء الضوء على جانب من الإجابات الفقهية المطروحة في المقام من قبل مراجعنا العظام أعزهم الله، وذلك عبر عدة حلقات. نتناول في الحلقة الأولى :

رمي الجدار المستحدث في الجمرات وفي الطوابق العلوية

حكم رمي الجمرات

من مناسك الحج وشعائره رمي جمرة العقبة، أو ما تعرف بالجمرة الكبرى، يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة، بسبع حصيات.

وسميت بجمرة العقبة، لأنها تقع عند العقبة([1])، ويستفاد ذلك من حسنة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خذ حصى الجمار، ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قِبل وجهها، ولا ترمها من أعلاها([2]).

ورمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة:  الجمرة الأولى، ثم الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة.

وإذا بات الحاج في منى ليلة الثالث عشر ولم ينفر منها يوم الثاني عشر، فعليه أن يحتاط برمي الجمرات الثلاث يوم الثالث عشر.

تاريخ رمي الجمرات

وهو من الشعائر القديمة، ويعود تاريخه إلى النبي آدم (عليه السلام) كما جاء في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)، فقد روى الصدوق في العلل عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أول من رمى الجمار آدم (عليه السلام). وقال: أتى جبرائيل إبراهيم (عليه السلام) فقال: ارمِ يا إبراهيم. فرمى جمرة العقبة، وذلك أن الشيطان تمثل له عندها([3]).

وعن سبب فرض رمي الجمار على الحاج من قبل الله تعالى، روى الصدوق في العلل عن أبيه، عن محمد بن يحي العطار، عن العمركي الخراساني، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ‘ قال: سألته عن رمي الجمار لمَ جُعلت؟ قال: لأن إبليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم (عليه السلام) في موضع الجمار فرجمه إبراهيم، فجرت السنّة بذلك([4]).

تاريخ البناء القائم على الجمرات

ولم يتحدّث المؤرخون عن أي تغيير وقع على الجمرات في عهد النبي إسماعيل بن إبراهيم ‘ أو بعدما تولت قبيلة جرهم أمر البيت بعده (عليه السلام)، إلى أن جاءت قبيلة خزاعة التي حلّت مكان قبيلة جرهم في ولاية البيت الحرام، عندما قام عمرو بن لحي الخزاعي بنصب الأصنام حول الكعبة وأمر قومه بعبادتها. وفضلا ًعن ذلك فقد نصب بمنى سبعة أصنام منها صنم على الجمرة الصغرى وصنم على الجمرة الوسطى وصنم على الجمرة العظمى. وقسّم على الأصنام السبعة حصى الجمار، وهي إحدى وعشرون حصاة، يرمى كل وثن منها بثلاث حصيات ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله. وقد عرفت بذلك جمرات منى الثلاث في الجاهلية بالجمرة الصغرى ثم الجمرة الوسطى ثم الجمرة الكبرى([5]).

وقد أزيلت هذه الأصنام في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تكن عندما حج (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، فقد أعاد (صلى الله عليه وآله) الوضع إلى ما كان عليه في زمن النبي إبراهيم (عليه السلام).

ويقال: إن أحواض الجمرات الموجودة الآن لم تكن موجودة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) (فنفس تلك الجمرة الموجودة في زمانهم (عليهم السلام) لا يمكن بقاؤها إلى يوم القيامة مع أن التكليف باق إلى يوم الساعة)، ولكنها أحدثت بعد عام ألف ومئتين واثنين وتسعين (1292هـ)، بعد مشاورة الفقهاء واتفاقهم على ذلك، ولذلك فإن الذين وضعوها قدروا الحاجة في ذلك الوقت في زمن كان عدد الحجاج فيه قليلاً، والحجاج لا توجد لديهم وسائل نقل غير الإبل وغيرها من الحيوانات، ومنهم من يمشي على رجليه، ولا يصلون إلى منطقة الجمرات دفعة واحدة مع قلة عددهم، وأما الآن فإن عدد الحجاج يزيد على المليونين وأكثرهم يركبون السيارات، ووصولهم إلى منطقة الجمرات يكاد يكون متقارباً،...([6]).

وقال الدكتور حبيب بن مصطفى زين العابدين، وكيل وزارة الشئون البلدية والقروية في السعودية، في مقال نشر على الانترنت: مرّت الجمرات عبر التاريخ منذ عهد إبراهيم الخليل (عليه السلام) إلى عهد الجاهلية، ثم عهد رسول الله (عليه السلام) والخلفاء... وحتى يومنا هذا بمراحل عدة، وربما كانت أحواض الجمرات لا تتعدى منطقة صغيرة محددة بارتفاع صغير من تراب ونحوه، وكانت جمرة العقبة تلتصق بجبل إلى عهد قريب، ولم تكن الشواخص الحالية معروفة إلا من عهد قريب... إذ بدت الحاجة ملحة لها بازدياد أعداد الحجاج، وربما كانت بداية نشأتها في العهد العثماني، وكانت جمرة العقبة عبارة عن جدار ملتصق بالجبل من خلفها([7]).

وقد تساءل بعض العلماء عن تاريخ بناء الأعمدة على الجمرات؟

وأجاب : بأنه سؤال مهمّ قلّما أُجيب عنه، وربّما لم يمكن العثور على جواب دقيق عنه. ولكنّ القرائن الكثيرة، التي تستفاد من كلمات فقهاء الشيعة والسنّة وكذلك من كلام اللغويّين، تشير إلى أنّ هذه الأعمدة لم تكن موجودة في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) وقدماء الأصحاب، ثمّ وُجِدت في العصور التالية. ويُحتمل احتمالاً قويّاً أنّ بناءها من أجل أن تكون علامة على هذا الموضع، ثمّ تُصوِّر بالتدريج أنّ الأعمدة هي التي تُرمى، وراح هذا التصوّر يقوى بمرور الزمان...

وقال: وبعبارة أخرى: لم يكن في منى عمود بعنوان الجمرة تُرمى بالحجر، بل إنّ الحجيج كانوا يرمون هذا الموضع المبنيّ الآن حول الجمرات بشكل حوض صغير بالحجر.

وليعلم أنّ هذه الأعمدة لم يكن لها وجود في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا في عصور الأئمّة (عليهم السلام)، بل إنّها معالم وُضِعت بعدئذ في مواضع الجمرات... بل إنّ القرائن تدلّ على أنّ موضع الجمرات لم يكن فيه عمود إبّان عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي أيّام الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، وكان الحجيج يرمون حصياتهم على قطعة الأرض، حيث يتجمّع الحصى، ومن هنا قيل لها جمرة، أي مُجتمع الحصى([8]).

البناء الحديث على الجمرات

ومن المعلوم أنه استحدث في الآونة الأخيرة في سنة (1426هـ أو سنة 2005م) في الجمرات الثلاث التي ترمى في منى بناء جدار طويل وأصبحت الجمرة القديمة ضمنه.

حكم الشرع في رمي الجدار الحديث

وقد كثر السؤال حول إجزاء الرمي إلى هذا الجدار الذي يمتد إلى حوالي 25 متراً، وكذا رمي ما استحدث في الطوابق العليا غير الطابق الأرضي.

وقد وجهت الأسئلة إلى المراجع، وأجابوا عن المسألة -جزاهم الله خير الجزاء-، وسنكتفي بذكر أجوبة بعضهم زاد الله في عزهم :

أما آراؤهم بالنسبة إلى رمي الجمرة ضمن الجدار المستحدث:

رأي السيد السيستاني دام ظله:

س: ذكرتم: أن الأحوط في رمي الجمار رمي المقدار الذي كان موجوداً منها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). حبّذا لو تفضلتم بتحديد هذا المقدار طولاً وعرضاً؟

ج: أما من حيث العرض، فالظاهر أنه لم تحدث زيادة فيها، وأما من حيث الطول فلا يبعد الاجتزاء برمي المقدار المرتفع منها على قاعدتها الأرضية بمقدار قامة إنسان متعارف بل أزيد منه بقليل([9]).

بل أفتى بعدم الجواز حتى مع عدم التمكن للزحام وغيره، فقد ورد في سؤال:

س : هل يكفي رمي الجمرات من الدور الثاني (الطابق العلوي)؟

ج:الأحوط في رمي الجمار رمي المقدار الذي كان موجوداً منها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، المرتفع حالياً عن الأرض لارتفاع قاعدتها الأرضية، وإذا لم يتمكن الحاج من رمي المقدار المذكور، فالأحوط لزوماً أن يجمع بين الاستنابة لرميه ورمي المقدار الزائد بنفسه([10]).

رأي السيد الحكيم دام ظله

س: قد علمنا أن الجمرات في منى قد طرأ عليها التعديل بحيث زيد فيها من جهة العرض بعدة أمتار، فما حكم الرمي في هذه الحال؟ وكيف يرمى؟

ج: ما دام لا يعرف مكان الجمرة القديمة فيجوز رمي الجمرة الفعلية، وإذا عرف ذلك فالأحوط وجوبًا أن لا يبتعد كثيرًا عن المكان القديم([11]).

ووجه إليه سؤال آخر لم يذكر عليه تاريخ وهو هذا : [في خطة جديدة قامت الحكومة السعودية بإزالة شاخص الجمرات الثلاثة وإبدالها بجدران طولها 25 مترًا وعرضها متر واحد والارتفاع خمسة أمتار، ما هو رأي سماحتكم بالنسبة لرمي الجمرة في هذه الحالة؟].

وأجابه عنه بعين الجواب السابق من دون زيادة أو نقصان([12]).

وفي سؤال ثالث : هل يجوز رمي الجدار الجديد في حالة تشخيص كون الجمرة السابقة موجودة وأنها لم تهدم، إلا أن الجمرة السابقة لا يمكن رميها لوجود جدارين من الأمام والخلف، وأنه أصبحت الجمرة السابقة داخلة في التجويف الموجود بين الجدارين -كما يقول الذين شاهدوا ذلك-؟

- إذا فرضنا بأن الجمرة السابقة قد هدمت وأنه قد استبدل مكانها الجدار الطويل العريض فهل يجوز رمي أكثر من مقدار قامة رجل أم يجوز الرمي أكثر من ذلك؟

أجاب: إذا كان بالإمكان رمي الجمرة القديمة فيجب ذلك، وإلا جاز رمي الجمرة الفعلية([13]).

 رأي الميرزا جواد التبريزي رحمه الله

في جواب السؤال المطروح في المقام قال (رحمه الله) : في مفروض السؤال لا بد من رمي الجدار الجديد في المقدار المقابل للمحل القديم من ناحية الطول، وفي تشخيص ذلك يرجع إلى أهل الخبرة والذين يطلعون على كيفية البناء الجديد، وإن لم يتمكن الشخص من معرفة المحل القديم وكان في الوقوف في المحل يوم الرمي لتشخيصه حرج وضيق، فبحسب ما أرسلت إلينا من خريطة البناء الجديد الدالة على كون وسط الجدار الجديد مقابلاً للمحل القديم، فلا بأس بأن يلاحظ الشخص وسط الجدار الجديد ويرميه ويجزي إن شاء الله([14]).

رأي السيد محمد صادق الروحاني دام ظله

س: فقد وصلنا نبأ عن الجمرات مفاده بأنه تم توسعة بنائها على شكل جدار مستطيل، فهل يجوز رمي كل الجدار حتى المستحدث منه؟ وخصوصاً إن لم يكن هناك مائز بين المستحدث والقديم؟

ج: مع عدم المائز يجوز، وأما معه فإن أمكن رمي القديم فهو الأحوط، وإلا فيجوز رمي المستحدث، هذا في غير ما بني فوق الجمرة السابقة، وأما بالنسبة إليه فالأحوط عدم الرمي([15]).

س: قامت السلطات السعودية بإزالة الأعمدة التي كان يتشكلّ منها الجمرات الثلاث في منى، واستحدثت بدلاً عنها جدراناً كل واحد منها بطول 25 متراً وعرض متر واحد وبارتفاع خمسة أمتار فما هو موقف الحجاج في الرمي؟

ج: لا إشكال في أن هذه الأعمدة إنما حدثت بعد زمان الشارع الأقدس، وعليه فما يدل على جواز ([16]) فيها يدل على جواز رمي ما استحدث ([17]).

س: ما هو العمل بالنسبة للرمي على الجمار المستحدثة؟

ج : يكفي الرمي على أي محل منها ـ والأولى رعاية محل الجمار السابق عرضًا، وأما إذا زيد في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزايد إشكال، وإن كان الأظهر الاجتزاء([18]).

وفي استفتاء آخر: هل يجوز رمي الجمرات في البناء الجديد و هو عبارة عن جدار بدل العمود؟

أجاب: يجوز ذلك([19]).

وفي استفتاء آخر: هل يجوز رمي الجمرات من الأدوار العليا؟ وهل يجزئ رمي الحائط الجديد بدلاً من الاقتصار على الجزء القديم؟

أجاب: يكفي رمي البناء الفعلي ويستحب مراعاة جهتين:

الأولى: عدم رمي فوق ما كانت عليه الجمرة السابقة.

الثانية: الاقتصار على رمي المقدار من الجدار الموجود في محل الجمرة السابقة إن أمكن تشخيصه (علمًا أن تشخيصه ليس بالأمر الميسّر لعامة الحجاج). والله العالم([20]).

 الشيخ إسحاق الفياض دام ظله

سؤال (799): ما حكم رمي الجمرات في طور التوسعة (توسعة الجدار وزيادة عرضه) أي رمي الجمرات في مجال الزيادة؟

الجواب: لا بأس برمي الجمرات من كافة أطرافها طولاً وعرضًا من الزيادة([21]).

وأما بالنسبة إلى رمي ما استحدث في الطوابق العليا

رأي السيد الخوئي (قدس سره)

إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقًا، فإن لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه على الأحوط استحبابًا واستناب شخصًا آخر وجوبًا لرمي المقدار المزيد عليه([22]).

رأي السيد السيستاني دام ظله

مسألة 379: إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال، فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقًا، فإن لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه واستناب شخصًا آخر لرمي المقدار المزيد عليه، ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل والناسي ([23]).

س: هل يجزي رمي الجمرة الكبرى من الطابق الثاني عند شدة الزحام في يوم العيد؟

ج: لا يجزي على الأحوط، فإذا لم يتمكن من رمي المقدار الأصلي للزحام وغيره فالأحوط أن يرمي المقدار الزائد بنفسه ويستنيب غيره لرمي المقدار الأصلي([24]).

رأي السيد محمد صادق الروحاني دام ظله

س: ما رأي سماحتكم حول الرمي من الطابق العلوي؟

ج: لا بأس بالرمي من الطابق العلوي([25]).

رأي الشيخ إسحاق الفياض دام ظله

س214: قد تسأل: هل يجوز رمي الجمرة من الطابق الثاني؟

ج: أنه يجوز ([26]).

س (800): قررت الحكومة السعودية بأن الحجاج القادمين إلى منى من جهة مكة المكرمة أي من جهة منطقة العزيزية أن يتم رميهم للجمرات من الطوابق العليا وإلاّ قد يلزم الحرج والمشقة على الحجاج؟

ج: يجوز رمي الجمرة من الطابق العلوي.

س(802): من المحتمل -حسب نقل بعض الإخوة- أن تمنع السلطات السعودية الحجيج في موسم الحج من رمي الجمار مباشرة من تحت الجسر، وتلزمهم بالرمي من فوق الجسر؟

ج: يجوز الرمي عندنا من الطابق الثالث اختياراً([27]).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) تذكرة الفقهاء (ط.ج)، العلامة الحلي : ج8 ص213-214.

([2]) الكافي، الشيخ الكليني، ج 4 باب يوم النحر ومبتدأ الرمي، ص478-479، ح1.

([3]) وسائل الشيعة (قديم - المكتبة الإسلامية)، الحر العاملي : ج10 ص214 ؛ ونسخة آل البيت ج14 باب وجوب رمي الجمار وحكم من تركه، ص264 ( 19154 ) 4.

([4]) وسائل الشيعة (قديم)، الحر العاملي : ج10 ص214 ؛ ونسخة آل البيت ج14 باب وجوب رمي الجمار وحكم من تركه ص263 ( 19153 )3.

([5]) تأريخ الجمرات بوادي منى في مكة المكرمة للدكتور طه عبد القادر عمارة.

([6]) مقال بعنوان توسعة أحواض الجمرات للدكتور عبد الله بن عبد الواحد الخميس على الانترنت.

([7]) ويمكن لمن يريد المزيد الرجوع إلى الدراسة التي أعدها الدكتور طه عبد القادر عمارة عن تطور الجمرات عبر التاريخ.

([8]) رمي الجمرات في بحث جديد للشيخ ناصر مكارم الشيرازي مجلة ميقات الحج السنة التاسعة، العدد السابع عشر، 1423هـ، ويوجد في بحث بعنوان: رمى الجمرات في بحث جديد لجنة المعارف والتحقيقات الإسلامية.

([9]) ملحق مناسك الحج السيد السيستاني، ص334 سؤال 3.

([10]) ملحق مناسك الحج السيد السيستاني، مصدر سابق، ص335 سؤال 2.

([11]) لجنة الاستفتاء في مكتب سماحة السيد بتاريخ 20 ذي القعدة1425.

([12]) صادر عن مكتب السيد محمد سعيد الحكيم مختوما بختم لجنة الاستفتاء.

([13]) استفاء موقع بختم اللجنة في مكتب السيد محمد سعيد الحكيم بتاريخ 24 ذي القعدة 1425.

([14]) استفتاء صادر من مكتب الميرزا جواد التبريزي ره موقع بختمه.

([15]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 9-1-2005 م.

([16]) الصحيح : جوازه (التحرير).

([17]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 10-1-2005 م.

([18]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 15-10-2005 م.

([19]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 2-9-2008 م.

([20]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 30-1-2009 م.

([21]) الموقع الرسمي للشيخ إسحاق الفياض الاستفتاءات، أحكام الحج والعمرة، مسائل في رمي الجمرات 3/2/2010م.

([22]) مناسك الحج للسيد الخوئي + المسألة 379.

([23]) مناسك الحج، السيد السيستاني، مصدر سابق، رمي جمرة العقبة، مسألة 379.

([24]) ملحق مناسك الحج، السيد السيستاني، مصدر سابق، ص334 سؤال 1.

([25]) موقع السيد محمد صادق الروحاني، استفتاء بتاريخ 9-4-2008 م.

([26]) مناسك الحج، الشيخ محمد إسحاق الفياض، مسألة 214.

([27]) الموقع الرسمي للشيخ محمد إسحاق الفياض الاستفتاءات، أحكام الحج والعمرة، مسائل في رمي الجمرات 3/2/2010م.

 

 

 

زيف اللغة الملونة

د. علي شريعتي نموذجًا

"القسم الثاني"

الشيخ مصطفى يحفوفي

 

المقدمة

تناولتُ في مقالة سابقة([1]) ظاهرة استخدام اللغة الملونة في النصوص ذات الطابع الفكري، وبيّنت جانبًا من مزالق هذه اللغة متخذًا من بعض كتابات د. علي شريعتي نموذجًا تطبيقيًا يوضّح القضية ويدلل على المقصود.

وقد ذكرتُ هناك أن الغرض من تلك المقالة لم يكن يتعلق بمناقشة آراء شريعتي ونظرياته، ولا بالكشف عن المعلومات الخاطئة والمضللة التي اشتملت عليها مؤلفاته، وإنما كان همّي الأول فيها هو تحذير القارئ حين يُقبل على قراءة النصوص المكتوبة بلغة ملونة وعبارات مثيرة، لكي يقرأ بأناة وتبصّر، فلا يشغله جمال البلاغة عن تدبّر الحقيقة، ولا يُلهيه سحر البيان عن ترصّد البرهان. ورجوت من الله تعالى أن يوفقني إلى كتابة مقالة ثانية تتناول بشيء من التفصيل بعض أفكار شريعتي، وتكشف عن جانب من معلوماته الخاطئة التي يبني عليها نتائجه ويعلل بها آراءه.

وها قد تحقق بحمد الله رجائي فجاءت المقالة الحالية لتستكمل جانبًا مما كنت قد أجَّلتُه في المقالة الأولى.

ولكن لما كان يستحيل أن تتسع مقالة واحدة، بل ولا حتى سفر كبير للتصدي للمعلومات الخاطئة والأفكار الواهنة التي تعجّ بها كتب شريعتي، لذلك وجدت أن لا مناص لي عن الاكتفاء بعرض بعض النماذج مما يضيء على القضية وينبّه على البقية.

وبين الخيارين اللذين كانا متاحين أمامي للقيام بذلك، فضّلتُ خيار انتخاب هذه النماذج من كتاب واحد من كتب شريعتي بدل انتخابها من كتبه المختلفة، وذلك لكي أُيسّر للقارئ الرجوع إلى مصادر الكلام، وأسهّل عليه عملية إصدار الأحكام، خصوصًا وأنني في المقالة السابقة كنت قد فعلت العكس، فنوّعت الكتب التي استقيت منها النماذج المطروحة هناك.

والكتاب الذي اخترته ليكون محورًا لهذا البحث هو كتاب "معرفة الإسلام"([2]) والذي يُعدّ واحدًا من أشهر كتب شريعتي، ومن أهم مؤلفاته التي عبّر فيها عن أفكاره([3])، حتى أن قناعته كانت تزداد رسوخًا مع الأيام بالأفكار المطروحة فيه، ولذلك تجده يقول: ((وأنا أشعر أنه كلما تقدّم بي الزمن وانهالت عليّ انتقادات أكثر، كلما ازدادت قناعتي رسوخًا بصحة الأفكار الواردة في الكتاب المذكور))([4]).

ويجدر بنا قبل الانطلاق إلى ما أردنا عرضه من نماذج أن نبيّن الغرض الذي قصد إليه شريعتي في كتابه "معرفة الإسلام"، وذلك لكي نضع هذه النماذج في سياقها المناسب ونفهمها فهمًا صحيحًا، وقد نصّ شريعتي على الغرض من كتابه المذكور بالقول: ((يجدر بي التذكير من أن الهدف من وراء هذه المحاضرات هو إبراز الوجه الحقيقي للإسلام واستيحاء مقاصده الأصلية))([5]).

ويقول أيضًا: ((يمثل الكتاب الحالي خطوة أولى تخطوها اللغة الفارسية في طريق التعرّف على الإسلام بأسلوب علمي منهجي تحليلي))([6]).

ولننطلق الآن إلى مطالعة نماذجنا الموعودة على ضوء الغايات السابقة التي حدّدها شريعتي لكتابه.

النموذج الأول:

مما لا شك فيه أن تبيان طبيعة المنهج الذي يعتمده القرآن الكريم في عملية المعرفة يشكّل عنصرًا هامًا من عناصر معرفة الإسلام، وهذا ما حَدَا بشريعتي إلى طرح تصوّره حول المنهج القرآني، فقدّم لذلك بالحديث حول مناهج التفكير المتداولة عمومًا، واستعان لتوضيح كلامه ببعض الأمثلة والمقارنات، وقد كان من الطبيعي أن يعرّج أثناء ذلك على الفيلسوف اليوناني أرسطو، ويذكر منهجه في المعرفة والاستدلال.

ونحن من جهتنا سوف نخصّص النموذج الأول لمعالجة المعلومات التي يوردها شريعتي حول أرسطو ومنهجه، وسنخصّص النموذج الثاني لمناقشة التصوّر الذي يتبنّاه حول المنهج القرآني في المعرفة.

ولنقرأ فيما يرتبط بالأمر الأول النص التالي لشريعتي والذي يقول فيه:

((هناك -عمومًا- منهجان للتفكير عالميًا، الأول منهما يهتم بالأمور الكلية والمجرّدة والمسائل العقلية النظرية، والآخر خلاف ذلك.

والمفكر الذي يعتمد المنهج الأول في التفكير لا يرى نفسه بحاجة إلى التجربة ومشاهدة الجزئيات أو التعرّف على الأشياء في بيئتها الخارجية أو المختبرية. إنه يجلس مع نفسه يفكر في حقيقة الوجود التي تتحكّم بطرق التفكير والاستدلال العقلي ويسعى للكشف عنها، ومن ثم ينظر إلى ما حوله من خلال تلك القواعد والقوانين المكتشفة. أرسطو يذهب إلى أن الكليات هي أُسّ التفكير المنطقي وأساسه ولا ضرورة لأن تُدرس أحوال أفراد البشر وصنوفهم، بل يعتبر أن ما توصّل إليه ذهنيًا هو قضية كلية بديهية وأن (الإنسان حيوان ناطق) دون الحاجة إلى دراسة الأشخاص بصورة مباشرة))([7]).

بهذه الصورة يقدّم لنا شريعتي أرسطو ويعرض علينا منهجه في التفكير والمعرفة، وهي لَعمري صورة مشوّهة تخون الحقيقة وتخطئ الواقع. فإذا كان أرسطو يذهب إلى أن الكليات هي أُسّ التفكير المنطقي أو أُسّ جانب من التفكير المنطقي -إذا ما أردنا الدقة- فإن ذلك لا يجعله في صفّ من لا يرون أنفسهم بحاجة إلى التجربة ومشاهدة الجزئيات...

ولا يسعنا هنا دراسة علاقة المنطق بالكليات، وما إذا كان يصح استغناء القواعد المنطقية عن هذه الكليات والاستعاضة عنها بالجزئيات وحدها دون الحاجة إلى التجريد والتعميم. وإنما كل الذي يهمنا الآن هو محاولة التعرّف بشكل صحيح على منهج أرسطو وعلى موقفه من التجربة ومشاهدة الجزئيات.

يقول "ول ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة": ((وهو -أي أرسطو- يرى أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن القوانين العامة ليست إلا أفكارًا معمّمة، وأنها ليست فطرية بل تكوّنت من مشاهدات للأشياء المتماثلة، فهي مدركات وليست أشياء))([8]).

ويقول بعد ذلك: ((وينتقد -أي أرسطو- المتقدمين الذين صوّروا الكون أو وضعوا نظرياتهم عنه من خيالهم بدل أن يمضوا الوقت الطويل في الرصد والتجارب بصبر وأناة. ومثله الأعلى الاستدلال المنطقي (...) ولكنه يقرّ بأنه إذا أريد تجنّب الوقوع في خطأ المصادرة على المطلوب وجب أن يسبق القياس استقراء واسع يجعل قضيته الكبرى مرجّحة، وهو وإن كان في رسائله الفلسفية يضلّ في بيداء الاستدلال، يمجّدُ الاستقراء ويجمع في كتبه العلمية ذخيرة طيبة من الملاحظات المحدودة الدقيقة، ويسجّل في بعض الأحيان تجاربه هو أو تجارب غيره من العلماء. وقصارى القول أنه رغم أغلاطه واضعُ أساس الطريقة العلمية، وأول من نظّم التعاون في البحث العلمي))([9]).

فأرسطو إذًا يجعل الاعتبار الأول للحواس، ويعتمد التجربة والاستقراء، وهو واضع أساس الطريقة العلمية، على الرغم من ضلاله في رسائله الفلسفية في بيداء الاستدلال -على حدّ تعبير ديورانت-، وعلى الرغم مما يقع فيه من أغلاط، فإن ما ضلّ فيه وما ارتكبه من أخطاء لا يلغيان كل ما أبدعه على مستوى المنهج العلمي، ولا يسوّغان لشريعتي أن يجعله في صف من لا يرى نفسه بحاجة إلى التجربة ومشاهدة الجزئيات، أو التعرّف على الأشياء في بيئتها الخارجية أو المختبرية.

بل العكس هو الصحيح، فأرسطو كان يهتم اهتمامًا بالغًا بالملاحظة والتجربة، ولذلك كان يستعين بتلاميذه على جمع المعلومات القيّمة عن الحيوان والنبات في بلاد بحر "إيجه"، وكان يعتذر عن اهتمامه بتلك الأشياء الصغيرة بالقول: (( ليس في الأشياء الطبيعية ما يخلو عن الأعاجيب، وإذا ما احتقر إنسان التفكير في الحيوانات الدنيا فإن عليه أن يحتقر نفسه))([10]).

بل الأمر أبلغ من ذلك بكثير، حتى أنه ليمكننا القول: إن خير ما يتجلّى به نبوغ أرسطو هو إبداعه في الميدان التجريبي، ومن أمثلة ذلك تجربته التي أجراها على جنين الدجاجة والتي يصوّرها على النحو التالي:

((أجر إذا شئت هذه التجربة: إيت بعشرين بيضة أو أكثر، واجعل دجاجتين أو أكثر ترقدان عليها. ثم خذ منها بيضة كل يوم، ابتداء من اليوم الثاني إلى أن تفقس واكسرها وافحص عنها... ففي حالة الدجاجة العادية تستطاع رؤية الجنين أول مرة بعد ثلاثة أيام... فيظهر القلب في صورة نقطة من الدم، ينبض ويتحرك كأنه قد وهب الحياة، ويخرج منه وعاءان بهما دم يسيران في تلافيف، وغشاء يحمل خيوطًا رفيعة دموية من أنابيب الوريدين، ويحيط بجميع أجزاء المح (الصفار)... وبعد عشرة أيام يُرى الفرخ بجميع أجزائه واضحًا كل الوضوح))([11]).

هكذا هي حال أرسطو إذًا مع الحسّ والتجربة، ونحن وإن كنا لا ننكر ما ارتكبه من الأخطاء في ميدان العلوم الطبيعية، ولكنه من واجبنا أيضًا أن لا ننسى بأننا نتحدث عن رجل يبعد عنا أكثر من عشرين قرنًا، وأنه ابن زمان لم يكن من المستطاع فيه [أن ترقى العلوم فوق الحد الذي وصلت إليه على يديه إلا بعد أن مَدّتها الاختراعات بأجهزة وآلات أوسع مدىً وأدق في الرصد والقياس]([12]).

وبناء على ما سبق يتبيّن لنا أن أرسطو في منهجه لم يقتصر على الأمور الذهنية دون غيرها من عناصر الواقع، كما صوّره شريعتي، بل الحق أنه أولى الطبيعة والواقع فائق عنايته، ولذلك يصفه "جو ستاين غاردر" بالقول:

((كان أبوه طبيبًا معروفًا وعالمًا... مما يساعدنا بداية على فهم المشروع الفلسفي للابن.

فقد ركّز اهتمامه على الطبيعة الحية، وبهذا لم يكن فقط آخر فيلسوف في اليونان، بل أيضًا أول عالم أحياء في أوروبا (...) وإذ نمضي إلى أبعد من ذلك، نقول إن أفلاطون قد أدار ظهره لعالم الحواس، ليذهب إلى ما وراء كل ما يحيط بنا (كان يريد أن يخرج من المغارة، أن يرى عالم الأفكار الخالد!).

أرسطو فعل العكس تمامًا. لقد انحنى على يديه ورجليه ليدرس الأسماك، والضفادع، الورد والبنفسج.

لم يكن أفلاطون يستعمل إلا عقله -إن أردت- بينما استعمل أرسطو حواسه أيضًا)) ([13]).

بذا يظهر خطأ المعلومات التي يدلي بها شريعتي حول منهج أرسطو، وهذا يقودنا إلى السؤال: هل من المقبول أن تبتني محاولة التعرّف على الإسلام -بأسلوب علمي منهجي تحليلي- على معلومات زائفة تخون الواقع وتظلم الآخرين؟! وهل يدعونا السّعي إلى فهم طبيعة المنهج القرآني والإعلاء من شأنه إلى إغفال الحقيقة والتجنّي على الغير؟! كلا... ثم كلا... إن الإسلام يدعونا للتثبت قبل الحكم ويأبى علينا أن نبخس الناس أشياءهم.

النموذج الثاني

تعرّفنا في النموذج الأول على تصور شريعتي لمنهج أرسطو، وبيّنا زيف معلوماته وخطل آرائه المرتبطة بهذا الفيلسوف العالِم. وقد آن الآوان لكي نتعرّف -كما وعدنا- على تصوّره لمنهج القرآن الكريم، لنرى كيف سيكون حاله في هذا المجال.

يبيّن لنا شريعتي طبيعة المنهج القرآني -بحسب فهمه- فيقول: ((القرآن بأسره، اهتمامٌ بالجزئيات، وتعاطٍ مع الأمور الحسية من طعام وإبل وأرض وأمم سالفة وكواكب ونجوم، وشمس وقمر وتين وزيتون ونون والقلم وما يسطرون.

إن جميع الموارد التي أقْسَم بها القرآن هي أمور جزئية مادية وحسية واقعية، ولا يوجد مورد واحد يُقسم فيه القرآن بالجواهر والهيولى والصورة والمثل أو حتى العقل والنفس والروح))([14]).

والنتيجة التي ينتهي إليها من ذلك يلخصها قوله: ((وعليه فالإسلام يشجع ويحثّ على ملاحظة الأمور الحسية والجزئيات وتجاهل الكليات))([15]).

يتبيّن من هذا أن شريعتي -بحسب فهمه- يقصر المنهج القرآني على التعاطي مع الأمور الحسية والجزئيات المادية، كما كان يقصر منهج أرسطو على الاهتمام بالمعطيات الذهنية دون حاجة إلى الملاحظة المباشرة للأفراد والمصاديق.

وهو بهذا يراكم الخطأ على الخطأ، بل إن أخطاءه هنا أسوأ بمراتب من سابقاتها المتعلقة بأرسطو ومنهجه.

ولعل أغرب ما يستوقف المرء ويصدم إدراكه في كلام شريعتي حول المنهج القرآني هو قوله: ((ولا يوجد مورد واحد يُقسم فيه القرآن.. بالنفس))!!

وهذا أمر محيّر وعجيب.

فهل يكاد يخفى حقًا على أيّ قارئ للقرآن، بل حتى على من يكتفي بالاطلاع على بعض فهارس ألفاظ آياته، هل يخفى على هذا أو ذاك أن القرآن قد أقسم بالنفس وفي أكثر من مورد ؟!

قال تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}([16]).

وقال أيضًا: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}([17]).

وإنما جاء هذا القَسَم الأخير بصيغة النفي {لا أُقْسِمُ} تدليلاً على إعظام ما يقسم به سبحانه([18]). وقد بيّن لنا القرآن في مورد آخر أن صيغة النفي هذه هي نوع من أنواع القسم حقيقةً، وذلك في قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}([19]). فنبّهنا سبحانه على أن قوله {لا أُقْسِمُ} هو قسم بكل ما للكلمة من معنى، ولذلك عقّب سبحانه بالقول: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}.

والحاصل: أن القرآن الكريم قد أقسم بالنفس كما هو واضح وأكيد. ولكن شريعتي يأبى إلا أن يجازف بأقواله وآرائه، فيتجرّأ على الكتاب المجيد، نافيًا منه ما هو موجود فيه مما تراه العين حين تُقبل على قراءته، وتسمعه الأذن حين تصغي لتلاوته. فما عسانا أن نقول لمن يتجاهل المحسوسات وينكر البديهيات سوى أن نتمثل بقوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}([20]).

هذا علاوة على أن القرآن لم يقتصر في حديثه عن النفس على القسم وحده، بل ذكرها في جملة من آياته، متناولاً العديد من أحوالها وشؤونها وما تنطوي عليه من جوانب لا تدركها الحواس الظاهرة .

وهذه بعض الأمثلة اليسيرة الدالة على المطلوب ، قال تعالى:

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}([21]).

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا.. الآية}([22]).

{وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}([23]).

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}([24]).

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}([25]).

وعلى هذا المنوال.. تتعدد الآيات القرآنية التي تتحدث عن النفس، وتشير إلى حالاتها وأطوارها المختلفة .

وإننا لنجد في هذه العناية القرآنية الواسعة بالنفس لدليلاً جليًا على أن الإسلام يشجع على ملاحظة الأمور المجردة، ويحث على الاهتمام بغير المحسوسات. وهذا لوحده كافٍ في إبطال مزاعم شريعتي حول طبيعة المنهج الذي يتخذه القرآن الكريم ويدعو الناس إلى اتباعه.

وإنما قلنا: (هذا لوحده كاف..) لنشير إلى أن عناية القرآن بالمجردات لا تتوقف على تناول موضوع النفس وشؤونها فقط، بل إن الموارد التي يتحدث فيها القرآن حول المجردات هي من الكثرة بحيث لا يُخطئها الحسّ ولا يضل عنها العقل. وحسبُنا أن نلفت انتباه القارئ إلى الآيات التي تتحدث عن الله سبحانه، وعن أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وكذلك الآيات التي تتحدث عن ملائكة الغيب وعن خصائصهم وأفعالهم، وإلى آخر الآيات التي تتحدّث عن باقي الكائنات والعوالم التي لا تُرى ولا تُلمس، ولا يجد الحس إليها سبيلاً([26]).

وهكذا يظهر جليًا بطلان دعوى شريعتي التي تذهب إلى أن القرآن الكريم يقصر اهتمامه على الأمور الحسية والجزئيات المادية، وتزعم أن الإسلام يشجعنا على ملاحظة مثل هذه الأمور فقط، ويحثّنا على تجاهل غيرها مما يعبّر عنها شريعتي بمصطلح (الكليات) ([27]).

كلا.. ليست تِلكم هي المعرفة الصحيحة للإسلام، بل الإسلام دين سماوي يؤمن بالغيب، وهو ذو منهج شمولي متوازن وواقعي، لا يفرّط بأي واقع مهما كانت طبيعته، ولذا فإن للمحسوسات عنده واقعيتها، وللمجردات واقعيتها أيضًا، وهو يقرّ لكل منهما بما له من حقيقة، ويضفي عليه ما يناسبه من شأن واعتبار.

فأين شريعتي من المعرفة الحقة للإسلام، بل أين ادعاؤه بأنه سُيعرّفنا على الإسلام بأسلوب علمي منهجي وتحليلي ؟!

أَوَلم تكن تُحتَم عليه أبسط قواعد الأسلوب العلمي والمنهجي أن يطّلع على القرآن الكريم، أو يطالع على الأقل بعض فهارس آياته قبل أن يَطْلع علينا بفهمه القاصر للإسلام، ويُنصّبَ نفسه دليلاً يرشد الآخرين إلى معرفته والتعرف على مناهجه؟!

النموذج الثالث:

تعرّفنا في النموذج السابق على جانب من جوانب المنهج الذي يستخدمه شريعتي في دراسته للقرآن الكريم، فرأينا كيف أنه لا يتورع عن إنكار وجود ما هو جلي الوجود في الآيات القرآنية مدعيًا بأن القرآن لا يقسم بالنفس، وأنه لا يعير اهتمامًا لغير المحسوسات.

وكنا قد تعرّفنا في المقالة السابقة على جانب آخر من جوانب منهجه هذا، فرأينا كيف أنه لا يتورع عن فعل العكس أيضًا، فينسب إلى القرآن ما ليس موجودًا فيه([28]).

وهو إنما يفعل هذا وذاك ليبرر بعض مزاعمه المتعلقة بالقرآن كما بيّناه في الموارد المذكورة.

ونحن هنا سنحاول أن نكشف عن جهة ثالثة من جهات المنهج الذي يستخدمه شريعتي في دراسة القرآن، وهي الجهة المرتبطة بطريقته في فهم الآيات وتفسيرها، وبنوعية الأدلة التي يؤيد بها فهمه وتفسيره هذين.

ولنقرأ لأجل ذلك نصه التالي حول الأوامر الإلهية الواردة في القرآن الكريم حيث يقول:

[إن التطور العلمي الهائل والازدهار الحضاري الحديث مَدين لجهودٍ ومساعٍ بذلها رجال كبار أمثال فرانسيس بيكون وراجير بيكون وديكارت وغيرهم من العلماء الأفذاذ الذين غيّروا منهجية التفكير، وحثوا سائر العلماء والباحثين على الدراسة والتحقيق في نطاق المحسوسات والأمور الجزئية التجريبية ومشاهدة الحقائق الخارجية. سألوا ديكارت: أي كتاب درست؟ فأشار إلى جثة هامدة لحيوان وقال: هذا...!

أليس هذا تطبيقًا دقيقًا للأمر الصريح: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}([29])؟

إن ما يدعو للأسف تأثر عقول معظم العلماء المسلمين بالنزعة اليونانية ما أدّى بهم إلى أن يكونوا ماهرين للغاية في تأويل القرآن حتى ما كان منه آيات محكمات، وقد صنّفوا الأوامر الصريحة الواردة في القرآن إلى صنفين:

1- الأمر الإنشائي: نظير [أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] وهذا النوع من الأوامر لا بدّ من امتثاله والانقياد له.

2- الأمر الإرشادي: نظير [فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين]([30]) وهذا ما لا يجب امتثاله، إذ المراد فيه بيان أهمية المأمور به لا غير!

إنّ هذا النمط من التفكير هو الذي قادنا وأوصلنا إلى الحال التي نحن عليها الآن، حيث نرتقي المنبر يوميًا للحديث عن أهمية العلم ونؤلّف في ذلك كتبًا ومجلدات، دون أن نعكف فعلاً على اكتساب العلم وتحصيله، وذلك أن الأمر بالتعلم إرشادي لا إنشائي!

إن هذه التأويلات (المتنوّرة) المضلّلة لهي أخطر ألف مرة مما ألحقه الاجتياح المغولي بالإسلام والمسلمين من خسائر فادحة أورثت مجتمعاتنا الجهل والخرافة والتعاسة والبؤس]([31]).

يذهب شريعتي في هذا النص إلى أن تصنيف الأوامر ( الصريحة ) الواردة في القرآن إلى أوامر (إنشائية)([32]) وأوامر (إرشادية)، إنما أحدثته مهارة العلماء المسلمين، وذلك بسبب تأثرهم بالنزعة اليونانية .

ونحن هنا سنحاول التعرّف على النهج الذي يسلكه شريعتي محاولاً من خلاله إثبات صحة رأيه التفسيري وإبطال تفسير من يعترض عليهم من العلماء.

وهذا ما سنبيّنه عبر النقطتين التاليتين:

(أولاً): يُلاحظ على النهج الذي يسلكه شريعتي في تفسيره أنه يختزل الحقيقة في تعريفه لصنفي الأوامر، فهو من جهة يقصر الأوامر (الإنشائية) على ما يجب امتثاله، كما أنه ومن جهة أخرى يقصر الأوامر (الإرشادية) على ما لا يجب امتثاله.

بينما الحقيقة هي أن العديد من العلماء قد فصّلوا القول في تعريفهم لكلٍ من صنفي الأوامر، فهم من ناحية قد جعلوا الأوامر (الإنشائية) على قسمين: أحدهما الأوامر (الوجوبية)، وهي أوامر يجب امتثالها. وثانيهما الأوامر (الاستحبابية) وهي أوامر غير واجبة الامتثال.

فليس صحيحًا إذن قصر الأوامر (الإنشائية) على الأوامر التي يجب امتثالها، بل هذا التعريف إنما ينطبق في الحقيقة على أحد قسمي هذه الأوامر فقط وهو الأوامر (الوجوبية)، ولا ينطبق على القسم الآخر، وهو الأوامر (الاستحبابية).

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نجد أن العديد من العلماء قد أشاروا إلى وجود نحوين من الأوامر (الإرشادية) أحدهما هو الأوامر الإرشادية التي ليس فيها جهة إلزام، ومثالها أوامر الطبيب حين يأمر بشرب دواء أو بممارسة بعض الأفعال أو الحركات لأجل جهة كمالية في البدن، فإن أوامره في هذه الحالة ليس فيها جهة إلزامية تحتّم على المرء امتثالها.

والنحو الثاني هو الأوامر الإرشادية التي تتضمن جهة إلزامية، والإلزام فيها ينشأ من ناحية مواردها، أي من ناحية اللزوم في المُرشَد إليه، وإن لم تكن تتضمن الإلزام بأنفسها، ومثال ذلك أوامر الطبيب حين يأمر بشرب الدواء لأجل الخلاص من مرض مُهلِك، فيكون شربه في هذه الحالة لازمًا، وإن كان أمر الطبيب في نفسه من الأوامر (الإرشادية)، وليس من الأوامر (الإنشائية).

وهذا بعينه ينطبق على الأوامر (الإرشادية) الواردة في القرآن الكريم، فإذا كان الإرشاد فيها متعلقًا بما هو لازم في نفسه كان لا بد عندها من الالتزام بهذا اللازم والإتيان بالمأمور به الذي يتضمنه مثل هذا النحو من الأوامر الإرشادية.

وبناء على ما تقدم، يظهر لنا أن شريعتي لم يكن دقيقًا في تعريفنا على حقيقة ما يذهب إليه العلماء في صنفَي الأوامر، وإنما هو قد جاءنا ببيان ناقص، ليتسنى له بذلك مهاجمة آرائهم والتشنيع عليهم، وهذا سلوك غير قويم، ترفضه مناهج البحث العلمي كافة.

(ثانيًا): ننتقل في هذه النقطة إلى الكشف عن نوعية الأدلة التي تمسّك بها شريعتي لإثبات رأيه وإبطال الرأي الذي ذهب إليه عموم العلماء المسلمين.

والملاحظة العامة التي يمكن تسجيلها بدوًا على كافة أدلته هي أنه لم يطرح بين أدلته أي دليل لغوي أو قرآني أو فقهي... لتأييد مدّعاه حول الأوامر الواردة في القرآن، وإنما تمسّك ببعض الأمور البعيدة عن المطلب، واستنجد ببعض التهويلات الفارغة، ليثبت من خلالها أن الأوامر المبحوث عنها هي من صنف الأوامر (الإنشائية)، ولا صلة لها بالأوامر (الإرشادية) كما هي دعوى علماء المسلمين.

ولنتفحص الآن ما تفضّل به علينا من أدلة:

الدليل الأول: إن أول ما يمكن اعتباره كدليل على رأي شريعتي هو تعليله للتطور العلمي عند الغربيين بتغييرهم لمنهجية التفكير، الأمر الذي قادهم إلى الاهتمام بدراسة المحسوسات، والبحث في الأمور الجزئية التجريبية...

وهذا على خلاف ما فعله العلماء المسلمون حيث ذهبوا إلى تصنيف الأوامر الواردة في القرآن إلى (إنشائية) و (إرشادية) جاعلين الأوامر الحاثة على (السير) و(النظر) من صنف الأوامر (الإرشادية)، وهذا النمط من التفكير هو الذي أبعد المسلمين عن تحصيل العلم، وأوصلهم إلى الحال التي هم عليها.

وتلكم مغالطة فجّة، لا يمكن التسليم بها لشريعتي، وبيان ذلك هو أن الغرب وإن كان قد تقدم في المجال العلمي تقدمًا ملحوظًا وأكيدًا، وكان أحد أسباب تقدمه هو تمسكه بالمنهج التجريبي. إلا أنه من المؤكد أيضًا أن الغرب لم يُلغِ الأوامر الإرشادية من حياة مجتمعاته، ولم يمحُها من قواميس لغاته، بل هو وإن كان قد تقدم حقًا هذا التقدم المشهود في ميادين العلوم، إلا أنه ظلّ مع ذلك محافظًا على الأوامر الإرشادية سواء في نصوصه اللغوية المدونة، أو في تخاطب أبنائه في حياتهم الواقعية.

ولذلك فإن القفزة التي قام بها شريعتي من مقدمات ترتبط بالتقدم العلمي، إلى نتائج تتعلق بالأوامر الإرشادية، ما هي سوى مغالطة غليظة يخجل منها أبناء الدليل.

والكلام عينه يمكن أن يقال أيضًا في محاولة شريعتي الربط بين تخلّف المسلمين في العلوم التجريبية وبين تصنيفهم الأوامر إلى الصنفين المعهودين.

فالتاريخ بين أيدينا، وهو خير شاهد على ما أحرزه المسلمون في بعض فترات تاريخهم من تقدم علمي كبير، ولم يكونوا حينها على شقاق مع الأوامر الإرشادية، بل هم كانوا ومنذ ذلك الحين يصنّفون الأوامر القرآنية التي هي مورد بحثنا إلى (إنشائية) و(إرشادية).

وشريعتي نفسه يقرّ بإنجازاتهم تلك (على الأصعدة العلمية والتقنية والسياسية)([33]).

فهذه مغالطة أخرى يرتكبها شريعتي ليعلّل بها رأيه، وقد كان جديرًا به أن يتعلم منطق أرسطو -بدلاً من التحامل عليه- علّ ذلك كان سيجنّبه الوقوع في مثل هذه المغالطات المستهجنة.

الدليل الثاني: الدليل الثاني الذي يمكننا أن نستخلصه من كلام شريعتي على كون الأوامر المبحوث عنها هي من صنف الأوامر (الإنشائية) هو ادعاؤه بأن الأوامر (الإرشادية) لم تكن لتوجد لولا تأثر العلماء بالنزعة اليونانية مما أدّى بهم إلى تصنيف الأوامر إلى (إنشائية) و(إرشادية)، ولولا ذلك لما كان يخطر في بال أحد أن يفسّر الأوامر الواردة في القرآن الكريم من قبيل (سيروا) و(انظروا) بأنها من الأوامر (الإرشادية).

وهذا ادعاءٌ يستغرب صدوره من شخص متخصص في علم الاجتماع، إذ كيف يمكن أن يخفى على مثله إدراك أن الأوامر بصنفَيها هي من الأمور السائدة في مختلف المجتمعات، والمتداولة في سائر اللغات([34])؟!

أوليس من بدائه الأمور -وخصوصًا إذا أخذنا بالتعريف الذي أورده شريعتي لصنفَي الأوامر- أن الناس عمومًا يميّزون بين الأوامر التي تتضمن معنى الإلزام وتستوجب الطاعة والامتثال؟ وبين أوامر أخرى تُلقى في مقام النصح ويُراد بها التوجيه والإرشاد؟!

بل هل يخفى هذا الفرق حتى على الأطفال المميّزين؟!

وحتى شريعتي نفسه، أما كان حين يخاطب تلامذته وأبناءه يستخدم أفعال الأمر تارة، وهو يريد منهم الطاعة والامتثال، ويستخدمها تارة أخرى وهو لا يقصد إلا النصح والتوجيه والإرشاد؟!

وعليه يمكننا القول: بأن وجود الأوامر بصنفَيها هو أمر من بديهيات الحياة الاجتماعية، ولم يكن هنالك من حاجة لدراسة علوم اليونان أو التأثر بنزعتها لكي يدرك الناس الفرق بين صنفَي الأوامر ويشيع استخدامها بينهم.

وهذا بعينه ينطبق أيضًا على لغة الضاد وعلى أوامر القرآن الذي خاطب الناس بهذه اللغة نفسها.

فأنّى لشريعتي أن يبطل هذا العرف السائد في المجتمعات والمتسالم عليه بين اللغات، فيسقط الأوامر الارشادية من الحسبان، ويردّها إلى مهارة العلماء وتفنّنهم الناتجين عن دراستهم علوم اليونان والتأثر بنزعتها؟!

بينما هي في حقيقة أمرها من البديهيات اللغوية، ومن المسلمات الاجتماعية!!

الدليل الثالث: إن الدليل الثالث والأخير الذي يرشح من كلمات شريعتي يتلخّص في قوله: [إن هذه التأويلات المتنوّرة المضلّلة لهي أخطر ألف مرة مما ألحقه الاجتياح المغولي بالإسلام والمسلمين من خسائر فادحة أورثت مجتمعاتنا الجهل والخرافة والتعاسة والبؤس].

وهذا بلا أدنى شك تهويل فارغ قد يرهب الجاهل، ولكنه يضحك الثكلى العاقلة، وهو أقرب إلى المزاح الثقيل والنكتة السخيفة، منه إلى الكلام الجاد والدليل المعتبر.

وإلا فإنه لمن أيسر الأمور مقابلة التهويل بتهويل أشدّ منه، فيقال مثلاً: إن دعاوى شريعتي الفارغة وأدلته الباطلة لهي أخطر مائة ألف مرة مما ألحقه الاجتياح المغولي والحروب الصليبية والاستعمار الغربي مجتمعين بالإسلام والمسلمين من خسائر فادحة لا يمكن تعويضها أو التخلص من آثارها.

وهكذا يتبين لنا من النموذج الثالث أن شريعتي في تفسيره وفي أدلته كان بعيدًا كل البعد عن أصول البحث العلمي، وعن فهم الحقائق القرآنية، بل إنه قد غفل أيضًا حتى عن البديهيات الاجتماعية والمسلّمات اللغوية، ولكنه على الرغم من ذلك كله نصّب نفسه في مقام المرشد إلى معرفة الإسلام الصحيح والحقيقي، وبأسلوب علمي منهجي تحليلي!!

 النموذج الرابع:

يطرح شريعتي في كتابه [معرفة الإسلام] بحثًا يدور حول شعار التوحيد، يتعرّض خلاله للحديث حول طبيعة الإنسان وما يتميّز به من خصال تؤكد أفضليته على سائر الموجودات، فيقرر أن إحدى الخصال الهامة التي تُميّز الإنسان عن كل مخلوق سواه تتمثل في (حرية الاختيار).

فالإنسان كما يقول شريعتي: ((هو الوحيد الذي يتمتع بخصلة الاختيار من بين سائر الموجودات، وهو يحاكي الله في هذه الصفة، ولا أقول يماثله فيها بالشكل والمقدار، ولعل الشيء الذي نفخه الله من روحه في هيكل الإنسان هو تلك الإرادة الحرة والاختيار.

وهذا يعني أن الإنسان هو الوحيد الذي بوسعه أن ينتخب ويقرر ويختار، الخير من الشر، الهداية من الضلال، الصعود من الانحدار، الصلاح من الفساد))([35]).

ويقول أيضًا: ((وهو (أي الإنسان) الموجود الوحيد -مما سوى الله- لديه إرادة وبالتالي مسؤولية والتزام))([36]).

وبناء على هذا يُفسّر شريعتي الآية المباركة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}([37]).

فيقول: ((لا نعلم بالضبط ما هي هذه الأمانة؟ ولكن من الواضح أنها ثقيلة جدًا بحيث تمتنع السماوات والأرضون والجبال عن قبول مسؤوليتها، ولا ينهض لتحملها سوى الإنسان.

وأعتقد أن أصح وأعمق معنى فسّرت به هذه الأمانة هو (الحرية والاختيار). وهو الصفة الوحيدة التي ينفرد بها الإنسان دون غيره من المخلوقات وهي الأمانة الثقيلة التي أشفقت الأرض والجبال والسماء أن يحملنها وحملها الإنسان، فعن الحرية والاختيار فقط، ينجم الشعور بالمسؤولية، والمسؤولية هذه هي التي تضع الإنسان في أحلك الظروف وأحرج المواقف أمام قضايا المجتمع والحياة و(أنا) والآخرين، وإلى هذا المعنى بالذات يُشير ذيل الآية {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}))([38]).

 إن شريعتي يخطئ هنا أيضًا كخطئه في كثير من الموارد التي يتصدى فيها للبحوث المتعلقة بالقرآن الكريم، ونحن من جهتنا سوف نبيّن خطأه في كلا الأمرين اللذين تناولهما في نصه الأخير، فنظهر من ناحية وجود شركاء للإنسان في حرية الاختيار، ونظهر من ناحية أخرى عدم صحة تفسير (الأمانة) بأنها تعني الحرية والاختيار.

ونبدأ بالأمر الأول فنقول: إن قضية امتلاك بعض الكائنات الأخرى -سوى الإنسان- لحرية الاختيار تُعدّ واحدة من بديهيات الرؤية الإسلامية، وقد أشار إليها القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا وفي العديد من آياته. ولذلك فإن هذه القضية لا تحتاج إلى أية مناقشة أو بحث، بل جلّ ما تستدعيه هو التذكير ببعض الآيات القرآنية التي تتحدّث عن مثل هذه الكائنات.

ويكفي القارئ أن يُذكَرَ أمامه اسم (الجن وإبليس) ليدرك مباشرة أن هؤلاء هم من ذوي الإرادة الحرة، حتى لو لم تُعرض أمامه الآيات المتعلقة بهذا الأمر. ولذلك فإن ما سنورده من هذه الآيات إنما نورده كنماذج نستعين بها على تنبيه الغافل، وردع المتغافل، وليس همُّنا هنا هو الاستقصاء والإحاطة.

قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}([39]).

وقال سبحانه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}([40]).

وقال عزّ اسمه: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}([41]).

تدل هذه الآيات دلالة واضحة على امتلاك الجن لخصلة الحرية والاختيار، وأنهم مسؤولون أمام الله سبحانه عن معتقداتهم وعن أفعالهم، فهم ليسوا بمجبرين على ما يحملونه من عقائد، ولا على ما يأتونه من أفعال.

ولذلك تصورّهم الآيات السابقة بأنهم محاسبون يوم القيامة، ومسؤولون عن مواقفهم التي اختاروها تجاه الرسل في الدنيا: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا

وهم يدركون ما يقع عليهم من مسؤولية، ويعلمون ما سوف يواجهونه من حساب، لذلك تجد فيهم من يبادر إلى نصح قومه حاضًّا إياهم على الإيمان: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

وهم لما كانوا أحرارًا في اختيارهم، وداخلين في دائرة التمحيص والاختبار، فقد كان من الطبيعي أن تتشعّب طرائقهم وتغدو مختلفة متباينة، فمنهم المسلمون والصالحون، ومنهم القاسطون، وكلٌّ يَلقى ثمار الطريقة التي اختارها، فإما يكون من الذين يَتَحرّون رَشَدًا، وإما يغدو لجهنم حطبًا {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}.

وهكذا تفيض هذه الآيات بالمضامين الدالة على حرية الاختيار لدى الجن، فتحدثنا عن أن بعضهم قد يقول على الله كذبًا، وأن الجن قد تُحظر عليهم بعض الأفعال والتصرّفات، فإذا ما حاول بعضهم انتهاك هذا الحظر وجد له {شِهَابًا رَّصَدًا}..

ولست أجد بعد هذا من ضرورة داعية للإفاضة في الحديث حول حرية الاختيار لدى إبليس، خصوصًا وأن قصته معروفة مشهورة، ولذلك سأكتفي بذكر آية واحدة تدل دلالة واضحة على المطلوب.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}([42]).

والعجيب أن شريعتي نفسه وقبل صفحات قلائل من كلامه حول اختصاص الإنسان وحده بحرية الاختيار، كان يتحدّث عن إبليس وعن تمرّده على الله تعالى، وعن السبب الذي دفعه إلى ذلك... وكلها أمور تُفصح بجلاء عن واقع كونه ذا مسؤولية، وأنه يمتلك خصلة الإرادة الحرة والاختيار.

وبناء على كل ما تقدم يتبيّن لنا أن حرية الاختيار وما يترتب عليها من مسؤولية لم تكن من نصيب الإنسان وحده في نظام الوجود -كما حلا لشريعتي أن يدّعي- بل يشاركه فيها كائنات أخرى كالجن وإبليس.

وهذا بدوره يكشف عن الخطأ الثاني الذي ارتكبه شريعتي حين زعم أن أصح وأعمق معنى فُسّرت به (الأمانة) هو (الحرية والاختيار)، وذلك لأن هذا التفسير ليس له أيّ نصيب من الصحة والاعتبار إلا بناء على القول بانفراد الإنسان وحده بخاصية الحرية والاختيار. وهذا ما حدا بشريعتي لأن يسلب الإرادة الحرة عن كل الكائنات الأخرى سوى الإنسان، وكانت خلاصة دليله على تفسيره هذا هي التالية: إن الإنسان وحده هو الذي حمل الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الكائنات، وهذا يقتضي بالضرورة أن يكون الإنسان مالكًا لصفة تخصّه وحده، ولا يشاركه فيها أيّ مخلوق سواه، والصفة الوحيدة التي ينفرد بها الإنسان وتتناسب مع حمل الأمانة هي صفة (الحرية والاختيار)، لذلك فإن النتيجة المنطقية لهذه المقدمات جميعها هي أن أصح معنى يمكن أن تُحمل عليه الأمانة هو معنى (الحرية والاختيار).

ولكننا بيّنا في كلامنا السابق بطلان المقدمة القائلة بأن الإنسان وحده هو الذي يمتلك خصلة الحرية والاختيار، وأشرنا إلى وجود كائنات أخرى تشاركه في امتلاك هذه الصفة، الأمر الذي يجعل النتيجة التي توصّل إليها شريعتي في تفسيره نتيجة باطلة، وهي تعجز بالتالي عن فهم الأمانة فهمًا صحيحًا، إذ لو كان معنى الأمانة يساوق معنى (الحرية والاختيار)، بحيث يمكننا اعتبار حرية الاختيار سببًا كافيًا لحمل الأمانة، فإننا نسأل: لماذا كان حمل الأمانة مقصورًا على الإنسان وحده، دون غيره من الكائنات، مع أن هذه الكائنات تشارك الإنسان في امتلاك صفة الحرية والاختيار؟

لا بد من القول إذن بوجود خصائص أخرى غير حرية الاختيار، هي التي تقف وراء انفراد الإنسان في حمله الأمانة.

نعم.. يمكننا القول بأن حرية الاختيار قد تشكّل شرطًا أساسيًا من شروط حمل الأمانة، ولكنها لا يمكن بحال أن تكون هي الشرط الوحيد([43])، أو يكون المعنى المراد منها هو عين المعنى المراد من الأمانة.

وهكذا يتبيّن لنا جليًا أن شريعتي وهو يتصدى للتعريف بالإسلام فإنه يخالف أثناء ذلك حتى بعض المسلّمات الواضحة لهذا الدين القويم، ثم لا يلبث أن يبني على مخالفته هذه ترجيحاته التفسيرية لمعاني آيات الكتاب المجيد.

النموذج الخامس:

لما كان المجال يضيق عن مناقشة شريعتي في جميع دعاويه الباطلة التي سطرها في كتابه "معرفة الإسلام"، لذا رأيت أن أكتفي -وعلى نسق المقالة الأولى- بخمسة نماذج تمثل عيّناتٍ تجلّي الحقيقة وتوضّح المقصود. ومن بين العديد من المسائل التي كان يمكن اختيارها لتشكّل النموذج الأخير، بدا لي أن أختار مرة أخرى واحدة من المسائل القرآنية التي يطرحها شريعتي في كتابه، وذلك لأن المعارف القرآنية تشكّل الأساس الأول والأهم في معرفة الإسلام، فإذا ما ضلّ المرء في فهمها، فأية معرفة بالإسلام نتوقّع منه أن يقدّم لنا بعد ذلك؟!

يورد شريعتي في كتابه المذكور عددًا من الآيات القرآنية التي تتحدّث عن خَلق الإنسان وخَلق الملائكة والجنّ وعن قضية السجود لآدم وتمرّد إبليس، ثم يستنبط منها فهمه الخاص لـ(فلسفة الخلقة).

وهذه بعض نتائج تأملاته يُطلعنا عليها نصّه التالي حيث يقول : (( وكما يظهر من التأمّل في الآيات القرآنية فإن فلسفة الخلقة تنطوي على الجوانب التالية :

- (...)

- أفضيلة الملائكة على الإنسان من حيث منشأ الخلقة، وكونها موجودات غير مرئية {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}، {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}([44]). وبالاصطلاح الشائع يعدّ الملائكة جنسًا أرقى من الإنسان وهو أدون منها.

- ومع الأفضلية العرقية للملائكة على الإنسان، فإن الله يأمرها بالسجود أمامه، وهكذا يتعيّن على أحفاد النار الخضوع والانقياد والتسليم لهذا الموجود المخلوق من طينة يابسة متعفنة (حمأ مسنون).

وقضية التمييز العنصري وإن كانت منتفية موضوعًا في المنظار القرآني بالنسبة لبني البشر، ولكن يُستوحى من هذه القصة أن هذه القضية حتى لو كان لها تحقق في وسط آخر فهي قضية اعتبارية لا أصالة لها، والشاهد على ذلك أن الأرجحية العنصرية للملائكة ومنهم الشيطان، حيال الإنسان، تعدّ حقيقة متسالمًا عليها من قِبَل جميع الأطراف (الله وإبليس والإنسان)، ومع ذلك فهي لا تصلح هنا كمعيار للأفضلية والتقديم على الآخرين، ولم يكن الاستدلال بها لذلك إلا محاولة بائسة من إبليس، وهو استدلال (إبليسي) بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة. والواقع أن الأساس الذي استند إليه إبليس صحيح في حد ذاته - وإن كان البناء الذي شيّده خطأ- إذ التفوّق العنصري للملائكة على الإنسان مما لا مجال لإنكاره، فليس من شأن إبليس أن يستند إلى قضية ليس لها واقع موضوعي أصلاً، فذلك منطق مريض، وهو خاص بالنازيين والفاشيين والصهاينة والبيض في أمريكا (...)([45]).

يذهب شريعتي في هذا النص إلى أن العنصر الذي خلقت منه الملائكة والشياطين([46]) (النار) يُعدّ أفضل من العنصر الذي خلق منه الإنسان (الطين). ويعتبر أن هذه القضية هي قضية متسالم عليها من قِبل الله سبحانه، ومن قِبل إبليس والإنسان، ولذلك يقول : ((ومع الأفضلية العرقية للملائكة على الإنسان، فإن الله يأمرها بالسجود أمامه)).

ويقول أيضًا : ((والشاهد على ذلك أن الأرجحية العنصرية للملائكة ومنهم الشيطان، حيال الإنسان، تعد حقيقة متسالمًا عليها من قبل جميع الأطراف (الله وإبليس والإنسان)، ومع ذلك فهي لا تصلح هنا كمعيار للأفضلية والتقديم على الآخرين)).

ويُردف بعد ذلك ليقول: ((والواقع أن الأساس الذي استند إليه إبليس صحيح في حد ذاته -وإن كان البناء الذي شيّده خطأ- إذ التفوّق العنصري للملائكة على الإنسان مما لا مجال لإنكاره...)).

نرى من خلال هذه النصوص أن شريعتي يُسلّم مع إبليس بأن إبليس مخلوق من عنصر أفضل من العنصر الذي خلق منه الإنسان، وإن كان لا يوافقه على النتائج التي بناها على هذه الأفضيلة.

ونحن نسأل : ما هو الدليل الذي استند إليه شريعتي في تفضيله النار على التراب والماء؟ ومن أين له أن الله سبحانه يسلّم بهذه الفرضية، وكذلك الإنسان؟

يبدو أنه لا يوجد أي مستند لشريعتي سوى أقوال إبليس نفسه من قبيل قوله الذي تحكيه هذه الآية المباركة : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}([47]).

غير أن أقوال إبليس ما هي سوى مغالطات([48]) دفعه إليها تمرّده واستكباره، فهي لا تصلح كحجج علمية تستنبط منها الحقائق وتُعرف بها الوقائع، وهذا ما حدا بالعديد من علماء التفسير إلى التصدي لمدعياته وإلى تفنيد حججه واستدلالاته.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في تفسير "مجمع البيان" حيث يقول : (( وقد قيل أيضا أن الطين خير من النار لأنه أكثر منافع للخلق من حيث أن الأرض مستقر الخلق وفيها معايشهم ومنها يخرج أنواع أرزاقهم )) ([49]).

وليس مرادنا الآن عقد مناظرة بين النار والطين وإصدار حكم بالأفضلية لأحدهما، بل جلّ ما أردناه هو القول بأن دعوى إبليس بأفضلية النار ليست بالأمر المسلّم والمفروغ عنه كما يدّعي شريعتي، بل هي دعوى خاطئة، أو أنها وعلى أقل تقدير موضع أخذٍ وردّ، ومورد بحث ونقاش، وما هي بالقضية البديهية المستغنية عن حركة الفكر وإعمال النظر، ولذا فإن حديث المفاضلة قد لا ينتهي إلى حد يقف عنده، إذ لكل من (العنصرين) خواصه الهامة والضرورية والتي لا غنى عنها. ولذلك فإني أجد أن خير خلاصة يمكننا الانتهاء إليها تتمثل في الكلمات التي سطّرها صاحب تفسير "المنير" حيث يقول : ((وفُسّرت شرفيّته -أي إبليس- بأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، لكننا لم نفهم وإلى الآن بما ترفّعت النار على الطين، فإن لكلٍ منهما خصائص طبيعية وفوائد مادية، وليست خواصّ النار بأبرز من خواص التراب والماء، ولمّا كان منطقه غلطًا واضحًا وتمرّده على الوظيفة متجليًا منكشفًا، وسوء أدبه أمام المولى شاهرًا جاهرًا، قال سبحانه اهبط منزلةً، وتسفّل درجة، وأبعد مكانًا ومكانةً...)) ([50]).

وهكذا نجد أن منطق إبليس والذي يسلّم شريعتي بصحته ويعدّه أمرًا مفروغًا عنه وغير قابل للإنكار، ما هو في حقيقة أمره إلا دعاوى دفعه إليها تعصّبه وقاده إليها غروره، ولا تستند في واقعها إلى أيّة بديهة واضحة ولا تؤيدها أيّة حجة قاطعة.

والنقطة الأخيرة التي نودّ إثارتها في المقام تتعلّق برأي شريعتي في طبيعة المعصية التي ارتكبها إبليس، والتي يعتبرها مجرد خطأ في التشخيص حسبما ورد في نصه التالي حيث يقول : ((إن عصيان الشيطان لله ناجم عن خطأ في التشخيص جعله يمتنع عن السجود لآدم إذ كان يعتبره أدون منه شأنًا ومنزلة، ويتصور أنه هو وأبناؤه أشد خضوعًا وتقديسًا لله من آدم وأبنائه. إن عصيان الشيطان وتمرّده عن طاعة الأمر الإلهي، يُصنّف على مقولة الذنب الذي يرتكبه حتى الإنسان المتدين بتركه لأحد الفرائض والواجبات الدينية. وفي ضوء ذلك، يعدّ من وجهة نظر فلسفية إسلامية عبدًا عاصيًا وليس قوة متحدية لله))([51]).

يحاول شريعتي في هذا النص أن يُهوّن من طبيعة المعصية التي ارتكبها إبليس فينزل بها إلى مجرد خطأ في التشخيص، ويساوي بينها وبين أيّ ذنب يرتكبه إنسان متدين عند تركه لأحد الفرائض أو الواجبات الدينية.

وهذا من غرائب الأمور وعجائبها، إذ الآيات القرآنية واضحة في دلالتها على عظم معصية إبليس وشناعة فعله، فهي تفيدنا بأن معصيته لم تقتصر على مجرد ترك فريضة أو إهمال واجب، وإنما هو قد تجاوز في تمرّده كل حدّ وتحدّى كل محظور.

ودليلنا على ما نقول هو أن إبليس عندما سأله المولى عزّ اسمه عن سبب تمرّده على الأمر الإلهي بالسجود لآدم، لم يعتذر بما قد يعتذر به المتدين المذنب من تكاسل أو من طمع بعفو الله ورحمته أو من أمل بالتوبة لاحقًا... بل أعلن تمرّده بكل صلف وغرور : {قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ}([52]).

فانظر إلى مبلغ الوقاحة في جواب إبليس، حيث يظهر منه أنه كان يرى نفسه أرفع مقامًا وأعلى شأنًا من أن يسجد إكرامًا لآدم حتى لو كان هذا الأمر صادرًا عن مقام العزّة الإلهية، ولذلك كان ردّه { لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ...}، أي لا ينبغي لمثلي وأنا المخلوق من نار أن يسجد لمثله وهو المخلوق من طين، وكأنما هو يرى أن هنالك خطأً في هذا الأمر الإلهي، ولعل الصواب في نظره هو أن يصدر الأمر الإلهي على عكس ما كان، فيؤمر آدم بالسجود له، بدعوى أنه هو الأشرف أصلاً والأفضل عنصرًا، وتناسى أن التفاضل إنما يكون بالتقوى والامتثال لأمر الله لا بالعنصر والأصل. هذا على تقدير صحة دعواه بأشرفية أصله وأفضلية عنصره.

ولست أجد بعد هذا أيَّ مبرّر لشريعتي لكي يجعل الأساس الذي استند إليه إبليس في تفضيل عنصره على الإنسان أساسًا صحيحًا، كما أنه لا يوجد أيّ مبرر له أيضًا لكي ينزل بالمعصية العظيمة التي ارتكبها إبليس إلى كونها مجرد خطأ في التشخيص.

وهذا كله يبيّن لنا مرة أخرى مدى صلاحية شريعتي لتعريف الآخرين على الإسلام وبيان حقائق القرآن.

خاتمة

إن كل ما بيّنّاه في النماذج الخمسة المتقدمة لم يكن سوى لمحات اخترناها من كتاب واحد من كتب شريعتي، وله أمثال ونظائر كثيرة سواء في كتابه هذا أو في كتبه الأخرى مما يعسر تتبّعه أو حتى تعداده. بل لعل ما تركناه في هذا الكتاب الذي هو مورد بحثنا قد يزيد كثيرًا على ما ذكرناه، خصوصًا وأننا كنا قد تعمدنا توجيه أكبر عنايتنا إلى المعارف الإسلامية خاصة، ثم قصرنا البحث بعد ذلك على إحدى جوانب هذه المعارف، وهو الجانب المختص بالمسائل ذات الصبغة الإسلامية العامة والمشتركة، ولم نتعرّض للمسائل الخاصة والمرتبطة بمذهب آل البيت (عليهم السلام) بالخصوص، وهو المذهب الذي ينتسب إليه الدكتور علي شريعتي، وإلا لاحتاج منّا الأمر إلى أضعاف ما سطّرناه من صفحات.

ونحن إنما نكتفي بما بيّنّاه لأنه لم يكن المراد هو الدراسة المفصّلة لفكر شريعتي، بل جلّ ما أردناه هو التنبيه والتحذير، لكي لا تطغى الشهرة والتسويق الإعلامي على فكر القارئ فيحيد عن الحق وتلتبس عليه الحقيقة.

والله من وراء القصد وهو وليّ التوفيق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) رسالة النجف، العدد 16.

([2]) د. علي شريعتي: معرفة الإسلام، ترجمة حيدر مجيد، دار الأمير - بيروت، ط1، 1424هـ - 2004م.

([3]) انظر بهذا الخصوص مقدمات الكتاب.

([4]) معرفة الإسلام، كلمة المترجم، ص15.

([5]) معرفة الإسلام، ص27.

([6]) نفسه، ص28.

([7]) معرفة الإسلام، ص104-105.

([8]) ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ج7، 496.

([9]) نفسه، 497.

([10]) نفسه، 499.

([11]) نفسه، 501-502.

([12]) نفسه، 498.

([13]) جو ستاين غاردر: عالَم صوفي، ترجمة حياة الحويك عطية، دار المنى، ط2، ص115.

([14]) معرفة الإسلام، ص108.

([15]) نفسه، ص109.

([16]) الشمس: 7-10.

([17]) القيامة:1-2.

([18]) انظر تفسير الآية في "الكشاف" للزمخشري.

([19]) الواقعة: 75-76

([20]) محمد: 24.

([21]) البقرة: من الآية 284.

([22]) الزمر: من الآية 42.

([23]) قّ: من الآية16.

([24]) النمل: من الآية14.

([25]) فصلت: من الآية 53.

([26]) إن شريعتي وإن كان يريد أن يقنعنا بأن القرآن بأسره هو اهتمام بالمحسوسات، وأن الإسلام يحثنا على تجاهل غير المحسوسات (الكليات)، إلا أننا نجده في مواضع أخرى يستشهد بالآيات القرآنية التي تتحدّث عن الملائكة وغيرها من المجردات.

ويعود السبب في ذلك إلى الخلل في منهجه الفكري، فهو حين يطرح موضوعًا ويحاول إقناع القراء به فإنه يبالغ حتى التطرّف في إطلاق الكلام وإبرام الأحكام.. وذلك بغية أن يكون كلامه مؤثرًا وأحكامه موثوقة، فإذا ما انتقل إلى موضوع آخر مغاير للموضوع الأول، فإنه لا يتورّع حينها عن مخالفة إطلاق كلامه الأول ونقض ما أبرمه من أحكام.

ونحن كنا قد أشرنا إلى طريقته هذه في النموذج الأول من مقالتنا السابقة تحت عنوان: "تهافت البلاغة".

وبما أنه يحاول هنا أن يقنعنا بأن الإسلام يحثنا على تجاهل غير المحسوسات، فليس غريبًا عليه أن ينكر حديث القرآن عن النفس وعن غيرها من المجردات، ولكنه لن يلبث أن يستشهد في مواقع أخرى بالآيات القرآنية التي تتحدث عن مثل هذه الأمور.

([27]) لا بد من الالتفات إلى أن شريعتي يخلط في كلامه أحيانًا، فيستعمل لفظ الكليات وهو يريد به المجردات .

([28]) انظر: المقالة الأولى، النموذج الثاني، حيث ذهب هناك إلى أن القرآن يسمي حكاية ابني آدم بـ(القصة)، بينما الصحيح أن القرآن لم يسمها بهذا الاسم، بل عبر عنها بلفظ (النبأ). وقد بيّنا هناك السبب الذي يكمن وراء ذلك.

([29]) الغاشية:17.

([30]) نود هنا أن نلفت انتباه القارئ إلى أن هذا النص ليس آية من آيات القرآن الكريم كما يفهم من سياق كلام شريعتي، إذ لا وجود لأيّة آية قرآنية تربط بين الأمر بـ(السير) والأمر بـ(النظر) بحرف (الواو): (وانظروا)، بل الآيات القرآنية ذات الصلة بالموضوع تربط بين الأمرين بـ(الفاء): {فَانْظُرُوا}(النمل:69)، أو بـ(ثم): {ثُمَّ انْظُرُوا}(الأنعام:11).

وكذلك لا وجود لأيّة آية قرآنية تأمر بـ(النظر) في عاقبة (المفسدين)، بل الموجود منها يأمر بـ(النظر) في عاقبة (المكذبين)، أو (المجرمين)، أو (المشركين) -كقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}(النمل:69)؛ وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(الأنعام:11)؛ وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}(الروم:42)..

([31]) معرفة الإسلام، ص110-111.

([32]) المصطلح الأكثر شيوعًا الذي يطلقه العلماء على هذه الأوامر هو [الأوامر المولوية]، ولكننا استخدمنا في هذا البحث مصطلح [الأوامر الإنشائية] مجاراةً لشريعتي في المصطلح الذي اختاره.

([33]) انظر: معرفة الإسلام ص43.

([34]) لست أدري في أي مجتمع وبالنسبة لأيّة لغة كان الناس بحاجة إلى العلوم اليونانية لكي يدركوا الفرق بين قول الأب لابنه: "ادرس دروسك وإلا عاقبتك"، وبين قول حكيم من الحكماء : "ادرس تنجح"، ثم يفهموا من ذلك أن أمر الأب بالدرس يراد به الإلزام، وأما أمر الحكيم فيراد به النصح والإرشاد إلى طريق النجاح.

([35]) معرفة الإسلام، ص213-214.

([36]) معرفة الإسلام، 215.

([37]) الأحزاب: 72.

([38]) معرفة الإسلام، ص212-213.

([39]) الأنعام: 130.

([40]) الأحقاف: 28-32.

([41]) الجن: 1-15.

([42]) الكهف: من الآية50.

([43]) لا بد من التنبيه على أن شريعتي وإن كان يصر هنا على أن أصحّ وأعمق معنى فسّرت به الأمانة هو [الحرية والاختيار]، إلا أنه يذهب في بعض كتبه الأخرى إلى غير ذلك، فيوسّع من معناها لتشمل الإرادة والاختيار والمعرفة والشعور والقدرة الخلاقة والعشق والاطلاع والحكمة ... الخ (انظر كتابه : تاريخ معرفة الأديان، ترجمة د. حسين نصيري، دار الأمير، بيروت، ط1، 1429هـ-2008م، ج1 ص565-566) .

ونحن إنما التزمنا في بحثنا الاقتصار على عرض نماذج مما جاء في كتابه معرفة الإسلام فقط.

([44]) الحجر:27 - الرحمن : 15

([45]) معرفة الإسلام، ص208-210.

([46]) يظهر من كلام شريعتي أنه يرى أن الملائكة والشياطين هم أبناء جنس واحد. ولكننا تركنا الخوض في هذه المسألة اختصارًا.

([47]) الأعراف : 12.

([48]) تراجع كتب التفسير لكشف مختلف المغالطات التي ارتكبها إبليس في كلامه.

([49]) انظر : تفسير الآية في "مجمع البيان" .

([50]) انظر تفسير "المنير" للآية المباركة.

([51]) معرفة الإسلام، ص205.

([52]) الحجر : 33.

 

 

 

الدعاء

البروفسور ألكسيس كاريل([1])

ترجمة د. محمد كامل سليمان([2])

تمهيد

ورد عن آل بيت النبوة (صلوات الله عليهم) الحث على أخذ الحكمة مهما كان مصدرها، ومما أثر عنهم في ذلك قولهم: (الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجد أحدكم ضالته فليأخذها) ، (الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق) ، (الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها) ([3])...

وانطلاقًا من هذا المبدأ وجدنا من الخير أن ننشر على صفحات مجلتنا كتاب [الدعاء] للبروفسور ألكسيس كاريل، حيث رأينا أن هذا الكتاب وإن كان مؤسسًا على معطيات الديانة المسيحية، ومنبثقًا عن بعض تجارب المجتمعات الغربية، إلا أنه ينضوي في الوقت نفسه على الكثير من القيم المعرفية والإنسانية، مما يجعله يتجاوز الخصوصيات التي بني عليها، لينتفع به كل طالب للحكمة يأخذها أنى وجدها.

ولذلك فقد حافظنا على نص الكتاب كما وجدناه بترجمته العربية دون زيادة ولا نقصان، ولا تبديل ولا تعديل، مع غض النظر عما إذا كنا نوافق المؤلف أو نختلف معه ولو في بعض المفاهيم أو الجزئيات.

كما أننا أوردنا الهوامش كما جاءت في الترجمة، سواء كانت من وضع المؤلف، أو من وضع المترجم للكتاب.                 (التحرير)

مدخل

بالنسبة لنا، نحن رجال الغرب، يبدو أن العقل أهم من الحدس، فنحن نعوّل على الذكاء العملي أكثر من تعويلنا على العاطفة والشعور.

العلم يتوهّج، ويشعّ، في حين أن التدين يتلاشى وينطفئ.

فنحن الغربيين نسير على خطى ديكارت (Descartes) ونهمل باسكال([4])..، لذلك نحاول دائمًا أن ننمّي ذكاءنا العملي، بينما نهمل النشاطات غير الذهنية للفكر بشكل يكاد يكون كاملاً، كالاهتمام بالضمير الخلقي، والاتجاه نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن ضمور مثل هذا الاتجاه في تربية الضمير في النشاطات الإنسانية، تجعل من الرجل العصري رجلاً أعمى، على صعيد الروح والشعور، إن مثل هذا الوهن الروحي لا يسمح للإنسان بأن يكون عضوًا مؤسِّسًا في بناء مجتمع سليم ومعافى.

إن أسباب انهيار مدنيتنا يعود في الدرجة الأولى لهذه الصفة الرديئة عند الفرد في الغرب.

وفي الواقع إن تنمية الجانب الروحي هو أكثر ضرورة للنجاح في الحياة، من الجانب المادي والذهني.

لذلك فإنه لمن المستلزمات الحتمية أن نعيد إحياء النشاطات الروحية التي تعطي قوة للشخصية، أكثر بكثير مما يعطيه الذكاء.

إن النشاطات التي يتجاهلها الغربيون أكثر من غيرهم، هي الاتجاه نحو التدين، ونحو القداسة التي يزرعها الدين في النفوس.

هذا، وإن الاتجاه القداسي في الفكر الديني يتجسّد في الدعاء. ذلك أن الدعاء هو بكل وضوح، ظاهرة روحية، كالتوجّه الديني نحو الالتزام بخط الورع والتقوى.

إلى ذلك، فإن العالم الروحي هو بمنأى عن كل التعقيدات الغربية التقنية. والآن كيف السبيل لاكتساب معرفة إيجابية للدعاء؟

 إن المجال العلمي -لحسن الحظ- ينظّم كل ما يمكن رؤيته ويُستطاع ملامسته. كما يمكنه أن يمتد بوساطة علم وظائف الأعضاء، حتى التجليات الروحية. وعليه إذن، فإنه من خلال مراقبة منهجية للرجل الذي يمارس الدعاء، يمكن أن نعلم على أي شيء تقوم ظاهرة الدعاء، وكيفية أدائها ونتائجها...

تعريف الدعاء

يبدو الدعاء -أساسًا- نوعًا من النزوع الفكري نحو جوهر اللامادية في العالم .

إن الدعاء بشكل عام هو تعبير عن شكوى متألمة، أو صرخة قلق، أو طلب استغاثة.

إنه نوع من التأمل العميق، النقي والمتسامي، للمبدأ الأصيل، ذي الشأن الرفيع ، لكل الأشياء.

ونستطيع أن نعرّف الدعاء -أيضًا- على أنه ارتفاع بالنفس نحو الله، كفعل محبة، وعبادة للذي منحنا الحياة، تلك الأعجوبة الخارقة.

وبالواقع فإن الدعاء يمثل بذلاً من الإنسان جهده، في محاولة للتقرب والاتصال بالكائن الذي لا يرى، الذي هو بارئ كل موجود، وصاحب الحكمة العليا، ومصدر القوة والجمال، وأبو كل منّا ومخلّصه..

إلى ذلك فإن الدعاء الحقيقي يمثل حالة روحية أسمى من أن تكون مجرد ترديد لعبارات وصيغ مكرورة بدون معايشة عميقة، بل هو نوع من استغراق الوعي في الله سبحانه وتعالى ..

هذه الحالة ليست حالة ذات طبيعة ذهنية مادية محددة.. لذلك تظلّ بعيدة عن استيعاب الفلاسفة لها وعن الوصول إلى فهمها ..

إن الوصول إلى هذا التجلي الروحي العميق، لا يحتاج إلى معرفة كتبيّة ، تمامًا كرهافة الحسّ في  تذوّق الجمال ، وخفقات القلب عند الشعور بالمحبة.

إن البسطاء من الناس يشعرون بوجود الله ولطفه بهم ، شعورًا طبيعيًا كما يشعرون بالدفء الصادر عن الشمس ، والعطر المتضوّع من الزهر .

وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى هو قريب مجيب من هؤلاء الذين لا يعرفون شيئًا غير المحبة والطهارة، بقدر ما هو بعيد عن أولئك الذين لا يريدون إلا أن يفهموه فهمًا علميًا .

الفكر والكلام يشعران بالعجز إذا ما حاولا أن يصفا الله تعالى .

لذلك فإن الدعاء يبلغ أعلى قمم التعبير بتحليق المحبة وتجلّيها فوق ليل العقل الحالك.

تقنية الدعاء .. كيف يجب أن ندعو ؟

لقد عُرفت طريقة المتصوفين المسيحيين في صلاتهم منذ أيام القديس بولس ، وحتى أيام القديس (بنوا) (Benôit) كما عرفت عن طريق مجموع الرسل المجهولين ، الذين كشفوا لشعوب الغرب عن الحياة الدينية ، خلال عشرين قرنًا من الزمن .

إن إله أفلاطون كان لا متناهيًا في جبروته ، أما إله (ابيكتيت) (Epictéte) فكان يمتزج بروح الأشياء ، أما (يهوه)([5]) فكان طاغية يوحي بالإرهاب لا المحبة.

المسيحية،! على العكس من ذلك -جعلت الرب بمتناول الإنسان.. لقد أعطته وجهًا.

لقد جعلته أبانا وأخانا ومخلصنا:

لكي تصل للرب، لست بحاجة لاحتفالات معقدة، ولا لتضحيات دموية.

لقد أصبح الدعاء سهلاً، والقيام به بسيطًا خاليًا من أي تعقيد.

لكي نأتي بالدعاء ينبغي فقط أن نبذل جهدًا لنتجه نحو الله.

هذا الاتجاه ينبغي أن يتحرك بالمشاعر الحيّة، لا بالتحليل العقلي.

إن التأمل بعظمة الله سبحانه مثلاً، هي تعبير عن المحبة والإيمان أكثر منه استغراقًا في الدعاء.

وهكذا على طريقة (لا سال)([6]) La Salle، فإن الدعاء ينطلق من اعتبار فكري ليصبح توًا فعلاً عاطفيًا.

ومهما يكن الدعاء قصيرًا أو طويلاً، جهرًا أو همسًا، فإنه ينبغي أن يكون شبيهًا بمحاورة الطفل مع أبيه.

"نتقدم للدعاء كما نحن" بدون أي احتفاء بالمظاهر الخارجية المزيفة...

هذا ما قالته واحدة من راهبات المحبة، نذرت حياتها منذ ثلاثين عامًا لخدمة الفقراء.

إلى ذلك فإن الإقبال على الدعاء ينبغي أن يكون بكل كيان الإنسان وجوارحه، كما تكون المحبة.

أما بالنسبة لشكل الدعاء فإنه يتنوع من المناجاة الصغيرة لله حتى التأمل العميق.

من الكلمات البسيطة لفلاحة تدعو على مفترق الطرق حتى القداس المتقن تحت أعمدة الكاتدرائية.

هذا، وإن مظاهر الفخامة والأبهة الاحتفالية ليست أشياء ضرورية لقبول الصلاة.

إن النزر اليسير من الناس هم أولئك الذين يحسنون تأدية الدعاء كما ينبغي على شاكلة القديس (جان دي لا كروا) أو القديس (برنار ديك ليرﭬۅ).

ولكن ما ينبغي التوقف عنده هو أن المرء لا ينبغي أن يكون خطيبًا مفوهًا لكي يكون مستجاب الدعاء.

هذا، وإذا كنا نحكم على الدعاء من خلال نتائجه، فإن كلماتنا المتواضعة في التضرع والحمد تبدو أكثر قبولاً عند موجد الكائنات، من أي دعاء مليء بالتعقيدات والزخارف اللفظية.

إن بعض الصياغات التي تردد آليًا هي شكل من أشكال الدعاء، وتشبه إلى حد ما لهب الشمعة.

إننا نكتفي من هذه الصياغات ومن هذه الشعلة المادية، أن ترمز لتوجه الكائن البشري نحو الله جل جلاله.

هذا، وإن أداء العمل تأدية صحيحة هو نوع من أنواع الصلاة والدعاء.

إن القيام بالواجب لا يختلف عن تأدية الدعاء في شيء، كما يقول القديس لويس جونزاج..Saint Louis de Gonzague .

وليس ثمة أدنى شك في أن أفضل وسيلة للتقرب من الله إنما هي بتنفيذ تعاليمه في المجتمع.

(ربنا فلتسد مملكتك، ولتكن إرادتك مطبقة في الأرض كما في السماء...)

هذا، وإن إطاعة الله سبحانه تتحقق بالخضوع لقوانين الحياة، كما هي مغلغلة في أنسجتنا وفي دمنا وفكرنا...

إن الأدعية التي تتصاعد من على سطح الأرض كغمامة كبيرة تختلف باختلاف مكونات شخصية الذين يرفعونها.

هذه الأدعية تقوم على موضوعين أساسيين:

الاستغاثة والمحبة..

هذا، وإن الاستغاثة بالله سبحانه وتعالى لنحصل على ما نحن بحاجة إليه لمطلب مشروع  لا غنى عنه..

وإنه لمن غير المعقول أن نطلب مكافأة على النزوات، أو أن لا نقطف ثمرة جهودنا..

إن الدعاء عند الحاجة بإلحاح وإصرار لا يمكن أن يخيب..

إن الأعمى الذي يجلس على قارعة الطريق يجأر بدعائه ويجهر بصوته رويدًا رويدًا، غير مبال بالناس الذين كانوا يمرون به ويعملون على إسكاته، حتى شفي لدليل على الاستجابة.

(إيمانك شفاك) قال يسوع الذي كان يمر من هناك، الدعاء في شكله الأعلى ليس عريضة تُقدَّم، وإنما يعرض الداعي لرب الكائنات حبه، ويقدم شكره، على سني مواهبه، معلنًا استعداده على اتباع تعاليم الله مهما كانت. الدعاء يغدو آنئذٍ تأملاً عميقًا بعظمة الله.

بعد أن انتهى القداس في الكنيسة وفرغت المقاعد، ظل فلاح هرم يجلس على مقعده في آخر الكنيسة.. فسأله الكاهن ما الذي تنتظر بعد؟

فأجابه الفلاح: .. إني أراه وهو يراني.

وهكذا فإن قيمة الفن الحقيقية هي بما يصدر عنه من نتائج.

وطريقة الدعاء الفضلى هي تلك التي تجعلك تحس بالاتصال الحميم بالله سبحانه...

أين ومتى ندعو؟

نستطيع أن ندعو الله في كل مكان، في الشارع وفي السيارة، وفي الباخرة، وفي المكتب، وفي المدرسة، وفي المصنع..

ولكن الدعاء الأفضل والأكثر حرارة إنما يكون في البراري، وفي الجبال، أو في الغابات، أو في غرفة منعزلة، كما أن هناك الأدعية الطقوسية التي تقام في الكنائس.

ومهما يكن فإن الإنسان في أي مكان دعا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يستجيب دعاءه، ما لم يؤسس الداعي طمأنينة داخلية في ذاته.

هذه الطمأنينة النفسية تتبدل حسب الحالة الذهنية والعضوية، وبحسب الوسط الذي نكون مستغرقين فيه.

إلى هذا فإن الاستقرار الجسدي والفكري  يصعب الحصول عليه وسط ضوضاء المدينة الحديثة وتشتيتها.

ونحن في هذه الأيام بأمسّ الحاجة لأمكنة للدعاء، ومن الأفضل أن ينشأ معابد في المدينة حيث يستطيع سكانها أن يجدوا -ولو لبرهة وجيزة- الشروط الفيزيائية والنفسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، للحصول على راحة نفسية داخلية.

إن إيجاد جزر سلام جميلة ومهيئة للاستقبال، وسط جلبة المدينة وضوضائها، ليس صعبًا ولا باهظ التكاليف.

وفي صمت هذه الملاذات الروحية يستطيع الناس أن يرتفعوا بتفكيرهم نحو الإله، فيريحوا عضلاتهم وحواسهم، ويهدئوا أعصابهم، ويجلوا بصيرتهم، ليجدوا من خلال ذلك، القوة الروحية التي تساعدهم على تحمل مشاق حياتهم الصعبة، التي تثقل كاهل حياة المدنية الحاضرة.

هذا، وحين يغدو الدعاء عادة، يصبح ذا أثر قوي على الطباع، من أجل ذلك ينبغي أن نواظب على الدعاء.

وهذا نفسه ما دعا إليه إبيكتيت([7]) Epictéte الذي كان يقول: (فكّر بالله أكثر مما تتنفس).

فمن غير المعقول أن ندعو في الصباح لنكمل بقية نهارنا بأعمال بربرية قائمة على التعديات وانتهاك الحقوق..

إن بعض فترات من التفكير أو التضرع الذهني، يمكن أن تجعل الإنسان دائم التفكر بالله، مشدودًا إلى عالم المحبة والعطاء والتسامح..

وهذا السلوك مستوحى من الدعاء، وعليه فإن الدعاء والصلاة يغدوان طريقة للعيش من خلال هذا الفهم للدعاء([8]).

ثمرة الدعاء ونتائجه

يترك الدعاء دائمًا نتيجة إيجابية إذا أُتي به في الأوقات المناسبة.. (ما من إنسان مارس الدعاء إلا وتعلم أشياء تعود عليه بالنفع العميم) كما كتب رالف والدو أمرسون: Ralph Waldo Emerson عدا عن ذلك، فإن الدعاء يعتبر عند الرجال العصريين، عادة بالية ، مهجورة، وخرافة لا طائل تحتها، وبقايا بربرية بالية.

وفي الحقيقة إننا نجهل جهلاً يكاد يكون تامًا آثار الدعاء وإيجابياته.

فما هي أسباب جهلنا يا ترى؟

أسباب جهلنا- لقيمة الدعاء- تعود بادئ ذي بدء إلى قلة مواظبتنا على الدعاء وممارستنا له.

كما أن التحلي بالقداسة والتقوى، هو في طريق الزوال عند متمدني اليوم.

إلى ذلك فإنه من المحتمل أن عدد الفرنسيين الذين يواظبون على الدعاء بصورة مستمرة لا يتجاوزون 4% إلى 5%.

من هنا نجد أن الدعاء يكون أحيانًا عقيمًا لا يؤتي ثماره كما ينبغي، لأن الغالبية العظمى من الداعين والمصلين يكونون أنانيين وكذابين، متعجرفين وفريسيين، متظاهرين بالتقوى والورع وقلبهم مملوء بالحقد والكراهية، غير جديرين بالمحبة والإيمان.

لذلك، فإن نتائج الدعاء عندما تحدث غالبًا ما تمرّ دون أن نشعر بها.

وهكذا فإن إجابة مسألتنا ومردود محبتنا، يأتي عادة بشكل بطيء غير ملموس وتقريبًا غير مستجاب.

إن صوت الدعاء الخافت الذي يُهمس في أعماقنا سرعان ما يختنق وسط ضجيج العالم وصخبه..

هذا، وإن نتائج الدعاء المادية غامضة هي نفسها أيضًا، إذ أنها تختلط على العموم بظاهرات أخرى.

فقليل من الناس-حتى بين الكهنة أنفسهم- هم أولئك الذين تتاح لهم فرصة مراقبة تلك النتائج بصورة دقيقة.

تلك النتائج غالبًا ما يتركها الأطباء أنفسهم بسبب قلة الفائدة، يتركونها بدون أن يعمدوا إلى دراسة هذه الحالة التي تكون بمتناول أيديهم.

فضلاً عن ذلك، فإن المراقبين غالبًا ما يتنكبون عن الطريق، ويبدّلون الاتجاه لأن واقع الجواب غالبًا ما يكون غير ما يتوقعون.

وعليه فإن الذي يطلب - مثلاً- أن يُشفى من مرض عضوي، يبقى مريضًا، إلا أنه يطرأ عليه تحول في المسلك والأخلاق، من الصعب جدًا أن نقوم بشرحه.

إلا أن ممارسة الدعاء ومهما كان نادرًا في مجموع أفراد الشعب، إلا أنها تظل معاشة نسبيًا في المجموعات التي تظل وفيّة لتدينها وإيمانها.

ففي هذه المجموعات البشرية يمكن حتى اليوم دراسة تأثير الدعاء فيها.

ومن بين النتائج التي لا تُحصى للدعاء تتاح الفرصة أمام الطبيب لكي يراقب العلاقات الوثيقة بين المظاهر النفسية والبدنية والعلاجات الشافية لها.

النتائج النفسية - الفيزيولوجية للدعاء

لا شك أن الدعاء يؤثر على الفكر وعلى الجسد، بشكل يبدو أنه يتعلق بنوعية الدعاء، وبكثافته والمداومة عليه.

ذلك أنه من السهل أن نتعرف على آثار ممارسة الدعاء، وحتى في بعض الأحيان على كثافته.

أما نوعية الدعاء فتظل مجهولة، لأننا لا نملك الوسيلة لمقياس الإيمان، ولا لمعرفة محبة الغير.

ومع ذلك، فإن الطريقة التي يعايشها من يمارس الدعاء يمكن أن توضح لنا نوعية الابتهال الذي نرفعه لله سبحانه.

حتى عندما يكون الدعاء ضعيف القيمة، ويعتمد على الترديد الآلي للصيغ الدعائية فإنه يترك أثرًا على السلوك الإنساني، فهو يقوّي جانب التقوى والجانب الخلقي فينا في وقت معًا.

إلى ذلك فإن الأوساط التي يُصلى فيها تتصف بنوع من المثابرة الدائمة على الشعور بالمسؤولية والإصرار على القيام بالواجب بإخلاص، بعيدًا عن التحاسد والتباغض، بل بالطيبة والأريحية تجاه الآخرين.

وغني عن البرهان بأنه على صعيد النمو العقلي والذهني يلاحظ أن التحلي بالقيم الأخلاقية والاندفاع لعمل الخير، يكون أكثر وجودًا بين الذين يحافظون على الدعاء من غيرهم ممن لا يدعون.

وهكذا فإن الدعاء عندما يُثابر عليه يوميًا ويصبح ذا طابع ورع، فإن أثره يتبدى بوضوح أكثر.

كما أن تأثير الدعاء يمكن أن يقارن بشكل من الأشكال بتأثير الغدد الصماء ذات الفرز الداخلي كالغدة الدرقية والغدة الكظرية.

إنه يقوم على نوع من التحول الذهني والعضوي، هذا التحول يتقدم يومًا بعد يوم، حتى يمكن القول بـأن شعلة وهاجة تتأجج في أعماق الوعي الإنساني، فيرى الإنسان في ضوئها نفسه على حقيقتها، فيكتشف أنانيته وجشعه، كما يطّلع أيضًا على خطأ الأحكام التي يصدرها مدفوعًا بعجرفته وتغطرسه، مما يحدو به للإنكباب على القيام بواجبه الخلقي، إنه يحاول أن يكسب الخشوع النفسي، وهكذا تنفتح أمامه مملكة النعمى الإلهية.

وهكذا شيئًا فشيئًا يصبح عنده نوع من الطمأنينة الباطنية، ونوع من الانسجام في النشاطات العصبية والأخلاقية، كما يقوم عنده نوع من التجلد الكبير لتحمل الفقر، وترفع عن النميمة، وعدم استسلام للهواجس المريبة، وتتولد عنده قدرة روحية لا تتركه يتضعضع أو يضعف أمام فقدانه لأحد من ذوي قرباه، ولا يهون أمام الألم والمرض والموت.

هذا، وإن الطبيب ليسعد أيضًا حين يجد مريضًا ينكب على الدعاء، ذلك أن الطمأنينة النفسية التي تتولد عن طريق الدعاء تكون عونًا عظيمًا على الشفاء والمعافاة.

إلى ذلك، فإن الدعاء ينبغي أن لا يشبه في حال من الأحوال (المورفين)، ذلك أنه يسبغ - إلى جانب الطمأنينة النفسية وفي الوقت عينه- نوعَا من التكامل لدى النشاطات الذهنية المختلفة، ويتوفر على إغناء الشخصية الإنسانية، وترسيخ النزعة البطولية أحيانًا.

كذلك فإن الدعاء يختم الداعين المخلصين بطابع خاص ومميز.

وهكذا، فإن صفاء النظرة للآخرين، وطمأنينة التماسك النفسي الداخلي، والانشراح للصدق في التعبير، إلى جانب الرجولة الحقة في التصرف، مع الرضا الكامل للجندي بالموت حين يدعو الواجب، والطمأنينة التامة للبطل بالشهادة دفاعًا عن الحق، كل ذلك يشف عن وجود الكنز الخبيء في أعماق كل منا، وفي فكره وحواسه.

وتحت هذا التأثير العظيم نلاحظ أنه حتى الجاهلون، والمتأخرون، والضعفاء، والمحدودو الاستعداد، حتى هؤلاء يستخدمون بشكل أفضل قواهم الخلقية والعقلية.

وهكذا فإن الدعاء يرفع الناس فوق مستواهم الذهني، الذي ينتمون إليه سواء بالتربية أو بالوراثة.

هذا الاتصال الروحي بالله -عبر الدعاء- يغمرهم بالسلام والثقة بالنفس، كذلك فإن السلام يشع من ذواتهم الطاهرة، مما يجعلهم يحملون السلام للناس في كل مكان يحلّون فيه.

ومما يؤسف له -هنا- أنه لا يوجد الآن في العالم سوى عدد طفيف من الأفراد يحسنون تأدية الدعاء بطريقة مثمرة وفاعلة.

الشفاء عن طريق الدعاء

إن نتائج الشفاء عن طريق الدعاء يستثير اهتمام الناس على مر العصور.

وحتى يومنا الحاضر وفي الأوساط التي ما زالت تمارس الدعاء وتقوم بالصلاة، ما زالوا يتحدثون بإسهاب عن الأشخاص الذين تم شفاؤهم عن طريق التضرعات للباري عز وجل أو لأوليائه الصالحين.

أما بالنسبة للأمراض القابلة للشفاء تلقائيًًا أو بمساعدة الأدوية والعقاقير العادية فإنه من الصعب أن نعرف العامل الحقيقي الكامن وراء الشفاء.

أما في الحالة المرضية التي لا يمكن فيها تطبيق العلاج على الشخص المريض، أو عندما نطبقه ولكن بدون جدوى وبدون أن تعطي النتائج الشفائية المرجوة.

في هذه الحالة يمكن أن نلاحظ دور الدعاء الأكيد في شفاء الأمراض المستعصية.

إن المكتب الطبي التابع لـ(لورد Lourdes) ([9])، أدى خدمة كبيرة للعلم عندما برهن على أن حقيقة شفاء كثير من الأمراض المستعصية كان بفضل الدعاء وحده.

وهكذا فإن للدعاء قوة سريعة في الشفاء حتى يمكن تشبيهها بسرعة الانفجار.

هذا وإن كثيرًا من المرضى تمّ لهم بفعل العاطفة الصادقة وعن طريق الدعاء، تمّ لهم الشفاء من أمراض خطيرة مستعصية، كمرض القرّاض الجلدي في الوجه"Lupus" وكالسرطان، وتعفن الطحال، والقرحة، والتدرن الرئوي، أو السل العظمي، أو السل في الحجاب الحاجز.

إن ظاهرة الشفاء هذه كانت تحدث تقريبًا دائمًا بنفس الأسلوب، يعاني المريض ألمًا شديدًا، ثم يعقبه شعور بإمكان الشفاء.

وهكذا خلال بضع ثوان أو بضع ساعات على الأكثر، تختفي علامات المرض، والجروح التشريحية تلتئم لتتم معجزة الشفاء بعد ذلك بسرعة هائلة، تختصر مراحل العلاج العادية بشكل مذهل.

ومن الجدير التنويه به هنا، أن هذه السرعة المتناهية في مسيرة الشفاء، لم يلاحظها أي أحد من الجراحين النطاسين، أو أخصائيي وظائف الأعضاء المشهورين، خلال ما أجروا من عمليات لمرضاهم حتى أيامنا الحاضرة.

هذا، ولكي تتم ظاهرة الشفاء بسبب الدعاء كما سبق وأشرنا ليس ضروريًا أن يكون الداعي هو المريض نفسه، فإن هناك أطفالاً صغارًا لا يستطيعون الكلام تمت لهم معجزة الشفاء بالدعاء، كما أن هنالك أشخاصًا غير مؤمنين شفوا من أمراضهم بسبب دعاء غيرهم لهم بالقرب منهم.

هذا وإن الدعاء للآخرين يكون دائمًا أكثر نتيجة من دعاء الشخص لنفسه.

إن نتيجة الشفاء بالدعاء وسرعة الاستجابة، إنما يتوقفان على كثافة الدعاء، ومدى الصدق والإخلاص فيه.

إلى ذلك فإن معجزة شفاء المرضى عن طريق الدعاء في منتجع (لورد) أصبحت تتضاءل في أيامنا هذه بالنسبة لما قبل أربعين أو خمسين سنة.

هذا وإن المرضى ما عادوا يجدون فيها نفس جو الخشوع العميق الذي كان يسود في الماضي.

ذلك أن الحجاج إلى (لورد) أصبحوا سوّاحًا يطلبون الترفيه لا حجاجًا يدفعهم الإيمان العميق، ولذلك لم تعد أدعيتهم ذات أثر فعّال كما كان من قبل.

تلكم هي آثار الدعاء في الشفاء التي يوجد عندي معرفة يقينية بها لأنني عايشتها عن كثب.

إلى جانب هذه المعجزات الباهرة يوجد الكثير غيرها([10]).

إن تاريخ الأولياء الصالحين، حتى المعاصرين منهم، يروي العديد من "وقائع" هذه الأعاجيب المدهشة، ومما لا شك فيه أن أكثر المعجزات المنسوبة إلى راهب "آرس" Ars، هي حقيقية وصادقة.

إن مجموع هذه الظواهر الخارقة يجعلنا نلج في عالم جديد، لمّا نبدأ باكتشافه بعد، والذي سنجده غنيًا خصبًا بالمفاجآت المذهلة.

إن ما نعرفه يقينيًًا حتى الآن هو أن الدعاء يعطي نتائج ظاهرة للعيان، وإنه لمن الغرابة أن تحدث أشياء بهذا الشكل المعجزاتي.

ولكن ينبغي أن لا يغرب عن بالنا حقيقة أن كل من يسعى لشيء لا جرم  أن يصل إليه كما أن كل من طرق الباب يفتح لاستقباله.

الدلالة الدعائية

وعلى العموم فإن ممارسة الدعاء تقوم كأن الله سبحانه وتعالى يسمع دعاء الإنسان ويستجيب له.

إن نتائج الدعاء ليست وهمًا وخداعًا.. كما أنه لا ينبغي أن نحصر الانكباب على الدعاء بأوقات الخوف والقلق([11]) اللذين يسيطران على الإنسان أمام الأخطار التي تُحدق به، أو أمام غموض العالم وخفاء أسراره.

كذلك فإنه من اللزام علينا أن لا نجعل "الدعاء" بكل بساطة، جرعات دواء مسكّن نتناوله عند القلق، ولا دواء ضد مخاوفنا من العذاب، أو من السقام والموت.

ما هي إذن دلالة التقوى والاتجاه نحو القداسة والورع؟ وأي مكانة تعطيه الطبيعة للدعاء في حياتنا؟

في الواقع إن مكانة الدعاء هذه شديدة الأهمية في حياة الإنسان.

إن رجال الغرب كانوا يمارسون الدعاء على مختلف العصور.

كذلك فإن الدولة القديمة كانت مؤسسة دينية في المقام الأول.

إلى ذلك لقد رفع الرومان أعمدة الهياكل العبادية في كل مكان.

كما أن الأسلاف في القرون الوسطى ملئوا بقاع الأرض المسيحية بالكاتدرائيات والكنائس القوطية، وحتى في أيامنا الحاضرة أيضًا نلاحظ ارتفاع قبة جرس فوق كل قرية.

وهكذا بواسطة الكنائس والجامعات وبناء المصانع، استطاع السوّاح القادمون من أوروبا أن ينشئوا في العالم الجديد حضارة غربية.

هذا، وخلال مسار تاريخنا كان الدعاء يشكل حاجة ماسة لا غنى عنها، كالحاجة للفتح والعمل والبناء أو المحبة.

وبالحقيقة فإن العامل الروحاني تبدّى كدافع يعتمل في أعماق طبيعتنا الإنسانية، وكحيوية تأسيسية لا بد منها.

هذه التنوعات الروحانية للدعاء، كانت ترتبط دائمًا بنشاطات أساسية للناس، كالاتجاه نحو الأخلاقية والسجايا الحسنة، وفي بعض الأحيان تتوجه نحو الإحساس بالجمال.

ومن المؤسف حقًا أن هذا العامل الهام في توجيه الذوات الإنسانية توجيهًا خلقيًا روحانيًاـ أفسح له المجال الآن لأن يضمر ويتلاشى بدون أن نوليه الرعاية الكافية.

ولا بد من الإشارة هنا، بأن الإنسان إذا تصرّف في حياته، حسب ميوله وأهوائه، لا مشاحة أن يتعرض للأخطار الجسيمة.

لكي تستقيم بنا الحياة كما ينبغي لا مشاحة من أن تسير حسب مبادئ سليمة لا تتغير، تتعلق ببنية الحياة نفسها.

وإنا لنتعرض لخطر محدق ورهيب، إذا سمحنا لنشاط بنّاء كالارتباط بالله عن طريق المحبة والتراحم أن يموت في داخلنا، سواء كان ذلك على صعيد وظائف الأعضاء، أو على المستوى الذهني والروحي.

إن توقف تنمية العضلات، أو الهيكل العظمي أو النشاطات غير المنطقية للفكر عند بعض المثقفين ، لا يقل خطورة في المجتمع عن هزال الذكاء وضعف الاتجاه الخلقي عند بعض الرياضيين.

وهناك أمثلة كثيرة لا تحصى من عائلات كثيرة الإنجاب قوية البنية ومع ذلك لا تلد إلا مشوّهين، أو أنها تلاشت من الوجود، بعدما فقدت عقائدها الموروثة، وتقاليد الفروسية في الأريحية والشجاعة.

... لقد تعلمنا من تجارب قاسية بأن فقدان الاتجاه الخلقي وضمور التوجه الروحاني عند غالبية أبناء الوطن الفاعلين، تدفع بهذا الوطن نحو الانحطاط والسقوط، أو نحو الاستعباد للغريب.

وعليه فإن سقوط مدنيّة اليونان القديمة كانت مسبوقة بإرهاصات مشابهة بسبب غياب الاتجاه الإيماني والديني عندهم.

هكذا وبكل وضوح وصراحة، نرى أن تعطيل النشاطات الذهنية التي تتطلبها الطبيعة الإنسانيةـ تتعارض أشد التعارض مع النجاح المطلوب في الحياة.

وعلى مستوى التطبيق العملي إن النشاطات الخلقية والدينية مترابطة أشد الارتباط الواحدة بالأخرى، ذلك أن العامل الخلقي في المجتمع يضمحل بعد فترة وجيزة من اضمحلال الاتجاه القداسي والروحاني عند الإنسان.

لذلك فإنه لا يمكن للإنسان أبدًا أن ينجح في بناء نظام خلقي في المجتمع مستقل عن العقيدة الدينية كما كان يريد سقراط.

وعليه، فإنه يجب على متمدني وقتنا الحاضر غير المؤمنين والمؤمنين أن يعتنوا بهذه المسألة الخطيرة لتنمية كل نشاط قاعدي تأسيسي قائم على الأخلاقية والروحانية، يكون الإنسيان جديرًا به في مجتمع سليم ومعافى.

التوجه الديني ودوره في إنجاح مسيرة الحياة الاجتماعية

لماذا ولأي سبب نرى أن التوجه الديني والقداسي، يلعب دورًا مهمًا في إنجاح مسيرة الحياة؟

بأي طريقة وبأي أوالية يؤثر الدعاء في الإنسان؟

للإجابة على هذا السؤال نترك مجال الملاحظة لمجال الافتراض.

الافتراض مع كونه تابعًا للمصادفات فهو ضروري لتقدم المعرفة.

يجب أن نتذكر أولاً بأن الإنسان كلٌّ غير قابل للتجزيء، وهو كائن مركب من أنسجة ومن سوائل عضوية إلى جانب الوعي.

إن الإنسان يعتقد أنه مستقل عن وسطه المادي، أي عن محيطه الكوني، ولكنه في الحقيقة لا ينفصل عن هذا المحيط أبدًا.

إنه مرتبط بهذا المحيط بفعل حاجته الدائمة لأوكسجين الهواء، وللغذاء الذي تقدمه له الأرض هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن الجسم الحي غير مستوعَب استيعابًا كليًا في مجموعة اتصالية فيزيائية.

إنه يتكوّن من روح مثلما هو متكون من مادة، والروح برغم من أنها مقيمة في أعضائنا فإنها تتمدد خارج الأبعاد الأربعة([12]) للزمن والمسافة.

وبعد، أليس من المسموح لنا بأن نعتقد بأننا نقطن في وقت معًا، داخل عالم كوني محدد، وفي وسط آخر غير مادي، لا يُمس، ولا يُرى، ذي طبيعة تشبه طبيعة الوعي التي لم ننجح قط في أن نتجاوزها بدون خسارة، في المحيط المادي والإنساني؟

هذا الوسط غير الهيولي لا يمكن أن يكون غير واجب الوجود المقيم في كل الكائنات، والمتعالي عليها كلها، والذي نسميه الله.

إلى ذلك، فإن الإنسان بحاجة إلى الإيمان والروحانية كمثل حاجته إلى الأوكسجين، فمثلما لا يستطيع أن يعيش بلا أوكسجين، كذلك لا يستطيع أن يعيش بلا طمأنينة روحانية.

وكذلك فإن الدعاء أشبه ما يكون بعملية التنفس عند الإنسان.

وكذلك فإن الدعاء يعتبر: عاملاً ضروريًا لا غنى عنه، لتوثيق الوشائج والصلات الطبيعية بين الوعي وبين بيئته الخاصة، ويُعتبر الدعاء أيضًا حيوية بيولوجية مرتبطة ببيئتنا.

وبتعبير آخر، فإن الدعاء يُعتبر وظيفة طبيعية للروح والجسد في آن معًا بحيث لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا.

خاتمة

إن معنى القداسة والجانب الإيماني الروحي في الإنسان يكتسبان أهمية خاصة وفريدة، ينمازان بها عن سائر النشاطات الفكرية الأخرى، ذلك أنه يجعلنا على اتصال دائم مع الأبعاد السرية الغامضة لعالم الروح.

فالدعاء معراج روحي للإنسان نحو الله، وبالدعاء يتغلغل الله في أعماق ذواتنا.

وهكذا، يتبدى لنا أن الدعاء ضرورة لا يستغنى عنها لرقي الإنسان وتساميه نحو الأمثل والأفضل.

ومن هنا علينا أن لا ننظر إلى الدعاء كعمل لا يقوم به إلا ضعاف العقول والمتسولون أو الرعاديد الجبناء.

لقد كتب نيتشه [إنه لمن المخجل حقًا أن ندعو]، ولكن في الواقع إذا كان الدعاء مخجلاً فكذلك شرب الماء والتنفس يدعوان إلى الخجل مثل ممارسة الدعاء.

إن الإنسان بحاجة ماسة لوجود الله أكثر من حاجته لاستنشاق الأوكسجين للمحافظة على جذوة الحياة.

إن المنحى القداسي والتوجه الروحي لدى الإنسان مضافًا إليهما الحدس والايحاء والمناقبية الأخلاقية والجمالية مع هداية الفكر، كل ذلك يساعد الإنسان على بناء شخصيته وعلى تكامل تفتحها وانفتاحها على العالم.

ومما لا ريب فيه أن النجاح في الحياة يتطلب نموًا متكاملاً لكل واحد من نشاطاتنا الفيزيولوجية على مستوى وظائف الأعضاء، والنشاطات العقلية والعاطفية والروحية.

الروح هو في آن معًا عقل وشعور.

لذلك لزام علينا أن نتعشّق جمالية العلوم بدون أن نتخلى عن تعشّقنا لجمالية الله مبدع الكائنات العلي العظيم.

كذلك ينبغي أن نصغي لباسكال في دعوته للإيمان والروحانية بحماس لا يقل عن إصغائنا لديكارت في دعوته لاعتماد العلم التجريبي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) ألكسيس كاريل (1873 - 1944)، طبيب جراح، وفيزيولوجي فرنسي، أحدث اكتشافات هامة في طريقة تطعيم العضلات، وفي علم الأنسجة. منح جائزة نوبل عام 1912 لأبحاثه الطبية الفذة. من مؤلفاته : [الإنسان ذلك المجهول]، و [تأملات في سبيل زيارة لورد].

([2]) الدكتور محمد كامل سليمان (1943 - 2008)، شاعر وأديب عاملي من بلدة البياض، كان رحمه الله من المتفضلين على مجلتنا بعدد من أبحاثه الإسلامية، والتي قمنا بنشرها آنذاك على صفحات المجلة.

([3]) انظر : الكافي، الكليني ، ط4 ، دار الكتب الإسلامية، ج8 ص167 ، ح186 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ط1 ، قم، ج4، ص18 ، رقم80 ؛ عوالي اللئالي ، الأحسائي ، ج4 ص81 ح82.

([4]) أي يتّبعون ما تحقّقه التجارب ويلمسونه بأيديهم، ولا يؤمنون بما يرشد إليه الدين من الإيمان بالغيب والتسليم لأمر الله سبحانه.

([5]) يهوه : اسم الله في التوراة عند اليهود .

([6]) كاهن فرنسي ولد في ريمس 1651-1719م، أسس جمعية أخوة المدارس المسيحية.

([7]) Epictéte أبيكتيت فيلسوف رواقي عاش في القرن الأول، ولد في مدينة هيرا بوليس، أعماله وتقريراته تقوم على حصر الرواقية في الفرق بين ما يتعلق بالفرد وما لا يتعلق به.

 ([8]) هذا يذكرنا بحديث الرسول (ص): (فكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

([9]) منتجع طبي في أعلى جبال البيرنه، قرب مدينة (بو)pau الفرنسية، يتسم بالقداسة، منذ أن تراءت السيدة العذراء لشخص من لورد.

([10]) هنا لا بد من الإشارة إلى الكثرة الكاثرة من الذين شفوا بالدعاء عند الأئمة والأولياء الصالحين خصوصًا عند الإمام علي والإمام الحسين وأبي الفضل العباس والسيدة زينب بشكل غني عن البيان والتنويه.

([11]) يذكرنا بالآية الكريمة {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ..}(يونس: من الآية12).

([12]) الأبعاد الأربعة هي الطول والعرض والعمق والارتفاع (هكذا ورد في حاشية الترجمة، ولعله خطأ مطبعي، والصحيح أن البعد الرابع هو الزمان . "التحرير").

 

 

 

المسألة الاقتصادية بين الإسلام والنُظم الغربية

الشيخ حاتم إسماعيل

 

تمهيد

لا شك أن الإنسان وُجد على هذه الأرض ليعمرها، ويستفيد من خيراتها، ويتقّدم ويتطور في مختلف مناحي الحياة، ويكون مظهرًا لجمال الخالق تعالى في خلقه. وقد احتفّ الوجود الإنساني بكل ما من شأنه أن يؤمن له السلامة، والراحة، ورغد العيش في هذه الأرض، وهذا يعني أن الأرض تشتمل على كل ما يحتاجه الإنسان في مسيرة حياته.

إلا أن ذلك لا يعني جهوزية محتويات الأرض للاستخدام البشري، بل هي متوفرة بشكل مواد خام وأولية، تحتاج إلى معالجة وتصنيع وإعادة ترتيب، لأنها مرصودة لكل بني البشر في تاريخهم الطويل، وهذا يستلزم إعمال الذهن، وتطوير القدرات العقلية والعلمية، للوصول إلى الغاية المنشودة، التي توفِّر له السعادة والهناء، والتطور المستمر في تسخير هذه الموجودات، لما فيه مصلحته، الأمر الذي ينعكس عليه إيجابًا في تطوّر قدراته العقلية، وكشفه لخفايا كنوز الكون، بحيث يستحق الخلافة الحقيقية التي جعلها الله تعالى له من ناحية، وتؤمن استمرارية الحياة للنوع الإنساني على مدى الأجيال من ناحية أخرى، فكانت المسألة الاقتصادية.

الاقتصاد في اللغة

الاقتصاد في الأصل افتعال من القصد، والقصد هو السعي إلى بلوغ الغاية، وتحصيل المراد. فالاقتصاد عبارة عن تحقيق ذلك، سواء كان المقصود مالاً أو غيره، مما يمكن أن يعدّ هدفًا وغاية. فاختصار المعنى بالمسألة المالية ولوازمها يفتقر إلى الدقة في نحته، إلا أنه غلب عليه ذلك، وهو مستلزم لكون الغاية من وجود الإنسان تحقيق المنافع والمكاسب المادية، أي أن المال هو الهدف وليس الإنسان، ويكون الإنسان مجرد آلة وخادم للمال، وهي نتيجة مجانبة للحقيقة والوجدان الإنساني العام.

محور المشكلة

لا خلاف بين الناس في أن مصلحة الإنسان هي الأساس في أي تشريع يمكن أن يسنّ، فلا بد من البحث عن حدود هذه المصلحة، بعيدًا عن العنصر، أو اللون، أو الإقليم، أو العرق، أو غير ذلك من معايير.

وقد أكدّ القرآن الكريم هذه الحقيقة، حين خاطب جميع بني البشر بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}([1]).

إلا أنه بعدما قسّمت الأرض إلى أقاليم ودول، واستأثرت كل دولة بإقليم من الأرض، واعتبرت أن ما يشتمل عليه ملك لأتباعها دون سواهم، أخذت كل دولة تعمل لمصلحة أتباعها، بمعزل عن غيرهم من الأمم والشعوب، وتفتّق الذهن البشري عن مدارس ورؤى مختلفة في حركة الاقتصاد، بغية تأمين الراحة والرفاه لأتباعها، إذا ضاقت مواردها، نتيجة تطور المجتمعات، وحاجاتها المعيشية والاقتصادية، بعد الاتفاق على أن الغاية مصلحة الناس أولاً وأخيرًا.

المذاهب الاقتصادية

يرتبط المذهب الاقتصادي بالمذهب السياسي ارتباطًا وثيقًا، إلى حد لا يمكن معه الفصل بينهما، لأنه متفرع عنه. من هنا فإنّ من ينظر إلى المسألة السياسية من وجهة نظر الفرد وحريته الشخصية لا يمكنه أن ينظر إلى المشكلة الاقتصادية إلا من طريق الأفراد.

وأما من ينظر إليها من وجهة نظر الجماعة والتكتل الاجتماعي، فإنه لا يسعه أن يبني مذهبه الاقتصادي إلا من خلال الجماعة.

وعليه، فإنه يتنازع المسألة الاقتصادية في العصور المتأخرة تيّاران أساسيان، هما التيار الاشتراكي أو التكتلي، والتيار الفردي أو الرأسمالي. وينضوي تحت كل من التيارين مجموعة مذاهب ورؤى، تختلف في نظرتها إلى الاقتصاد في تفاصيل كل من التيارين المذكورين.

إلا أن ما يجمع هذين التيارين أحادية النظرة إلى الإنسان وقطاع الإنتاج، من حيث الغاية والهدف، فرغم أنهما يطلقان شعار مصلحة الإنسان من وراء الاقتصاد، إلا أنهما ينتجان بالضرورة هدفية المال وقداسته، وليس العنصر البشري فيهما سوى وسيلة من وسائل الإنتاج، وآلة يتحكم بها رأس المال وعوامل الإنتاج والثروة.

الإقطاع الاقتصادي

لقد نشأ التياران المذكوران على أنقاض المذهب الإقطاعي الذي كان سائدًا في مختلف المجتمعات البشرية، حيث لازم البحث عن الرفاه والدعة، ورغد العيش، الإنسان منذ بدايات وجوده على الأرض، وهذا بطبيعته يستبطن تنافسًا بين أفراد الناس على تحصيل المصالح والمنافع، بحيث يسعى كل فرد أو فئة إلى تحصيل ما أمكنه من ذلك.

من هنا يبرز عامل القوة بوضوح على ساحة الأحداث، من خلال الاختلاف الطبيعي بين أفراد الناس على الثروة، حيث إن الإنسان قد زُوّد بغريزة التملّك والسيطرة وحبّ الذات، فمن يمتلك عنصر القوة يمكنه أن يحصل على منافع ومغانم، أكثر من غيره، بواسطة القهر والغلبة.

ولما كانت غريزة التملك والسيطرة متأصلة في هذا الكائن، كما أشرنا، فهو يعمل بكافة إمكاناته على توسيع ملكيته وسيطرته. حتى إذا غلب على الآخرين أخضعهم وأذلهم، ووضعهم هم تحت سلطته أيضًا.

ولكن ذلك لا يعني إمكان استغنائه عنهم، والتخلّص منهم، والقضاء عليهم، ليخلو له الميدان وحده، فإن ممتلكاته، بما فيها البشر أنفسهم، بحاجة إلى رعاية وعناية، لا يقدر على تأمينها وحده، لذلك عمل على الاستفادة منهم، من خلال إشباع بطونهم، والإبقاء على حياتهم لمصلحته، وهكذا نشأت فكرة الإقطاع الاقتصادي، وبرزت طبقة السادة والعبيد، وهو الشكل الأول من أشكال النظام الاقتصادي.

الثورة على الإقطاع

إلا أن ذلك لا يعني استسلام الفئات المقهورة، وقبولها للواقع والحرمان، حيث إنهم يرون أن الأقوياء يتمتعون بالثروات التي تكدس على أكتافهم، وما يبذلونه من جهد وعرق في تحصيلها. وإلى هذه الحقيقة يشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): [ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني]، بل إن هذا التفاوت والظلم اللاحق بهم يدفعهم إلى التمرّد والثورة، عندما تتاح لهم الفرصة والظرف، لتغيير واقعهم، لأنهم هم من بني البشر أيضًا، يتمتعون بما يتمتع به الإقطاعيون من آمال وأحلام وهموم وآلام، وسعي إلى الرفاه ورغد العيش، مما يؤدي إلى الاضطرابات والقلاقل وفساد المعيشة، حتى إذا ظهر هؤلاء وتسلّطوا على أولئك انقلبت الآية، وصار الأسياد عبيدًا وبعض العبيد سادة وهكذا.

وهذا ما دفع الباحثين والمفكرين إلى البحث عن حلٍّ لهذه المشكلة، واضعين نصب أعينهم، كما يزعمون، مصلحة الجماعة، أو النوع الإنساني بشكل عام، وهو ما أدى إلى نشوء التيارين الاقتصاديين المذكورين، أعني التيار الاشتراكي والتيار الرأسمالي، بمذاهبهما ورؤاهما المختلفة على أنقاض الإقطاع.

ولما كانت الحركة الاقتصادية، في كافة اتجاهاتها، مرتبطة بالمذهب السياسي ارتباطًا وثيقًا كما تقدم، ولا يمكن ترك الأمور من دون ضبط وتقنين، طُرحت مسألة مهمة الدولة، وموقعها في العلاقات الاقتصادية القائمة، أو التي ينبغي قيامها بين الناس، وانقسم المفكرون بشكلٍ رئيسي إلى فئتين: فئة قالت بضرورة سيطرة الدولة على قوى الإنتاج، وهي التي تضمن حقوق الجميع وتأمين حاجاتهم، وهي المنظومة الاشتراكية، وفئة ذهبت إلى القول بسيطرة الناس (أو القطاع العام) على قوى الإنتاج، وضرورة حياد الدولة تجاه هذه المسألة، وأنه ليس من حقها التدخل بحركة الاقتصاد، وهي التي تحقق النمو والتطور في الجميع، وهي المنظومة الرأسمالية.

التيار الرأسمالي

تقوم الرأسمالية على الحرية المطلقة للفرد، والملكية الخاصة، أي أنها تقدّس الفرد، وتعمل على تقويته بكافة السبل الممكنة، ولهذا فيمكنها أن تستفيد من جميع الامكانات التي يتمتع بها الفرد. وهذا يعني أن للفرد كامل الحرية في تحصيل المال، وزيادة الإنتاج والثروة، من دون أن يمنعه مانع.

إن منشأ الحرية المذكورة هو حق الفرد في إشباع حاجاته ورغباته، دون أن يحول بوجهه أي حائل، أو يمنعه مانع، لأن ذلك يعني حرمانه مما هو حق له، ويؤدي إلى وقوف الحركة الاقتصادية وانكفاء المجتمع إلى الوراء، وتتجمد الطاقات البشرية.

وهكذا تعود مسألة الحق إلى الواجهة، وقد تحدثنا عنها في مقالات سابقة، فما الذي يجعل الحق حقًا، وما هي العوائق والموانع التي يجب رفعها لتحقيقه، وإن كانت هذه الموانع عبارة عن أفراد آخرين من الناس، فإن له الحق في بناء مملكته الخاصة على حسابهم، كما هم يتمتعون بنفس هذا الحق أيضًا، وهذا يشجّع، بنظر الرأسمالية، على التنافس، الذي يؤدي إلى تطوّر عجلة الاقتصاد.

إلا أن إشباع هذه الغرائز ورفع الحاجات يتوقف على وسائل معينة، تنقسم بحسب الاقتصاد الرأسمالي إلى سلع وخدمات، يجب العمل على تأمينها ليحقق الفرد ما يريده في هذه الحياة. وهذا يستلزم مشروعية تحصيل المنفعة بكافة الوسائل الممكنة والمتاحة، ما دامت تؤمن له الكسب وتحصيل المنفعة وتشبع رغباته، وتلبي طموحاته.

إن السلع والخدمات مجرد وسائل، تهدف إلى تحصيل المنفعة والرفاه، اللذين يشكلان الغاية القصوى والهدف المنشود في عجلة الاقتصاد. وما دامت الغاية والهدف مطلوبين ومرادين بذاتهما، فإن ذلك ينعكس على الوسائل الموصلة إليهما مشروعية ومطلوبية. فيمكن تحصيل المال والمنفعة من طريق الربا، والبغاء، والاحتيال، وغير ذلك من وسائل.

وأما الدولة فتكمن مهمتها في الإشراف على سير الأمور من بعيد عبر تقنين القوانين التي تؤمن لكل فرد هذا الحق بحرية، دون أن يحق لها التدخل في حركة الاقتصاد مباشرة، لأن تدخلها في ذلك يؤدي إلى الجمود والركود، من دون أن يكون له أي مردود إيجابي على الحركة الاقتصادية.

سقوط الرأسمالية

إن النظرة المتطرفة والتقديسية للفرد، في المنظومة الرأسمالية، أدّت إلى ظهور الكثير من المفاسد والمظالم، التي انتشرت في المجتمعات المنضوية تحتها، بحيث أدت إلى بروز فئة قليلة من الناس، أمسكت بوسائل الإنتاج، وسيطرت على المفاصل الاقتصادية في المجتمعات، وانتشرت ظاهرة الفقر والحاجة لدى القطاع الأكبر من الناس، فظهر نحو جديد من الإقطاع، المغلف بشعار الحرية والتنافس، وأصبح حيتان المال يؤثرون في السياسات العامة في البلدان الرأسمالية، بحيث غدا السياسيون مجرد أبواق ينفخون بها، ويرقصون على أنغامهم، وازدادت الهوَّة بين هذه الطبقة فزادتهم ثراء، وبين الطبقات الفقيرة التي ازدادت فقرًا وحاجة، فتولدت إقطاعية جديدة، قد تكون أشد خطرًا من الإقطاع التقليدي المتوارث، خصوصًا في صورته الغربية، التي تفترق عن الصورة الشرقية للإقطاع في أن الإقطاعي كان يتصرف بممتلكاته بكامل الحرية، بما فيها الناس الذين يعملون فيها، بمعنى أن الإقطاعي يتمكن من بيعها وشرائها بما تشتمل عليه من عمال وغيرهم، ولم يكن للعامل أي قدرة على تركه والذهاب إلى إقطاعي آخر مثلاً أو أن يتحرر من عمله مطلقًا.

وهذا بخلاف الإقطاع في الشرق فإنه لم يكن بهذه الشدة والصرامة، إذ لم يكن فيه أي قانون يلزم العمال بذلك النحو من العبودية والذل.

وتكمن الخطورة التي ذكرناها أن العامل في ظل النظام الرأسمالي يجد نفسه مضطرًا للارتهان إلى حيتان المال تحت ضغط الحاجة كما هو ظاهر، بخلاف الرؤية الإقطاعية التي تلزمه بذلك من دون أن يكون له أي إرادة أو اختيار في ذلك.

التيار الاشتراكي

 هذه النظرة أدت بجملة من الباحثين والمفكرين إلى البحث عن وسيلة جديدة للاقتصاد، تؤمن مصالح الجميع على قدم المساواة، فكانت المنظومة الاشتراكية.

لقد انطلق هؤلاء المفكرون في نظرتهم إلى المجتمع، من قاعدة أساسية، صحيحة في نفسها، تبتني على أن الثروات الطبيعية حق للجميع على نحو واحد، ولهذا فإن إمساك فئة قليلة من الناس بهذه المفاصل والثروات، هو الذي يؤدي إلى انهيار المنظومة الاجتماعية لهذا الكائن، ولهذا لا بد من القضاء عليها بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الثورات المسلحة والانقلابات العسكرية، وهو ما حصل بالفعل في بدايات القرن العشرين الميلادي.

وما دامت الحرية الفردية قد أدت إلى ما أدت إليه من مفاسد ومظالم، فإن البديل المتعين هو سيطرة الجماعة على مقدرات الأمور، ولا يمكن للفئة المحتكرة أن تتولى هذه المهمة، لأنها غير مأمونة في إيصال الحقوق إلى أصحابها، خصوصًا وأنها هي التي سلبتهم هذه الحقوق. فالفئة الصالحة للقيام بهذه المهمة هي طبقة المسحوقين والمستضعفين، الذين عاشوا المظلومية والانسحاق، وأدركوا مفاعيلها على النفس البشرية، ولهذا فهم وحدهم القادرون على تجنب المأساة.

إلا أن الطبقات المسحوقة لا يمكنها القيام بهذه المهمة مجتمعين، ولهذا فلا بد أن تمثلهم نخبة منهم يمكنها أن تقارع الرأسمالية وتهزمها، ولا يمكن انتداب النخبة من قبل الأفراد لأنه يعيد الفكرة الرأسمالية إلى الواجهة، فنشأت فكرة القهر والغلبة وتأسيس الأحزاب، وهي التي تشكل القوة المهيمنة على مقدرات الأمور، وهذا يعني أن على الدولة أن تسيطر على الاقتصاد، للوصول إلى الغاية المنشودة.

سقوط الاشتراكية

ولم تستطع الاشتراكية بمختلف توجهاتها، أن تلبي طموح الناس، لأنها أغفلت جانبًا مهمًا من الطبيعة البشرية، وهي غريزة التملك وحب السيطرة، وحرمت الناس من الكثير من الدوافع التي تحركهم باتجاه الإبداع والتطور، فإن الإنسان ما دام يعمل كآلة ليس له من إنتاجه أكثر من حاجته اليومية، كما هو الحال لدى الآخرين، فإنه يفقد الدوافع والحوافز التي يحتاجها، وتدفعه إلى الكسل والخمول، ما دام لا يأمل أن ينعكس إبداعه وإنتاجه عليه إيجابا ورقيًّا.

ولهذا سرعان ما ثبت فشل المنظومة التكتلية في حركة الاقتصاد، وحملت بذور زوالها من داخلها، بحيث لم تستطع أن تصمد أمام الدوافع الفردية لدى الناس، فكان أن انهارت في أقل من قرن من الزمان، رغم البطش الذي مارسته طيلة فترة حكمها بالحديد والنار، ورغم كثرة الإعدامات التي مارستها بحق الجماهير.

الظهور الجديد للرأسمالية

إن أهم عامل أدى إلى انهيار الاشتراكية، هو الأساس الذي قامت عليه، أعني إلغاء الملكية الفردية، وسيطرة الدولة على كل شيء، الأمر الذي يناقض الطبيعة الإنسانية، خصوصًا وأن الدولة مؤلفة من أفراد من الناس، يتمتعون بما يتمتع به الآخرون من غريزة التملك والسيطرة، مما أدى إلى ظهور طبقة إقطاعية جديدة، متمثلة بهذه الطبقة الجديدة، الحاكمة، والتي حملت شعار ديكتاتورية البروليتاريا، وبرروا بذلك القمع والبطش اللذين مارسوهما ضد الناس، الأمر الذي حرم عامة الناس مما يتمتع به الحكام الجدد، ووجدوا أنفسهم ضحايا استبداد جديد، وإقطاعية تعيد نفسها بلباس آخر، فاندفع المفكرون الغربيون لإعادة إحياء الرأسمالية من جديد، وعملوا على تفادي المشكلات التي أدت إلى انهيارها من قبل، من خلال إعطاء دور محدود للدولة في رعاية الاقتصاد، وحماية الشركات الكبرى، التي سرعان ما تضخم الإنتاج فيها إلى معدلات قياسية، واجتذبت أعدادًا لا يستهان بها من العمال والأخصائيين.

إلا أن هذا التضخم المالي ذهب إلى جيوب أصحاب الشركات، دون أن ينعكس إيجابًا على الطبقات العاملة، التي وجدت نفسها أسيرة رؤوس الأموال، ولم يَبقَ لها حول ولا قوة. وما دام المال هو الميزان، فإن هذه الطبقة، والتي يسمّونها طبقة الوحل، سرعان ما تجد نفسها مطرودة وعاطلة عن العمل، عندما تتاح أية فرصة للاستغناء عنها، وهو ما تحقق بالفعل في كثير من البلدان في العقدين الأخيرين.

من ناحية أخرى، لم يستطع التنظير لترشيد الدولة حركة الاقتصاد أن يرشد الاقتصاد فعلاً، ذلك أن السياسيين بحاجة إلى رؤوس الأموال التي توصلهم إلى المناصب الكبرى، وهي بأيدي أصحاب الشركات، الذين هم وحدهم القادرون على إيصال السياسيين إلى هذه المراكز. وهذا يعني إمساكهم بمفاصل الدولة أيضًا، وهو ما يظهر جليًا في السياسات الأمريكية. بل إنا قد نجد شخصًا مثل غيرهارد شرودر ـ المستشار الألماني السابق ـ وهو اشتراكي، وصل إلى المستشارية بتوسط الحزب الاشتراكي الذي كان زعيمًا ومنظّرًا له، قد عمل على كف يد الدولة، وإطلاق العنان للشركات الكبرى في عجلة الاقتصاد الألماني. وما ذلك إلا لإمساك رؤوس الأموال بكافة مفاصل الحركة الاقتصادية.

الاقتصاد والأخلاق

من الواضح أنه لا مكان للأخلاق، ولا للقيم الإنسانية، في حركة الاقتصاد ضمن المنظومات المذكورة، بكافة مدارسها، الإقطاعية والرأسمالية والاشتراكية، إذ ما دامت القيمة الأولى والأخيرة في ظل هذه المنظومة للمال والإنتاج، فهو المقدس الوحيد من الناحية العملية فيها، وليس الإنسان سوى مجرد خادم له، وآلة تعمل في سبيله.

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الواقع الاجتماعي والاقتصادي لعامة الناس سلبًا ومأساة، فمن أمكن الاستغناء عنهم يُطردون من أعمالهم، لأنهم سيشكّلون عبئًا على المؤسسات الكبرى في هذا المجال.

ولما كان ذلك يؤدي إلى كوارث وثورات بين الناس، حيث إنه يهدّد حياتهم قبل كل شيء، فضلاً عن مصالحهم وحقوقهم، فقد سعى قسم من الباحثين إلى تقديم المعونات الاجتماعية والاقتصادية للطبقات الفقيرة، زعمًا منهم أن ذلك يرفع الضائقة عنهم، ويدفعهم إلى التسليم بالأمر الواقع، وعملت وسائل الدعاية إلى إقناع الطبقات المسحوقة بواقعها، تارة بإشغالها بالمنتجات الحديثة، التي تؤدي إلى تخديرها والبحث عن تحصيل هذه المنتجات، ولو بمساعدة الكبار. وأخرى من خلال انشغالها وتوجيه أنظارها إلى الحروب الخارجية، مما يعني سكوتها وإهمالها للمشكلة الرئيسية التي يعانون منها.

إلا أن من الظاهر أيضًا أن هذه الدعاية تهدف، أولاً وبالذات، إلى خدمة رأس المال وحيتانه، عبر إظهارهم على أنهم فاعلو خير، يمدّون يد العون إلى المسحوقين، من خلال إنشاء المؤسسات الاجتماعية، والجمعيات الخيرية، وهذا وإن كان صحيحًا في نفسه، لأنه يحل مشكلة الفقراء في ظاهر الأمر، ولكنه ينعكس انقيادًا من الناس لهم، نتيجة الحاجة والفاقة من جهة، ولأنه يلامس المشاعر الإنسانية من جهة أخرى، مما يدعمهم في حركتهم الاقتصادية حتى في السياسات العامة، لأن الناس سيعطون ثقتهم للسياسيين الذين يعملون في خدمة الشركات الكبرى، ويسهرون على مصالحها، لأنها هي التي أوصلتهم إلى مراكز القرار كما أسلفنا، وهذا ما أثبتته التجربة في العقود الأخيرة، في مختلف الدول الغربية، فلا أزمات حلت، ولا فساد أوقف، ولا مصالح واقعية للناس تأمّنت.

منشأ الدّاء

إن المشكلة الأساسية التي تنطوي عليها المنظومات الاقتصادية الوضعية، هي إبعاد العنصر الإلهي وسيطرته على كل شيء، وأنه هو المالك الحقيقي لكل شيء، فكانت النظرة الأحادية للإنسان هي رأس المال، رغم إدراك الجميع لغرائز الإنسان وحاجاته وطموحاته، فكان أن نظرت كل المنظومات إلى حركة الاقتصاد من زاوية معينة، واستبعدت الجوانب الأخرى من متطلبات هذا الكائن البشري.

إلا أن هذه النظرة الأحادية لمسألة الاقتصاد ليست ناشئة من فراغ، وإنما هي نتاج الفكر الغربي، المعتمد في أولياته على العهدين القديم والجديد للكتاب المقدس، حيث إن العهد القديم لمّا كان ناظرًا إلى الجماعة والكتلة البشرية اليهودية، دون الاهتمام بالفرد من حيث هو فرد، إلا بمقدار ما يحقق مصلحة الجماعة في الحياة الدنيا، بخلاف العهد الجديد الذي يشدد على البعد الفردي والأخروي للكائن الإنساني، أنتج ذلك كلاً من المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية، ويبدو هذا الأمر نتاجًا طبيعيًا لنظرة كل من العهدين إلى مسألة الحكم والسياسة، وتقدم الحديث عنها في مقالة سابقة بعنوان (مقالة في نظرية الحكم)، وبيّنا فيها مدى الترابط بين النظرة إلى الدولة والحكم وعلاقتهما بالاقتصاد.

ونتج عن ذلك مصادمة هذه المنظومات للفطرة الإنسانية في بعض جوانبها، ولهذا جاءت كافة الحلول التي طرحت ضمن هذه المنظومات مبتورة وناقصة، وأدت جميعها إلى نتيجة واحدة هي الإقطاع والتسلط، وإن بوجوه مختلفة، ولهذا أنتجت الحروب والخلافات الحادة بين الدول على اختلاف رؤاها، بغية السيطرة على الموارد العامة والخاصة.

وهذا ما يستلزم البحث عن حلول تضمن مصالح الجميع، وتحفظ النوع الإنساني في حاضره ومستقبله، في بعديه الدنيوي والأخروي على السواء، وهو ما يطرح مشكلة الحقوق من جديد، والعمل على تحقيقها، ووصول كل ذي حق إلى حقه، ليعمَّ العدل والسلام بين الأمم.

الدين والاقتصاد

ومن الملاحظ أن هذه الغاية قد وضعتها كافة الأديان، السماوية والوضعية، نصب أعينها، وافترضت أنها الغاية النهائية للوجود البشري، وإن كان كلٌ ينظر إليها من زاوية خاصة قامت عليها أسسه الفكرية والعقائدية والاجتماعية.

هذا إذا استثنينا الديانة المسيحية، التي نأت بنفسها عن مواجهة المشاكل التي يواجهها الإنسان في حياته الدنيا، ووضع الحلول المناسبة لها، بعدما حصرت نفسها بمقولة أن الدين مجرد علاقة داخلية بين الإنسان وربه، تؤمّن له الخلاص والسلام الداخلي، وعلى مستوى الحياة الآخرة فقط، فتركت البعد الدنيوي خاليًا، دون أن تهمل الغاية المذكورة، ولكنها تركتها في يد القدر دون حلول، وأطلقت يد المفكرين المنتمين إليها، للبحث عن حلول هذه المشاكل، فأنتجت الفكر الليبرالي الذي يقدس الفرد على وجه العموم كما تقدمت الإشارة إليه.

وأما اليهودية فلما كانت منطلقة من مصلحة الجماعة، دون إيلاء الفرد أية أهمية تُذكر، إلا بمقدار ما يحقق مصلحة الجماعة، كما هو الحال في نظرتها إلى مسألة الحكم، نظرًا إلى تلازم الحكم والاقتصاد، أنتجت المنظومة الاشتراكية.

وهذا ما يفسر انتشار الرأسمالية بين المتأثرين بالمدرسة المسيحية وثقافتها، بخلاف الاشتراكية التي انتشرت بين المفكرين الذين نهلوا من معين العهد القديم، وتشكّلت شخصياتهم الفكرية استنادًا إليه، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل يهودي فهو اشتراكي، وكل مسيحي رأسمالي، وهذا ظاهر.

إلا أن ما تقدم لا يعني أن العهد القديم قد صرح بالاشتراكية، والعهد الجديد بالرأسمالية، فإن ذلك مجاف للحقيقة جملة وتفصيلاً، وإنما كان للعهدين أثر بالغ في تكوين الشخصية الغربية على المستوى الفكري والثقافي، الأمر الذي انعكس على تفكيرهم بهذا الاتجاه أو ذاك.

الاقتصاد الإسلامي

تنطلق الرؤية الإسلامية للاقتصاد من نظرته الشاملة للكون والحياة، وموقع الإنسان فيها، سواء في ذلك الإنسان الفرد والجماعة، فعملت على تحصين كل منهما، وتثبيت موقعه في هذه الحياة، وضمان كل ما يحقق له السلام والأمن والطمأنينة والرفاه والسعادة.

أما بالنسبة للفرد، فقد نظر الإسلام إليه نظرة واحدة متكاملة، بحيث لم تُغفل أيًّا من حاجاته وغرائزه ومصالحه وكمالاته، من خلال ترشيد الغرائز، وتحريكها نحو الاعتدال في إشباع متطلباتها، من دون قمع أو إفلات، لأن الله تعالى لم يخلق فيه غريزة أو شهوة عبثًا، بل لغاية كبرى يحتاجها الإنسان في مسيرة حياته التكاملية شرط أن لا يُبتلى بالإفراط أو التفريط فيها، ولذلك كانت الوسطية شعارًا إسلاميًا في كافة الميادين.

بمعنى أنه إذا استطاع الإنسان الفرد أن يحقق حاجاته ورغباته، وأن يشبع غرائزه على نحو الاعتدال، أمكنه أن يحقق الطمأنينة والسلام الداخلي الذي سينعكس على الجماعة لا محالة، ويمكن أن يشير إلى هذا المعنى الحديث الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): [المسلم من سلم الناس من لسانه ويده]([2])، وقوله (صلى الله عليه وآله): [الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله] ([3]).

وأما بالنسبة إلى الجماعة فإنها لما كانت عبارة عن الأفراد مجتمعين، فإذا صلح الأفراد صلحت الجماعة كلها، وإذا فسدوا فسدت، فإن مصلحتها القصوى تأمين الاستقرار والازدهار للجماعة، والسعي بها نحو تحقيق الرقي والتقدم، لتحقيق الخلافة التي خلق الإنسان لأجلها، وهي الغاية المرجوَّة التي تنشدها الأديان كما أسلفنا، وتنتظرها في نهاية الأيام.

إلا أن الأفراد ليسوا كلهم على وتيرة واحدة، من حيث الثقافة، والمعرفة، والالتزام، والإمساك بالنزعات المادية، والانقياد إلى الشهوات والمصالح كما هو واضح. من هنا كان لا بد للإسلام أن يضع الحلول والقوانين والنظم، التي تحدد علاقات ومصالح الأفراد المنضوين في هذه الجماعة، بحيث يصل كل ذي حق إلى حقه، الذي جعله الله تعالى له، من خلال الموقع الذي يشغله ضمن الجماعة، حتى لا يستغل قوي بقوته الضعفاء، ولا يسكت ضعيف عن حق ثابت له، لا يستطيع أن يستعيده.

أساس الاقتصاد الإسلامي

يقوم الاقتصاد الإسلامي على قاعدة أساسية، هي أن الله تعالى هو المالك الحقيقي لكل شيء، بما في ذلك الإنسان نفسه،، انطلاقًا من أنه تعالى خالق كل شيء ومبدعه، وأنه قادر على كل شيء.

أما الإنسان فإنه خليفته تعالى في هذا الوجود، والخليفة مؤتمن، يجب أن يعمل وفق ما يأمر به صاحب الحق والسلطان، الذي هو المالك الحقيقي، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}([4]).

ولما لم يكن بينه تعالى وبين أحد من خلقه قرابة، فإن جميع الناس متساوون في الحقوق والواجبات أمامه تعالى، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}([5])، وقول النبي (صلى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السلام): [يا فاطمة اعملي فإني لا أملك من الله شيئًا]([6])، بعد الفراغ عن شمول العمل للدنيوي والأخروي فيهما.

من هذا المنطلق، نجد أن الإسلام قد وضع التشريعات الإلهية، المرتبطة بحركة الاقتصاد، على نحو يضمن مصلحة الجميع، أفرادًا وجماعات، بحيث يصل كل امرئ إلى حقه الذي جعله الله تعالى له، سواء منهم الحاضر والآتي في المستقبل، بعد الفراغ عن وضع كل ما يضمن بقاء النوع الإنساني ووصوله إلى غايته المنشودة في هذه الأرض التي يعيش عليها.

وهذا يستلزم وجود قانون أساسي يحكم حركة الناس، وهو قانون تكافؤ الفرص أمام الجميع، على نحو يتمكن كل فرد أو جماعة على العمل على ما يؤمن لهم الراحة والثراء، دون أن يحصل ظلم أو حيف بحق أحد منهم، وهذا يستلزم شمولية القوانين والتشريعات، بحيث يمكن أن تطال أدق التفاصيل في تعاملات الناس وطرائق كسبهم للمال، وهو ما تناولته الشريعة الإسلامية.

وبهذا يفترق الإسلام عن كل من المنظومتين الوضعيتين في الاقتصاد، الرأسمالية والاشتراكية، حيث أبعدتا العنصر الأساسي في حركة الاقتصاد، أي موقع الله تعالى في حياة الناس، وانطلقتا في تحليلاتهما من الإنسان نفسه، على أساس أنه المبدأ أو المنتهى، فكانت النتيجة ابتلاءهما بالإفراط أو التفريط.

ركائز الاقتصاد الإسلامي

يرتكز الاقتصاد الإسلامي على ثلاث ركائز، وضعها الشارع الحكيم، استنادًا إلى القاعدة الأساسية المتقدمة، أي أن المالك الحقيقي هو الله تعالى، وأنه هو المتصرف الحقيقي في كل الموجودات، وهذه الركائز هي: الإنسان، ووسائل الإنتاج، والإنتاج والتوزيع.

أما الإنسان

فيشكل الركيزة الأساسية في الاقتصاد الإسلامي، وهو الغاية والهدف من النظرية الاقتصادية في مجملها، ولهذا وضع الإسلام مصلحة كل من الفرد والجماعة الإنسانية على حد سواء، فعمل على تحصين الفرد وحمايته من جميع العوامل السلبية والأزمات التي يمكن أن يواجهها، وعمل على وضع الحلول المناسبة لها، والتي يمكن أن يخرج الفرد منها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، حرص على مصلحة الجماعة الإنسانية، من خلال إصلاح وضع الأفراد، الذي يستلزم صلاح الجماعة كلها، بحيث تتحقق الخلافة الإلهية على هذه الأرض، ويتحقق من خلالها إعمار الكون برمته، ويظهر جمال الخالق في خلقه، على ما تعطيه آية الخلافة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}([7])، وقوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}([8]).

ولما كان الإنسان بحسب جبلته مفطورًا على مجموعة من الغرائز والقوى، فإن ذلك سيؤدي إلى اختلاف الغرائز بين الناس قوة وضعفًا، وانطلاقًا وتقييدًا، مما يقتضي وجوب العمل على المحافظة على الكيان الإنساني العام، من خلال دفعها إلى الاعتدال، وملاحظة مصلحة الجماعة برمتها، وهنا تظهر أهمية الحاكم الإسلامي والدولة الإسلامية في تسيير هذه القوى المتنافرة بين الناس، بما يحفظ حقوق الجميع.

ولكن كل ذلك مرهون بعمل الإنسان نفسه، فبمقدار ما يعمل ويَجدّ فإنه يحصل في المقابل على أجر وعطاء، ولذلك لا محل للكسالى في النظام الاقتصادي الإسلامي.

ولكن هذا لا يعني شمول ذلك للعجزة والقصّر بما في ذلك المعيلون، الذين لا يقدر إنتاجهم على كفاية عوائلهم، وذوي الحاجات الخاصة، فإن هؤلاء مشمولون بالرعاية التامة من النظام الإسلامي، ولهم حصة في الناتج العام.

وفي هذا المجال يتبدّى مفهوم آخر في الإسلام، يميّزه عن المنظومتين الأخريين في نظرته إلى الإنسان، وهو البعد الإنساني المعنوي فيه، فقد حرص الإسلام على إشباع هذا الجانب لتسمو الحالة الروحية لدى هذا الكائن، فإنه مع ضمانه تأمين حاجات الناس، من خلال النظام الحاكم، ولكنه أكد على أن يقوم الناس أنفسهم بمساعدة الفقراء والمساكين من تلقاء أنفسهم، حيث جعل لهذه الفئة من الناس حقًا ثابتًا في عهدة الآخرين، هم ملزمون بأدائه إليهم، وامتناعهم عن أدائه بمثابة الغصب والسرقة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}([9]). وهذا يؤمّن بُعدًا معنويًا في هذا الكائن من خلال الحثّ على قيام الأفراد بذلك، سواء وجد النظام أم لم يٌوجَد، فسنّ قوانين الصدقات والضرائب، التي يتولاها المكلفون بأنفسهم كالكفارات، وهذا ما يفتقده كل من المنظومتين الاقتصاديتين، أعني الاشتراكية والرأسمالية.

وأما وسائل الإنتاج

فالأساس الذي تدور حوله المذاهب الاقتصادية بكافة أطرها هو المال، وقد حرص القرآن الكريم على بيان أهميته، حيث قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}([10])، فقد أكدت هذه الآية الشريفة أن المال هو أحد عنصري التجمّل والتزيّن في هذه الحياة، والعنصر الآخر هو الأبناء الذين يشكّلون استمرار النسل، وفي تقديم المال على البنين في الآية المباركة إشارة إلى مدى حرص الإنسان على جمعه فإنه {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}([11]).

ولكن مالية المال إنما تتحقق من خلال قابليته للتملك، من دون فرق بين المفردتين إلا من ناحية أن المال أخذ فيه عنوان السلعة القابلة للتملك بما لها من قيمة في نفسها، بخلاف التملك والملك فقد أخذ فيه عنوان التسلط على السلعة واستقرارها تحت يده، أي نظر إليها من جهة الإنسان المتملك لها.

إلا أن ذلك لا يعني استقلال الإنسان في الأموال وجمعها في المنظور الإسلامي، حيث أكد في مقام آخر أن المالك الحقيقي للمال هو الله تعالى، فقال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ([12]).

فملكية الإنسان للمال إنما هي ملكية توكيل واستخلاف، والوكيل المستخلَف (بالفتح) ملزم بالتصرف وفق ما يريده الموَكِّل والمستخلِف (بالكسر)، وهذا يعني أن على صاحب المال أن يبين الشروط التي على الوكيل أن يتحرك على أساسها، ولهذا نجد الفقهاء قد بيّنوا تفاصيل الأحكام التي أقرّتها الشريعة الإسلامية في مختلف مجالات التجارة والعقود والمعاملات، استنادًا إلى النصوص الدينية.

ولما كان الإنسان مفطورًا على حب التملك كغريزة متأصلة فيه كما تقدم، ولا يمكن سلب هذه الفطرة عنه، لأن ذلك بمثابة سلبه حب البقاء والحياة، كان لا بد من تنظيم هذه الغريزة في النصوص الإسلامية، ولأن الإسلام دين الفطرة، كان للبعد الأخلاقي موقع خاص ومهم في حركة الاقتصاد الإسلامي، لأن الناحية القانونية وحدها، ومن دون الأسس الأخلاقية، لا يمكنها أن تحكم حركة الإنسان في مختلف المجالات، ذلك أن الإنسان يمكنه أن يتهرّب من المشكلات القانونية التي تواجهه، من خلال التحايل عليها، والتخلّص من مفاعيلها. وهذا بخلاف القواعد الأخلاقية التي تنبع من صميم الذات، وتخضع لمحاكمة الضمير، وبهذا استطاع الإسلام أن يوحّد بين القواعد القانونية والقواعد الأخلاقية في البعد الاقتصادي كما في غيره من أبعاد الحياة الإنسانية، فكانت الرقابة داخلية وخارجية.

وبهذا تختلف الرؤية الإسلامية للاقتصاد عن المنظومتين الوضعيتين، الاشتراكية والرأسمالية.

من هذا المنطلق تأخذ عناوين الأمانة، وعدم الغش، والنصيحة، والتزام العهود، والانتظار في حال العسر، ومشروعية وسائل الإنتاج، وغير ذلك من العناوين التي ترتبط بحركة الاقتصاد، واقعًا عملانيًا، وحصانة ذاتية، في المنظومة الإسلامية للاقتصاد دون المنظومات الأخرى.

وأما الإنتاج

فتختلف نظرة الإسلام إليه أيضًا عن الاشتراكية والرأسمالية، حيث إن الاشتراكية تحصر عناصر الإنتاج في العمل مهما كان نوعه عقليًا أم يدويًا، بمعنى أنه ليس للعامل سوى أجره الذي يتقاضاه على عمله. والرأسمالية تفترض أن عناصر الإنتاج ثلاثة: العمل، ورأس المال، والطبيعة.

لكن الإسلام يرى أن الإنسان هو الأساس في حركة الإنتاج لكن لا بذاته، بل من خلال العمل الذي يؤديه، سواء كان العمل يدويًا أم عقليًا، ويعود إليه وحده نتيجة جهده وعمله.

ولقد وفّر الله تعالى للكائن الإنساني كثيرًا من الموارد الطبيعية، والتي يشترك فيها جميع أفراد الأمة، بمعنى أن منفعتها تعود إلى الجميع.

وأما رأس المال، بمعزل عن العمل والجهد، فليست له أية إنتاجية في نظر الإسلام، فإن المال لا يلد مالاً، ولهذا شدد الإسلام النكير على الإنتاج من دون جهد وعمل، أي على المعاملات الرَّبَوِيَّة، قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}([13])، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): [درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله الحرام]([14]).

ولما كان نظر الإسلام إلى الإنسان كوحدة متكاملة في جميع أبعاده وشؤونه، وأن الحاكم فيه هو طاعة الله تعالى والتزام أوامره ونواهيه، وشدّد على الاهتمام بالجانب المعنوي للإنسان الذي تتحقق به هويته الإنسانية، كان للبعد الأخلاقي المنطلق من علاقة الإنسان بربه حالة مهمة في المسألة الاقتصادية في المنظور الإسلامي، ولهذا أكد على حضور الله تعالى في كل معاملة، بل في كل حركة يتحركها هذا الكائن، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}([15]).

وكل ذلك لأن المسألة الاقتصادية في المنظور الإسلامي، كما غيرها من المسائل، مجرد وسيلة لتحقيق عمارة الأرض، التي هي غاية الخلق، والارتباط به تعالى، حيث يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}([16]).

فالاقتصاد في الإسلام ليس غاية بحد ذاته، وإنما هو وسيلة للرقي بالإنسان في مدارج الكمال كما أسلفنا.

وأما التوزيع

فإنه لما كان متفرعًا على الإنتاج، وتابعًا لنحو الملكية، فمن المنطقي أن تتفاوت فيه الرؤية الإسلامية عن كل من المنظومتين الرأسمالية والاشتراكية.

ففي حين أكدت الرأسمالية على الملكية الفردية، وجعلتها الأساس الوحيد في العملية الاقتصادية، بحيث أدّت إلى إطلاق يد الفرد من دون حدود ولا قيود، انعكس ذلك على التوزيع، فانتشر الفقر والعوز بين فئات المجتمع المختلفة، واستأثرت فئة قليلة منهم بالأموال والثروات، ما دام الكسب هو الميزان والملكية الفردية المطلقة العنان هي الأساس.

وأما الاشتراكية التي حرصت على إلغاء الملكية الخاصة، ونظرت إلى العمل كأساس أَوَّلي للدخل، الذي تهيمن عليه الدولة بشكل كامل، فقد أدّت إلى حرمان الأفراد من الكثير من الدخل الذي يمكن أن يحصلوه لو توجهوا إليه فعلاً، كما أدى إلى غياب الضمانات التي تجعل من الدخل العام عائدًا إلى المجتمع فعلاً، وهذا ما أدى إلى انتشار الكسل وعدم الاندفاع إلى العمل في المجتمعات الاشتراكية، وهو ما أدى في النهاية إلى انهيارها مبكرًا.

بينما نرى أن النظام الاقتصادي في الإسلام الذي لم يقتصر على نحو واحد من نَحوَي الملكية، بل عمل على تشريعهما معا ووضع أسسًا وضوابط لحمايتهما، وذلك استجابة لمقتضيات الفطرة والمصلحة الإنسانية العامة والخاصة، وانطلق من الحاجة في توزيع الثروات، وجعلها الأساس في الاقتصاد، بمعنى أن لكل فرد من أفراد المجتمع الحق الكامل في تأمين ضرورات حياته، لا يحق لأحد حرمانه منه، قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}([17])، وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}([18]). وقد وضع الإسلام نُظمًا وقوانين متكاملة لضمان هذا الحق وإيصاله إلى أصحابه، من الأخماس والزكوات والكفارات والصدقات وثروات الأرض.

فإذا تأمّنت الحاجة الأولية لجميع الأفراد بدأت دورة العمل والكسب وتحصيل الملكية المتاحة للجميع أيضًا، الأمر الذي يضمن للجميع حق المنافسة والعمل والكسب ضمن الضوابط والشروط الشرعية، التي لا تؤثر سلبًا على حركة المجتمع والأفراد على حد سواء.

الخلاصة

نستخلص مما تقدم أن الإسلام نظر إلى المسألة الاقتصادية على أنها جزءٌ من كلٍ، لا تقوم الحياة إلا به متكاملاً، بعدما انطلق من الإنسان ومصلحته وكماله، فقضى على مشكلة الفقر، وضَمِن الحياة الكريمة للجميع، ووضع الأسس التي تنسجم مع متطلبات الفطرة دون أن يقضي على الغرائز أو يكبتها، فأمكن للجميع أن يعيشوا مستوى الكفاف أولاً، ثم يسعون إلى الكسب والتملك بقدر ما يقدّمون من جهد وعمل، فكان الحل هو الوسط بين الإفراط والتفريط في مصالح الأفراد والجماعات.

وهذا بخلاف ما قامت عليه المدرستان الأخريان، الرأسمالية والاشتراكية، حيث أطلقت الرأسمالية العنان للغرائز عندما جعلت الحرية الفردية المطلقة هي الأساس في عجلة الاقتصاد دون قيد أو شرط، فأدّت إلى انتشار ظاهرة الفقر والبطالة، وانتشرت الطبقية في المجتمعات مما أدى إلى ذهاب الاستقرار في حياة الناس، وانتشر الاستعمار واغتصاب الثروات من المجتمعات النامية والفقيرة.

وأما الاشتراكية فقد وقفت على النقيض من الرأسمالية، حيث كبتت الغرائز وقضت على الملكية الفردية، فكانت مناقضة للفطرة الإنسانية، وماتت الدوافع الفردية في تطوير عجلة الاقتصاد مما انعكس بالضرورة سلبًا على هذه المنظومة، وأدى إلى سقوطها في أقل من قرن من الزمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
 

([1]) سورة: الملك، آية:15

([2]) الكافي ، الكليني ، ط4 1365هـ، دار الكتب ، طهران ، 2/234 ، باب المؤمن وعلاماته ، ح12 .

([3]) وسائل الشيعة (آل البيت) 16/345 ، باب23 من أبواب فعل المعروف ، ح9.

([4]) سورة الحديد، آية:7

([5]) سورة الطور، من الآية:21

([6]) بحار الأنوار : 22/465 ، أبواب ما يتعلق بارتحال النبي ’ ، ح18 .

([7]) سورة البقرة، آية:30.

([8]) سورة ص، من الآية: 26.

([9]) سورة المعارج، آية:24/25

([10]) سورة الكهف، آية: 46 .

([11]) سورة الفجر، آية: 20 .

([12]) سورة النور، من الآية: 33

([13]) سورة البقرة، من الآية: 275

([14]) ميزان الحكمة، ج4، ص48

([15]) سورة التوبة، من الآية: 106 .

([16]) سورة الذاريات، آية:56-58

([17]) سورة الذاريات، آية: 19.

([18]) سورة الإسراء، آية: 26 .

 

 

المفيد الثاني أبو علي الطوسي

ودوره في تأصيل مدرسة النجف الأشرف

د. حسن الحكيم

(جامعة الكوفة - النجف الأشرف)

مقدمة

كانت هجرة الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) إلى مدينة النجف الأشرف عام 448هـ، إيذانًا بانتقال الحوزة العلمية إلى واقع علمي ملحوظ، وإن المتتبع لسيرة الشيخ الطوسي ونشاطه العلمي يتلمس هذا الواقع من خلال نتاجه الفكري الكبير.

أسرة الشيخ الطوسي

وقد حافظت أسرة الشيخ الطوسي على استمرارية الحركة العلمية في مدينة النجف الأشرف، فقد كان ولده أبو علي الحسن بن محمد الطوسي، المتوفى بعد عام 515هـ، مرجع الإمامية بعد وفاة والده. وأما حفيده أبو نصر محمد بن الحسن (ت540هـ) فقد كانت الرحلة العلمية في منتصف القرن السادس الهجري تُشدُّ إليه، فأشارت إليه المصادر بأنه (عالم الشيعة وابن عالمهم)([1])، ويقول ابن شاكر الكتبي: ((رحلت طوائف الشيعة إليه، وحملوا عنه وكان ورعًا عالمًا، متألهًا، كثير الزهد، وبين عينيه كَرُكبة البعير من السجود، وكان يسترها))([2])، ويقول العماد الطبري: ((لو جازت الصلاة على غير النبي (ص) لصليت عليه))([3])، وكان للشيخ حمزة بن الحسن الطوسي (أخو الشيخ الطوسي) روايات ومصنفات([4])، كما أن بنتي الشيخ الطوسي كانتا عالمتين فاضلتين، وقد أجازهما العلماء، ولعل المجيز أخوهما أبو علي بن الشيخ الطوسي أو أبوهما([5])، وقد عُرفت هاتان البنتان بأنهما من حملة العلم وربات الإجازة، ومن أهل الدراية والرواية([6]).

المكانة العلمية للمترجم : الشيخ أبو علي الحسن الطوسي

ولكن الشيخ أبا علي الطوسي قد فاق أبناء الشيخ الطوسي وأحفاده وأعلام أسرته في العلم، حتى أنه لقّب بلقب (المفيد الثاني) ([7])، وذلك تمييزًا عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (ت413هـ) أستاذ أبيه الشيخ الطوسي، وأصبح الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الطوسي زعيم المدرسة النجفية، ومرجع الإمامية الأعلى، وقد سدّ الفراغ الذي أحدثته وفاة أبيه الشيخ الطوسي في الحوزة العلمية، وتولى الحفاظ على استمراريتها، وإليه كانت تنتهي أكثر الإجازات العلمية عند الشيعة([8])، وأصبحت النجف الأشرف في عصره مركزًا دينيًا كبيرًا، وجامعة من أكبر الجامعات الإسلامية على الرغم من سيطرة السلاجقة على السلطة، فقد حارب السلاجقة الفكر الإمامي وطاردوا الشيخ الطوسي الأب من بغداد إلى النجف الأشرف، بعد إحراق مكتبته الكبيرة وكرسي الكلام الذي كان يجلس عليه، ذلك الكرسي الذي كان لا يُعطى إلا لوحيد العصر في العلم([9])، ولم تثنِ الشيخ أبا علي الحسن الطوسي إجراءات السلطة السلجوقية فاستمر بإلقاء محاضراته في المرقد الحيدري الشريف بعد وفاة أبيه الشيخ الطوسي، وقد جُمعت محاضراته ومحاضرات أبيه في كتاب حمل اسم "الأمالي"، وسيأتي الكلام عليها.

وأشارت المصادر إلى مكانة الشيخ أبي علي الحسن الطوسي ورواياته عن أبيه الشيخ الطوسي، فيقول الشيخ الحر العاملي: ((كان عالمًا فاضلاً، فقيهًا محدثًا، جليلاً ثقة))([10]).

ويقول السيد الخوانساري: إن الأسانيد المتصلة إلى أصحاب المصنفات، المنقولة عن الشيخ أبي علي الطوسي، والشيخ أبي الوفاء عبد الجبار بن علي المقرئ عن شيخهما الشيخ الطوسي لها أهمية علمية([11])، وكان الشيخ أبو الوفاء الرازي، والشيخ أبو محمد الحسن بن الحسين بن بابويه، والشيخ أبو عبد الله محمد بن هبة الله الوراق الطرابلسي، قد قرأوا كتاب "التبيان في تفسير القرآن" على الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي([12])، وكان الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الطوسي شريك هؤلاء الأعلام في التلمذة على الشيخ الطوسي، وقد تفوّق عليهم في العلم، وقد أشار إليه ابن حجر بقوله: ((ثم صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي رضي الله عنه، سمع منه أبو الفضل بن عطاف، وهبه الله السفطي، ومحمد بن محمد النسفي، وهو في نفسه صدوق))([13]).

وقد أهّلته علميته إلى تبوءِ منصب المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بعد وفاة أبيه، وإن إطلاق لقب "المفيد الثاني" عليه يكشف عن عمق شخصيته العلمية والفكرية، فيقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: ((فإذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في أغلب الظن استطعنا أن نقدّر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكون))([14]).

تلامذته والراوون عنه

وقد تتلمذ عليه جمع من أعلام النجف الأشرف وروى عنه آخرون، من أمثال عماد الدين الطبري صاحب كتاب "بشارة المصطفى" الذي صرح بتلمذته عليه بقوله: (حدثنا، وأخبرنا، وأخبرني) وأطلق عليه لفظ (الشيخ الفقيه المفيد) و(الإمام المفيد) و(الشيخ المؤيد)([15])، وروى عنه الشيخ أبو الفتوح الرازي، والشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب "مجمع البيان في تفسير القرآن". وللشيخ مسعود بن علي الصوابي جوابات عن الشيخ أبي علي الحسن الطوسي، وكان يروي عنه([16])، وقرأ عليه الشيخ أردشير بن أبي الماجد بن أبي الفاخر الكابلي (الفقيه الثقة)، والشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طحال، وكان هذا الشيخ يلقي بحوثه في مشهد الإمام علي (عليه السلام) عام 520 هـ عن الشيخ أبي علي الطوسي، وروى عنه الشيخ أبو سليمان ظفر بن الداعي بن ظفر الحمداني القزويني([17]). وأورد السيد ابن طاووس خبرًا عن عربي بن مسافر عن إلياس بن هشام الحائري عن أبي علي الطوسي عن أبيه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، وقد أشار إلى ذلك في بحوثه التي ألقاها في داره الكائنة في الحائر الحسيني في منتصف شعبان 538هـ([18]).

وروى الشيخ الحسين بن رطبة عن الشيخ أبي علي الطوسي، عن خطه من كتاب "تهذيب الأحكام" للشيخ الطوسي([19]).

كتاب الأمالي

يقول الشيخ الطهراني: ((إن الأمالي هي من إملاء الشيخ عن ظهر قلبه، وعن كتابه، والغالب عليها ترتيبه على مجالس السماع، ولذا أطلق عليها لفظ "المجالس أو عرض المجالس"))([20]).

وتُعطي الأمالي صورة لانتظام الوضع الدراسي في مدينة النجف الأشرف، ويقول الأستاذ آدم متز: ((إن الإملاء فيما مضى من الزمان يعتبر أعلى مراتب التعليم))([21]). ونجد في كتاب "أمالي الشيخ الطوسي" نصوصًا تبتدئ بعبارة : (قال أبو علي الطوسي) بدءًا من عام 455هـ([22]). ويذهب السيد جعفر بحر العلوم إلى القول: ((إن للشيخ أبي علي الطوسي أمالي أخرى غير أمالي والده الشيخ الطوسي([23]) إضافة لكتابيه "شرح النهاية" و"المرشد إلى سبيل المتعبد")) ([24]).

وعلى أي حال فإن كتاب "الأمالي" الذي يحمل اسم "أمالي الشيخ الطوسي" مشترك بين أمالي الشيخ الطوسي التي ألقاها في المرقد الحيدري الشريف حتى عام 458هـ وبين ما أُلحق بها من أمالي ولده الشيخ أبي علي الحسن الطوسي حتى عام 509هـ([25])، وقد أشار السيد ابن طاووس إلى ذلك بقوله: إن الشيخ الطوسي أملى تمام السبعة والعشرين جزءًا على ولده الشيخ أبي علي الطوسي، وكلها بخط الشيخ حسين بن رطبة وغيره، وقد احتفظ بها السيد ابن طاووس، وذكر ابن رطبة: أن الشيخ أبا علي الطوسي قد تحدث في مشهد الإمام الحسين (عليه السلام) عام 490هـ، وقد سمع منه ولده([26]).

وكان الشيخ الكبير محمد باقر المجلسي (ت1111هـ) قد اعتمد على أمالي الشيخ أبي علي الحسن الطوسي بقوله: ((وكتاب المجالس الشهير بالأمالي للشيخ الجليل أبي علي الحسن بن شيخ الطائفة قدس الله روحهما))([27]).

ويبدو أن الشيخ أبا علي الطوسي بقي يواصل إلقاء محاضراته في المشهد الشريف العلوي حتى عام 515هـ، ويعتقد أنه توفي بعد هذا التاريخ كما يظهر من مواضع في كتاب "بشارة المصطفى" ([28]).

وقد استقى الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) نصوصًا من مجالس المفيد الثاني أبي علي الطوسي بإسنادٍ عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)([29]).

خاتمة : البعدان الزماني والمكاني للنجف الأشرف والشيخ الطوسي

وقد أوصل الشيخ أبو علي الطوسي رئاسة المدرسة النجفية بعد وفاته لولده الشيخ أبي نصر محمد بن الحسن (ت540هـ)، لذا أصبح زعيم الإمامية وفقيهها.

ويبدو أنه بعد وفاته لم تجد المدرسة النجفية من يملأ الفراغ العلمي، فبرز الشيخ فخر الدين أبو عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس العجلي الحلي (ت598هـ) على مسرح الحياة العلمية والفكرية في مدينة الحلة، وكان بروزه إيذانًا بانتعاش المدرسة الحلية في الوقت الذي كانت المدرسة النجفية تدار من قبل علماء من أسرة آل شهريار المصاهرة لأسرة الشيخ الطوسي، علمًا بأن الشيخ ابن إدريس الحلي والسيد رضي الدين علي بن طاووس يرتبطان برابطة نسب بالشيخ الطوسي من جهة أمهما، وتعطي هذه المصاهرة امتدادًا زمانيًا، وبعدًا مكانيًا لمدرسة الشيخ الطوسي، وأخذت بعد ذلك اتساعًا عالميًا، وما زال إشعاع مدرسة النجف الأشرف يغطي مساحة كبيرة من العالم الإسلامي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) ابن شاكر الكتبي: محمد (ت794هـ)، عيون التواريخ، تحقيق الدكتور فيصل السامر ونبيلة عبد المنعم داود، دار الحرية للطباعة، بغداد 1984م : 12/402، ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحي (ت1089هـ)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، مكتبة القدسي 1350- 1351هـ، 4/126.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) الطهراني: آغا بزرك محمد محسن (ت1389هـ)، طبقات أعلام الشيعة، القرن السادس، تحقيق علي نقي منزوي دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1392هـ/1973م، ص256.

([4]) محبوبة: جعفر الشيخ باقر، ماضي النجف وحاضرها، المطبعة العلمية، النجف الأشرف 1374هـ/1955م، 2/477.

([5]) الأفندي: عبد الله بن عيسى الأصفهاني : رياض العلماء، مخطوط مصور في مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف. رياض العلماء : 5/ورقة 149 ؛ الأمين: محسن الحسيني العاملي (ت1371هـ) : أعيان الشيعة، مطبعة الإنصاف بيروت 1979هـ/1960م، أعيان الشيعة : 6/ المجلد السابع ص113-114.

([6]) الطهراني: آغا بزرك محمد محسن (ت1389هـ)، مقدمة كتاب التبيان للشيخ الطوسي أو حياة الشيخ الطوسي، مطبعة النعمان/ النجف الأشرف، الطبعة الثانية 1385هـ.، ص (أذ).

([7]) الأفندي: رياض العلماء، م.س، 2/ورقة 136 ؛ ابن شهر آشوب: رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي السروي (ت588هـ)، معالم العلماء، مطبعة فردين، طهران 1353هـ، ص32 ؛ بحر العلوم: جعفر بن محمد باقر الطباطبائي ؛ تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، مطبعة الغري، النجف الأشرف 1354هـ : 1/201؛ النوري: محمد حسين الطبري (ت1320هـ)، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مطبعة دار الخلافة، طهران 1318- 1321هـ، 3/497.

([8]) المامقاني: عبد الله بن محمد حسن (ت1351هـ)، تنقيح المقال في أحوال الرجال، المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف 1350- 1352هـ، 1/306 ؛ البروجردي: حسين الطباطبائي، نخبة المقال في علم الرجال، مطبعة بيروز، إيران 1313هـ، 1/105.

([9]) البحراني: يوسف بن احمد (ت1186هـ): لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، مطبعة النعمان، النجف الأشرف: ص293-194.

([10]) الحر العاملي: أمل الآمل، م.س : 2/76.

([11]) الأفندي: رياض العلماء، م.س : 2/ورقة 136.

([12]) ابن حجر: شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ت852هـ)، لسان الميزان، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى 1331هـ : 2/250.

([13]) الصدر: محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول مطبعة النعمان، النجف الأشرف 1385هـ، ص65.

([14]) الصدر: المعالم الجديدة للأصول، م.س، ص65.

([15]) عماد الدين الطبري: عماد الدين أبو جعفر محمد بن محمد بن علي، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الطبعة الثانية 1383هـ/1963م، ص3، ص10، ص22 وغيرها.

([16]) الطهراني: الذريعة، م.س، 5/212.

([17]) منتجب الدين: علي بن عبيد الله بن الحسن، الفهرست، طبع مع كتاب (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي، الجزء (105): بحار الأنوار 105/221 (241، الطهراني: طبقات أعلام الشيعة، القرن السادس، م.س، ص17، ص74 ؛ الخوئي: أبو القاسم الموسوي. معجم رجال الحديث، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، الطبعة الأولى 1390هـ/1970م : 5/194، 6/113.

([18]) الطهراني: طبقات أعلام الشيعة، القرن السادس، م.س، ص24.

([19]) ابن طاووس: غياث الدين عبد الكريم (ت693هـ). فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف 1368هـ، ص74.

([20]) الطهراني: آغا بزرك محمد محسن (ت1389هـ)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، مطبعة الغري، النجف الأشرف 1355هـ/1936م، 2/306.

([21]) آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1377هـ/1957م : 1/316.

([22]) الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن (ت460هـ). الأمالي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف 1384هـ/1964م، 1/150.

([23]) بحر العلوم: تحفة العالم، م، س : 1/201.

([24]) ابن شهر آشوب: معالم العلماء، م.س، ص32 ؛ الحر العاملي: محمد بن الحسن (ت1104هـ)، أمل الآمل، تحقيق السيد أحمد الحسيني، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، الطبعة الأولى المحققة 1385هـ : 2/76 ؛ الكنتوري: أعجاز حسين النيسابوري (ت1286هـ)، كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار، مطبعة بيتس مشن، كلكتا 1330هـ، ص357.

([25]) الطهراني: الذريعة، م.س، 3/109.

([26]) الخوانساري: محمد باقر الموسوي. روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات تحقيق أسد الله إسماعيليان، المطبعة الحيدرية، طهران 1390هـ : 3/30.

([27]) المجلسي: محمد باقر محمد تقي (ت1111هـ)، بحار الأنوار دار الكتب الإسلامية، طهران 1386هـ، 1/5.

([28]) النوري: مستدرك الوسائل، م.س، 3/97 ؛ الطهراني: طبقات أعلام الشيعة، القرن السادس، م.س، ص67.

([29]) الأنصاري: مرتضى (ت1281هـ): المكاسب، تحقيق السيد محمد كلانتر، مطبعة الآداب،النجف الأشرف، الطبعة الأولى المحققة 1397هـ : 4/99.

 

 

 

الشاعرة الهندية

"كمالا ثريا"

من البوذية إلى الإسلام

د. حسن جعفر نور الدين

من منطقة الملبار بولاية كيرالا الهندية إلى دبي عاصمة دولة الإمارات العربية، مسافة قطعتها "كمالا داس" من البوذية والهندوسية إلى الإسلام، من آسيا البوذية إلى آسيا الإسلامية قَرابةُ قيم ومبادئ، عرفناها مع طاغور الذي يلتقي مع الإسلام في كثير من قِيَمه المثلى التي عاشها، ومع غاندي الذي تعلّم من الحسين × كيف يكون مظلومًا فينتصر، من آسيا البوذية والهندوسية التي ساندت قضايانا المحقة في نضالنا ضد الاستعمار والصهيونية في الخمسينات والستينات، إلى آسيا الإسلامية حيث التقى بحر العرب مع بحر الهند في أواصر صداقة ابتدأت عميقًا مع رحلات الصيف والشتاء مطلع الدعوة النبوية، من الماضي إلى الحاضر، تتلألأ أنوار الإسلام في قارة تواجه اليوم أطماع الأمبريالية العالمية كما نواجه نحن تمامًا.

في تلك القارة الهندية النائية، وفي قرية "بونا يوركولام" في منطقة "الملبار" بولاية كيرالا الهندية، وُلدت الشاعرة والأديبة العالمية المحبوبة كما ينعتونها "كمالا ثريا" قي 31 آذار 1934م، في عائلة ميسورة الحال ذات ثروة أدبية، تدعى "نالاباتو"، ابنة السيد "في يم نايار" محرر جريدة محلية معروفة، والسيدة "بالامانياما" الشاعرة الماليامية المشهورة. تزوجت في الخامسة عشرة، وهي تتكلم الماليامية لغة ولاية كيرالا.

إبداعاتها

أحبّت "كمالا" الشعر والأدب في سن مبكرة، ومالت إليهما بتشجيع من عمّها "نالابات مينون" وكان كاتبًا معروفًا، وفي سنتها الثامنة قرأت الترجمة الماليامية لرواية البؤساء لفيكتور هوغو، بعد أن نقلها عمّها من الفرنسية، كما تأثرت بشاعرية أمّها "نالابات بالامانياما" وكانت شاعرة معروفة، وكان الأدباء والشعراء يجتمعون في منزلها، وقد أسهم هذا الجو الأدبي وحبّ جدّتها التي كانت تقصُّ عليها قصصًا كثيرة في صقل موهبة "كمالا" ونضج إمكاناتها، وكانت تدعى "آمي" بين المحبين والأصدقاء.

برعت "كمالا داس" بنظم الشعر وكتابة القصة، وتميّز أسلوبها بالصدق والعفوية، وقد آثرت كتابة الشعر باللغة الإنكليزية، والقصص الصغيرة بلغتها الأم (الماليالم). وتناولت مؤلفاتها قضايا المرأة، مما أثار ضدها سيلاً من الانتقادات من المجتمع التقليدي، بينما يصفها كثير من النقّاد برائدة الشعر النسائي في الهند، وحملت نصوصُها أيضًا أصواتَ الفقراء ومعاناتهم، ووقفت إلى جانبهم ودافعت عن حقوقهم.

كتبت "كمالا" قصائدها ونصوصها تحت ثلاثة أسماء وتوقيعات، كتبت باسم "كمالا داس" باللغة الإنكليزية، ثم استعارت اسم "مادوي كوتي" للنصوص الماليامية، وبعد إسلامها كتبت باسم "كمالا ثريا" في الإنكليزية والماليالم.

من نتاجها في القصة كتاب "قصتي"، وقد ترجم إلى خمس عشرة لغة، ونظمت في الماليالم ديوانًا بعنوان (يا ألله) و(يا محمد) وذلك بعد اعتناقها الإسلام، وقد تَرجم "كليم أحمد" -أحد الشعراء الهنود- قصائد منه إلى الإنكليزية، ثم تَرجم المقطوعات الثلاث الأولى إلى العربية الشاعر والمترجم الإماراتي الدكتور "شهاب غانم"، كما تَرجم لها قصيدتها التأملية (موازي الحياة الغامض)، وتعبّر الشاعرة في هذه القصيدة عن سؤالها حول الموت والحياة، ولها ديوان "امرأة ضائعة"، وديوان "الروح وحدها تعرف كيف تُغنّي" باللغة الإنكليزية، وقد أصدرته سنة 1996م،.

ولنشاطها الأدبي وسيرتها المعروفة حضور في العالم العربي، فقد كرّمت "جمعية دبي" الشاعرة سنة 1996م مع مجموعة من الشعراء منهم "شهاب غانم" وهو شاعر ومترجم إماراتي، ترجم إلى اللغة العربية كثيرًا من نتاج كمالا الشعري، والشاعر الهندي "يوسف علي" الذي أغنى الأفلام الهندية بكلمات الأغاني، وقد رُشّحت "كمالا ثريا" لجائزة نوبل للآداب سنة 1984م مع الأدباء العالميين "مارغريت يورسنار" و "دوريس ليسينج" و"نادين غورديمر"، كما أنها تلقّت العديد من الجوائز، منها: جائزة الشعر الآسيوية، وجائزة كينز الإنكليزية للكتاب من البلدان الآسيوية، وجائزةَ الآسيوية العالمية، وجائزةً أكاديميةً هنديةً للأدب، وجائزة أكاديمية كيرالا للأدب.

وإلى جانب كتابة الشعر والقصص والروايات برعت بالرسم أيضًا، وكانت تتنقل في آخر أيامها على كرسي متحرك، حيث أقامت مع أحد أبنائها في مدينة بوتا غربي الهند، وتوفيت هناك في نهاية شهر أيار سنة 2009م.

كمالا والإسلام

ذكرنا سابقًا أن الشاعرة الهندية "كمالا داس" نشأت في عائلة هندوسية، والهندوس -كما هو معلوم- من عُبّاد النار، ولهم معتقدات مثيرة، إذ يؤمنون بتعدد الآلهة ولا مكان عندهم لعقيدة التوحيد، و"برهما" عندهم هو الخالق، ولا اعتقاد عندهم بجنّة أو نار وإنما الأنفس تنتقل بالتناسخ من بدن إلى بدن، ثم إنهم يقدسون نهر الغانج والأبقار.

وقد نشأت كمالا في هذه البيئة وعاشت معتقدات قومها، وهي تتحدث بنفسها عما حدث لها وانتقلت من بوذيتها إلى حضن الإسلام الدافئ.

تذكر أنها قبل اعتناقها الدين الإسلامي بسبعة وعشرين عامًا، حدّثت زوجها في الأمر، وأفصحت له عن رغبتها بالدخول في الإسلام، وقد نصحها زوجها بالتريث وقراءة ما أمكنها من الكتب التي تتحدث عن الإسلام، كي تتكوّن لديها قناعة ذاتيّة ونفسيّة لهذا الأمر، فالقضية تحتاج إلى تبصّر وتروّ وانتظار، ثم عادت إلى الفكرة نفسها بعد فترة قصيرة، لكنها انتظرت ريثما يتزوج أولادها وتطمئن على أمورهم، سألتها صحيفة انكليزية تدعى "أوف أنديا" عن أول احتكاك حقيقي لها بالإسلام فقالت: [كان ذلك عندما تطوّعت لتعليم الأطفال العميان في إحدى الجمعيات، فأُرسل -والحديث لها- لي طفلان مسلمان، وكانت المواد الإسلامية من ضمن ما كان عليّ تعليمهما].

كان لدورها التعليمي في هذه الجمعية أثر كبير في ترسيخ قناعتها التي توّجتها في ما بعد -وتحديدًا سنة 1999م- باعتناقها الإسلام علنًا، وقد أثار هذا الإعلان ضجة كبرى في وطنها، كونها شخصية معروفة في الأوساط الهندية، كما أنها تعرّضت لتهديدات بالقتل.

وقد غيّرت الشاعرة اسمها عند اعتناقها الإسلام، وأصبح "كمالا ثريا" بعد أن كان "كمالا داس".

يروي الكاتب والشاعر الإماراتي الدكتور "شهاب غانم" شيئًا عن قصتها في مجلة العربي عدد 599، بعد مشاركتهما وتكريمهما سنة 1996م، من قبل جمعية "دبي كيرالي" في حفل أقيم في دبي، وقد كُرّم إلى جانبهما الشاعر الهندي يوسف، وتمّ التعارف بين الدكتور غانم والشاعرة الهندية، وتبادلا إهداء الكتب، وفي تلك الأمسية التي جمعتهما تكرّمت كمالا ثريا بترجمة إحدى قصائد غانم وقرأتها في الحفل، كما عمد الدكتور غانم إلى ترجمة بعض قصائدها من الإنكليزية إلى اللغة العربية، خاصة من ديوانها "الروح وحدها تعرف كيف تُغنّي"، كانت كمالا  ثريا آنذاك ترتدي عباءة سوداء، وقد سأل غانم عنها أول الأمر، فأكدوا له أنها هندوسية، والهندسيون كما هو معلوم يعبدون النار ويقدسون البقر، ويحرقون جثث موتاهم وينثرون رمادها في نهر الغانج الذي يقدسونه، ويتباركون بالغوص في مياهه، لأنهم يعتقدون أنه يدرّ عليهم البركة والفأل الحسن ويجلب التوفيق.

كان اعتناق كمالا للإسلام مخاطرة بالنسبة لها، لقد استفحلت الضجة حول عملها هذا، وتعرّضت لتهديدات بالقتل في وطنها، خاصة بعد ارتدائها الخمار، وقد أدّى ارتداؤها الخمار والحجاب -التزامًا بتعاليم الدين الإسلامي-، إلى انتشار ظاهرة لبس الخمار والحجاب في كيرالا، وانعكس ذلك على الحياة الاقتصادية، فازدهرت حوانيت ومحال عدة لبيع هذا النوع من الملبوسات.

من نتاجها الشعري

إن معظم القصائد التي نتصدّى لها في هذه الدراسة نظمتها الشاعرة بعد اعتناقها الإسلام، وقد ترجمت هذا الاعتناق قولاً وفعلاً وممارسة، كرّست رحلتها إلى هذا الدين الحنيف، رحلتها إلى الإيمان الحقيقي، بإصدارها ديوانًا نظمته بلغتها المحلية "الماليم" بعنوان "يا ألله"، وقد تَرجم "كليم أحمد" أحد الأدباء الهنود المقطوعات الأولى من الديوان إلى اللغة الإنكليزية، ثم تولى الدكتور شهاب غانم ترجمة ثلاث مقطوعات منها إلى اللغة العربية.

في هذه القصائد انخراط حقيقي وفعلي بالدين الإسلامي وتعاليمه السمحاء، وأوّلها مناجاة كمالا ثريا لله سبحانه وتعالى، وهي في أبيات قليلة تحدّد معنى الألوهية القائمة على أن الله واحدٌ أحد، لا شريك له ولا شبيه، بالإضافة إلى الحديث عن قدرة الله التي لا تحدها حدود، إنه المعبود وحده.

تمحو حدودَ الأرضِ والأبعادْ

فلا تحدُّك الديارُ والجبالُ والمهادْ

لكنني أحويكَ في قرارةِ الفؤادْ

فهل فؤادُ المرءِ عالمٌ بلا حدودْ

يا ربُّ من أنتَ وحدَكَ المعبودْ

إن ما أشارت إليه الشاعرة في هذه الأبيات إشارة إلى حقيقة أساسية في الدين الإسلامي، وهي قضية الإيمان المطلق بالله سبحانه وتعالى ووحدانيته، فهي تدركه في الموجودات في قرارة فؤادها، وهذا عائد ربما إلى تثقّفها بالقرآن الكريم، أو نتيجة تأملات بالكون والطبيعة واستخلاص العبر الدينية منها.

وتُناجي الشاعرة الله سبحانه في أداء شعري حنونٍ خاشعٍ متبتل، فالدين بكل ما فيه حرية وانطلاق إلى الأبعاد، وما هو بقيودٍ تحدُّ من حركة العقل والجسد:

يا أيها الذي ليس له حدودْ

يا رب يا أللهُ يا معبودْ

فلا قشور الدين أو أصدافه قيودْ

إذ أنت غاية الغايات في الوجودْ

وهكذا أسعى إلى ضيائكَ المديدْ

وظلُّكَ الظليلِ والممدودْ

كيما أنال السَّعدَ والصفاءْ

وأُغمضَ العينين في المنام في هناءْ

وأصدافه قيود

إذ أنت غاية الغايات في الوجود

وهكذا أسعى إلى ضياك المددي

وظلك الزليل والممدودوها هي كمالا ثريا تؤكد مرة أخرى على وجود الخالق في كل زمان ومكان، فهو لا تحده الأزمنة والأمكنة، وهو المعبود الواحد الأحد الصمد.

والشاعرة مفعمة بالإيمان والخشوع، فهي تسعى إلى رضى الله وثوابه وعفوه وجنّته التي عرضُها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وواضح في هذه الأبيات تأثرها بآيات من القرآن الكريم في إشارتها إلى الظل الظليل الممدود وشمولية القدرة الإلهية الكون بأسره.

وتشكر الله في قصيدة أخرى على أن أنعم عليها بالإسلام، لقد أصبح الكون ملك يمينها، وتحصّنت بالإسلام الذي يحميها بِقَيمه ومبادئه حيث لن يجرؤ أحد بعد الآن على الطعن بها والنيل منها، فليست وحيدة في هذا العالم، معها حب الله ونوره، وهي وحدها تسمع تسبيحاته في ما خلق ، وتُنعم أذنيها وقلبها بألحان قوافيه الساحرة المخبئة في أعماق البحار.

لقد امتلكت بفضل معرفتها العميقة لله واعتناقها للإسلام (من دون أن تسميه هكذا في القصيدة) امتلكت مكونات الحياة السعيدة كلها، وأضحت تمتلك المعمورة وجمال الكون العظيم، وهي هناك هداها الله إلى محبته وهي تعبر فيافي الطبيعة وأنهارها لتصلي ضارعة إلى الله أن يهديها ويهبها نعمة الإيمان.

وهكذا تحققت أمنيتها عندما صلّت للرب الواحد الأحد هناك، وهطلت عليها أمطار الرحمة الإلهية عندما أشرق وجهها بابتسامة لم تعهدها من قبل:

لن يجرؤ أحد أن يرميكِ بالحجارة بعد الآن

لا تبقي على آلام الحسرة في صدركِ

الهدوء الساحرُ المخبأ في أعماقِ

البحار المضطربةْ

أصبح ملككِ منذ اليوم

اللونُ الناعمُ للغروب

حيث يلتقي اليومُ الآفلُ باليوم الوليدْ

أصبحَ مُلككِ منذُ اليومْ

لقد عبرتِ البراري والقفارْ

والتلال والأنهار

لتصلي هنا

وعندما أصبحتِ تحتَ الشجرةِ المزهرةْ

هطلتْ عليكِ الأمطار

ثم هطلت الأزهار

وأشرقَ وجهكِ بابتسامة مضيئة

وتقترب الشاعرة الهندية أكثر من الصوفيين، بل تزاحِمهم في هذا العشق للحضرة الإلهية، عبر مناجاة تحمل الكثير من المعاني، وهي تعبير عن الإيمان الحقيقي الذي تعيشه بفؤادها وجوارحها، لقد انتقلت من الضياع إلى الوعي، إلى التماس طريق الحق والرشاد، وهي لم تَعُد وحيدة، إنما هداها الله إلى الدين الذي يشعرها بالطمأنينة الروحية والقلبية.

في قصيدة "امرأة ضائعة"، تلامسُ كمالا ثريا حياةَ الصوفيين الروحية أمثال حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وعمر الخيام، وسواهم ممن حقنوا الشعرَ بتعاليم الصوفية وصورها الخالدة :

لستِ وحيدةً يا ثريا

إنَّ حُبَّ الله العميق مثل نور القمر الناعم

أنتِ وحدكِ تسمعين قوافي الألحان الصامته

مثلما البحارُ عند جَزْرِ التيار

لقد أغمي عليكِ عند الباب

وأنتِ تجاهدين لترتقي تلك الدرجات الشاهقة

بأقدامكِ الداميةِ الناعمهْ

بحثًا عن رضى الحافظ الذي ليس كمثله شيءْ

بهذه الروحية العالية تعيش كمالا حياتها الدينية المفعمة بالنبل والطاعة، وفي الحياة الروحية الدينية لا يصيبُ الإغماء إلا أولئك الذين يذوبون في الحضرة الإلهية ويتواصلون مباشرة مع الله عبر تجلياتهم ومناجاتهم الصوفية العميقة، وكمالا من هؤلاء الذين يجاهدون ليرتقوا درجاتِ الوعي الديني والاتصال الروحي بعزم وثبات بحثًا عن رضى الله الذي هو غايةُ الغايات لدى هؤلاء الذائبين في العشق الإلهي، وكمالا منهم.

لقد فتح الله قلبها وعينيها وروحها فرأت ما لا يراه الكثيرون، وهي في قمة التجلي تخاطب نبي الرحمة محمدًا بن عبد الله ’، ناشرة فيض قلبها المُضمّخ بعطر الحضرة الإلهية، عبر قصيدة محمدية عذبة عنوانها (يا محمد) ، تكرّس فيها خطها الإسلامي وعمق تعلّقها بهذا الدين الحنيف عن قناعة ورضى، مؤكدة روحها الإسلامي الجديد، إنه خاتم الرسل، والفجر الذي أشرق لينير الليالي الحالكات، وحمل راية الجهاد في سبيل الحق، إنه الأمل الذي حوّل الجزيرة العربية من الجهل إلى العلم ومن التخلف إلى الرقي والتقدم:

يا محمد، عليك أفضلُ السلامْ

يا أيها الفجر الذي قد شعَّ كالذهبْ

ليبهرَ الليالي الحالكاتِ في جزيرةِ العربْ

يا آخرَ الرّسلْ ، يا من حملت راية الجهاد للحقِ

والإخلاص والأملْ

وتأسف الشاعرة لأنها لم تكن في العصر الذي كان فيه الرسول ’، لأنه لم يتسنَّ لها أن تُنعم عينيها وقلبها برؤية وجهه الساطع المبين، وتلامس الشاعرة هنا شيئًا من نزعات الصوفيين الذين يذوبون في العشق الإلهي:

نسمعُ عن ضياءِ وجهك المبينْ

يا من تجلُّه الأجيالُ والقرونْ

إنّا نُعِدُّ هاهنا لأجلكَ الباقاتْ

ناضرةً بالحبِّ والدعاء والصلاةْ

ثم تشير الشاعرة إلى أن الرسول ’ هبط على الناس رحمة وبركة كالمطر الغزير، ثم توقف منذ ذلك الوقت، كناية عن أن الرسول هو خاتم الرسل، غاب لكنما تبقى رسالته وتعاليمه وقرآنه، يبقى ذكره كالذهب كامنًا في كل حبة من الرمال:

أتيت فجأةً كالمطرِ الهطال

وقد توقَّفَ الهطولُ منذ تلكمُ الحقبْ

لكنما تبقى له ذِكرى من الذهبْ

في كل حبةٍ من الرمالْ

وتعبّر الشاعرة في قصيدة "موازي الحياة الغامض" عن موقفها من جدلية الحياة والموت، مصورة انعكاسهما على وجودها، في أداء وجداني عارم، وإشارات صوفية واضحة، تقول كمالا ثريا:

موازي الحياةِ الغامضُ هو الموتْ

كثيرًا ما أسألُ نفسي، هل ما أفعلُه هو الحياةُ أم الموتْ؟

يوجدُ شيءٌ من كليهما في كل حركهْ، سواءٌ كانت لعقلي أو جسدي

في حنجرتي يصارعُ الشهيقُ الزفيرْ

والمشَاهدُ التي أراها لا تسكنُ في الخارج بل في الداخلْ

هكذا تلامس الشاعرة فلسفة الوجود، وتأثير ما فيه على الكائنات، فكل ما نراه في الخارج ونتأثر به يخترق إحساسنا ودواخلنا، ويربط بين الإنسان وكل ما يحيط به في الوجود.

تلك هي "كمالا ثريا" الشاعرة الهندية التي هداها الله إلى الإسلام، فنفضت عن كاهلها عبء الوثنية، وغذَّت قلبها وفكرها بتعاليم السماء، وكرّست قلمها وإبداعها لخدمة الدين الذي جاء رحمة للعالمين، فاختارته عزًّا لها وخلاصًا من الضياع والعبثية، حيث نقلها من حياة القلق إلى عالم المثل والكرامة والإيمان.

 

 

 

رسالة الذهبي إلى ابن تيمية

أسرة المجلة

 

ورد في كتاب [تكملة الرد على نونية ابن القيم]، بقلم: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، تقديم لجنة من علماء الأزهر، المطبوع ملحقًا بكتاب [السيف الصقيل رد ابن زفيل]، من تأليف السبكي، المتوفى سنة 756، صفحة: 217-220، مكتبة زهران، ورد نص الرسالة التي كتبها الشيخ شمس الدين الذهبي إلى ابن تيمية، ونحن ننقلها بتمامها كما وردت في الكتاب المذكور ... قال الكوثري:

نص الرسالة ([1])

ولا تخلو قراءة هذا الخط من صعوبة على بعض القراء فإليك الرسالة بالحروف المعتادة مع عنوانها:

رسالة كتب بها الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية كتبتها([2]) من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة رحمه الله، وكتبها هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد بن العلائي، وهو كتبها من خط مرسلها الشيخ شمس الدين.

الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي. واحفظ عليَّ إيماني.

واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنّة وذهاب أهلها. واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء. واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات. آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتبًا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.

إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك !.

إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تذكروا موتاكم إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا).

بلى! أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جهاد.

بلى والله عرفوا خيرا كثيرا مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

يا رجل بالله عليك كف عنا فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام.

إياكم والغلوطات في الدين.

كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، ونهى عن كثرة السؤال وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)، وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلوب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب.

والله قد صرنا ضحكة في الوجود.

فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا!.

يا رجل قد بلعت (سموم) الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن.

واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر.

وآها لمجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

بلى عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة.

كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما.

بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها من أساس الضلال قد صارت هي محض السنّة وأساس التوحيد ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون.

وتعد النصارى مثلنا.

والله في القلوب شكوك.

إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد.

يا خيبة من اتبعك فإنه معرّض للزندقة والانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليًا شهوانيًا، لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه، وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه.

فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم؟! فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.

يا مسلم: أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك.

إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟!.

إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟!.

إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟!.

إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟!.

إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح -والله- بها أحاديث الصحيحين.

يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.

أما آن لك أن ترعوى؟!

أما حان لك أن تتوب وتنيب؟!

أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟!

بلى -والله- ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول: والبتة سكت.

فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟. وأعداؤك -والله- فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.

قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرًا (فرحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي)، فإني كثير العيوب غزير الذنوب.

الويل لي إن أنا لا أتوب، ووافضيحتي من علام الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وهنا انتهت صورة رسالة الذهبي إلى ابن تيمية وفيها عبر بالغة.

انتهى كلام الكوثري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش 

([1]) ورد في مصدر الرسالة هذه الحاشية: ((وقبل الرسالة لا بد من ذكر مقدمة هنا ليكون القارئ على بينة من أمر ابن تيمية، وهي أن ابن تيمية  هذا ولد بحران ببيت علم من الحنابلة، وقد أتى به والده الشيخ عبد الحليم مع ذويه من هناك إلى الشام خوفًا من المغول، وكان أبوه رجلا هادئا، أكرمه علماء الشام ورجال الحكومة، حتى ولوه عدة وظائف علمية مساعدة له، وبعد أن مات والده ولوا ابن تيمية هذا وظائف والده، بل حضروا درسه تشجيعا له على المضي في وظائف والده، وأثنوا عليه خيرا كما هو شأنهم مع كل ناشئ حقيق بالرعاية. وعطفهم هذا كان ناشئا من مهاجرة ذويه من وجه المغول يصحبهم أحد بني العباس -وهو الذي تولى الخلافة بمصر فيما بعد-، ومن وفاة والده بدون مال ولا تراث، بحيث لو عين الآخرون في وظائفه للقي عياله البؤس والشقاء، وكان في جملة المثنين عليه التاج الفزاري المعروف بالفركاح، وابنه البرهان، والجلال القزيني، والكمال الزملكاني، ومحمد بن الجريري الأنصاري، والعلا القونوي وغيرهم، لكن ثناء هؤلاء غر ابن تيمية -ولم ينتبه إلى الباعث على ثنائهم- فبدأ يذيع بدعا بين حين وآخر وأهل العلم يتسامحون معه في الأوائل، باعتبار أن تلك الكلمات ربما تكون فلتات لا ينطوي هو عليها، لكن خاب ظنهم وعلموا أنه فاتن بالمعنى الصحيح، فتخلوا عنه واحدا إثر واحد على توالي فتنه، كما سبق. والذهبي كان من أشياعه ومتابعيه إلا في مسائل، لكنه لما وجد أن فتنه تأخذ كل مآخذ، ولم يبق معه سوى مقلدة الحشوية والمنخدعين به وهم شباب بدأ يسعى في تهدئة الفتنة، مرة يكتب إلى أضداده لأجل أن يخففوا لهجتهم معه كما فعل مع السبكي على رواية ابن رجب ولم نطلع على غير صدر الجواب على تقدير صحة ذلك الصدر- ومرة يكتب هذه الرسالة إلى ابن تيمية نفسه)).

([2]) والكاتب هو التقي ابن قاضي شهبة .

 

115%