رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

صدف أنه لمّا حان موعد كتابة الإفتتاحية للعدد الحالي من المجلة، كنت مستغرقًا في قراءة فصل عنوانه [ديغول أحبَّ القلم حبَّه لحدِّ السيف] من كتاب [نوافذ على الشرق والغرب] للمحامي الأديب جوزيف باسيلا.

وهو فصل وجدته كثير الفائدة شديد الإمتاع، والمقام لا يسمح بقول أكثر من ذلك، ولكنني أحببت أن أنقل للقارئ الكريم فقرتين من هذا الفصل تهمّان واقعنا، علَّهما تبثان فيه بعض خيوط ضوء أو انعكاسات نور.

أولاهما قوله: [الساسة الذين سحرهم الأدب كثيرون، والأدباء الذين أغوتهم السياسة كثيرون، أما الذين وفِّقوا إلى التفوّق في السياسة والأدب فقليلون جدًا. الآداب العالمية لم تدوِّن إلا أسماء ديموستين، ويوليوس قيصر، وشيشرون، وبعض النقاد وضعوا تشرشل في مرتبة هؤلاء.

والأدب العربي ليس له من فارس في هذه الحلبة سوى علي.

أما الأدب الفرنسي فقد عرف رجال دولة وساسة أدباء عدة: الكاردينال ده ريتز، ونابليون، وشاتوبريان، ولامارتين، وباريس، وهريو، وبلوم، وديغول...].

وأما ثانيتهما فهي قول ديغول: [إنَّ الثقافة العامة هي المدرسة الحقيقيّة للقيادة. فيها يتاح للفكر أن يتمرّن بانتظام وأن يميِّز ما هو رئيسي في الأمور وما هو ثانوي، وأن يتبيَّن الامتدادات من التداخلات. بكلمة واحدة فيها يتاح له أن يرتفع إلى المستوى الذي تبدو له عليه المجملات دون أن تغيب عنه الدقائق. وما من قائد عظيم لم يتذوق ولم يَحِنّ إلى تراث الفكر البشري الخالد (...) فوراء انتصارات الإسكندر نجد دومًا أرسطو].

فمتى يرتفع سياسيونا إلى هذا المستوى؟!!!

 

 

 

 

مناظرة الإمام الرضا (عليه السلام)

مع أهل الأديان وأصحاب المقالات(1)

قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) : باب ذكر مجلس الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) مع أهل الأديان وأصحاب المقالات، مثل: الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وما كلّم به عمران الصابئ في التوحيد عند المأمون.

حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي ثم الإيلاقي رضي الله عنه، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي، قال: حدثني أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجي، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي، يقول:

لما قدم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى المأمون، أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات، مثل الجاثليق([1])، ورأس الجالوت([2])، ورؤساء الصابئين([3])، والهربذ الأكبر([4])، وأصحاب زردهشت([5])، وقسطاس الرومي([6])، والمتكلمين، ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم أعلم المأمون باجتماعهم، فقال: أدخلهم عليَّ، ففعل، فرحب بهم المأمون، ثم قال لهم: إني إنما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليَّ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليَّ ولا يتخلف منكم أحد.

فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، إذ دخل علينا ياسر الخادم، وكان يتولى أمر أبي الحسن (عليه السلام)، فقال: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام فيقول: فداك أخوك، إنه اجتمع إليَّ أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل، فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم([7]) وإن كرهت كلامهم فلا تتجشم([8])، وإن أحببت أن نصير إليك خفّ ذلك علينا.

فقال أبو الحسن (عليه السلام): أبلغه السلام، وقل له: قد علمت ما أردت، وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا، ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقّة العراقي غير غليظة([9]) فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟

فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان وبئس والله ما بنى.

فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟

قلت: إن أصحاب البدع والكلام خلاف العلماء، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، وإن احتججت عليهم أن الله واحد قالوا: صحّح وحدانيته، وإن قلت: إن محمدًا (صلى الله عليه وآله) رسول الله قالوا: أثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته، ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك.

قال: فتبسم (عليه السلام)، ثم قال: يا نوفلي أتخاف أن يقطعوا عليّ حجتي؟([10]).

قلت: لا والله ما خفت عليك قط، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله.

فقال لي: يا نوفلي أتحبّ أن تعلم متى يندم المأمون؟.

قلت: نعم.

قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته، وترك مقالته ورجع إلى قولي، علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحِقٍ له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمك ينتظرك، وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟

فقال له الرضا (عليه السلام): تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم توضأ (عليه السلام) وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاصّ بأهله ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين، والقوّاد حضور، فلما دخل الرضا (عليه السلام) قام المأمون وقام محمد بن جعفر وقام جميع بني هاشم، فما زالوا وقوفًا والرضا (عليه السلام) جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدّثه ساعة.

مع الجاثليق

ثم التفت إلى الجاثليق، فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من وِلد فاطمة بنت نبينا، وابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) فأحب أن تكلمه وتحاجّه وتنصفه.

فقال الجاثليق، يا أمير المؤمنين كيف أحاجّ رجلاً يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره ونبي لا أؤمن به.

فقال له الرضا (عليه السلام): يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به؟!

قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ نعم والله أقرّ به على رغم أنفي.

فقال له الرضا (عليه السلام): سل عما بدا لك وافهم الجواب.

قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى (عليه السلام) وكتابه هل تنكر منهما شيئًا؟

قال الرضا (عليه السلام): أنا مقرّ بنبوة عيسى وكتابه وما بشّر به أمته، وأقرّ به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقرّ بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وبكتابه ولم يبشّر به أمته.

قال الجاثليق: أليس إنما تُقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال: بلى.

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوّة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.

قال الرضا (عليه السلام): الآن جئت بالنّصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم؟.

قال الجاثليق: ومن هذا العدل؟ سمِّه لي.

قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟

قال: بخٍ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح.

قال: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي وبشّرني به أنه يكون من بعده، فبشرت به الحواريين فآمنوا به؟!

قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشّر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيّه، ولم يلخص متى يكون ذلك ولم يسمِّ لنا القوم فنعرفهم.

قال الرضا (عليه السلام): فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل، فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟!

قال: سديدًا.

قال الرضا (عليه السلام) لقسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟

قال: ما أحفظني له، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: ألست تقرأ الإنجيل؟!

قال: بلى لعمري.

قال: فخذ عليّ السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته سلام الله عليهم فاشهدوا لي وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي، ثم قرأ (عليه السلام) السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وقف، ثم قال: يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟!

قال: نعم.

ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى بن مريم؟! فإن كذّبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذّبت عيسى وموسى (عليهما السلام) ، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك.

قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل وإني لمقرّ به.

قال الرضا (عليه السلام): اشهدوا على إقراره.

ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك.

قال الجاثليق: أخبرني عن حواريِّي عيسى بن مريم كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟

قال الرضا (عليه السلام): على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم وأعلمهم ألوقا([11]) وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج، ويوحنا بقرقيسيا، ويوحنا الديلمي بزجان([12]) وعنده كان ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر أهل بيته وأمته وهو الذي بشّر أمة عيسى وبني إسرائيل به.

ثم قال (عليه السلام): يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وما ننقم على عيساكم شيئًا إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته.

قال الجاثليق: أفسدت والله علمك وضعّفت أمرك، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الإسلام.

قال الرضا (عليه السلام): وكيف ذلك؟!

قال الجاثليق: من قولك: إن عيساكم كان ضعيفًا قليل الصيام قليل الصلاة، وما أفطر عيسى يومًا قط ولا نام بليلٍ قط. وما زال صائم الدهر، قائم الليل.

قال الرضا (عليه السلام): فلمن كان يصوم ويصلي؟!

قال: فخرس الجاثليق وانقطع.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني إني أسألك عن مسألة.

قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك.

قال الرضا (عليه السلام): ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عز وجل؟

قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قِبَلِ أن من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فهو رب مستحقٌ لأن يعبد([13]).

قال الرضا (عليه السلام): فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى([14]) مشى على الماء وأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فلم يتخذه أمته ربًا، ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حزقيل النبي (عليه السلام) ([15]) مثل ما صنع عيسى بن مريم (عليه السلام) فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة؟! اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عز وجل إليهم فأحياهم([16])، هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم([17]).

قال رأس الجالوت: قد سمعنا به و عرفناه.

قال: صدقت. ثم قال (عليه السلام): يا يهودي خذ عليَّ هذا السفر من التوراة، فتلا (عليه السلام) علينا من التوراة آياتٍ، فأقبل اليهودي يترجّح لقراءته ويتعجب([18]).

ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟!

قال: بل كانوا قبله.

قال الرضا (عليه السلام): لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يحييَ لهم موتاهم، فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: اذهب إلى الجبانة فنادِ بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك يا فلان ويا فلان ويا فلان يقول لكم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا بإذن الله عز وجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمدًا قد بعث نبيًا، وقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه و الأبرص والمجانين، وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين ولم نتخذه ربًا من دون الله عز وجل، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتخذتم عيسى ربًا جاز لكم أن تتخذوا اليسع وحزقيل ربًا لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى  وغيره.

وإن قومًا من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميمًا، فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجّب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله إليه أتحبّ أن أحييهم لك فتنذرهم؟

قال: نعم يا رب، فأوحى الله عز وجل إليه أن نادهم، فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم([19]).

ثم إبراهيم (عليه السلام) خليل الرحمن حين أخذ الطيور وقطعهن قطعًا ثم وضع على كل جبل منهن جزءًا ثم ناداهن فأقبلن سعيًا إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه والسبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيدًا، فقال: يا ربّ اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به، فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يُتخذ ربًا من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أربابًا، ما تقول يا نصراني؟!

قال الجاثليق: القول قولك ولا إله إلا الله.

ثم التفت (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل عليّ أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران (عليه السلام) هل تجد في التوراة مكتوبًا نبأ محمد وأمته: (إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبّحون الرب جدًا جدًا تسبيحًا جديدًا في الكنائس الجدد، فليفرغ بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم، فإن بأيديهم سيوفًا ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض)، هكذا هو في التوراة مكتوب؟!

قال رأس الجالوت: نعم إنا لنجده كذلك.

ثم قال: للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟

قال: أعرفه حرفًا حرفًا.

قال الرضا (عليه السلام) لهما: أتعرفان هذا من كلامه: (يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابسًا جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر)؟

فقالا: قد قال ذلك شعيا.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى: (إني ذاهب إلى ربي وربكم والفارقليطا جاءٍ([20]) هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسّر لكم كل شيء، وهو الذي يبدي فضائح الأمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر)؟

فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئًا مما في الإنجيل إلا ونحن مقرّون به.

فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتًا يا جاثليق؟!

قال: نعم.

قال الرضا (عليه السلام): يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه، ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟

قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يومًا واحدًا حتى وجدناه غضًا طريًا فأخرجه إلينا يوحنا ومتى.

فقال الرضا (عليه السلام): ما أقلّ معرفتك بسرّ الإنجيل وعلمائه، فإن كان كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل([21])؟ إنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم([22]) فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم (عليه السلام) وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟

فقال لهم ألوقا ومرقابوس: إن الإنجيل في صدورنا، ونحن نخرجه إليكم سفرًا سفرًا في كل أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تُخلوا الكنائس، فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرًا سفرًا حتى نجمعه لكم كله، فقعد ألوقا ومرقابوس([23]) ويوحنا ومتى ووضعوا لهم هذا الإنجيل بعدما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأولين، أعلمت ذلك؟

قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل([24]) وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيرًا من الفهم.

فقال له الرضا (عليه السلام): فكيف شهادة هؤلاء عندك؟

قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل وكل ما شهدوا به فهو حق.

فقال الرضا (عليه السلام) للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيرهم: اشهدوا عليه.

قالوا: قد شهدنا.

ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه هل تعلم أن متى قال: (إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن حضرون)([25])، وقال مرقابوس في نسبة عيسى بن مريم: (إنه كلمة الله أحلّها في جسد الآدمي فصارت إنسانًا)، وقال ألوقا: (إن عيسى ابن مريم وأمه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس)؟([26]) ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه: (حقًا أقول لكم يا معشر الحواريين: إنه لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها([27]) إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل)، فما تقول في هذا القول؟

قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره.

قال الرضا (عليه السلام): فما تقول في شهادة ألوقا ومرقابوس ومتّى على عيسى وما نسبوه إليه؟([28]).

قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.

قال الرضا (عليه السلام): يا قوم أليس قد زكّاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق؟!

فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين([29]) أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.

قال الرضا (عليه السلام): فإنا قد فعلنا، سلْ يا نصراني عما بدا لك.

قال الجاثليق: ليسألك غيري، فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.

مع رأس الجالوت

فالتفت الرضا (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟

قال: بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة أو من الإنجيل أو من زبور داود أو مما في صحف إبراهيم وموسى([30]).

فقال الرضا (عليه السلام): لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داود.

فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد؟

قال الرضا (عليه السلام): شهد بنبوته (صلى الله عليه وآله) موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفة الله عز وجل في الأرض.

فقال له: أثبت قول موسى بن عمران.

قال الرضا (عليه السلام): هل تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: (إنه سيأتيكم نبي هو من إخوتكم فبه فصدقوا، ومنه فاسمعوا)، فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير وِلد إسماعيل إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم (عليه السلام)؟

فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.

فقال له الرضا (عليه السلام): هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبي غير محمد (صلى الله عليه وآله)؟!

قال: لا.

قال الرضا (عليه السلام): أوليس قد صح هذا عندكم؟!

قال: نعم، ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة.

فقال له الرضا (عليه السلام): هل تنكر أن التوراة تقول لكم: (جاء النور من جبل طور سيناء، وأضاء لنا من جبل ساعير([31]) واستعلن علينا من جبل فاران)؟

قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها.

قال الرضا (عليه السلام): أنا أخبرك به، أما قوله: (جاء النور من جبل طور سيناء) فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى (عليه السلام) على جبل طور سيناء، وأما قوله: (وأضاء لنا من جبل ساعير) فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم (عليه السلام) وهو عليه، وأما قوله: (واستعلن علينا من جبل فاران) فذلك جبل من جبال مكة(عليه السلام) بينه وبينها يوم، وقال شعيا([32]) النبي (عليه السلام) فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة([33]): (رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، أحدهما راكب على حمار والآخر على جمل)، فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل؟!

قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبرني بهما.

قال (عليه السلام): أما راكب الحمار فعيسى بن مريم، وأما راكب الجمل فمحمد (صلى الله عليه وآله)، أتنكر هذا من التوراة؟!

قال: لا، ما أنكره.

ثم قال الرضا (عليه السلام): هل تعرف حيقوق النبي([34]).

قال: نعم إني به لعارف.

قال (عليه السلام): فإنه قال وكتابكم ينطق به: (جاء الله بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس) -يعني بالكتاب القرآن- أتعرف هذا وتؤمن به؟

قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق (عليه السلام) ولا ننكر قوله.

قال الرضا (عليه السلام): وقد قال داود في زبوره وأنت تقرأ: (اللهم ابعث مقيم السنّة([35]) بعد الفترة)، فهل تعرف نبيًا أقام السنّة بعد الفترة غير محمد (صلى الله عليه وآله)؟!

قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك عيسى، وأيامه هي الفترة.

قال الرضا (عليه السلام): جهلت، إن عيسى لم يخالف السنّة وقد كان موافقًا لسنّة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: (إن ابن البرة ذاهب والفارقليطا جاءٍ من بعده([36])، وهو الذي يخفّف الآصار، ويفسّر لكم كل شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل)، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟!

قال نعم، لا أنكره.

فقال له الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران.

فقال: سل.

قال: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟

قال اليهودي: إنه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله.

قال له: مثل ماذا؟

قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.

قال له الرضا (عليه السلام): صدقت، إذا كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟

قال: لا، لأن موسى لم يكن له نظير، لمكانه من ربه وقربه منه، ولا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به.

قال الرضا (عليه السلام): فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى (عليه السلام)، ولم يفلقوا البحر، ولم يفجّروا من الحجر اثنتي عشرة عينًا، ولم يخرجوا أيديهم بيضاء مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟!

قال له اليهودي: قد خبّرتك أنه متى جاؤوا على دعوى نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاؤوا بما لم يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم([37]).

قال الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم وقد كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله؟

قال رأس الجالوت: يقال: إنه فعل ذلك ولم نشهده.

قال له الرضا (عليه السلام): أرأيت ما جاء به موسى من الآيات، شاهدتَه؟! أليس إنما جاء في الأخبار به من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟!

قال: بلى.

قال: فكذلك أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدّقتم بموسى ولم تصدّقوا بعيسى؟! فلم يحر جوابًا.

قال الرضا (عليه السلام): وكذلك أمر محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيمًا فقيرًا راعيًا أجيرًا، لم يتعلم كتابًا، ولم يختلف إلى معلم، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء وأخبارهم حرفًا حرفًا، وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة لا تحصى.

قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد، ولا يجوز لنا أن نقرّ لهما بما لم يصح.

قال الرضا (عليه السلام): فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد (صلى الله عليه وآله) شاهد زور؟!([38]) فلم يحر جوابا.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1.*) هذه المقالة مأخوذة من كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (رحمه الله) باب 65 ح1، تحقيق وتعليق السيد هاشم الحسيني الطهراني، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، وقد أدرجنا فيها معظم الحواشي التي ذكرها محقّق الكتاب وحافظنا على المصطلحات التي اعتمد عليها في المقارنة بين النسخ، كما أضفنا بعض الحواشي الأخرى وأشرنا إلى ذلك في محله.

([1]) الجاثليق: صاحب مرتبة من المراتب الدينية النصرانية، وبعدها مراتب أسماؤها: مطران، أسقف، قسيس، شماس، وقبل الجاثليق مرتبة اسم صاحبها بطريق، والكلمات سريانية.

([2]) رأس الجالوت كأنه اسم لصاحب الرئاسة الدينية اليهودية، وكونه علمًا للشخص محتمل.

([3]) الأقوال في تفسير الصابئين كثيرة، قال في مجمع البحرين: وفي حديث الصادق (عليه السلام): سمّي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والشرائع وقالوا: كل ما جاؤوا به باطل، فجحدوا توحيد الله ونبوة الأنبياء ورسالة المرسلين ووصية الأوصياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول. ويظهر من مقالات عمران الصابي الآتي احتجاجه مع الرضا (عليه السلام) هذا التفسير.

([4]) الهربذ كالزبرج صاحب الرئاسة الدينية المجوسية، قال في أقرب الموارد: الهربذة قَوَمَة بيت النار للهند وهم البراهمة، وقيل: عظماء الهند، وقيل: علماؤهم، وقيل: خدم نار المجوس، الواحد (هربذ) فارسية.

([5]) أصحاب زردهشت فرقه من المجوس، وهو زردهشت بن يورشب، ظهر في زمان كشتاسب بن لهراسب، وأبوه كان من آذربيجان، وأمه من الري، واسمها دغدويه، كذا في الملل والنحل للشهرستاني، وأكثر المجوس اليوم بل كلهم ينتسبون إليه، وفي بعض النسخ: (زرهشت) بحذف الدال، وفي الملل والنحل وبعض المؤلفات: زردشت بحذف الهاء كما يتلفظ اليوم.

([6]) قسطاس بالقاف كما في الكتاب، وفي البحار وحاشية نسخة (ب): (نسطاس) بالنون، ونقل المجلسي (رحمه الله)  عن الفيروزآبادي: نِسطاس -بكسر النون- عَلَمٌ، وبالرومية: العالم بالطب.

([7]) (فرأيك) مبتدء و(في البكور علينا) خبره، أي أفرأيك يكون في البكور علينا، أو خبره محذوف أي فما رأيك - الخ.

([8]) في نسخة (ج): (وإن كرهت فلا تحتشم)، وفي نسخة (و) و (ن): (وإن كرهت ذلك فلا تتجشم).

([9]) الرقة في كل موضع يراد بها معنى، فيقال مثلا: رقة القلب ويراد بها الرحمة، ورقة الوجه ويراد بها الحياء، ورقّة الكلام ويراد عدم الفدفدة فيه، والظاهر أن مراده (عليه السلام) حيث أضاف الرقّة إلى الإنسان هو رقّة الجهة الإنسانية، وهي سرعة الفهم وجودته و إصابة الحدس وصفاء الذهن وعمق الفكر وحسن التفكر وكمال العقل، وغير غليظة خبر في اللفظ، وفي المعنى صفة مفيدة للكمال، أي للعراقي رقة رقيقة، كما يقال: ليل لائل أي كامل الاظلام، ونور نير أي كامل في النورية، وجمال جميل أي كامل في الجمالية، ولا يبعد أن يراد بها الروح، فإن للإنسان لطافة هي روحه وكثافة هي بدنه، أي روح العراقي غير غليظة لا تقف دون ما يرد عليه من المسائل بل تلج فيه وتخرج منه بسهولة وتكشف حق الأمر وحقيقة الحال.

([10]) في العيون (أفتخاف أن يقطعوا علي حجتي).

([11]) في الإنجيل الموجود اليوم: لوقا بدون الألف في أوله.

([12]) (أج) بألف ثم جيم: مجهول، وفي نسخة (ط) و (ج): بألف وخاء، و(أخا) بزيادة ألف في آخره: ناحية من نواحي البصرة، وقرقيسياء بقافين بينهما راء ساكنة ثم يائين بينهما سين مكسورة آخرها ألف مقصورة أو ممدودة: بلد عند مصب الخابور في الفرات، والخابور نهر يمر على أرض الجزيرة، و(زجان) بالزاي المعجمة والجيم والألف آخره نون. وفي البحار باب احتجاجات الرضا (عليه السلام) وفي نسخه (ب) و (د): بالراء المهملة مكان النون: كلاهما مجهول.

([13]) إنكاره يرجع إلى إذن الله، وكان عيسى بزعمه ربًا مستقلاً في ذلك.

([14]) في بعض التفاسير أن اليسع كان ابن عم إلياس النبي ونبيًا بعده على نبينا وآله وعليهما السلام.

([15]) هو الملقب بذي الكفل المدفون بقرية في طريق الكوفة إلى الحلة، وهي أرض بابل التي انصرف بخت نصر بسبايا بني إسرائيل إليها، وفيما اليوم بأيدي الناس، حزقيال.

([16]) حاصل القصة أن بخت نصر غزا بيت المقدس، فقتل بني إسرائيل بعضهم وأسر بعضهم، ثم اختار من الأسرى خمسة وثلاثين ألف رجل كلهم من الشباب، وأمرُ هؤلاء مذكور في قصص شباب بني إسرائيل، ثم نقلهم إلى بابل عاصمة مملكته، ثم ماتوا أو قتلوا في زمنه أو بعده، ثم أرسل الله عز وجل حزقيل إلى بابل فأحياهم بإذنه تعالى.

([17]) في كتاب حزقيال الموجود اليوم إشارة إلى ذلك، وإطلاق التوراة عليه مجاز، أو كان ذلك فيما أنزل على موسى إخبارًا عما سيقع.

([18]) يترجح بالحاء المهملة في آخرها من الأرجوحة أي يميل يمينًا وشمالاً، وفي نسخة (هـ): -بالجيمين- أي يضطرب.

([19]) المشهور بين المفسرين والمذكور في بعض الأخبار أن هذا النبي هو حزقيل ، ولا استبعاد في كون القصتين له.

([20]) في البحار وفي نسخة (ب) و (هـ): (البارقليطا) بالباء مكان الفاء.

([21]) في نسخة (ط) و (ن): (فإن كان كما زعمتم - الخ).

([22]) في نسخة (ب) و (د): (إنما وقع فيه الاختلاف وفي هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم).

([23]) في الإنجيل الذي اليوم بأيدي الناس: لوقا، مرقس.

([24]) في نسخة (ب): (وقد بان لي من فضلك وفضل علمك بالإنجيل). وفي نسخة (ه‍(: وقد بان لي من قصتك ورفع علمك بالإنجيل). وفي نسخة (ج): (وقد بان لي فضل علمك بالإنجيل). وفي نسخة (و) والعيون: (وقد بان لي من فضلك علمك بالإنجيل). وفي نسخة (د): (وقد بان لي من فضلك ومن أفضل علمك بالإنجيل).

([25]) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، وفي نسخة (ب) و (هـ): بالمعجمتين، وفي أول إنجيل متى الموجود اليوم: حصرون -بالمهملتين-.

([26]) في نسخة (و): (فدخل فيها روح القدس)، وفي نسخة (د): (فدخل عليهما روح القدس).

([27]) في البحار وفي نسخة (ن): (إلا من نزل منها).

([28]) ألزم (عليه السلام) الجاثليق بالتنافي بين قوله على عيسى (من أنه نزل من السماء وصعد إليها) وقولهم عليه (من أنه إنسان)، فإن الإنسان لم ينزل من السماء بل تكوّن في الأرض.

([29]) في (ط) و (ن): (يا أعلم المسلمين).

([30]) قبوله من الإنجيل غريب لأن الرجل يهودي كما يأتي ما يصرح به، لعله من اشتباه النساخ.

([31]) (وأضاء للناس من جبل ساعير) وكذا ما يأتي في التفسير.

([32]) فيما اليوم بأيدي الناس أشعيا بألف في أوله.

([33]) أي في الاسفار الملحقة بالتوراة، والا فشعيا متأخّر عن موسى (عليه السلام)، ولذا قال: فيما تقول أنت وأصحابك (التحرير نقلاً عن بحار الأنوار).

([34]) فيما اليوم بأيدي الناس (حبقوق) بالباء الموحدة بعد الحاء.

([35]) لعل المعنى أن ظاهر قوله: (مقيم السنّة) أنه يأتي بسنّة جديدة، وعيسى لم ينسخ شرعة التوراة، بل أحلّ لهم بعض الذي حرّم عليهم. (التحرير نقلاً عن بحار الأنوار)

([36]) في البحار والعيون وفي نسخة (هـ): (البارقلطا) بالباء الموحدة مكان الفاء.

([37]) قوله: (وجب تصديقهم) جواب لمتى جاؤوا، و(لو) وصلية بين الشرط والجزاء.

([38]) المراد بالشاهد شعيا وحيقوق وداود الذين مرت شهادتهم.

 

 

 

سَلامٌ على آلِ ياسين

السيد عباس السيد إبراهيم أبو الحسن

 

قال الله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} ([1]).

مقدمة:

اختلفت الآراء حول قوله تعالى {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}([2])، في قراءتها: فهل تُقرأ (آل ياسين) بمد الألف وكسر اللام مع إضافة (آل) إلى (ياسين)؟ أم تُقرأ (إِلْ ياسين) بكسر الألف وسكون اللام؟، كما اختُلِف في معناها على القراءتين، فهل المقصود من (آل ياسين ): (آل محمد) عليهم أفضل الصلاة والسلام؟، أم المراد غيرهم؟.

والذي دفعني إلى هذا البحث ما أثاره بعض المخالفين من نسبة تحريف القرآن إلى أحد خطباء الشيعة عند قراءته قوله تعالى "سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ" بمد الألف لا بكسرها.

فهرسة البحث

الأمر الأول: ذكر القراءات الواردة حول هذه الآية.

الأمر الثاني: ذكر الروايات الواردة في بيان المراد من هذه الآية.

الأمر الثالث: ذكر الآراء حول كلمة "إل ياسين" والمراد منها.

الأمر الرابع: كلام موجز حول كلمة "ياسين".

****

الأمر الأول: ذكر القراءات الواردة حول هذه الآية

ذكر الشيخ الطوسي([3]) القراءات الواردة حول هذه الآية فقال:

[قرأ نافع([4]) (وقراءة نافع يرويها ورش([5]) وقالون([6])) وابن عامر([7]) ويعقوب([8]): (سلام على آل ياسين) على إضافة (آل) إلى (ياسين).

وقرأ الباقون (وهم: عاصم بن بهدلة الكوفي، وأبو عمرو البصري، وحمزة الكوفي، وخلف بن هاشم البزار، ويزيد بن القعقاع): (على إلياسين) موصولة.

من أضاف أراد به: على آل محمد (عليهم السلام)، لأن (يس) اسم من أسماء محمد (صلى الله عليه وآله). وقال بعضهم: أراد آل إلياس (عليه السلام). وقال الجبائي: أراد أهل القرآن، ومن لم يُضف أراد إلياس.

وفي قراءة عبد الله بن كثير المكي([9]): (وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين)].

موجز حول مواطن القراءات

في القرون الثلاثة الأُوَل كانت القراءات السبع يُقرأ بها في الأمصار، ولكن كان الغالب على أهل المدينة قراءة نافع، وعلى أهل مكة قراءة ابن كثير، وعلى أهل الشام قراءة ابن عامر، وعلى أهل البصرة قراءة أبي عمرو ويعقوب، وعلى أهل الكوفة قراءة عاصم وحمزة.

قال مكي بن أبي طالب: [وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب]([10]).

أما في عصرنا الحالي فرواية ورش عن نافع هي الرواية المنتشرة في بلاد المغرب العربي (الجزائر والمغرب وموريتانيا)، وفي غرب إفريقيا (السنغال والنيجر ومالي ونيجيريا وغيرها) وإلى حد ما بعض نواحي مصر وليبيا وتشاد وجنوب وغرب تونس. وهي الرواية التي كان لَها الانتشار في القرون الأولى في مصر، ومنها انتشرت إلى تلك البلدان.

ورواية قالون عن نافع شائعة في ليبيا (القراءة الرسمية) وفي أكثر تونس.

وسأورد في نهاية البحث صورة للآية من المصحف الشريف برواية ورش.

حجية القراءات

من المهم هنا أن ننقل ما ذكره السيد الخوئي (قده) حول حجية القراءات لأهميته قال (قده): [وقع الخلاف في حكم القراءات، فذهب جمع من أهل السنّة إلى تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، وربما ينسب هذا القول إلى المشهور بينهم، ونُقل عن السبكي تواتر القراءات العشرة، ونُسب إلى مفتي البلاد الأندلسي أبي سعيد فرج ابن لب قوله: من قال إن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر.

والمعروف بين الشيعة أنها غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء السنّة.

قال ابن أبي هاشم: "إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وُجِّهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل. قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقّوه سماعًا عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط... فمن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قرّاء الأمصار".

وقال الزرقاني: "كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله، مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفًا من أن يؤدّي ذلك إلى التغيير فيه... ولكن الزمان تغيَّر -كما علمت- فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب، أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفًا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه"]([11]).

[ولكن الذي ينبغي قوله أنه ذهب الجمهور من علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكل واحدة من القراءات السبع في الصلاة، بل ادّعي على ذلك الإجماع في كلمات غير واحد منهم، وجوز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر، وقال بعضهم بجواز القراءة بكل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصحّ سندها، ولم يحصرها في عدد معين.

 والحقّ: أن الذي تقتضيه القاعدة الأولية، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)  أو من أحد أوصيائه المعصومين (عليهم السلام)، لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآنًا، وقد استقلّ العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة، وعلى ذلك فلا بد من تكرار الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة، لإحراز الامتثال القطعي، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة "مالك"، وقراءة "ملك". أما السورة التامة التي تجب قراءتها بعد الحمد -بناء على الأظهر- فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة، وإما التكرار على النحو المتقدم.

وأما بالنظر إلى ما ثبت قطعيًا من تقرير المعصومين (عليهم السلام) شيعتهم على القراءة، بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية كل واحدة منها. فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر، ولا أقل من نقله بالآحاد، بل ورد عنهم (عليهم السلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم: "إقرأ كما يقرأ الناس"([12]) "إقرؤا كما علمتم"([13]).

وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة، ولا موضوعة، أما الشاذة فمثالها قراءة "مَلَكَ يومَ الدين" بصيغة الماضي ونصب يوم، وأما الموضوعة فمثالها قراءة "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ" برفع كلمة الله ونصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة. وصفوة القول: أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت (عليهم السلام)]([14]).

فتاوى مراجع الشيعة أعلى الله مقامهم

- آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قده): الأحوط (استحبابًا) القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة (عليهم السلام) ([15]).

- آية الله العظمى السيد علي السيستاني: الأنسب أن تكون القراءة على طبق المتعارف من القراءات السبع، وإن كان الأقوى كفاية القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لها في حركة بنية أو إعراب، نعم لا يجوز التعدي عن القراءات التي كانت متداولة في عصر الأئمة (عليهم السلام) في ما يتعلق بالحروف والكلمات([16]).

- آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم: يتخير المكلف في القراءة بين القراءات المشهورة المتداولة في زمان الأئمة (عليهم السلام)، وإن كان الأولى اليوم القراءة على ما هو المثبت في المصاحف المشهورة بين المسلمين([17]).

فعلى ما تقدم يعلم جواز قراءة الآية بمد الألف كما قرأها من تقدم ذكره من القراء، كجواز قراءتها بالكسر تمامًا.

الأمر الثاني: الروايات الواردة في بيان المراد من هذه الآية

أ - الروايات الواردة في كتب علمائنا:

1- روى الصدوق في معاني الأخبار:

أ - بإسناده إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) في قوله عز وجل: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}، قال: ياسين محمد (صلى الله عليه وآله) ، ونحن آل ياسين([18]).

ب - وبإسناده إلى السندي، عن أبي مالك في قوله عز وجل: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}، قال: ياسين محمد (صلى الله عليه وآله) ([19]).

ج - وبإسناده إلى ابن عباس في قوله عز وجل: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}، قال: على آل محمد (صلى الله عليه وآله) ([20]).

د- وبإسناده إلى ابن عباس في قوله عز وجل: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} قال: السلام من رب العالمين على محمد وآله صلى الله عليه وعليهم، والسلامة لمن تولاهم في القيامة([21]).

هـ- وبإسناده إلى أبي عبد الرحمن السلمي أن عمر بن الخطاب كان يقرأ: سلام على آل ياسين. قال أبو عبد الرحمن السلمي: آل ياسين آل محمد (عليهم السلام) ([22]).

2- عن محمد بن العباس وفرات في تفسيريهما قالا: عن علي (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  اسمه (ياسين)، ونحن الذين قال الله: (سلام على آل ياسين)([23]).

3- عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) أنه قال في قول الله عز وجل "ياسين": يقول: يا محمد، وقوله "سلام على آل ياسين" قال: هم آلُ محمد (عليهم السلام)، أهلُ بيته([24]).

4- الشيخ المجلسي في البحار بإسناده إلى أبي جعفر محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج إليه توقيع من الناحية المقدسة -حرسها الله- بعد المسائل التي سألها: والصلاة والتوجّه أوله: بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة فما تغنِ الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى: سلام على آل ياسين، ذلك هو الفضل المبين، والله ذو الفضل العظيم، من يهديه صراطه المستقيم([25]).

5- الشيخ الصدوق في كتاب الأمالي -بسند معتبر- فيما احتج الرضا (عليه السلام) على علماء العامة في فضل العترة الطاهرة قال:

حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمد بن مسرور (رضي الله عنهما)، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: حضر الرضا ((عليه السلام)) مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان (إلى أن قال).... قال أبو الحسن ((عليه السلام)): نعم، أخبروني عن قول الله عز وجل: {يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، فمن عنى بقوله: (يس)؟

قالت العلماء: (يس) محمد (صلى الله عليه وآله)، لم يشك فيه أحد.

قال أبو الحسن (عليه السلام): فإنَّ الله أعطى محمدًا (صلى الله عليه وآله) وآل محمد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله، وذلك أن الله لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء (صلوات الله عليهم)، فقال تبارك وتعالى: {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}، وقال: {سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وقال: {سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}، ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل موسى ولا على آل إبراهيم، وقال: (سلام على آل ياسين)، يعني آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال المأمون: قد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه([26]).

بيان حال رجال السند

1 - محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي:

قال النجاشي: محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو جعفر، نزيل الري، شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدَث السن، وله كتب كثيرة... وقال الشيخ الطوسي: محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي: جليل القدر، يكنّى أبا جعفر، كان جليلاً، حافظًا للأحاديث، بصيرًا بالرجال، ناقدًا للأخبار، لم يُرَ في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف، وفهرست كتبه معروف...([27]).

2 - علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب:

من مشايخ الصدوق (قده)، ترضّى عليه.

3 - جعفر بن محمد بن مسرور:

من مشايخ الإجازة المباشرين للشيخ الصدوق، وقد ترضّى وترحم عليه مرارًا.

هذا وقد يقال بعدم وثاقته لأنه لم ينص أحد من القدماء على توثيقه. كما ذكر ذلك السيد الخوئي في معجم رجاله([28]).

"إلا أنه لا ينبغي الإشكال في وثاقته بعد كونه من مشايخ الإجازة، وبعد رواية الصدوق عنه في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، الذي صرح فيه بأنه لا يودع فيه إلا ما هو حجة بينه وبين الله تعالى.

وقد يقال: إن اعتماد الصدوق على توثيق بعض الرواة أو الوثوق بالرواية على بعض القرائن الإجتهادية الخفية فلا يمكننا الاعتماد عليه.

ويمكن الجواب عن ذلك بأن هذا وإن كان قريبًا، إلا أنه من البعيد جدًا من الصدوق الرواية في كتاب (الفقيه) بلا واسطة عمن يخفى عليه حاله ولا يكون ثقة، لا سيما مع ما هو المعروف من تحرّج الأصحاب في تلك العصور -ولا سيما القميين- من الرواية عن الضعفاء، بل في مقدمة (الفقيه) نرى الشيخ الصدوق يجلل مشايخه ويعظمهم"([29]).

أضف إلى ذلك أنه يُستبعد من الشيخ الصدوق أن يروي كتاب الريان بن الصلت بطريقين وكلا الطريقين ضعيف.

فإذًا هذه الرواية على مبنى السيد الخوئي (قده) ضعيفة السند، لأن جعفر بن محمد بن مسرور ضعيف الحال ولم يرد فيه توثيق أو مدح، وكذلك الكلام في علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، ولكن على مبنى القائلين بعدم الحاجة إلى توثيق مشايخ الإجازة فالرواية معتبرة، وهذا هو المشهور وعليه العمل عند معظم الفقهاء قدس الله أسرار الماضين منهم وحفظ الباقين.

4 - محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري:

قال النجاشي: "محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري، أبو جعفر القمي، كان ثقة، وجهًا، كاتَبَ صاحبَ الأمر (عليه السلام) وسأله مسائل في أبواب الشريعة، قال لنا أحمد بن الحسين: وقعت هذه المسائل التي في أصلها والتوقيعات بين السطور، وكان له إخوة: جعفر والحسين وأحمد، كلهم كان له مكاتبة"([30]).

وقال الشيخ الطوسي: "محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، له مصنفات وروايات أخبرنا بها جماعة، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أحمد بن هارون الفامي (القاضي) وجعفر بن الحسين، عنه. = صحيح"([31]).

5 - عبد الله بن جعفر الحميري:

"قال النجاشي: عبد الله بن جعفر بن الحسن بن مالك بن جامع الحميري، أبو العباس القمي، شيخ القميين ووجههم، قَدِمَ الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه فأكثروا.

وقال الشيخ الطوسي: عبد الله بن جعفر الحميري القمي، يكنّى أبا العباس، ثقة.."([32]).

6 - الريان بن الصلت:

"قال النجاشي: ريان بن الصلت الأشعري القمي، أبو علي، روى عن الرضا (عليه السلام)، كان ثقة صدوقًا. ذُكِرَ أن له كتابًا جمع فيه كلام الرضا (عليه السلام) في الفرق بين الآل والأمة. قال أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله رحمه الله: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن الريان ابن الصلت به. وقال رأيت في نسخة أخرى: الريان بن شبيب.

وقال الشيخ الطوسي: الريان بن الصلت، له كتاب أخبرنا به الشيخ المفيد والحسين بن عبيد الله، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه وحمزة بن محمد ومحمد بن علي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت.

وعدّه في رجاله من أصحاب الرضا (عليه السلام) قائلاً: الريان بن الصلت: بغدادي، ثقة، خراساني الأصل". ([33]).

هذا ما روي من طرق الإمامية حول هذه الآية.

يتبع =


ـــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة الصافات 123 إلى 131.

([2]) سورة الصافات آية 130.

([3]) في تفسيره التبيان ج8 ص523، بتصرف .

([4]) هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. قال ابن الجزري: "أحد القرّاء السبعة والأعلام، ثقة صالح، أصله من أصبهان". أخذ القراءة عرضًا عن جماعة من تابعي أهل المدينة. قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: "قراءة أهل المدينة سنّة، قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم". وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي أي القراءة أحبُّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة. قلت: فإن لم يكن، قال: عاصم". مات سنة 169. قال أبو طالب عن أحمد: "كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشيء ". وقال الدوري عن ابن معين: " ثقة ". وقال النسائي: " ليس به بأس ". وذكره ابن حيان في الثقات، وقال الساجي: " صدوق... اختلف فيه أحمد ويحيى، فقال أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى: ثقة". (البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص138 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007).

([5]) هو عثمان بن سعيد. قال ابن الجوزي: "انتهت إليه رئاسة القرّاء في الديار المصريّة في زمانه وله اختيار خالف فيه نافعًا، وكان ثقة حجة في القراءة ولد سنة 110 بمصر وتوفي فيها سنة 197". (البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 138 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007).

([6]) هو عيسى بن ميناء بن وردان، أبو موسى: مولى بني زهرة، يقال انه ربيب نافع، وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته فإن قالون باللغة الرومية جيد، قال عبد الله بن علي: "إنما يكلمه بذلك لأن قالون أصله من الروم كان جد جده عبد الله من سبي الروم" أخذ القراءة عرضًا عن نافع، قال ابن أبي حاتم " كان أصم يُقرئ القرآن ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة "، ولد سنة 120 وتوفي سنة 220 . (البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 138 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007).

([7]) هو عبد الله بن عامر الدمشقي، أبو عمران اليحصبي. قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب. قال الهيثم بن عمران: "كان عبد الله بن عامر رئيس أهل المسجد زمان الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه". وقال العجلي والنسائي: "ثقة". وقال أبو عمرو والداني: "ولي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء... اتخذه أهل الشام إمامًا في قراءته واختياره". وقال ابن الجزري: "وقد ورد في اسناده تسعة أقوال أصحها أنه قرأ على المغيرة". ونقل عن بعض أنه قال: "لا يُدرى على من قرأ". ولد سنة ثمان من الهجرة. وتوفي سنة 118. (البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص125 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده)، ط3- 2007).

([8]) هو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله، أبو محمد الحضرمي، مولاهم البصري (أي مولى الحضرميين). قال ابن الجزري: "أحد القراء العشرة". قال يعقوب: "قرأت على سلام في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شرنفة المجاشعي في خمسة أيام، وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب المحاربي في تسعة أيام، وقرأ مسلمة على أبي الأسود الدؤلي على علي (عليه السلام)". مات في ذي الحجة سنة 205، وله ثمان وثمانون سنة. قال أحمد وأبو حاتم: "صدوق". وذكره ابن حيان في الثقات. وقال ابن سعد: "ليس هو عندهم بذاك الثبت". (البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص143 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007).

 

([9]) هو عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان بن فيروزان بن هرمز المكي الداري، فارسي الأصل.

([10]) موقع الشيخ محمد الأمين، رسائل في علوم القرآن، أماكن انتشار القراءات وتواريخ انتشارها.

([11]) البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 164 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007.

([12]) الكافي 2/633 باب النوادر الحديث 23 منشورات الفجر، ط1 2007.

([13]) الكافي 2 /631 كتاب فضل القرآن باب النوادر الحديث 16 منشورات الفجر، ط1- 2007.

([14]) البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 166 مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قده) ط3- 2007.

([15]) منهاج الصالحين السيد الخوئي ج1 ص 165.

([16]) منهاج الصالحين السيد السيستاني ج1 ص209.

([17]) منهاج الصالحين السيد محمد سعيد الحكيم ج1 ص209.

([18]) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص122 ح2.

([19]) المصدر السابق ص122 ح3.

([20]) المصدر السابق ص122 ح4.

([21]) المصدر السابق ص122 ح1.

([22]) المصدر السابق الشيخ الصدوق ص122 ح8 .

([23]) كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر الأنصاري ص466 .

([24]) شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، ج2 ص344 .

([25]) بحار الأنوار العلامة المجلسي ج91 ص36 .

([26]) الامالي ص615 ح1.

([27]) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 17ص30.

([28]) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 5 ص 90.

([29]) ملخص كلام آية الله السيد محمد سعيد الحكيم في مصباح المنهاج، باب الاجتهاد والتقليد ص 242، مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية الطبعة الثانية.

([30]) رجال النجاشي ص 355.

([31]) الفهرست الشيخ الطوسي ص236 و332.

([32]) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 11 ص 148.

([33]) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 8 ص217 .

 

 

 

 

معنى التسليم في آية

{صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

السّيد حسين علي أبو الحسن

تمهيد

قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([1]).

في هذه الآية المباركة توكيد وتأكيد من الله تعالى على أنّه جلَّ شأنه وملائكته يصلّون على النّبيّ (صلى الله عليه وآله)، والّذي يستفاد من مجموع ما ورد في الأخبار أن معنى صلاة الله تعالى على النّبيّ الأعظم هو انعطافه عليه بالرّحمة والثّناء في دار الدّنيا والآخرة، وصلاة الملائكة انعطافهم عليه بالتّزكية والاستغفار، ثمّّ جاء أمر الله تعالى للمؤمنين بالصّلاة والتّسليم، ومعنى صلاتهم على النبي هو الدعاء له بالرحمة والبركة.

أما معنى التسليم في هذه الآية فهو مورد بحثنا، وسنعرضه ضمن أمرين:

الأمر الأول: معنى التسليم لغة

بعد مراجعة كتب اللغة، يتبين أن هذا اللفظ يحمل عدة معانٍ، أبرزها ما يلي:

أ - الانقياد :

نجد في كتب اللغة ما خلاصته أن السَّلم، والسِّلم، والإسلام، والاستسلام، والسلام، والتسليم: تأتي بمعنى الانقياد، سَلَمَ، وسلَّمَ، وأسلمَ، سلمًا وسلامًا وتسليمًا([2]).

فيكون معنى التسليم في الآية هو الانقياد والطاعة للنبي  (صلى الله عليه وآله) في جميع ما جاء به من الشرائع والأحكام، والتصديق بكل ما جاء به من العلوم والمعارف والحقائق.

ب - السلامة من الآفات والعيوب:

السّلام: اسم من أسماء الله تعالى، سُمّي به من حيث لا يلحقه العيوب والآفات التي تلحق الخلق، أو قل لسلامته من النّقص والعيب وآفات الغِيَر والفناء.

السَلم والسلامة: بمعنى التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة.

التّسليم: مشتق من السّلام -اسم الله تعالى- الذي بمعنى السلامة من العيب والنّقص، يقال: سلم ويسلمُ سلامًا وسلامةً وتسليمًا([3]).

وعليه: يكون معنى {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} -في الآية محلّ البحث-: نزهّوا النّبي  (صلى الله عليه وآله) عن كلّ عيب ونقص، وعن كل ما لا يليق بعلوّ مقامه ورفيع منزلته ودرجة عصمته، [وإن رسول الله  (صلى الله عليه وآله) كان مسددًا موفّقًا مؤيدًا بروح القدس، لا يزلّ ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق] ([4]).

فيكون قولنا: (السلام عليك يا رسول الله) اعترافًا منّا بعلوّ مقامه وتنزيهًا له باللسان، والإتيان به بصيغة الدعاء بمعنى تنزيل الفيض من العالم القدسي إلى نفس النبي  (صلى الله عليه وآله)، المكمّل إياها بتجريدها عن صفات النقص وآفات النفس، وتكميلها بالكمالات الربانيّة.

ج - المسالمة والتحيّة:

{قَالُواْ سَلاَماً}([5]) أي قالوا قولاً يتسلّمون فيه، ليس فيه تعدّ ولا مأثم، وكانت العرب في الجاهلية يحيّون بأن يقول أحدهم لصاحبه: أنعم صباحًا, أبيت اللعن، ويقولون: "سلام عليكم" كعلامة على المسالمة، وأنه لا حرب هنالك، ثم جاء الله بالإسلام، فاختصروا على السلام وأُمروا بإفشائه. وقولهم "سلام" أي أمري سلام، لا أريد غير السلامة. السلام: التحية، والسلام جمع سلامة. سلَّم يسلِّم سلامًا وسلامة وتسليمًا([6]).

فيكون معنى {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} -في الآية محلّ البحث-: تحيّة النبي وإظهار المسالمة له وأن المسلِّم عليه ليس محاربًا له  (صلى الله عليه وآله).

د - بذل الرضى بالحكم:

سلَّم ويسلِّم سلامًا وتسليمًا بمعنى بذل الرضا بالحكم، أي إظهار الرضا والموافقة، والثناء على ما صدر([7]).

فيكون معنى التسليم في الآية: التسليم له  (صلى الله عليه وآله) بمعنى بذل الرضا والموافقة على كل ما صدر عنه  (صلى الله عليه وآله).

الأمر الثاني: الترجيح بين هذه المعاني:

تبيَّن لدينا أن المعاني اللغوية الأربعة يصلح كلّ منها ليكون مرادًا من الآية الكريمة، بمعنى أنه يصح حمل الآية عليها دون أي مانع.

وفي مقام الترجيح بينها يمكن أن يُدَّعى أن المراد هو خصوص المعنى الأول، وذلك بدليلين.

الدليل الأول: دلالة الروايات عليه:

إن الروايات الواردة عن آل محمد (عليهم السلام) في تفسير هذه الآية قد دلَّت عليه.

منها: ما عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، قال (عليه السلام): الصلاة عليه، والتسليم له في كل شيء جاء به([8]).

ومنها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، قال (عليه السلام): لهذه الآية ظاهر وباطن، فالظاهر قوله: {صَلُّوا عَلَيْهِ}، والباطن قوله: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، أي سلّموا لمن وصّاه واستخلفه وفضّله عليكم وما عهد به إليه تسليمًا...([9]).

الدليل الثاني: القرآن يفسِّر بعضه بعضًا:

إن لفظ التسليم ورد في القرآن الكريم في موضعين آخرين:

الأول: في قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}([10]).

الثاني: في قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }([11]).

ولا يمكن حمله فيهما إلا على الانقياد. فيكون هذا قرينة على حمل التسليم في الآية مورد البحث على خصوص هذا المعنى، باعتبار أن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا.

دعاوى مطروحة على بساط البحث

وبناءً على ذلك: ذكر بعض المحققين([12]) بأن زيادة لفظ: (وسلَّم) في قولنا (صلى الله عليه وآله وسلَّم) غير صحيح، لأن نسبة الانقياد إلى النبي  (صلى الله عليه وآله) لا تصح في حق الله تعالى، والفرض بأن معنى التسليم المضاف إلى النبي منحصر في هذا المعنى، واستدل على ذلك بالدليلين المتقدمين، وأضاف إليهما دليلاً أو مؤيدًا آخر، ملخصه: إن الله تعالى لم يسلّم على النبي  (صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم، بل صلّى عليه فحسب.

ثم ادّعى بعد ذلك بأن لفظ: (وسلَّم) في قولنا: (صلى الله عليه وآله وسلَّم) إنما هي زيادة تسربت إلينا من المخالفين.

ونحن بعون الله سنناقش هاتين الدعويين في ضمن نقاط:

النقطة الأولى: إن ورود التسليم في القرآن بمعنى الانقياد في آية لا يمنع من كون المراد منها معنى آخر في آية أخرى، فإن التسليم في قوله تعالى: {...ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} واضح في دلالته على خصوص الانقياد والتسليم له  (صلى الله عليه وآله)، حيث إن موردها وقوع نزاع بل واعتراض من أصحاب القلوب العمياء على بعض ما حكم به النبي  (صلى الله عليه وآله) أو أمر به([13])، فيأتي الأمر الإلهي بتحكيم النبي  (صلى الله عليه وآله) وطاعته والتسليم له كحدٍّ فاصل بين الإيمان والكفر، وردًا لمزاعم المنافقين واليهود.

وأما في الآية مورد البحث فليس الأمر منحصرًا بهذا المعنى، بل تقدّم أنه يحتمل أكثر من معنى دون أدنى مانع.

النقطة الثانية: إن قوله تعالى: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} معطوف على قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ}، وكلمة {صَلُّوا} متعدية بحرف الجر "على"، وعطف {سَلِّمُوا} على {صَلُّوا عَلَيْهِ} يقتضي أن يكون بمعنى "سلّموا عليه" لا "سلّموا له"، وحذف حرف الجر "على" لدلالة "على" الأولى عليه، وجاء المفعول المطلق {تَسْلِيمًا} للتأكيد([14]).

النقطة الثالثة: لو تنزّلنا وقلنا بأن التسليم في الآية مورد البحث منحصرٌ بمعنى الانقياد، كما هو ليس ببعيد، إلا أن ذلك لا يمنع من صحة قولنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، بحيث يكون المراد من السلام هنا معنى التحية، ويدلنا على ذلك روايات صريحة في أن النبي  (صلى الله عليه وآله) كان قد علّم قومه وأصحابه كيفية السلام عليه كما علّمهم كيفية السلام على بعضهم البعض.

فقد جاء في الحديث عن أبي حمزة الثمالي عن كعب أنه قال: لما نزلت هذه الآية -آية الصلاة على النبي- قلنا: هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال  (صلى الله عليه وآله): قولوا "اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"([15]).

وورد أيضًا عن الإمام الرضا (عليه السلام): "... وأما الآية السابعة فقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} قالوا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم فكيف الصلاة عليك؟ فقال: تقولون: "اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد"([16]).

وهذه الروايات تشعر بأن أصحاب النبي  (صلى الله عليه وآله) كانوا قد فهموا من قوله تعالى {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} معنى التحية والسلام، ولذلك قالوا: (قد عرفنا السلام عليك أو التسليم عليك) إلخ...، وأقرهم النبي  (صلى الله عليه وآله) على هذا الفهم، وبذلك تكون هذه الروايات معارضة للروايات السابقة، إلا إذا جعلنا هذا المعنى هو الظاهر والمعنى الأول أي - الانقياد- هو التأويل أو الباطن كما عبر الإمام علي (عليه السلام).

النقطة الرابعة: نسبة التسليم على النبي  (ص) إلى الله تعالى

ورد عندنا روايات كثيرة في أبواب زيارات النبي والآل -سواء عن قرب أو عن بعد- مشتملة على ذكر التسليم على النبي  (صلى الله عليه وآله) تارة منسوبًا إلى الله جل شأنه، وتارة أخرى منسوبًا إلى نفس الزائر، ومتعديًا بـ"على"، وهي حتمًا ليست بمعنى الانقياد، لعدم صحة نسبة الانقياد إلى النبي  (صلى الله عليه وآله) في حق الله تعالى، ولأن التسليم بمعنى الانقياد يتعدى باللام ولا يتعدى بـ"على"، فلا بد أن تحمل على أحد المعاني الثلاثة المتقدمة، والمعنى الظاهر في أكثرها هو "التحية والسلام"، ونذكر بعض هذه الروايات للتبرك:

 1- ذكر العلامة المجلسي في زاد المعاد زيارة النبي  (صلى الله عليه وآله) عن بعد، والتي يعتمدها علماء الطائفة وأجلاؤها من الشيخ المفيد والشهيد والسيد ابن طاووس وغيرهم، وقد ورد فيها: (اللهم اجعل جوامع صلواتك ونوامي بركاتك وفواضل خيراتك وشرائف تحياتك وتسليماتك ... على محمدٍ عبدك ورسولك وحبيبك...)، وورد في آخر هذه الزيارة: (والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ولا جعله الله آخر تسليمي عليك).

2- ذكر الشيخ المفيد والسيد ابن طاووس والشهيد قدَّس الله أسرارهم زيارة للإمام الحسين (عليه السلام) يزار بها في شهري رجب وشعبان، وقد ورد في آخرها: (فجزاك الله خير جزاء السابقين، وصلَّى الله عليك وسلَّم تسليمًا)([17]).

وستأتي روايات أخرى دالة على هذا المطلب في النقطة السابعة، فانتظر.

وهذا كله دليل على دلالة لفظ التسليم على السلام بمعنى التحية وجواز الإتيان به منصوبًا على المصدرية وعلى أنه مفعول مطلق كما في آية البحث.

النقطة الخامسة: هل سلّم الله على النبي في القرآن؟

الجواب الصريح من كل ذي مسكة ولبٍّ أن الله تعالى قد سلّم على رسوله الأعظم  (صلى الله عليه وآله)، وتبيان ذلك متحقق بعدة طرق. نعرض بعضها بإيجاز :

أ - قال الله تعالى في كتابه الحكيم : {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ *  إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}([18])، وقال جلّ اسمه :  {سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}([19])، كما قال عز وجل {سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}([20]).

في هذه الآيات المباركة وقع السلام صريحًا على نوح النبي وإبراهيم الخليل وموسى وهارون (عليهم السلام)، وهذا لطف وتشريف منه تعالى لهم (عليهم السلام).

وقد روي عن الإمام الكاظم عن آبائه عن الحسن المجتبى عن أبيه علي (عليهم السلام) أنه قال في مناظرة له مع اليهود : [ما أعطى الله عز وجل نبيًا درجة ولا مرسَلاً فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد  (صلى الله عليه وآله) وزاد محمدًا على الأنبياء أضعافًا مضاعفة]([21]).

وجاء في حديث عن ابن عباس: أن بعض الأصحاب كانوا يذكرون الأنبياء (عليهم السلام) فخرج النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) وقال : [سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيّ الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم صفي الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم ومن دونه، ولا فخر]([22])، وهذه المضامين موجودة في كتبنا وفي كتب العامة.

فالله تعالى قد أعلى مرتبة هؤلاء الأنبياء (عليهم السلام) بأن سلّم عليهم، ونبينا الأكرم  (صلى الله عليه وآله) الذي هو أشرف الخلق وسيد الأنبياء والمرسلين، وتمام عدتهم، قد حظي بكل منقبة أنعم الله بها أحد الأنبياء السابقين، فبطريق أولى أن يكون الله تعالى قد أنعم عليه بالسلام، كيف لا وهو حبيبه، ومرتبة الحبيب أرقى  وأشرف من سائر المراتب.

ب - قال الله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ}([23])، وقد ألمحنا إلى أن النبي المرسل محمد  (صلى الله عليه وآله) هو أشرف الأنبياء والمرسلين، وكما جاء عن الرضا (عليه السلام) أنه  (صلى الله عليه وآله) قال بعد بيان عدد الأنبياء: [... أنا أكرمهم على الله ولا فخر..] ([24])، فيكون  (صلى الله عليه وآله) أول من سلّم الله عليه من بين المرسلين.

ج- قال الله تعالى: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} ([25]).

هذه الآية وإن كانت في المصحف الشريف المتداول في الجزيرة العربية برواية عاصم قد وردت بهذا الرسم، ولكنها في قراءة نافع بروايتي قالون وورش المتداول في المغرب العربي وأفريقيا (سلام على آل ياسين)، وقد وردت كثير من الروايات في تفسيرها بالنبي  (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) .

ومن هذه الروايات: ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب الأمالي -بسند معتبر- فيما احتج الرضا (عليه السلام) على علماء العامة في فضل العترة الطاهرة قال:

حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب وجعفر بن محمد بن مسرور (رضي الله عنهما)، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان (إلى أن قال).... قال أبو الحسن (عليه السلام): نعم، أخبروني عن قول الله عز وجل: {يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، فمن عنى بقوله: (يس)؟

قالت العلماء: (يس) محمد (صلى الله عليه وآله)، لم يشك فيه أحد.

قال أبو الحسن (عليه السلام): فإن الله أعطى محمدًا  (صلى الله عليه وآله) وآل محمد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله، وذلك أن الله لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء (صلوات الله عليهم)، فقال تبارك وتعالى: {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}، وقال: {سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وقال: {سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}، ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل موسى ولا على آل إبراهيم، وقال: (سلام على آل ياسين)، يعني آل محمد  (صلى الله عليه وآله)، فقال المأمون: قد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه([26]).

د- الصلاة على النبي يتضمن السلام عليه

لا شك أن معنى الصلاة الثابتة من الله تعالى على النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) بالخصوص هي أعظم وأجلّ من  معنى السلام.

روى أبو سعيد في كتاب الوفا بأحوال المصطفى، عن علي (عليه السلام) أنه قال: [قال رسول الله  (صلى الله عليه وآله) أكثِروا عليّ الصلاة، قلت: وهل تبلغك الصلاة بعد أن تفارقنا؟ قال  (صلى الله عليه وآله): نعم يا علي، إن الله تبارك وتعالى وكّل بقبري ملكًا يقال له صلصائيل، فإذا قال العبد: "اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"، لقطها كما يلقط الطير الحب، ثم يرفرف على قبري ويقول: يا محمد، يا محمد، إن فلان ابن فلان صلّّى عليك وأقرأك السلام، فيكتب له ...]([27]).

فنجد أن الصلاة على النبي وآله قد تضمنت كلاً من معنيي الصلاة السلام، حيث صلّى العبد على الرسول الكريم، وأوصلها الملك بقوله: (إن فلان ابن فلان قد صلّى عليك وأقرأك السلام).

هذا وقد يقال بأنه إذا كانت الصلاة تتضمن معنى التحية والسلام -كما دلت عليه الروايات المتقدمة- فهذا يكون دليلاً على عدم صحة إضافة السلام، حيث إنه منضوٍ تحت لفظ الصلاة، ويكون الإتيان به لغوًا.

ويمكن أن يجاب على ذلك بأنه يكون حينئذ للتأكيد، لا سيما أنه قد اجتمع اللفظان في كلام أهل بيت العصمة، وهذا كافٍ لنفي البأس عنه، بل لرجحانه كما لا يخفى.

النقطة السادسة: قولنا "صلى الله عليه وآله وسلم"

قد تبين مما أوردناه أن السلام على النبي  (صلى الله عليه وآله) بمعنى التحية والتسليم عليه يصح نسبته إلى الله تعالى، بل هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام.

ونضيف هنا بأنه يصح أيضًا نسبة التسليم للنبي إلى الله تعالى بمعنيين آخرين من المعاني المتقدمة وهما:

التسليم له بمعنى بذل الرضا بالحكم، إذ إن الله تعالى خيرُ راضٍ عن كل ما صدر عن النبي  (صلى الله عليه وآله)، كيف لا وهو  (صلى الله عليه وآله) حبيبه الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يصدر إلا عن أمره تعالى!!

والتسليم بمعنى سلامته من الآفات والعيوب، والله تعالى قد عصمه وأيده وسلَّمه من كل ما يشينه أو يعيبه.

وينتج عن ذلك أن ما لا يصح نسبته إليه تعالى من المعاني الأربعة المتقدمة هو خصوص المعنى الأول أي الانقياد، وأما المعاني الثلاثة الأخرى فلا مانع منها.

وعليه: فيكون إضافة "وسلَّم" في قولنا "صلى الله عليه وآله وسلَّم" دعاءً بمعنى طلب التحية والتسليم من الله عليه، أو بمعنى طلب سلامة النبي، أو طلب الرحمة لنفسه القدسية بتجريدها عن كل نقص وآفة، وتكميلها بالكمالات الرفيعة، وغيرها من المعاني المناسبة للمقام، التي تكون كناية عن إكرام الله وتعظيمه للنبي  (صلى الله عليه وآله).

النقطة السابعة: الزيادة لم تأتِنا من العامة

إن ما ادّعاه البعض من أن إضافة كلمة "وسلم" عند الصلاة على النبي  (صلى الله عليه وآله) قد جاءتنا من العامة، هو ادّعاء مجانب للصواب وبعيد عن الحقيقة، وذلك لورود كثير من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) وهي متضمنة لعبارة (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أن هناك الكثير من الأدعية المعتبرة تشتمل على هذه الصيغة من الصلاة والسلام، ومنها:

- روى الشيخ الصدوق في مجالسه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال : [إن ملكًا من الملائكة سأل الله أن يعطيه سمع العباد، فأعطاه، فذلك الملك قائم حتى تقوم الساعة، ليس أحد من المؤمنين يقول: "صلى الله على محمد وآله وسلّم" إلا وقال الملك: وعليك السلام. ثم يقول الملك: يا رسول الله إن فلانًا يقرؤك السلام، فيقول رسول الله  (صلى الله عليه وآله): وعليه السلام]([28]).

- وروى محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [من عطس ثم وضع يده على قصبة أنفه ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمدًا كثيرًا كما هو أهله، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، خرج من منخره الأيسر طائر أصغر من الجراد وأكبر من الذباب، حتى يصير تحت العرش، يستغفر اللهَ له إلى يوم القيامة]([29]).

- وروى الصدوق في الفقيه ، عن موسى بن عبد الله النخعي أنه قال للإمام النقي (عليه السلام): [علّمني يا بن رسول الله قولاً أقوله بليغًا كاملاً إذا زرت واحدًا منكم، فقال الإمام: إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين ... إلى أن قال (عليه السلام): إنك أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم كثيرًا وحسبنا الله ونعم الوكيل]([30]).

 - وذكر الطوسي في المصباح في أعمال يوم الجمعة: الصلاة على النبي  (صلى الله عليه وآله) التي أملاها الإمام العسكري (عليه السلام) على عبد الله بن محمد العابد، وجاء فيها: [وصلِّ على محمد وأهل بيته الطاهرين الأخيار وسلّم تسليمًا]([31]).

- وروى العلامة المجلسي عن بعض كتب الزيارات، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد الأشعري القمي، عن الرضا (عليه السلام) حين كلّمه عن أخته السيدة فاطمة بنت الإمام الكاظم الملقّبة بالمعصومة وعن فضل زيارتها، قال في آخر الزيارة: [وصلى الله على محمد وآله أجمعين وسلّم تسليمًا يا أرحم الراحمين]([32]).

وما ذكرناه هو القليل مما ورد عن النبي وعترته الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكله يشتمل على هذا الذكر: "صلى الله عليه وآله وسلم" وما شابهه من الأذكار.

خاتمة

قد تبيّن لنا جواز انطباق التسليم في آية البحث على المعنى الثالث أي التحية والسلام، دون مانع منيع، كما يجوز أن يكون المقصود منه الرضى بالحكم، فيكون معنى {وَسَلّمُوا تَسْليمًا}: وجوب الرضى بكل أحكام النبي  (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}([33]). والظاهر لنا أنه لا مانع من صحة القولين بأن يكون الأمر من الله عز وجل بالسلام عليه بالقول والتسليم له بالفعل، عقيدة وعملاً([34])، فيجوز إرجاع المعنيين إلى نقطة واحدة بعد التأمل، وهي: وجوب التسليم القولي والفعلي للنبي  (صلى الله عليه وآله)، لأنه من يُحيّي النبي ويدعو الله تعالى سلامته ينجذب إلى النبي عاشقًا، وينظر إليه بأنه نبي مفترض الطاعة والخضوع([35]).

وإن كان لا يبعد أن يكون المراد من الآية خصوص المعنى الأول، أي الأمر بالانقياد إليه، ومما يشعر بذلك سياق الآية، وتأكيد الفعل (وسلّموا) بقوله (تسليمًا). كما أن أكثر الروايات وضوحًا تؤيد هذا المعنى.

وكذلك قد تبيّن أن الله تعالى قد سلّم على أشرف خلقه محمدٍ  (صلى الله عليه وآله)، كما سلّم على بعض أنبيائه الأطهار في كتابه المجيد.

ــــــــــــــ 

([1]) الأحزاب 56.

([2]) القاموس المحيط ج4 ص131 دار الجيل بيروت/ لسان العرب ج6 ص365/ مفردات الراغب.

([3]) القاموس المحيط ج4 ص131، لسان العرب ج6 ص342-343، مفردات الراغب.

([4]) الكافي ج1 ص266.

([5]) هود من الآية 69.

([6]) لسان العرب ج6 ص342.

([7]) القاموس المحيط ج4 ص131.

([8]) المحاسن ص271.

([9]) الاحتجاج ص253.

([10]) النساء 65.

([11]) الأحزاب 22..

([12]) راجع: (حقيقة الصلاة على النبي وآله) للعلامة السيد كمال الحيدري ص19.

([13]) بيان سبب نزول هذه الآية:

قيل: نزلت في الزبير، ورجل من الأنصار، خاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، في شراج من الحرة، كانا يسقيان بها النخل، كلاهما، فقال النبي للزبير: "اسقِ، ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله لئن كان ابن عمتك! فتلوّن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم قال للزبير: "اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر، واستوفِ حقك، ثم أرسل إلى جارك". وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)  أشار إلى الزبير برأي فيه السّعة له ولخصمه. فلما أُحفظَ رسول الله، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. ويقال: إن الرجل كان حاطب بن أبي بلتعة.

قال الراوي: ثم خرجا، فمرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ قال: قضى لابن عمته -ولوى شدقه- ففطن لذلك يهودي، كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يزعمون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله! لقد أذنبنا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة، فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا، حتى رضي عنا! فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وليِّه شدقه هذه الآية. (تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج3 ص548، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان، ط1، 1415 - 1995 م).

([14]) والإنصاف أن هذه النقطة لا تصلح إلا للتأييد، لأنه لا مانع من تعدّي (صلّوا) بحرف الجر (على) مع كون (وسلّموا) متعدّية بالّلام المقدَّرة، وخصوصًا مع دلالة الروايات الشريفة عليه.

([15]) مجمع البيان، الطبرسي، ج8 ص579، دار المعرفة للطباعة والنشر، ط1.

([16]) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الشيخ الصدوق ج 2 ص213، والرواية طويلة اقتصرنا منها على موضع الحاجة.

([17]) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج3 ص342 / مزار الشهيد ص145 / بحار الأنوار ج98 ص337 عن الشيخ المفيد.

([18]) الصافات 79-80.

([19]) الصافات109.

([20]) الصافات 120.

([21]) الاحتجاج، الطبرسي، ج1 ص497 ؛ بحار الأنوار للمجلسي ج10 ص280.

([22]) مودة القربى ص11 (من كتب العامة).

([23]) الصافات181.

([24]) بحار الأنور ج11 ص30.

([25]) سورة الصافات 130-131.

([26]) الامالي ص615 ح1.

([27]) نور البراهين ، ج1 ص202 ، نقله عن الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ص822-823 .

([28]) أمالي الصدوق ج2 ص290.

([29]) الكافي ج2 ص480.

([30]) رواه الشيخ في التهذيب، وقال المجلسي عنها : هي أرقى الزيارات الجامعة متنًا وسندًا. وقال والده : إن هذه الزيارة أحسن الزيارات. ونقلها الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان ص613.

([31]) مصباح المتهجد ، الشيخ الطوسي ، ص400 .

([32]) بحارالأنوار ج99 ص267.

([33]) النجم : 4.

([34]) كما ذهب إليه العلامة المحقق عبد اللطيف البغدادي في كتابه الصلاة على محمد وآل محمد.

([35]) وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل ج13، ص246، ط دار إحياء التراث العربي.

 

 

 

حكم المشاعر والأمور الجديدة والمستحدثة

في الحج والعمرة

(الحلقة الثالثة والأخيرة)

الشيخ أحمد صمادي

 

 

تناولنا في حلقتين سابقتين: (رمي الجدار المستحدث في الجمرات وفي الطوابق العلوية)، و(السعي في المسعى الجديد) .. ونتناول في هذه الحلقة -الثالثة- :

حكم بعض الأمور المستجدة في مكة

هناك أمور يبتلي بها الحاج والمعتمر ترتبط بمكة المكرمة، تلك المدينة المقدسة التي توجد فيها الكعبة الشريفة، التي تُعدّ قبلة المسلمين في صلاتهم. وقد كانت في بدايتها عبارة عن قرية صغيرة تقع في وادٍ غير ذي زرع، تحيط بها الجبال من كل جانب، بدأ الناس في التوافد عليها والاستقرار بها في عصر النبي إبراهيم والنبي إسماعيل ‘، وذلك بعدما ترك النبي إبراهيم زوجته هاجر وابنه إسماعيل في ذلك الوادي امتثالاً لأمر الله كما جاء في القرآن الكريم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}([1]).

فبقيا في الوادي حتى تفجّر بئر زمزم، ثم وفدت بعد ذلك أولى القبائل التي سكنت مكة ، وهي قبيلة جرهم إحدى القبائل اليمنية الرحّالة، وقد بدأ خلال تلك الفترة رفع قواعد الكعبة على يد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل ‘.

ولمكة أسماء كثيرة، وقد ذكرت في القرآن في أكثر من موضع وبأكثر من اسم، فذكرت باسم مكة في سورة الفتح {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}([2]).

وأطلق عليها بكة في سورة آل عمران {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}([3]).

وسميت بأم القرى في سورة الأنعام {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}([4]).

وسميت بالبلد الأمين في سورة التين {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ}([5]).

هذا، وذكر أن من أسماء مكة البيت العتيق، ولكن القرآن أطلقه على البيت والكعبة كما في سورة الحج {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}([6])، وفي موضع آخر {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}([7]).

وفي رواية عن الصادق (عليه السلام) أشار لها القمي في تفسيره عن سبب تسمية الكعبة بذلك قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فدارت السفينة وضربتها الأمواج حتى وافت مكة وطافت بالبيت وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت، إنما سمي البيت العتيق لأنه أُعتق من الغرق ([8]).

ومنها: البلد بشكل مطلق، وردت هذه التسمية في قوله تعالى : {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الاَْصْنَامَ}([9])، وفي قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}([10]).

وذكر لها الكثير من الأسماء غير ما جاء في القرآن، منها:

"الحاطمة" : لأنها تحطم من استخفَّ بها .

"الرأس" : لأنها مثل رأس الإنسان .

"القادس" : لأنها تَقْدُس من الذنوب أي تطهر .

"المقدسة" .. وغيرها من الأسماء ([11]).

ومن المعلوم أنه قد استحدثت في مكة أحياء جديدة وكبرت عما كانت عليه في السابق، فهل يقتصر ترتب بعض الأحكام المرتبطة بمكة على مكة القديمة التي كانت في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ([12])، أم تشمل الأحياء الجديدة والمستحدثة بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله؟

من تلك الأحكام:

1- جواز التظليل في مكة المكرمة

2- الإحرام لحج التمتع من مكة المكرمة

3- تخيير الصلاة بين القصر والتمام (وهذا الحكم يشمل المدينة المنورة أيضًا)، وغيرها من الأحكام التي لا يسع البحث لذكرها ([13]).

أ - حكم التظليل في الأحياء المستحدثة من مكة المكرمة

المعروف حرمة التظليل على الرجل في الجملة حال مسيره بمظلة أو غيرها، ولو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة ونحوها، ولا يحرم على النساء، فقد روى الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما ‘ قال: سألته عن المحرم يركب القبة؟ فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم([14]).

وبإسناد الشيخ عن العباس، عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): أُظلل وأنا محرم؟ قال: لا، قلت: اُفأظلل وأكفر؟ قال: لا، قلت فإن مرضت؟ قال: ظلّل وكفر، ثم قال: أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما من حاج يُضْحِي ملبيًا حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه معها([15]).

وبإسناده عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يركب في الكنيسة ([16])؟ فقال: لا، وهو للنساء جائز ([17]).

والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام: هل أن حرمة التظليل تختص بمكة القديمة أم تشمل حتى مكة الجديدة في عصرنا؟

اختلفت كلمات الأعلام في ذلك، بل بعضهم لم يجوّز التظليل حتى في مكة القديمة على الأحوط([18]).

رأي السيد الخوئي (قده)

احتاط السيد الخوئي (قده) وجوبًا بعدم التظليل في الأحياء المستحدثة من مكة المكرمة، وخصّ الجواز بمكة القديمة المتيقنة.

س: لو وصل الحاج إلى منزله في مكة الجديدة (كالعزيزية مثلاً) هل يجوز له التظليل إلى المسجد الحرام؟

ج: لا يجوز له التظليل من حدود العزيزية إلى حدود مكة القديمة([19]).

 س: إذا كان الحاج نازلاً في أحد أحياء مكة الجديدة كالعزيزية مثلاً، وأراد الذهاب محرمًا إلى مكة القديمة، فهل يجوز له الركوب في سيارة مسقفة؟ أم أن جواز ذلك مخصوص لمكان نزوله وهو العزيزية كما فرضناه في السؤال؟

ج: لا يجوز له التظليل إلا بعد وصوله مكة القديمة، ولا يجوز بين مكان نزوله وبين مكة القديمة إذا قصد بسيره هذا الذهاب إلى المسجد للأعمال([20])، والمسألة احتياطية([21]).

س: إن مسجد التنعيم أصبح داخل بيوت مكة حاليًا، وقد تجاوزته بيوت مكة، فإذا كان المكلف في مكة وأراد أن يأتي بالعمرة المفردة، و أحرم من هذا المسجد فهل يجوز له أن يتظلل بالسيارة المسقوفة، لأنكم تقولون بجواز التظليل في داخل مكة للمحرم؟

ج: لا يجوز التظليل إلا بالوصول إلى مكة المتيقنة([22]).

س: مسجد التنعيم أصبح داخل مكة، بحيث إن بيوت مكة تجاوزته، فهل يجوز للمحرم منه التظليل والركوب داخل السيارة، لأن التظليل للمحرم داخل مكة جائز فيما لو أحرم منه أم لا؟

ج: ليس التنعيم داخل مسمى مكة، ولا يجوز التظليل منه إلى مكة المتيقنة، والله العالم([23]).

السيد السيستاني دام ظله

احتاط سماحة السيد السيستاني دام ظله وجوبًا بعدم التظليل في كل مكة حتى القديمة، فلذا يمكن لمن يقلد سماحة السيد السيستاني أن يرجع إلى من يجوّز له ذلك الأعلم فالأعلم.

س5: يرى السيد الخوئي (قده) جواز التظليل في أثناء تردد المحرم في المنزل، ولكنه يحتاط بعدم إلحاق المناطق المستحدثة في مكة بالمناطق القديمة، وأنتم -دام ظلكم- ترونها مكانًا واحدًا وتحتاطون في التظليل بعد النزول في حال الذهاب والإياب، فهل يجوز لمقلدي السيد الخوئي (قده) أن يرجعوا إليكم في تحديد الموضوع ويبقون في الحكم وهو جواز الاستظلال بعد النزول على رأي السيد الخوئي (قده) ؟

ج: لا يجوز لهم ذلك([24]).

السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله

س: هل يجوز للمحرم التظلل في المنزل خلال تنقلاته الداخلية كمكة ومنى مثلاً، سواء كان التنقل ماشيًا أو راكبًا في السيارة مثلاً؟ وهل يفرق بين مكة القديمة والجديدة؟

ج: لا يجوز للمحرم التظليل بالظل المتحرك كالمظلة (الشمسية) أو سقف السيارة مثلاً، ويجوز المشي تحت الظلال الثابتة كالمباني والجسور وغيرها ، من دون فرق بين مكة القديمة وغيرها([25]).

رأي الميرزا التبريزي (قده)

س: هل يجوز للمحرم التظليل حال المشي بمظلة، أو راكبًا بسيارة مسقوفة في مكة المكرمة وعرفات ومزدلفة ومنى؟

الخوئي: نعم في كل محل نزل فيه لأداء نسك، أو لمحض الراحة أو لقضاء حاجة أخرى ولا يعمل سيرًا سفريًا.

التبريزي: بل الأحوط ترك التظليل عند السير، ولو لم يكن سيرًا سفريًا([26]).

س: إذا كان الحاج نازلاً في أحد أحياء مكة الجديدة كالعزيزية مثلاً، وأراد الذهاب محرمًا إلى مكة القديمة، فهل يجوز له الركوب في سيارة مسقفة؟ أم أن جواز ذلك مخصوص لمكان نزوله وهو العزيزية كما فرضناه في السؤال؟

الخوئي: لا يجوز له التظليل إلا بعد وصوله مكة القديمة، ولا يجوز بين مكان نزوله وبين مكة القديمة إذا قصد بسيره هذا الذهاب إلى المسجد للأعمال، والمسألة احتياطية .

التبريزي: بل الاحتياط يجري في الانتقال في مكة القديمة أيضًا كما تقدم ([27]).

س: ما هي حدود مكة لديكم؟ وهل المناطق الجديدة مثل العزيزية وتوسعها تعدّ حرمًا يجوز للحاج التظليل خلال تنقله في تلك المناطق الجديدة حال إحرامه؟ وكيف يتصرف الحاج الساكن خارج حدود الحرم بالنسبة للتنقل؟

ج: لا فرق في عدم جواز التظليل بين مكة وخارج مكة على الأحوط، ومع الاضطرار يجوز للمحرم التظليل، ولكن يكفّر حتى إذا كان التظليل في مكة على الأحوط، والله العالم([28]).

ب - الإحرام لحج التمتع من مكة المكرمة

مكة هي ميقات حج التمتّع([29])، ولا خلاف بين الأصحاب في ذلك وقد ادّعي عليه الإجماع، ويدل عليه جملة من الروايات، وهي مطبّقة على كفاية الإحرام من بلدة مكة المكرمة من أي موضع شاء. وأفضله المسجد، وأفضله عند المقام أو تحت الميزاب.

روي في صحيح أبي أحمد عمرو بن حريث الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : من أين أهل بالحج؟ فقال: إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة وإن شئت من الطريق) ([30]).

 وروي عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم التروية، إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد -إلى أن قال- ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر ثم أحرم بالحج... الحديث([31]). وهناك روايات أخرى موجودة في الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.

لكن يَرِد في المقام سؤال وهو: هل يجب الإحرام من مكة القديمة([32])، أم يصح حتى من الأحياء الجديدة والمستحدثة؟

اختلاف الأعلام في ذلك

رأي السيد الخوئي (قده)

يجب الإحرام عنده (قده) من مكة القديمة في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) والتي حدّها من عقبة المدنيين إلى ذي طوى، وهي ميقات حج التمتع([33]).

وقد احتاط (رحمه الله) وجوبًا بالإحرام من مكة القديمة ([34])، وقد ذكر سماحته ذلك في البحث العلمي في المعتمد في مناسك الحج . قال (رحمه الله): ولكن الأحوط وجوبًا أن يحرم من مكة القديمة، ولا يكتفي بالإحرام من المحلات المستحدثة المتصلة بمكة المكرمة، وذلك لما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار الواردة في قطع التلبية أن العبرة فيما يترتب على مكة من الأحكام بمكة القديمة ولا عبرة بما أحدث الناس بمكة وبما ألحقوا بها ([35]).

رأي الميرزا (قده)

أفتى الميرزا بوجوب الإحرام من مكة القديمة حيث قال: مكة القديمة في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) والتي حدّها من عقبة المدنيين إلى ذي طوى وهي ميقات حج التمتع([36]).

وقال في مكان آخر: للمكلف أن يُحرم للحج من مكة القديمة من أي موضع شاء ويستحب له الإحرام من المسجد الحرام في مقام إبراهيم أو حجر إسماعيل([37]).

ورجع واحتاط وجوبًا بالإحرام لحج التمتع من مكة القديمة.

س: هل يجوز للمتمتع الإحرام للحج من بيته إذا كان يسكن في بيت بعيد من الحرم يقال أنه خارج حدود مكة الأصلية؟

ج: نعم يجوز له الإحرام من بيته لعمرة التمتع، وأمّا حج التمتع فيجب الإحرام له من مكة القديمة على الأحوط .

س: هل يجوز الإحرام لحج التمتع من مكة الجديدة، وعلى القول بالمنع وأنها ليست تابعة لمكة القديمة فهل يجوز الإحرام منها للعمرة المفردة باعتبارها خارج الحرم (بالنسبة للمتواجد في مكة)؟

ج: الأحوط أن يحرم لحج التمتع من مكة القديمة مع التمكن، وأمّا الإحرام للعمرة المفردة فيكفي أن يذهب إلى مسجد التنعيم فيحرم من هناك، والله العالم.

س: شخص حجّ بيت الله الحرام وبعد عدّة سنوات شك في صحة حجّه من الجهات التالية:

أ- أنّه أحرم من قرن المنازل ثمّ شك بعد ذلك في كون المنطقة التي أحرم منها هي قرن المنازل؟

ب- أحرم للحج من منطقة العزيزية في مكة المكرمة؟

ج: أ - أمّا إحرام عمرته فيفحص ويسأل أهل الخبرة عن أن المكان الذي أحرم منه هل هو قرن المنازل أو لا؟ فإن ثبت أنّه هو، فهو وإلاّ فالأحوط إعادة الحج.

   ب - وأمّا إحرام حجته من مكة الجديدة جهلاً فلا بأس عليه من هذه الجهة، والله العالم([38]).

وممن جوّز الإحرام من الأحياء المستحدثة

السيد السيستاني دام ظله: حيث ذهب سماحته إلى جواز الإحرام من الأحياء الجديدة إذا عُدَّت من المدينة المقدسة، لكن يستحب الإحرام من القديمة التي كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بشرط أن لا تكون تلك الأحياء خارجة من حدود الحرم. (وللحرم المكي حدود مضروبة المنار قديمة، ولها نُصُب معلومة مأخوذة يدًا بيد، ويحدّه من الشمال (التنعيم) ومن الشمال الغربي (الحديبية «الشميسي») ومن الشمال الشرقي (ثنية جبل المقطع) ومن الشرق (طرف عرفة من بطن نمرة) ومن الجنوب الشرقي (الجعرانة)([39]).

والأحوط الأولى الإحرام من مكة القديمة التي كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وإن كان الأظهر جواز الإحرام من المحلات المستحدثة بها أيضا إلا ما كان خارجا من الحرم([40]).

س: هل يصح الإحرام من المحلات المستحدثة في مكة المكرمة كالشيشة والعزيزية وشارع الستين ونحوها علمًا أن بعض هذه المحلات تبعد عن مركز المدينة بما يقارب من عشرين كيلو مترًا؟

ج: المحلات المستحدثة إذا عُدّت جزءً من المدينة المقدسة في العصر الحاضر جاز الإحرام منها على الأظهر إلا ما كان خارجًا منها من الحرم([41]).

والشيخ وحيد الخراساني دام ظله

حيث قال: جواز الإحرام من مكة الجديدة والأحياء المستحدثة : للمكلف أن يُحرم للحج من مكة من أي موضع شاء، والظاهر عدم الاقتصار على مكة القديمة المحدودة في النص بذي طوى وعقبة المدنيين وإن كان أحوط، والأفضل الإحرام من مقام إبراهيم أو حجر إسماعيل([42]).

ج - التخيير بين القصر والتمام في مكة المكرمة

من الأمور المختصة بمكة المكرمة تخيير الصلاة وهي من الأماكن الأربعة التي يخيّر فيها المصلي بين القصر والتمام، وهي مكة المعظمة والمدينة المنورة، والكوفة، وحرم الحسين (عليه السلام)، فللمسافر أن يتم صلاته في هذه المواضع بل هو أفضل وإن كان التقصير أحوط كما جاء في العديد من الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) منها صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التقصير بمكة؟ فقال: أتم وليس بواجب، إلا أني أحب لك ما أحب لنفسي([43]).

وصحيحة الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قلت له إنا إذا دخلنا مكة والمدينة نتم أو نقصر؟ قال: إن قصّرت فذلك، وإن أتممت فهو خير يزداد([44]).

وصحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) (والمراد بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أو مسجدها كما في النصوص الأخر)، وحرم الحسين بن علي (عليه السلام) ([45]).

وقد اختلف الأعلام في شمول التخيير للمدن الثلاث أم لخصوص مساجدها ، بعد اتفاق أكثرهم على اختصاص الحكم بحرم الحسين (عليه السلام) في الجملة، فممن عمّم الحكم للمدن الثلاث كل من السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم والشيخ وحيد الخراساني أدام الله ظلهم([46])، وذهب جماعة إلى اختصاص التخيير في البلاد الثلاثة بمساجدها كالميرزا حسين النائيني والشيخ علي الجواهري حفيد صاحب الجواهر رحمهما الله تعالى([47])، وذهب بعضهم إلى التخيير في مكة والمدينة وخص التخيير بمسجد الكوفة وحرم الحسين (عليه السلام) ([48]).

وقد أنشئ في مكة المكرمة والمدينة المنورة بعد عهد النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين العديد من الأحياء الجديدة فهل التخيير يشمل الأحياء الجديدة أم يختص بمكة القديمة؟

اختلفت آراء المراجع في ذلك

فالسيد الخوئي (قده)

خص التخيير بمكة القديمة فقط :

س : هل أن التخيير بين التمام والتقصير يجري حتى في مكة الجديدة وكذلك المدينة المنورة الجديدة مع اتساع مساحتهما وامتداد عمرانهما، أم أن ذلك خاص بالمدينة المنورة ومكة المكرمة القديمتين، وإذا كان ذلك خاصًا بالقديمة فقط فما هي حدود مكة القديمة وكذا المدينة؟

ج: يخص القديمتين، أما حدود المدينة القديمة فيراجع في تعيينها إلى أهل خبرة المحل، وأما حدود مكة القديمة فبين عقبة المدنيين وذي طوى ([49]).

والسيد السيستاني دام ظله

عمّم التخيير إلى المناطق الجديدة والمستحدثة من مكة والمدينة المنورة :

س: التخيير بين القصر والتمام للمسافر هل يختص بالمدينة القديمة أم يشمل الأحياء المستحدثة فيها؟ وعلى تقدير الاختصاص فلو اختلف أهل المنطقة في تحديد حدود المدينة القديمة سعة وضيقًا فما هو الواجب؟

ج: - يعم الأحياء المستحدثة أيضًا، وعلى القول بالاختصاص يقتصر في التمام على القدر المتيقن([50]).

 - يتخير المسافر بين القصر والتمام في مكة المكرمة والمدينة المنورة بما في ذلك امتداداتها الجديدة الآن([51]).

والشيخ وحيد الخراساني دام ظله

خص الحكم بمكة والمدينة القديمتين ([52]).

والسيد محمد سعيد الحكيم دام ظله

خص التخيير بما كان منهما في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة إلى أيام الجواد (عليهم السلام).

س: هل التخيير بين القصر والتمام للمسافر يختص بمكة المكرمة والمدينة المنورة القديمتين أو يشمل المناطق الحديثة منهما؟

ج ـ يختص بما كان منهما أيام النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) إلى أيام الجواد (عليه السلام) ([53]).

الميرزا التبريزي (قده)

خص التخيير بالمسمى القديم بمكة المشهود به من أهل الخبرة واحتاط بعدم شمول التخيير للمستحدث:

س: ازدادت حدود مكة المكرمة والمدينة المنورة واتسع عمرانها فهل يبقى التخيير في الصلاة قائمًا في ذلك الموسع؟ وهل يجوز للمعتمر الخروج إليها؟

 ج: لا يسع التخيير لمثل ذلك التوسع على الأحوط بل يقتصر على المسمى القديم بها المشهود به من أهل الخبرة ولا بأس بالخروج إلى ذلك للمعتمر المتمتع، والله العالم([54]).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة إبراهيم آية 37 .

([2]) سورة الفتح 24.

([3]) سورة آل عمران 96.

([4]) سورة الأنعام 92.

([5]) سورة التين 3.

([6]) سورة الحج آية 29

([7]) سورة الحج 33.

([8]) تفسير القمي ، علي بن إبراهيم القمي ، ج1 ص328.

([9]) سورة إبراهيم آية 35.

([10]) سورة البلد آية 1-2 .

([11]) كتاب المجموع في شرح المهذب لمحيى الدين النووي ط دار الفكر ج8 ص3 .

([12]) والمحددة حسب بعض النصوص المعتبرة: بعقبة المدنيين لمن دخل من أعلى مكة كما في بعض النصوص، وعقبة ذي طوى لمن دخل من أسفلها وهي قريبة من عقبة المدنيين، وهما يسميان الموضعين ثنية المدنيين وثنية ذي طوى ، ويقول محقق كتاب أخبار مكة للأزرقي : إن ثنية المدنيين هي التي تسمى اليوم ثنية الحجون، وأن وادي ذي طوى بين مقبرة الحجون بالمعلاة وربع الكحل المسمى بالثنية الخضراء، وكان واد حي طوى يُسمى وادي ضبع، أما اليوم فيعرف ببير الهندي. انظر : كلمة التقوى ، للشيخ محمد أمين زين الدين ، ج3 ص291.

([13]) كالإحرام لدخول مكة، وعدم الخروج من مكة بعد أداء عمرة التمتع، وقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة في إحرام عمرة التمتع وإن اتفق جلّهم على قطعها عند مشاهدة بيوت مكة القديمة لدلالة الروايات على ذلك، وهناك أمور لا ترتبط بمكة تغيرت عن السابق، كتغيير مكان المسلخ وغيرها من الأمور المستحدثة.

([14]) وسائل الشيعة ، آل البيت ، باب64 ، باب تحريم تظليل الرجل المحرم على نفسه سائرًا وجوازه في الضرورة خاصة ويلزمه الفداء- ح (16953) 1 .

([15]) المصدر السابق ح (16955)3 .

([16]) وفي الحديث : لا يركب المحرم في الكنيسة وهي للنساء جائز و هي شيء يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر. والجمع كنائس مثل كريمة وكرائم (مجمع البحرين مادة كنس) .

([17]) المصدر السابق ح (16956)4.

([18]) هو رأي سماحة السيد السيستاني كما سيأتي .

([19]) صراط النجاة قديم ، دار الاعتصام للطباعة والنشر ، ج3 ص160 سؤال481 ؛  صراط جديد ، دار المحجة البيضاء ودار الرسول ، ج1 ص510 مسالة 1790 .

([20]) والظاهر أن هذا القيد في قبال ما إذا قصد بخروجه من المناطق الجديدة الخروج لمنطقة أخرى كالذهاب إلى عرفات مثلاً فلا يكون حرمة التظليل احتياطية بل فتوى (تحرير المناسك ، دار الولاء ط1 ص125 مسألة 322) .

([21]) المسائل الشرعية ج1 العبادات أحكام التضليل ص337 مسألة 11 ؛ صراط النجاة ج2 ص227 مسألة 713 قديم ؛ صراط جديد ج1 ص516 مسألة 1814 .

([22]) صراط النجاة جديد ج1 ص517 ، مسألة 1820 .

([23]) صراط النجاة جديد ج1 ص509  مسألة 1787 .

([24]) ملحق مناسك الحج ، السيستاني، دار المؤرخ العربي ، لبنان ، ص199-200 مسألة 5.

([25]) لجنة الاستفتاء في مكتب السيد محمد سعيد الحكيم ، 19 شعبان 1428 هـ.

([26]) صراط النجاة ج1 قديم ، ط1 ، جمادى1 ، 1417 ، سؤال 704 .

([27]) صراط النجاة ، الميرزا جواد التبريزي ، ج2 ص224-229 سؤال 713 .

([28]) صراط النجاة ، الميرزا التبريزي ، ج4 .

([29]) كذا هي ميقات حج القران والإفراد لأهل مكة والمجاورين لها ولا يلزمهم الرجوع إلى سائر المواقيت . مناسك الحج ، السيد السيستاني ، دار المؤرخ ص82 ، مواقيت الاحرام7.

([30]) المعتمد في مناسك الحج ، ط1 ، المطبعة العلمية قم ص 296-297 .

([31]) وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي ، ج11 الباب21 من أبواب المواقيت ح14963/1 .

([32]) والتي هي بين عقبة المدنيين وذي طوى ؛ صراط النجاة جديد ، ج1 ، ص266 مسالة 940 .

([33]) مناسك الحج ، السيد الخوئي ، نسخة جديدة، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، مواقيت الاحرام ، مسألة 163 الميقات السادس.

([34]) تحرير المناسك ، مصدر سابق، ص204 الإحرام مسألة 6 .

([35]) المعتمد في مناسك الحج ، مصدر سابق، قم ، ص 297 .

([36]) مناسك الحج ، الشيخ جواد التبريزي، مطبعة مهر ، قم ، ط1 ، مواقيت الإحرام ، الميقات السادس ، ص82 .

([37]) المصدر السابق ، واجبات الإحرام ص174 مسألة 361 .

([38]) الميرزا ، صراط النجاة ، فى أجوبة استفتاءات الحج والعمرة ج4 .

([39]) مناسك الحج ، السيد السيستاني ، ص142، حدود الحرم.

([40]) المصدر السابق ، ص83، مواقيت الإحرام ،7 .

([41]) السيد السيستاني ، ملحق مناسك الحج ، مصدر سابق، ص133 مسألة 1 .

([42]) مناسك الحج ، الشيخ وحيد الخراسان، مسألة 358 .

([43]) الكافي ، الشيخ الكليني ، مصدر سابق ، ج4 ، باب إتمام الصلاة في الحرمين ح 3 .

([44]) المصدر السابق ح6 .

([45]) الاستبصار للشيخ الطوسي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ج2 ح 1191 -1 .

([46]) السيد السيستاني : منهاج الصالحين ، ج1 ، مسألة 952 ؛ والسيد محمد سعيد الحكيم : منهاج الصالحين ، ج1 مسألة587 ؛ والشيخ وحيد الخراساني : منهاج الصالحين ج1 مسألة 952 .

([47]) تعليقة العروة ج3 ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، مسألة 11 .

([48]) السيد الخوئي ، منهاج الصالحين ،ج1 مسالة 952 ، وتبعه السيد محمد صادق الروحاني منهاج الصالحين ، ج1 مسألة 952 .

([49]) صراط النجاة جديد ، ج1 ، ص266 مسألة 940 .

([50]) ملحق مناسك الحج ، السيد السيستاني ، مصدر سابق،  ص460-461- سؤال 2 .

([51]) الميسر في الحج والعمرة ، أحكام العمرة المفردة متفرقات ص47 .

([52]) منهاج الصالحين، الشيخ وحيد الخرسان ، ج1 مسألة 952 .

([53]) الفتاوى أسئلة وأجوبة ، السيد محمد سعيد الحكيم س 311 .

([54]) الميرزا صراط النجاة فى أجوبة استفتاءات الحج والعمرة ج4

 

 

 

إحراق المغول مكتبات بغداد حقيقة أم افتراء؟!

د. طارق شمس

 

 

تمهيد

إن الروايات التاريخية، حتى ضمن الزمن الواحد والمكان الواحد، تختلف باختلاف الأشخاص وخلفياتهم وكيفية نظرتهم إلى الحدث التاريخي، فكيف ﺇذا كان ذلك الحدث في زمن أطول أو مكان أوسع نقلته كتب المؤرخين، فمن حيث الزمان الاختلاف يتسع وتتعدد الآراء والأفكار والتفاسير، خصوصًا وأن العصر اختلف والحدث أصبح بعيدًا عن نظر المؤرخ، فيعتمد على العقل في تفسيره إذا فسّر ولم يكتفِ بالنقل الحرفي، أو قد يخطئ بحرف أو كلمة نقلت عبر الزمان من شخص إلى آخر، إما شفاهة أو عبر الورق عندها نسبة الخطأ تكبر.

والتناقض والاختلاف في الحدث التاريخي الواحد ليس طعنًا بمصداقية الكاتب وأمانة المؤلف، ولكن لا بدَّ للدارس خصوصًا حول الأحداث التي تتعلق أو ترتبط بالهوية ومستقبل الأمة أن يطالع جميع المصادر التاريخية، ويبتعد عن التنوع في ﺇصدار الأحكام المسبقة. كما لا بد أن ندرك أن قلة المصادر التاريخية والضعف الطبيعي للروايات الموجودة، لا تستطيع أن تحكم حكمًا حازمًا وقاطعًا في الحدث التاريخي حول صحته أو عدمها، أو أن تعطي حكمًا حازمًا بمصداقية ووطنية شخصية وخيانة شخصية أخرى، إيمان أحدهم أو كفر الآخر، فلا يمكن أن نكوّن حَكَمًا على حدث تاريخي، ونصدر مسبقًا الحكم بناءً على رواية قد لا تكون صحيحة، أو قد يكون الناقل قد أخطأ في فهم الأحداث أو قد تكون الرواية ملفّقة أو مدسوسة لهدف ما.

يجب الاستماع إلى جميع أنواع التوضيحات والدفوعات من الطرفين عبر التاريخ، وبعد الحصول على اليقين أو الاطمئنان يصدر الحكم غير المنحاز.

ﺇن المرور في هذه الطريق عبر الأزمنة ومن خلال ممرات ودهاليز مليئة بالألغاز أو الوقائع الجغرافية والتاريخية لمشاهدة حقيقية للوقائع، هو من الأمور الصعبة جدًا إن لم نقل مستحيلة.

من هذه الأحداث التاريخية، واقعة سقوط بغداد في يد المغول عام (1258م-656هـ)، حيث تطرّف بعض المؤرخين في نقل الحدث من حيث تصرف الجنود المغول تحت قيادة هولاكو حفيد جنكيزخان داخل بغداد. وما لفت انتباهي هو مسألة حرق الكتب وإلقائها في نهر دجلة، وهو حدث تاريخي أصبح من الثوابت في العصور التالية لواقعة بغداد المشؤومة تلك.

لكن السؤال هنا، هل حادثة إحراق الكتب وإلقائها في نهر دجلة وتحوّل مياه النهر إلى اللون الأسود من كثرة الكتب التي ألقيت فيه هي حادثة صحيحة، وهل حقًا فعل المغول ذلك؟

الروايات التاريخية

لن أبدي رأيي الآن في تلك المسألة، ولكن دعونا ننقل أبرز ما أورده بعض المؤرخين وعبر التسلسل الزمني حول هذا الحدث، لنستنتج إذا كانت هذه الواقعة دقيقة أم هي من صنع البعض، وهذا البعض أصبحت روايته عبر التاريخ مسلمة إلى درجة أننا نأخذ بها بالكامل من دون أي تمحيص:

- المكين جرجس بن العميد (ت 672هـ): ".. وأمر هولاكو أن تحرق مدينة بغداد وأطلقت فيها النيران. فتقدم إليه كتبوغا وقال: إن هذه مدينة عظيمة وهي كرسي العراق فإذا أبقيتها حصل لك منها أموال كثيرة في كل سنة، وإذا خربتها عدمت نفعها وما تعود تعمر أبدًا، فأمر أن تُطفأ النيران ويرفع السيف، وأمن من بقي من أهلها وثبّت فيها النواب ورحل عنها... "([1]).

- ابن الساعي (ت674هـ): ".. ويقال إنهم [المغول] بنوا إسطبلات الخيول وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضًا عن اللبن.. "([2]).

- محمد بن علي بن طباطبا (ت709هـ): " وتقحم العسكر السلطاني [هولاكو] هجومًا ودخولاً، فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم، والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة فما الظن بتفصيله... "([3]).

- ابن الفوطي (ت723هـ):".. وأحرق معظم البلد [بغداد] وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد... "([4]).

- الصفدي (ت 764هـ): ".. وفي ترجمة نصير الدين الطوسي: ".. فابتنى بمدينة مراغة قبة ورصدًا عظيمًا واتّخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء، وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة، حتى تجمع فيها زيادة على أربع مائة ألف مجلد.. "([5]).

- ابن كثير (ت774هـ) وعن العام 657هـ: "عمل الخواجة نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ونقل إليه شيئًا كثيرًا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد... "([6]).

- ابن خلدون (ت808هـ): ".. واستولوا [المغول] من قصور الخلافة وذخائرها على ما لا يحصره العدد والضبط، وألقيت كتب العلم التي كانت في خزائنهم بدجلة معاملة بزعمهم لما فعله المسلمون بكتب الفرس عند فتح المدائن، واعتزم هولاكو على إضرام بيوتها نارًا فلم يوافقه أهل مملكته.. "([7]).

- القلقشندي (ت821هـ): ".. خزانة الخلفاء في بغداد، فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة ولا يقوم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر ملوك بغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب، وذهبت معالمها وأعفيت آثارها.. "([8]).

- المقريزي (ت845هـ) في السلوك وعن أحداث العام (657هـ): ".. وفيها بنى هولاكو الرصد بمدينة مراغة ، بإشارة الخواجا نصير الدين الطوسي، وهو دار للفقهاء والفلاسفة والأطباء، بها من كتب بغداد شيء كثير وعليها أوقاف لخدامها.. "([9]).

- ابن تغري بردي (ت874هـ): ".. وخربت بغداد الخراب العظيم، وأحرقت كتب العلم التي كانت بها من سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا، وقيل إنهم بنوا جسرًا من الطين والماء عوضًا عن الآجر، وقيل غير ذلك.. "([10]).

- عبد الملك بن حسين العصامي المكي (ت1111هـ):.. ونهبوا الخزائن والأموال، وأخذ هولاكو جميع النقود وأمر بحرق الباقي ورمى كتب مدارس بغداد في دجلة، وكانت لكثرتها جسرًا يمرون عليها ركبانًا ومشاة وتغيّر لون الماء بحبرها الأسود.. "([11]).

ودعونا ننتقل إلى ابن بطوطة في زيارته لبغداد عام 727 هـ ، وقد أورد أن الجانب الغربي من بغداد أثناء زيارته " هو الآن خراب أكثره" ، أما الجهة الشرقية من بغداد فيذكر: "حافلة الأسواق عظيمة الترتيب، ويتحدث عن المدرسة النظامية والمستنصرية التي بقيت كما هي: ".. وأعظم أسواقها سوق يعرف بسوق الثلاثاء... في وسط هذا السوق المدرسة النظامية العجيبة التي صارت الأمثال تضرب بحسنها وفي آخره المدرسة المستنصرية.... وبها المذاهب الأربعة لكل مذهب إيوان فيه المسجد، وموضع التدريس... "([12]).

ونرى أن ابن بطوطة شاهد الجانب الغربي من بغداد قد خرب: " بعد أن كان أول قسم فيها ظهر به العمران" ، إلا أن جانبها الشرقي بقي على ما هو عليه بالمدارس الأساسية في بغداد والمعروف بأن الكتب كانت موجودة بالمدارس والأوقاف.

وفي ذكر الأوقاف يقول القلقشندي في صبح الأعشى: " قال الحكيم نظام الدين الطياري: وأوقافها جارية في مجاريها [أوقاف بغداد] لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كل وقف مستمر بيد متوليه، ومن له الولاية عليه، وإنما نقصت الأوقاف من سوء ولاة أمورها لا من سواها.. "([13]).

كما أن ابن الفوطي كان قد أشار إلى سوق الكتب في بغداد سنة 722 هـ وهو لا يزال على ما هو عليه.. ([14]).

ويتفق الصفدي وابن شاكر الكتبي والمقريزي وابن كثير على أن نصير الدين الطوسي بنى مرصده في مراغة ونقل إليه الكثير من كتب بغداد، كما أورد ابن كثير: "... نقل إليه [الرصد] شيئًا كثيرًا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد.."([15])، ولم يذكر شيئًا عن حرق الكتب أو إلقائها في نهر دجلة إلا عند ابن تغري بردي (ت874هـ) عندما أورد حرق كتب بغداد، وتحوّل الجسر من الطين والماء عنده إلى جسر من الكتب عند عبد الملك بن حسين العصامي المكي (ت1111هـ) -وهو متأخر- الذي غالى في نقل الأحداث لتصبح الكتب التي ألقيت في نهر دجلة -حسب زعمه- جسرًا "يمرون عليها ركبانًا ومشاة" وأضاف إليها:" وتغيّر لون الماء بحبرها الأسود"!!...

وإذا عدنا إلى ابن الساعي الذي كان في بغداد حينها ومعاصرًا لحادثة سقوط المدينة في أيدي المغول يقول: " يقال إنهم بنوا إسطبلات الخيول وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضًا عن اللبن".. وهو بذلك يشكك في ذلك، فلماذا لا يجزم بل يشكك؟! وهو ممن كانوا تعاقبوا على خزانة المكتبة في المدرسة المستنصرية مع ابن الفوطي وغيرهم.

ونجد عند أبن الفوطي في "مجمع الآداب في معجم الألقاب" في ترجمة عز الدين بن أبي حديد قوله:

"ولما أخذت بغداد كان [ابن أبي حديد] ممن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين مع أخيه موفق الدين، وحضر بين يدي المولى السعيد خواجة نصير الدين الطوسي، وفوّض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين والشيخ تاج الدين علي بن أنجب [ابن الساعي].. ولم تطل أيامه فتوفي.. في جمادي الآخرة من سنة ست وخمسين وستماية" ([16]). وهو بذلك يؤكد وجود الكتب وتوزيع المسؤوليات من قبل السلطة الحاكمة باسم المغول حفاظًا عليها.

وبالتالي فإن المصادر الأساسية لم تأتِ على ذكر أي سوء أصاب كتب أوقاف ومدارس بغداد، بل شككت حتى في مصداقية أن تكون تحوّلت إلى اسطبلات ومعالف للخيول، والآخرون أكّدوا على أن جزء من هذه الكتب أمر بنقلها نصير الدين الطوسي إلى مرصده في مراغة، كما أن ابن بطوطة أكّد أيضًا من خلال زيارته إلى بغداد رؤيته للمدرستين الأبرز والتي تحتوي على أغلب الكتب داخل بغداد ولم تمس بسوء، بل وأكثر من ذلك فإن القلقشندي اعتبر أن الأوقاف كانت محمية من قبل السلطة التي مثلت هولاكو: "ولم تعترضها أيدي العدوان.. إنما نقصت الأوقاف من سوء ولاة أمورها لا من سواها.. " نكون بذلك قد شككنا بصحة رواية ابن خلدون وابن تغري بردي غير المعاصرين للحدث التاريخي، ويحق لنا أن نشك في مصداقية رواية عبد الملك بن حسين العصامي المكي، لأنها أتت بفرادتها مما يدل على عدم مصداقيتها بالكامل.. فهي تخالف ما سبقها وتتفرد في المغالاة بشكل غير معقول!!

علاقة المغول بالمشرق العربي

لا بد في الختام من أن نميز بين عصر وفعل جنكيزخان وعصر وفعل هولاكو، فجنكيز خان عُرف بالبطش وبالتخريب والتدمير والحرق لما كان يقع تحت يديه من مدن وضياع المسلمين وغير المسلمين، أما هولاكو فلا يوجد روايات تؤكد بأنه كان على نفس طباع جده، أو استخدم نفس الأسلوب في اقتحامه للمدن الإسلامية وإن فعل ما فعل بجزء من بغداد، بل نجده يتواصل مع الحكام المسلمين ويقف العديد منهم معه إما خوفًا منه أو تقربًا وطمعًا في جاه أو سلطان، لذلك كان جيش هولاكو حول بغداد خليطًا من مغول ومسلمين من مدن كالموصل مثلاً. كما أن زوجة هولاكو "دوقوزخاتون" كانت مسيحية ، وقد أطلق على هولاكو وزوجته لقب " قسطنطين وهيلانة"، من قبل بعض مسيحيي الشرق.

وهو ما يدل على أن الأرض كانت خصبة للمغول هذه المرة المدعومين من حكام المنطقة ضد الخلافة العباسية الضعيفة والمهترئة.

وإن علاقة المغول بالسلطات المحلية كانت جيدة مما ساهم بانتصارهم الساحق هذا..

وهو أمر قد تكون له أسبابه، منها أن قراقورم عاصمة المغول قد شهدت زيارات العديد من ممثلي حكام المسلمين والمسيحيين تعلن التأييد والدعم للحكم المغولي خوفًا وطمعًا في إرضائه، وتقرّبًا من السلطة التي فرضت نفسها على المنطقة نتيجة لضعف حكام المسلمين وتفرقهم.

فتورد الروايات التاريخية: أن بلاط منكو قاآن، الأخ الأكبر لهولاكو وحاكم المغول، كان يتردد عليه قاضي القضاة شمس الدين القزويني، الذي كان يوغر صدر القاآن على الإسماعيليين ويبدو أن هذا القاضي كان على علاقة بالمغول ([17]).

وهو ليس بالشخص الوحيد الذي عرفه البلاط المغولي، فقد شهد هذا البلاط وفودًا تداعت من مختلف المناطق والأقاليم والدول المجاورة لدولة المغول، ومنها موفد أمير حلب الأيوبي الملك الناصر، وبدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل، وقاضي قضاة بغداد عن الخليفة العباسي نفسه، بالإضافة إلى رسل الإفرنج وقلاع آلموت([18]) الإسماعيلية محملين بالهدايا القيمة ([19]).

ومن الملاحظ، أنه وأثناء توجّه هولاكو نحو بغداد، أسرع حكام الجزيرة الفراتية إلى تقديم الولاء والطاعة للقادة المغول، خوفًا من وقوعهم فريسة للفتك المغولي، وحماية لما في أيديهم من الأملاك التي كانوا يحكمونها تحت شعارات مختلفة، ومنهم الملك الكامل صاحب ميافارقين، والملك المظفر الأرتقي ابن صاحب مدينة ماردين وقلعتها، والصالح إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل([20]).

وقد فتحت طريق ديار الجزيرة الفراتية أمام هولاكو للوصول إلى بغداد، كما استقبل هولاكو الوفود بعد سقوط بغداد ومنها وفود دولة سلاجقة الروم والملك الناصر يوسف صاحب حلب ودمشق([21]).

كما ساهم أمراء وملوك المنطقة في حصار هولاكو لمدينة ميافارقين الثائرة والتي حوصرت لعاميين متتاليين، وساهم في حصارها إضافة إلى المغول قوات من الموصل وماردين، وقوات أخرى ساهم بها أمراء الجزيرة الفراتية الذين تهافتوا على خدمة هولاكو، بالإضافة إلى قوات الملك هيثوم الأرمني([22]).

موقف أهل الذمة من الغزو المغولي

اختلف موقف أهل الذمة بين اليهود والنصارى من الغزو المغولي، فاليهود لم يذكروا أثناء دخول بغداد ودمشق وغيرها من المدن الإسلامية. وقد عانى اليهود كما المسلمين من هذا الغزو ونتائجه، فتعرضت القوات المغولية لليهود وقتلت منهم، وسلبوا وسبوا حتى إن معاناة اليهود وصلت إلى حد أنهم كانوا يرسلون نساءهم وهنّ يرتدين الزي الإسلامي إلى الأسواق بينما يبقى الرجال في البيوت([23])ـ وقد استمرت معاناتهم حتى وصول آرغون خان ابن هولاكو على رأس السلطة، الذي قرّب إليه اليهود وجعل من أحدهم وهو الطبيب سعد الدولة وزيرًا([24]).

أما وضع النصارى فكان مختلفًا، حيث سبق وصول الجيش المغولي الى بغداد، وبلاد المشرق العربي اتفاق بين مسيحي أوروبا وقاآنات المغول ([25])، وقد شمل هذا الاتفاق كل المسيحيين داخل المشرق العربي الذين كانوا قد استاءوا بشدة من معاملة بعض الحكام المسلمين لهم، لذلك اعتبر هؤلاء المغول مخلصين لهم من الحكم الإسلامي، وصوّروا هولاكو وزوجته "دوقوز خاتون" المسيحية، مخلصَين لهم، وأداتين من أدوات الانتقام الإلهي من أعداء السيد المسيح([26]).

وبذلك حكم المغول العراق ولم يستطيعوا البقاء في سوريا نتيجة لمواجهة المماليك لهم، وتحولت أملاكهم إلى ايلخانية على رأسها حكام من سلالة هولاكو، فترة من الزمن لعبوا خلالها دورًا بارزًا في تاريخ المنطقة، كما وحافظوا على وظائف الدولة وعلى مكوناتها كما كانت زمن العباسيين، وولوا عليها أتباعًا لهم من أبناء البلاد الأصليين. وساهموا في حركة العمران والتطور داخل أملاكهم الجديدة على كافة الأصعدة من إدارية واقتصادية ، كما كانت علاقاتهم مع السكان المحليين تختلف باختلاف الحاكم، إلا أنها بشكل عام كانت علاقة حاكم بمحكوم، حتى تحوّل هؤلاء الايلخانيون إلى الإسلام.

 ــــــــــــــ

([1]) ابن العميد، المكين جرجس، أخبار الأيوبيين، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، ص45.

([2]) ابن الساعي، علي بن انجب، مختصر أخبار الخلفاء، مصر: المطبعة الأميرية، ص127.

([3]) ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، ص311.

([4]) ابن الفوطي، كمال الدين ابي الفضل، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، بيروت: دار الكتب العلمية، ص236.

([5]) الصفدي، صلاح الدين خليل الدين بن ايبك، الوافي بالوفيات، بيروت: دار إحياء التراث، ج1 ص147.

([6]) ابن كثير، عماد الدين، البداية والنهاية، بيروت دار إحياء التراث العربي، ج13 ص161.

([7]) ابن خلدون، عبد الرحمن، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر، بيروت: دار الفكر، ج5 ص613.

([8]) القلقشندي، أحمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الإنشا، مصر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ج1 ص466.

([9]) المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، بيروت: دار الكتب العلمية، ج1 ص510.

([10]) ابن تغري بردي، جمال الدين، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ج7 ص51.

([11]) المكي، عبد الملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، بيروت: دار الكتب العلمية.

([12]) ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة، ص135، حسن الأمين، الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي، بيروت: دار الغدير، ص50.

([13]) القلقشندي، المصدر السابق، ج4 ص331-332.

([14]) حسن الامين، المرجع السابق، ص50. 

([15]) ابن كثير، عماد الدين، البداية والنهاية، بيروت دار إحياء التراث العربي، ج13 ص161.

([16]) ابن كثير ، المصدر السابق.

([17]) ابن الفوطي، مجمع الآداب في معجم الالقاب، ج4 ق1 حرف العين، حسن الأمين، المرجع السابق، ص49.

([18]) الهمذاني، رشيد الدين فضل الله، جامع التواريخ، القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ج1 ص223.

([19]) وكان أول من أسس طائفة الحشاشين الإسماعيلية رجل اسمه «الحسن الصباح» وهو فارسي الأصل، فاطمي العقيدة، إسماعيلي المذهب، وقد دخل مصر أيام المستعلي الفاطمي ليتعلم الزندقة ومبادئها هناك، وأثناء إقامته في مصر وقع الشقاق الكبير في البيت الفاطمي حيث انقسم المذهب الفاطمي إلى قسمين: النزارية والمستعلية، فأيد الحسن الصباح الدعوة النزارية، ثم غادر مصر وعاد إلى أصفهان، واستغوى عدداً من الجهال الأغبياء، واستولى بهم على قلعة «آلموت» بالقرب من «أصفهان،

([20]) المصدر نفسه، ج1 ص176.

([21]) ابن شداد، الأعلاق الخطيرة، دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ج3 ق2 ص479-480.

([22]) رنسيمان، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، بيروت: دار الثقافة، ج3 ص524.

([23]) ابن شداد، المصدر السابق، 3:2:490

([24]) غنيمة، يوسف رزق الله، نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق، لندن: دار الوراق، ص162.

([25]) فؤاد الصياد، مؤرخ المغول الكبير، ص62-63.

([26]) حافظ حمدي، الدولة الخوارزمية والمغول، ص282-283.

 

 

 

مفهوم الحرية من خلال كتاب

"من الشعر الأفريقي المعاصر"

(ترجمة د. حسن الغرفي) ([1])

د. حسن جعفر نور الدين

 

 

ما معنى الحرية؟

تُعتبر الحرية إحدى أهم مقوّمات الشخصيّة الإنسانيّة، وركنًا أساسًا في مسيرة الإنسان عبر الحياة، وحقًا مكتسبًا من الحقوق العامة التي نادت بها الشرائع السماوية ودعت إليها وأكّدتها في نصوص الآيات والسور القرآنية والأحاديث النبوية وتعاليم وحِكَم الأئمة (عليهم السلام)، حتى أن هذا المفهوم تناولته شرائع المدينة الأفلاطونية الفاضلة، علاوة على أن هذا الأمر جزء من صورة الإنسان في الوجود منذ أن خلقه الله، قال الإمام علي (عليه السلام): [لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا]([2]).

وموضوعنا الذي ندرسه إنما نتناوله من هذا الباب، فحِكمة الإمام علي (عليه السلام) تحتوي على مضامين كثيرة في الحرية كحرية التملك، وإبداء الرأي، والاختيار، والتنقّل، والكتابة وسواها، شرط أن لا تمسَّ حرية الآخرين كما تقول الحكمة أو المثل التالي: "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين".

والحقيقة أن الغوص في موضوع الحرية يتطلب صفحاتٍ كثيرة، ولذلك لن أتوسع في الحديث، ولكن ما أريد أن أقوله: أن الحرية التي نصّت عليها الشرائع الدينية والأحكام الوضعية، بقيت وللأسف في تفاصيلها مجرد كلام عابر، لم تُعِرْها معظم السلطات في عالمنا المعاصر احترامًا، ولم تُطبّق تطبيقًا كاملاً، وظلّت هذه القيمة الخالدة حبرًا على ورق، يُتغنّى بها في المنتديات والمحافل واللقاءات، ومجرد نصوص مذكورة في مجموعة القوانين الني نظّمت دساتير الجمهوريات والأنظمة الملكية العربية والإسلامية، والتي وضعت في يدها وسائل الحكم وكمّت الأفواه وصادرت الحقوق، ما شكّل انقلابًا على كثير من الشرائع السماوية المنظِّمة لحياة الفرد والجماعة.

كانت هذه الإطلالة المختصرة على معنى الحرية وعلاقتها بالفرد والمجتمع، مدخلاً لتقصّي معاني الحرية والعبودية في كتاب الأديب المترجم الدكتور حسن الغرفي عن الشعر الإفريقي المعاصر.

الحرية والعبوديّة في نتاج الشعراء الأفارقة

يكاد لا يخلو ديوان شاعر إفريقي من معاني الحرية والعبودية، والاستقلال والاستبداد، والعدل والظلم، إلى ما هنالك من مفردات العبودية والانعتاق، كأمثلةٍ متناقضة يعيش العالم منذ وجد تقريبًا في صراع دائم بينها.

في شعر الأفارقة تحسّ بهذه المفردات بعمق، تكاد تسمع صليل السلاسل، وترى ظلام السجون، وتبصر ألوان القهر والتعذيب ماثلة أمامك.

في هذا الشعر تقرأ صدى اللوعة ومرارة الحرمان وشدة النقمة والغضب، كمفرداتٍ لصور حقيقية عانى منها الإنسان الأفريقي، ولذلك انتقم من الحاكم والغريب والمستعمر، وأضحى يرى أن كل من هو ليس من سربه هو عدوه وخصمه الحقيقي.

قدّم الأفارقة في سبيل الحرية الكثير الكثير، عوملوا كالحيوانات يجرّون عربات المستعمرين، أُثقلت أرجل عشرات الألوف منهم بجنازير وأُلقوا في أعماق البحار ليصبحوا طعامًا للحيتان والتماسيح، كما حصل في السودان وجنوب إفريقيا، قدّموا الشهداء بالملايين كما حصل في الجزائر والكونغو وغيرهما.

وهذا غيضٌ من فيض من بركات الاستعمار الغربي على هذه الشعوب المقهورة، حتى أصبحت الحرية عَلَمًا يرفع في كل بلد إفريقي، يدعو إلى التوق والانعتاق من قيود الغرب الذي ما زال يلاحقنا حتى اليوم محاولاً إنتاج أنظمة تقف معه وتسانده، وأظنه نجح في مصادرة الكثير من هذه الأنظمة التي تكاد تضحّي بشعوبها مراعاة لمصالحه وأطماعه.

إيمي سيزير 1913م - 2008م

جزر المارتينيك

يقول سيزير شاعر المارتينيك العظيم مخاطبًا شعبه الذي رزح طويلاً تحت تأثير نير الاستعمار الفرنسي:

يا شعبي

متى تُبرز من خارج الأيام الغريبة

رأسًا هي رأسك المثبتة على كتفيك

متى تُبرز كلمتك

متى تعجّل بطرد الخونة والأسياد

وتسترد الخبز وتطهّر الأرض

وتمنحها لذويها

متى

متى تكفُّ أن تكون ألعوبة معتمة

في ملاهي الآخرين

فغدًا

متى يأتي هذا الغد يا شعبي

يندحر المرتزقة

وتنتهي الحفلة([3])

ذلك هو الصراع بين الحرية وبين العبودية، ماثل في ثنايا النص، والشاعر صريح في مجابهة المستبدّين، من خلال استعماله رموزًا تدل على الحرّية وأخرى ترمز إلى الاستعمار.

ولنستمع إلى هؤلاء الزنوج المقهورين في جزر المارتينيك، ماذا يقولون لهذا الشاعر المقاوم وهو يتحدث بلسانهم وما الذي يشعرون به، تلك هي العلاقة الحميمية بين الشاعر وأبناء شعبه في أزمنة الشدّة والظلام:

تكلّم يا سيزير

بأكثر ما في دمك الفحمي من قوة

من عمق تكلّم يا سيزير

من أكثر ما في إيمانك القوي

بالإنسان من شرف

سيزير من أجل الضعيف ستتكلّم

من أجل الأخرس .. ستتكلّم

من أجل الجائع .. ستتكلّم

من أجل كل الآلام الصامتة

تكلم عن قوة عضلاتك المغلولة

عن الأمل في خلاصنا([4])

تدلّ مقاطع القصيدة على هستيريا الاستعمار، وقسوة الظلم والبربرية التي كان يعاني منها الشعب الإفريقي، ومفردات الحرية كثيرة هنا ولا يكاد يخلو مقطع من هذا المفهوم، كذلك الكلمات التي ترمز إلى الاستبداد والعبوديّة (الضعيف، الأخرس، الآلام الصامتة، الجائع).

وهذا التماثل والتماهي الرائع بين الجمهور وبين الشاعر، حيث يفقه الشاعر هنا دوره ووظيفته، من خلال تكريس الشعر وتوظيفه لخدمة النضال، علاوة على هذا الكم الكبير من العبارات الداعية إلى الثورة والانتفاضة.

كل هذا من أجل الحرّية، الشعب يستصرخ الشعراء ليتكلموا..

فمتى نتكلم نحن في عالمنا العربي المتسكع على أبواب الاستعمار؟!

وفي قصيدة عنوانها (خسران)، يكثف الشاعر من الرموز الدالة على الظلم والاستبداد اللذين يعانيهما شعبه من الاستعمار الفرنسي، فالحقل المعجمي للقصيدة دالٌ على شيوع هذه الألفاظ سواء في وصف المستعمر أو في الحديث عن ظلاماته:

سنضرب الهواء الجديد برؤوسنا

سنضرب الأرض

بأصواتنا عارية القدم

أفلا نستطيع عبور الدهليز

دهليز الخسران

إنّ طريقًا شديدًا بِأوْردة فاترة صفراء

حيث تثب جواميس الغضب المتمردة([5])

إن عبور الدهليز، هو عبور من الظلمة إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية.

محمد الفيتوري: ولادة سنة 1930م

شاعر السودان

يقول محمد الفيتوري عندما حصل السودان على حريته:

أصبح الصبح فلا السجن ولا السجّان باق

وإذا الفجر جناحاه يرفان عليك

وإذا الحزن الذي كحّل هاتيك المآقي

والذي شدّ على الدرب وثاقًا في وثاق

والذي ذوّب ألحان الأسى في شفتيك

والذي غطّى على تاريخنا في كل وادي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي([6])

انظر إلى هذه المقابلة بين الحرية وبين الاستبداد، حقل من الألفاظ المشرقة تبشّر بالفرح والاستقلال، وأدوات المستعمر المحتل معروفة في القصيدة: السجن والسجان، الوثاق وألحان الأسى.

وقبل أن يبشّر الفيتوري بأفراح النصر والاستقلال، كان قد أشار إلى الجراح التي ملأت إفريقيا، كاغتصاب عرضها وحرمتها وتاريخها:

وتطلعتُ إلى عينيك والشعر سلاحي

عاري الجبهة كالفجر مغطى بجراحي

أتلقى عنك أعداءك أعداء كفاحي

الذين اغتصبوا عرضك مرة

حملوا عارك زهرة

عبثت أقدامهم في حرماتك

رقصوا فوق رفاتك([7])

وأي منكَر لم يفعله الاستعماريون بعد بالسودان؟!، وآخر الغيث تقسيمه إلى دولتين إمعانًا في تمزيق العالم العربي والإسلامي.

هنا يشير الفيتوري إلى دور الشعر في مواجهة المستبدين، وأهميته في رفع الروح المعنوية بين الناس، علاوة على الواجب الوطني الذي يحتّم على الشعب جميعه أن يتحرك ومنه الشعراء.

كما كان يحثُّ أحد الشعراء الفرنسيين إخوانه من الشعراء على مواجهة الجيوش النازيّة بقصائدهم النارية، فيقول ما معناه:

[أيها الشعراء، اجعلوا قصائدكم سيوفًا تغمدونها في صدور المحتلين والظالمين، وإن لم تفعلوا فاغمدوها في صدوركم، فما خُلقت الحياة لوغدٍ جبان].

وعلى أبواب النصر وهدية الاستقلال، أنشد الفيتوري قصيدته الثائرة (الفجر يدكُّ جدار الظلمة):

الفجر يدكُّ جدار الظلمة

فاسمع ألحان النصر

ها هي ذي الظلمة تتداعى

تتساقط تهوي في ذعر

ها هو ذا شعبي ينهض من إغماءاته

عاري الصدر ([8])

ليوبولد سيدار سنغور

السنغال

أول رئيس لجمهورية السنغال بعد الاستقلال، وشاعرها العملاق، ولد سنة 1906م وتوفي سنة 2001م، ترجم شعره من الفرنسية إلى العربية الشاعر المهجري اللبناني الدكتور نمر صباح ابن مدينة النبطية.

لم يكن سنغور أقل من غيره حنقًا على الاستعمار، وطلبًا للحرية والاستقلال، لقد وظّف معظم نتاجه الشعري لخدمة بلاده وإفريقيا بشكل عام، وهو المنظِّر الأكثر عنفًا والأكثر صوابًا لمفهوم (الزنوجة).

ها هو يفتخر بعزيمة السنغاليين القوية، التي تقف على أرض صلبة من القوة والثبات:

أيتها الأقنعة، إليك أيتها الأقنعة

أقدم تحتي في صمت!

أيتها الأقنعة ذات الوجوه غير المقنعة

لنكن حاضرين عند الدعوة لتغيير العالم

حضورًا شبيهًا بضرورة الخميرة

لعجين الخبز الأبيض

وإلا فمن سيبث الإيقاع في العالم

الذي اغتالته الالات والمدافع

من سيطلق صرخة البهجة

لإيقاظ الموتى واليتامى عند الشروق

يسموننا حصّاد القطن، وقاطفي القهوة، وعاصري الزيت

يسموننا رجال الموت

نحن أبطال الرقص الذين تصطك

الأرض الصلبة

تحت وقع أقدامهم القوية ([9])

إنه الصراع الحتمي بين الرذيلة والفضيلة، بين الباطل والحق، وهذا دأب جميع شعراء إفريقيا الذين وخزهم الاستعمار بأعماقهم، فصادر ثرواتهم وثقافتهم وحريتهم وجعلهم أتباعًا وإماء له، ولذلك كانت صرختهم قوية.

الشاعر ليون داماس

غويانا الفرنسية

ولد سنة 1912م ، وتوفي عام 1978م

يتحدث شاعر غويانا عن قساوة الليل تحت ظل الاحتلال، حيث الظلام والاختناق وروائح الطريق العفنة، ليال قاسية تنبجس منها روائح الدم، ليال لا اسم لها مظلمة، تُثقل صدر الشاعر وتورثه الشقاء والتعب:

هي ليال لا اسم لها

هي ليال غير قمراء

حيث يوشك الاختناق الرطب أن يأخذني

تنبجس رائحة الدم الشرسة

من كل بوق أخرس

هي ليالٍ لا اسم لها

هي ليال غير قنراء

الشقاء الذي يسكنني يجثم على صدري

الشقاء الذي يسكنني يخنقني([10])

الشاعر دينيس بروتوس ولادة 1924م

جنوب أفريقيا

يتجلى الشاعر دينيس بروتوس المولود سنة 1924م بقصائده المناضلة ضد سياسة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث كان يَستعبد عشرةٌ في المائة من عدد السكان تسعين في المائة منهم على خلفية التمييز العنصري، والشاعر شاهد على الظلم الذي لحق بشعبه من قِبل الاستعمار الانكليزي، وهو يؤكّد على الإصرار على الحياة والنصر، والكفاح من أجل الحرية مستهديًا بالمثل القائل: "حبر الأديب كدم الشهيد":

سنحيا مهما حدث

والحنو المستلب لن يخبو له أوار

المنارات الكاشفة تفتت صورتنا

العارية العزلاء

ووصايا الغول الفاشستي المتراصة

تصبّ نار صواعقها على رؤوسنا

قبل أن تُغرق غدنا في الكوارث

الأحذية الثقيلة ترجّ الباب إلى أن يتصدع

لكن مهما حدث فنحن أحياء

رغمًا عن الانقطاع ورغمًا عن التفقير

رغمًا عن الخسارة

دوريات الحراسة تنتشر على طول الإسفلت المعتم

وتفحّ فحيحها الوعيدي صوبنا

وبقساوة بالغة يعمّ الرعب الوطنَ كله

فيتحول إلى هلع وإلى بغضاء

ولكن مهما حدث فإن الحنو سيستمر حيًا([11])

في قصيدة بروتوس ضبطٌ واضح لجملة من المنكرات التي ترتكبها سلطات الفصل العنصري ضد الشعب المظلوم، إلا أن الإصرار على الحرية والصبر هما زاد المواطن، ولا مفر من النضال للحصول على الاستقلال، ولو أحصينا الحقل المعجمي للألفاظ التي تعبّر عن الوحشية والظلم لاستغرقت القصيدة برمتها.

وهذا الحنو والصبر هو الذي أوصل جنوب إفريقيا إلى الاستقلال.

فرانسوا كيو مواليد 1931م

الكاميرون

وفي الكاميرون يلمع اسم شاعرها المفلق فرانسوا كيو مواليد 1931م، وكغيره من شعراء القارة الإفريقية، يحمل سيف القصيدة ويهيله على المستعمرين:

قالوا لي

أنت لست سوى زنجي

لا يصلح إلا لخدمتنا

عملت من أجلهم فضحكوا

قالوا لي

أنت لا تصلح لشيء

سوى أن تموت من أجلنا

على ثلوج أوروبا

أرقت دمي من أجلهم

لعنوني وضحكوا

حينئذٍ عيل صبري

ولما هشّمت حلقات خضوعي الجبان

جعلت يدي في أيدي منبوذي الكون

فقالوا لي يائسين:

غير قادرين على إخفاء فتنة رعبهم

مُتْ أنتَ، فلستَ غير خائن

مُتْ...

على حين أني أفعوان بألف رأس([12])

من الصعب إدراك مدى الغضب والحنق اللذين تظهرهما قصائد الشعراء الأفارقة على دسائس الاستعمار ورسائله الغاشمة في كمّ أفواه الشعوب المغلوبة والسيطرة عليها.

رأينا في القصيدة كم يسخر المستعمرون من محكوميهم عندما يستخدمونهم بذلّ وكراهية، أخرجت المارد الإفريقي من قمقمه، فطفق يصب جام أشعاره الملتهبة على كل غدّار، حتى أينعت الثمار واخضرّ الجنى وتحققت الآمال.

توماس راها ندراها

مدغشقر

ومن مدغشقر تنطلق صيحة شاعرها المرهف [توماس راها ندراها] قوية وصارخة، تنطلق من أعماقه الملتاعة المطعونة بمِدى المستعمرين، وهو يخاطب كل مدغشقري يرجوه أن ينتفض، أن يتكلم، دفاعًا عن أرضه وحقه واستقلاله:

أنت الذي اصطفتك الآلهة

من أجل أن ينساب غناء ينابيعنا

من أجل أن تكون جبالنا جبالاً

من عميق عميق روحك

من أصخب ما في دمك

من أصفى ما في أحلامك

ستتكلم

من أجل الذين حُبست أصواتهم

وعُطّلت حياتهم

ستتكلم لغة براءتك

من أجل الذين سحقتهم الوشاية

إلى أن نضجت جلودهم

ستتكلم لغة عدالتك

من أجل الذين سُمِلت عيونهم

بالقضبان الحديدية

ستتكلم عن حبك

من أجل الذين يُقتلون

ستتكلم

من أجل الذين يُخنقون

من أجل الذين يُعذبون

من أجل المطاردين

ستتكلم من أجل المنفيين

من أجل المعتقلين

ستتكلم

من أجل الذين لا سند لهم

من أجل هذه الآلاف من الكائنات الميتة بين الأموات

المعرَّضين إلى الغيظ والكراهية في غياهب السجون

ستتكلم لكي يأتي النهار([13])

غنية هذه القصيدة بالأفكار والتطلعات والصور المعبِّرة والخيال الواقعي المترجم لأحاسيس ومشاعر ومعاناة المدغشقريين تحت سياط الاستعمار الإنكليزي، هي هي سياسة الاستعمار ، لا تختلف من بلد إلى بلد، القمع الوحشي والإعدام والتنكيل والإرهاب بشتى الوسائل، قاموس المستبدّين على مر التاريخ والذين يتشدقون اليوم بالحريات وهم أعداؤها الحقيقيون، ولذلك يدعو الشاعر المدغشقري إلى فضح المستبدّين وتعريتهم والثورة عليهم، في حقل معجمي واضح المعالم حول ألوان القهر المميتة في ذلك الصقع الإفريقي البعيد.

الزنوجة وإشكالية اللون

الزنوجة مفهوم نشأ وجاء كردِ فعل على الاستبداد الفاضح الذي كان يطال الشعوب الإفريقية السوداء، انتقامًا من الذين ينتهكون كراماتها وحقوقها بسبب لونها الأسود.

وقد نشأت هذه الحركة في الثلاثينات من القرن العشرين، هادفة إلى إعادة الاعتبار والتقدير للإنسان الأسود، أسسّها طلاب من المارتينيك ووضعوا برنامجًا محددًا لها في باريس في مجلة الدفاع المشترك، وقد ظهر منها العدد الأول الوحيد عام 1932م.

وبعد ذلك بسنتين أي سنة 1934م، ظهرت الحركة الثقافية للزنوجة والتي يعتبر ليوبولد سنغور منظّرها الأكثر عنفًا والأكثر صوابًا، فهو الذي عرّف الزنوجة بأنها: مجموع القيم الثقافية للعالم الأسود، وقد ظهر برنامج هذه الحركة في مجلة الطالب الجامعي، وقد أسسّها بباريس مع سنغور طالبان آخران من الزنوج هما إيمي سيزير من المارتينيك، وليون داماس من غويانا.

لقد اغتنت الزنوجة المفتوحة إنسانيًا، اغتنت بإسهام الحضارة الأوروبية، كما أثّرت هي بدورها في الحضارة الأوروبية.

يُعرّف المارتينيكي إيمي سيزير الزنوجة قائلاً:

زنوجتي ليست حجرًا

صممُها ينهض ضد جلبة النهار

زنوجتي ليست قطرة ماء ميت

زنوجتي ليست برجًا ولا كنيسة

هي ممتدة في أديم الأرض الأحمر

هي ممتدة في أديم السماء الحار

هي مفتضة بصبرها سحنة الإرهاق الكالحة([14])

هي رد اعتبار ودفاع عن الزنوجة التي لم يرها الكثيرون آنذاك سوى عالم أسود لا يستحق الحياة.

بين الأبيض والأسود

في قصائد ليون داماس "غويانا" دفاع حار عن الزنوجة، واللون الأسود تحديدًا، لقد تعمّق في قرارة السود وأذهانهم كراهية بعض البيض لهم، في القارتين الإفريقية والأميركية حتى أنه كان محظّرًا على السود دخول مطاعم البيض أو فنادقهم أو مدارسهم، خاصة في الولايات المتّحدة الأميركية، لذلك كان الشعر الزنجي حادًا وقاسيًا وانتقامًا من هذا التمييز الذي نهت عنه الأديان السماوية والأحاديث النبوية.

قال داماس في قصيدة عنوانها ثأر زنجي:

أبدًا لن يصبح الأبيض زنجيًا

لأن الجمال زنجي

وزنجية هي الحكمة، لأن المعاناة زنجية

وزنجية هي الشجاعة ، لأن الصبر زنجي

وزنجي هو السحر، لأن الحب زنجي

وزنجي هو الإيقاع، لأن الفن هو زنجي

وزنجية هي الحركة، لأن الضحك زنجي

لأن السلام زنجي، لأن الحياة زنجية([15])

ردة فعل على مواقف البيض واستيلائهم على السلطة وحرمان السود من حقوقهم الإنسانية في غويانا وجنوب إفريقيا والسنغال والسودان وغيرها.

ويقول شاعر ساحل العاج "زغوا نوكان" ولادة سنة 1937م:

إنا زنجي

استُعبدتُ على عهد القيصر

شيدت الأهرام والقصور وناطحات السحاب

أنا أسود كليلة لا قمرَ يُضيئها

دمي روى سهول أوروبا الأنانية

وكدّي زرع مشاتلها

وعمّر مصانع المستعمرين والأميركيين

أنا زنجي يتذكر أبدًا أغلاله الكثيرة

أنا الكادح المقتول على باب كوخه في سان دومينغو

وفي الجزائر وفي فيتنام

أنا الأسود الفخور برفع قبضتيه في وجه كل قمع

أنا شبيه بالكلب

تُرمى له العظام

أنا مثيل القرد

يلقى إليه بالموز العطن([16])

ذلك هو الزنجي، وما ذكره الشاعر داماس يندى له الجبين، إلى أي حد كان احتقار الزنجي ذي اللون الأسود، وإذلاله من قبل الاستعمار الغربي، داء الشعوب قاطبة ومصدر الظلم والبربرية. والحقل المعجمي الذي يشير إلى معاناة الزنوج يكاد يستهلك جميع مفردات القصيدة.

ويشير سنغور علنًا إلى اللون الأبيض، الأيادي البيضاء التي دمرت الحضارات والشعوب، ومعلوم من يقصد بهذه الأيادي الملطخة بدماء الأبرياء، فهو يتحدث بلغة الثورة والاحتجاج.

الأيدي البيضاء التي أطلقت الرصاصات

ودمرت الأمبراطوريات

الأيدي التي ألهبت ظهور العبيد بالسياط وأدمت جلودكم

الأيدي البيضاء المعفّرة التي صفعتكم

الأيدي المزركشة المعفرة التي صفعتني

الأيدي الواثقة التي أسلمتني للوحدة وللكراهية

الأيدي البيضاء التي حطّمت الغابة العالية

التي تهيمن على أفريقيا وسط أفريقيا([17])

ويصرخ الفيتوري بنقمة عالية على المتاجرين بالبشر، ممتهني حقوق العبيد، في صرخة مدوية داعيًا إلى الثورة والانتفاضة والتمرّد على الذات من أجل الأفضل:

لتنتفض جثة تاريخنا

ولينصب تمثال أحقادنا

آن لهذا الأسود المنزوي

المتواري عن عيون السنا

آن له أن يتحدّى الورى

أن يتحدّى الفنا

فلتنحني الشمس لهاماتنا

ولتخشع الأرض لأصواتنا

إنّا سنكسوها بأفراحنا

كما كسوناها بأحزاننا

أجل، فإنّا قد أتى دورنا

إفريقيا، إنّا أتى دورنا([18])

هكذا يزرع الفيتوري الثقة والأمل والعزيمة والثبات في وجه المستعمر الغاشم، والنصر في النهاية للشعوب المقهورة المستعبدة.

ويؤكد شاعر المارتينيك إيمي سيزير على شموخ الزنوجة وثباتها في وجه الريح، والموج الصاخب، ووقوفها في كل مكان بروح التمرد والمطالبة بالعدالة:

الزنوجة جالسة

وواقفة من حيث لا يُنتظر وقوفها

واقفة في الحوض

واقفة في المكاتب

واقفة في الجسر

وواقفة في الريح

واقفة تحت الشمس

وواقفة في الدم واقفة

و... حرّة([19])

ثم يخاطب الفيتوري الأبيض، ويعني بالأبيض كل من يستعمر القارة الإفريقية من الحكّام البيض ومن يساهم معهم في قهر هذه الشعوب المناضلة:

إياك لا تبذر بذور عداوتي

فتعود تحصد شوكها حصدا

إياك لا تزرع حقولك عوسجا

إني زرعت حقولي الوردا([20])

إنه عنوان التحدي والكبرياء في مواجهة زارعي الأحقاد والظلام.

وفي قصيدة عامرة بالنخوة والقوة، يفتخر الفيتوري بزنجيته التي علّمت الشعوب كيف تتحرر من ظالميها:

قلها لا تجبن ...لا تجبن

قلها في وجه البشرية

أنا زنجي وأبي زنجي الجّد

وأمي زنجية

أنا أسود

أسود... لكني حرٌ أمتلك الحرية

أرضي أفريقية([21])

هكذا أصبح اللون ضمن حلبة الصراع الدامي الذي ألهبه الحكّام البيض، حكّام الغرب المستعمرون الذين أصبحوا أعداء حقيقيين لهذه الشعوب السوداء المناضلة:

كانت جموع السحب

كان الدجى يرخي جناحيه على القرية

وكانت الأوجه ذات الأسى

ذات العيون الاستوائية

قد انزوت خلف سراديبها

تحلم بالنار وبالثورة

تحلم بالثأر لتاريخها

من العدو أبيض الجثة([22])

الرموز الأفريقيّة في حلبة الصراع

أدى زعماء عظام أفريقيّون أدوارًا هامة في صناعة الاستقلال ونقل شعوبهم من اليأس إلى الأمل، ومن الضعف إلى القوة، ومن اليأس إلى الرجاء.

لقد كان الأبيض عنيفًا وقاسيًا جدًا بحق الأفارقة السود، حكامًا وشعوبًا، وهذا الأبيض من أجل سلب هذا التراث العظيم اتّبع أساليب همجية نازيّة لم يمارسها عتاة الظالمين عبر التاريخ، منها طغيانه الفاضح البربري وإهانته المقصودة لشعب حر أبيّ كان ما زال يعيش فترة النهوض نحو الوعي والحياة، واغتصابه الأرض والسلطة، وتحكّمه البغيض حتى بكرامة الإنسان، واحتقاره المقيت له عبر مشاهد وتصرفات يندى لها الجبين، وما زال هذا الغربي الأبيض حتى اليوم وبعد الاستقلال يحاول أن يدخل من الشباك بعد أن خرج من الباب، وأن يُنصّب إذا أمكنه الأمرُ حكامًا يدينون له بالولاء، بغية استعادة نفوذه في السيطرة على مقدرات هذه البلاد.

وقد نجح في بلاد كثيرة وأعاد همينته بشكل غير مباشر على سياسات هذه الدول الخارجية، فنجح في تقسيم السودان وتنصيب حكّام يدينون له ولسياساته محاولاً إحاطة إسرائيل بسور من الدول السائرة في فَلَكه لضمان أمنها، ومن هنا جاءت إثارته للبلبلة في بعض الدول العربية، واحتلال العراق وتدمير ليبيا والاستيلاء على النفط العربي، عبر أساطيله واحتواء سياسات الشرق الداخلية والخارجية.

هكذا رأى الفيتوري "نيويورك" سلالة عاقة، إنها أم تقتل أنبياءها وإنّ أيديها لملطّخة، لأنها مؤذية "لا تلطّخ إلا جبينها".

إن نيويورك الحالمة حاضرة لا تطاق، يقول فيها :

ولكنهم يا نيويورك مهما نسوك

ومهما تناءوا، وراحوا يشيحون عنك

ستركض أرواحهم من بعيد إليك

لتدفن أوجهها في يديك

وتحنو عليك

وتجهش مخنوقة بالبكاء

لأنكِ أمَ، وإن كنت قاتلة الأنبياء

نيويورك يا غابة الموت، ملعونةٌ كيف كنت

فهذا الذي لطخته يداك جبينك أنت([23])

إنها ماجنة ومجردة من كل احتشام تحاول وتعمل على تحويل البِغاء إلى شيء مستساغ، فنيويورك الحالمة حاضرة لا تطاق.

من الرموز الإفريقيّة المناضلة التي وردت في كتاب "الشعر الإفريقي المعاصر" :  كوامي نكروما، الذي كان رئيسًا لجمهورية غانا، وليوبولد سيدار سنغور أول رئيس لجمهورية السنغال بعد الاستقلال، وأحمد بن بلا أول رئيس لجمهورية الجزائر الشعبية بعد زوال الاستعمار الفرنسي، وباتريس لومومبا زعيم الكونغو وشمسها المناضلة.

جميع هؤلاء مناضلون إفريقيون قادوا بلادهم إلى الحرية والاستقلال ، وإذا كان أحمد بن بلا قد نُحّي عن السلطة بانقلاب هواري بومدين وخسرت الجزائر بغيابه أحد أهمّ قلاع النضال في عصرنا الحاضر، وهو ما زال حيًا يعيش في منزله في الجزائر العاصمة وقد ناهز الخامسة والتسعين من عمره، أما سنغور فقد بقي رئيسًا للسنغال مدة طويلة، إلى أن تسلّمها منه في أوائل الثمانينات عبدو ضيوف، وأما لومومبا ونكروما فقد اغتيلا جزاء نضالهما ضد العنصرية البغيضة، يقول الفيتوري في الزعيم الجزائري بن بلا:

تنقش في الصخر حكاية جيل من أمجاد

جيل يصحو وصباح البعث على ميعاد

جيل يحمل في جنبيه عبق الأجداد

جيل لم يرهبه عصر التقتيل والاستشهاد([24])

ثم تتحقق أحلام الثورة بمليون شهيد سقطوا برصاص أعتى البربريات في العالم، الاستعمار الفرنسي، فيهتف مؤكدًا على حسّه العربي:

أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ

وإذا الماضي الذي كحّل هاتيك المآقي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي([25])

الرمز الثوري الثاني هو لومومبا، رمز البطولة والنضال يخاطبه الفيتوري قائلاً:

في قلبي أنت

البطل الأسود ذو القدمين العاريتين

الراكضتين على نهر الكونغو

كانت تركض خلفهما أشجار الغابات

كانت تتهدج لهما أنفاس الظلمات

كانت أمواج الكونغو

توغل في الركض([26])

ويتجسد لومومبا بطلاً قوميًا إفريقيًّا في قصائد شعراء ساحل العاج كما نرى مع الشاعر زغوا نوكان، حيث يعتز بالثائرين الأبطال ومنهم لومومبا بطل الكونغو الساحر:

أنا زنجي يتذكر أبدًا أغلاله الكثيرة

أتألم في الكونغو، في الموزمبيق، وفي أنغولا

من رصاص الاستعمار والإمبريالية

أنا الأسود الفخور برفع قبضتيه

في وجه كل قمع

أنا هو توسان لوفيرتير ولومومبا وبن بركه([27])

تلك هي وحدة الموقف، والحس القومي الذي جمع الثائرين في إفريقيا المناضلة، الاستعمار هو هو أينما كان، وكيفما كان.

ونكروما أبو غانا الحديدي الذي لم يرق للاستعمار، فنكروما صديق عبد الناصر ولومومبا وبن بلا، وصانع غانا الحديثة، قضت عليه مؤمرات الاستعمار والصهيونية، كما قضت على غيره من مفجّري الثورات:

نكروما يا صورة غانا

والكونغو الحر الموجات

وجهك يوقظ فيّ الماضي

يوقظ فيّ الإحساسات

يحمل لي رائحة بلادي

عبر ملايين الغابات

فأراها من خلف دموعي

وأنا مشبوب الصبوات([28])

تلك هي إفريقيا وقصتها مع الحرية والاستبداد، ومع الاستعمار، أحداث تُنسج حولها قصص وأساطير، ودروس بليغة تكشف عن الظلم المريع والبربرية التي تعفُّ عنها الوحوش والتي استخدمها الاستعمار الغربي لإذلال الشعوب الإفريقية وتحطيم شخصيتها الإنسانية.

قلت : "دروس بليغة" لعلنا نستفيد منها لنتأكد ويتأكد من في نفسه شك من ذلك من الثعبان المفترس، هذا الوحش الغربي الذي ما زال يطل من آنٍ لآخر محاولاً استعباد شرقنا العربي والإسلامي من جديد من خلال توظيف أُجَرَاء له وخدَم ينفّذون سياساته الجهنمية التي كان أفدحها إقامة ومساعدة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين الحبيبة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


([1]) د. حسن الغرفي، من الشعر الإفريقي المعاصر، جيل الرواد نموذجًا، (الكتاب 57 المرفق مع مجلة دبي الثقافية، التي تصدر عن دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، عدد شباط 2012م) .

([2]) نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، ج3، ص51، ط1، 1412هـ، دار النهضة-قم.

([3]) المصدر السابق ، ص68 .

([4]) المصدر السابق ، ص21-22 .

([5]) المصدر السابق ، ص 65.

([6]) المصدر السابق ، ص 133 .

([7]) المصدر السابق ، ص100.

([8]) المصدر السابق ص89 .

([9]) المصدر السابق ص45 .

([10]) المصدر السابق ص74 .

([11]) المصدر السابق ، ص135 .

([12]) المصدر السابق ، ص137-138 .

([13]) المصدر السابق ، ص151-154 .

([14]) المصدر السابق ، ص19 .

([15]) المصدر السابق ، ص75 .

([16]) المصدر السابق ، ص134 .

([17]) المصدر السابق ، ص39  .

([18]) المصدر السابق ، ص88-89 .

([19]) المصدر السابق ، ص85 .

([20]) المصدر السابق ، ص86 .

([21]) المصدر السابق ، ص87.

([22]) المصدر السابق ، ص88 .

([23]) المصدر السابق ، ص107-108 .

([24]) المصدر السابق ، ص104 .

([25]) المصدر السابق ، ص104 .

([26]) المصدر السابق، ص103 .

([27]) المصدر السابق، ص133-134. والمهدي بن بركه (1921-1965) من رجال السياسة المعارضين في المغرب، قتله أحد الفرنسيين بينما كان في أحد شوارع باريس في 29-10-1965، راجع الأعلام للزركلي ج7 ص312، دار العلم للملايين، بيروت.

([28]) المصدر السابق ، ص103-104 .

 

 

 

نماذج لـِ "غَيْر"

معانيها واستعمالاتها ودلالاتها في القرآن الكريم

د. بشير سالم فرج

 

 

مقدمة

من القضايا المهمّة في حياة الإنسان اهتمامه بلغته التي هي صلة التواصل مع الآخرين من بني قومه وعشيرته وأسرته. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ اللغة هي من مقوّمات وجوده، ووسيلة تقدّمه وارتقائه المعرفي والثقافي والحضاري. هذا فيما يتعلّق بأية لغة من اللغات الإنسانية، فما بالك إذا كانت هذه اللغة هي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، والتي اختارها ربّ العالمين لتكون لغة آخر الكتب السماوية؟!

من هنا جاء اهتمام علماء العربية بالحفاظ عليها بعيدًا عن اللحن والتحريف والتبديل، فقعّدوها -صرفًا ونحوًا وبلاغة ودلالة. وهكذا حفظت إلى يوم الدين بحفظ كتاب الله الكريم، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([1]).

وكلمة (غير) من الألفاظ القرآنية التي تعدّدت وظائفها ومعانيها، وذلك في ضوء السياق الذي وردت فيه وفق قواعد محدّدة ودلالات واضحة.

علمًا أنّ الأصل فيها معنى (المغايرة) إلاّ أنها جاءت لتفيد معاني أخرى عديدة، تحقيقًا لمراد الله تعالى.

من هنا، وجدت في نفسي الرغبة في إماطة اللثام عن هذه الكلمة القرآنية - نحويًا ودلاليًا في ضوء ورودها في كتاب الله العظيم.

المعنى اللغوي لـ "غير":

جاء في لسان العرب: غَيْر : من حروف المعاني، تكون نعتًا وتكون بمعنى لا، وقيل: غير بمعنى سوى، والجمع أغيار، وهي كلمة يوصف بها ويُستثنى، فإن وصفتَ بها أتبعتها إعراب ما قبلها، وإن استثنيتَ بها أعربتها بالإعراب الذي يجب للإسم الواقع بعد إلا، وذلك أن أصل (غير) صفة والاستثناء عارض([2]).

وقد تكون بمعنى (لا) فتنصبها على الحال كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}([3]).

ويرى ابن فارس في "غير": أن الغَين والياء والراء أصلان صحيحان، يدلُّ أحدهما على صلاحٍ وإصلاحٍ ومنفعةٍ، والآخر على اختلاف شيئين. فالأوّل الغِيرَة، وهي الميرَة بها صلاحُ العِيال.

والأصل الآخر: قولُنا: هذا الشيءُ غيرُ ذاك، أي هو سِواه وخلافُه. ومن الباب: الاستثناء بِغَير.

"غير" اسم ملازم للإضافة والإبهام، فلا تتعرّف ما لم تقع بين ضدين([4])، ومن ثم جاز وصفُ المعرفة بها في قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ}([5])، ولذلك قال الفرّاء أنها تتعرف بالإضافة إلى المعرفة([6]). والأصل أن تكون وصفًا للنكرة نحو: {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}([7]).

دراسة "غير" في القرآن الكريم

( أولاً ):

كلمة "غير" تدل على المغايرة، وعلى مخالفة ما بعدها لحقيقة ما قبلها أو لوصف عارض له، مثل: "الذي غير الثريا"، فالثرى يخالف الثريا في حقيقته، ونحو: "بعد أن عاتبته قابلني بوجه غير الذي أعرفه"، فحقيقة الوجه لم تتغير، وإنما الذي تغير صفته من البشاشة إلى العبوس. و(غير) كلمة موغلة في الإبهام، فلا يتضح معناها إلا بما يُضاف إليها أو بما يعتَوِرها من كلام، وقد يفيدها التخصيص أو التخفيف من إبهامها، كوقف بين ضدّين،  نحو: "التجارة غير الربا".

ولا تُعرَّف فلا يُقال: الكتاب الغير جيد، وإنما يلحق التعريف المضاف إليه فتقول: الكتاب غير الجيّد.

استعمالات "غير":

1- أن تكون مضافة لفظًا ومعنى إلى المفرد فقط، (أي ما ليس جملة أو شبه جملة) فهي لا تُضاف إلى جُملٍ مطلقًا، فتُعرب دون خلاف وتكون صفة لنكرة، نحو: "قرأت كتابًا غير جيد"، أو صفة لمعرفة تشبه النكرة، كالاسم الموصول فهو بغير صلة مبهم، نحو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}([8]). وبعض النحاة يجيز بناءها على الفتح إذا أُضيفت إلى مبنيّ، نحو قول الشاعر:

لُذْ بِقَيسٍ حين يأبَى غَيْرَهُ

 

 

تُلْفِهِ بحرًا مُفيضًا خَيْرَهُ([9])

 

وقد يسدّ الفاعل أو نائب الفاعل مسدّ خبر "غير" إذا أُضيفت إلى اسم فاعل أو اسم مفعول، نحو قول أبي نواس:

 غَيْرُ مأسوفٍ على زمَنٍ

 

 

ينقضي بالهَمِّ والحَزَنِ([10])

 

"على زمن" جار ومجرور متعلق بمأسوف على أنه نائب فاعل، سدّ مسدّ خبر "غير"، ونحو: "غيرُ مُهانٍ صديقُك".

ونحو قول الشاعر:

غيرُ لاهٍ عِداكَ فاطّرِح

 

 

اللّهوَ، ولا تَغْتَرِرْ بعارضٍ سَلِمْ

 

فكلمة "عِداكَ" فاعل لاسم الفاعل، "لاهٍ" سدّت مسدّ خبر "غير"، والاسم "لاهٍ" بعد (غير) مضاف إليه مجرور.

2- أن تُقطع عن الإضافة لفظًا ومعنى -ولا تكون إلا بعد "ليس" أو "لا" عند أغلب النحاة- فكأن المضاف إليه غير موجود أصلاً، وبشرط أن يفهم المعنى، فحينئذٍ تُعرب، نحو: "أعبُدُ اللهَ ليس غَيْرُ أو لا غير"، وهنا في إعرابها وجهان: إمّا أن تكون اسم "ليس" مرفوع والخبر محذوف، أي ليس غيرُ الله معبودًا، أو خبرها منصوب والاسم محذوف، أي ليس المعبود غيرَ الله، وكذلك "لا غير" فإن نُصبت كانت "لا" نافية للجنس، وإنْ رُفعت كانت "لا" مهملة، و"غير" مبتدأ([11]).

3- أن تُقطع عن الإضافة لفظًا فقط مع نيّة معنى المضاف إليه، وتُعرب: مبنية على الضم لشبهها بـ"قبلُ" و"بعدُ" في الإبهام، وتكون اسم ليس أو خبرها، أو أنها اسم ليس بضمّة إعراب، وقد حذف التنوين لنيّة المضاف إليه([12]).

4- أن تُقطع عن الإضافة للعلم بالمضاف إليه، وكأنه موجود فتعرب دون تنوين، فإن رُفعت فهي اسم ليس، وإن نُصبت فهي خبرها، والمعمول الثاني لـِ "ليس" في كلا الإعرابين محذوف، وفي الحالات الثلاث الأخيرة يجوز عدم ذكر المضاف إليه إذا علم، نحو: أعبد الله ليس غير.

( ثانيًا ):

اسم بمعنى "إلاّ" في الدلالة على الاستثناء، والمستثنى بها مجرور دائمًا، وهي تُعرب إعراب الاسم الواقع بعد "إلاّ"، نحو "رجع المجاهدون غيرَ زيدٍ"، وما رجع المجاهدون غيرَ أو غيرُ زيدٍ، وما رجع غيرُ زيدٍ.

( ثالثًا ):

تكون بمعنى "لا" فتُنصب على الحال، نحو: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}([13])، أي فمن اضطرّ جائعًا لا باغيًا ولا عاديًا، ونحو: {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}([14]).

- جاءت "غير" لازمة للإضافة لفظًا في القرآن الكريم في كل مواقعها، أُضيفت للظاهر، وللمُضمر، وللمعرفة، وللنكرة([15])، ويجوز أن تقع صفة لمعرفة.

- تصرفت "غير" في وجوه كثيرة من الإعراب في القرآن الكريم: فوقعت خبرًا للمبتدأ، وخبرًا لكان، واسمًا لإن، وخبرًا لها، ومفعولاً به، ومفعولاً مطلقًا، وحالاً، وزمانًا، وتابعًا، ومجرورة بالحرف وبالإضافة.

- يرى جمهور النحويين أن "غيرًا" لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة لفرط إبهامها.

وجاءت "غير" في القرآن الكريم وكلام العرب تابعة لنكرة، وتابعة لمعرفة، وجاءت في القرآن الكريم تابعة لنكرة، وهي مضافة إلى المعرفة في مواضع تزيد عن المواضع التي جاءت فيها تابعة لنكرة، وهي مضافة إلى نكرة.

أما مجيء "غير" تابعة للمعرفة ففي ثلاث آيات من القرآن الكريم، قوله تعالى:

1- {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}([16]).

فإن الغضب ضد النعمة، والأول هم المؤمنون والثاني هم الكفار([17]).

2- {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ}([18]).

3- {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ}([19]).

· الاستثناء بغير:

ذكر سيبويه أن كل موضع جاء فيه الاستثناء بـ "إلا" جاز بـ "غير" وجرى مجرى الاسم الذي بعد "إلا" لأنه اسم بمنزلته وفيه معنى "إلا"([20]).

تأتي "غير" في قراءات عِدّة ففي قوله تعالى:

1- {مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ}([21])، ذكر الزمخشري: قُرئ "غيره" بالحركات الثلاث، فالرفع على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره، والجرّ على اللفظ، والنصب على الاستثناء.

2- وفي قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ([22]).

ذكر القرطبي في تفسيره للآية الكريمة: "قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو (غيرُ) بالرفع"، قال الأخفش: "هو نعت للقاعدين"، وقرأ أبو حيوة "غيرِ" جعله نعتًا للمؤمنين،... وقرأ أهل الحرمين "غيرَ" بالنصب على الاستثناء من القاعدين... وإن شئت على الحال منهم، لأن لفظهم لفظ المعرفة"([23]).

3- قوله تعالى: :{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}([24]).

يجوز في "غير" الرفع والنصب والخفض.

4- قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}([25]).

ذكر الزمخشري وأبو حيان "غير" بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجرّ على النعت([26]).

5- قوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ}([27]).

ذكر البيضاوي في "غير" أنها بدل من الذين، على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، أو صفة له مبنية ومقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال.

6- قوله تعالى: {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}([28]).

قال العكبري: "قوله تعالى: {غَيْرَ تَخْسِيرٍ}: الأقوى في المعنى أن يكون "غير" هنا استثناء في المعنى، وهو مفعول ثانٍ لتزيدونني، أي فما تزيدونني إلا تخسيرًا.

7- قوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}([29]).

قال العكبري: و"غير" بالنصب على الحال من الفاعل في (تدخلوا)، أو من المجرور في "لكم". ويُقرأ بالجرّ على الصفة للطعام، وهذا عند البصريين خطأ لأنه جرى على غير ما هو له، فيجب أن يبرز ضمير الفاعل، فيكون غير ناظرين أنتم([30]).

8- قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ}([31]).

قال العكبري: "غير" حال من الضمير المجرور في "عليكم"، أو "لكم"، وقيل: هو حال من ضمير الفاعل في {أََوْفُواْ}([32]).

· نماذج من مواقع "غير" في الإعراب:

تقع "غير" في مواضع عدة من الإعراب.

1- فتقع خبرًا للمبتدأ كقوله تعالى: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}([33]).

2- قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم} ([34]).

قال أبو حيان في "غير": "وأن يكون خبرًا للمبتدأ، "من خالقٍ"([35]).

وتقع "غير" اسم "أنَّ" كقوله تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}([36]).

وتقع "غير" خبر "إنّ وأَنَّ"، كقوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ}([37]).

جاء في إعراب القرآن وبيانه: أن "غير معجزي" خبر أنَّ([38]).

"غير" المرفوعة تبعًا:

أصل "غير" وصف من الأوصاف، ولكن تطوّر الدلالة بسبب الاستعمال أثّر في نسيان الأصل، كما هو شأن بعض حروف الجرّ، كالحرف "على" على سبيل المثال: فتارةً تستعمل اسمًا بمعنى فوق، وأخرى تستعمل فعلاً وتُكتب "علا".

يمكن أن تُعرب صفة في أكثر المواضع التي ترد فيها حتى عندما يعربها النحاة فاعلاً أو خبرًا أو مفعولاً به، أو غير ذلك، ولكي نثبت صحة ما ذهبنا إليه، نبيّن الأمثلة التالية:

1- "ماتَ غيرُ زيدٍ" يمكن إعراب "غير" صفة لموصوف محذوف تقديره: (رجل) فيكون أصل الكلام "مات رجلٌ غيرُ زيدٍ". 

2- (زيد غيرُ مجتهدٍ) يمكن إعراب (غير) صفة لموصوف محذوف تقديره (طالب) فيكون أصل الكلام، زيدٌ طالب غيرُ مجتهد.

3- (ضربتُ غيرَ زيدٍ) يمكن إعراب (غير) صفة لموصوف محذوف تقديره (رجلاً) فيكون أصل الكلام، "ضربتُ رجلاً غيرَ زيد".

"غير" المنصوبة:

- نماذج لـ "غير" الواقعة مفعولاً به:

يقول تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ}([39]).

و"غير" مفعول به منصوب بالفتحة للفعل "يبغون".

كذلك قوله تعالى: {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}([40]).

إعراب "غير" مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره([41]).

يقول تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ}([42]).

إعراب "غير" مفعول به منصوب بالفتحة([43]).

قوله تعالى:  {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً}([44])، هو مثل قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا}([45]). "غير"، صفة قُدِّمت عليه فصارت حالاً"([46]).

قال القرطبي: و"غير" نصب بـ "أبتغي" و"ربًا" تمييز([47]).

قال تعالى: {قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }([48]).

قال ابن النحاس في إعراب القرآن الكريم عن إعراب قوله تعالى: {قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا}: مفعولان أحدهما بحرف والأصل أبغي لكم"([49]).

قال تعالى: {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}([50]).

جاء في التبيان قول العكبري في قوله تعالى: {غَيْرَ تَخْسِيرٍ}: "الأقوى في المعنى أن يكون "غير" هنا استثناء في المعنى، وهو مفعول ثانٍ لتزيدونني.

قال الزمخشري: يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها. أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم إنكم خاسرون"([51]).

قال تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}([52]). جاء في تفسير العلامة أبي السعود قوله في معنى الآية: "...ظرف لمضمر مستأنف ينسحب عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم الخ، أو معطوف عليه نحو: وارتقب يوم تبدل الأرض غير الأرض، أو الانتقام".

جاء في تفسير ابن كثير في معنى الآية الكريمة في حديث الصُُور المشهور المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: "يُبدل اللهُ الأرض غير الأرض والسماء فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا ثم يزجر الله الخلق زجرةً فإذا هم في هذه المبدلة"([53]).

يتبع =


ــــــــــــــــــــ

 


([1]) الحجر 9.

([2]) ابن منظور لسان العرب، مادة (غ ي ر).

([3]) الأنعام 145/النحل 115.

([4]) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1 ص189.

([5]) الفاتحة من الآية7.

([6]) الفراء، معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف نجاتي، محمد علي النجار، ج1، ص7، الدار المصرية للتأليف والترجمة، دون تاريخ.

([7]) الأعراف من الآية53.

([8]) الفاتحة من الآية 6.

([9]) ابن هشام، مُغني اللبيب، المكتبة العصرية، ص159، صيدا- بيروت، 1992م..

([10]) ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج1 ص191، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، مراجعة د. محمد أسعد النادري، 1415هـ - 1995م.

([11]) أنظر حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك. ج2، ص 267. دار الفكر، بيروت.

([12]) المصدر السابق، ج2، ص 267.

([13]) البقرة من الآية 173.

([14]) الأحزاب من الآية 53.

([15]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج4، ص 293، دار الجيل، بيروت – لبنان، 1408هـ - 1988م.

([16]) الفاتحة 7.

([17]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج4، ص 93. 

([18]) النساء من الآية 95. 

([19]) النور من الآية 31. 

([20]) سيبويه، الكتاب، ج1، ص 439.

([21]) الأعراف من الآية 59.

([22]) النساء من الآية 95.

([23]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص 221-222، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 1413هـ - 1993م.

([24]) فاطر من الآية 3 .

([25]) النور من الاية 31 .

([26]) الزمخشري، الكشاف، ج3، ص 72، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، ط3، 1407هـ - 1987م.

أبو حيان، البحر المحيط، ج6، ص 49، دار الفكر، بيروت – لبنان، 1412هـ - 1992م.

([27]) الفاتحة، 6-7.

([28]) هود 63.

([29]) الأحزاب 53.

([30]) العكبري، البيان، ج2، ص 1060؛ تحقيق علي محمد البجاوي، دار الشام للتراث، بيروت – لبنان، دون تاريخ. 

([31]) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } المائدة 1.

([32]) العكبري، المصدر السابق.

([33]) الزخرف 18.

([34]) فاطر 3.

([35]) أبو حيان، البحر المحيط، ج9، ص 13.

([36]) الأنفال 7.

([37]) التوبة 2.

([38]) محي الدين الدرويش، إعراب القرآن وبيانه، ج4، ص 51 ؛ ، دار الإرشاد، حمص – سوريا، ط3، 1412هـ - 1992م.

([39]) آل عمران 83.

([40]) النساء 81.

([41]) بشير فرج، إعراب القرآن الكريم (سورة آل عمران والنساء)، ج2، ص189، دار النهضة العربية، بيروت - لبنان، ط1 - 1999م.

([42]) النساء 115.

([43]) بشير فرج، المرجع السابق، ج2، ص 264.

([44]) الأنعام من الآية 164.

([45]) آل عمران 85.

([46]) العكبري، البيان، المصدر السابق، ج1، ص 278.

([47]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج7، ص 101.

([48]) الأعراف 140.

([49]) ابن النحاس، إعراب القرآن، ج2، ص69 ؛ وضع حواشيه وعلّق عليه عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1421هـ - 2001م.  

([50]) هود 63.

([51]) الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 408.

([52]) إبراهيم 48.

([53]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 564.

 

 

 

تنبيه هام

 

 

نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنه قد وقع اشتباه في العدد السابق، حيث نُسِبَت مقالة "المذاهب الأربعة" إلى فضيلة الشيخ أحمد قبيسي، بينما الصحيح أن المقالة مستقاة من كتاب "الإمام الصادق (عليه السلام) والمذاهب الأربعة" للعلامة المقدس الشيخ أسد حيدر . فاقتضى التنبيه.

 

 

 

115%