رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يصادف صدور هذا العدد من مجلة رسالة النجف في ذكرى أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) ، والذي مضى على زمن استشهاده ما يقارب ألفًا وأربعمائة عام.

وعادة ما يؤثر مرور الزمان الطويل سلبًا على استمرار الذكرى ، أو على درجة الحضور المعنوي للقادة والأبطال ، ولكن القاعدة تنعكس تماما حين يكون صاحب الذكرى هو الإمام الحسين (عليه السلام) ، إذ ها هنا يضاعف تصرُّم الزمانُ حضورَ صاحب الذكرى تجذّرًا ، ويزيده شمولاً واتساعًا ، ليمتد هذا الحضور على صفحات المكان أيضًا ، ويتغلغل في قلوب وعقول الناس على اختلاف انتماءاتهم وتنوّع معتقداتهم .

وهذا أمر لا يمكننا –في هذه العجالة- الوقوف على مختلف جوانبه وأسراره ، فنكتفي لذلك بالإشارة إلى جانب واحد منها وهو الجانب المتعلق بشخصية الإمام الحسين (عليه السلام) ، ونحن نستقي هذه الإشارة من بضع كلمات من السفر الكبير الذي كتبه الشيخ الدكتور عبد الله العلايلي حول الإمام الحسين (عليه السلام) .

يقول الشيخ العلايلي حول شخصية الإمام الحسين (عليه السلام):

(إن في إنسانيته السامية، تلتقي شعلة النبوة المقدسة بالفطرة المثالية الفذة، وتزدحم المعاني والصور، ورموز العالم المجهول . فهو روح إلهي في طبيعة بشرية، ومعنىً غيبيّ في حروفٍ من أشباح الوجود ..)

ويقول أيضًا : (وحياة الحسين (عليه السلام) عظة من التاريخ ، ولكن تَجْمَعُ التاريخ كله ، فليس معناها في حدود ما وقعت من الزمان والمكان، بل حدودها حيث لا تتسع حدود. وهي بعد ذلك حديث الشخصية الكاملة من أقطارها، ففيها القدوة الصالحة، وفيها المثل الأسمى للإنسان الكامل، والصراط السويّ للمسلم القرآني، وربما امتازت هذه الشخصية بشيء آخر عن الشخصيات التاريخية ، بأنها تقع في مضاعفات كبيرة تجمع شتى الصور بحيث تعطي في كل صورة شخصية فذّة وإنسانية رفيعة).

والمقام يضيق عن ذكر المزيد، ولكن مما يهوّن الخطب أن الكتاب مطبوع وهو في متناول أيدي القرّاء ، فعسى أن ينتفعوا بمطالعته.

( التحرير)

 

 

 

 

 

 

صبر علي يوم الدار

سياسة إلهيّة وسُنّةٌ نبويّة (2)

السيد محمد رضا شرف الدين

 

مقدمة

أما بعد فقد تعرّضنا في الحلقة الماضية إلى السياسة الإلهيّة في خلقه، وأثبتنا ابتناءها على أساس الإمهال المنطلق من حكمته تعالى وطول أناته، ومقتضى رحمته الرحمانيَة مع كمال قدرته وإطلاق إحاطته.

وقد تقدم منّا أنَّ أولياءَه هم خلفاؤه في أرضه، وحُجَجُه على عباده، يعملون بإرادته، ويهدون بأمره، ليس لهم من دونه من وليٍّ ولا نَصيرٍ، فسياستُه هي بعينها سُنَّتُهُمُ الجاريةُ بين العباد، بها إليه يدعون، وعليه بها يدلّون، وعلى طبقها يحكمون.

بل هم مظاهر صفاته وتجلّيات أسمائه؛ ومن ثمَّ كان يكفي في ردّ مزاعم الفئة المغالطة إثباتُ ما أثبتناه من سياسته، دون التعرّض لسُنَنِهِم؛ فهي هي بعينها، لا تخرمُ الأخيرةُ الأولى مُنطَلَقًا ولا مقصدًا، ولا تختلف مصدرًا ولا موردًا.

لذا لا يكاد يلحظ الباحث في سلوكيات تلك الثلّة الطيّبة ما يشذُّ عن مسلك بعضها البعض، بل يرى تطابقًا في الأدوار وفي كيفيّات أدائها، إلا فيما يتعلق بخصوصيّات الزمان والأقوام، مما يفرضه المحيط الذي لا بُدَّ وأن يُخاطَبَ بلغته التي يفهمها.

وحيث إنّنا نعيش في زمن الكسل المعرفي، وعصر إطلاق الدعاوى الفارغة، وبث الشكوك المنطلقة من عبثية الشك، ارتأينا استعراض السنن النبويّة في محطاتها الزمنيّة المتلاحقة خدمةً لطلاب الحقيقة، وتبصرةً لمن أبهر عيونَهم السوفسطائيّون الجدد بعناوينهم البرّاقة، ولغتهم الخدّاعة، ومبالغةً في الحجة، وإماطةً لما تَلثَّم به المغالطون من موضوعيّة زائفة..

ليُقطع كلُّ وهمٍ، ويُبتَّ كلُّ شكٍ وظن، ويتبلّجَ الفجرُ الصادقُ مُبدِّدًا كلَّ ظلمة، فمن أنكر ظلامة الزهراء استهجانًا من وقوعها أمام نواظر حاميها المستأمَن دون أن يشيم([1]) شبا([2]) الصارم، ويُغمِدَهُ في نحر الدّاهم، فليُنكر سننَ الأنبياء والصالحين، وليرفع راية استنكاره على ربّ العالمين، وليخلع عن رقبته ربقة الدين، وليبتدع ملةً ليس للصبر فيها محلٌّ، وليهزأ بما أعدّه الله للصابرين.

وحيث إنَّ سلوكيّات الفرد -خصوصًا ما تشابه منها- تفتقر في فهمها وإدراك مغازيها إلى فهم موقعيّة صاحبها، وإدراك طبيعة شخصيّته، كان لا بُدَّ من التذكير بأنَّ الموضوع يدور حول سلوكيّات سيّد الأئمة بعد خاتم النبيين عليه وآله أزكى صلوات المصلّين، فلا ينفك البحث في هذا المقام عن تصديره بتذكرة في موقع الإمامة ودور الإمام.

لا ريب في أنَّ الإمامة والولاية الإلهيّة ليست أمرًا اعتباريًا يُمنحُ بصورةٍ اعتباطيّة، بل هي ثمرة خصائص وميزات حقيقيّة تدور مدارها.

كفاءاتٌ تجعلُ الفردَ فردًا أكملَ تُخَوّلُهُ للقيام بما يُناطُ به من صلاحياتٍ، ويُلقى على عاتقه من مسؤوليات انطلاقًا من قضيّة التوازن بين الحقوق والواجبات والولاية والكفاءات.

إنَّ هذه الخصائص منها ما يدركه العقلُ فيؤيّده النقلُ إرشادًا، ومنه ما يَقصُرُ عن إدراكه فيتفرَّدُ النقلُ بالنَّصّ عليه.

وكلا القسمين له سهمه في منح ذلك المقام الإلهي الذي يكشف عن توفّر تلك الخصائص في صاحب المقام، فإنه تعالى وإن كان فاعلاً لما يشاء، حاكمًا بما يريدُ، لا يُسألُ عما يفعل، إلا أنّ كماله الجلالي والجمالي لا بد أن يتجلّى في أفعاله؛ فلا تنسلخ عن الحكمة ولا تفارق العدل.

ثم إنَّ تلك الخصائص منها ما يفضُلُ الأخرى فيكون له الحظ الأوفى في عمليّة استحقاق المقام، والسهم الأوفر في منح السّمة، لكنَّ العقل البشري أنّى له أن يكشف عنها وهو القاصر عن استكناه المقام، فكيف له أن يستكنه ملاكاته ويكتشف مناطاته استقلالاً؟!؛ لذا كان لا مناص له في هذا السبيل من الرجوع إلى النصِّ الصادر من الجهة المانحة؛ إذ هي العالمة بعلل منحها دون سواها.

ومع مراجعة النصوص القرآنيّة المتعلقة بمقام الإمامة في مقام تعليل منحها، أو تلك التي تناولت الموضوع من جهات أخرى نرى تصريحًا مباشرًا في الأولى، وتلميحًا واضحًا في الأخرى، ما يدل على أبرز صفة وكفاءة متوفرة في الإمام دخيلة في منح ذلك المقام.

وحيث إنَّ البحث عن هذه الجهة يفرض إفرادًا وافيًا، وبيانًا مُطوَّلاً شافيًا، نرفع التفصيل فيه إلى محلّه ونأتي بما يكتفي به أهله، انطلاقًا من آية كريمة يتلوها ما يتعلق بالغرض ملخصًا بنقاط حرصًا على عدم تشتيت القارئ الكريم بما نعتمده عادة من سبك مترامي الأطراف قد ينأى بنا عن مقصدنا في هذه الومضات.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ([3]).

1- إنَّ سياق الآية يفرض كونها نزلت في مطلق الإمامة لا الإمامة المطلقة؛ لوروده في أئمة بني إسرائيل، لكنَّ حفظَ المرتبة الدنيا ضمن المرتبة العليا مما لا يدنوه ارتياب، خصوصًا في الحقائق المشكّكة ذات المراتب، وعليه فهي مستوعبةٌ للمقام الشامل لشخصياتٍ تلبّست بمبدأ الإمامة على تعدد مراتبها.

مع أنَّ الخبر([4]) ورد بكونها نزلت في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعَنِيَتْ بوصفهم، والسّياق غير مانع من ذلك لعدم حجّيته بقول مطلق.

وعلى أية حال فهي شاملة لأئمتنا (عليهم السلام) -بناء على مفاد الخبر- بالمطابقة، وعلى الأخذ بالسياق بالتضمّن.

2- إنَّ الآيةَ الشريفةَ حيثُ كانت في صدد بيان مناطِ الجعل الإلهي للإمامة، كان لا بدَّ من تعرّضها للصفات الرئيسيّة المُقوّمةِ لذلك المناط دون الكمالات الأخرى.

3- العلم والعمل هما الجناحان اللذان بهما تحلِّق النفس البشريّة إلى أوج معراجها لتتربع على عرش الكمال.

4- لقد هتفت الآية بكون المناط في الجعل الإلهي للإمامة متكوّنًا من صفتين تنتمي الأولى منهما إلى مقام العمل والأخرى إلى مقام العلم.

5- إنَّ في تقديم الصفة العَمليّة على العِلميّة لطائف لا تخفى على أهل الإشارات يمكن استخلاصها من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}([5])، مع أنّ الصفتين بينهما تفاعلٌ تصاعُديٌّ بعيدًا عن محذور الدور؛ فكُلُّ مرتبة عَمليةٍ تستجلب مرتبةً عِلميّةً، وكُلُّ مرتبةٍ عِلميّةٍ تستجلب مرتبةً عمليّةً حالُهما حالُ مدارج السلَّم؛ إذ كلُّ درجةٍ فيه تُمَهّدُ لارتقاء الدرجة التي تليها، وهكذا مدارج الكمال مكوّنة من درجات تتراوح بين العلم والعمل ترتيبًا.

6- إنَّ الإمامة هي أعلى الرتب، وأخطر السّمات، وأرقى الصفات التي يمكن أن يتصف بها مخلوق، ومن ثَمَّ فإنَّها تستدعي في مقام تعليلِ مَنْحِها ذكرَ أعلى الرتب العَمَليّة، وأغلى الصفات السلوكيّة، حيث لو كان ما يفوقها فضلاً لكان المُتعيّنُ ذكرُهُ دونَ ذكرها.

7- فتحصَّل لنا بناءً على جميع ما تقدَّم أنَّ أسمى المراتبِ العَمليّةِ هي صفةُ الصبر، كما أنّ أعلى المراتب العلميّة هي صفة اليقين، وأنَّ هاتين الصفتين هما العلةُ في منح تلك السمةِ العُظمى، إمّا على وجه الحصر، وإمّا على نحو الفرد الأكمل بين العلل الأخرى، أو فقل الجزء الأهم بين أجزاء العلّة الواحدة.

 8- لم تنفرد هذه الآية بتقدم تلك الصفتين على سواهما من الصفات بل شواهد القرآن والسُنّة على ذلك تعصى على الإحصاء، نورد شذرًا منها مما يتعلق بالصبر:

قوله تعالى{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}([6]).

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}([7]).

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ([8]).

{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([9]).

[الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه ولا في إيمان لا صبر معه]([10]) .

قال الرضا (عليه السلام) : [لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون فيه ثلاث خصال: سُنّةٌ من ربّه، وسُنّةٌ من نبيّه، وسُنَّةٌ من وليّه.

 فالسُّنّةُ من ربّه فكتمان سره، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ([11]).

 وأمّا السُنّة من رسول الله فمداراة الناس فإنَّ الله عز وجل أمر نبيه (صلى لله عليه وآله) بمداراة الناس فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}([12]).

 وأمّا السُّنّةُ من وَليّه فالصبر في البأساء والضراء، فإنّ الله عز وجل يقول: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ}([13])]([14]).

9- إنَّ للصبر تجلياتٍ مُتعددة تتّحد في حقيقتها وإن تعدّدت في مظاهرها، قال رسول الله (صلى لله عليه وآله): [الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية]([15]). وقضية إطلاقها تقتضي شمول المراد لها بكافة تجلياتها.

10- إنَّنا إذا ما تأمّلنا في النقطتين السابعة والثامنة، وألقينا نظرة فاحصة على مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال، نخلص بشكل واضح إلى أنَّها تنتمي في جوهرها إلى صفة الصبر ورشحاتها؛ مما يُسوّغ لنا أن نطلق عليها بأنَّها أمُّ الفضائل على الإطلاق.

بعد البيان المتقدم في مقام التنظير كان لنا أن نرد جهة التطبيق لنرى أن الصبر كان العنصر الأبرز في مسيرة الأولياء والأنبياء والحاكم على غيره من الصفات في سيرتهم.

 لقد اقتفى أولياء الله تعالى من رسل وأوصياء وعباد صالحين أثر السياسة الإلهيّة، وانتهجوا منهاجه، وسلكوا سبيله منذ انطلاق المشروع الرباني، وقد بيّنوا مدى البينونة بين المقاييس الشيطانيّة الجاهليّة وبين مقاييسهم، وقد تواترت بذلك أنباؤهم في النصوص المقدّسة بحيث يُستهجن معها تهميشُ هذه الحالة، أو خفاؤها على جمهور الناس، واستهجانهم لمقتضياتها وتفاعلاتها، وقد يُعزى ذلك لسيطرة الرذائل الأخلاقية على مرتكزات هؤلاء بحيث يصعب عليهم الإذعان بها، وهي التي تتنافر مع طبعهم الثانوي الذي نسخ فطرتهم فعادت ممسوخة بعد أن كانت في أحسن تقويم.

وها نحن نيمّم الوجه شطرهم بدءًا من بكرهم وحتى خاتمهم بحسب تسلسلهم الزمني لنعود من جولتنا مزوَّدين -مضافًا إلى إثبات مُدَّعانا- وفيرَ سنابل الخير التي بذروها في عالم الفضائل، عسانا نُوَفَّق لانتهاج محجتهم البيضاء والاستمساك بعروتهم الوثقى.

نبأ ابن آدم (ع)

وبِكرُهُم في هذا المضمار ابن آدم (عليه السلام) ([16])، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}([17]).

هل كان هابيلُ جبانًا؟!، أم كان ضعيفًا؟!، ولمن منهما كان النصر المبين؟! ومن منهما مُنيَ بالهزيمة فكان من الخاسرين؟!..

في المواجهة البشريّة الأولى كَشَف مُمثّلُ الحقِّ عن موازينه وأهدافه، وحدَّد الأصلَ الأولي في طبيعة ردود أفعاله.

هدّد قابيلُ أخاه هابيل بالقتل كخطوةٍ احتجاجيّة على حُكم الباري عزَّ وجلَّ الذي تَقَبَّل قُربان أخيه دون قُربانه، ونرى طبيعة الموقف الذي اتّخذَه هابيل وردّة الفعل التي أبداها مُلَخَّصةً بهذه المعطيات:

1-       الانتصارُ لحُكم الله وحِكمته:

هذا هو الهمُّ الأوّل الذي يحمله الإنسان الرسالي؛ فالمحور الأساس عنده هو الذبُّ عن السّاحة المَولويّة.

إنّ ردّة الفعل الأوليّة على التهجّم و التهديد لم تكن انتصارًا للنفس، ولا دفعًا عنها، بل كانت بيانًا للوجه في حِكمةِ حُكمِ الله بتقبّل قُربانه وعدمِ تَقبّل قربانِ أخيه، وأنَّه لم يكن ذلك من ربِّ العالمين تحاملاً على أحدهما أو تحيُّزًا للآخر.

إنَّ التهديد الصادر من قابيل أظهر تجرّدَه عن التقوى التي هي شرط القبول، فكان حَريًّا به أن يسخط على نفسه، ويقوّمَ عوجها، عوضًا عن حسده الذي هو تَمَظهُرٌ لاعتراضه على حكم الله.

هذا ما حمله المحورُ الأوّل في موقف هابيل.

2-       إنَّ العبارة السابقة وإن كانت إخباريةً إلا أنَّها تحمل في طيّها إنشاءً إرشاديًّا، وهي أنّ طريقَ الفوز بقبول الله تعالى مفتوحٌ أمام أيِّ شخص، فمن أراد الوصولَ إليه ما عليه إلا أن يُحقّق شرطه، وبذلك يكون قد أدّى هابيلُ حقَّ إرشاد العبد مع حقِّ الذبِّ عن ساحة المعبود.

3-       لقد سنَّ طريقًا في كيفية تعامل الربانيين مع من يُضمرُ الشرَّ لهم، ويريد السوء بهم.

 إنّهم لا يتحركون من منطلق غرائزي، لا تستخِفُّهُم العصبياتُ الشخصيةُ، ولا تستزلُّهم الحَميّاتُ الجاهليّة.

 فهم يخضعون لإرادة الله تعالى في إقدامهم وإحجامهم، و حركاتهم وسكناتهم، فإذا ما حاربوا الخصم فلا لحقدٍ شخصيٍّ يحاربون، وإذا ما هادنوه فلا لضعف أو خوف يهادنون.

4-       لا ريب في أنَّ أيَّ إنسانٍ يسعى للوصول إلى ضالّته المنشودةِ وهي السعادة، وينفّر أيَّما نفورٍ من الشّقاء، وهذان الشعوران لا يختلفان من إنسان لآخر، لكنَّ الفرق يكمن في تشخيص المصاديق، وبالتشخيص الصحيح تتبيّن الموازين الحقّة من الأوهام المزيّفة.

وهنا نرى هابيلَ كيف كشفَ عنها وفرّق بينها، حين انتفض أخوه ثائرًا لكرامته المزيَّفة ليَمُدَّ يدَ العدوان إلى أخيه فينتصر لتفوّقٍ لم يكن ليمتلك مؤهلاته.

 ما هالَ هابيلَ ما رآه من سوء قصدٍ وتهديد، بل قابل قابيلَ بكل طمأنينة وسكينة مُحذّرًا إيّاه من مَغَبّة ما ينتظرُهُ إذا ما أصرَّ على موقفه؛ إذ الحقيقُ بالاضطراب هو المعتدي لا المعتدى عليه؛ لأنَّ الخطر الواقعي إنّما يكمن في الإثم والشقاء الحقيقي وهو العذاب الأخرويّ الذي هو الخُسران المبين.

وهكذا كان، انهزم قابيل في معركته، ووقع ضحيّةَ حسدِهِ، فيا لهُ من قاتلٍ مهزومٍ مقتولٍ، ويا لأخيه من مقتولٍ منتصرٍ.

لقد انتصر قابيلُ عسكريًا، وتمتَّع بعَرَضِ هذه الحياة الفانية، لكنّه اشترى بذلك الشقاءَ الأبديَّ والخسران المبين.

لقد أثنى الله على المقتول الذي لم يُدافع عن نفسه، ولم يُقابِلِ الهجمةَ بالهجمة، ولم يذمّه على شيءٍ من موقفه وإنّما صبَّ الذم على أخيه.

وعليه فليس لمُتشرّعٍ أن يغمز من قناة هابيل -أو من كانت ظروفه الموضوعيّة كظروفه فكان منه ما كان منه- فينتقد موقفه أو يُسفّه فعله.

إنَّ السُّنة التي سنَّّها هابيل (عليه السلام) كانت منهاجًا عامًّا لدى أولياء الله. ولو اتّسع المجال لأتينا بتفصيل ما ورد في النصوص الدينية من الكتاب والسنّة في هذا السياق مع ما فيها من الإشارات واللطائف التي قد لا يُلتفت إليها عادة. لكننا نكتفي بذكر نماذج تغني اللبيب في هذه العجالة.

شيخ الأنبياء نوح (ع):

وقد تقدّم منا في الحلقة الماضية ما يغنينا عن الإعادة وإن كانت لا تخلو من فائدة، وحيثيّة التعرض لسيرته هناك تختلف عنها في هذا المقام إذ كان النظر ثمَة إلى السياسة الإلهيّة، والنظر في ما نحن فيه معكوف على سنته النبويّة، حسبنا ههنا أن نذكّر بجهاده العظيم وصبره الجسيم طيلة عشرة قرون يكابد فيها ألوان الحروب النفسيّة والإعلاميّة حتى من امرأته التي تساكنه تحت سقف واحد، كلُّ هذا دون أن يبدر منه أدنى ردة فعل هجوميّة أو دفاعيّة عنيفة مستعصمًا بآية الصبر التي رقت به ليكون مفتتح عهد أولي العزم من الرسل.

خليل الله إبراهيم (ع)

ومن تلك النماذج الفذّة التي لا يمكننا التغاضي عنها: مسيرة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه وآله الصلاة والسلام.

لقد اتسمت دعوته بحالة الحوار الذاتي، ثم انتقلت إلى طور الحوار المباشر {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}([18]).

ثم ختم بعامل الصدمة: {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}([19]) ليثير التساؤل بشكل تلقائي مُلحٍّ: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}([20]) وقاد بعضَهم الاستذكارُ التسلسلي إلى الاتهام المؤكد: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}([21]) فبادرت السلطة إلى إصدار أمر باعتقاله على ذمة التحقيق {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}([22]) وباشروا بعملية الاستجواب {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}؟([23]).

فجاء الجوابُ "القُنبُلةُ" التي دوّت في أعماقهم مستخدمًا فيه أسلوب التورية متخذًا طابع التقيّة التي يجهله أو يتجاهله الكثيرون ممن يَدَّعون أنهم على ملّة إبراهيم (عليه السلام): {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}([24]).

وتلاشَت الرَّغوةُ، وانقَشَعَ الضبابُ؛ لقد أخذهم من بين أيديهم، وعن أيمانهم، وشمائلهم، ولم يترك لهم مَسْلَكًا يسلكونه، لم يجدوا بُدًّا من الإقرار بحقيقة مُرّة فيما بينهم: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}([25])، ولم يمتلكوا إلا إبداء ما أضمروه فأعلنوا عن هزيمتهم النكراء وتدحرجت كلمات الاعتراف خجلى على شفاهٍ لطالما قُلِبَتْ استهزاءً واستعلاءً على الحقِّ، وكأنّهُم يكتشفون أمرًا كان خافيًا ولأوّلِ مَرّة: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ}([26])، فاستثمر خليل الله (عليه السلام) الموقف بلسان الإشفاق متخذًا من منطق المصالح الذي يسيطر على نمط التفكير العام {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ}([27]) فإنَّ حساباتِ النفعِ والضررِ الشخصيَّ تأبى عبادةً لما لا يجلب نفعًا ولا يدفع ضرًا، قال هذا تمهيدًا لإعلان الموقف الصريح من هذا المعبود وفي التمهيد العائد إلى ما ذكر من قصوره عن نفعهم جلبًا وعن ضررهم دفعًا ما لا يخفى من براعة سياسيّة {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}([28]) أسلوب يجمع بين الصراحة واللطافة، لكنّه لم يحل دون أعلى مراتب العنف من جهتهم، إذ أفلسوا في حجتهم، والمفلس في حجته يعمد إلى استخدام العنف ستارًا يحجب به ضعفه الذي يعيشه عن الأنظار، لقد حكموا عليه بالإعدام حرقًا.. {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}([29]) إنه أشدّ العقوبات المتصورة وأقسى ما فيه انصبابه على من لم يأتِ إلا بنصيحة مشفقة أقرّت بصحتها سرائرهم.

ولمّا أنهى القومُ منطقَ الحوار معه بالتعسّف، وتحوّلت المسألةُ إلى هجومٍ شخصيٍّ يَقضي بإنهاء حياته، لم يُسجّل التاريخُ لخليل الله أدنى ردةِ فعلٍ من قول أو فعل، خلافًا لما كان عليه من إبراز الحجج القاطعة في مقام انتصاره لربّه، لقد أحجم عن أيّة خطوةٍ استنصاريّةٍ، فسكت حتى عن الدعاء بالخلاص فضلاً عن إهلاك القوم بتظلُّمِهِ إلى الله، وقد نقله العلامةُ المجلسيُّ عن ابن شهرآشوب: ... أمرَ نمرودُ بجمع الحطب... وأوقد النارَ فعجزوا عن رمي إبراهيم، فعمل لهم إبليسُ المنجنيق فرُمي به، فتلقّاه جبرئيلُ في الهواء فقال: هل لك من حاجة؟

فقال: أمّا إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل.

فاستقبله ميكائيل فقال: إنْ أردتَ أخمدتُ النار؛ فإنَّ خزائن الأمطار والمياه بيدي.

فقال: لا أريد.

وأتاه مَلَكُ الرّيحِ، فقال: لو شئتَ طيّرتُ النار.

 قال: لا أريد.

 فقال جبرئيل : فاسأل الله.

 فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي([30]).

وشاء الله أن يقهر جبروتهم

{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}([31])

{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}([32]).

كانوا هم الأخسرين، مع أنَّهم عَمَدوا -بعد فشلهم في تنفيذ الحكم الأول- إلى إصدار حكم بديل بالنفي له عن مسقط رأسه بابل([33])، وقد تمّ تنفيذ الحكم فهجر خليل الله موطنه العراق واستوطن الأرض المقدسة في فلسطين، وبذلك تظهر -مرّة أخرى- حسابات الربح والخسارة في منطق السماء مغايرة عن ما هي عليه عند أهل الأرض، وإلا فكيف يعقل أن يكون المنفي رابحًا والنافي خاسرًا، فهل من مدَّكر؟!

يتبع =


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) شام سيفه يشيمه : غَمَدَه واستلَّه، ضِدٌ. راجع القاموس المحيط للفيروز آبادي ج 4 ص 137

([2]) شبا كل شيء حدّه وطرفه.

([3]) السجدة 24.

([4]) تفسير أبي حمزة الثمالي ص 263، تفسير فرات الكوفي ص 329، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحاكم الحسكاني ج 1 ص 583، بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 24 ص 157.

([5]) العنكبوت 69.

([6]) فصّلت 35.

([7]) آل عمران من الآية 146.

([8]) البقرة من الآية 153.

([9]) الزمر من الآية 10.

([10]) نهج البلاغة - شرح محمد عبده - ج 4 ص 18، روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 422، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار لعلي الطبرسي ص 61.

([11]) الجن 26-27.

([12]) الأعراف 199.

([13]) البقرة من الآية 177.

([14]) الكافي الشريف للشيخ الكليني ج 2 ص 241، أمالي الشيخ الصدوق ص 408، روضة الواعظين الفتال النيسابوري ص 422.

([15]) التمحيص لمحمد بن همام الإسكافي ص 64 ، الكافي الشريف للشيخ الكليني ج 2 ص 91.

([16]) لم يصرّح الكتاب الكريم باسمه ولكن الأحاديث الشريفة والتواريخ تواترت بأن اسمه (هابيل).

ويظهر من الآيات الآتية وبعض الأحاديث الشريفة علو مقامه، بل في بعضها أنّه من حملة العلوم والأسرار والمواريث النبوية، راجع على سبيل المثال: الكافي الشريف ج8 ص114، وكمال الدين وتمام النعمة للصدوق ص214، ومن ثَمَّ نرى في دعاء الاستفتاح المأثور عن إمامنا الصادق (عليه السلام) في العمل المشتهر بأم داود بن الحسن: [اللهم صلِّ على هابيل وشيث وإدريس ونوح..] مصباح المتهجد لشيخ الطائفة الطوسي (قدس) ص808 حيث أدرج اسمه الشريف في رأس سلسلة الأولياء من الأنبياء والأوصياء في مقام الصلاة عليهم توسلاً بهم إلى الله تعالى.

([17]) الأعراف 27 - 30.

([18]) الأنبياء 52-56.

([19]) الأنبياء 57.

([20]) الأنبياء 59.

([21]) الأنبياء 60.

([22]) الأنبياء 61.

([23]) الأنبياء 62.

([24]) الأنبياء 63.

([25]) الأنبياء 64.

([26]) الأنبياء 65.

([27]) الأنبياء 66.

([28]) الأنبياء 67.

([29]) الأنبياء 68.

 ([30]) بحار الأنوار ج68 ص156 ونحوه شرح أصول الكافي للمازندراني ج12 ص533، تفسير السمرقندي ج2 ص432، تفسير البغوي ج3 ص250، أما ما ورد بطريق معتبر في قصص الأنبياء للراوندي ص108 عندنا فهو النص التالي: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أخبرني أبي عن جدي عن النبي صلوات الله عليه وآله عن جبرئيل عليه الصلاة والسلام قال: لما أخذ نمرود إبراهيم (عليه السلام) ليُلقيه في النار، قلتُ: يا ربِّ! عبدك وخليلك ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، قال الله تعالى: هو عبدي آخذه إذا شئت، ولما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، تلقّاه جبرئيل (عليه السلام) في الهواء وهو يهوي إلى النار، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، وقال: يا اللهُ يا واحدُ يا أحدُ يا صمدُ ، ويا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، نجنّي من النار برحمتك. فأوحى الله إلى النار : {كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم}. وبعده مثله.

([31]) الأنبياء 69.

([32]) الأنبياء :70-71.

([33]) راجع تفسير القمي ج1 ص332.

 

 

 

 

الفاتحةُ الخاتمة!

باسم الذي فَطَرَ الأكوانَ عن عدَمِ                    
                    ربِّ البرايا وربِّ اللوحِ والقلَمِ
ثمَّ الصَّلاةُ على الهادي وعترتِهِ                    
                    خيرِ البريَّةِ مِن عُربٍ ومن عجَمِ
المصطَفَينَ على كل الخلائق لم                    
                    يلحقهُمُ أحدٌ في العلمِ والحِكَمِ
قد خصَّهُم ربُّهم من بَدءِ نشأتِهم                    
                    من نورِهِ نورُهُم يُشتقُّ في القِدَمِ
واشتقَّ أسماءَهم ربُّ الخلائقِ من                    
                    أسمائِهِ فَسَمَت في عالَمِ الكَلِمِ
أسماؤُهُم وُجِدت من قبلِ آدمِنا                    
                    بها رجا توبةً من بارئِ النَّسَمِ
لا سيِّما فاطمٌ من فاطرٍ شَقَّهُ الـ                    
                    ـلَّهُ اعتناءً بها سبحانَ ذي الكرمِ
ففاطرٌ لجميع الخلقِ وهي غدًا                    
                    في الحشرِ فاطمةٌ للعفو والنَّقَمِ
طوبى لشيعتِها دنيا وآخرةً                    
                    ثمَّ الصَّلاةُ ختامًا خيرَ مختَتَمِ

 

تقديم

[قول: "لا أعلم" نصفُ العلم]([1])، فلا يقدح في المعرفة الجهلُ بمسائل معدودة، وإنما يُستدَلُّ بقول العالِمِ: "لا أدري" على تقواه، وأنَّه لا يُجازِفُ في أحكامه وفتاواه؛ ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): [لا يَسْتَحْيِي العالمُ إذا سُئِل عمَّا لا يَعلمُ، أن يقولَ: لا عِلمَ لي بِهِ]([2]).

(وإنَّما يمتنعُ مِن "لا أدري" مَن قلَّ علمُهُ، وعُدمت تقواه وديانتُهُ، لأنه يخافُ -لِقُصوره- أن يسقطَ من أعين النَّاس، وهذه جَهَالةٌ أخرى منه؛ فإنَّه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمُ، يبوءُ بالإثم العظيم، ولا يصرِفُهُ عمَّا عُرِف به من القُصُور، بل يُستَدَلُّ به على قصوره.

ومن المعلوم أنَّه إذا رُئِيَ المحقِّقون يقولون في كثيرٍ من الأوقات: "لا أدري"، وهذا المسكين لا يقولُها أبدًا، يُعلم أنَّهم يتورَّعون لِدِينهم وتقواهم، وأنَّه يجازفُ لِجهلِهِ وقِلَّةِ دِينه، فيقعُ فيما فرَّ منه، ويتَّصف بما احترز عنه، لفساد نيَّتِهِ وسوءِ طويَّتِه)([3]).

ومن سجايا الحكماء، وسِمات العقلاء، [أنْ يَقولوا ما يَعْلمونَ، وَيَقِفوا عِندَ ما لا يَعلَمُونَ]، وهو حقُّ الله على العباد، كما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) ([4]).

فإذا رأيتَ أحدَ المتطفِّلين على موائد أهل العلم -وقد أعوزَهُ الفَهمُ لِدَرْك مسألةٍ من المسائل المتعلِّقَةِ بالدِّين، ولا سيَّما المتعلِّقة بالصفوة المعصومين (عليهم السلام)- وقد تَركَ لِذوقيَّاتِهِ وافتراضاتِهِ الزِّمامَ في إصدارِ الأحكام، وراحَ ينفي ما أثبَتَهُ الدَّليلُ، ويُثبتُ رأيَهُ بالأباطيل، غيرَ مُكتَرِثٍ لتحذيرِ مُحَذِّر، ولا آبهٍ لإنذارِ مُنذِر؛ فاعلَمْ أنَّ لسانَهُ كاشفٌ عن هويَّتِهِ، مُظهِرٌ لمُضمَرَات طَويَّته.

ولقد قال أميرُ الكلام (عليه السلام): [ما أضمَرَ أحدٌ شيئًا إلا ظَهَرَ في فَلَتَات لسانه، وصَفَحَاتِ وَجهِهِ]([5])، و[المرءُ مخبوءٌ تحتَ لسانِهِ]([6])، و[الألسنُ تُتَرجِمُ عمَّا تُجِنُّه الضَّمائِرُ]([7]).

وظيفةُ العلماء تِجاهَ السُّفهاء

وعند مواجهة أمثالِ هؤلاءِ، لا بدَّ لنا من اتخاذ الموقف المناسب في التَّعامُلِ معهم، ومع ما يصدرُ عنهم، مستضيئين بهدي الثقلين، القرآن والعترة المعصومة (عليهم السلام).

روى المُحَدِّث الفقيه ابن إدريس الحلِّي (ره)، بإسناده عن المحدِّث العارف الجليل الحارث بن المغيرة، قال: لقيني أبو عبد الله (عليه السلام) في بعضِ طُرُق المدينة ليلاً، فقال لي: [يا حارثُ]. قلت: نعم. قال: [أما لأحمِلَنَّ ذنوبَ سُفهائِكُم على عُلَمائِكم]. ثمَّ مضى.

قال: ثمَّ أتيتُهُ، فاستأذنتُ عليه، فقلتُ: لِمَ قلتَ: [لأحمِلَنَّ ذنوبَ سُفهائِكُم على عُلَمائِكم]، فَقد دَخَلَني من ذلكَ أمرٌ عظيم؟!

قال: [نعم! ما يَمنَعُكُم -إذا بَلَغَكم عن الرَّجُلِ مِنكُم ما تكرهونَهُ، من ما يُدخِلُ علينا به الأذى والعيبَ عندَ النَّاس- أنْ تأتوهُ، فتؤنِّبوهُ، وتعظوهُ، وتقولوا له قولاً بليغًا]؟. فقلت له: جُعِلتُ فداك! إذًا لا يَقبَلُ مِنَّا ولا يُطيعُنا؟!

فقال: [فإذن اهجُرُوهُ عند ذلك، واجتَنِبوا مُجَالَسَتَه]([8]).

ولا يخفى أنَّ الأمر بالهجران واجتناب مُجالَسَتِهم ومَجَالِسِهم إنَّما هو وظيفةُ العلماء تِجاه سفهائهم، وأمَّا وظيفتُهُم تِجاه الناس -الذين قد يقعُ الضَّعيفُ منهم في شباك أولئك السفهاء- فهي إظهار العلم عند ظهور البِدَع، [فَمَنْ لَم يَفْعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ الله] كما قال رسولُ الله (صلى لله عليه وآله) ([9]).

هويَّةُ البحث والداعي إليه

من المسائلِ المسلَّمَةِ عند كافَّة علماء الشِّيعة الإثني عشريَّة (أعزَّ الله كلمتهم)، مسألةُ اشتقاقِ أسماء الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) من أسماء الله تعالى.

ولم أعثُر على واحدٍ من علمائنا ناقش في ثبوت ذلك الاشتقاق، رغم البحث الواسع الذي قُمنا به، واستقصينا جميع أطرافه، بحسب الطُّرُق المتاحة، من سؤال أهل الاختصاص، واستقراء المصادر الحديثية وغيرها، بما يتعيَّنُ معه الجزمُ بكون المسألة من المتسالَمِ عليه.

وسترى في فصول البحث الأدلَّةَ والبراهين على ما ذهبنا إليه، وَبَنَيْنا عليه، من رواياتٍ نرويها، وكلماتٍ عن أكابر علمائنا نحكيها، وتحقيقاتٍ نهذِّبُها ونشيِّدُ مبانيها.

غير أنَّ اسمًا من هذه الأسماء الخمسة الشريفة يثير التَّساؤلَ -عند العوام والمبتدئين- حول كيفيَّة اشتقاقه، ووجه الارتباط بينه وبين ما اشتُقَّ منه، وهو اسم (فاطمة) المشتقُّ من اسم (فاطر).

فالنَّاس اعتادوا على الاشتقاق الصغير، وهو ما اشترك فيه المشتقُّ والمشتقُّ منه، في أصل المعنى مضافًا إلى الحروف الأصول، نحو: علم وعالم.

لكن في اشتقاق (فاطمة) من (فاطر) اختلف الأمر، فلا الاشتراك في أصل المعنى واضحٌ، ولا الاشتراكُ في الحروف الأصول متحقِّق، ممَّا يدعو إلى البحث عن حقيقة هذا الاشتقاق، الذي لا ريب في ثبوته، كما أسلفنا.

وقبل سبع سنين -تقريبًا- جمعنا مجلسٌ من مجالس قم المقدسَّة بأحد الفضلاء، فجرى بيني وبينه حوارٌ حول حقيقة هذا الاشتقاق، كان الباعث لي على البحث والتحقيق في هذه المسألة، نشرًا لفضيلةٍ من فضائل سيِّدة الفضائل فاطمة ÷، وتشديدًا لها في قلوب المؤمنين، وإرغامًا لأنوف أهل الشك والريبة، بعد أن كثَرَ الدُّخلاءُ على علوم العربيَّة والموائد المعرفيَّة، القائلون بغير علم، والمتقوِّلون على الله وأوليائه بغير الحق، والمتحيِّنونَ الفُرَصَ للنيل من عقيدة بسطاء المؤمنين، بُغيةَ إضلالهم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}([10])، و{إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}([11]).

وقد قسَّمت البحث إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول: اشتقاق (فاطمة) من (فاطر) في الإرث الحديثي

الفصل الثاني: وجوه الاشتقاق المحتَمَلَةُ في المقام

الفصل الثالث: الاشتقاق الأكبر في الميزان اللُّغوي

والحمد لله أولاً وآخرًا على نعمةِ الانقياد لمحمد وآل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

الفصل الأول

اشتقاق (فاطمة) من (فاطر) في الإرث الحديثي

لمَّا كانَ محورُ البحثِ، وقطبُ رحاه اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر)، ولا يحسنُ الخوض فيه قبل إثبات وقوعه، ولا طريق إلى إثبات وقوعه إلا من خلال تراجمة وحي الله آلِ محمَّد (صلوات الله عليهم)؛ كان لا بدَّ من الرجوع إلى الرِّوايات الشَّريفة الدالَّة على ذلك، ليُعلمَ أنَّ البحثَ ليس في ثبوت الاشتقاق -إذ هو أمرٌ مفروغٌ منه- وإنَّما في بيان كيفيَّته وفهمِ حقيقته.

وقد  قمنا بالتقاط ما أمكننا من دُرَرِ الروايات التي تعرَّضت لذكر اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر) -ولا ندِّعي الاستقصاء التَّام، فقد يكون ما خفي عنَّا أكثرَ ممَّا جمعناه- وأثبتنا أسانيدها على كثرتِها؛ ليتضح تحقق التَّضافر الموجب لاطمئنان النفس بصدور المضمون عن الحجَّة المعصوم (عليه السلام).

رواةُ أحاديث الاشتقاق

ورواياتُ الاشتقاق التي عثرنا عليها من الكثرةِ بمكان، اخترنا منها اثنتي عشرَ روايةً، مأخوذةً من أمَّهات المصادر الرِّوائيَّة، وقد انتهت أسانيدُها إلى سبعة أشخاص، عن رسول الله (صلى لله عليه وآله)، وهم على التَّرتيب: ثلاثةٌ من المعصومين (عليهم السلام)، وأربعةٌ من الصَّحابة:

الأول: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الثاني: الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام).

الثالث: الإمام الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام).

الرابع: سلمان المحمَّدي (رضوان الله عليه).

الخامس: عبد الله بن عباس.

السادس: أنس بن مالك.

السابع: أبو هريرة.

ومُعظمُ هذه الروايات وإنْ رُويَت في مصادرنا، إلا أنَّ جملةً من أسانيدِها عاميَّةٌ، مضافًا إلى أنَّ لها شواهد كثيرة في مصنَّفاتنا ومُصنَّفات المخالفين، كما سنُشيرُ إليه في نهاية هذا الفصل.

وها نحنُ نتبرَّكُ بِذِكرِ الرِّوايات الشَّريفة مع أسانيدها -كما أشرنا- على حسب التَّرتيب الزَّمنيِّ للمصادر، مُبتدئينَ بالأقدمِ فما يليه.

علمًا بأنَّ جميعَ هذه الروايات إنَّما نرويها بسند متَّصلٍ إلى مصادرها، وِفْق أسانيد كتاب [ثَبْت الأسانيد العوالي] لخاتمة الرِّجاليِّين  سيِّدنا ومولانا العلامةِ المحقق، والرجاليِّ المدقِّق، السيد محمد رضا الحسيني الجلالي (رعاه الله وسدَّد خطاه)، بإجازةٍ خطيَّةٍ من يده الشَّريفة.

* الرِّوايةُ الأولى: كتاب التَّفسير، للإمام العسكري (عليه السلام) (260هـ).

بالإسناد عن الإمام العسكري (عليه السلام)، قال: [وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): [حدَّثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله (صلى لله عليه وآله)، قال: يا عبادَ الله! إنَّ آدم لمَّا رأى النُّورَ ساطعًا من صُلبِهِ، إذْ كانَ اللهُ قد نَقَل أشباحَنَا مِن ذِروة العَرْشِ إلى ظَهْرِهِ، رأى النُّورَ وَلَمْ يتبيَّن الأشباحَ -إلى أن قال- فقال: يا ربِّ! ما هَذِهِ الأشباحُ؟

قال الله تعالى: يا آدمُ! هذه أشباحُ أفضلِ خلائقي وبريَّاتي، هذا محمَّدٌ، وأنا المحمودُ الحميدُ في أفعالي، شَقَقْتُ له اسمًا من اسمي. وهذا عليٌّ، وأنا العليُّ العظيمُ، شَقَقتُ له اسمًا من اسمي. وهذه فاطمةُ، وأنا فاطرُ السَّماواتِ والأرض، فاطمُ أعدائي عن رحمتي يوم فصلِ قضائي، وفاطمُ أوليائي عمَّا يَعْتَريهم ويُسيئُهُم، فَشَقَقتُ لها اسمًا من اسمي...]([12]).

* الرِّوايةُ الثَّانية: شَرْحُ الأخبار، للقاضي النُّعمان (363هـ).

بإسناده، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله (صلى لله عليه وآله) يقول: [لمَّا خلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدمَ (عليه السلام)، وَنَفَخ فيهِ مِن رُوْحه، نَظَرَ آدمُ (عليه السلام) يُمنَةَ العرش، فإذا من النُّورِ خمسةُ أشباحٍ على صُورَتِهِ، ركَّعًا سُجَّدا.

فقال: يا ربَِّ هل خَلَقتَ أحدًا منَ البَشَرِ قَبلي؟

قال: لا. قال: فَمَن هؤلاءِ الَّذين أراهُم على هَيئَتي وعلى صورتي؟

قال: هؤلاءِ خمسةٌ من وُلدِكَ، لولاهم ما خَلَقْتكَ، ولا خلقتُ الجنَّةَ ولا النَّار، ولا العرشَ ولا الكرسيَّ، ولا السَّماءَ ولا الأرضَ، ولا الملائكةَ ولا الإنسَ ولا الجنَّ.

هؤلاءِ خمسةٌ، اشتَقَقتُ لهم أسماءً من أسمائي.

فأنا المحمودُ وهذا مُحمَّدٌ، وأنا الأعلى وهذا عليٌّ، وأنا الفاطرُ وهَذِهِ فاطمةُ، وأنا الإحسانُ وهذا الحسنُ، وأنا المُحسِنُ وهذا الحُسينُ.

آليتُ بِعِزَّتي! أنْ لا يأتيَنِي أحدٌ بِمِثقالِ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ -مِن حُبِّ أحدٍ منهم- إلا أدخلتُهُ جَنَّتي.

وآليتُ بِعِزَّتي! أنْ لا يأتِيَني أحدٌ بِمِثقالِ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن بُغضِ أحدٍ منهم إلا أدخَلْتُهُ ناري، ولا أبالي.

يا آدمُ! وهؤلاءِ صَفْوَتي مِن خلقي، بِهِم أُنجي، وَبِهِم أُهلِكُ]([13]).

*الرِّوايةُ الثَّالثة: أيضًا، شَرحُ الأخبار.

قال القاضي: صفوان الجمَّال، قال: دخلتُ على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، وهو يقرأُ هذه الآية: {فَتلقَّى آدمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ثمَّ التفتَ إليَّ، فقال: [يا صفوان!.. -إلى أن قال (عليه السلام):- فَلمَّا أنْ وَقعَ آدمُ في الخطيَّة، قال: يا ربِّ! بحقِّ هؤلاءِ الأشباحِ اغفرْ لي؟

فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: إنَّك توسَّلتَ إليَّ بِصَفْوَتي، وقد غَفَرتُ لكَ.

قال آدمُ: يا ربِّ! بالمغفرةِ الَّتي غفرتَ إلَّا أخبرتني مَنْ هُم؟

فأوحى اللهُ إليه: يا آدمُ! هؤلاءِ خمسةٌ مِن وُلدِكَ، لِعَظيم حَقِّهم عندي اشتَقَقْتُ لهم خمسةَ أسماءٍ من أسمائي، فأنا المحمودُ وهذا مُحمَّدٌ، وأنا العليُّ وهذا عليٌّ، وأنا الفاطرُ وهذِهِ فاطمةُ، وأنا المُحسنُ وهذا الحسنُ، وأنا الإحسانُ وهذا الحسينُ]([14]).

*الرِّوايةُ الرَّابعة: معاني الأخبار، للشَّيخِ الصَّدوق (ره) (381هـ).

بإسناده، عن طاووس، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله (صلى لله عليه وآله) لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): [لمَّا خَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ ذِكْرُهُ آدمَ، ونَفَخ فيه من رُوحِهِ، وأسجدَ له ملائكتَهُ، وأسكَنَه جنَّتَه، وزوَّجَهُ حَوَّاءَ أمَتَه، فَرَفَع طرْفَهُ نحو العرش، فإذا هو بِخَمسةِ سُطورٍ مكتوباتٍ، قال آدمُ: يا ربِّ! ما هؤلاءِ؟

قال تعالى: هؤلاءِ الَّذين إذا تَشَفَّعَ بهم إليَّ خَلْقي شفَّعْتُهم.

فقال آدمُ: يا ربِّ! بِقَدرِهِم عندكَ، ما اسمُهُم؟

فقال: أمَّا الأوَّلُ فأنا المحمود وهو محمَّدٌ، والثَّاني فأنا العالي وهو عليٌّ، والثالثُ فأنا الفاطرُ وهي فاطمةُ، والرَّابعُ فأنا المحسِنُ وهو الحسَنُ، والخامِسُ فأنا ذو الإحسانِ وهو الحسَينُ، كلٌّ يحَمَدُ اللهَ تعالى]([15]).

*الرواية الخامسة: أيضًا، معاني الأخبار.

بإسناده، عن عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ الهاشميِّ، عن جعفرَ بنِ محمَّدٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ (عليهم السلام)، قال: [كانَ رسولُ الله (صلى لله عليه وآله) ذاتَ يومٍ جالسًا، وعندَهُ عليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ (عليهم السلام)، فقال: والَّذي بَعَثَني بالحقِّ بشيرًا، ما على وَجْهِ الأرضِ خَلْقٌ أحبَّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ولا أكرمَ عليه مِنَّا.

إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى شَقَّ لي اسمًا من أسمائِهِ، فهو محمودٌ وأنا محمَّدٌ، وشَقَّ لكَ يا عليُّ اسمًا من أسمائِهِ، فهو العليُّ الأعلى وأنت عليٌّ، وشَقَّ لكَ يا حسَنُ اسمًا من أسمائِهِ، فهو المُحسنُ وأنتَ حَسَنٌ، وشَقَّ لكَ يا حسينُ اسمًا من أسمائِهِ، فهو ذُو الإحسانِ وأنتَ حسينٌ، وشَقَّ لكِ يا فاطِمَةُ اسمًا من أسمائِهِ، فهو الفاطرُ وأنت فاطمة...]([16]).

*الرِّوايةُ السَّادِسة: مُقتَضَبُ الأثَر، لأحمد بن عياش الجوهري (401هـ).

بإسناده، عن الأعمشُ، عن محمَّدٍ بنِ خَلَفٍ الطَّاطَري، عن زَاذانَ، عن سَلمان، قال: دَخَلتُ على رسول الله (صلى لله عليه وآله) يَومًا، فلمَّا نَظَر إليَّ قال: [...يا سَلمانُ! خَلَقَني اللهُ مِن صَفْوَةِ نُورِهِ، وَدَعاني فأطعْتُهُ، وَخَلَق مِن نُوري نُورَ عليٍّ (عليه السلام)، فَدَعَاهُ إلى طاعتِهِ فأطاعَهُ، وخَلَقَ مِن نُوري ونُورِ عليٍّ فاطمةَ، فَدَعاها فأطاعتْهُ، وَخَلَق مِنِّي ومِن عليٍّ وفاطمةَ الحسنَ والحسينَ، فَدَعَاهُما فأطاعاهُ، فَسَمَّانا اللهُ عزَّ وجلَّ بِخَمسةِ أسماءٍ من أسمائِهِ.

فاللهُ محمودٌ وأنا محمَّدٌ، واللهُ العليُّ وهذا عليٌّ، واللهُ فاطرٌ وهذه فاطمةُ.. الحديث]([17]).

*الرِّوايةُ السَّابعة: دَلائلُ الإمامة، لابن جرير الطبري الشِّيعي (ق 4هـ).

بإسناده، عن سليمانَ الأعمشَ، عن محمَّد بن خلفٍ الطَّاطري، عن زاذانَ، عن سلمانَ (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسولُ الله (صلى لله عليه وآله): [إنَّ الله تباركَ وتعالى لم يَبْعَثْ نبيَّا ولا رَسُولاً إلا جَعَلَ لهُ اثني عَشَرَ نقيبًا...]([18])، وساق الحديث كما في مُقتَضَب الأثر.

تنبيه: إنَّما نقلنا روايةَ دلائل الإمامة -مع كونِها متَّحدَةً مع روايةِ المقتَضَب متنًا- لاختلافِهِما في الإسنادِ إلى الأعمش، من جهة، وَلِكونِ الأعمش وَمَن بعدَهُ لا ضَعْفَ فيهم، من جهةٍ أُخرى.

وَمِثلُ هَذينِ الاسنادين يَعضُدُ أحدُهُما الآخرَ كما لا يخفى.

*الرِّوايةُ الثَّامنة: تَنبيهُ الغافِلِين، لِلمُحسن بنِ كرامة (494هـ).

قال: روى السَّيِّدُ الإمامُ أبو طالب يحيى بنُ الحسينِ (أجزَلَ اللهُ ثوابَهُ)، بإسنادِهِ عن جُوَيبر، عن الضَّحاك، عن ابن عبَّاس، قال: [لمَّا أمَرَ اللهُ تعالى آدمَ بالخروجِ من الجَنَّة، رَفَعَ طَرْفَهُ نحوَ السَّماء، فَرَأى خمسةَ أشباحٍ عن يمينِ العَرْش، فقال: إلهي! هل خَلَقْتَ خَلْقَا قبلي؟

فأوحى اللهُ تعالى إليه: أمَا تَنْظُرُ إلى هذه الأشباح؟ قال: بلى.

قال تعالى: هؤلاءِ الصَّفوةُ مِن نُوري، اشْتَقَقْتُ أسماءَهُم مِن اسمي، فأنا اللهُ المحمودُ وهذا محمَّدٌ، وأنا العليُّ وهذا عليٌّ، وأنا الفاطرُ وهذه فاطمةُ، وأنا المحسِنُ وهذا الحسَنُ، ولِيَ الأسماءُ الحسنى وهذا الحسينُ.

فقال آدمُ: فَبِحَقِّهم اغفرْ لي!

فأوحى اللهُ تعالى إليه: قَدْ غَفَرْتُ لكَ]([19]).

*الرِّواية التاسعة: الدُّرُّ النَّظيم، لابن حاتم العاملي (664هـ).

قال: حدَّثَ أبان([20])، عن أَنَس، أنَّهُ قال: قال رسولُ الله (صلى لله عليه وآله): [لمَّا خَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدمَ (عليه السلام)، نَظَرَ إلى سُرَادقِ العرش، فَرَأى عليهِ مكتوبًا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، مُحمدٌ رسولُ الله، وأسماءً أربعة... -إلى أن قال (صلى لله عليه وآله):- قال: يا آدمُ! هؤلاءِ الخمسَةُ، شَقَقْتُ لهم خمسةَ أسماءٍ من أسمائي العِظَام، فأنا المحمودُ وهذا أحمدُ، وأنا العالي وهذا عليٌّ، وأنا الفاطرُ وهذه فاطمةُ، وأنا المحسنُ وهذا الحَسَنُ، وأنا الإحسانُ وهذا الحُسَيْنُ]([21]).

*الرواية العاشرة: تأويلُ الآيات، للسَّيِّد شَرَف الدِّين الحُسيني (ق10هـ).

بإسناده، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده، عن علي (عليهم السلام) قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ: [ليلةَ أُسري بي إلى السماء، صرت إلى سدرة المنتهى، فقال لي جبرائيل: تقدَّم يا محمد! فدنوت دنوةً -والدَّنوةُ: مدُّ البصر-، فرأيت نورًا ساطعًا، فخررت لله ساجدًا.

فقال لي: يا محمد! مَن خَلَّفت في الأرض؟

قلت: يا ربِّ! أعدلَها وأصدقَها وأبرَّها وأسنَمَها، عليَّ بن أبي طالب، وصيي، ووارثي، وخليفتي في أهلي. فقال لي: أقرئه منِّي السَّلام، وقل له: إنَّ غَضَبَه عِزٌّ، ورضاهُ حُكْم.

يا محمد! إنِّي أنا الله لا إله إلا أنا العلي الأعلى، وهبتُ لأخيك اسمًا من أسمائي، فسمَّيتُهُ عليَّا، وأنا العلي الأعلى.

يا محمد! إني أنا الله لا إله إلا أنا فاطر السماوات والأرض، وهبتُ لابنتك اسمًا من أسمائي، فسمَّيتها فاطمة، وأنا فاطر كل شيء...]([22])، الحديث.

*الرواية الحادية عشرة: الخصائِصُ العَلَويَّة، لأبي الفتح النَّطَنزي (550هـ).

بإسناده عن أبي عثمان الرَّازي، عن سلمان الفارسي، قال: سمعتُ رسولَ الله (صلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآلِهِ] وسَلَّمَ) يقول: [خُلِقْتُ أنا وعليٌّ بنُ أبي طالبٍ مِنْ نُورٍ عن يَمينِ العَرْش، نُسَبِّحُ اللهَ، ونُقَدِّسُهُ مِن قَبْلِ أن يَخْلُقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدمَ بأربعَةَ عَشَرَ ألف سَنَة...، واشتَقَّ الله لنا من أسمائِهِ اسمًا، فاللهُ محمودٌ وأنا محمَّدٌ، واللهُ الأعلى وأخي عليٌّ، واللهُ فاطرٌ وابنتي فاطمةُ...]([23])، الحديث.

*الرواية الثانية عشرة: الدُّرِّ الثَّمين، لابنِ الجَوزيِّ (597هـ).

قال في بحار الأنوار: وروى صاحب الدُّرِّ الثَّمين([24])، في تفسير قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} أنَّه [آدمُ (عليه السلام)] رأى ساقَ العرش، وأسماءَ النَّبيِّ والأئمةِ (عليهم السلام)، فلَقَّنَهُ جَبرئيلُ قل: [يا حَمِيدُ بِحَقِّ محمِّدٍ، يا عالي بِحَقِّ عليٍّ، يا فَاطِرُ بِحَقِّ فاطِمَةَ، يا مُحسِنُ بحَقِّ الحسنِ والحسينِ، ومنكَ الإحسانُ...]([25])، الحديث.

أقول: هذه الرواية -وإن لم تتعرض لذكر الاشتقاق- إلا أنَّها شاهدٌ صريحٌ واضحٌ عليه، كما لا يخفى على من لديه معرفةٌ بالحديث وعِلْمِه.

حَصيلَةُ الفصل الأوَّل

بعد أن نَقَلنا هذه الباقةَ العطِرةَ من رياض العترة الطاهرة (عليهم السلام)، وأثبتنا أسانيدَها، بات ثبوتُ اشتقاقِ اسمِ (فاطمةَ) من (فاطر) واضِحًا جليَّا، فَتَضَافُرُ الطُّرُق، وأهميَّةُ مصادِرِها، ورِوَاَيُة المؤالفِ والمخالفِ لها، لا يَتركُ للشكِّ -فضلاً عن الإنكار- بابًا إلا سَدَّهُ، ولا طريقًا إلا قطَعَهُ، و[قدْ أضاءَ الصُّبحُ لِذي عَينين]([26]).

الفصل الثاني

وجوه الاشتقاق المحتملة في المقام

قبل الدخول في بحث الاشتقاق الأكبر، وإرساءِ أركانه، لا بد من وقفة تدبُّريَّة في استنطاق المتون الروائيَّة الشريفة التي نصَّت على اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر).

حيثُ إنَّ سؤالاً يطرحُ نفسه، لا بدَّ منه ومن الجواب عنه -قبلَ أن تصلَ النَّوبةُ لبحث الاشتقاق الأكبر- وهو:

ما المرادُ من قول الله تعالى: [اشتقَقْتُ] في أحاديث الاشتقاق؟

والأجوبة المحتملةُ على هذا السؤال اثنان لا ثالث لهما:

الأول: أن يكون المراد هو الاشتقاق اللُّغَوي

الثاني: أنْ يكونَ المرادُ هو الاشتقاق الاصطلاحي، وهذا يتصوَّرُ على نحوين:

     أ - بناءً على أنَّ الله تعالى هو الواضع للّغة.

     ب - من جهة كونه مستعملاً لا واضعًا.

وتفصيلُ الكلام حسبما يقتضيه المقام:

الاحتمال الأول: الاشتقاق بمعناه اللُّغَوي

لمَّا كان لفظُ الاشتقاق يحمل معنىً في أصل اللغة يغايرُ معناه الاصطلاحي، من جهة العموم والخصوص، حيثُ إنَّ كلَّ اشتقاقٍ اصطلاحيٍ هو اشتقاقٌ لُغَويٌّ، وليس العكس، احتُمِل كونُ المراد من الاشتقاق في كلام الوحي الاشتقاقَ لغةً لا اصطلاحًا.

والاشتِقاقُ لُغةً هو: مطلقُ الأخذِ من الشَّيء([27]).

ويقرِّبُ هذا الاحتمالَ -إنْ لم يعيِّنْهُ- قرائنُ أربع:

الأولى: نسبةُ الاشتقاق إليه تعالى، حيث قال: [اشتقَقتُ]، وهو ظاهرٌ في المعنى اللُغوي دون الاصطلاحي.

الثانية: اشتقاق خصوص الاسم من الاسم لا من مادَّته، والاشتقاق الاصطلاحي يقتضي اشتقاق اسم (فاطمة) من مصدره (فطم)، ثمَّ اشتقاق (فطم) من (فطر).

فيكون اشتقاق اسم (فاطمة) من اسم (فاطر) قرينةً ظاهرةً في أنَّ المراد هو الاشتقاق اللغَويِّ دون الاصطلاحي.

الثالثة: قوله جلَّ وعلا: [من اسمي]، ولم يقُل: من اسم فاطر! ممَّا يعني أنَّ الاشتقاق من خصوص اسم الله تعالى، وليس من مطلق اسم (فاطر)، فتنبَّه.

الرابعة: إخباره تعالى آدمَ (عليه السلام) بهذا الاشتقاق -يوم خلقِهِ- كان قبل وجود العرب فضلاً عن اصطلاحاتهم اللُّغَوية.

ونحنُ نُرجِّحُ هذا الاحتمال، بل هو الظَّاهرُ دون غيره، لشديد تناسبِهِ مع القرائن المقاميَّة لاشتقاق اسم (فاطمة) من اسم الله (فاطر).

حيثُ إنَّ المقامَ مقامُ بيان عَظَمَة هؤلاء الخمسة (عليهم السلام)، وتوقُّفِ الغايةِ من خَلْق الخلق على وجودهم، واشتقاق أنوارهم من نور الله تعالى، ومقابلة اشتقاق أنوارهم من نوره تعالى باشتقاق أسمائهم من أسمائه سبحانه، إلى غيرها من القرائن.

فالمناسبُ لهذا المقام هو أن تكون أسماؤهم (عليهم السلام) مأخوذةً من خصوص أسماء الله تعالى الدَّالَّة عليه، مشتقَّةً منها، دون الاشتقاق من مطلق مادة الاسم، كما لا يخفى.

الاحتمال الثَّاني: الاشتقاق بالمعنى الاصطلاحي

ربَّ قائلٍ يقول: قد يكونُ اللهُ تعالى استعمل الاشتقاق -في روايات اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر)- بمعناه الاصطلاحي، إمَّا من حيثُ كونه هو الواضعُ للُّغَة، وإمَّا من حيث كونِهِ استعملَ اللُّغةَ التي ستكونُ لاحقًا، وإن لم يكن هو واضعها.

فتكونُ مادة (فطم) مشتقَّةً من مادة (فطر)، ممَّا يستدعي إبرازَ الوجه الموافق لما هو معروف من المعنى الاصطلاحي للاشتقاق عند علماء العربيَّة!

وجهُ الاشتقاق بناءً على المعنى الاصطلاحي

ونحن لو غضَضنا الطَّرفَ عمَّا ذكرناه من قرائن دلَّت على إرادة الاشتقاق بمعناه اللُّغَوي، فالجوابُ عن هذا الاحتمال أسهلُ ما يكون، وأبسطُ ممَّا يُتَصوَّرُ في بادئ الحال.

الاشتقاقُ الاصطلاحي بما أنَّ الله واضع اللغة

إذ بناءً على أنَّ اللهَ تعالى هو الواضعُ للغة العربية([28]) -وأنَّ المراد هو الاشتقاق الاصطلاحي- فعلماءُ العربيَّة هم من يحتاجُ لإبراز الوجه الجامع بين ما اصطلحوا عليه من الاشتقاق وما ورد في روايات اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر)، لأنَّهم تبعٌ للُّغَةِ لا متبوعون، ومن ظاهرها استفادوا قواعدهم،  فإذا بان الاختلافُ بين ما قعَّدوه وما استعمله الواضع، كان استعمالُهُ حاكمًا على قاعدتهم بلا أدنى ارتياب.

وبناءً على ذلك تكونُ رواياتُ اشتقاق اسم (فاطمة) من اسم (فاطر) كاشفةً كشفًا إنيَّا عن نحو آخر من الاشتقاق، يوافق الاشتقاق المعروف بين أهل اللغة في الاشتراك من حيث المعنى، ويخالفُهُ في اشتراط اتحاد أصول المشتقِّ والمشتقِّ منه، سواءٌ ثبتَ الاشتقاقُ الأكبر -كما سيأتي- أم لم يثبت.

الاشتقاقُ الاصطلاحي إنْ لم يكن الله هو الواضع

والنتيجة نفسُها فيما لو لم نقُلْ بأنَّ الله هو الواضع للغة، بل كان أحد المستعملين لها على الوجهِ الذي ستُوضَعُ عليه لاحقًا.

ووجهُهُ الذي لا يكادُ يخفى: أنَّ اللُغة العربيةَ سُماعيَّةٌ، وقواعدَها مستفادةٌ من السُّماع، فإذا جازَ أن يكونَ كلامُ قبيلةِ حِمْيَر أو تميم أو طي أو غيرها كاشفًا عن صحة استعمال اللفظ في معناه الذي استعملوه فيه، ومصدرًا لاستفادة قواعد اللغة منه؛ أفلا يكون كلامُ الوحي -والفرضُ أنه استعمل الاشتقاق بمعناه الاصطلاحي- كاشفًا عن مثل ذلك، بل يكون أصدقَ الكواشف وأصحَّها على نحو القطع واليقين.

تذييل

وعلى هذين الاحتمالين تُحمَلُ جملةٌ من الرِّوايات، وهي التي تضمَّنت اشتقاق كلمةٍ من أخرى، لم تتَّفِقا في جميع الأصول، وإن اشتركتا في المعنى، ومن تلك الرِّوايات:

أ - اشتقاق (الشيعة) من (الشعاع)

قال الحافظُ البُرسي (ره): عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) -من كتاب الواحدة- قال: [إن الله سبحانه تفرَّد في وحدانيَّته، ثمَّ تكلَّم بكلمة فصارت نورًا، ثمَّ خلق من ذلك النُّور محمَّدًا وعليَّا وعترته، ثمَّ تكلَّم بكلمة فصارت روحًا، وأسكنها ذلك النُّّورَ وأسكنه في أبداننا، فنحنُ روحُ الله في ذلك، وكلمتُهُ، احتجب بِنا عن خلقه.

فما زلنا في ظلَّةٍ خضراء مسبِّحين، نسبِّحُهُ ونقدِّسُهُ حيث لا شمسَ ولا قمرَ، ولا عين تطرف، ثمَّ خلق شيعتنا، وإنَّما سُمُّوا شيعةً لأنَّهم خُلِقوا من شعاع نورنا]([29]).

ب - اشتقاق الروح من الريح

روى المحدِّثُ الجليلُ الشيخُ الكليني (ره) بإسناده، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: {وَنَفَخْتُ فيهِ مِن رُوحِي}، كيف هذا النَّفخُ؟

فقال: [إنَّ الرُّوحَ متحرِّكٌ كالرِّيح، وإنَّما سُمِّي روحًا لأنَّه اشتُقَّ اسمُهُ من الرِّيح.. الحديث]([30]).

ج - اشتقاق المروة من المرأة

فلقد روى ثِقةُ الإسلام الكليني (ره) بإسناده، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: [إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أصابَ آدمُ وزوجتُهُ الحنطةَ، أخرجهما من الجنَّة، وأهبطهما إلى الأرض، فأُهبِطَ آدمُ على الصَّفا، وأُهبِطَت حواءُ على المروة.

وإنَّما سمِّيَ صفا لأنَّه شُقَّ له من اسم آدم المصطفى، وذلك لقول الله عز وجل: {إنَّ اللهَ اصطفى آدمَ ونوحًا}، وسُمِّيت المروةُ مروة، لأنَّه شُقَّ لها من اسمِ المرأة... الحديث]([31]).

ونحوها من أحاديث الاشتقاق المماثلة.

الفصل الثالث

الاشتقاق الأكبر في الميزان اللُّغوي

قد يرى القارئ الكريمُ عدم الحاجة إلى عقد هذا الفصل من البحث، حيثُ إنَّ المطلب اكتمل والمعنى انتظم -بما أسلفناه في الفَصلَين السَّابقين- سواءٌ ثبت الاشتقاق الأكبر أم لم يثبت.

وما يراه نحن أيضًا نراه، لكنَّ شبهةً قد تعرضُ في أذهان بعض البسطاء، لا بدَّ من عرضها وردِّها.

تقريرُ الشُّبهة

إنْ كان الأمرُ كما قدَّمتم وأسلفتُم، فلماذا لم نسمع من علماء اللُّغة باشتقاقٍ من هذا النُّوع، إذ الاشتقاقُ المعروفُ عندهم هو ما اتحدت فيه أصول المشتق والمشتقِّ منه، مع اشتراكهما في المعنى.

أمَّا اشتقاق مثل (فطم) من (فطر)، فهذا ما لم نسمع به من قبل؛ ولا يصحُّ ادعاءُ أنَّه لم يلتفت إليه احدٌ من قَبْل، وجملةٌ من علماء اللغة هم من علماء الإسلام، ولا شكَّ في اطِّلاعهم على مثل هذه الرِّوايات؟!!

جوابُ الشُّبهة

إنَّ نفيَ العاقل لمسألةٍ من المسائل او أثباتَها لا يمكن أن يكون اعتباطيَّا، أو استحسانيَّا ذوقيَّا محضًا، بل لا بدَّ من ابتنائِهِ على الدليل والقرائن المفيدة للإطمئنان.

ومن المعيب عند العقلاء أن يُتمسَّك -للنفي- بعدم الدليل على الإثبات، إذ غايةُ ما يُثبِتُهُ عدمُ العثور على الدليل هو جعل المسألةِ في صقع الإمكان، تحتمل الثبوت كما تحتمل النَّفي، وفي مثلِهِ قال الشيخُ الرئيس: (فذره في بقعة الامكان، ما لم يذدك عنه قائمُ البرهان)([32]).

وقال المحقِّقُ الحلِّي (ره): (قد ثبتَ في العقلِ أنَّ عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود)([33]).

فلا يليقُ بالعاقل -فضلاً عن طالب العلم- أن يبادرَ إلى نفي مسألةٍ من مسائل العلوم، وهو يقصُرُ عن فهم جوهر المسألة، فضلاً عن فهم ما يُستدلُ به لها أو عليها، فضلاً عن قيامه بقصد مظانِّ أدلَّة المسألة ولو على النحو الجزئي.

فليست الجرائدُ اليوميَّة، ولا المجلَّاتُ المعاصرة من مظانِّ البحث عن الاشتقاق، لتخوِّلَ القارئ لها أن ينفيَ الاشتقاق الأكبر حيث لم تتعرض لذكره!!

الاشتقاق: صغيرٌ وكبيرٌ وأكبر

يسهُلُ على الباحث -الخبير بمظانِّ بحثه- أن يُلِمَّ بأنواع الاشتقاق المنصوص عليها من قِبَلِ أكابرِ علماء العربيَّة، بدءًا بالاشتقاق الصَّغير، فالكبير، فالأكبر، وها نحنُ نقدِّمُ خلاصةَ بحثنا في هذا الباب، من دون تطويلٍ ولا إطناب.

الاشتقاق الصَّغير

 وهو ما في أيدي الناس وكتبهم، كأنْ تأخذَ أصلاً من الأصول، فتجمعَ بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه.

وذلك كتركيب (س ل م) فإنَّك تأخذ منه معنى السلامة في تصرُّفِهِ، نحو: سَلِمَ، ويَسْلَمُ، وسالِمٌ، وسلمان، وسلمى، والسَّلامة.

وعلى ذلك بقيّة الباب، وبقيّة الأصول غيره، كتركيب (ض ر ب) و(ج ل س) و(ز ب ل) على ما في أيدي الناس من ذلك. ويُسمَّى أيضًا الاشتقاق الأصغر([34]).

الاشتقاق الكبير

لا يكادُ يُذكرُ الاشتقاقُ الكبيرُ إلا وتنصرفُ الأذهانُ إلى عَلَمٍ من أعلام القرن الرابع الهجري، صرحٍ من صروح اللغويِّين، إمامٍ من أئمَّتهم، خريِّتِ الصناعة، والمرجعِ فيها، أبي الفتح ابنِ جنِّي (ره).

فهو أوَّلُ من أرشدَ إليَّه، ونبَّه الآخرين عليه، فهذَّب معانيه، وشيَّد مبانيه، بعد أن كان أستاذهُ أبو علي الفارسي (ره) قد سبقه إلى التنبُّهِ له.

قال في الخصائص: (وأمّا الاشتقاق الأكبر([35]): فهو أن تأخذَ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدًا، تجتمعُ التراكيب الستة وما يتصرَّف من كل واحد منها عليه، وإنْ تباعدَ شيءٌ من ذلك عنه رُدَّ بلطفِ الصنعةِ والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد.

[إلى أن قال]: فمن ذلك تقليب (ج ب ر)، فهي -أين وقعت- للقوّة والشدّة.

منها: (جبرت العظم والفقير)، إذا قوّيتهما وشددْت منهما، والجَبْر: الملِك لقوّته وتقويته لغيره.

ومنها: (رجلٌ مُجرَّب)، إذا جَرَستْه الأمور، ونجذَته، فقويت مُنَّته، واشتدَّت شكيِمته. ومنه: الجِرَاب، لأنه يحفظ ما فيه، وإذا حُفظ الشيء وروعي اشتدّ وقوي، وإذا أُغفل وأُهمل تساقط ورَذِيَ.

ومنها: (الأبجر والبُجْرة)، وهو القوي السُرَّة؛ ومنه: قول عليٍّ (صلوات الله عليه)([36]): [إلى الله أشكو عُجَرِي وبُجَرِي]، تأويله: همومي وأحزاني...)([37]).

أقول: ومن شواهد الاشتقاق الكبير في الروايات الشريفة، ما رواه الشيخُ الكليني (ره) بإسناده، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

[.. ولم يكن لآدمَ أُنسٌ غيرُها، ولذلك سُمِّينَ النِّساء، من أجلِ أنَّ حوَّاء كانت أنسًا لآدم..]([38]).

الاشتقاق الأكبر

وهو: (أن يَشْترك المشتقُّ والمشتقّ منه في أكثر تلك حروف الأصول، ويَتَناسبا في الباقي، مع الاتِّحاد أو التَّناسبِ في المعنى، كأَلَهَ ووَلَهَ، وكالفَلَق والفَلَج)([39]).

وها نحن نذكر جملةً منْ نصوص أصحاب الفنِّ، وأهل الخبرة، والتي نصَّت على الإشتقاق الأكبر، أو طبَّقته في بعض الموارد، وهي بحسب الترتيب الزَّمني:

- عبد الله بن قدامة (630 هـ)

قال في كتابه المعروف [المغني ج5 ص83] في باب الضمان: (ويفارق الضَّمانُ الحِوالةَ، فإنَّ الضَّمان مشتقٌّ من الضَّم)([40]).

ولا يخفى عليك أنَّ (نون) الضَّمان أصليَّةٌ فيه، ممَّا يعني أنَّ المشتقَّ (الضَّمان) فارَقَ المشتَقَّ منه (الضَّم) في ثالث أصوله، فثالثها في (الضمان) النون، وفي (الضمِّ) الميم، وهذا لا يصحُّ إلا على القول بالاشتقاق الأكبر، وهو ما عناه ابن قدامة.

- شمس الدين الزركشي (772 هـ)

قال في كتابه [شرح المختصر الخرقي ج2 ص140] -في جوابه على من استشكل في اشتقاق الضمان من الضم-: (وَيُجابُ بأنَّه من الإِشتقاق الأكبر، وهو المشاركةُ في أكثر الأصول، مع ملاحظةِ المعنى).

- الشَّريف الجرجاني (812 هـ)

قال في [الحاشية على الكشاف ص46] -شارحًا للاشتقاقين الكبير والأكبر-: (أما الكبير: فبأن يشترِكا في الحروفِ الأصول، من غير ترتيبٍ، مع اتِّحادٍ في المعنى، أو تناسبٍ فيه، كالجذب والجبذ، وكالحمد والمدح.

وأما الأكبر: فبأن يَشْتركا في أكثر تلك الحروف فقط، ويَتَناسبا في الباقي، مع الاتِّحاد أو التَّناسبِ في المعنى، كأَلَهَ ووَلَهَ، وكالفَلَق والفَلَج).

ومن وقف على هذا التَّصريح الصَّريح، علِمَ أن الاشتقاق الأكبر من المسلَّمات عندهم، حيثُ شرحه مرسلاً إيَّاه إرسال المسلَّمات، ولم يُشِر إلى ما يمكن أن يُشمَّ منه الخلاف في ذلك.

ويؤكِّدُ تسالُمَهم عليه أيضًا، قوله ص133: (قوله [أي قول الزمخشري عن أنفق وأنفذ]: أخوان؛ أي: بينهما الاشتقاق الأكبر، لاشتراكهما في أصل المعنى، وأكثر الحروف الأصول، مع التَّوافق في الباقي).

فنسَبَ إلى الزَّمخشري إرادة الاشتقاق الأكبر بدليل استعماله لفظ (أخوان)، على نحو الجزم، لا الاحتمال؛ والزَّمخشري عَلَمٌ من أعلام اللُّغة، ومرجعٌ من مراجعها.

- العَينيّ (855هـ)

قال في [عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج1 ص317]: (وقال الزمخشري: انفق الشيء وأنفده، أخوان، وعن يعقوب: نفق الشيء ونفد، واحد، وكلُّ ما جاء ممَّا فاؤه نونٌ، وعينُهُ فاءٌ، فدالٌّ على معنى الخروج والذِّهاب، ونحو ذلك، إذا تأملت.

قلت: معنى قولِهِ: أخوان، هو أنَّ بينهما الاشتقاق الأكبر، فإنَّ بينهما تناسبًا في التَّركيب، وفي المعنى، لاشتمال كلٍّ منهما على معنى الخروج والذِّهاب).

والكلام فيه نفس الكلام في ما نقلناه عن الشَّريف الجرجاني قبل قليل؛ ونكتفي بمن ذكرناهم وما نقلناه من تصريحاتهم، إذ فيه الكفاية، بعد تحقُّق الغاية، وهي تأكيدُ ما بينَّاه فيما أسلفناه.

الاشتقاق الأكبر واشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر)

أما وقد ظهر الحقُّ وأسفرَ عن الاشتقاق الأكبر، بالبيان الذي بيَّناه، والبرهان الذي سُقناه،، فلم يبقَ -بعد ثبوت إمكانه وتحقُّقِ وقوعه- إلا بيانُ كيفية انطباقه على اشتقاق اسم (فاطمة) من (فاطر).

وبما أنَّ الاشتقاق الأكبر  هو: (اشتقاقُ لفظ من آخر، يشتركان في معظم الأصول، ويتَّحِدان في المعنى)، كان لا بدَّ من إثبات أمرين:

الأول: مشاركة اسم (فاطر) لاسم (فاطمة) في معظم الأصول، وهو كذلك، حيث اشتركا في أصلين وتخالفا في واحد، إذ هاء التأنيث ليست أصلاً كما لا يخفى على المحصِّلين!!

والثاني: اتحاد المعنى فيهما، وهو ما يحتاج لشيءٍ من البيان، فنقول:

إنَّ الوقوف على اتحاد المعنى بين ألفاظ الاشتقاق الصغير لا صعوبة فيه ولا مشقَّة، لاتِّحاد أصوله وترتيبها، فمن عرف معنى واحدٍ منها عرفَ معنى الجميع، وهذا واضحٌ.

صعوبةُ معرفةِ المعنى المشترك

لكن الصُّعوبة تكمن في الاشتقاقين الكبير والأكبر، حيث إنَّ الوصول إلى المعنى المشتركِ بين لفظيهما لا يكاد يوفَّقُ له إلا ذو الخبرة، ممَّا يدلُّ على أنَّ العجزَ البَدْوي عن إيجاد معنى جامعٍ بين اللفظين في الاشتقاق الكبير أو الأكبر، لا يعني عدم صحَّة الاشتقاق، فالأمر ليس بهذه السهولة .

وخفاء هذا المعنى على المتطفِّلين والمصطادين في الماء العكِرِ، هو أحد العوامل التي قد تدفعُهُم إلى إنكار صحَّة الاشتقاق، مضافًا إلى عوامل أُخَر!!

اتحادُ المعنى بين (فاطر) و(فاطمة)

اتَّفقت مصادر اللغة على أنَّ الفَطْر: هو الشَّقُّ، ومنه قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ}([41])، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ره): (وانفطر الثَّوبُ وتَفَطَّر، أي: انشقَّ. وتَفَطَّرت الجبال والأرض: انصدعت. وتَفَطَّرت يدُهُ، أي: تَشَقَّقت)([42]).

أمَّا الفَطْمُ، فلا خلاف بينهم أنَّ معناه: القَطْع؛ قال غوَّاصُ اللُّغة وقدوة اللغويِّين الخليل الفراهيدي (ره): (فَطَمَت الصَّبيَّ أمُّهُ، تفطمه، أي: تقطعُهُ عن الرِّضاع)([43]).

ولا يخفى أن الشقَّ فيه معنى القطع، وكذلك القطع فيه معنى الشقِّ، ويزيدُ الأمر وضوحًا، والمعنى جلاءً، قول الفراهيدي (ره) -في مادة [ع ق ق]-: (قال أبو عبد الله: أصل العَقِّ الشَّق. وإليه يرجعُ عقوقُ الوالدين، وهو قطعهما، لأنَّ الشقَّ والقطعَ واحدٌ)([44]).

وبهذا البيان بان اتحاد المعنى بين اسم (فاطر) و(فاطمة)، فإذا أضفناه إلى المشاركة في معظم أصولهما، اجتمعت فيهما أركان الاشتقاق الأكبر، وهو ما عقدنا هذا الفصل من أجله، فالحمد لله أولاً وآخرًا.

كلمةُ الختام

أسأل الله تعالى أن تكونَ هذه المقالة ترويجًا لفضيلة من فضائل سيدةِ النِّساء (سلام الله عليها)، ونفضًا لغبار التَّشكيك والتزييف الذي ينثرُهُ بعض المتطفِّلين بين الحين والآخر، وانتصارًا لحقِّها الذي لا ينفكُّ أعداؤها وبعضُ من تأثَّر بهم عاملين على طَمْس مَعَالمه، ولكنَّها ثمرةُ نور الله، ويأبى الله إلا إتمام نوره، ولو كره الحاسدون.

اللهمَّ صلِّ على فاطمةَ وأبيها وبعلِها وبنيها والسرِّ المستودَعِ فيها، والعن من آذى نبيَّكَ فيها، واجعلنا من شيعتِها وناصريها.

ـــــــــــــــــــــــــــ

 الهوامش

([1]) من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، انظر: عيون الحكم والمواعظ للواسطي ص372.

([2]) المحاسن للبرقي ج1 ص207 ح66.

([3]) من وصايا الشهيد الثاني (ره) في كتاب منية المريد 215-218.

([4]) الكافي للكليني ج1 ص43 ح7.

([5]) نهج البلاغة ج4 ص7 الكلمة 26.

([6]) المصدر نفسه ص 38 الكلمة 148.

([7]) عيون الحكم والمواعظ ص28.

([8]) مستطرفات السرائر لابن إدريس الحلي (ره)  ص 598؛ وراجع: الكافي ج8 ص162 ح169.

([9]) أصول الكافي  ج1 ص54 ح2.

([10]) سورة آل عمران من الآية69.

([11]) سورة ص من الآية26.

([12]) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) ص220 في تفسير قوله تعالى: {وإذْ قُلنا للملائِكَةِ اسجُدُوا}، وغيره عنه.

([13]) شرح الأخبار ج2 ص500 ح884.

([14]) نفس المصدر ج3 ص6 ح923.

([15]) معاني الأخبار ص56 ح5؛ وراجع: علل الشرائع ج1 ص135 ح2.

([16]) معاني الأخبار ص56 ح3.

([17]) مقتضب الأثر ص7.

([18]) دلائل الامامة ص448 ح424/28؛ وانظر: الهداية الكبرى للخصيبي ص376، ومختصر بصائر الدَّرجات للحلي ص266.

([19]) تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين ص23؛ وانظر: شرح إحقاق الحق ج9 ص104.

([20]) أقول: ذكر السيد هاشم البحراني (ره) سَنَده إلى أبان في هذا الحديث، قال:

الخامس عشر: صاحب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة قال: حدث محمد بن علي بن سعد الجوهري، عن القاسم بن الحسن، عن أبيه الحسن، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي بن العباس، عن أبان...إلخ. انظر: غاية المرام ج1 ص32.

([21]) الدُّرَّ النَّظيم ص763 .

([22]) تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص624 ح7.

([23]) الخصائص العلوية -مخطوط-، عنه: نفحات الأزهار للسيد الميلاني ج5 ص69، وروى الحمويني هذا الحديث، بإسناده عن النطنزي، في كتابه: فرائد السمطين، وعنه: غاية المرام ج1 ص27، وشرح إحقاق الحق ج5 ص3.

([24]) أقول: بعد البحث والتدقيق في تراجم المؤلِّفين ومؤلَّفاتهم، لم نعثُر على مؤَلَّفٍ بهذا الإسم -يحتملُ أن يكون هو المراد- سوى الدرِّ الثمين لابن الجوزي، المتوفى سنة 597 للهجرة؛ أنظر: هدية العارفين للبغدادي ج1 ص521، ترجمة ابن الجوزي.

والكتاب ليس في متناول الأيدي، لا مطبوعًا، ولا مخطوطًا، وقد ذكروا أن نسخته الوحيدة موجودة في خزانة الدولة/ برلين/ ألمانيا، رقمه: 2617-121، عدد أوراقه 103 ورقة، نسخ عام: 987 هـ، بخط: عبد الغني بن محمد العلوي؛ بناءً على ما في موقع أهل الحديث، على الشبكة العنكبوتية.

فالظَّاهر أنَّه صاحب الكتاب، خلافًا لما احتملهُ المحقق الكجوري (ره) في الخصائص الفاطمية ج1 ص50 قائلاً: (ولعلَّه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني).

حيثُ إنَّ أبا نعيم الاصفهاني لم يؤلِّف كتابًا بهذا الاسم، بناءً على ما ذكروه في تراجمه.

ملاحظة: يوجد كتاب بهذا الإسم لمؤلِّفٍ متقدِّمٍ على صاحب البحار (ره)، وهو: الدُّرُّ الثَّمين في ذِكْرِ خمسماية آية نَزَلَت مِن كلام ربِّ العالمين في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، للمولى الحافظ رجب البرسي رحمه الله (ق9).

والكتاب موجود عندنا، وليست الرواية فيه، نعم فيه رواية تصلح أن تكون شاهدًا على هذه، ذكرت التَّوسُّل بالخمسة (عليهم السلام)، دون التعرُّض للكيفيَّة.

([25]) بحار الأنوار ج44 ص245 ح44، وله شواهد كثيرة في مصادرنا، من طُرُقنا وطرق غيرنا من المسلمين؛ راجع: روضة الكافي للشيخ الكليني ج8 ص304، ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص125، ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للكوفي ج1 ص547، والعمدة لابن البطريق ص379، وغيرها.

([26]) نهج البلاغة ج4 ص42 رقم169.

([27]) راجع: كتاب العين ج5 ص8، والقاموس المحيط ج3 ص251، وغيرهما.

([28]) ويرشدُ إلى ذلك مجموعةٌ من الشواهد والمؤيِّدات، منها: رواياتُ الاشتقاق نفسها، حيثُ إنها أفصحت عن اشتقاق اسمٍ عربيٍّ من اسمٍ عربيٍّ آخر، وذلك قبل خلق آدمَ (عليه السلام)؛ ومنها:

ما رواه صدوقُ الطَّائفة (ره) بإسناده، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (صلى لله عليه وآله)، قال: [ما أنزل اللهُ تعالى كتابًا ولا وحيَا إلا بالعربيَّة، فكان يَقَعُ في مسامِعِ الأنبياء (عليهم السلام) بألْسِنَةِ قومِهِم، وكان يَقَعُ في مسامعِ نبيِّنَا بالعربيَّة، فإذا كَلَّمَ بِهِ قومَهُ كلَّمَهُم بالعربيَّة، فَيَقَعُ في مسامِعِهِم بِلِسَانهم. وكان أحَدُنا لا يُخَاطِبُ رسول الله بأيِّ لسانٍ خاطبَهُ إلا وَقَع في مسامِعِهِ بالعَرَبيَّة، كلُّ ذلكَ يُتَرجِمُ جبرئيلُ (عليه السلام) عنه، تشريفًا من الله عزَّ وجَلَّ له]. انظر: علل الشرائع ج1 ص126 ح8.

([29]) مشارق أنوار اليقين ص62، وعنه: بحار الأنوار ج25 ص23 ح39 وج26 ص291 ح51 والأنوار النعمانية ج2 ص99.

([30]) الكافي ج1 ص134 ح3، وانظر: التوحيد للشيخ الصدوق ص171 ح3.

([31]) الكافي ج4 ص190 ح1.

([32]) شرح الإشارات ج3 ص418.

([33]) الرسائل التسع ص66.

([34]) انظر: الخصائص لابن جني ج1 ص490.

([35]) عبَّر ابن جني (ره) عن هذا الاشتقاق بالكبير تارة وبالأكبر أخرى، كما عبَّر عن الاشتقاق الصغير بالأصغر أحيانًا.

([36]) لقد التزم أبو الفتح ابنُ جني (ره) بهذه الصَّلوات عند ذِكره لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى عاب عليه محقِّقُ كتاب الخصائص أسلوبَه هذا، ونبَّه على أنَّها من مختصَّات الشيعة، وأنَّه ليس من عادة علماء العامة اتباع هذا الأسلوب، لِيُوهِمَ القارئَ عدَمَ تشيُّعِ ابن جني (ره)، فخاب وما أفلح.

([37]) الخصائص ج2 ص133-135.

([38]) الكافي ج4 ص190 ح1.

([39])  الحاشية على الكشاف ص46.

([40]) وقد التبس الأمر على بعضهم، فنسبوا الغلط إلى ابن قدامة، لقِصَرِ باعهم في اللغة العربية وخصائصها، وقَصْرِ معرفتهم على الاشتقاق الصغير دون غيره، غافلين عن الإشتقاق الأكبر، فكانوا بنسبة الغلط إليهم أحقَّ من نسبته إلى ابن قدامة.

([41]) الانفطار : 1 .

([42]) كتاب العين ج7 ص418، وتبعَهُ جميعُ اللُّغويِّين على ذلك، فراجع أمهات مصادرهم.

([43]) نفس المصدر ص442.

([44]) نفس المصدر ج1 ص63.

 

 

 

أدب الدعاء .. الفنّ المنفي

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

 

مقدمة

ترمي هذه المقالة إلى تبيان ما حاق بمناهجنا التعليمية، وبدراساتنا الأدبية من خللٍ في تعاطيها مع أدب الدعاء، حيث وجدنا أن هذه المناهج والدراسات قد سدلت دون أدب الدعاء ثوبًا، وطوت عنه كشحًا، حتى غدا لديها فنًا منفيًا من حاضرة الأدب، وملحقًا بساحة العدم، على الرغم مما يمتاز به من حضور متألّق يؤهّله لكي يأتي في طليعة الفنون الأدبيّة، ويتسنم علياءها.

ولما كان هذا التغييب يسبّب نقصًا خطيرًا في مادة الأدب العربي، وينعكس جهلاً بيّنًا على طلابه ومريديه، فقد رأيت أن أحاول الكشف عن هذا الخلل الذي ابتُليَتْ به مناهجنا التعليمية، ودراساتنا الأدبية، راجيًا أن تساهم محاولتي هذه في لفت أنظار المعنيين، من البحّاثة، ومن القيّمين على وضع المناهج التعليمية، علّهم يتداركون هذا النقص، فينفضوا عن أدب الدعاء غبار النسيان، ليقدّموا بذلك للأدب العربي خدمة جُلّى، حيث يعيدون إلى حاضرته نصوصًا قيِّمة، قد تُساهم في إغناء مادته، وفي إعلاء شأنه بين الآداب العالمية. كما يمكنها أن تُساهم أيضًا في قلب عدد من المفاهيم والأحكام التي تسالم عليها الكثيرون من البحَّاثة ودارسي الأدب، حتى غدت تشكّل في نظرهم نوعًا من البديهيات الواضحة التي لا تحتاج إلى أي نقاش، ولا تستدعي أيّة إعادة نظر.

وقد اقتضانا موضوع البحث أن نبدأ مقالتنا هذه بعرض لمحة تاريخية موجزة، نُشير من خلالها إلى قِدَم ظهور أدب الدعاء، وسعة انتشاره، ومدى أصالته. لننتقل بعدها إلى تبيان ما ابتُليتْ به المناهج التعليمية والدراسات الأدبية من نقصٍ ناجم عن تجاهلها أمر هذا الأدب. ثم نمضي من هناك إلى محاولة استكشاف أهمّ الأسباب التي يمكن أن يناط بها هذا التجاهل، فنناقشها لمعرفة مقدار حظها من الصواب أو الخطأ، حتى إذا ما انتهينا إلى التدليل على بطلانها وعدم كفايتها لتعليل نفي أدب الدعاء، حقَّ علينا حينئذٍ وعلى جميع المعنيين أن نسعى لكي نعيد الحق إلى نصابه، فنعمل جاهدين على استرجاع هذا الأدب من منفاه وإحلالِه محلَّه المناسب من الدراسات الأدبية والمناهج التعليمية.

ولنشرع الآن في تفصيل هذا الإجمال.

أدب الدعاء.. لمحة تاريخية

تتوغل جذور "أدب الدعاء" عميقًا في باطن الزمان حتى تبلغ النشأة الأولى للإنسان وتتصل بفجر حياته على الأرض حين جعل الله له فيها مستقرًا ومتاعًا إلى حين.

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}([1]).

بعد أن أكل آدم (عليه السلام) وزوجه من الشجرة المنهي عنها وبدت لهما سوءاتهما، ابتهلا إلى الله سبحانه بقولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. فكان ابتهالهما هذا أولَ دعاء يصدح به الإنسان، والومضةَ البكر التي افتتح بها فن البيان، لتنطلق بذلك شرارة واحد من أوائل الفنون التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل.

وهذه قضية جديرة بالانتباه، خصوصًا وأن مؤرخي الفن يهملونها حين يحاولون تحديد أوائل الفنون ظهورًا فيرجحون أنه هو هذا الفن أو ذاك، ولكنهم يُغفلون الإشارة إلى فن الدعاء([2]).

وليس من غرضنا في هذا البحث أن نؤرخ للفنون ولا لتسلسل ظهورها، ولكننا أردنا التأكيد فقط على أصالة فن الدعاء، وعلى قدم ظهوره في حياة الإنسان.

وعلى كل حال، ومهما يكن الأمر في مسألة تاريخ ظهور أدب الدعاء، فإنّه مما لا ريب فيه أنه قد تسنى لهذا الأدب -وعلى مرّ الأزمان- أن يشغل حيزًا معتبرًا من صفحات آداب الشعوب المختلفة، حتى لا يكاد يخلو منه أدب شعب من الشعوب ولا تراث أمة من الأمم، سواء تجلى ذلك في كتبها الدينية المقدسة، أو في آثار مبدعيها من البشر.

وليس الأدب العربي بمنأى عن هذه الحقيقة، بل إننا نجد أن هذا الأدب قد اهتم بفن الدعاء اهتمامًا بالغًا قد لا يرقى إليه الكثير من آداب الشعوب والأمم الأخرى.

وقد تجلى هذا الاهتمام بدءًا بالقرآن الكريم، حيث نجده وقد حفظ لنا أول دعاء ابتهل به الإنسان على الإطلاق، كما أطْلَعَنا على الكثير من الأدعية التي جرت على ألسنة الأنبياء (عليهم السلام)، أو على ألسنة غيرهم من عباد الله الصالحين. وهو إلى ذلك حثّ الإنسان على الدعاء، ودلّه على مجمل أصنافه، وعرَّفه الكثير من شؤونه وقضاياه.

وجاء تاليًا دورُ النبي الأكرم (صلى لله عليه وآله) ليبين ويفصّل الكثير من أمور الدعاء ومسائله المختلفة، وليترك لنا إلى جانب ذلك جملة من روائع النصوص التي أُثرت عنه (صلى لله عليه وآله) في أدب الدعاء.

وما إن وصلت النوبة إلى ورثة علوم النبي (صلى لله عليه وآله) من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حتى بلغ هذا الفن على أيديهم ذروته، واتسع إلى أقصى مداه، وبات يشكّل مدرسة خاصة عرفت باسم (مدرسة الدعاء)، وهو اسم يشير إلى كل ما يدل عليه إطلاق عنوان (المدرسة) من خصائص فنية، أو من قِيَم فكرية ومعنوية.

ومن ثَمَّ شهد أدب الدعاء مساهامات أخرى أفاض بها عدد من العلماء والأدباء والشعراء، الأمر الذي زاد دائرة هذا الأدب اتساعًا، وأضفى على صفحاته تنوّعًا، ورفده بطاقاتٍ إبداعيةٍ متجددة..

* * *

يتلخص لنا من كل ما سبق أن أدب الدعاء أدب متجذر في أعماق الزمان، ومنتشر على امتداد المكان، وله في أدبنا العربي مكانة خاصة لا تكاد تخفى على مطّلع، ناهيك عمن هو من أهل البحث أو من أصحاب الاختصاص. وفي هذا دلالة واضحة على ما يحتفّ به هذا الأدب من أصالة، وما يتصف به من أهمية.

ونتيجة لذلك، فقد كان من الحريّ أن يحظى هذا الأدب في مؤسساتنا التعليمية، وفي دراساتنا الأدبية بعناية فريدة، وأن يُحبى باهتمام خاص. لكن -ولشديد أسف- جاء الواقع على خلاف المتوقع، وتجلّى عن نقيض المنتظر والمأمول، فلم تُبدِ المؤسسات التعليمية أي اهتمام بأدب الدعاء، ولم تولِهِ الدراسات الأدبية والفنية أدنى عناية([3])، بل صمتت عنه هذه وتلك صمتًا مطبقًا وأهملته إهمالاً تامًا وكأنها لا تقرّ له بهويته الأدبية ولا تعترف له بخصائصه الفنية، فأمسى لديها فنًّا منفيًا يقيم خارج حدود ميادين الفن والأدب.

وفيما يلي سنحاول الإضاءة على هذا الواقع المرّ الذي انتهجته المؤسسات التعليمية والدراسات الأدبية تجاه أدب الدعاء. ولكنني أودُّ قبل ذلك أن أنبّه على أنني قصرت اهتمامي في هذا البحث على أدب الدعاء في فن النثر وحده دون فن الشعر، وعلى ما ينتسب من هذا الفن إلى أهل البيت (عليهم السلام) دون ما ينتسب إلى سواهم. ولم يكن ذلك مني ناشئًا عن توهّم خلو الشعر العربي من روائع شعرية تنتمي إلى أدب الدعاء، ولا عن توهّم أن التأليف في هذا الأدب اختص بأهل البيت (عليهم السلام) ولم يتجاوزهم إلى غيرهم، بل يرجع الأمر أولاً إلى ضيق المجال عن الخوض في الميادين المذكورة كلها.

ويرجع ثانيًا إلى ما اختص به أدب الدعاء المكتوب بلغة النثر من مميزات ذاتية جعلته أولى بالاهتمام، وخصوصًا ما أُثر منه عن أهل البيت (عليهم السلام). وسأذكر هنا جملة من الخصائص التي تتضمن كل واحدة منها -وفي آن معًا- الإشارة إلى علة الاهتمام بالنثر دون الشعر، وإلى سبب الاقتصار على نصوص أهل البيت (عليهم السلام) دون سواها.

الخصائص الداعية لقصر البحث على نثر آل البيت (ع)

الخاصية الأولى:

وتتمثل بالسبق الزماني، حيث إن التأليف بلغة النثر في أدب الدعاء كان قد تقدم على التأليف بلغة الشعر في هذا الأدب، وقد نُميَت أوائل نصوصه -بعد ما ورد منها في الكتاب العزيز، أو على لسان النبي الأكرم (صلى لله عليه وآله)- إلى الإمام علي (عليه السلام) والذي لا يخفى على أحد معاصرتُه لنزول الوحي، وسبقُه لاعتناق الإسلام.

الخاصية الثانية:

وهي تتمثل بكثرة النصوص النثرية قياسًا على النصوص الشعرية، ويعود أكثرها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ويكفينا في هذا المقام أن نعلم أنه قد أُثر عن كل واحد من أئمة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام)، كما عن السيدة الزهراء (عليها السلام) أيضًا عدد من الأدعية، بل لقد ترك لنا الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) صحيفة كاملة هي الصحيفة السجادية والتي يبلغ عدد أدعيتها أربعة وخمسين دعاءً، هذا عدا عن أدعيته الأخرى المروية عنه في غير هذه الصحيفة.

الخاصية الثالثة:

ونشير في هذه الخاصية إلى ما شهده أدب الدعاء في فن النثر من تنوع في موضوعاته وتشعب في أغراضه ومراميه، حتى لم يكد يترك شأنًا من شؤون الإنسان ولا بعدًا من أبعاده الوجودية إلا وطرق بابه. لذا جاءت نصوص هذا الأدب -وخصوصًا ما أُثر منها عن أهل البيت (عليهم السلام)- مستوعبة لشتى ميادين الحياة الإنسانية من عقائدية وفلسفية، وروحية ونفسية، وتربوية وسلوكية، وفردية واجتماعية..

ويكفي المرء شاهدًا على هذا أن يتصفح فهرس محتويات الصحيفة السجادية، فهذا وحده كفيل بالدلالة على صدق ما نقول، ناهيك عن غيرها من صحفهم ونصوصهم (عليهم السلام) مما يضيق المقام عن مجرد ذكره وتعداده.

الخاصية الرابعة:

ونُلْمِحُ فيها إلى أن أدب الدعاء المكتوب بلغة النثر -وخصوصًا ما ينتمي منه إلى أهل البيت (عليهم السلام)- يتميز عمومًا بجِدَّةِ الطرح وعمق الفكرة وجمال الأسلوب، وهي أمور لا يسعنا التدليل عليها في مقامنا الحالي، إلا أننا سنعاود الإشارة إليها في موضعٍ تالٍ من هذه المقالة، آملين أن نتمكن من تلمّس بعض ملامحها في سياق مقالاتٍ لاحقةٍ بعون الله تعالى.

* * *

والآن، وبعد الفراغ عما أردنا التنبيه عليه هنا، نعود إلى ما كنا فيه من البحث لنتبين واقع أدب الدعاء في المناهج التعليمية، وفي الدراسات الأدبية والفنية.

أولاً: أدب الدعاء في المناهج التعليمية:

إذا ما تتبع المرء الكتب المعتمدةَ في تدريس مادة الأدب العربي في مدارسنا وجامعاتنا، والمعدّةَ وفقًا للمناهج التعليمية المقررة، فإنه سرعان ما يلاحظ غياب أدب الدعاء غيابًا تامًا عن صفحات هذه الكتب، فهو يجد أن هذه الكتب -وعند تعرضها لدراسة أنواع فنون النثر- تُعدّد من أنواعه: القصة والمسرحية والخطبة والرسالة والمقالة والتقرير.. ثم تُغفل فن الدعاء، فلا تعتبره نوعًا من أنواع فنّ النثر.

وهي حين تعرض النصوص التي اختارتها كنماذج لأنواع فنون النثر، فإنها تعرض نماذج للأنواع المختلفة التي سبق ذكرها، وتسكت هنا أيضًا عن أدب الدعاء، فلا تخصّه ولو بنص واحد يحكي عن وجوده، ويكشف عن بعض ما يميّزه من الخصائص.

وهكذا يغدو أدب الدعاء فنًا منفيًا لا تعترف به المناهج التعليمية، ولا تقرّ بوجوده الكتب الدراسية.

ثانيًا: أدب الدعاء في الدراسات الأدبية والفنية:

تستوقف المرء لدى مطالعته جملةً من المؤلفات المعنية بدراسة الأدب العربي ظاهرةٌ مستغربة، تتمثل في خلو هذه المؤلفات عن أي ذكر لأدب الدعاء، وقد كان من الطبيعي أن يترتب على هذه الظاهرة عدد من المفاهيم الخاطئة والأحكام المغلوطة، والتي يأتي على رأسها الدعوى القائلة بأن الأدب العربي لم يتسنَّ له الاستفادة من ظهور الدين الجديد، فظلّ بمنأى عن استلهام روح الإسلام، وعن التأثر بالخصائص الفنية للقرآن، وهي دعوى ربما تكون جائزة بعض الجواز لو كانت مكتبة الأدب العربي خالية من الحضور المشرق لأدب الدعاء([4])، وهو الأدب الذي انعكست على صفحاته روح الإسلام وخصائص القرآن بأبهى صورها الممكنة.

وفيما يلي نورد ثلاثة نماذج متنوعة للدراسات التي أقصت عن صفحاتها أدب الدعاء، وسوف نبين في طيات كل واحد منها السبب الذي دعانا لاختياره.

النموذج الأول:

نتوقف في هذا النموذج عند كتاب (الفن ومذاهبه في النثر العربي) للدكتور شوقي ضيف، وهو كتاب حاول فيه مؤلفه أن يؤرخ للنثر العربي في مختلف أطواره ومراحله، وقد تبنى المؤلف في كتابه هذا الدعوى التي سبق منا الإشارة إليها والقائلة بعدم تأثر الأدب العربي بالمعطيات الجديدة للإسلام، ولذلك نجده يصرح بهذه الدعوى على طريقته، فيقول: [ويدور الزمن دورة أخرى وإذا الإسلام يفتح صفحة مشرقة في تاريخ العرب فقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن دائرة الشعوب القبلية إلى دائرة الأمم المتحضرة وقد رأيت النثر يستمر في أثناء العصر الإسلامي في الصورة التي رسمها العصر الجاهلي من حيث نسجه وصوغه وإن اختلفت موضوعاته وتشعبت معانيه] ([5]).

فالمؤلف يرى في نصه هذا أن النثر قد استمر في أثناء العصر الإسلامي في الصورة التي رسمها العصر الجاهلي من حيث نسجه وصوغه، ولم يكن لظهور الإسلام في نظره أي تأثير على هاتين الحيثيتين، بل ظلّ الحكم فيهما هو حكم الجاهلية.

وما كان للمؤلف أن يذهب هذا المذهب لو لم يقفز في كتابه عن أدب الدعاء ويسقطه من ميدان الفن والأدب، وإلا فإن أدنى مقارنة بين ما كان عليه النثر الجاهلي وما أضحى عليه النثر في أدب الدعاء لكفيلة بأن تكشف لنا عن عظمة التجديد الذي تجلى في أدب الدعاء من حيث النسج والصياغة([6]).

ونحن إنما اخترنا كتاب الدكتور شوقي ضيف ليمثّل أحد نماذجنا المنتقاة، لأجل ما انطوى عليه من شمول وتشعب في دراسة النثر، وقد وصفه مؤلفه بأنه دراسة متشعبة للنثر وما مرَّ به من أحداث في عصوره وأقاليمه المختلفة([7]).

ولكن الغريب أن الدكتور شوقي ضيف لم يتعرض في كتابه هذا لدراسة أدب الدعاء، وذلك على الرغم من شمول هذه الدراسة وتشعّبها ومحاولتها تتبّع ما مرّ به النثر من أحداث في عصوره وأقاليمه المختلفة، حتى كأنّ أدب الدعاء -وعلى كثرة نصوصه- لم يحظَ بنعمة الوجود، أو أنه لم يَرقَ في نظر الدكتور إلى المستوى الذي يؤهله للدخول إلى واحة الفن والأدب!

النموذج الثاني

نلتقي في هذا النموذج مع الأستاذ محمد قطب في كتابه "منهج الفنّ الإسلامي" لنجده يعتنق مضمون الدعوى السابقة ذاتها، وإن اختلفت طريقته في التعبير.

ومن الأمثلة على ذلك قوله: [وقد كان يخطر في حسي دائمًا أن العرب لم يستفيدوا من القرآن ولا من الإسلام في إنتاجهم الفني. لقد مرّت عليهم فترة في أول الإسلام، انصرفوا فيها عن كثير من فنون القول. وربما كان لهذا الانصراف أسباب متعددة] ([8]).

ثم يذكر جملة من هذه الأسباب ليعود فيقول: [ولكنهم حين عادوا إلى التعبير لم يلجأوا مع الأسف إلى الرصيد الجديد يستمدون منه مشاعرهم وإيحاءاتهم وأغراض تعبيرهم وطرائقه. وإنما عادوا إلى الجاهلية كاملة في مجال التعبير، أغراضه وطرائقه سواء] ([9]).

ويقول في موضع آخر: [وأيًا ما كان الأمر، فقد خسر الأدب العربي فرصة هائلة للاستمداد من رصيد الإسلام الضخم، وظل في تاريخه الطويل كله مجانبًا -تقريبًا- لهذا الرصيد، مبتعدًا عن ثرائه محرومًا من القدرة على إبداع لون من الفن كان حريًا أن يكون أروع الفنون العالمية وأبدعها، لو وجد له التوجيه الصالح والقدرة الفنية المؤاتية] ([10]).

يتبنى الأستاذ محمد قطب في هذه النصوص الدعوى السابقة نفسها والقائلة بوجود هوة فاصلة باعدت ما بين الأدب العربي والإسلام، فحرمت هذا الأدب من فرصة مؤاتية كان يمكنها أن ترقى به إلى مصاف الآداب العالمية لو تسنى له الاستفادة منها، والاستمداد من الرصيد الضخم الذي جاء به الإسلام.

والملاحظ هنا أيضًا هو غياب فن الدعاء عن كتاب الأستاذ محمد قطب كما غاب عن كتاب الدكتور شوقي ضيف، وهذا ما يجعل المؤاخذات التي سجلناها على كلام الدكتور شوقي ضيف، ترد هي بعينها على كلام الأستاذ محمد قطب، فلا نعيد.

ولكن يبقى أن نقول: إن الداعي الذي دعانا لاختيار كتاب الأستاذ محمد قطب كواحد من نماذجنا المنتقاة، هو سعي المؤلف في هذا الكتاب لاستنباط قواعد منهج الفن الإسلامي، والأسس التي يبتني عليها هذا الفن.

وهذا ما يقودنا إلى التساؤل: أنّى يتأتى للباحث أن يتصدى لاستنباط قواعد منهج الفن الإسلامي واستكشاف أسسه، بقصد تجلية صورة هذا المنهج وإيضاح معالمه، في الوقت الذي يغفل فيه هذا الباحث -أو يتغافل- عن أدب تُمثّل نصوصه تجليًا من أروع تجليات الفن الإسلامي، وتُفصح خير إفصاح عن خصائص هذا الفن، وعما يراعيه من قواعد، وما يلتزمه من منهج؟!

فهل يعقل أن يتصدى امرؤ لدراسة وظيفة الرئتين-مثلا- مع غفلته عن وجود الهواء، أو مع عدم معرفته بخصائصه، وما يكوّنه من العناصر؟!

النموذج الثالث

وفي نموذجنا الثالث والأخير نحط الرحال عند كتاب "المقدمة في نقد النثر العربي/ مشروع رؤية جديدة في تقنيات البحث والكتابة" لمؤلفه الشيخ علي حب الله، لنجد المؤلف يتبنى هو أيضًا الدعوى نفسها التي تقدمت الإشارة إليها في كلمات الدكتور شوقي ضيف والأستاذ محمد قطب.

وقد صرح الشيخ بهذه الدعوى عند تعرّضه لدراسة النثر في صدر الإسلام حيث قال: [نعم أثَّر القرآن الكريم في الأدب الجاهلي من جهة الموضوع والأفكار والمعاني، لا من جهة الأسلوب والصياغة، يظهر ذلك جليًا في شعر أمية بن أبي الصلت (ت8 هـ) على أحد القولين، وفي الخطابة الدينية] ([11]).

إن هذا النص وإن كان يفصح عن المضمون نفسه الذي تفصح عنه كلمات الدكتور شوقي ضيف، والأستاذ محمد قطب، بل ويكاد يتطابق حتى في صورته مع كلام الأول منهما، إلا أن كتاب الشيخ ينفرد بعد ذلك بالإشارة إلى استثناء وحيد استطاع خرق القاعدة، والخروج عن صورة الأدب الجاهلي من حيث الصياغة والأسلوب، وقد تمثل هذا النموذج بكتاب "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ([12]).

غير أن الشيخ حب الله وعلى الرغم من هذا الاستثناء الذي نبّه عليه- وهو استثناء جدير بالثناء- فقد ظل نصيب أدب الدعاء في كتابه هو النفي([13])، كما كانت عليه حاله في كتابَي المؤلفَين المذكورَين.

هذا، وقد كان الذي دعانا لتخصيص هذا النموذج بكتاب "المقدمة في النثر العربي" هو انتماء مؤلفه إلى مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو المذهب الذي أفاض أئمته بإبداعاتهم في أدب الدعاء، ودرج أتباعهم على إيلاء هذا الأدب الكثير من العناية والاهتمام.

* * *

والآن.. وبعد الفراغ عن بيان ما عمدت إليه المناهج التعليمية، وكذلك الدراسات الأدبية، من استبعاد لأدب الدعاء ونفيه عن دائرة الفن والأدب، يصل بنا المقام إلى التساؤل عن إمكانية وجود أسباب ومبررات معقولة، تقف وراء هذا النفي والاستبعاد. ونحن سوف نورد فيما يلي جملة من أهم الأسباب والمبررات التي قد يُتمسك بها لاستبعاد بعض النصوص ونفيها عن دائرة الأدب، لنناقش من بعدها مدى صلاحية هذه الأسباب والمبررات للانطباق على أدب الدعاء.

الأسباب المحتملة لنفي أدب الدعاء

السبب الأول: الشك في النسبة

قد يشك الباحث في نسبة بعض النصوص إلى أصحابها، الأمر الذي يُسقطها في نظره عن الاعتبار، فيدعوه ذلك إلى إهمالها وعدم التعويل عليها. وربما يكون هذا السبب عينه هو الدافع إلى نفي أدب الدعاء، إذ لعل الذين أهملوا هذا الأدب لم تثبت لديهم صحة نسبة نصوصه إلى أصحابها.

ولكن الصحيح أن هذا التبرير لا يمكن قبوله فيما يخص أدب الدعاء، وذلك لأن الكتّاب الذين أغفلوا هذا الأدب في مؤلفاتهم، لم يتعرّضوا لمسألة النسبة لا من قريب ولا من بعيد، بل أهملوا أدب الدعاء جملةً ودون التعرض لأي شأن من شؤونه، ليعاملوه بذلك معاملة الشيء المعدوم. فلو كان شكهم في النسبة هو الدافع الذي يقف وراء فعلهم، لتحتّم عليهم أن يعللوا شكهم هذا ويبينوا الوجه فيه، خصوصًا وأن الأمر يتعلق بنصوص تتميز بكثرتها الوافرة، وبأنها ذات اعتبار لدى أمة كبيرة من الناس ممن أدركوا قيمتها وشُغفوا بتلاوتها، كما تهيّأ لها عدد من المحققين الذين أفاضوا في تصحيح نسبتها، وربطها بأصحابها.

فليس من حق أيّ باحثٍ بعد هذا أن يقفز عن هذه النصوص، بحجة الشك في صحة نسبتها، إلا إذا أشار إلى وجودها أولاً، ثم بيّن بعد ذلك مبررات شكه هذا ودواعيه.

ولذلك فإننا نجد أن ما نطالب به هنا من منهج قد التزمه كتّابنا المعنيون -ولكن في غير أدب الدعاء-. فها هو الأستاذ محمد قطب مثلاً يورد في كتابه "منهج الفن الإسلامي" بيتين من الشعر منسوبين لسكينة بنت الحسين، ثم يعلق عليهما بقوله: [لم أتمكن من تحقيق نسبة هذين البيتين لسكينة، ويقال إنهما لأحد المتصوّفين، والذي يعنينا من هذه النماذج هنا هو موضوعها بصرف النظر عن قائلها]([14]).

فها أنت تراه يحفظ الاعتبار لبيتين من الشعر، لأجل موضوعهما، على الرغم من عدم تمكنه من تحقيق نسبتهما. أفلم يكن الأولى به إذن أن يحفظ الاعتبار أيضًا لأدب الدعاء، على كثرة نصوصه، مع ما تفيض به هذه النصوص من مميزات وقيم؟! ثم يستفيد من ذلك كله في محاولته استنباطَ منهج الفن الإسلامي، سواء صحّت لديه النسبة أم لم تصح، حيث إن عدم صحة النسبة لا تُحيل الموجود معدومًا، ولا تفرغ الأدب السامي من خصائص سموّه.

والأمر عينه يقال بالنسبة للدكتور شوقي ضيف والشيخ علي حب الله، حيث أظهرا الشك في صحة أكثر المروي من خطب الجاهلية، ولكنهما استشهدا مع ذلك ببعض هذه الخطب، واستخلصا منها بعض ظواهر وخصائص تلك الخطابة ([15]).

السبب الثاني: النقص الكمي

ربما يكون الداعي أحيانا لكي يهمل الباحث نوعًا من أنواع الفنون الأدبية هو ندرة نصوص هذا النوع الأدبي، أو قلّة قرّائه. وهذا ما قصدناه بعبارة: "النقص الكمي" الواردة في العنوان.

ونحن حتى لو سلّمنا جدلاً بكفاية هذا السبب لإغفال أدب من الآداب، أو إقصاء فن من الفنون، فإنه لا يمكننا التسليم بانطباق هذا السبب على أدب الدعاء. وذلك لعدم ابتلاء هذا الأدب بأي لون من ألوان النقص الكمي، لا من حيث ندرة نصوصه، ولا من حيث قلة قرائه.

ويكفينا، فيما يتعلق بالحيثية الأولى، أن نذكّر القارئ بما قلناه عند حديثنا حول الخصائص التي دعتنا إلى قصر اهتمامنا على النثر دون الشعر، وعلى أدعية أهل البيت (عليهم السلام) دون سواهم. فقد قلنا هناك: [ قد أُثر عن كل واحد من أئمة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام)، كما عن السيدة الزهراء (عليها السلام) أيضًا عدد من الأدعية، بل لقد ترك لنا الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) صحيفة كاملة هي الصحيفة السجادية والتي يبلغ عدد أدعيتها أربعة وخمسين دعاءً، هذا عدا عن أدعيته الأخرى المروية عنه في غير هذه الصحيفة].

ثم.. وعلاوةً على ما ذكرناه، فإنا لو أخذنا بعين الاعتبار أيضًا أدعية غير أهل البيت (عليهم السلام) من علماء وأدباء وشعراء، لحصلنا من ذلك على مساحة واسعة تشغلها نصوص أدب الدعاء، الأمر الذي يرفع عن هذا الأدب أيّ وهم بوجود نقص كمّي يمكن أن ينسب إليه من حيث عدد النصوص التي تخصّه، والقادرةِ على تمثيله خير تمثيل في واحة الفن والأدب.

والآن وبعد أن بيّنّا بطلان الحيثية الأولى من حيثيتي النقص الكمي (ندرة النصوص)، يبقى علينا أن نناقش الحيثية الثانية وهي حيثية (قلة القرّاء)، فنسأل: هل يعاني أدب الدعاء فعلاً من أيّ نقص في عدد قرّائه والمقبلين على تلاوته أم أن الواقع يكشف لنا عن عكس ذلك؟

في الإجابة على هذا السؤال نقول: لعلنا لا نبالغ إذا ما ادّعينا أن أدب الدعاء قد يأتي في الصدارة من حيث اهتمام القرّاء به وإقبالهم على قراءته. يدلّنا على ذلك الواقع المشهود، حيث نجد الكثير من الناس، وبمختلف فئاتهم الاجتماعية والثقافية يقبلون إقبالاً قلّ نظيره على تلاوة نصوص أدب الدعاء، يحدوهم على ذلك ما يجدونه في هذه النصوص من حلاوة البيان وغنى المضامين وتنوعها، مما يرضي الذائقة الفنية لدى الفرد، ويتيح له التعرف على أعمق المشاعر الإنسانية والتعبير عنها، كما يفتح ناظريه على آفاق واسعة من الأفكار والمعارف والقيم، فيضع بذلك بين يدي كل شخص ما ينسجم مع حاجاته المختلفة، ويتلاءم مع تطلعاته المتنوعة.

ويكفينا للتدليل على ذلك أن نستعرض جملة من صنوف الأدعية والمواضيع التي تدور حولها. فثمّة أدعية وُضعت لتناسب كل يوم من أيام الأسبوع بخصوصه (كدعاء يوم الجمعة، ودعاء يوم السبت...)، وإخرى وضعت لتناسب بعض أوقات اليوم الواحد (كأدعية الصباح والمساء، ودعاء السَّحَر...) ومنها ما وضع مراعيًا للمناسبات الدينية المختلفة (كأدعية شهر رمضان، وأدعية الأعياد، وكدعاء يوم عرفة...).

ومن الأدعية ما يصدح بتمجيد الله سبحانه وتقديسه، ومنها ما يلهج بالتحية والتسليم على الملائكة والأنبياء والرسل، ومنها ما هو مخصص للتوبة وطلب المغفرة، أو لاستنزال الرزق وطلب الشفاء، ومنها ما يدعو لأهل الثغور، أو للجيران، أو للأهل والأبناء... ومنها ما يدعو للأمة جمعاء...

والخلاصة هي أن نصوص أدب الدعاء لا تكاد تترك مناسبة من المناسبات، ولا حالاً من أحوال الفرد أو المجتمع إلا وتعرّضت له وقالت كلمتها فيه، فهيّأت بذلك مادّة غنيّة وضعتها بين أيدي الناس، متيحة لهم أن يستخدموها بما يتوافق مع الحاجات الروحية والحياتية للفرد، أو بما يتلاءم مع الشؤون العامة للأمة والمجتمع.

ولهذا فإننا نجد من الناس مَن يثابر على تلاوة بعض نصوص الأدعية بصورة يومية، ومنهم من يتلوها في بعض المناسبات الدينية الخاصة، ومنهم من يدعو بها وفقًا للظروف التي تَعرض عليه، أو تتعرّض لها الأمّة...

ثم إن كَثرة ما يُطبع من كتب الأدعية، وكَثرة ما يقتنيه الناس من هذه الكتب، لَدليلٌ على شدّة الاهتمام بهذا الأدب. ومما يدل على هذا الاهتمام أيضًا ما نشهده من تلاوة متكررة للدعاء في البيوت، وفي المساجد، وفي النوادي الدينية، وفي الإذاعات، وعلى قنوات التلفزة، وفي غيرها من المواضع المتاحة للعبادة ومناجاة الله جل وعلا.

وبناء على هذا يتبين لنا أن الحيثية الثانية. وهي حيثية قلّة عدد القراء، لا تنطبق على قرّاء أدب الدعاء.

وبذا يغدو السبب الثاني باطلاً بكلا شقّيه، وعليه فلا يصح تعليل نفي أدب الدعاء بوجود نقص في عدد نصوصه، ولا في عدد قرّائه والمقبلين على تلاوته.

وبهذا يصل بنا المقام إلى مناقشة السبب الثالث والأخير.

السبب الثالث: القصور الفني

إنّ واحدًا من الأسباب التي يمكن أن يُتمسك بها لإسقاط بعض النصوص الأدبية عن الاعتبار هو قصورها الفني، فقد لا ترقى هذه النصوص في أساليبها التعبيرية أو في خصائصها الفنية إلى المستوى الذي يؤهلها للدخول إلى واحة الفن والأدب، فتُبتلى لأجل ذلك بالإعراض عنها، ويكون مصيرها النفي.

 وهنا ربما يتوهم متوهم بأن مثل هذا السبب كان هو الداعي إلى إهمال أدب الدعاء والحكم عليه بالنفي من دائرة الأدب.

ولكن الحق هو أن أدب الدعاء بعيد كل البعد عن مثل هذا القصور، بل العكس هو الصحيح، إذ يمكننا أن ندّعي بأن أدب الدعاء إنما يأتي في الذروة العليا بين فنون الأدب من حيث خصائصه الفنية وقِيَمه التعبيرية، وهي أمور لا يسعنا التعرض لها في هذه العجالة. إلا أننا نرجو أن يوفقنا المولى سبحانه إلى تلمس بعض ملامحها في سياق مقالات لاحقة تتصدى لمعالجة مواضيع أخرى من مواضيع أدب الدعاء، ولذا فإننا سنكتفي هنا بإيراد شهادتين فقط من شهادات أعلام فنّ البيان([16])، تؤيدان ما ادعيناه، وتغنياننا حاليًا عن كل تفصيل.

أولاهما: شهادة يعود تاريخها إلى فترة صدر الإسلام. وهي شهادة الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول: [وإنّا لأمراء الكلام، وفينا تنشّبت عروقه، وعلينا تهدّلت غصونه]([17]).

وأما ثانيتهما فهي شهادة معاصرة للشاعر اللبناني الشهير سعيد عقل يصوّر فيها مقام الإمام علي (عليه السلام) من فنّ البيان، فيقول([18]):

كلامي على رَبِّ الكلامِ هوىً صَعْبُ
 

 

تهيّبتُ إلا أنّني السَّيفُ لم يَنْبُ
 

فإذا ما كان الإمام علي وأهل البيت (عليهم السلام) هم أمراء الكلام بحسب شهادة الإمام علي نفسه، وإذا ما كان الإمام علي (عليه السلام) أيضًا هو رب الكلام بحسب شهادة الشاعر سعيد عقل. فهل يمكن أن نحتمل بعد هذا أن يعاني أدب أرباب الكلام وأمرائه من قصورٍ في قِيمهِ الفنّية وخصائصه الأسلوبية؟!

وهكذا يظهر بأن الأسباب الثلاثة، والتي يمكن اعتبارها من أهم أسباب إهمال نصّ من النصوص أو فنّ من الفنون، لا تنطبق على فن الدعاء. ولذلك يغدو من البعيد وجود أيّ سبب وجيه في البين يمكن التمسك به لإسقاط أدب الدعاء ونفيه عن ساحة الفنّ والأدب.

خاتمة

وأخيرًا أودّ أن أؤكد على أن جُلّ ما قَصَدنا إليه في هذه المقالة هو إبراز أدب الدعاء إلى دائرة الضوء في مجال المناهج التعليمية والدراسات الأدبية، والتنبيه على ما يفضي إليه إهمال هذا الأدب والاستهانة بشأنه من نقصٍ خطيرٍ في مادة الأدب العربي، الأمر الذي يحرم هذا الأدب من بعض أروع نصوصه وأبهاها، ويُفوّت عليه فرصة سانحة قد ترقى بمكانته على صعيد الأدب العالمي، فتستفيد من مدخرات كنوزه الإنسانيةُ جمعاء. خصوصًا وأن أدب الدعاء ينطوي على مضامين فلسفيّة وعقائديّة وخُلُقيّة وتربويّة وروحيّة... قلّ نظيرها، ولكننا تجنّبنا التلبُّث عندها لكي لا نتعدى عن صلب موضوع مقالتنا الحاليّة.

فنرجو أن نكون قد وفقنا لما رمينا إليه، وأن تَلفِتَ مقالتُنا هذه انتباهَ بعض المعنيين بشؤون الأدب العربي، فتشعرهم بما يقع على عاتقهم من مسؤوليّة، علّهم يبادرون إلى الإضاءة ما أمكنهم على أدب الدعاء، محاولين ردّه من منفاه، لِيُقيمَ في محلّه المناسب في حاضرة الفن والأدب.

كما نرجو أن يوفقنا المولى سبحانه إلى معالجة جوانب أخرى من أدب الدعاء في مقالة لاحقة. والحمد لله أولاً وآخرًا.


ـــــــــــــــــــــــــــ

الهومش

([1]) الأعراف: 19-23.

([2]) لعل بعض مؤرخي الفن لا يؤمنون -كما نؤمن نحن- بأن القرآن الكريم كتاب منزل من عند الله تعالى، ولكن ذلك لا يعفيهم من أن يحتملوا احتمالاً قويًا أن يكون أدب الدعاء واحدًا من أوائل الفنون ظهورًا، لأنه احتمال ينسجم وطبيعة الأمور، خصوصًا وأن العلوم الإنسانية المعنيّة تسلّم بقدم ظهور التدين في حياة الإنسان. ولا شك في وجود تلازم بين التدين والدعاء. وعليه. فنحن لا نلزمهم الاعتقاد بما ورد في القرآن الكريم. بل نلزمهم بنتائج العلوم الإنسانية وبما يقتضيه منطق الأمور.

([3]) لا تخلو المكتبة العربية من وجود مؤلفات قيمة تختص بأدب الدعاء. وهي ليست مقصودة بكلامنا الوارد في المتن. وذلك لأن مرادنا بالدراسات الأدبية والفنية. والتي أخذنا عليها -في المتن- عدم اهتمامها بأدب الدعاء، هو ذلك النوع من الدراسات التي سعت لكي تعالج بعض المواضيع العامة والقضايا الكبرى في الأدب. لتخرج من ذلك بنتائج عامة وأحكام كلية. إلا أنها وعلى الرغم من عموم مواضيعها وكليّة نتائجها أهملت أدب الدعاء. وهو الأدب الذي كان من شأنه أن يزودها بمادة غنية ويمدها بذخائر هامة. مما يعينها خير عون على نيل أوطارها وبلوغ غاياتها.

([4]) إن الدعوى المذكورة لم تنتج عن إقصاء نصوص أدب الدعاء وحدها عن ساحة الأدب العربي، بل هي ناتجة أيضًا عن إقصاء نصوص أخرى غيرها وعلى رأسها كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولكن لما كان موضوع بحثنا هو أدب الدعاء، لذلك فإنا لم نتعرض لأيّ من النصوص الأخرى.

([5]) د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي. ص8، دار المعارف. القاهرة. ط8.

([6]) وكمثال على ذلك يمكن للمرء أن يقارن بين ما أورده الدكتور شوقي ضيف في كتابه من نصوص تكشف عن أساليب الصياغة في النثر الجاهلي. وبين دعاء الصباح -مثلاً- للإمام علي (عليه السلام)، ليدرك جليًا عمق الهوّة الفاصلة بين أساليب الصياغة في هذين النثرين. ولا أعتقد أن أي متذوق للأدب سيوافق بعدها على عدم وجود تجديد كبير في دعاء كدعاء الصباح. أو على أن هذا الدعاء لا يمثل في صياغته سوى استمرار للصياغة التي عرفتها خطب الجاهلية وسجع الكهان.

ومن الأمثلة التي تصور أساليب الصياغة في خطب الجاهلية والتي أوردها الدكتور شوقي ضيف في كتابه نقتطع هذه السطور: "أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبرّ وآثام، لباس ومركب، ومطعم ومشرب.." ص64:

ونقتطع من دعاء الصباح هذه السطور: "يا من دلّ على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفياته، يا من قرب من خطرات الظنون، وبعد عن لحظات العيون، وعلم بما كان قبل أن يكون..".

وبكلمة سريعة جدًا يمكننا أن نقول: إن قوة السبك، كما الموسيقى، وكذلك طريقة استخدام السجع، تتفاوت كلها تفاوتًا بيّنًا بين النصين، بحيث لا يمكن التسليم بأن الصياغة التي اعتمدها الدعاء تمثل عملية استمرار للصياغة التي اعتمدتها خطب الجاهلية.

([7]) انظر: الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص10.

([8]) محمد قطب: منهج الفن الإسلامي. ص7، دار الشروق - بيروت/ القاهرة، 1393هـ-1973م.

([9]) نفسه ص 12.

([10]) نفسه ص 13.

([11]) الشيخ علي حب الله: المقدمة في نقد النثر العربي - مشروع لرؤية جديدة في تقنيات البحث والكتابة، ص 65، دار الهادي، بيروت، ط 1، 1421 هـ - 2001 م.

([12]) انظر: "المقدمة في نقد النثر العربي" ص 67.

([13]) لا يتعارض قولنا "بأنّ نصيب أدب الدعاء في كتاب من الكتب هو النفي" مع كون هذا الكتاب قد ذَكَر -مثلاً- اسم الصحيفة السّجاديّة في سياق ما وبصورة عابرة، حيث إن المطلوب هو إعادة الاعتبار إلى أدب الدعاء، وذلك من خلال تصنيفه كَفَنٍّ بين الفنون، ومن خلال ذكر نصوصه ودراستها، ثم استخراج ما يبتني على ذلك كله من نتائج يمكنها أن تغيّر الكثير مما يخصّ الأدب العربي من مفاهيم وأحكام، ولا شيء من هذا تستطيع أن تنهض به الإشارة العابرة، أو يستوفيه ذكر اسم من الأسماء.

([14]) منهج الفن الإسلامي. ص 297.

([15]) انظر: الفن ومذاهبه في النثر العربي. ص 34 و 35 ؛ والمقدمة في نقد النثر العربي، ص 57.

([16]) إن الشهادات التي أدلى بها أعلام فنّ البيان حول بلاغة الإمام علي (عليه السلام). أو حول سحر بيان بعض الأئمة من ولده. لا يكاد يحيط به الإحصاء، وقد توالت هذه الشهادات على مرّ العصور. وكان لعصرنا الحالي نصيبه الوافي منها أيضًا. مما يدل على دوام جِدّة نصوصهم (عليهم السلام). وملاءمتها لأذواق أهل الأدب في كل زمان ومكان.

([17]) نهج البلاغة. شرح الشيخ محمد عبده، ج2 خطبة رقم233 .

([18]) سعيد عقل: ديوانه (كما الأعمدة).

 

 

الكتب والمكتبات الشيعيّة

في مهبّ العصبيات البغيضة

د. أكرم محمّد نبها 

 

مقدمة

سطّر المسلمون في تاريخ مسيرتهم الحضاريّة ملايين المخطوطات في شتّى العلوم والمعارف استفاد منها الغرب أيّما إفادة إبّانَ نهضته التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة، والسّؤال: أين هي هذه الملايين من المخطوطات؟؟

الجواب واضحٌ جدًا: جزءٌ منها في خزانات الكتب الغربية، وجزءٌ آخر صار طعمًا لنيران الحروب والفتن والأحقاد، وثالثٌ يسيرٌ قد تمّ تحقيقه أو ما زال في خزانات الكتب العربية والإسلاميّة ينتظرُ مَن ينفضُ عنه غبار القرون والسنين..

ونحن لن نتعرّض للجزء الأوّل من هذه المخطوطات، فلها حديثٌ آخر، ولكنّنا سوف نتناول بالبحث المخطوطات الإسلاميّة التي ضاعت بسبب الحرق، ولا أمل في رؤيتها إلى قيام السّاعة.

إنّ حرق الكتب والمكتبات عملٌ مارسته الشّعوب كافةً على طول التاريخ وعرضه، ولم ترعوِ أمّةٌ من أمم الأرض، شرقية وغربية، عن القيام بمثل هذا العمل الشنيع، ونكتفي بنموذجٍ واحدٍ، فأرخميدس الحكيم الرّياضيّ اليونانيّ أحرق الرّومُ من كتبه خمسةَ عشرَ حملاً عندما فتحوا مدينة سرقوسة عام 212 قبل الميلاد([1]).

الاهتمام بالمكتبات الإسلامية وأسباب ضياعها

وأمّا الكتب والمصنّفات الإسلاميّة فإنّه يمكنُ حصر الأسباب التي أدّت إلى ضياعها بالتالي:

1-الحروب والغزوات .

2-الفتن الطّائفيّة، ودوافعها العقائديّة الهمجيّة.

3-التّعصّب والحسد.

ظهرت المكتبات الإسلاميّة بصورة واضحةٍ في نهاية القرن الثاني للهجرة، إذ زوّدها الخلفاء والوزراء والأمراء وغيرهم من العلماء والأفاضل والأثرياء بما تحتاج إليه من موظّفين وموادّ أوّليّة للكتابة كـ(الرّق، الورق، البردي، الحبر..) ولقد زُوّدت مثل هذه المكتبات بكتبٍ هامّة في مختلف العلوم، وتبارى الخلفاء والأمراء في اقتناء أنفس الكتب وأكثرها ندرةً مهما كلّفهم ذلك من أموال طائلة([2]).

اهتمّ المسلمون بصناعة الورق، وأنشأوا له المصانع، وجلبوا له الصّنّاع من مصر التي اشتهرت بصنعه من نبات البردي([3])، واستمرّ استخدامه إلى أن حلّ محلّه الكاغد الصّينيّ في القرن الرابع الهجري، واشتهرت سمرقند بصناعة الكاغد، حتى قيل :[كواغد سمرقند قراطيس مصر]، ثمّ تمدّدت صناعة الورق الصّينيّ إلى أن وصلت إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسيّة، حيث أسّس الفضل بن يحيى البرمكيّ سنة 178هـ أوّل مصنع للورق، وانتقلت صناعة الورق إلى أوروبا عن طريق الشّام، فأطلق عليه الأوروبيّون اسم[الصّحائف الدّمشقيّة].

اتّسعت المكتبات في العصر العباسيّ حتى عُدَّ بحقّ عصر الموسوعات العلميّة والمكتبات الإسلاميّة، وساعدَ على ذلك اتّساع حركة التأليف والترجمة وتقدّم صناعة الورق التي هي أُسُّ صناعة الكتاب، ومن أشهر مكتبات ذلك العصر كانت "خزانة الحكمة" أو "بيت الحكمة" في بغداد، "أنشأه المأمون عام 830م، وهو مجمعٌ علميٌّ ومرصدٌ فلكيّ ومكتبةٌ عامّةٌ، أنفق على إنشائها مائتي ألف دينار (نحو950 ألف دولار أمريكي)، وأقام فيها طائفة من المترجمين، وأجرى عليها الأرزاق من بيت المال"([4])، والغالب أنّ الرشيد([5]) وليس المأمون هو الذي أنشأ هذه المكتبة، وجمع إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب علميّة وطبّيّة وغيرها، بالإضافة إلى ما كان قد أُلّف وصُنّف في العلوم الإسلاميّة، ولما تولّى المأمون الخلافة بعد الرشيد أنشأ مجالس الترجمة، وجمع في بيت الحكمة كتب العلم بلغاتها اليونانيّة والسّريانيّة والفارسيّة والهنديّة والقبطيّة فضلاً عن العربيّة.

وبيت الحكمة لم يكن مكانًا لتجميع الكتب فحسب، بل كان مركزًا علميًّا زاهرًا فيه مجلس للترجمة والنسخ والتأليف والدراسات، وكان لكلّ أناس مكانٌ خاصّ يركنون إليه، فمكانٌ للنّسّاخ وآخر للمؤلّفين وثالثٌ للمترجمين والمطالعين... وذكر ابن النديم في فهرسته اسم أحد النّسّاخ وهو "علان الشّعوبي"([6]) عملَ نسّاخًا في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة.

وبعد الانتهاء من تأليف الكتاب أو ترجمته أو نسخه كان ينتقلُ إلى صنّاع التجليد، فيقومون بتجليده وتزيينه وتحسينه "وإنّ ابن أبي الحريش كان يجلّدُ في خزانة الحكمة للمأمون"([7])، وما زال الخلفاء العباسيون يضيفون إلى المكتبة الكتب والنفائس حتى صارت دارًا للعلم يعجز القلم واللسان عن وصف المحتوى العلمي فيها، لأنّنا نتحدث عن مكتبة حوت عصارة الفكر الإنسانيّ بملايين المجلّدات.

إلى أن جاء التتار سنة656هـ إلى بغداد، فنال عاصمة الخلافة الإسلامية ما نالها من عبثٍ وفساد، وخبر التتار هو حديثٌ يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تُصَغِّرُ كلَّ نازلة، حتى قيل: "إنّ هولاكو اتّخذَ من الكتب الموجودة في خزائن بغداد يومئذٍ جسرًا تعبر عليه جنوده، فاصطبغ ماء دجلة بلون مداد الكتب، وأمر بإحراق ما تبقّى منها، حتى قيل أنّ الفارس التتريّ كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى!!.." ([8])، هذه جريمة ليست في حقّ المسلمين فحسب، بل في حق الإنسانية كلها!!..وهي جريمة تكرّرت عبر التاريخ..

ولمّا استقرّ هولاكو بقصر المأمونيّة شرقيّ بغداد سمح لجنده بدخول المدينة، فعاثوا فيها أسبوعًا كاملاً، وهدّموا مساجدها ليحصلوا على ذهب قبابها، وجرّدوا القصور مما فيها من التُّحف النادرة، وأتلفوا عددًا كبيرًا من الكتب القيّمة في مكتباتها، وأهلكوا كثيرًا من رجال العلم فيها.." ([9]).

وقد اختلف المؤرّخون في عدد الأنفس التي أزهقها المغول على أثر دخولهم بغداد، وراوحت التقديرات بين تسعماية ألف([10])، ومليون وثمانماية ألف([11])، وكانت بغداد نتيجة هذه الكارثة قد فقدت معظم سكّانها، وضاعت الثروة الأدبيّة والعلميّة والفنيّة التي عُني الخلفاء العباسيون بجمعها منذ أن بنى أبو جعفر المنصور بغداد واتخذها حاضرةً لدولته عام 140هـ.

وكان للخليفة العباسيّ المستعصم (609-656هـ) وزيرٌ اسمه "ابن العلقميّ" يحبُّ أهل الأدب، ويقرّبُ أهل العلم، اقتنى كتبًا كثيرةً نفيسة، وقد اشتملت مكتبته على عشرة آلاف مجلّد من نفائس الكتب، وصنّفَ الناسُ له الكتبَ منهم الصّغاني اللغوي، وابن أبي الحديد صنّف له كتاب شرح نهج البلاغة، يشتمل على عشرين مجلدًا"([12])، واتّهمَ الجوزجانيُّ في كتابه (طبقات ناصري) والسيوطيُّ في كتابه (تاريخ الخلفاء) وغيرهما ابنَ العلقميّ والشيخَ نصير الدين الطّوسيّ الشيعيّين بتسليم بغداد للمغول، محاولين أن يحمّلوا كارثة بغداد للشيعة([13]).

قال السيوطيّ: "ثمّ ركن المستعصم إلى وزيره مؤيّد الدين العلقميّ الرافضيّ، الذي باطن التتار وناصحهم وأطمعهم في المجيء إلى بغداد، وسهّل عليهم ذلك"([14])، غير أنّ د. حسن إبراهيم حسن علّق على ذلك بقوله: "هذه الآراء لا تتّفقُ مع هذه الحقيقة التاريخيّة وهي أنّ فتحَ المغول بغداد كان جزءًا من مشروعٍ سياسيٍّ يهدف إلى اتّساع رقعة الإمبراطوريّة المغوليّة.. أضف إلى ذلك أنّ قتلَ المغول لأهل بغداد قد شملَ السّنيين كما شملَ الشّيعيين الذين نُهبت دورهم في الكرخ وهي محلّة الشيعة ببغداد، وممّا هو جديرٌ بالملاحظة أن الجوزجانيّ يغلو في سنّيّته"([15]).

وبعد أن عاثت بربريّة التتار فسادًا وتقتيلاً وحرقًا في بغداد، وبعدَ أن رموا كتبَ الحضارة الإسلاميّة في نهر دجلة، ورموا الجزء الآخر طعمًا للنار، واستطاع نصير الدين الطوسيّ أن يجمع من فلول تلك الكتب أربعماية ألف مجلّد استودعها في مكتبة مُراغة، وإذا كان المُستنقَذُ هذا حجمه، وهو النزر اليسير من كتب بغداد، فكيف بتلك التي أُغرقت أو أُحرقت!!

وفي هذه المقالة لن أتناول ما ضاع من كتب ومكتبات إسلاميّة وعربية على طول الدّولة الإسلامية/العربية وعرضها، منذ ثلاثة عشر قرنًا من الزمن، وإنّما سأخصّ مقالتي بتلك المكتبات الشيعيّة العظيمة التي ضاعت فيها كتب المذهب على طول الزمن، وضاعت معها كتب علمائنا الكبار، ولم يبقَ منها إلا أقل القليل، ولو وصلتْ إلينا لوصلَنا علمٌ جمٌّ .

مكتبات الفاطميين في مصر([16])

لم يكن الفاطميّون بمصرَ([17]) أقلّ من إخوانهم العباسيين اعتناءً بالعلم والعلماء، وقد كان في مقدمة ما اعتنوا به جمع الكتب، وبخاصّة النادر منها في كلّ فنٍّ وعلمٍ، وكثيرًا ما كانوا يحرصون على اقتناء نُسخٍ من مختلف الكتب بخطّ مؤلّفيها، يدفعون في سبيل ذلك أغلى الأثمان، مبالغةً في التحقيق والتدقيق، هذا فضلاً عن تنسيق تلك الكتب وتبويبها والمحافظة عليها وفقَ نظام دقيق، تيسيرًا للرجوع إليها والاغتراف من مناهلها.

وحين تولّى الخليفة الفاطميّ العزيز بالله الخلافةَ عام 365هـ استوزر يعقوب بن كلس، وكان محبًا للكتب، كلفًا بها، فأنشأ مكتبةً ضخمةً عُرفت باسم (خزانة الكتب) بذل أموالاً طائلة لتغذيتها بالمؤلّفات النادرة والمهمّة في التاريخ والأدب والفقه.. " وذُكر أنّه كان فيها أكثر من ثلاثين نُسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، منها نسخة بخطّ يده"([18])، وعشرون نسخة من كتاب الطبريّ، ومئة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد؛ وقد أورثَ العزيز بالله ابنه الحاكم بأمر الله (386هـ- 411هـ) حبَّ الكتب، فأنشأ (دار العلم) أو (دار الحكمة)، أقام بها القرّاء وأصحاب اللغة والنحو والأدب والطّب وأجرى لهم الأرزاق، وأباحَ الدخول إليها لسائر الناس، وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الورق والأقلام والحبر .. وقد وصل عدد الكتب فيها إلى ما يقارب المئة ألف كتاب.

وكان عدد نُسخ المكتبة الفاطميّة تزداد بمرور الأيّام والأعوام حتى بلغ عدد النسخ من كتاب (تاريخ الطبري) عند استيلاء صلاح الدين الأيوبيّ([19]) على مصر 1200 نسخة، وكان فيها 2400 ختمة قرآن بخطوطٍ محلاة بالذّهب، فلا عجبَ أن يقول المقريزيّ "أنّه كان فيها أكثر من مليونٍ وستِّمِايةِ ألفِ كتاب"([20]) في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء، ومنها ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة، وفيها ستّةُ آلافٍ وخمسُمِايةِ جزءٍ من كتب النجوم والهندسة والفلسفة والفلك، وهذا يعني أن عددَ الكتب في الخزانة التي أنشأها العزيز بالله الفاطمي منذ تأسيسها (365هـ) إلى أن استولى صلاح الدين على الإرث الفاطمي في مصر (567هـ) قد زاد بما يقارب الستين ضعفًا، وقستُ ذلك على زيادة نسخ كتاب الطبري، فقد كانت عند تأسيس الخزانة عشرين نسخة، وبلغت 1200 نسخة عند استيلاء صلاح الدين على مصر .

إنّ مكتبةً فيها هذا العدد الضّخم من النُّسخ المكررة، وبعضها بخطّ أصحابها لا يُعقل أن يكون فيها أقلّ من مليون كتاب مهما حاول بعض المؤرّخين من تخفيض عدد الكتب فيها إلى مئة ألف كتاب أو مئة وستين ألفًا، فكيف نصدق مقولة ابن خلدون "إنّ ما وجده صلاح الدين من الكتب يناهز مئة وعشرين ألف سفر"([21])، أو كيف نصدّق قول العماد: "فإني أخذت من تلك الكتب جملة في سنة اثنتين وسبعين، وكانت خزائن القصر مشتملة على قريب مئة وعشرين ألف مجلد"([22])، وإذا صدّقنا ذلك فكيف نفسّرُ ما نقل من أنّ "الآمر بأحكام الله([23]) عند وفاة وزيره الأفضل([24]) ابن أمير الجيوش بدر الجمالي صادر ممتلكاته، فكان من جملتها خمسُمِايةِ ألفِ كتاب، نُقلت كلّها إلى مكتبة القصر"([25])، وهذه مكتبةٌ بناها شخصٌ لنفسه، فكيف بتلك التي تكفّل بناؤُها الخليفة أو الدولة!؟

ونقل المقريزيّ عن صاحب كتاب (الذخائر)، قال: "كنت بمصر سنة إحدى وستين وأربع مئة فرأيتُ فيها خمسةً وعشرين جملاً موقّرةً كتبًا محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربيّ"([26]).

وإذا صدّقنا ابن خلدون وغيره في مدّعاهم فكيف نفسّرُ ما ذُكر عن ابن أبي طيّ، قال: "واستمرّ البيع في موجودات القصر مدّةَ عشر سنين، وعلى مدى يومين في الأسبوع، ومن جملة ما باعوه (خزانة الكتب)، وكانت من عجائب الدّنيا، لأنّه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دارُ كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة، ويقال أنّها كانت تحتوي على ألفي ألفٍ وستِّ مئةِ ألفِ كتابٍ (مليونان وستُّ مئةِ ألفِ كتابٍ)، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة"([27])، وحصّل القاضي الفاضل([28]) قدرًا كبيرًا منها، حين دخل إليها، فكلّ كتابٍ صلحَ له وأعجبه قطع جلدَهُ ورماهُ في بركةٍ كانت هناك، فلما فرغَ الناسُ من شراء الكتب اشترى تلك الكتب التي ألقاها في البركة على أنها مخرومة، ثمّ جمعها بعد ذلك، ومنها حصّل ما حصّل من الكتب"([29]).

وكيف نفسّر تسجيل الصفدي مشاهداته لكتب عبد الكريم بن علي (أخو القاضي الفاضل الفاطمي)، قال: "... وكان كثير الرّغبة في تحصيل الكتب، مبالغًا في ذلك إلى الغاية القصوى، ملكَ منها جملةً عظيمةً، لم يبلغنا عن أحدٍ من الرؤساء أنّ كتبه وصلت إلى مبلغ كتب عبد الكريم، حتى قيل إنها مايتا ألف مجلّدة، قلتُ (الصفدي): وهي موجودةٌ إلى عصرنا هذا، نشاهدُ اسمه عليها بقلم دقيق طويل الألفات على أعلى الكتاب مما يلي يسار الناظر في أوّله فوق اسم الكتاب"([30])، هذه مكتبةٌ جمعها فرد لثقافته أو لزينته فلا عجبَ أن تحوي المكتبة التي أسّسها العزيز بالله الفاطمي ونكبت على يد صلاح الدين أقلّ من مليون كتاب.

وأنا أنقل كلامًا للمقريزي ولكنه مفيدٌ في المقام، لأنه ينيرُ لنا جانبًا مظلمًا من مآثر تاريخ صلاح الدين في مصر الفاطميّة، وما فعله بكتب مخالفيه في العقيدة والمذهب عنيتُ الفاطميين، قال المقريزي: "قال في كتاب الذخائر: عدة الخزائن التي برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر([31]) أربعون خزانة، واحدةٌ من الخزائن من جملتها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة، وإن الموجود فيها ألفان وأربعماية ختمة قرآن في ربعات بخطوط منسوبة زائدة الحسن محلاة بذهب وفضة وغيرهما، ولما مات العاضد (567هـ) استولى صلاح الدين على جميع ما كان في القصر، فإن قراقوش وجد من الكتب النفيسة ما لا يعد؛ ويقال إنّها كانت ألف ألف وستماية ألف كتاب، منها مئة ألف مجلد بخط منسوب، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري؛ فباع السلطان جميع ذلك، وقام البيع فيها عشر سنين ؛ ونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج سائر ما في القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم، وخلا القصر من ساكنيه.."([32]).

وقد أصاب المكتبات الفاطمية الكثير من المحن على طول الفترة التي حكموا فيها، ولا سيما في عهد المستنصر بالله الفاطمي (ت487هـ)، فقد أصبحت الكتب تؤخذ من القصور الفاطميّة سدادًا للدّيون، قال صاحبُ (كتاب الذخائر): "وكنتُ بمصر في العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعماية (461هـ)، فرأيت فيها خمسةً وعشرين جملاً موقرة كتبًا محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي، فسألت عنها، فعرفت أنّ الوزيرَ أخذها من خزائن القصر سدادًا لديْنٍ قدره خمسة آلاف دينار، ونهبت جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر، هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية، وسوى ما ظفرت به ولاته وما صار إليه بالابتياع والغصب من الكتب الجليلة المقدار، المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحُسن خط، هذه الكتب عند انهيار الدولة الفاطمية أخذ جلودَها عبيدُهم وإماؤُهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم، وأحرق ورقها تأوّلاً منهم أنّها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره، وأنّ فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف، وحمل إلى سائر الأقطار، وبقي منها ما لم يحرق، وسفّت عليه الرّياحُ الترابَ، فصار تلالاً باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف بـ(تلال الكتب)" ([33]).

قال العسكري: "..أحرق السّلاجقة مكتبةَ الشيخ الطوسيّ في بغداد لما استولوا عليها، وفُعِلَ أكثر من ذلك مع خزائن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر عند استيلاء صلاح الدين على الحكم"، فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كلّ أثر للشيعة، حيث أوقف صلاح الدين بن أيوب التدريس في الأزهر، وأبطل المذهب الإسماعيليّ (الشيعيّ)، "وعزل القضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام قاضيًا شافعيًا في مصر، فاستناب القضاة الشافعية في جميع البلاد"([34])، وأنشأ المدارس لتقوم بتدريس الفقه السّني، وكان صلاح الدين قد أعطى القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني من كتب الدولة الفاطمية ما يقدر بمِئة ألف كتاب، وطرح الباقي للبيع، فاستمرّ أكثر من عشر سنين، وهدم (دار الحكمة)، وبنى مكانها مدرسة الشافعيّة، "ثمّ إنّ زوال الدّولة الفاطميّة الشيعيّة على يد الأيوبيين السُّنّيين كان في الواقع انتصارًا للسُّنّة على الشيعةِ"([35])، فلا حول ولا قوة إلا بالله من قادة أعمت بصيرتهم العصبية والقبليّة والمذهبية والضّغينة!.

خزانة سابور (أو خزانة العلم في بغداد)

ظهر بنو بويه في دنيا الإسلام في أوائل القرن الرّابع الهجري، ونسبُهم متأرجحٌ بين الفرس والعرب، وتسنّموا السلطنة العباسيّة على حين غرّة، "فإنّ جدّهم أبا شجاع بويه وأباه وجدّهُ كانوا كآحاد الرّعية الفقراء ببلاد الديلم، وكان بويه صياد سمكٍ، رُزقَ ثلاثة أولادٍ تملّكوا البلاد، وهم: عماد الدّولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعزُّ الدولة أبو الحسين أحمد"([36]).

دخل أولاد أبي شجاع بويه في زيّ الأجناد، وسرعان ما ارتقوا إلى مرتبة الأمراء، حينما كانوا في خدمة ملوك العجم، إلى أن تربّع معزّ الدولة أحمد على دست السلطة في بغداد سنة 334هـ، مستأثرًا بالسّلطة دون الخليفة، الذي لم يعد له من الخلافة إلا اسمها، وقد ملك من أولاد وأحفاد أبي شجاع بويه أحدَ عشرَ ولدًا، على مدى أكثر من قرنٍ من الزمن وبقي البويهيّون يتقلّبون على دست السلطنة في بغداد إلى أن ظهر طغرلبك السّلجوقي "وما زال ضعف دولة البويهيين يتزايد حتى انتهت نوبة المُلك إلى عزّ الدولة بن جلال الدولة أبي طاهر، فجرى بينه وبين كاليجار حروب، أفضت إلى أنّه هرب منه، وأقام بشيراز، ومات سنة 441هـ، وعليه انقرض حكمهم"([37]).

عُرفَ بنو بويه بميولهم الشيعيّة، حيث دُفنَ أكثرهم في مشهد الإمام علي (عليه السلام) في النجف الأشرف، "وقد كان جلال الدولة يُكثر من زيارة مشهديّ علي بن أبي طالب وابنه الحسين (عليهم السلام)، حتى أنّه كان يمشي حافيًا قبل أن يصل إلى كلّ مشهد منهما نحو فرسخ"([38]).

اتّخذ البويهيّون وزراء اشتهر بعضهم كأبي الفضل محمد بن العميد وابنه عليّ، وكلاهما وزّرهما ركن الدولة بن بويه، وكان أبو الفضل "يُسمّى الجاحظ الثاني"([39])، ومن وزرائهم أيضًا الصّاحب بن عبّاد، وكان شاعرًا مُجيدًا، ومنهم أيضًا الوزير أبو نصر سابور بن أردشير (336هـ-416هـ)، وُزّرَ لبهاء الدّولة البويهيّ ثلاث مرّات، ووزّر أيضًا لشرف الدولة.

وكان سابور من أكابر الوزراء، ومحطّ الشعراء، "وكان كاتبًا سديدًا عفيفًا ًعن الأموال، كثيرَ الخير، سليمَ الخاطر، وكان إذا سمع المؤذّن لا يشغله شيءٌ عن الصّلاة"([40])، وبعد أن وُزّرَ سابور لبهاء الدّولة اشتُهر بخزانة الكتب التي أنشأها سنة 381هـ ببغداد في محلّة الكرخ بين السُّورَين، فعمّرها وبيّضها وسمّاها (دار العلم)، ووقفها على أهلها الشيعة "ولم تكن في الدّنيا أحسنَ كُتبًا منها، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة وأصولهم المحرّرة، واحترقت فيما أُحرقَ من محال الكرخ عند ورود طغرلبك أوّل ملوك السّلجوقيّة إلى بغداد سنة 447هـ"([41]).

وكان سابور قد أوكلَ إلى الشّريفين محمد بن أبي شيبة ومحمد بن أحمد الحسني ردَّ النظر في أمور المكتبة ومراعاتها، والاحتياط عليها، وكان سابور قد ابتاع لخزانة (دار العلم) الكتبَ من أنحاء البلاد، ونقل إليها كتبًا كان قد ابتاعها لنفسه، وجمعها لثقافته، وكان -كما تقدّمَ- قد وقفها على أهل محلّة الكرخ، وجعل فيها كتبًا كثيرة، ووقف عليها غلّةً كبيرة، فبقيت سبعين سنة، وكان في طيّاتها أندر الكتب المخطوطة، وقد أشار بعض المؤرّخين أنّ عدد ما اشتملت عليه هذه الخزانة "كان أكثرَ من عشرة آلاف مجلد، بل كان عددها بوجه التدقيق (10400) مجلد من أصناف العلوم، منها مئة مصحف بخطّ ابن مقلة، حتى أخذ العلماء يحبسون عليها نُسخًا من مؤلّفاتهم حتى أصبحت من أغنى دور الكتب في عاصمة العباسيين"([42]).

"وقد آلت خزانة (دار العلم) بعد وفاة سابور بسنين إلى المرتضى أبي القاسم علي بن الحسن الموسوي نقيب الطالبيين"([43])، ويكفي المكتبة الشيعيّة فخرًا ما حوته مكتبة علم الهدى أبي القاسم بن الحسين الشريف المرتضى في بغداد من كتب الشيعة التي ضاعت بعد دخول طغرلبك بغداد، قال صاحب (الكنى والألقاب): "نقل صاحب مجالس المؤمنين عن بعض الأعلام أنّه ذكر في ذيل ترجمة السيد المرتضى (ت435هـ)، بعد أن أثنى عليه، أنّه خلّف بعد وفاته ثمانين ألف مجلد من مقروءاته ومحفوظاته سوى ما أهدى منها إلى الرؤساء"([44]).

وكان مما ضاع من كتب الشيعة في هذه المكتبة ما لا يعلمه إلا الله، ويكفي أن تعرف أن الأصول الأربع مئة التي كانت أصول الكتب الحديثيّة عندَ الشّيعة قد ضاعت في هذه المكتبة ويحاول صاحب الذّريعة تفسير سبب ضياع هذه الأصول، بقوله: "ثم إنّ بعد جمعِ الأصول في المجاميع قلّت الرغبات في استنساخ أعيانها لمشقة الاستفادة منها، فقلّت نسخُها، وتلفت النسخُ القديمة تدريجًا، وأوّلُ تلفٍ وقعَ فيها إحراقُ ما كان منها موجودًا في مكتبة سابور فيما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بيك أول ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة 448هـ"([45]).

ويظنّ صاحب الذريعة "أن جملة من كتب مكتبة سابور الموقوفة للشيعة والمؤسسة لهم في محلتهم كرخ بغداد كانت فيها الأصول الدُّعائية التى رواها القدماء من أصحاب الأئمة عنهم..؛ وبالجملة هذه الأصول الدُّعائية التى كانت فى مكتبة سابور بالعناوين العامة أو الخاصة كافتها صارت طعمةً للنار، كما شرحه ياقوت، لكنّنا ما افتقدنا منها شيئًا إلا أعيانها الشخصية الموجودة في الخارج المرتبة على الهيئة الخاصة، وأمّا محتوياتها من الأدعية والأذكار والزيارات فقد وصلت الينا بعين ما كان مندرجًا فى تلك الأصول"([46]).

وذكر ابن الجوزي في أحداث سنة 451هـ، قال: "وثار الهاشميون وأهل باب البصرة([47]) إلى الكرخ  فنهبوها وطرحوا النار في أسواقها ودروبها، واحترقت دار الكتب التي وقفها سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، وكان فيها كتب كثيرة، واحترق درب الزعفراني وكان فيه ألفٌ ومائتا دينار لكل دار منها قيمة، ونهبت الكوفة نيفًا وثلاثين يومًا"([48]).

ومما تقدّم: يظهر أنّ مكتبة سابور التي أسّسها سنة 381هـ قد أُحرقت على مرحلتين: الأولى عند دخول طغرلبك السّلجوقيّ بغداد سنة 447هـ، والثانية عندما ثارت الفتنة بين السُّنّة والشّيعة في بغداد سنة 451هـ . والله أعلم .

يتبع =


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) ولد أرخميدس عام 287 قبل الميلاد في جزيرة صقلية، وكان والده فلكيًا شهيرًا، وكمعظم الشباب آنذاك سافر إلى الإسكندرية ثم إلى اليونان طلبًا للدراسة، ويعتبر الكثير من مؤرخي الرياضيات والعلوم أن أرخميدس من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة وهو أبو الهندسة. وقد قتل أرخميدس عام 212 قبل الميلاد على يد الرومان .

ففي عام 212 ق.م وفيما كان "أرخميدس" عاكفًا على حل مسألة رياضية بمنزله، لا يدري شيئًا عن احتلال المدينة من قبل الرومان، وبينما كان يرسم مسألته على الرمال، دخل عليه جندي روماني وأمره أن يتبعه لمقابلة "مارسيلويس"، فردّ عليه "أرخميدس":من فضلك، لا تفسد دوائري، وطلب منه أن يمهله حتى ينتهي من عمله، فاستشاط الجندي غضبًا وسلّ سيفه وطعن "أرخميدس" دون تردد، فسقط "أرخميدس" على الفور غارقًا في دمائه، وسرعان ما لفظ أنفاسه الأخيرة.

([2]) شلبي، أحمد: تاريخ التربية الإسلاميّة، مكتبة النهضة المصرية، دار الإتحاد العربي للطباعة، مصر، ط5 1976م ، ج4، ص146 .

([3]) يُعتبر ورق البردي أول وأقدم ورق في العالم، يصنع من نبات البردي الذي ينمو على ضفاف نهر النيل وبنفس الطريقة التي كان يصنعه بها قدماء المصريين، حيث كان يقطع النبات إلى شرائح ترصّ طولاً وعرضًا ثم تضغط بمكابس خاصة .

([4]) ديورانت، ويل: قصة الحضارة، دار الجليل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 201 ص4607 .

([5]) هارون بن المهدي، تولّى الخلافة بعد موت أخيه الهادي عام 170هـ .

([6]) ابن النديم: الفهرست، ص145، دار المعرفة، بيروت، 1978.

([7]) م . ن،ص14.

([8]) نلفت عناية القارئ الكريم إلى أننا كنا قد نشرنا في العدد السابق (21) من مجلتنا بحثًًا للدكتور طارق شمس بعنوان "إحراق المغول لمكتبات بغداد" هل هي حقيقة أم افتراء، ينفي فيه تلك الجناية (التحرير).

([9]) حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج4، ص160، مكتبة النهضة العربية، مصر .

([10]) السّبكي: طبقات الشافعيّة الكبرى، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، د.ت ، ج1، ص115.

([11]) ابن كثير: البداية والنهاية، دار ابن كثير، 2007، ج13، ص202.

([12]) ابن طباطبا المعروف بابن الطقطقيّ (ت709هـ): الفخري في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة، ص248، المطبعة الرحمانية، مصر 1927م.

([13]) نلفت عناية القارئ الكريم إلى أننا كنا قد نشرنا في العدد (11) من مجلتنا بحثًًا للمحقق السيد علي الميلاني بعنوان "الشيخ نصير الدين الطوسي وسقوط بغداد"، يثبت فيه براءة هذين العلَمين من هذه الفرية (التحرير).

([14]) السيوطيّ: تاريخ الخلفاء، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط1، 2003 ص431 .

([15]) راجع: ـ حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج4، ص162.

([16]) وكانت مدة الدولة الفاطمية منذ دعي للمهدي عبيد الله (298هـ) إلى حين قطعت من ديار مصر مائتي سنة وتسعًا وستين سنة وسبعة أشهر وأيامًا، أوّلها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وآخرها سلخ ذي الحجة سنة ست وستين وخمسماية (566هـ). منها بالمغرب إلى حين قدوم القائد جوهر إلى مصر أحد وستون سنة وشهران وأيام؛ ومنها بالقاهرة ومصر مائتا سنة وثماني سنين.

([17]) حكم الفاطميون مصر ما بين (296هـ) و (487هـ).

([18]) المقريزي، أحمد بن علي: المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزيّة، مكتبة مدبولي، مصر، ط1، 1997م ، ج2 ص163.

([19]) استولى صلاح الدين الأيوبيّ على مصر بعد وفاة الخليفة الفاطميّ العاضد سنة 567 هـ، واستمرّت الدولة الأيوبيّة من سنة 567هـ إلى سنة 648هـ.

([20]) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط المقريزيّة، ج2 ص165.

([21]) ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج4، ص81 و 82، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1971.

([22]) المقدسيّ، أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين، دار الكتب والوثائق القومية، مصر، 1998، ج1، ص269. (أحداث سنة 567هـ).

([23]) الآمر بأحكام الله منصور حكم ما بين (495هـ ـ 524هـ)، توفي من غير عقب. (تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص397).

([24]) توفي الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي عام 515هـ .

([25]) ابن ميسّر: تاريخ مصر، ج1، ص57 .

([26]) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط المقريزيّة، ج2، ص164 .

([27]) المصدر نفسه ص 165 .

([28]) وزير صلاح الدين وكاتبه، القاضي الفاضل عبد الرحيم (501هـ-596هـ)، قال ابن خلكان "تمكّن منه غاية التمكن (يعني من صلاح الدين) وبرز في صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار، أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطّلعين على حقيقة أمره أنّ مسوَّداتِ رسائلِهِ في المجلّدات والتعليقات في الأوراقِ إذا جُمعتْ ما تقصّر عن مئة مجلد، وهو مُجيد في أكثرها، وكان السلطان صلاح الدين يقول: لا تظنّوا أنّي ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل. (وفيات الأعيان: ابن خلكان، دار صادر، بيروت، لبنان، د.ت، ج3، ص158).

([29]) راجع: المقدسيّ، أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل: الروضتين في أخبار الدولتين، ج1، ص268. (أحداث سنة 567هـ)؛ الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك: الوافي بالوفيات، تحقيق هلموت ريتر، المعهد الألماني للأبحاث، 2008 ، عند ترجمته لـ(العاضد صاحب مصر).

([30]) الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي: الوافي بالوفيات، عند ترجمته لـ(أخو القاضي الفاضل).

([31]) القصر النافعي .

([32]) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط المقريزيّة، ج2، 163 و 164 .

([33]) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط المقريزيّة، ج2 ص164.

([34]) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1998، (فصل: ذكر ما اعتمده صلاح الدين بمصر القصر النافعي .

([35]) حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج4، ص195 و 197 .

([36]) ابن طباطبا المعروف بابن الطقطقيّ (ت709هـ): الفخري في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة، ص206.

([37]) م . ن، ص207.

([38]) حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3، ص60.

([39]) ابن خلكان: وفيات العيان، ج5، ص104.

([40]) ابن الأثير: البداية والنهاية، ترجمة (سابور بن أردشير).

([41]) ياقوت الحموي: معجم البلدان، مطبعة مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان،ط1، 1999 ، حرف الباء (بين السّورين).

([42])  طرازي، فيليب:خزائن الكتب العربية في الخافقين، دار أضواء السلف، د.ت ، ص101.

([43]) ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج6، ص241.

([44]) راجع: ـ القمي، عباس: الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، طهران، شارع ناصر خسرو، د. ت  ،ج1، ص133؛ آقا بزرك الطهرانيّ: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، د. ت .ج3، ص130.

([45]) آقا بزرك الطّهرانيّ: الذريعة إلى تصانيف الشّيعة، ج3، ص134.

([46]) م . ن، ج11، ص174.

([47]) كانت الكرخ يسكنها الشيعة، وأهل "باب البصرة" يسكنها السّنة، قال ابن الجوزي صاحب (المنتظم): "وفي يوم الثاني عشر  من ذي الحجة (سنة381هـ)، وهو يوم الغدير، جرت فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، واستظهر أهل باب البصرة وخرقوا أعلام السلطان، فقتل يومئذ جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القنطرة فقامت الهيبة وارتدعوا" كذا في النص (الثاني عشر) وهو خطأ مطبعي ، والصحيح (الثامن عشر).

([48]) ابن الجوزي: المنتظم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1995، أحداث سنة 451هـ.

 

 

 

دولة بني عمّار في طرابلس

إطلالة تاريخية

(الحلقة الأولى)

الشيخ نعيم نعمة

 

مقدمة

عندما يغوصُ الباحثُ في أعماق التاريخ ليسبرَ أغواره ويطّلعَ على أسراره، يستغربُ حين يقعُ نظرُه على درر مكنونة، رُميتْ على رفّ الإهمال وحُشرتْ في خانة النسيان، حتى تراكمَ عليها غبارُ السنين، فأصبحَ يزهدُ فيها من لا يعرفُ قيمتها، وأمسى يجهلُها من يريدُ معرفتها.

ودولة بني عمار في طرابلس درّة من هذه الدرر التي عفى عليها الزمان وطواها النسيان، وعملت الأقلام المأجورة على طمس حقيقتها، وتشويه صورتها، فالبحث عن حقيقة هذه الدولة التي لم تعمّر طويلاً ليس بالأمر الهيّن، لقلّة المؤرخين الذين أرخوا لها لسبب أو لآخر([1]).

طرابلس في التاريخ

تضرب طرابلس جذورها في عُمق التاريخ، وتَرْقى إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، حيث أسّسها الفينيقيون، وتعاقبت عليها الأمم والعهود من الفينيقيّين حتى الانتداب الفرنسي، مرورًا بالرومان، والبيزنطيّين، والعرب، والصليبيين، والمماليك، والعثمانيين.

لذلك أصبحت تضمّ عددًا كبيرًا من البُنى التاريخيّة والأثرية بأحيائها، وأسواقها، ودورها، وأزقّتها المتعرّجة المُلْتوية، والمسقوفة، ومعالمها، وتضمّ بين جَنَباتها أكثر من 160 مَعْلمًا، بين قلعة، وجامع، ومسجد، ومدرسة، وخان، وحمّام، وسوق، وسبيل مياه، وكتابات، ونقوش، وغيرها من المعالم الجمالية والفنيّة.

وعندما دخلها اليونانيون في القرن الرابع قبل الميلاد، أطلقوا عليها اسم "تريبوليس Tripolis" أي المدينة المثلثة، لأنها كانت تجمع بين ثلاث مناطق، وقد ظلّت تحمل هذا الاسم طوال العصور التاريخية التي تتالت عليها، من الرومان حتى العرب الذين دخلوها في القرن السابع الميلادي، فعرّبوا الاسم إلى [أطرابلس] بإضافة الهمزة في أوّلها تمييزًا لها عن "طرابلس الغرب" عاصمة ليبيا، ومن ثمّ حذفت الهمزة وأصبحت "طرابلس". وسميت طرابلس ومنطقتها بـ"إمارة طربلس" ثم بـ"دولة طرابلس" ثم "مملكة طرابلس المشرقية".

لقّبت طرابلس "بالمدينة المقدّسة" في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، أما الصليبيون فقد أطلقوا عليها اسم "تريبل"، كما دعيت أيام العرب بالفيحاء، وما زالت هذه الصفة ملازمة لها حتى اليوم، وتسمى حاليًا "طرابلس الشام" أو "طرابلس الشرق" تمييزًا لها عن طرابلس الغرب العاصمة الليبية([2]).

لعبت طرابلس دورًا هامًا كقاعدة عسكرية ابتداءً من العام 635م في عهد الأمويين. وفي العصر الفاطمي تميّزت طرابلس بحكم ذاتي مستقّل، وأصبحت مركزاً للعلم لا مثيل له في المنطقة في بداية القرن الثاني عشر الميلادي، إلى أن حوصرت ثمّ سقطت بيد الإفرنج الصليبيين في العام 1109م، فتضررت معظم معالم المدينة بشكل كبير، وبخاصة مكتبتها المعروفة باسم "دار العلم" التي كانت تنافس في غناها مكتبة بغداد.

ومن الحقبات المهمة التي مرّت على طرابلس حقبة بني عمار، الذين جعلوا من هذه المدينة وما حولها دولة تقوم على التشيّع لأهل البيت (عليهم السلام)([3]).

التعريف ببني عمار

يرجع نسب بني عمار إلى قبيلة كتامة([4]) الأمازيغية([5]) البربرية([6]) المغربية الأفريقية، وقد اعتنق الكتاميون الإسلام في بداية القرن الثامن الميـلادي (710م) مع وصول الفتح الإسلامي إلى مناطقهم، بعدمـا تفهّموا أهـداف الفاتحين الجدد غير المادية، ومبادءهم غير المعقدة عكس من سبقوهم، فتعاونـوا جميعًـا على طـرد البيزنطيين والرومـان وتحرير البلاد نهائيًا، وأدّى اندمـاج العنصرين إلى تكويـن مجتمع جديـد على أسـس ونهج جديـدين، ونتج عن ذلك قيام ممالك بربريـة معروفة، وقد خضعت أقاليـم كتامـة لسيطـرة الأغالبـة([7]) ثم الزيريين([8]) ثم الحماديين([9]) ثم الموحدين([10])، وقد كانت لهـم ممالك مستقلـة وقادة عظمـاء في تلك الفترة .

وعندما قامت الدولة الفاطمية اعتنق الكتاميون المذهب الشيعي الإسماعيلي، ولم يُعلم زمن انتقالهم إلى المذهب الجعفري بالتحديد، والظاهر أن هذا الأمر حصل بعد انتقالهم إلى الشام، والقدر المتيقن أنهم عندما استقلوا بدولتهم فيها كانوا على مذهب الشيعة الإثني عشرية، وبقيت طرابلس بأيديهم نحوًا من 40 سنة، حتى انتزعها منهم الصليبيون سنة 502 هجرية، وكان أهلها في ذلك العصر شيعة اثني عشرية([11]).

قال السيد محسن الأمين (ره) في أعيانه: [طرابلس أو أطرابلس بالهمزة، مدينة في ساحل بحر الشام، كان أهلها شيعة في عصر الشيخ الطوسي في القرن الرابع وما بعده (...) ثم انقرض منها التشيع بالعداوات والضغط، ويوجد في نواحيها اليوم بعض القرى الشيعية]([12]).

ويقول ناصر خسرو في كتابه سفرنامة عندما زار طرابلس في القرن الخامس الهجري: [وسكان طرابلس كلهم شيعة وقد شيّد الشيعة مساجد جميلة في كل البلاد]([13]).

ويقول المستشرق آدم متز في كتاب «الحضارة الإسلامية»: «وإذا كان ناصر خسرو قد وجد أهل طرابلس في عام (428هـ -1037م) شيعة، فقد جاء ذلك من أن بني عمار وهم إحدى الأسرات الصغيرة الكثيرة على الأطراف كانوا هناك على مذهب الشيعة»([14]).

ويقول د. عمر عبد السلام تدمري في كتابه (المغاربة في ساحل الشام تاريخهم السياسي والحضاري في العصر الفاطمي): [ وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المغاربة لم يكونوا كلهم إسماعيليين على مذهب الدولة الفاطمية، بل كانوا في الغالب من الشيعة الإمامية، وبعضهم من السنّة على المذهب المالكي]([15]).

وقفة مع قبيلة كتامة

في بداية القرن العاشر الميـلادي (913م) كانت قبيلـة كتامـة من أقـوى القبائل البربريـة في المغرب آنذاك، فتحالفت مع الفاطميين ضد الخلافة العباسية تعاطفًـا مع دعـاة الإسماعيليـة المتشيعين لأهل البيت (عليهم السلام)، واستطاعوا الإطاحة بدولة الأغالبة والقضاء عليها في القيروان بتونس، وقد كان دورهم حاسمًا في تأسيس الدولة الفاطمية، فكانوا حماتها وجنودها المخلصين.

انضم عـدد كبـير من قبيلة كتامة إلى جيش "جوهر الصقلي" قائـد الحملـة الفاطميـة علـى مصر، وتمكنّـوا عـام (358هـ - 969م) من دخـول الفسطـاط بعـد محـاولات عديدة وأسّسوا مدينـة القاهرة، وظلوا قوة عسكريّة هامّة في خدمة الخلافة الفاطميّة، وقد خصّص لهم مكان بجـوار القاهـرة للإقامة فيه، ولا يزال حي الكتاميين في القاهـرة يحتفـظ باسمهـم.

قال الشيخ مبارك الميلي في كتابه تاريخ الجزائر: [كانوا [أي: كُتامَة] من لَدُن الفتح مُعتزّين بكثرتهم لا يسومهم الأُمراءُ بهضيمةٍ إلى أن ظهرت الرّافضيّة [الشّيعيّة] بالمغرب فدانوا بِها، وملكوا المغرب باسم بني عُبيد [الفاطميّين]، ثُمّ مصر والشّام. واختطّوا القاهرة، ولَهُم بِها حارةٌ مضافة إليهم، ذكرها السّخاوي في تُحفة الأحباب]([16]).

يقول الدكتور يحيى مراد في تعليقه على كتابه تاريخ آل سلجوق، متحدثًا عن هذه القبيلة: «عند قيام الدولة الفاطمية كان شيوخ هذه القبيلة ممن لهم الصدارة في مؤسساتها الإداريّة والعسكريّة»([17]).

ويقول بوزياني دارجي في كتابه القبائل الأمازيغية: [تعتبر كتامة من أهم القبائل الأمازيغية التي تركت أثرًا بارزًا في تاريخ المغرب الإسلامي، بل تركت أثرًا عظيمًا في التاريخ الإسلامي ككل]([18]).

أوصاف قبيلة كتامة وأخلاقهم

لم يكن أبناء كتامة -كما قد يتوهم لأول وهلة- من الأفارقة الزنوج، بل كانوا يمتازون بالسمرة الخفيفة، يقول الشيخ مبارك الميلي في كتابه تاريخ الجزائر واصفًا هيئة البرابرة وأخلاقهم الذين تنسب إليهم قبيلة كتامة:

[أما أوصاف البربر فهي أن البربري وجهه معتدل، خطا عينيه مستويان، ليس كبعض الأمم التي يكون خطا عينيها عندما يتلاقيان بالأنف زاوية منفرجة، عيناه غير ناتئتين، أنفه متوسط الطول والعرض، أعضاؤه متناسبة، قوي البنية، مستطيع لتحمل الأتعاب وغير سريع التأثر من تغيرات الهواء، بشرته بيضاء وإنما تؤثر فيها الشمس بالسمرة.

أما أخلاقهم فمن أخلاقهم عز الجوار، وحماية النزيل، ورعاية الذمة، والوفاء بالعهد، وبرّ الكبير، وتوقير أهل العلم، ورحمة المسكين، وحمل الكَلّ، وكسب المعدوم، وقِرَى الضيف، والصبر على المكاره، والإعانة على النوائب، ومقارعة الخطوب، وإباية الضيم، ومشاقة الدول]([19]).

ويقول د. عبد الحليم عويس: [ يمتاز البربري بقوة البنية، واعتدال المزاج، وهو من الناحية الخَلقية يمتاز بوجه معتدل، وعينين غير ناتئتين، وأنف غير مفرطح ولا مستطيل، وتغلب عليه السمرة في الجنوب، والحمرة المشربة بالبياض في الشمال، ويمتاز من الناحية الخُلُقية بحبه للحرية والديموقراطية]([20]).

دور بني عمار بعد وصولهم إلى مصر

يُنسب بنو عمار إلى «أبي محمد الحسن بن عمار»، الذي لمع اسمه في عهد الخليفة الفاطمي «العزيز بالله» سنة 381هـ.

يقول المقريزي : [كانت قبيلة كتامة من أهم القبائل التي اعتمدت عليها الدولة الفاطمية مدة خلافة المهدي عبيد الله وخلافة ابنه القاسم القائم بأمر الله وخلافة المنصور بنصر الله إسماعيل بن القاسم وخلافة ابنه مَعد أبي تميم المعز لدين الله، وبهم أخذ ديار مصر لما سيّرهم إليها مع القائد جوهر في سنة 358هـ، وهم أيضًا كانوا أكابر من قدم معه من الغرب في سنة 362هـ.

فلما كان في أيام ولده العزيز بالله نزار اصطنع الديلم والأتراك، وقدمهم وجعلهم خاصته، وحطّ من قدر كتامة، فصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز بالله، وقام من بعده أبو علي المنصور الملقب بالحاكم بأمر الله، فقدّم ابن عمار الكتامي وولاّه الوساطة وهي في معنى رتبة الوزارة، فاستبد بأمور الدولة وقدّم كتامة وأعطاهم، وحطّ من الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز، فاجتمعوا إلى "برجوان" وكان صقلبيًا وقد تاقت نفسه إلى الولاية فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتى وضعوا منه، واعتزل عن الأمر، وتقلّد [برجوان] الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر، وزاد في عطاياهم وقوّاهم، ثم قتل الحاكم ابن عمار وكثيرًا من رجال دولة أبيه وجده، فضعفت كتامة وقويت الغلمان.

فلما مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي، أكثر من اللهو ومال إلى الأتراك والمشارقة، فانحط جانب كتامة، وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتى صاروا في زمن المستنصر من جملة الرعية بعدما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها]([21]).

ويقول المورخ المغربي الدكتور موسى لقبال في كتابه [دور كتامة في قيام الدولة الفاطمية]:

[يحمل تاريخ قبيلة كتامة وعلاقتهم بالحركة الفاطمية، منذ القرن الثامن للهجرة، عدة معان ودلالات منها: أن عملهم يعبّر عن فترة حاسمة في نهضة الفروسية الإسلامية في بلاد المغرب، وهو يمثل أيضًا دورًا إيجابيًا للإسلام الشيعي.... وبفضل عمل كتامة سرى تيار الوحدة، وأصبحت أصداؤه هي المسموعة في أرجاء المغرب والمشرق أيضًا...]([22]).

وصول بني عمار إلى طرابلس والتمهيد لتأسيس الدولة

تعود العلائق المغربية بطرابلس الشام إلى أكثر من ألف ومائة سنة خَلَتْ، أي إلى عهد الحكم الإخشيدي (330-358هـ/941-969م)، وتنوعت تلك العلاقات ما بين ثقافية وسياسية وعسكرية وتجارية وعمرانية.

والمصادر التاريخية لا تذكر شيئًا عن كيفية مجيء بني عمار إلى طرابلس، أو بدء تاريخهم بها، إذ تنقطع أخبار هذه الأسرة بعد موت جدها أبي محمد الحسن بن عمار سنة 386هـ، فلا نقف على أخبارهم قرابة ثلاثة أرباع القرن.

ومن الراجح أن يكون انتقالهم إلى الشام بدأ في زمن أبي الحسن بن عمار، وبعد أن تدنت مرتبتهم وتدهورت أحوالهم في مصر بسبب المؤامرات التي حيكت حولهم آثروا الهجرة الصامتة من مصر إلى الشام أولاً، ثم نزحوا إلى طرابلس بعد أن أصبح الحسن بن عمار قاضيًا على طرابلس.

وهذا ما يمكن أن نستفيده من كلام ابن القلانسي في كتابه "ذيل مرآة الزمان" عند ذكره "أبي محمد الحسن بن عمار": [ويبدو أنه فتح الطريق لأبناء قبيلته لينتقلوا الى الشام، فنجده يرسل «أبو تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي» إلى دمشق، ثم يقوم أبو تميم هذا بوضع أخيه "علي بن جعفر بن فلاح الكتامي" واليًا على طرابلس في سنة 386هـ]([23]).

ويؤيد هذا الرأي الدكتور عمر عبد السلام تدمري حيث يقول: [احتل المغاربة المرتبة الأولى بحضورهم، إلى جانب الحضور الديني والعسكري، وذلك في العصر الفاطمي، إذ منذ أن بسط الفاطميون نفوذهم في بلاد الشام بعد سنة 360هـ، أخذوا يولّون القُضاة والوُلاة والقادة على المدن الرئيسة والولايات، وبشكل خاص في طرابلس، لأنها كانت قاعدة أمامية متقدمة على ساحل الشام في مواجهة الدولة البيزنطية التي كانت تهدد الأطراف الشمالية في بلاد الشام، ولذا أضحت طرابلس قاعدة أساسية للدعوة الفاطمية الإسماعيلية من الناحية الدينية، ومركزًا مهمًا للأسطول البحري والقوات البرية من الناحية العسكرية، فضلاً عن اتخاذها عاصمة لولاية إدارية متَّسعة الأرجاء تمتد حدودها من نواحي نهر الكلب جنوبًا، حتى مدينة اللاذقية شمالاً.

 ونظرًا لهذه الأهمية، فقد حرص الفاطميون على أن يكون زمام الأمور في طرابلس بيد المغاربة، ويمكن القول إن الحكم الفاطمي في بلاد الشام قام على أكتافهم، لذا أُعطيت الولاية وقيادة العسكر للقائد "نزّال الغوري الكُتامي"، وهو من قبيلة كُتامة المغربية البربرية، ومن صناديد المغاربة، ووُضع تحت إمرته ستة آلاف رجل من عسكر طرابلس، ثم ابنه "المُظهِر محمد بن نزّال"، والقائد "جيش بن الصمصامة"، والقائد "أبو سعادة المغربي"، والوالي "علي بن جعفر بن فلاح الكُتامي"، و"مختار الدولة ابن نزّال"]([24]).

تأسيس الدولة

أول من ولي حكم طرابلس من بني عمار وأسس دولتهم كان «أبو طالب الحسن ابن عمار» المعروف بأمين الدولة، حيث نطالع اسمه في سنة (457هـ-1065م) عندما دخل الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو طرابلس حيث ساعده أمين الدولة قاضيها في الاستيلاء عليها وانتزاعها من بني أبي الفتح([25])، وقد ظلَّ يعدّ نفسه تابعًا للدولة الفاطمية حتى سنة (462هـ-1070م) حيث استقل بطرابلس واستبدّ بأمرها.

وفي تلك المرحلة كان هناك صراع بين الدولة الفاطمية والدولة السلجوقية فاتخذ أمين الدولة موقفًا محايدًا بينهما، وأعلن عن استقلال إمارته عن الدولة الفاطمية.

وفيهم يقول المقريزي: [وكانت الدولة (أي الفاطمية) قد حوّلت الثغر في أيديهم على سبيل الولاية، فلما جاءت الشدائد، تغلبوا عليه]([26]).

ولم تكن هذه الدولة الفتيّة دولة عاديّة، بل استطاع حكامها وفي غضون فترة وجيزة أن يؤسسوا دولة ذات سيادة، تعتمد على نفسها، ولديها اكتفاء ذاتي زراعيًا واقتصاديًا وتجاريًا، وتستقوي بشعبها الذي يحبها وجيشها الذي يدافع عنها، فقطعت في سنوات قليلة ما يحتاجه غيرها إلى عقود من الزمن، مما ساعدها على الوقوف في وجه الغزو الصليبي وتحمل حصاره مدة عشر سنوات تقريبًا.

حدود دولة بني عمار

لم تكن إمارة بني عمار منحصرة في طرابلس فقط، بل امتدت إمارتهم حتى إنطاكية من جهة، وامتدت من نواحي جبلة في سوريا إلى قلعة صافيتا وحصن الأكراد والبقيعة، وفي لبنان امتدت حتى تخوم بيروت من جهة، ومن جهة أخرى حتى الهرمل والضنيّة وبشرّي وبلاد العاقور شرق بلاد جبيل، بل حتى جونية، حيث كانت جونية من أعمال طرابلس في ذلك الوقت كما يذكر الخطيب البغدادي المتوفى (463) للهجرة([27]).

يقول الدكتور عمر عبد السلام تدمري: [إمارة بني عمّار اللبنانية-السورية: أقول اللبنانية السورية لأن رقعتها شملت أرضًا من لبنان وأرضًا من سورية، فإذا كانت عاصمتها لبنانية، هي طرابلس، فإنّ ما ارتبط بتلك العاصمة كان أرضًا ممتدة من تخوم بيروت حتى تخوم أنطاكية]([28]).

ملوك بني عمّار

تبيّن مما سبق أن نسب بني عمار يرجع إلى أبي محمد الحسن بن عمار، الذي كان من أبرز رجال الخليفة الفاطمي العزيز بالله، ثم أصبح بنو عمار قضاة طرابلس ثم ملوكها، وأول ما يصلنا من أسمائهم بعد ذلك هو «أبو الكتائب أحمد بن محمد بن عمار»، الذي سبق أمين الدولة في تولي القضاء على طرابلس من قِبَل الفاطميين، وكان أبو الكتائب شيخًا‌ جليلاً.

ويقول عنه السيد محسن الأمين (ره) : [أبو الكتائب أحمد بن محمد بن عمار الطرابلسي نسبة إلى طرابلس الشام، وهو من بني عمار أمراء طرابلس، كان معاصرًا للشيخ الفقيه أبي الفتح محمد بن عثمان بن علي الكراجكي]([29]).

ثم تولى بعده أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار المتوفى سنة (464هـ)، ثم جلال الملك أبو الحسن علي بن عمار المتوفى سنة (492هـ)، ثم فخر الملك عمار بن محمد بن عمار لم يعلم زمن وفاته، ولكن من المؤكد أنه كان حيًّا في سنة (516هـ) وهو تاريخ ذهابه إلى مصر كما سيأتي، وأبو المناقب شمس الملوك أبو الفرج محمد بن عمار الذي انقلب على ابن عمه فخر الملك، ولم يعلم تاريخ وفاته.

أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمّار

تقدم الكلام عن أمين الدولة عند تأسيس الدولة، وأنه كان قاضيَا على طرابلس، ثم استقل بها سنة (462هـ)، وتميّز بالعديد من المزايا، فقد عُرف عنه أنه كان كبير العقل، سديد الرأي، عالمًا، فقيهًا، كاتبًا مجيدًا، ألّف الكثير من الكتب النفيسة، منها كتاب "ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح"([30]) المنعوت بجراب الدولة([31])، توفي أمين الدولة سنة (464هـ).

جلال الدولة علي بن محمد بن عمّار

بعد وفاة أمين الدولة تولّى بعده ابن أخيه علي بن محمد بن عمار المعروف بجلال الدولة، الذي استمر حكمه حتى توفي سنة (492هـ)، فأرسى قواعد هذه الدولة ودعم أسسها بكل ما أوتي من قوة وقدرة، وازدهرت طرابلس في زمانه وعاشت عصرها الذهبي.

وقد جدد جلال الدولة (دار العلم) التي أنشأها عمه أمين الدولة سنة (472هـ-1082م)، إذ كانت الظروف مواتية لجلال الدولة أكثر مما كانت مؤاتية لعمه وسلفه أمين الدولة.

ففي عهد الأول كانت الإمارة في دور التأسيس، كما أن مدة حكمه كانت قصيرة، فقد توفي بعد سنتين من تأسيسه للدولة، أما جلال الدولة فقد استمر في الحكم زهاء ثمانية وعشرين عامًا، واتسعت في زمانه أطراف الإمارة، وعظم شأنها ونشطت تجارتها، وكانت طرابلس في عهده [تبعث الحكّام والقضاة والخطباء إلى البلاد التابعة لها مثل جبيل وعرقة وطرطوس وجبلة، وفي عهده أيضًا تمّ بناء جامع كبير في طرابلس]([32]).

فخر الملك عمّار بن محمد ذو السعدين

بعد وفاة جلال الدولة علي بن محمد بن عمار استلم الإمارة أخوه عمّار بن محمد ذو السعدين المعروف بفخر الملك، وحكم مدة عشر سنوات تقريبًا، وبقي حتى سنة (501) للهجرة، حيث ذهب إلى بغداد مستنجدًا بالسلاجقة على الصليبيين، وأثناء غيابه استعاد الفاطميون طرابلس من بني عمار وقضوا على حكمهم فيها، وبعد عدة أشهر احتلّ الصليبيون طرابلس بعد نضال طويل([33]).

أبو الفرج محمد الملقب بـ"شمس الملك ذي المناقب"

بعد أن ضاق الخناق على أهل طرابلس بسبب الحصار الشديد الذي فرضه الصليبيون عليهم، عزم فخر الملك عمار بن محمد "ذو السعدين" على التوجه إلى بغداد للاستنجاد بالسلاجقة من أجل حماية طرابلس من غزو الصليبيين، فاستخلف على قومه ابن عمه أبا الفرج محمدا الملقب بـ"شمس الملك ذي المناقب" الذي حكم لفترة قصيرة من سنة 501 هـ، فأظهر شمس الملك ذو المناقب الخلاف له والعصيان عليه، ونادى بشعار المصريين، فلما عرف فخر الملك ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله إلى حصن الخوابي ففعلوا ما أمرهم، وذلك قبل أن تسقط طرابلس بيد الصليبيين بسبب تخاذله وقلة وفائه، والظاهر أنه بقي محبوسًا في الحصن إلى أن استولى الفاطميون على طرابلس، فأخذوه مع من أخذوا من بني عمار إلى مصر.

النهضة العمرانية في دولة بني عمار

اهتم بنو عمار بالعمران أيّما اهتمام، لذا عملوا على إعمار دولتهم فنظموا بنيانها، وبنوا الأسواق والمدارس والمساجد، ومصانع الورق والسكر والحرير، وكذلك نجحوا في استثمار كل الموارد الطبيعية من أراض زراعية وأنهار، وبنوا السدود وأقنية الري.

وقد امتدت آثار بني عمار الى خارج إمارتهم، فهم الذين بنوا الجهة الشرقيّة من الجامع الكبير في مدينة حلب، كما يذكر ذلك المؤرخ ابن الشحنة الحلبي في كتابه [الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب]([34]).

يقول السيد حسن الأمين (ره): [لم يُغفل بنو عمار النواحي العمرانيّة في إمارتهم، فمن أهم ما عنوا به المشاريع المائية، فأمّنوا لطرابلس ريًا منظمًا من النهر الذي عرف بعد ذلك باسم نهر [أبو علي] اعترافًا بهذا الجميل وتخليدًا لذكرهم، ولا يزال حتى اليوم يعرف بهذا الاسم، فقد كان نهر قاديشا يفيض فيُحدِث أضرارًا ولا ينتفع منه، فوضع فخر الملك أبو علي ابن عمار خطة إنمائيّة تنظم أمور النهر وتمنع فيضانه وتجريه في أقنية للري، فعاد على المدينة ومنطقتها بالخير العميم، ونمت المزروعات والبساتين والحدائق، وتشكّل من ذلك ثروة زراعية ساعدت على رقي المجتمع، وازدهرت الحقول والأراضي المحيطة بالمدينة بوفرة مزروعاتها وتنوعها، وفاضت عن حاجاتها، فاحتفظت بأموالها واستدرت أموالاً من الخارج، وهذا ما شكّل عاملاً مهمًا في نهوض الحركة الصناعية والاقتصادية والثقافية.

وعُرفت طرابلس في كتب المؤرخين والرحالة بكثرة ما تنتجه من الفواكه والثمار، حتى لقد قالوا: [إن فيها ما لا يوجد في سائر الأقاليم أصلاً، إذ لا يكاد يوجد دار بغير شجر لكثرة تخرق أرضها بالمياه، فهي تجمع بين ثمار الشام ومصر].

وكان بنو عمار السبب في تعرّف الأوروبيين على قصب السكر لأول مرة في بساتين طرابلس، فنقلوا غروسه إلى جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا]([35]).

ويحدثنا المؤرخ السيد حسن الأمين أيضًا عن صناعة السكر في طرابلس فيقول:

[وظلت طرابلس ومعها دمشق تموّنان أوروبا حتى أواخر العصور الوسطى بالسكر بجميع أشكاله المعروفة آنذاك، وكان التاجر الأوروبي القادم من البندقية أو جنوى يعود إلى بلاده وهو يحمل سلال السكر وأكياسه من طرابلس، وجمع بنو عمار زراعة قصب السكر الذي كان ينمو بغزارة على ضفاف نهر (أبو علي) وفي بساتين طرابلس، وأقاموا المصانع داخل المدينة لعصره وتجفيفه وتصنيعه بشكل رقائق أو ناعم أو بشكل حلوى، وكان من حسن سياستهم أن أثرت المدينة، وكانت على أحسن حال اقتصادي حتى خلال الحصار الصليبي لها برًا وبحرًا، إذ ظلت صامدة تقاتلهم عشر سنين مستعينة بثرواتها الداخلية وحسن إدارة اقتصادها([36]).

التقدم الصناعي في دولة بني عمار

اهتم بنو عمار بالصناعة كاهتمامهم بالعمران، لذا عمدوا إلى إنشاء مصانع للورق، وساعد ذلك في نهضتها الثقافية والعلمية والأدبية، فكثر الوراقون، ونشأت من ذلك صناعة التجليد.

ومن الصناعات التي نهضت في طرابلس أيضًا صناعة الحرير التي امتدت مصانعها على ضفاف النهر، بما فيها من ألوف الأنوال والمغازل ما أدهش الفرنج وأثار إعجابهم.

وكذلك اهتم بنو عمار بالملاحة البحريّة، فأنشأوا الأساطيل التجاريّة التي كانت تجوب البحر، هذا عدا عن أسطولهم الحربي الذي تولى قتال أساطيل الصليبيين طوال عشر سنوات.

وعن طريق البحارة الطرابلسيين عرف الأوروبيون [البوصلة] وكيفيّة استعمالها([37]).

التجارة في دولة بني عمار

عمل بنو عمار على تحريك عجلة الاقتصاد في طرابلس لتصريف إنتاجهم، ولتأمين الأموال، فسارعوا إلى بناء الأساطيل البحرية كما تقدم، وسيّروها إلى أوروبا لكي تنقل إليها البضائع التي تحتاجها من ورق وسكر وحرير، فراجت بضائعهم في أسواقها وأصبحت لا يستغنى عنها.

يقول المؤرخ السيد حسن الأمين: [وقد نمت إمارتهم نموًا عظيمًا حتى أصبحت طرابلس في القرن الحادي عشر أعظم مدينة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكانت أساطيلها تنتقل في أنحاء هذا البحر، فهي المنفذ البحري الرئيسي لبلاد الشام، عن طريقه يتم التصدير والاستيراد، وتنقل منتجات الشام والمشرق إلى أوروبا، وإليه تفد من الخارج لتحمل إلى سائر بلاد الشام، وكان بنو عمار -وهم مثقلون بردّ الهجمات الصليبية عليهم من البحر والبر- يسيّرون أسطولهم التجاري إلى ثغور البحر المتوسط، وكان فخر الملك عمار بن عمار يلقب بملك الساحل]([38]).

***

هذا ما أردنا بيانه في هذه الحلقة، وعلى أمل أن نلتقي في الحلقة الثانية إن شاء الله مع بقية أخبار هذه الدولة وما جرى عليها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) يقول المؤرخ المغربي موسى لقبال في كتابه [دور كتامة في قيام الدولة الفاطمية] ص348، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر، 1979: [... وأهملهم المؤرخون وغطوا محاسنهم تأثرًا بالسياسة وبالمذهبية ... ومحبة آل البيت وتأييدهم، ودعمُ قضية الشيعة الفاطميين كانت بارزة في مجموعهم، وارتبطت بالعصبية القومية وبالشرف (...) ويبدو أن السبب في اختفاء بقايا كتامة في تونس هو السبب في اختفاء اسمها الأصلي القديم من بيئتها الأولى، أي بحرص رجال المالكية على طمس كل ما يتصل بهذه القبيلة المبتدعة في نظرهم].

(2) فيليب حتّي، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، صفحة 225، دار الثقافة-بيروت، 1950.

(3) ينبغي هنا التنبيه إلى نقطتين هامتين:

الأولى: أن الوجود الشيعي في لبنان لم يبدأ في زمن بني عمار، بل هو قديم ويرجع إلى زمن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عندما نفاه عثمان إلى الشام وأبعده معاوية إلى سواحل لبنان للمرابطة، وهناك وجد قلوبًا طاهرة تعشق الحق، وأرضًا صالحة لتقبّل عقيدة أهل البيت (عليهم السلام)، فألقى بذور التشيع في هذه الأرض فتلقفتها قلوب أهلها وعقولهم، وأخلصوا الولاء لها.

الثانية: إن الوجود الشيعي في زمن بني عمار لم يكن منحصرًا بطرابلس فقط، بل كان الشيعة ينتشرون في أكثر المدن كبعلبك وصيدا وصور وغيرها، وهذه مسألة قد بحثها العديد من العلماء والمفكرين كالسيد محسن الأمين وغيره.

(4) اعتبر ابن خلدون أن قبيلة كتامة واحدة من أهم بطون البرانس من قبائل الأمازيغ أو البربر ما يعرفون تاريخيًـا بالمغرب العربي، وهي عند نسابة البربر منحدرة من كتام بن برنس.

أما عند النسابة العرب فيقولون بأنها واحدة من فروع قبيلة حَمْيَر القادمة مـن جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد ذكر ذلك المؤرخان العربيان الكلبي والطبري، وأول ملوك هذه القبيلة، حسب هذه الرواية هو أفريقش بن صيفي الذي سميت بلادهم باسمـه، والذي صار يطلق اليـوم على سائر إفريقيا، وهو من ملوك التبابعة باليمن، وهو أول من فتح إفريقيا وقتل ملكها جرجير. راجع مقدمة ابن خلدون ص 128.

(5) الأمازيغ: هم شعب كان يسكن شمال أفريقيا في المنطقة الممتدة من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي، وقد عُرف الأمازيغ قديمًا في اللغات الأوروبية بأسماء عديدة منها: "المور" (Moors/Mauri)، وتشبه في مخارجها كلمة (مغربي)، واشتقت منها كلمة "موريطانيا". وأطلق اليونان عليهم المازيس (Mazyes)، أما المؤرخ اليوناني هيرودوتس فأشار إلى الأمازيغ بالكلمة ماكسيس (Maxyes).

وأطلق المصريون القدماء على جيرانهم الأمازيغ اسم "المشوش"، أما الرومان فقد استعملوا ثلاث كلمات لتسمية الشعب الأمازيغي وهي النوميديون، الموريتانيون، والريبو (Ribow).

وكان العرب غالبًا يطلقون عليهم اسم المغاربة وأهل المغرب أو البربر. انظر: (بعض الديانات عند الأمازيغ عبر التاريخ ، محمد بودواهي، ص17).

(6) البربر في العربية كلمة منقولة عن الجذر اللاتيني الإغريقي باربار (Barbar)، وهي كلمة استعملها اللاتينيون لوصف كل الشعوب التي لا تتكلم اللاتينية أو الإغريقية اعتقادًا منهم بتفوق الحضارة اليونانية والرومانية على كل الحضارات، كما كان يسمي الهنود غيرهم "مليج"، ويسمي العربُ غيرَ المتكلمين بالعربية بالعجم، وجدير بالذكر أن لقب البرابر أطلقه الرومان أيضًا على القبائل الجرمانية والإنكليزية المتمردة عليهم أيضًا وليس فقط على القبائل الأمازيغية. انظر: (الطوارق، د. أحمد علو، ص32، بيروت، 2012).

(7) الأغالبة، بنو الأغلب: سلالة عربية حكمت في إفريقية (شرق الجزائر، تونس، غرب ليبيا) مع جنوب ايطاليا وصقلية، وكان مقرها القيروان، ينسبون إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي الذي كان قائدًا لجيش العباسيين، أسس دولتهم ابنه إبراهيم الذي كان واليًا على إفريقية من طرف هارون الرشيد ثم استقل بالأمر سنة 800م بعد أن حوّل العباسيون اهتماههم إلى ناحية المشرق، عرفت دولة الأغالبة أثناء عهدها الأول عدة ثورات قاد أغلبها دعاة من البربر. استقر أمر الدولة في عهد عبد الله بن إبراهيم (812-817 م)، وفي زمن زيادة الله بن إبراهيم (817-838م) بلغت أوج قوتها. انتهت دولتهم على أيدي الفاطميين سنة 909م. راجع: (تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة، د. فراس الطيب، ص109).

(8) الزيريون أو بنو زيري: سلالة أمازيغية من قبيلة صنهاجة الأمازيغية، حكمت في شمال أفريقيا: تونس والجزائر ما بين 971-1152م، وكان مقر حكمها في الناصرية "بجاية حاليًا" منذ عام 971م، ثم القيروان منذ عام 1048م، ثم المهدية منذ عام 1057م، كان بنو زيري وكبيرهم "زيري بن مناد" من أتباع الفاطميين منذ 935م، تولى الأخير سنة 971م الحكم في قلعة آشير (الجزائر)، تمتع ابنه من بعده بلكين بن زيري (971-984م) باستقلالية أكبر عندما حكم بلاد تونس والشمال الجزائري (شرق البلاد ابتداءً من قسنطينة)، وتمكن من أن يمد في دولته غربًا حتى سبتة، دخل الزيريون بعدها في صراع مع أبناء عمومتهم. انظر: (مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر، مريم قاسم طويل، ص22، دار الكتب، بيروت 1994).

(9) الحماديون: فرع من الزيريين حكام أفريقية، أسس دولتهم حماد بن بلكين (1007-1028م)، تولى عمل أشير (في الجزائر) من قبل بني أعمامه الزيريين حكّام تونس، وبنى مقره في القلعة عام 1007م، ثم أعلن الدعوة العباسية سنة 1015م واستقل بالحكم، إلا أنه لم يتم الاعتراف بدولته إلا بعد حروب كثيرة خاضها ابنه القايد (1028-1054م) مع الزيريين. راجع: (دولة بني حماد، د. عبد الحليم عويس، ص167، دار الصحوة، ط2، القاهرة 1991).

(10) الدولة الموحدية: دولة إسلامية بالمغرب، أسسها الموحدون وهم أتباع حركة محمد بن تومرت، أسسوا دولة حكمت في شمال إفريقيا وامتد سلطانهم إلى الأندلس ما بين عام (1130- 1269م)، وقد بلغت هذه الدولة أوجها في عهد أبي يعقوب يوسف (1163-1184م)، ثم أبي يوسف يعقوب المنصور (1184-1199م)، وعمل على النهوض بالمغرب والاندلس علميًا وثقافيًا. انظر: (دولة بني حماد، صفحة رائعة في تاريخ الجزائر، د. عبد الحليم عويس، ص193-194 بتصرف، دار الصحوة، ط2، القاهرة 1991م).

(11) جاء في (الدولة الصنهاجية تاريخ إفريقيا في عهد بني زيري من القرن10 إلى القرن12م)، أدريان ميسونوف، ج1، ص40، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1992م: [والجدير بالذكر أن صانعي هذا النصر المذهل الذي سرعان ما تتوج بقيام خلافة شيعية مضادة للخلافة السنية هم أولئك الكتاميون من سكان جبال القبائل الصغرى بالمغرب الأوسط فهؤلاء البربر الحضريون الذين اعتنقوا المذهب الشيعي منذ عهد قريب قد انضموا بحماس إلى الفاطميين في ظل رايتهم البيضاء، وأصبحوا يمثلون القوة العسكرية والهياكل الأساسية للدولة الجديدة التي حافظت في الظاهر على أهم عناصر النظام الإداري القائم].

(12) أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج1 ص632، دار التعارف بيروت.

(13) سفرنامه، ناصر خسرو، ترجمة د. يحيى خشاب، ص58، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1993.

(14) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، المستشرق آدم متز، تعريب محمد عبد الهادي أبو ريده، دار الكتاب العربي، ج1، ص121، ط5، بيروت لبنان. وراجع كتاب مذاهب الشرق الأوسط قبل الإسلام وبعده، يسرى الأيوبي، ج3، ص6.

(15) د. عبد السلام تدمري، المغاربة في ساحل الشام تاريخهم السياسي والحضاري في العصر الفاطمي، ص75.

([16]) راجع: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، الشيخ مبارك الميلي، ج2، ص216-217، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986م؛ وراجع: تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات، لأبي الحسن نور الدين علي بن أحمد السخاوي، ص70، مؤسسة العلوم والآداب، القاهرة، ط1، 1936م.

([17]) تاريخ دولة آل سلجوق، العماد الأصفهاني"، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ص67، ط3، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1980م.

([18]) القبائل الأمازيغية، بوزياني دارجي، ج1 ص45 دار الكتاب العربي 1999م.

([19]) تاريخ الجزائر ج1 ص94-95.

([20]) دولة بني حماد، صفحة رائعة في تاريخ الجزائر، د. عبد الحليم عويس، ص27، دار الصحوة، ط2، القاهرة 1991م).

([21]) المواعظ والاعتبار، المقريزي، ج2 ص140، بتصرف.

([22]) موسى بن علاوة لقبال: دور قبيلة كتامة في تاريخ الدولة الفاطمية، ص96، رسالة دكتوراة، جامعة عين شمس 1972م، وقد تناول فيها الباحث دور قبيلة كتامة على مسرح الأحداث في المغرب، وعلاقتها بالحركة الإسماعيلية منذ القرن الثالث الهجري حتى رحيلها إلى مصر.

([23]) ذيل تاريخ دمشق، ابن القلانسي، ص 48ـ بيروت 1908؛ ذيل تجارب الأمم، الروذراوري، ج 3، ص224، مصر 1916.

([24]) المغاربة في ساحل الشام تاريخهم السياسي والحضاري في العصر الفاطمي، د. عمر عبد السلام تدمري، ص63-70 بتصرف.

([25]) مرآة الزمان، ابن الجوزي، مخطوط مصور محفوظ بدار الكتب المصرية، ج12، ق1، رقم551.

([26]) اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، المقريزي، ج3، ص78.

([27]) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج1، ص123، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان.

([28]) راجع المغاربة في ساحل الشام: تاريخهم السياسي والحضاري في العصر الفاطمي، د. عمر عبد السلام تدمري، مقال نشر في مجلة التاريخ العربي ص492 وما بعدها إلى ص503.

([29]) الغدير في الكتاب والسنة والأدب، العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأمينيّ (ت1390هـ)، ج1، ص155، بيروت 1967م.

([30]) تاريخ ابن الفرات، ج8، ص77، بيروت 1939.

([31]) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، ابن شداد، ص107، دمشق 1962.

([32]) راجع: النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ج5، ص 116، القاهرة.

([33]) راجع: "تاريخ آل سلجوق للعماد الأصفهاني"، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ص67، ط3، بيروت، 1980م.

([34]) الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، أبو الفضل محمد ابن شحنة، ص63، دار التراث العربي سورية، 1984م.

([35]) صفحات من ماضي الشيعة وحاضرهم في لبنان، الشيخ يوسف عمرو، ص266، نقلاً عن مجلة المنهاج العدد الأول، السنة الأولى، 1416هـ-1996م، بيروت - لبنان.

([36]) الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبين، السيد حسن الأمين، ص300، مركز الغدير، لبنان 1996م، بتصرف.

([37]) المصدر نفسه، بتصرف.

([38]) المصدر نفسه.

 

 

 

فروق لغويّة في الكتاب المجيد

السيد عباس السيد إبراهيم أبو الحسن

 

مقدمة

هذا كتاب الله سبحانه وتعالى ينادي ويتحدّى في كل يوم، منذ نزوله إلى يومنا هذا، من يأتي بمثله، من يأتي بعشر سور من مثله، من يأتي بسورة من مثله، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([1]).

ولكن أعلن القرآن الكريم مسبقًا أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا كلهم، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}([2])، وقد حاول جمعٌ من بلغاء وفصحاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا، وقد اعترفوا بعجزهم، فهذا الوليد بن المغيرة يقول: "فواللهِ ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، واللهِ ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، واللهِ إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مغدق([3]) أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته"([4]).

وروي أن أعرابيًا سمع رجلاً يقرأ: {فَاصدَع بِمَا تُؤمَرُ وَأَعرِض عَنِ المُشرِكِينَ}([5]) فسجد وقال: سجدتُ لفصاحته([6]).

ويتصل بهذا: "ما روي من أن أعرابيًا سمع آخر يقرأ: {فَلَمَّا استَيأَسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا}([7]) فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام"([8]).

وحكى الأصمعي قال: سمعت جارية إعرابية تنشد وتقول:

استغفر الله لذنبي كله
مثل غزالٍ ناعم في دَلّه
 

 

قتلت إنسانًا لغير حِله
فانتصف الليل ولم أُصلّه
 

فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أيعدّ ذلك فصاحة مع قول الله عز وجل: {وَأَوحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَن أَرضِعِيهِ فَإِذَا خِفتِ عَلَيهِ فَأَلقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرسَلِينَ}([9])، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين([10]).

"وروي أن ابن المقفع طلب معارضة القرآن ورامه وشرع فيه، فمرّ بصبي يقرأ: {وَقِيلَ يَا أَرضُ ابلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمرُ وَاستَوَت عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعدًا لِلقَومِ الظَّالِمِينَ}([11]). فرجع فمحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يُعارض وما هو من كلام البشر، وكان ابن المقفع من أفصح أهل وقته"([12]).

هذا وقد أمرنا الله سبحانه، بالتدبر في كتابه العزيز فقال تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}([13])، أمرنا بالتدبر في آياته، في معانيها ودلالاتها، في إعجازها وبلاغتها وفصاحتها التي تحدّى بها فصحاء العرب.

وإعجاز القرآن الكريم لم ينحصر في جهة واحدة، وموضوع كلامنا يدور حول الإعجاز البياني في القرآن.

الإعجاز اللفظي في كتاب الله

فيما نحن نتلو آيات الكتاب المجيد، ونتدبر فيه، تستوقفنا آيات نظنّها للوهلة الأولى تتشابه معانيها، وذلك لتشابه كلماتها أو لترادفها على بعض الأقوال.

ولكن بعد البحث عن تفسيرها يتبيّن أن كل آية وكل كلمة في كتاب الله لها معنى مختلف، ونستطيع أن نرجّح الرأي القائل بأنَّ الترادف في كلمات اللغة العربية قليل إلى حدّ الندرة، وقد اخترنا عدة نماذج من هذه الآيات نضعها بين أيديكم.

 

النموذج الأول: الفرق بين الأرض الهامدة والأرض الخاشعة

قال تعالى في سورة الحج الآية 5: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}.

وقال سبحانه في سورة فصلت 39: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

هنا يرد سؤال: لماذا هذا التغيير في التعبير؟ لماذا أتى في سورة الحج بكلمة "هامدة" وأتى في سورة فصلت بكلمة "خاشعة"؟ فهل المعنى واحد، أم يوجد فرق بين المعنيين؟ وعلى فرض ثبوت الفرق بينهما، فما الذي سبّب هذا الاختلاف في التعبير؟

يمكن الجواب: بأن هناك فرقًا بين الأرض الهامدة والأرض الخاشعة.

"هامدة: أصلها "هَمَدَ" والهمدة السكتة. فيقال همدت أصواتهم أي سكنت. وهمدت النار أي ذهبت البتة فلم يَبِن لها أثر. ونبات هامد أي يابس، وهمد شجر الأرض أي بَليَ وذهب، والأرض الهامدة أي الجافّة التي لا نبات فيها"([14]).

وفي كتاب «العين»: "الهمود الموت كما همدت ثمود، ورماد هامد إذا تغيَّر وتلبَّد، وثمرة هامدة إذا اسودَّت وعفنت، وأرض هامدة مقشعرة لا نبات فيها إلا يبيس متفحم، والهامد من الشجر اليابس"([15]).

"خاشعة: التذلل والانكسار، وأرض خاشعة أي متهشمة ومتغبرة ذابلة من العطش، فإذا يبست الارض ولم تمطر قيل: قد خشعت"([16]).

ومن هنا يُعلم أن هناك فرقًا دقيقًا بين الأرض الهامدة والأرض الخاشعة، فالأرض الهامدة هي اليابسة القاحلة التي لا حياة فيها، بسبب ما أصابها من جدب وقحط وانعدام الماء، وهذا بخلاف الأرض الخاشعة التي يوجد فيها النباتات والزروع، إلا أن العطش وقلة الماء وندرة الأمطار جعلتها مصفرة الأوراق، خاشعة ذليلة ذابلة الأغصان، بأمسِّ الحاجة إلى قطرات الماء، وهذا المشهد هو مشهد الخشوع والانكسار في الأرض.

 فيكون المعنى في سورة الحج: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} ميتة لا حياة فيها {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء} {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}([17]) {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وحلّت بها الحياة.

أما في سورة "فصلت" فيكون المعنى: {تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} ساكنة يابسة وذابلة من العطش {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}.

فإذًا: تغيّر الكلمات يبيِّن أن هناك فرقًا بين المعنيين، والذي يؤيد هذا الاختلافَ أن السياق الذي أتت فيه كل من الكلمتين مخالف للسياق الآخر.

فانظر كلمة "هامدة" وانظر ما قبلها من الكلمات والآيات:

{يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([18]).

فهذه الآيات المباركات تتحدث عن يوم القيامة، وتجادل المنافقين والكافرين الذين ينكرون يوم البعث بأنه: كيف يتم إحياء الناس بعد صيرورتهم رمادًا؟ فخاطبهم الله بأن الذي خلق الانسان من تراب ثم من نطفة (إلى آخر الآية) قادر على إحيائه في يوم القيامة، فناسب أن يأتي بكلمة "هامدة" لدلالتها على الموت والسكون.

وهذا بخلاف الآيات في سورة فصلت:

{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([19]).

فإن الآيات تتحدث عن العبادة والخشوع والتذلل لله سبحانه وتعالى، فناسب ذكر كلمة خاشعة لدلالتها على ذلك.

 

النموذج الثاني: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}

قال تعالى في سورة الأنعام 151: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ...}.

وقال سبحانه تعالى في سورة الإسراء31: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}.

نجد في هاتين الآيتين تقاربًا في المعنى، ولكن هناك بعض الفوارق، مثلاً: في سورة الأنعام قال تعالى: {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} حيث قدّم رزق الآباء على الأولاد، أما في سورة الإسراء فقال عزَّ وجلّ: {نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} حيث قدّم رزق الأولاد على الآباء، فما السر في ذلك؟

وقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ}، بينما قال في سورة الإسراء: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}، أضف إلى ذلك أن الإملاق هو الفقر، فلماذا لم يقل سبحانه وتعالى "ولا تقتلوا أولادكم من فقر"؟، ولماذا قال تعالى في سورة الإسراء {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} ولم يقل "خوف إملاق"؟

يمكن الجواب: أن الآيتين وإن كانتا تتحدثان عن حرمة قتل الأولاد الذكور والإناث، إلا أن السبب في كل واحدة منها مختلف عن الآخر، وبعبارة أخرى: إن الدافع للقتل في سورة الأنعام غيره في سورة الإسراء، وهذا الاختلاف الذي سيتبين يقتضي تغيرًا في التعبير.

شرح الألفاظ

إملاق :

"(ملق) الميم واللام والقاف أصل صحيح يدل على تجرد في الشيء ولين، قال ابن السكيت: الملق من التملق وأصله التليين. والملقة الصفاة الملساء. ويقال: الإملاق إتلاف المال حتى يُحوِج، والقياس واحد كأنه تجرد عن المال"([20]).

"والإملاق: الافتقار. قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ}... يقال: أملق الرجل فهو مملق، وأصل الإملاق الإنفاق. يقال: أملق ما معه إملاقًا، وملقه ملقًا إذا أخرجه من يده ولم يحبسه، والفقر تابع لذلك، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبَّب حتى صار به أشهر... والإملاق: كثرة إنفاق المال وتبذيره حتى يورث حاجة، وقد أملق وأملقه الله، وقيل: المملق الذي لا شيء له"([21]).

خشية :

"الخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خُصَّ العلماءُ بها في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}"([22]).

 

خوف:

"الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة ظنية أو معلومة"([23]).

بعدما تبيّن من معنى هذه الالفاظ نأتي للجواب عن التساؤلات السابقة:

أولاً: إنما قدّم ذكر الآباء على الأولاد في سورة الأنعام {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأن الخطاب موجّه للفقراء لا للأغنياء {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ...} أي لا تقتلوا أولادكم بسبب الفقر.

فهم فعلاً مبتلون بالفقر، وعمدوا لقتل أولادهم لعدم قدرتهم على تربيتهم حسب زعمهم، فناسب هنا أن يقدّم سبحانه تكفله برزقهم أولاً لفقرهم، ثم أتبعه بتكفّله برزق أولادهم.

أما في سورة الإسراء {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}، هنا الخطاب موجّه للأغنياء، والدليل على ذلك الآيات السابقة لهذه الآية، حيث يدور الكلام حول الإسراف والتبذير، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}([24])، فإن الأغنياء يخشون أن يسلبهم أولادهم ما في أيديهم من مال، فلذلك يعمدون إلى قتلهم ووأدهم خوف الوقوع في الفقر، فناسب هنا تقديم الأولاد على الآباء ليبيّن الله لهم أن ما تخافون منهم هو بيد الله، فإن الأولاد رزقهم على الله لا عليكم، وكذلك رزقكم.

ثانيًا: قد ناسب في هذا السياق استعمال لفظة "الإملاق" دون "الفقر"؛ لأنّه سبحانه وتعالى قد تكفّل في الآيتين برزق الآباء والأبناء، فنجد في الآية الأولى قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وفي الآية الثانية قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}، وهذا يفيد ضمان الرزق بعد أن تكفّل به الحقّ سبحانه {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا}([25]).

 ولما كانت الحاجة الضرورية ممتنعة بعد أن تكفّل الله سبحانه وتعالى بسدّها، فلا يُتصور الفقر إذن إلا من جهة سوء التصرف في الثروة وإن قلّت أو سوء توزيعها؛ أو من جهة بلاء وامتحان.

ومن هنا جاء استعمال لفظة "الإملاق" لأنّها تفيد إخراج ما في اليد من مال، أي أنّ الرزق موجود تكفّل به سبحانه إلا أنّ صرفه وإنفاقه وتوزيعه وإن قلّ يعود إلى الأبوين أو إلى النظام الذي وجدا فيه. فالفقر في حقيقته هو المسبّب والإملاق هو السبب. فيكون المعنى: لا تقتلوا أولادكم من فقر أو خشية فقر أنتم سببه (بسوء تصرف أو سوء توزيع)؛ لأننا تكفّلنا برزقكم وبرزق ما تلدون. والله أعلم.

ثالثًا: ويمكن أن يكون السبب في الاتيان بلفظ الخشية بدل الخوف، من أنّ الخشية -كما عرفت- خوف يشوبه تعظيم، إذ فوق توقعهم لمكروه الفقر ووقعه عظّموه، ودليل ذلك التعظيم هو قتلهم أولادهم، فناسب ذلك ذكر الخشية دون الخوف. (والله أعلم بأسرار كتابه).

النموذج الثالث :{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} {حَقٌّ مَّعْلُومٌ}

قال تعالى في سورة الذاريات آية 19 : {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.

وقال تعالى في سورة المعارج 24-25: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}، لماذا زاد سبحانه في سورة المعارج كلمة "معلوم" دون سورة الذاريات؟

يمكن الجواب: أنه بالتأمل في سياق الآيات السابقة في كل من هاتين الآيتين يتّضح الفرق، ففي سورة الذاريات الكلام حول المتقين، قال تعالى: {إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}([26])، والمتقون أعلى درجة من المؤمنين، فإنهم ينفقون ما أوجبه الله عليهم مع زيادة، لذلك قال الله عنهم: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ}، ولكن هذا الحق ليس له حد معلوم.

وهذا بخلاف المصلّين الذين يدفعون ما فرض عليهم من الواجب من الزكاة والخمس والصدقات، قال تعالى في سورة المعارج: {إنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}([27]).

 

النموذج الرابع: الفرق بين سارعوا وسابقوا

قال تعالى في سورة آل عمران133: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.

وقال تعالى في سورة الحديد21: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

إن الفرق واضح بين الآيتين، ففي الآية الأولى أتى سبحانه بلفظ "سَارِعُواْ"، أما في الآية الثانية أتى سبحانه بلفظ "سَابِقُوا".

فلماذا هذا التنوع في التعبير؟

يمكن أن يقال :

أولاً: إن لفظ "سارعوا" له معنى غير "سابقوا".

"سارعوا: من السرعة ضد البطء، ويستعمل في الأجسام والأفعال، يقال: سَرُعَ فهو سريعٌ، وأسرَع فهو مُسرِعٌ"([28]).

"سابقوا": أصل السبق التقدم في السير"([29]).

إن الآية الأولى تتعلق بالمتقين، قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}([30]).

وأما الآية الثانية فإنها تتعلق بالمؤمنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}([31])، ولما كانت التقوى نتاج الإيمان وأعظم درجة وأرقى رتبة، كانت أفضل من مجرد الإيمان، لأنها إيمان وزيادة، وقد بيّن الله واقع المتقين، ولكون التقوى أعلى مرتبة من الإيمان لزم التفرقة بينهما.

لذلك خاطب المتقين بلفظ "سارعوا"، لأن المتقين في تنافس وسباق، فلم يحثهم على التقدم لأنه حاصل منهم، بل حثهم على السرعة في التقدم، بخلاف المؤمنين فإنه لم يحصل منهم التقدم في الرتبة، لذلك حثهم على السباق وهو التقدم في السير، فإذا حصل منهم السباق والتقدم، شملهم خطاب المسارعة.

 

النموذج الخامس: الفرق بين الولد والابن

قال تعالى في سورة آل عمران آية 61 : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، قال سبحانه وتعالى في سورة النساء آية 11: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}، فما الفرق بين الأولاد والأبناء؟

الولد:

"الوَلَدُ: المَوْلُودُ. يقال للواحد والجمع والصغير والكبير... ويقال للمتبنى ولد، قال أبو الحسن البصري: الوَلَدُ: الابن والابنة... والأب يقال له والد، والأم والدة، ويقال لهما والدان... والوليد لمن قرب عهده بالولادة، وجمعه وِلْدَانٌ... وجمع الولد أولاد"([32]).

ابن:

قال الراغب في مفرداته: "أصله: بنوٌ، لقولهم في الجمع: أبناء، وفي التصغير، بُنيّ... {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ...}([33]) وسماه بذلك لكونه بناءً للأب، فإن الأب هو الذي بناه وجعله بناءً في إيجاده، ويقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، نحو فلانٌ ابن حرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل، وابن العلم... وابن يومه: إذا لم يتفكر في غده ([34])

يفهم من كتب اللغة: أن الابن يفيد الاختصاص ومداومة الصحبة، ولهذا يقال: "ابن الفلاة" لمن يداوم سلوكها، و"ابن السُرى" لمن يَكْثُر منه السفر ليلاً، وقولنا "هو ابن فلان" يقتضي أنه منسوب إليه، ولهذا يقال: الناس "بنو آدم" لأنهم منسوبون إليه، وكذلك "بنو إسرائيل"، والابن في كل شيء صغير، فيقول الشيخ للشاب: "يا بني"، ويسمّي الملك رعيته "الأبناء"، وكذلك أنبياء من بني إسرائيل كانوا يسمّون أممهم أبناءهم، ولهذا كُنّي الرجل بأبي فلان وإن لم يكن له ولد على التعظيم.

والولد يقتضي الولادة ولا يقتضيها الابن، والابن يقتضي أبًا والولد يقتضي والدًا، ولا يسمى الإنسان والدًا إلا إذا صار له ولد، وليس هو مثل الأب، لأنهم يقولون في التكنية "أبو فلان" وإن لم يلد فلانًا ولا يقولون في هذا والد فلان، كما أن الابن للذكر والابنة للأنثى والولد للذكر والأنثى، والمولود القريب العهد بالولادة([35]).

فإذا رجعنا لكتاب الله نجده جرى على هذه المعاني:

أ - الآيات الواردة في "الولد" ومشتقاتها:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ...}([36])، فهنا لفظ "الولد" يشمل الذكر والأنثى، والمولود هو الحديث العهد بالولادة.

قال تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ...}([37]).

وقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا}([38])، فهذا أدل على أن الولد والأولاد يراد بهما الذكر والأنثى.

ب - الآيات الواردة في لفظ "الابن"

ذكر سبحانه وتعالى "ابن" أو "أبناء" وأراد الذكور، وقال سبحانه وتعالى: "بنت" أو "بنات" وأراد الإناث، وإذا أضاف للابن "يا" النسبة أراد المنسوبين إلى جماعة أو قبيلة أو شخص معين.

1- "ابن" و "أبناء" و "بنين" و "بنيه"

قال سبحانه وتعالى:

- {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ}([39]).

- {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا}([40]).

- {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}([41]).

- {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}([42]).

- {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ... وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ... أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ...}([43]).

- {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ...}([44]).

2- "بنت" و "بنات"

قال تعالى:

- {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ... وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ}([45]).

- {قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ...}([46]).

- {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ}([47]).

3- "الابن" مع "ياء" النسبة

قال تعالى:

- {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}([48]).

- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}([49]).

 

النموذج السادس: الفرق بين امرأة المرءِ، وزوج المرءِ

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}([50]).

وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}([51]).

لماذا عبّر الله سبحانه في سورة مريم عن زوجة زكريا (عليه السلام) بلفظ "امرأتي" وفي سورة الأنبياء "زوجه" فهل هناك فرق بينهما؟ وبعبارة أخرى متى يطلق على المرأة أنها "امرأة" ومتى يطلق عليها "زوجة"؟

قال الراغب في مفرداته: "يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج، وكل قرينين فيها وفي غيرها زوج، كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضادًا زوج، قال تعالى: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى}([52])... و"زوجة" لغةٌ رديئة، وجمعها زوجات... جمع الزوج أزواج"([53]).

فمعنى "الزوج" إذن يقوم على الاقتران القائم على التماثل والتشابه والتكامل. فحتى يتمّ الاقتران لا بدّ من وجود صفات بين الطرفين تُحقّق التماثل والتشابه عند اجتماعهما وتكاملهما واقترانهما، وهذا المعنى متحقّق في الزوجين الذكر والأنثى.

فالله تعالى خلق الذكر ميّالاً إلى الأنثى، طالبًا لها، راغبًا فيها.

والله خلق الأنثى ميّالة للذكر، راغبة فيه. والإسلام نظّم العلاقة بينهما، بأن جعلها عن طريق مباح، هو الزواج الشرعي وملك اليمين.

فيطلق على الرجل زوج لأنه يسدّ النقص الموجود في المرأة، ولولاه لبقي هذا النقص، فهو يلبي لها حاجتها النفسية والاجتماعية وغيرها، وكذلك المرأة سميت "زوجًا" لأنها تسد النقص الموجود في الرجل، ولولاها لبقي هذا النقص النفسي والاجتماعي وغيرهما، ولهذا كل منهما "زوج" لصاحبه، يقترن معه ويزاوجه.

ولكن متى يطلق على المرأة زوجة؟

عند تتبّع الآيات القرآنية التي جاء فيها اللفظان، نلحظ أن لفظ "زوج" يُطلق على المرأة إذا كانت الزوجية تامّة بينها وبين زوجها، وكان التوافق والاقتران والانسجام تامًّا بينهما، بدون اختلاف ديني أو نفسي أو نفور أو خيانة...

فإن لم يكن التوافق والانسجام كاملاً، ولم تكن روح الزوجية متحقّقة بينهما فإن القرآن يطلق عليها "امرأة" وليست زوجًا، كأن يكون بينهما اختلاف ديني عقائدي أو نفور بينهما أو خيانة...

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([54])، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}([55]).

وبهذا الاعتبار جعل القرآن حواء زوجًا لآدم في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}. فإذا لم يتحقّق الانسجام والتشابه والتوافق بين الزوجين لمانع من الموانع فإن القرآن يسمّي الأنثى "امرأة" وليس "زوجًا".

ورد في القرآن: "امرأة نوح"، و"امرأة لوط"، ولم يقل: "زوج نوح" أو "زوج لوط"، وهذا في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([56]) لأنهما خانتاهما، مع أن كل واحدة منهما امرأة نبي، ولكن خيانتها لم تحقّق الانسجام والتوافق بينها وبين بعلها النبي (عليه السلام). ولهذا لم يسمها القرآن "زوجًا" له، وإنما هي "امرأة" تحته.

وبهذا الاعتبار ورد في الكتاب الكريم: "امرأة فرعون"، في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}([57]). لأنه بينها وبين فرعون مانع من الزوجية، فهي مؤمنة وهو كافر، ولذلك لم يتحقّق الانسجام بينهما، فهي "امرأته" وليست "زوجه".

وكذلك بالنسبة لامرأة العزيز، فقد عبّر عنها بالمرأة لعدم الانسجام الزوجي بينهما، لما صدر منها من الخيانة، قال تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}([58]).

وكذلك إذا كان هناك خلاف بين الزوجين يعبّر القرآن بـ"المرأة" قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا...}([59]).

ومن روائع التعبير القرآني العظيم في التفريق بين "زوج" و"امرأة" ما جرى في إخبار القرآن عن دعاء زكريا (عليه السلام)، أن يرزقه ولدًا يرثه. فقد كانت امرأته عاقرًا لا تنجب، وطمع هو في آية من الله تعالى، فاستجاب الله له، وجعل امرأته قادرة على الحمل والولادة.

عندما كانت امرأته عاقرًا أطلق عليها القرآن كلمة "امرأة"، قال تعالى على لسان زكريا: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}([60]). وعندما أخبره الله تعالى أنّ دعاءه قد استجيب، وأنه سيرزقه بغلام، أعاد الكلام عن عقم امرأته، فكيف تلد وهي عاقر، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}([61]).

وحكمة إطلاق كلمة "امرأة" على زوج زكريا (عليه السلام) أن الزوجية بينهما لم تتحقّق في أتمّ صورها وحالاتها، رغم أنه نبي، ورغم أن امرأته كانت مؤمنة، وكانا على وفاق تامّ من الناحية الدينية الإيمانية. ولكن عدم التوافق والانسجام التامّ بينهما، كان في عدم إنجاب امرأته، ومن أهم أهداف الزواج النسل والذرية، فإذا وُجد مانع عند أحد الزوجين يمنعه من الإنجاب، فإن الزوجية لم تتحقّق بصورة تامّة.

وبعدما زال المانع من الحمل، وأصلحها الله تعالى، وولدت لزكريا ابنه يحيى، أطلق عليها كلمة "زوج"، لأن الزوجية تحقّقت بينهما على أتمّ صورة. قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}([62]).

والخلاصة أن امرأة زكريا (عليه السلام) قبل ولادتها يحيى هي "امرأة" زكريا في القرآن، لكنها بعد ولادتها يحيى هي "زوج" وليست مجرّد امرأته.

ولا ينقض على ما ذكر بقوله تعالى في قضية "زيد" والسيدة "زينب بنت جحش" رضوان الله عليها: {وإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}([63])، حيث عبَّر عن زينب بالزوجة، مع أن زيدًا كان مريدًا لطلاقها.

لأننا نقول : إنه لم يظهر من خلال هذه الآية السبب في طلاق زيد لزينب، إذ لم يظهر وجود خلاف عقائدي أو نشوز أو عقم أو أي من الأسباب التي تهدم الحياة الزوجية.

وبهذا عرفنا الفرق الدقيق بين "زوج" و"امرأة" في التعبير القرآني العظيم.

خاتمة

هذا بعض ما أردت بيانه من هذه النماذج، وهناك نماذج أُخَر لا يسنح المقام لذكرها، فأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق لبيان المزيد في مناسبة أخرى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) سورة البقرة آية 23.

([2]) سورة الإسراء آية 28.

([3]) وفي بعض الكتب وردت بلفظ (معذق).

([4]) الدر المنثور لجلال الدين السيوطي، ج6، ص283، (دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - لبنان)، وهذه بقية كامل الرواية: أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (ص)، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قِبَلَه قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول! فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: {ذرني ومن خلقت وحيدا}.

([5]) سورة الحجر آية 94.

([6]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، ج1، ص262، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1988.

([7]) سورة يوسف آية 80.

([8]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج1 ص262.

([9]) سورة القصص آية 7.

([10]) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ج13، ص252، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، 1985.

([11]) سورة هود آية 44.

([12]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج1، ص 275.

([13]) سورة النساء آية 82.

([14]) انظر لسان العرب مادة (همد).

([15]) انظر العين، للفراهيدي، باب الهاء والدال والميم (همد).

([16]) انظر لسان العرب مادة (خشع).

([17]) سورة الأنبياء 30.

([18]) سورة الحج آية 1-6.

([19]) سورة فصلت آية 37-39.

([20]) انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة (ملق).

([21]) انظر لسان العرب لابن منظور  مادة (ملق).

([22]) انظر مفردات الفاظ القرآن للراغب الاصفهاني  مادة (خشى).

([23]) انظر مفردات الفاظ القرآن للراغب الاصفهاني  مادة (خوف)

([24]) سورة الإسراء آية 26-31

([25]) سورة هود 6

([26]) سورة الذاريات آية 15-19.

([27]) سورة المعارج آية 19-25.

([28]) انظر مفردات الفاظ القرآن للراغب مادة (سرع)

([29]) نفس المصدر مادة(سبق)

([30]) سورة آل عمران آية 132-136.

([31]) سورة الحديد آية 19-21.

([32]) انظر مفردات الفاظ القرآن للراغب الاصفهاني مادة (ولد)

([33]) سورة يوسف آية 5.

([34]) انظر مفردات الفاظ القرآن للراغب الاصفهاني مادة (بنى)

([35]) انظر: الفروق اللغوية ، أبو هلال العسكري (395هـ)، ص13، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، 1412هـ.

([36]) سورة البقرة آية 233.

([37]) سورة آل عمران آية 47.

([38]) سورة النساء آية 11.

([39]) سورة آل عمران آية 14.

([40]) سورة الإسراء آية 40.

([41]) سورة طه آية 94.

([42]) سورة لقمان آية 13.

([43]) سورة النور آية 31.

([44]) سورة آل عمران آية 61.

([45]) سورة النساء آية 23.

([46]) سورة هود آية 78.

([47]) سورة النحل آية 57.

([48]) سورة المائدة آية 70.

([49]) سورة الإسراء آية 70.

([50]) سورة مريم آية 8.

([51]) سورة الأنبياء آية 90.

([52]) سورة القيامة آية 39.

([53])انظر  مفردات الفاظ القرآن للراغب الاصفهاني مادة (زوج)

([54]) سورة الروم آية 21.

([55]) سورة الفرفان آية 74.

([56]) سورة التحريم آية10.

([57]) سورة التحريم آية 11.

([58]) سورة يوسف آية 51.

([59]) سورة النساء آية 128.

([60]) سورة مريم آية 8.

([61]) سورة مريم آية 8.

([62]) سورة الأنبياء آية 90.

([63]) سورة الأحزاب آية 38.

 

 

115%