رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

إنَّ بعضَ العظماءِ لا يكفيهم أن يكونوا مُشارِكين فاعلين في صناعةِ ما يُعايشونه من الأحداث، كما أنَّهم لا يَكتفون بأن يُجسِّدوا خيرَ الخصالِ والقِيَم في فترةِ حياتهم فقط، وإنَّما يُحالفُهم التوفيقُ الإلهيّ لِيَكونوا شهداءَ على الحقِّ والباطل حتَّى بعدَ رحيلِهم وعلى مرِّ العصور.

ويُمثِّلُ الصحابيُّ الجليلُ حجرُ بن عدي (رحمه الله) خيرَ مصداقٍ لهؤلاءِ العظماء، فهو وكما تصفُه المصادرُ المعتبرة:

كان راهب أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله)..

وحُجْر الخير..

وأنه مجاب الدعوة..

وأنَّه هو وأصحابُه كأصحابِ الأخدود..

إلى غير ذلك من الخصائصِ والخصالِ التي يضيقُ عنها المجالُ.

وهو إلى جانب ذلك كان قد شارك مشاركةً فعَّالةً في أحداثِ عصره، وفي صناعةِ مستقبلِ أمَّتِه، حتَّى قام ابنُ آكلةِ الأكبادِ معاويةُ بن أبي سفيان بقتلِه مع ثلَّةٍ من أصحابِه.

وتلك صفحةٌ لم تُطوَ من التاريخ، إذ استمرَّ صراعُ الحقِّ والباطل بين أتباع علي (عليه السلام) وبين أحفاد آكلة الأكباد حتَّى حدث ما حدث في الأيام الأخيرة، حيث قام بعضُ أكلةِ لحومِ البشر من أحفاد هند بِشَيِّ بعض رؤوس الرجال، بل قام بعضُهم بأكلِ أعضاء بشرية، كما قاموا بنبش قبر ذلك العظيم حجر بن عدي، الأمر الذي أتاح لجثمانه المبارك أن يكون مشاركًا في أحداث عصرنا أيضًا -وبعد هذه القرون المتطاولة التي مرّت على استشهاده- حتى كأنَّ الموت لم يَطوِ حضورَه كما طوى حضور غيره.

ولذا برز هذا الجثمان الطاهر ليشهدَ على أهل الباطل الذين خالفوا سُنَّة الله ورسوله  (صلى الله عليه وآله) ، كما كان صاحبُه شاهدًا حيًّا على انحراف معاوية وعلى جرائمه..

ولعل فصولَ القصَّة لم تنتهِ هنا، إذ ربما نشهد في مقبل الأيام، أو تشهد الأجيال الآتية معجزاتٍ أخرى لهذا الوليّ العظيم الموالي لسيِّد الأوصياء عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .

 

 

 

خطاب

سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني-دام ظلّه-(1)

 

 

خطاب سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني-دام ظلّه- في يوم 23 ربيع الثاني 1434هـ، حول مجازر الإبادة ، ومظلومية الشيعة في باكستان والبحرين. حيث إن سماحته قطع ما كان يبحثه ويبثّه من دروس في تفسير سورة يس، وأفاد قائلاً :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطّاهرين، لا سيما بقيّة الله في الأرضين، واللّعن على أعدائهم إلى يوم الدّين.

ما هي وظيفة الحوزة العلمية -ولا سيما الحوزة العلمية في قم، التي هي ملاذ ومرجع لجميع أبناء الشيعة في أنحاء العالم-، ما هي وظيفتها تجاه أحداث الإبادة والمظلومية لشيعة باكستان والبحرين؟

وظيفتها كلمة واحدة فقط، ولكنها كلمة لا تحتويها إلا كتب.

إن وظيفة الحوزة العلمية كلمة واحدة، ألا وهي: كفالة أيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله).

فما هي هذه الكفالة؟ وما هي حدود لفظة الأيتام في هذه الجملة؟ ومن هو طرف الإضافة بالنسبة لهؤلاء الأيتام؟

وهل عرفنا حقيقة هذه الوظيفة؟ وهل قمنا بها وأديّناها على وجهها؟ {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّموا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمامٍ مُبين}(2).

إن أيتام آل محمد يُقتَّلون في باكستان قتلاً ذريعًا، رجالاً ونساءً، وصغارًا وكبارًا، بلا جُرْمٍ أتوهُ، ولا ذنبٍ اقترفوه سوى انتسابهم إلى ذلك المقام(3)، فَيَرَوْن ما يهول!!

وماذا يجري في البحرين على هؤلاء الأيتام؟

فماذا صنعنا في مقابل ذلك؟ وما هي ردود فعلنا تجاه هذه الأحداث؟ إنها لمسؤوليّةٌ عظيمةٌ، ولا يمكن دركها إلا بالرجوع إلى الأحاديث الشريفة، التي فيها ما يحيِّر العقول والألباب:

ففيها أن ما مِن مؤمنٍ مَسحَ يده على رأس يتيمٍ إلا كتب الله له بكل شعرةٍ مرّتْ عليها يده حسنةٌ. وأعطاه الله بكل شعرةٍ نورًا يَطْوي بها ظلمات يوم القيامة.

هذا في اليتيم الذي انقطع عن أحد أبويه، فكيف لو انقطع عن إمامه؟

إن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما ضُرِبَ على رأسه تلك الضربة التي جعلت جبرئيل ينادي في السماء: (تهدمت واللهِ أركان الهدى)، في تلك اللحظة أوصى (عليه السلام) بالأيتام قائلاً : (الله، الله، في الأيتام، ولا يَضيعوا بحضرتكم). أوصى بهم بعد أن أوصى بالقرآن: ( الله، الله، في القرآن ) .

واليتيم في كلامه (عليه السلام) لا ينحصر باليتم الجسماني، بل يتسع فيشمل اليتيم الرّوحي أيضًا.

وإن هذا لممَا أكّد عليه النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين) [وقرن بين إصبعيه] .

وهو الذي قال أيضًا (صلى الله عليه وآله) : (أشدّ من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه، يُتْمُ يتيمٍ انقطع عن إمامه...) .

إن أيتامه (صلى الله عليه وآله) يُقَتّلون تقتيلاً فظيعًا، ويبادون إبادةً عامة!! فماذا على الحوزة العلمية أن تصنع تجاه هذه الأحداث؟

إن أول ما يمكن إتيانه الآن فعلاً، أنْ تُعطّل الحوزة العلمية في يوم السبت القادم احترامًا لدماء الشهداء في باكستان والمظلومين في البحرين.

كما يلزم على الحوزة العلمية أن تلبس لباس العزاء، فلو كان المقتول إبننا فكيف يكون حالنا؟

إن أولئك الأيتام الذين فقدوا آباءَهم وأمهاتهم هم الآن بلا ملجأ وملاذ.

هنيئًا لأولئك الآباء والأمهات...

بَلّغوا سلامنا إلى جميع أهل العزاء في باكستان.

فأما الرجال فهم في أحضان أمير المؤمنين (عليه السلام)...

وأما النساء فهم في أحضان الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)...

ولكن المصيبة الباقية، إنما هي بالنسبة للأطفال الذين حرموا عطف ورعاية آبائهم وأمهاتهم.

وإن ممّا لا يخفى أنّ هيئة الأمم المتحدة قد اجتمعت بعد الحرب العالميّة الثانيّة في باريس، وانعقدت بمفكّريها، وحقوقييّها، ورؤساء دولها، فكتبوا وأصدروا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ثلاثين مادة وبندًا.

وينصُّ هذا المنشور على أن جميع زعماء الدّول مكلّفون بإجراء وتنفيذ هذه المواد، وعدم التّخطي والتجاوز عن مواد هذا المنشور.

وفي المادة الأولى من ذلك المنشور: أن جميع أفراد بني نوع الإنسان يولدون أحرارًا، وجميعهم متساوون في الحرمة والحقوق. يعني سواء أكان هذا الفرد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أم كان تلك المرأة التي تعيش في زاويةٍ من أطراف قرى باكستان، هم جميعًا متساوون في الحرمه والحقوق.

وهكذا تنصّ هذه المادة على أن الجميع يلزم أن يتعايشوا معًا بأخوّة.

هذا هو القانون الذي نظمّهُ وتعهد به جميع رُؤساء دول أمريكا وأوربا وإنجلترا. فهل التزموا بهذه المساواة مع رعايا وشعوب تلك الدول التي تحت سيطرتهم عَبْرَ أيادي الأمراء والحكّام العملاء لهم، أم أنّهم محرومون من أدنى حقوق الإنسانية؟

وفي المادة الثّالثة: أن كل فردٍ من أفراد كل أمّة وملّة له حق الحياة أولاً، أن يكون حُرًا ثانيًا، وأن يوفر له الأمن الفردي والإجتماعي والوطني.

فهل يتوفّر لشيعة باكستان والبحرين ممّن يعيش تحت أيادي عمّالكم أدنى شيءٍ من ذلك الأمن و من تلك الحقوق؟

وهل التزمت هيئة الأمم بما تعهّدت به؟ وماذا صنعت تجاه تلك القضايا والأحداث؟

ومن العجيب والمضحك أنّه في نفس الوقت الذي يُلغي هؤلاء الرِّق والعبودية، نرى أن كل ثروةِ تلك البلاد تقع تحت اختيار وتصرف عائلة واحدة تَأْتَمِر بأوامر الولايات المتحدة وأوربا وإنجلترا، وكأن أهل تلك البلاد عبيد لتلك العائلة -عملاء تلك الدّول-!!

وكل هذا في مرأى ومنظر هيئة الأمم والعالم.

ومع عدم التزام هؤلاء ببنود منشور حقوق الإنسان، فبأيّ منطقٍ يكون لهم كرسيٌّ وتمثيل في هيئة الأمم؟

ألا يوجد مَنْ يقول لِمَنْ يدّعي أنّه الأمين العام لهيئة الأمم فيسأله: كيف يكون لهؤلاء كراسي في المنظّمة الدوليّة مع تسلّطهم على ثروات بلادهم، وصبّها في حسابهم الخاص، ومصادرتهم لأمنِ وحريّةِ شعوبهم، واستعبادهم، وزجّهم في السّجون لأفرادٍ سنين متمادية بلا محاكمةٍ وحرمانهم من جميع الحقوق الإنسانية؟

هل هذا تطبيق لمواد منشور حقوق الإنسان؟

هذا وضع عالمنا اليوم!!

وأمّا المادة الثانية من ذلك المنشور ففيها: أن الحريّة المكفولة للإنسان في هذا المنشور يلزم أن يتمتّع بها الجميع بلا فرقٍ وامتيازٍ للّون أو العِرْقِ أو القوميةِ أو المذهب أو العقيدةِ دينيةً كانت أو سياسيّة.

ومع أنّهم ينادون بهذه الحريّة، تجدهم يمدّون بالأسلحةِ، ويرسلون بالأموال، حتى يُقَتّل الأطفال والنّساء بلا هوادةٍ وبهذه النيّة.

هذا وضع هيئة الأمم اليوم، والتي أساءت إلى اعتبارها، وشوّهت صورتها أكثر من ذي قبل.

إن الأمين العام لهذه الهيئة ورئيسها يحمل منشور حقوق الإنسان في يدٍ، ويعطي حقّ الفيتو لبعض تلك الدّول في اليد الأخرى فهو يُديرُ الأمرين!!

ويعطي كرسيًّا للّذي يرسل الأسلحةَ والأموالَ لقتل الشّعوب مع تعهّده بذلك المنشور!!

كما يعطي كرسيًّا آخر لرئيس تلك البلاد التي أرسلت الأموال والأسلحة لقتل شعوبها!!

وجميعهم متعهّدون بالمواد الثّلاثين لمنشور حقوق الإنسان!!

والعجيب أنّهم يدّعون بأنّ هذا المنشور دُوِّنَ وكتب في باريس لأول مرّة في العالم، ثمّ إنّهم كيف يخترقون بنوده بكلِّ وَقاحةٍ وبلا خجلٍ أو حياء؟!

ولكن قبل أكثر من ألف عام من كتابةِ هذا المنشور قد ظهر من أحيا حقوق الإنسان وطبّقها... ظهر رجلُ كان يملك كنوز قيصر وكسرى، وخزائن البلاد، ولكنه عندما يفطر، كان يفطر على خبز شعيرٍ و ملحٍ ويقول: (لعلّ في الحجاز أو اليمامةِ من لا طمع له بالقرص...) ، يأكل ذلك حتى لا يكون قد أكل أكثر ممّا عند أحدٍ من رعيّته.

فهذا هو الذي أحيا حقوق الإنسان.

الدّنيا كانت تحت قبضته، ولكن تراه يطلب سبط النبي الأكبر (صلى الله عليه وآله) فيعطيه ثلاثة دنانير، ثمّ يطلب الحبشيّ الأسود فيعطيه ثلاثة دنانير كعطائه للسّبط الأكبر.

أليس هذا محيي حقوق البشر، أم ما جاءت به هيئة الأمم؟

ذلك الذي كانت إمبراطوريّتَي فارس والرّوم تحت يده وقبضته، يأتي مع خادمه إلى السّوق فيشتري ثوبين أحدهما بأربعة دراهم والآخر بدرهمين، فأعطى الأول لخادمه، وأخذ بذي الدّرهمين. فقال له خادمه: أنت أولى يا أمير المؤمنين بما أعطيتنيه، فأنت تصعد المنبر وتخطب في النّاس. ولكن أمير المؤمنين أجابه: (أنت شابٌّ ولك شره [شرخ] الشباب، فأنت أولى به منّي).

أليس هذا محيي حقوق البشر أم ما جاءت به هيئة الأمم؟

ومرّ به ذات مّرة من يتسول فتعجب من ذلك (عليه السلام) وقال: ما هذا؟ فكيف يوجد فقيرٌ في دولته (عليه السلام)؟ فقالوا معتذرين: يا أمير المؤمنين! إن هذا المتسوّل نصراني. فقال (عليه السلام): (استعملتموه حتى إذا كَبُرَ، وعَجِزَ منعتموه ! أنفِقوا عليه من بيت المال)!

فسجّلوا إسمه في ديوان بيت المال إلى جوار إسم إبنه وسبط النّبي (صلى الله عليه وآله).

أليس هذا محيي حقوق البشر أم ما جاءت به هيئة الأمم؟

هل إرساءُ حقوق البشر بالقتل، والتعذيب، وآهات الأيتام، في باكستان وغيرها، أم الحقوق عند مَنْ سمع بنزْعِ خلخال امرأة يهودية فقال: (فلو أنّ مؤمنًا مات من دون هذا أسفًا ما كان عندي ملومًا).

أليس هذا محيي حقوق البشر أم ما جاءت به هيئة الأمم؟    

يا للحسرة!! لم يُعرف قَدْرُكَ يا أول المظلومين!!

في ذلك اليوم الذي كانت الدّنيا في قبضته، وكانت ذخائر العالم وحمائل قوافل الإبل تُفرغ في بيت المال، كان يستقي بيده النّخل في مقابل أجرةٍ، يتقوّت بها ويتصدّق بالباقي.

فكان ينفِقُ ماله ويتصدّق به ليلاً ونهارًا، وسرًا وجهارًا، فترجمَ (عليه السلام) عمليًا قوله تعالى: {الّذينَ يُنْفِقونَ أَمْوَالَهُم باللّيْلِ وَالنّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيّةً}(4) التي كانت قد نزلت في شأنه من قبل.

أليس هذا محيي حقوق البشر أم ما جاءت به هيئة الأمم؟!!


 

([1]) وردنا هذا الخطاب من مكتب المرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني في قم.

([2]) يس من الآية يس12.

([3]) أي اتّباعهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).

([4]) البقرة : من الآية 274 .

 

 

 

 

 

القيام عند ذكر القائم (عج)

الشيخ محمد موسى حيدر 

 

 

تمهيد 

لقد تُعورِف بين الشيعة -أعلى الله كلمتهم- منذ برهة من الزمان القيامُ ووضع اليد على الرأس عند ذكر الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم)، ومما لا شك فيه أن القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) في حدِّ نفسه أمر حسن وراجح شرعًا لما فيه من الاحترام والتعظيم له (عليه السلام)، الذي هو من مصاديق تعظيم شعائر الله تعالى التي هي من تقوى القلوب([1])، فلا يحتاج إلى دليل عليه بخصوصه.

بل إن القيام المذكور قد يجب فيما لو قام الجميع وكان بقاء الشخص قاعدًا يُعدُّ هتكًا وتوهينًا بنظر العرف، فيكون نظير حرمة الانفراد بالصلاة عند انعقاد الجماعة إذا انتزع منه عنوان القدح بالإمام كما لا يخفى، إلا أن ذلك بالعنوان الثانوي ولا دخل له بحكم القيام المذكور بالعنوان الأولي الذي هو محل كلامنا.

وإذا اتَّضح أن محل كلامنا هو حكم القيام عند ذكر القائم (عجل الله فرجه الشريف) بالعنوان الأولي، وهل أنه بخصوصه وبما هو قيام مُستحبٌّ كما ذهب إليه بعض، أو واجب كما لعلَّه يُعزى إلى بعض آخر؟ على ما سيمرّ عليك في مطاوي مقالتنا هذه.

أم أنه بما هو قيام لا واجب ولا مستحب؟ فليس راجحًا بالعنوان المذكور كما سنثبته في مقالتنا هذه، وإن كان رجحانه بعنوان كونه احترامًا وتعظيمًا له (عجل الله فرجه الشريف) مما لا شك فيه ولا ريب يعتريه، بل قد يجب بالعنوان المذكور كما عرفت.

واتَّضح أيضًا: أنه ليس مقصودنا من مقالتنا هذه إنكار رجحان هذا الفعل بالمطلق، ولا ثَنيُ الشيعة -أعزهم الله- عن هذه العادة الحسنة الجميلة التي هي من مظاهر حبِّهم وتولّيهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام) عمومًا ولإمام زمانهم المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) على نحو الخصوص، بل مقصودنا دفع توهم رجحان الفعل المذكور بعنوانه الأولي وضعًا له في نصابه الشرعي الصحيح، حتى يأتي الآتون به على وجهه فيكون ذلك أعظم لثوابهم وأجزل في أجرهم.

إذا اتَّضح ذلك كلّه نقول:

العرف المذكور يكشف عن توهُّم وجود حكم استحبابي في المقام

إن قصر المؤمنين هذا القيام الاحترامي على ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بخصوص لقب (القائم) دون ذكره باسمه الشريف أو كنيته أو سائر ألقابه أو غير ذلك مما يدل على وجوده المقدَّس من جهة، والتزامهم عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) باللقب المذكور بالقيام وعدم اجتزائهم بغيره من مظاهر الاحترام والتبجيل المتعارفة أيضًا كالصلاة عليه والدعاء له بتعجيل الفرج وحني الرأس ووضع اليد عليه ونحو ذلك من جهة أخرى، ناشئان من توهُّم كون القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بهذا اللقب مطلوبًا بخصوصه وبعنوانه الأولي، لا بالعنوان الثانوي وبما هو من مصاديق احترامه وتعظيمه (عليه السلام) بأي نحو ذُكر، وأنَّ ثمةَ في المقام حكمًا شرعيًا ثابتًا([2]) -أو لا أقل من كونه محتمل الثبوت- يدعو إلى القيام بخصوصه عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) خاصَّةً، وهذا ما سنحاول التحرّي عنه في مقالتنا هذه.

أوَّل من قال بالاستحباب

في حدود ما قمنا به من بحث وجدنا أن أول من قال باستحباب القيام المذكور المحدِّث النوري في كتاب (النجم الثاقب) على ما يظهر من قوله ص433: (الباب العاشر: في ذكر شمّة من تكاليف العباد بالنسبة إلى إمام العصر صلوات الله عليه...)، إلى أن قال في الصفحة 474: (السادس: القيام تعظيمًا لسماع اسمه المبارك (عليه السلام)، وبالأخص إذا كان باسمه المبارك (القائم) (عليه السلام)، كما استقرَّت عليه سيرة الإماميّة كثَّرهم الله تعالى في جميع بلاد العرب والعجم والترك والهند والديلم، وهذا كاشف عن وجود مصدر وأصل لهذا العمل ولو أنّي لم أعثر لحدّ الآن عليه، ولكن المسموع من عدّة من العلماء وأهل الصلاح أنّهم رأوا خبرًا في هذا الباب، ونقل بعض العلماء أنّه سأل عن هذا الموضوع العالم المتبحّر الجليل السيد عبد الله سبط المحدّث الجزائري ، وقد أجاب هذا المرحوم في بعض تصانيفه أنّه رأى خبرًا مضمونه أنّه ذُكر يومًا اسمه المبارك (عليه السلام) في مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) فقام (عليه السلام) تعظيمًا واحترامًا له...).

ولا يخفى أن قوله: (وهذا كاشف عن وجود مصدر وأصل لهذا العمل ولو أنّي لم أعثر لحدّ الآن عليه)، يؤيِّد ما قرَّرناه في أول البحث من أن هذه السيرة ناشئة لا شك عن اعتقاد وجود حكم شرعي باستحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) أو احتمال ذلك، ولذلك كان لا بدَّ بنظر المحدِّث المذكور (رحمه الله) من معرفة منشأ هذا الاعتقاد أو هذا التوهُّم، وأن ما هو المتيقَّن والثابت قطعًا من رجحان احترامه وتعظيمه (عجل الله فرجه الشريف) لا يكفي في تبرير قيام السيرة على القيام بخصوصه من بين مظاهر الاحترام والتعظيم عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف).

وكنّا قد أشرنا في مطلع البحث أن رجحان احترامه وتعظيمه (عجل الله فرجه الشريف) لا يكفي أيضًا في تبرير اقتصار هذه السيرة في القيام على ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) ـ كما هو المتيقَّن من هذه السيرة الحادثة على ما سيأتي منّا بيانه خلافًا لما ادَّعاه (رحمه الله) من شمولها لمطلق ذكره (عجل الله فرجه الشريف) ولو بغير اللقب المذكور ـ دون ذكره بغير ذلك مما يدل عليه (عليه السلام).

وتابعه على ذلك الشيخ النمازي الشاهرودي (رحمه الله) (١٤٠٥هـ) في (مستدرك سفينة البحار) حيث صرَّح بالاستحباب بقوله (ج ٨ ص ٦٢٨-٦٢٩): ويستحب القيام عند ذكر هذا اللقب لما روي في كتاب إلزام الناصب عن تنزيه الخاطر: سُئل مولانا الصادق صلوات الله عليه عن سبب القيام عند ذكر لفظ القائم (عليه السلام) من ألقاب الحجة، قال: لأن له غيبة طولانية ومن شدة الرأفة إلى أحبته ينظر إلى كل من يذكره بهذا اللقب المشعر بدولته، ومن تعظيمه أن يقوم العبد الخاضع عند نظر المولى الجليل إليه بعينه الشريفة فليقم وليطلب من الله جل ذكره تعجيل فرجه.

وروي أيضًا عن مولانا الرضا (عليه السلام) في مجلسه بخراسان أنه قام عند ذكر لفظة القائم ووضع يديه [في رأسه] -هكذا وفي إلزام الناصب نقلاً عن الكتاب المذكور [على رأسه]- الشريف وقال: اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه.

وذكر المحدث النوري في كتابه النجم الثاقب ما ترجمته بالعربية: هذا القيام والتعظيم سيرة تمام أبناء الشيعة في كل البلاد .. إلخ.

وروى العلامة المامقاني في رجاله في دعبل، عن محمد بن عبد الجبار في مشكاة الأنوار أنه لما قرأ دعبل قصيدته المعروفة على الرضا (عليه السلام) وذكر الحجة (عليه السلام) إلى قوله:

خروج إمامٍ لا محالةَ خارجٌ

 

 

يقومُ على اْسمِ اللهِ والبركاتِ

 

وضع الرضا (عليه السلام) يده على رأسه وتواضع قائمًا ودعا له بالفرج.

أدلة الاستحباب المُدّعى 

المتلخِّص من كلام هذين العلمين أنه يدل على استحباب القيام بخصوصه عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو مطلقًا، أمور أربعة:

الأول والثاني: روايتا الصادق والرضا (عليهما السلام) في كتاب (تنزيه الخاطر)

ولا يخفى أن رواية الصادق (عليه السلام) ظاهرة في المفروغية عن استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بهذا اللقب، حيث قرَّر (عليه السلام) السائل على القيام المذكور وتصدّى لبيان الحكمة من ذلك.

الثالث: سيرة الشيعة التي نقلها المحدث النوري في كتاب (النجم الثاقب)

لا يخفى أن كلام صاحب السفينة يوهم أن ما ذكره المحدث النوري في كتاب (النجم الثاقب) هو انعقاد سيرة الشيعة على القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) بالخصوص، علمًا أن ما ادّعاه المحدِّث المذكور في الكتاب المشار إليه من سيرة أعم من ذلك، ولذلك قال باستحباب القيام لذكره (عجل الله فرجه الشريف) مطلقًا وتأكُّده لذكره (عجل الله فرجه الشريف) بخصوص لقب (القائم).

الرابع: رواية قيام الرضا (عليه السلام) عندما أنشده دعبل تائيَّته المشهورة

والرواية حكت قيامه (عليه السلام) عند ذكر دعبل للحجة (عجل الله فرجه الشريف) بقوله:

خروجُ إمامٍ لا محالةَ خارجٌ

 

 

يقومُ على اْسمِ اللهِ والبركاتِ

 

وقد نقل الرواية المذكورة العلامة المامقاني (رحمه الله) في رجاله في ترجمة دعبل عن الشيخ محمد بن عبد الجبار في كتابه (مشكاة الأنوار).

مصدرٌ ثانٍ لهذه الرواية 

نبَّه الشيخ الطهراني  (رحمه الله) (١٣٨٩هـ) في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج٢١ ص٥٤ إلى وجود الرواية المذكورة في كتاب (مؤجّج الأحزان) أيضًا حيث قال:

(٣٩٢٣): (مشكاة الأنوار) للشيخ محمد بن عبد الجبار البحراني، حكى عنه كذلك في (الدمعة الساكبة) حديث قيام الرضا (عليه السلام) عند سماع لفظ القائم .. كان في عصر الشيخ كاشف الغطاء .. وأما حديث القيام فهو مذكور في (مؤجّج الأحزان) للشيخ عبد الرضا بن محمد الأوالي البحراني أيضًا).

موضع الشاهد من الرواية المذكورة 

نقل الشيخ الطهراني (رحمه الله) موضع الشاهد من الرواية المذكورة عن الكتاب المذكور في ج٢٣ ص٢٤٧ من ذريعته حيث قال:

(٨٨٣٦): مؤجج الأحزان في وفاة غريب خراسان) للمولى عبد الرضا بن محمد الأوالي .. ذكر فيه أن دعبل الخزاعي لما بلغ قوله في التائيّة: 

إلى الحشر حتى يبعث الله

 

 

قائمًا يفرِّج عنا الهمَّ والكُرُباتِ

 

قال من حضر مجلس الرضا (عليه السلام): لما نطق دعبل بهذا البيت تهلَّل وجه الرضا (عليه السلام) وطأطأ رأسه إلى الأرض وبسط كفيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: [اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه وانصرنا به وأهلك عدوه، إلى قوله: يا دعبل هو قائمنا ..]، ثم ذكر بقية قصيدة دعبل إلى قوله:

خروج إمامٍ لا محالةَ خارجٌ

 

 

يقومُ على اْسمِ اللهِ والبركاتِ

 

قال ما لفظه: [قال أبو الصلت فلما سمع الإمام ذلك قام قائمًا على قدميه وطأطأ رأسه منحنيًا به إلى الأرض بعد أن وضع كفه اليمنى على هامته وقال: اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه وانصرنا به نصرًا عزيزًا..].

واستظهر بعض الأفاضل من الحديث المذكور في هذا الكتاب أنه مُسْتَنَد لما نرى من فعل الشيعة من القيام عند ذكر القائم (عليه السلام) ووضع اليد على الرأس.

مناقشة الأدلة المذكورة 

ولكن لا يخفى أن شيئًا من الأمور المذكورة لا ينهض بإثبات استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو مطلقًا.

مناقشة الدليلين الأوَّلين 

أما الدليلان الأولان ففيهما: أنه لا ذكر لكتاب باسم (تنزيه الخاطر) في شيء من كتب الفهارس وقد تفرَّد صاحب إلزام الناصب بالنقل عنه، كما أن الروايتين اللتين نقلهما عن الكتاب المذكور لم نجدهما في شيء من مصادرنا الروائية ومجاميعنا الحديثية القديمة والمتأخرة، وقد تفرَّد صاحب الكتاب المذكور بنقلهما، فالروايتان المذكورتان من أضعف المراسيل ولا يمكن الاعتماد عليهما في إثبات الحكم الشرعي.

قرائن على موضوعيّة أولى روايتي تنزيه الخاطر 

فضلاً عن ضعف هاتين الروايتين فإن أولاهما مما نكاد نطمئن بعدم صدورها عن إمامنا الصادق (عليه السلام)، حيث إنها لا تشبه كلامهم (عليهم السلام) وهي بكلام بعض علماء الأعاجم أشبه، كيف ولا يُقال في اللغة العربية (طولانية) بل (طويلة)، والرأفة لا تتعدى بـ (إلى) بل بـ (الباء) فيُقال (من شدة الرأفة بأحبته) لا (إلى أحبته)؟!

كما أن عبارة (المشعِر بدولته) قد استعملت في الرواية المذكورة بمعنى (المومئ والمشير إلى دولته) كما لا يخفى، إذ الإشعار لغة وعرفًا الإعلان، وهو مرتبة أعلى من التصريح حيث يُراد منه جعل الشيء علامةً وشعارًا، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى الْقُلوبِ}([3])، أي علامات دين الله على ما ذكره المفسرون، ومنه أيضًا إطلاق الإشعار على شقِّ سنام البدنة بالنسبة للقارن إيذانًا وإعلامًا من سائقها بأنه أحرم للحج، وسيأتي في رواية (مؤجّج الأحزان) قول دعبل للرضا (عليه السلام): (سمعت يا مولاي خبرًا يشعر بخروج إمام منكم يملأ الأرض قسطًا وعدلاً)، ولا شك أنه أُريد من الإشعار فيها التصريح والإعلان، إذ ليس نظره إلا إلى الخبر الذي تواتر عند الخاص والعام عن النبي (صلى الله عليه وآله) بشأن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وأنه من ولد فاطمة (عليها السلام) وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا، وهو كما ترى يُصرِّح ويعلِن بخروج إمام من آل محمد (عليهم السلام)، لا أنه يُلمح إلى ذلك ويومئ إليه بغير تصريح كما هو اصطلاح الفقهاء في ذلك.

ولا شك أن لفظ (القائم) في رواية تنزيه الخاطر لا تتضمن تصريحًا بدولته (عليه السلام) فضلاً عن أن يكون فيها إعلام بذلك، بل لما كانت الكلمة المذكورة تدل على قيامه (عليه السلام) ضد الظلم والظالمين في آخر الزمان وهو المنصور من الله المدَّخر لهذه المهمة، فإنها تثير -بالملازمة- فكرة دولة الحق وحكومة الله على الأرض. والإشعار بمعنى الإيماء الذي هو مرتبة ضعيفة من الدلالة دون التصريح اصطلاح فقهائي حادث لا تجد له عينًا ولا أثرًا في كتب اللغة أو في شيء مما روي عنهم (عليهم السلام).

فهل يُعقل أن الصادق (عليه السلام) استعمل في جوابه على سؤال الراوي مصطلحًا لم يحدث إلا بعده بقرون متمادية؟! وهم (عليهم السلام) قد أمرونا أن نكلم الناس على قدر عقولهم.

مناقشة الدليل الثالث 

وأما الدليل الثالث ففيه:

أولاً: أن كون هذا القيام والتعظيم سيرة تمام أبناء الشيعة في كل البلاد عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) مطلقًا كما يُستفاد من كلام المحدث النوري محل منع بالنسبة لذكره عجَّل الله فرجه بغير لقب (القائم).

إذ من المعلوم الواضح لكل أحد أن علماء الشيعة فضلاً عن عوامهم في كافة البلدان كثيرًا ما يذكرون إمامهم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في مجالسهم ومحافلهم وأدعيتهم وزياراتهم باسمه الشريف وكنيته المباركة وسائر ألقابه وما يدل عليه (عجل الله فرجه الشريف) بدون أن يقوموا، وأمّا استقرارهم على القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) في كافة البلاد لو تمّ فإنه مرتبط بذكره (عليه السلام) بخصوص لقب (القائم) كما هو مشاهد بوضوح في عصرنا الحاضر، ولا أقل من كون ذلك هو المتيقَّن من السيرة المدَّعاة في المقام.

وثانيًا: أنه لو سُلِّمت السيرة المذكورة على إطلاقها أو في خصوص لقب (القائم) فإنه لا يخفى أن الاستدلال بها على استحباب القيام في المقام يتوقف على إحراز اتصالها بزمان الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على ما هو مقرَّر في علم الأصول، وهو غير محرَز في المقام لو لم ندَّعِ أنه محرَز العدم، كيف ولا نجد لمثل هذه السيرة ولا لاستحباب القيام المذكور عينًا ولا أثرًا في كلمات أي من علمائنا المعاصرين للمحدِّث النوري أو المتقدِّمين عليه؟!

وعليه فلعلَّ منشأ السيرة المذكورة فتوى من عرفت باستحباب القيام المذكور فجرى عليه أتباعهم ومقلِّدوهم، ثم قلَّدهم غيرهم من العوام تسامحًا -كما هو ديدنهم- واستحسانًا منهم للفعل المذكور، أو ظنًا منهم بكون استحباب القيام في المقام مما أجمع عليه الأعلام، أو نحو ذلك مما لا يرجع إلى ثبوت استحباب القيام المذكور في الشريعة بالضرورة.

مناقشة الدليل الرابع 

وأما الدليل الرابع ففيه: أن قضية إنشاد دعبل (رحمه الله) تائيَّته المشهورة الإمامَ الرضا (عليه السلام) قد نقلها الصدوق (رحمه الله) في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)) ج ١ ص ٢٩٦-٢٩٧ بسند متصل صحيح، وإليك الرواية:

قضيَّة دعبل برواية الصدوق 

(حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول لما أنشدت مولاي الرضا (عليه السلام) قصيدتي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة
 

 

ومنزل وحي مقفر العرصات
 

فلما انتهيت إلى قولي:

خـروج إمـام لا محالة خـارج
يُميِّزُ فينا كـلَّ حـقٍّ وبـاطـلٍ
 

 

يـقوم على اسم الله والبركات
ويَجزي على النَّعـماءِ والنَّقِماتِ
 

بكى الرضا (عليه السلام) بكاء شديدًا ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا سيدي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهِّر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا، وأما (متى؟) فإخبار عن الوقت ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثَلُه مَثَلُ الساعة {لا يُجَلّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَالأَرضِ لا تَأْتيكُمْ إِلا بَغْتَةً}.

والرواية -كما ترى- غير مشتملة على قيامه (عليه السلام) ووضعه يده على رأسه الشريف، ولو أنه صدر منه (عليه السلام) ذلك لنقله لنا دعبل لكونه أمرًا لافتًا وذا دلالة على تأثُّره (عليه السلام) بسماع ذكر ولده المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أبلغ من بكائه وإطراقه برأسه الشريف اللذين نقلهما لنا بقوله: (بكى بكاءً شديدًا ثم رفع رأسه)، وعليه فسكوت دعبل عن نقل مثل هذا الأمر المهم مع نقله ما هو دونه في الأهمية يكون كاشفًا لا محالة عن عدم صدور هذا الفعل منه (عليه السلام). 

الإيراد الأوَّل: تعارض نقل الصدوق ونقل ابن عبد الجبار والأوالي لقضيَّة دعبل 

بناءً على ما قرَّبناه من دلالة سكوت دعبل عن نقل قيام الرضا (عليه السلام) في رواية الصدوق على عدم صدوره منه (عليه السلام)، فإنه لا تكون النسبة بين رواية الصدوق ورواية ابن عبد الجبار والأوالي لقضية دعبل نسبة الإجمال والتفصيل، وإغفال تفصيل هنا وذكره هناك، بل نسبة التنافي والتعارض، ومن الواضح أن روايتهما لا تقوى على معارضة رواية الصدوق لإرسالها وعدم وصولها إلينا بسند متصل، فضلاً عن أن يكون صحيحًا أو معتبرًا.

تعدّد الواقعة لا ينفع في دفع الإشكال 

قد يُقال: إن احتمال تعدد الواقعة وكون دعبل قد أنشد الرضا (عليه السلام) تائيَّته مرتين فقام (عليه السلام) في إحدى المرتين ولم يقُم في الأخرى يدفع إشكال التعارض.

ولكن يُجاب: بأنّ تعدُّد الواقعة في المقام لا مجال له وسيأتي منا بيان وجهه، على أنه على تقديره يؤيّد ما سيأتي منّا من كون قيامه (عليه السلام) -على فرض صدوره منه- قضية في واقعة وليس ناشئًا عن استحباب القيام المذكور بخصوصه للروايات الكثيرة التي ذكر فيها الحجَّة (عجل الله فرجه الشريف) عندهم (عليهم السلام) باللقب المذكور وبغيره من دون صدور القيام منهم.

الإيراد الثاني: لم يرِد في قصيدة دعبل قيام الرضا (عليه السلام) عند ذكر القائم (عجل الله فرجه الشريف)

لو تنزّلنا عن ضعف سند رواية ابن عبد الجبار والأوالي ومعارضتها بصحيحة الصدوق نقول: إنه لم يرد فيها أن دعبل ذكر الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في قصيدته بلقب (القائم) حتى تُجعل مدركًا لاستحباب القيام ووضع اليد على الرأس عند ذكره (عليه السلام) باللقب المذكور، وإنما بعدما أخبر دعبل بخروج إمام من آل محمد (عليهم السلام) في آخر الزمان وأن خروجه حتمي بقوله: (خروج إمام لا محالة خارج) وصفه بأنه: (يقوم على اسم الله والبركات) وأين هذا من ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) المُدَّعى كونه موضوع استحباب القيام المذكور؟!

الإيراد الثالث: قيام الرضا (عليه السلام) على تقديره يُحتمل كونه قضيَّة في واقعة 

لو تنزّلنا عن الإيرادين السابقين نقول: إن مجرد صدور القيام المذكور من الرضا (عليه السلام) عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) في مورد أو مجلس لا يدل على استحباب هذا الفعل بخصوصه، وأنه كلما ذُكر (عجل الله فرجه الشريف) يستحب القيام ووضع اليد على الرأس، إذ هو فعل أبكم لا لسان له حتى يُتمسَّك بإطلاقه أو عمومه، فيكون مجملاً من حيث احتمال كون منشئه استحباب القيام بخصوصه عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف)، أو أن الرضا (عليه السلام) أتى به بما هو من مصاديق احترامه وتعظيمه (عجل الله فرجه الشريف) الراجح والمطلوب شرعًا، بمعنى وجود مصلحة معيَّنة لاحظها الرضا (عليه السلام) اقتضت أن يصدر منه (عليه السلام) أعلى مظاهر الاحترام والتعظيم -القيام له (عجل الله فرجه الشريف)- في هذا المورد أو المجلس الخاص، ومع إجمال فعله (عليه السلام) يَقصُر عن إثبات الاستحباب المذكور ويكون المرجع فيه هو أصالة العدم على ما هو محقق في علم الأصول.

نعم لو أنه (عليه السلام) كان مستمرًا على الفعل المذكور بحيث إنه كان كلما ذُكر عنده ولده الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) كان يقوم ويضع يده على رأسه لدلَّ ذلك على استحباب هذا الفعل لا محالة كما لا يخفى، إلا أنه لم يُنقل لنا ذلك في شيء من الروايات عنهم (عليهم السلام)، كما أن القائل باستحباب القيام المذكور لم يدَّعِ ذلك.

تعيُّن كون قيام الرضا (عليه السلام) قضية في واقعة والروايات الدالَّة على ذلك

إن ما ذكرناه من احتمال كون قيام الإمام الرضا (عليه السلام) عند قول دعبل: (خروج إمام .. إلخ) قضيّةً في واقعة وليس ناشئًا عن وجود حكم باستحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) مطلقًا فضلاً عن استحبابه عند ذكر خصوص لقب (القائم) هو المتعين بلحاظ ما في الروايات الكثيرة من حكاية ذكره (عليه السلام) مطلقًا أو بخصوص لقب (القائم) عند الرضا (عليه السلام) أو عند بعض آبائه وأولاده المعصومين (عليهم السلام) من دون تعرُّض فيها إلى قيامهم ووضعهم اليد على الرأس أو أمرهم بذلك.

ولما كانت الروايات المشتملة على ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بغير لقب (القائم) تفوق حدَّ الإحصاء نقتصر على ذكر ما اشتمل على لفظ (القائم) منها:

الرواية الأولى: صحيحة دعبل المتقدِّمة بنقل الصدوق

ففضلاً عن أنها لم تتضمن قيامه (عليه السلام) عند قول دعبل (خروج إمام .. إلخ) فقد تضمّنت ذكر الرضا (عليه السلام) للقائم (عجل الله فرجه الشريف) مرتين: مرة على لسانه الشريف بقوله: (وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر)، وأخرى نقلاً عمن سأل جده المصطفى صلى الله عليه وآله قائلاً: (متى يخرج القائم من ذريّتك؟)، من دون تعرُّض إلى قيامه (عليه السلام) ووضعه يده على رأسه الشريف.

الرواية الثانية: صحيحة أخرى للصدوق 

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في عيون الأخبار ج٢ ص ٢٩٤-٢٩٥ رواية أخرى بسند صحيح قال: (حدثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق رضي الله عنهما قالا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه على علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بمرو فقال له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدًا قبلك، فقال (عليه السلام): هاتها فأنشده .. ولما انتهى إلى قوله:

وقبرٌ ببغداد لنفسٍ زكيةٍ
 

 

تضمّنها الرحمنُ في الغرفاتِ
 

قال له الرضا(عليه السلام): أفلا أُلحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟ فقال: بلى يا ابن رسول الله، فقال (عليه السلام):

وقبرٌ بـطوسٍ يا لها مـن مصيبةٍ
إلى الحشر حتى يبعث الله
 

 

تَوَقَّدُ في الأحشاء بالحرقاتِ
قائمًا يُـفرِّج عـنّا الهـمَّ والكُرُباتِ
 

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟

فقال الرضا (عليه السلام): قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورًا له، ثم نهض الرضا (عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه فدخل الدار..).

وهي مع اشتمالها على ذكر الرضا (عليه السلام) حفيده المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) فيما أنشأه من بيتين أكمل بهما قصيدة دعبل، لا على توصيفه (عجل الله فرجه الشريف) بأنه (يقوم على اسم الله والبركات) كما ورد على لسان دعبل في تائيَّته، إلا أنها لم تتضمن قيام الرضا (عليه السلام) ووضعه يده على رأسه الشريف، شأنها في ذلك شأن صحيحة الصدوق الأولى.

إيرادان على رواية ابن عبد الجبار والأوالي تضمنتهما صحيحتا الصدوق (قدس سره)

الإيراد الأول: نسبة روايتهما بيتَي الرضا (عليه السلام) إلى دعبل خلافًا لروايته

إن الصحيحة الثانية للصدوق صريحة في أن بيتَي:

وقبرٌ بـطوسٍ يا لها مـن مصيبةٍ
إلى الحشر حتى يبعث الله
 

 

تَوَقَّدُ في الأحشاء بالحرقاتِ
قائمًا يُـفرِّج عـنّا الهـمَّ والكُرُباتِ
 

أضافهما الرضا (ليه السلام) إلى قصيدة دعبل، حيث تضمَّنت قوله (عليه السلام) له: (أفلا أُلحق لك بهذا الموضع بيتين فيهما تمام قصيدتك).

مع أن رواية ابن عبد الجبار والأوالي صريحة في كونهما من إنشاء دعبل نفسه حيث ورد فيها أن (دعبل الخزاعي لما بلغ قوله في التائية

إلى الحشر حتى يبعث الله
 

 

قائمًا يفرِّج عنا الهمَّ والكُرُباتِ
 

قال من حضر مجلس الرضا (عليه السلام): لما نطق دعبل بهذا البيت تهلَّل وجه الرضا (عليه السلام)).

وهو أمر وإن كان في حدِّ نفسه ممكنًا إذ لعلّه (عليه السلام) كان قد أعلم دعبلاً أنه يموت بأرض طوس ويدفن فيها فنظم البيتين المذكورين، إلا أنه معارض بما في صحيحة الصدوق الثانية.

الإيراد الثاني: تضمن روايتهما حضور أبي الصلت خلافًا لروايته

إن أولى صحيحتي الصدوق صريحة في عدم حضور عبد السلام بن صالح (أبو الصلت) الهروي تلك الواقعة، وأنه إنما رواها عن دعبل، حيث ورد في صدرها قول أبي الصلت: (سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول لما أنشدت مولاي الرضا (عليه السلام) قصيدتي التي أولها مدارس آيات.

بينما يظهر من رواية ابن عبد الجبار والأوالي حضور أبي الصلت الهروي في تلك الواقعة وحكايته لفعله (عليه السلام) عن عيان، حيث ورد فيها ما لفظه: (قال أبو الصلت فلما سمع الإمام ذلك -أي قول دعبل-:

خروج إمام لا محالة خارج
 

 

يقوم على اسم الله والبركات
 

قام قائمًا على قدميه وطأطأ رأسه منحنيًا به إلي الأرض بعد أن وضع كفه اليمنى على هامته).

بل إن الرواية المذكورة صريحة في حضور أبي الصلت الواقعة المذكورة حيث ورد في صدرها على ما في "مؤجّج الأحزان" المطبوع بتحقيق السيد محمد الغريفي ص 45 قول المؤلِّف: (قال أبو الصلت: كنت جالسًا عند الرضا (عليه السلام) ومعه أصحابه .. إذ دخل عليه أبو نواس .. ثم دخل عليه دعبل الخزاعي .. وقال له .. إني مدحتك بقصيدة فهل تأمرني أن أنشدها بين يديك يا سيدي، فقال له الرضا (عليه السلام): هات ما عندك.

نتيجة الإيرادين

إن مخالفة رواية ابن عبد الجبار والأوالي لهاتين الصحيحتين في هذين التفصيلين مما يزيدها وهنًا إلى وهنها.

توجُّه ثاني الإيرادين على صحيحة الصدوق الأولى

قد يُقال: إن صحيحة الشيخ الصدوق (رحمه الله) الأولى ظاهرة في حضور أبي الصلت الواقعة المذكورة كذلك، حيث ورد في صدرها: (.. عن إبراهيم بن هاشم عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه على علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بمرو فقال له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدًا قبلك فقال (عليه السلام): هاتها، فأنشده مدارس آيات..).

دفع الإيراد عن الصحيحة المذكورة

نقول في جواب الإيراد المذكور: بعد صحة هذه الرواية سندًا وموافقتها لما في صحيحة الصدوق الأخرى حول هذه الواقعة فإنه لا يصعب حملُها على الإخبار سماعًا عن دعبل، فإنه لما كان دعبل ثقة جليل القدر أمكن لأبي الصلت حكاية ما أخبره به دعبل حول تلك الواقعة لإبراهيم بن هاشم على نحو الجزم، كما يحق لنا إذا بلغنا بطريق معتبر قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره أن نحكيَه على نحو الجزم فنقول: (قال أو فعل عليه السلام كذا ..)، إذ من آثار حجية الخبر جواز الإسناد إلى المعصوم.

نعم ظاهر الإخبار عن الواقع على نحو الجزم حصول العلم للمخبر به عن حسٍّ وعيان، ومع عدم ذلك وكون الواقع قد ثبت عنده بطريق معتبر يتعيَّن عليه نصب قرينة على ذلك، وإلا يكون مدلسًا في إخباره المذكور.

والقرينة على ذلك بالنسبة إلينا فيما نخبر به على نحو الجزم عنهم (عليهم السلام) متحققة، فإن طول الفاصلة الزمنية بيننا وبينهم (عليهم السلام) قرينة حالية متصلة بهذه الإخبارات صارفة لها عما هي ظاهرة فيه من الحس والعيان وموجبة لحملها على ثبوت تلك الوقائع عندنا بطريق معتبر.

والأمر كذلك بالنسبة للصحيحة التي نحن بصددها، فإنه وإن كان أبو الصلت معاصرًا لكل من دعبل والرضا (عليه السلام) إلا أنه من المعلوم لنا أنه قد أقام القرينة لإبراهيم بن هاشم على أن قوله له: (دخل دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه على علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ..) لم يكن عن حسٍّ وعيان بل سماعًا عن دعبل، وذلك أن صحيحة الصدوق الأخرى عن أبي الصلت التي تضمنت قوله: (سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول لما أنشدت مولاي الرضا (عليه السلام) قصيدتي ..)، والصريحة في عدم حضور أبي الصلت للواقعة المذكورة وكونه قد سمعها من دعبل قد رواها إبراهيم بن هاشم كذلك.

احتمال تعدُّد الواقعة يدفع كلا الإيرادين عن رواية ابن عبد الجبار والأوالي

إن احتمال تعدُّد الواقعة يدفع كلا الإشكالين عن رواية ابن عبد الجبار والأوالي، إذ لعل الإمام (عليه السلام) ألحق البيتين بقصيدة دعبل في المرة الأولى التي أنشده (عليه السلام) إياها ولم يحضر أبو الصلت هذه الواقعة بل رواها عن دعبل ونقلها لنا الصدوق، وفي المرة الثانية التي أنشده إياها أنشد البيتين اللذين كان قد أضافهما الإمام (عليه السلام) ضمن قصيدته وكان أبو الصلت حاضرًا هذه الواقعة فرواها لنا عن عيان ونقلها ابن عبد الجبار والأوالي.

دليلان على بطلان احتمال تعدُّد الواقعة وعدنا ببيانهما

تقدَّم منا الإشارة إلى أن تعدد الواقعة في المقام لا مجال للبناء عليه، مع أنه قد يُقال: أي بُعد في أن يُنشد دعبل الإمام (عليه السلام) قصيدته مرتين؟! وهذا ما يحتاج إلى شيء من البيان فنقول:

إن أصل إنشاد دعبلٍ الرضا (عليه السلام) قصيدته مرتين وإن كان أمرًا لا بُعد فيه إلا أنه في رواية الصدوق ورواية ابن عبد الجبار والأوالي أمران يشهدان بوحدة الواقعة فيهما.

الأول: أنه ورد في كلتيهما دخول دعبل على الإمام الرضا (عليه السلام) وإخباره بأنه قد نظم فيه قصيدة وطلبه الإذن بإنشادها. حيث ورد في صدر أولاهما قول دعبل له (عليه السلام): (إني قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدًا قبلك فقال عليه السلام: هاتها فأنشده ..)، وفي صدر الأخرى قوله له (عليه السلام): (إني مدحتك بقصيدة فهل تأمرني أن أنشدها بين يديك يا سيدي، فقال له الرضا (عليه السلام): هات ما عندك ..)، فهل يُعقل أن يدخل دعبل مرَّتين على الرضا (عليه السلام) وفي كل مرة يخبره أنه نظم فيه قصيدةً يريد أن يسمعَه إياها ثم يُنشده القصيدة نفسها؟.

والثاني: إن رواية الصدوق اشتملت على قوله (عليه السلام) لدعبل في هذا الموضع: (فهل تدري من هذا الامام؟ .. فقلت: لا يا سيدي إلا إني سمعت بخروج إمام منكم يطهِّر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جورا وظلمًا...).

ورواية (مؤجج الأحزان) على ما في المطبوع اشتملت أيضًا على قوله (عليه السلام) لدعبل عندما بلغ الموضع المذكور من قصيدته: (أتدري من هو إمامنا؟ قال: لا ولكني سمعت يا مولاي خبرًا يشعر بخروج إمام منكم يملأ الأرض قسطًا وعدلاً ..) وذكره (عليه السلام) له نسب ولده المهدي (عجل الله فرجه الشريف).

فهل يُعقل أنه في كلتا المرتين عندما يصل دعبل إلى قوله: (خروج إمام ..) يسأله الرضا (عليه السلام) إن كان يعرف هذا الإمام؟ ويجيب دعبل بالنفي، ثم يخبره (عليه السلام) بالأئمة من بعده إمامًا بعد إمام إلى المهدي (عجل الله فرجه الشريف)؟!.

وإنما أسهبنا في الكلام في قضية قيام الرضا (عليه السلام) عندما أنشده دعبل تائيَّته المشهورة لاشتهار الاستدلال بها على استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) على ألسنة بعض المحصِّلين، فأحببنا التنبيه على ما في الرواية الحاكية لذلك عنه (عليه السلام) من إشكالات سنديَّة ومتنيَّة.

عودٌ إلى الروايات الدالة على أن قيام الرضا (عليه السلام) على تقديره كان قضية في واقعة.

الرواية الثانية: ما رواه الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة) ص302 بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه ذكر القائم (عليه السلام) فقال: (أما ليغيبن حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد حاجة).

الرواية الثالثة: ما رواه النعماني في كتاب (الغيبة) ص156 بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن القائم إذا قام يقول الناس: أنى ذلك وقد بليت عظامه؟!.

الرواية الرابعة: في الكتاب المذكور أيضًا ص157 بإسناده عن حماد بن عبد الكريم الجلاب قال: (ذُكر القائم عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: أما إنه لو قد قام لقال الناس: أنى يكون هذا وقد بليت عظامه مذ كذا وكذا)؟!.

الرواية الخامسة: في أيضًا ص296 بإسناده عن معمر بن خلاد قال: (ذُكر القائم عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ، قالوا: وكيف؟ قال: لو قد خرج قائمنا عليه السلام لم يكن إلا العلق والعرق والنوم على السروج، وما لباس القائم (عليه السلام) إلا الغليظ، وما طعامه إلا الجشب). إلى غير ذلك مما يجده المتتبِّع.

النتيجة المستفادة من هذه الروايات

لو كان القيام مستحبًا عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) مطلقًا أو بلقب (القائم) لما تركوه (عليهم السلام) ولفعلوه ولو في بعض هذه الموارد الكثيرة، ولبيَّنوه لنا قولاً أو فعلاً، مع أنّا لا نجد له ذكرًا فيما نُقل عنهم (عليهم السلام) من أحاديث حول المهدي (عجل الله فرجه الشريف) سوى ما في ثاني روايتي (تنزيه الخاطر) ورواية ابن عبد الجبار والأوالي اللتين عرفت حالهما، وأنهما على تقدير تماميتهما لا بد من حملهما على القضية في واقعة.

نعم أولى روايتي (تنزيه الخاطر) لما كانت دلالتها على مشروعية القيام عند ذكر (القائم) (عجل الله فرجه الشريف) بالإمضاء والتقرير منه (عليه السلام) لا يمكن حملها على القضية في واقعة وتكون معارضة للروايات الخمس المتقدِّمة المسكوت فيها عن قيامهم (عليهم السلام) عند ذكر (القائم)، إلا أنها لو غُضَّ النظر عن قرائن الوضع فيها التي تقدَّم منا التنبيه عليها وسُلِّم كونها رواية عن الصادق (عليه السلام) فإنها لا تقوى لضعف إسنادها بالإرسال على معارضة هذه الروايات المستفيضة النقل، فضلاً عن أن تتقدَّم عليها.

رواية أخرى تحكي قيام الصادق (عليه السلام) أيضًا عند ذكر القائم (عجل الله فرجه الشريف)

نقل المحدث النوري (رحمه الله) في (النجم الثاقب) ص٤٤٤ عن بعضهم (أنه سأل العالم الجليل المتبحر سبط المحدث الجزائري عن ذلك فقال إنه وجد حديثًا مفاده أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان في مجلس فذكر اسم الإمام المهدي (عليه السلام) فقام الإمام الصادق إجلالاً وتعظيمًا له).

تعليقنا على هذه الرواية

نقول: إن هذه الرواية -بعد التنبيه على أنها اشتملت على قيامه (عليه السلام) عند ذكر الاسم الشريف لإمامنا المهدي (عجل الله فرجه الشريف) [أي محمد] لا لقب (القائم)- مُبتلاةٌ كسابقتيها بضعف إسنادها بالإرسال، وتفرُّد المحدِّث المذكور بنقلها، واحتمال كونها قضية في واقعة، بل ويتعيَّن فيها ذلك بلحاظ الروايات المتواترة التي تركوا فيها (عليهم السلام) القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) والتي اشتمل كثير منها على ذكره باسمه الشريف.

نتيجة البحث إلى هنا

اتَّضح مما تقدَّم: أنه من المطمأن به عدم وجود حكم استحبابي بالقيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) باسمه الشريف أو لقب (القائم) أو غير ذلك مما يدلّ على وجوده المقدَّس، ولو صحَّ قيام الصادق والرضا (عليهما السلام) المحكي في الروايات الثلاث المتقدِّمة فلا بدَّ من حمله على كونه قضية في واقعة.

الاستدلال على استحباب القيام بقاعدة التسامح في أدلة السنن

بقي في المقام أمر وهو أنه قد يُقال: بأن الروايات الآنفة الذكر وإن كانت ضعيفةً إلا أنه يمكن إثبات استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو باسمه الشريف أو مطلقًا عند من يقول بثبوت قاعدة التسامح في أدلة السنن واستفادتها من روايات (من بلغه) المستفيضة النقل، ولعل هذا هو مستند المحدِث النوري وصاحب مستدرك سفينة البحار فيما ذهبا إليه من استحباب القيام المذكور.

تخصيص استحباب القيام بلفظ القائم بناءً على قاعدة التسامح لا وجه له

نقول: إن الروايات المتقدِّمة لم تختص بنقل قيام المعصوم (عليه السلام) عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم)، بل نقل بعضها ذلك، ونقل بعضها الآخر قيامه (عليه السلام) عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) باسمه الشريف، وبعضها الثالث نقل قيامه (عليه السلام) عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) ببعض الصفات المنطبقة عليه بلا ذكر اسمه ولا لقبه، فلو كان مجرد ورود الخبر الضعيف بقيام المعصوم عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) كافيًا في الحكم بالاستحباب استنادًا إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن لما اختص الاستحباب بذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) ولعمَّ ذكره بأي نحو كان، ولتعيَّن الحكم باستحبابه مطلقًا كما هو ظاهر المحدِّث النوري، لا تخصيصه بذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) كما هو صريح صاحب السفينة.

الجواب الحَلَّي على الاستدلال المذكور

نقول: حتى بناء على ثبوت قاعدة التسامح -وتحقيق ذلك تفصيلاً موكل إلى محله من علم الأصول- لا مجال لإثبات الاستحباب بها في المقام، وذلك أن موضوع القاعدة المذكورة هو بلوغ الثواب على عملٍ، أي وصوله إلينا بنحوٍ نحتمل معه صدوره عن المعصوم (عليه السلام)، وهذا غير متحقق في المقام، فالروايات الآنفة الذكر بأجمعها لا تحقق موضوع القاعدة المذكورة.

أما أولى روايتي (تنزيه الخاطر): فللاطمئنان بعدم صدورها عن المعصوم (عليه السلام)، وهي بكلام بعض علماء الأعاجم أشبه منها بكلام سادة الأنام وأمراء الفصاحة والبيان (عليهم السلام) كما عرفت.

وأما الروايات الثلاث الأُخَر: فهي وإن كانت محتمَلة الصدور إلا أنها لم تتضمن الإخبار عن ترتب الثواب على القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف)، بل محض حكاية قيام المعصوم (عليه السلام)، وهو قضية في واقعة كما عرفت، وليس فيها دلالة على مطلوبية القيام ومشروعيته بخصوصه عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) وأنه مما يُثاب عليه بخصوصه. ولا أقل من كون قيامهما (عليهما السلام) فعلاً مجملاً لا لسان له -كما عرفت- فكما يُحتمل كونه ناشئًا عن استحباب القيام بخصوصه يُحتمل كونه قضية في واقعة، فيكون التمسك بقاعدة التسامح لإثبات استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بهذه الروايات تمسكًا بالقاعدة في الشبهة المصداقية لموضوعها، وهو باطل بالاتفاق.

دعوى كون القيام المذكور مشمولاً للوعد بالثواب في روايات (من بلغه)

إن قلت: رغم كل ما تقدَّم يبقى استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو مطلقًا محتملاً عقلاً، ولعل الأئمة (عليهم السلام) تركوا بيانه أو العمل به في الموارد الكثيرة المشار إليها لأسباب لم تصل إليها عقولنا، أو أنهم عملوا بالمستحب المذكور وبينوه لنا ولكن لم يصل ذلك إلينا، بل ضاع في جملة ما ضاع من أحاديث وروايات.

وعليه: فيستطيع المكلَّف أن يأتي بالقيام المذكور رجاءً وينال الثواب الذي يرجوه على القيام المذكور بمقتضى روايات (من بلغه) المشار إليها آنفًا، إذ هي على تقدير عدم دلالتها على قاعدة التسامح في أدلة السنن واستحباب العمل البالغ عليه الثواب بالعنوان الأولي أو بعنوان كونه مما بلغ عليه الثواب لا شك في مقام بيان أن الله يُعطي المكلَّف الثواب الذي يرجوه من وراء العمل إذا جاء به رجاءً وإن لم يكن الواقع على ما ظنَّه تفضلاً منه تعالى وشكرًا لعبده على حسن انقياده، وخصوصية بلوغ الثواب ملغاة عرفًا حيث يرون أن موضوع التفضُّل المذكور هو مجرَّد احتمال ترتب الثواب على العمل والإتيان به رجاءً لكونه انقيادًا للمولى، وأن بلوغ الثواب لا موضوعية له بل هو الطريق الغالب لتحقق رجاء الثواب، كما أن هذا هو المناسب لمقام الامتنان الذي وردت فيه الروايات المذكورة.

منع الكبرى التي تبتني عليها هذه الدعوى

نقول: الأصل في العنوان المأخوذ في لسان أي دليل أن له الموضوعية، وإلغاؤه يحتاج إلى دليل، وأنّى للعرف أن يقطع بأن دائرة امتنانه تعالى بوعده بإعطاء الثواب المرجو هي مطلق احتمال الثواب لا احتماله الناشئ من بلوغه عن المعصوم (عليه السلام) كما هو ظاهر بل صريح روايات (من بلغه)، ومجرد كون التعميم لمطلق الاحتمال أبلغ في الامتنان لا يقتضيه بعد كونه خلاف صريح هذه الروايات كما عرفت، بل في تحقق الامتنان بتعميم الوعد بالثواب إلى مطلق رجاء الثواب ولو من غير طريق البلوغ عنهم (عليهم السلام) نظرٌ، لتأديته إلى فتح باب العبث بالدين، إذ لكلٍّ محتملاتُه ومشتهياته التي يرجو الثواب عليها والتي لا تكاد تقف عند حدٍّ، فوعد الشارع بإعطاء الثواب المرجو على مراعاة مثل هذه المحتملات العقلية المحضة يؤدي إلى الهرج والمرج.

نعم، مثل هكذا احتمال يكفي في تسويغ الإتيان بالعمل رجاءً لصاحبه وفي خروج فعله عن كونه تشريعًا محرمًا، ولعل الله يعطيه الثواب الذي يحتمله على ذلك وإن لم يكن العمل مستحبًا واقعًا تفضلاً منه وكرمًا فإن الله عند حسن ظن عبده المؤمن به، إلا أن العمل المذكور لا يكون مستحبًا ولا مشمولاً للوعد بإعطاء الثواب المرجو في روايات (من بلغه) لعدم شمولها لمثل هذه الاحتمالات كما عرفت.

الوعد بالثواب في روايات (من بلغه) لا يلزم المولى به

إن محاولة إدراج القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) في البلوغ الذي هو موضوع روايات (من بلغه) إما بادِّعاء بلوغ الثواب عليه أو بادِّعاء عموم الروايات المذكورة لمطلق احتمال الثواب ولو بغير بلوغ منشؤه توهُّم أن مقتضى الروايات المذكورة لزوم إعطاء المكلف الثواب الذي بلغه على العمل فيما لو أتى به رجاء الثواب المذكور، بعد أن كانت ظاهرة في الوعد بالثواب على ذلك وكانت حجة شرعًا في مؤداها وكان الوفاء بالوعد لازمًا في حقِّه تعالى.

إلا أن التحقيق: أن ظاهر هذه الروايات حجة يمكن الاعتماد عليه في إثبات الحكم الشرعي والتعبد به بناء على كون مفاد هذه الروايات استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب بعوانه الأولي أو بعنوان كونه مما بلغ عليه الثواب، وأما بناء على أن هذه الروايات لا تفيد سوى الوعد بإعطاء العبد الثواب المذكور لحسن انقياده، فإن حسن الانقياد عقلي قطعي لا يختص بمورد بلوغ الثواب، ولا يمتاز المورد المذكور إلا بالوعد بفعلية الثواب فيه الذي تضمنته هذه الروايات، وليس الوعد المذكور حكما شرعيًا كي تنهض الحجة بإثباته وتحديد متعلَّقه، بل هو أمر واقعي لا دخل لقيام الحجة فيه بوجه.

ولا مجال لدعوى: أن قيام الحجة على الوعد بالثواب ملزم للمولى بتنفيذه وإن كانت الحجة مخطئة، وذلك لأن أدلة الحجية منصرفة إلى التعبد بمضمون الحجة في مقام العمل، المقتضي لمعذِّريتها ومنجزِّيتها، لا إلى التعهد بتنفيذ مؤداها وتحقيقه على كل حال وإن كانت مخطئة.

بل ليس ملاك لزوم تنفيذ الوعد بالثواب في ظرف قيام الحجة عليه إلا حسن الوفاء من المولى بوعده، فلو فرض خطأ الحجة وعدم صدور الوعد منه واقعًا فلا ملزم له بالتنفيذ.

ومن ثمَّّ كان ما تضمنته روايات (من بلغه) من إعطاء نفس الثواب البالغ وإن كان الخبر الوارد به كاذبًا تفضلاً ، غير لازم على المولى حتى لو كانت تلك الأخبار حجة في نفسها، ولا يلزم بمقتضى حجيتها.

نعم، قد تنفع روايات (من بلغه) في تقوية احتمال التفضل بالثواب البالغ الموجب لقوة الداعي للانقياد وإن لم يتيقن بترتب الثواب، كما قد يقوى الاحتمال المذكور لأسباب أخر غير هذه الأخبار، بل قد يقوى الداعي للانقياد مع ضعف الاحتمال المذكور لأهمية نفس الثواب البالغ.

وبناءً عليه: فحتى لو فرض بلوغ الثواب على القيام المذكور بالروايات الأربع المشار إليها آنفًا، أو فُرض عدم بلوغه أو الشك في ذلك ولكن قلنا باحتمال الثواب عليه عقلاً وشمول روايات من بلغه لمطلق الثواب المرجو ولو بغير بلوغ، فإن كلا الأمرين لا ينفع في لزوم إعطاء الثواب المرجو على القيام المذكور عليه تعالى، غايته أنه مع إتيانه بالقيام المذكور رجاءً يحتمل أن يتفضل الله عليه بالثواب الذي يرجوه على ذلك.

خلاصة البحث

تحصَّل من كلِّ ما تقدَّم: أنه لم يقم دليل على استحباب القيام ووضع اليد على الرأس عند ذكر إمامنا المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو باسمه الشريف فضلاً عن استحباب ذلك لمطلق ذكره، كما أنه لم يبلغنا الثواب على الفعل المذكور عنهم (عليهم السلام) حتى يكون مستحبًا بعنوانه أو بعنوان كونه مما بلغ عليه الثواب أو مشمولاً للوعد بإعطاء الثواب لمن أتى به رجاءً على الخلاف فيما هو المستفاد من روايات (من بلغه).

وحتى لو فرض بلوغ الثواب على القيام المذكور أو عموم روايات (من بلغه) لاحتمال الثواب ولو بغير بلوغ فإن الروايات المذكورة لا تلزم المولى بإعطاء الثواب المرجو لو أُتي بالقيام رجاء ذلك الثواب، لعدم استلزامها لصدور الوعد المذكور من الله تعالى واقعًا، إذ روايات (من بلغه) حتى لو فرض تواترها وكونها قطعيَّة الصدور، فهي ظنيَّة من حيث الدلالة على الوعد بالثواب على الانقياد للخبر الضعيف، لأن استفادة ذلك منها بتوسط إطلاق البلوغ موضوع الوعد الذي تضمَّنته، وهو وإن كان حجَّة بمقتضى حجيَّة الظهور الإطلاقي إلا أنه يُحتمل مخالفته للواقع واختصاص الوعد بالثواب بالبلوغ بطريق معتبر، فضلاً عن أن بعض العلماء منع من إطلاق البلوغ في الروايات المذكورة وادَّعى أن المتيقَّن منها هو البلوغ بطريق معتبر، وبعض آخر مع اعترافه بالإطلاق ادّعى أن ما دل على اشتراط الوثاقة في جواز العمل بالخبر يصلح لتقيد البلوغ موضوع الوعد بالثواب في روايات (من بلغه).

نعم من يحصل له مما تقدم احتمال استحباب القيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بلقب (القائم) أو باسمه الشريف أو مطلقًا، له أن يقوم رجاء أن يُثاب عليه بخصوصه، ويُحتمل أن الله يُعطيه الثواب الذي يرجوه على ذلك، فالله تعالى عند حسن ظن عبده المؤمن به، وهو أكرم الأكرمين.

ولعلَّ هذا هو مقصود بعض مراجع العصر (رحمه الله) من قوله في بعض استفتاءاته لما سُئل عن القيام لذكر الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ووضع اليد على الرأس وكذا القيام عند ذكر (القائم) أرواحنا فداه؟ فأجاب: (ما وجدنا في ذلك رواية معتبرة، ولكنه نُقل في بعض الكتب، وينبغي العمل به رجاءً للثواب، والله العالم).

وإن كان الأولى من ذلك أن يأتي المكلَّف بالقيام المذكور بما هو أبرز مصاديق احترامه وتوقيره وتبجيله (عجل الله فرجه الشريف) الذي لا إشكال في رجحانه وكونه من أعظم القربات إلى الله عزَّ وجل كما عرفت.

وأما ما يُتناقل على ألسنة بعض المؤمنين من احتياط بعض مراجع العصر وجوبًا بالقيام عند ذكره (عجل الله فرجه الشريف) بهذا اللقب فلم نعرف له وجهًا، وإن كنا لم نتحقق من صحة هذه النسبة.

والأغرب من ذلك ما ذُكر في ترجمة الشيخ عبد النبي العراقي (قدس سره) في مقدِّمة شرحه على العروة الوثقى، من أن له رسالة مخطوطة بعنوان (منية الطالب في لزوم القيام عند ذكر القائم) مما يظهر منه ذهابه إلى الوجوب في المقام، ولعلَّه اطلَّع في المقام على ما لم نطَّلع عليه في حدود بحثنا الذي قمنا به، والله تعالى العالم بحقائق الأمور، وهو سبحانه من وراء القصد.

نصيحة ختامية

وفي الختام أذكِّر نفسي وإخواني بأنَّ أبرزَ مظاهر احترام الإمام (عجل الله فرجه الشريف) وتبجيله التقيُّد بشريعةِ جدِّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) وتعاليم آبائه المعصومين (عليهم السلام)، وعدم العبث بها والزيادة عليها بالتشهِّي والاستحسان؛ امتثالاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه}.

ــــــــــــــ

الهوامش
 

1.- أي أن الرجحان الشرعي المسلّم إنما هو من جهة انطباق عنوان التعظيم على القيام ، فيكون القيام حينئذ راجحًا لرجحان التعظيم ، وليس هو الآن بصدد إثبات مشروعية القيام بالعنوان الآخر المستفاد من النصوص -أي القيام تعبدًا- (التحرير).

2.-  أي أن القيام ينطبق عليه عنوانان : عنوان التعظيم فيكون القيام حينئذ راجحًا لرجحان التعظيم ، وعنوان آخر مستفاد من النصوص  بحيث يكون موضوعًا لحكم خاص ولو كان لمجرد التعبد -شأن القيام حال تكبيرة الإحرام.

وعليه :  فقول الكاتب : (وأنَّ ثمة في المقام حكمًا شرعيًا ...) تفريع على احتمال كون القيام لخصوصية تعبدية في القيام نفسه لا لجهة كونه مصداقًا للتعظيم  (التحرير).

3.-  الحج 32.

 

 

 

دولة بني عمّار في طرابلس

إطلالة تاريخية

(الحلقة الثانية)

الشيخ نعيم نعمة

 

تمهيد

تعرضنا في الحلقة السابقة لنشأة هذه الدولة وتأسيسها وبعض إنجازاتها، وسوف نتابع في هذه الحلقة سرد الإنجازات العلمية لهذه الدولة، والظروف التي مرّت عليها، وكيفية سقوطها.

الدور العلمي لبني عمار

لم يغفل بنو عمار الحياة الثقافية والعلمية في طرابلس، لذا وضعوا نصب أعينهم هدفًا وسعوا للوصول إليه، وقد حققوا في هذا الإطار نجاحًا باهرًا، ولم يكن ذلك صعبًا عليهم بما أنهم قضاة وعلماء قبل أن يصبحوا أمراء، فسخّروا كل مقدراتهم من أجل بناء دور العلم والمدارس والمكتبات، ففتحوا أبوابهم لجذب العلماء إلى طرابلس، وأكرموهم منتهى الإكرام.

فقام أول ملوكهم أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار بتأسيس دار العلم، وجعل لطلاب العلم فيها رواتب، وفرّق على أهلها ذهبًا، وجعل لها نظّارًا يتولون القيام بذلك، فسنّ هذه السُنّة الحسنة التي سار عليها من جاء بعده.

وجدَّد جلال الدولة علي بن محمد بن عمار دار العلم وطورها، وزاد في اقتناء الكتب، وأصبحت مكتبة طرابلس تحوي أكثر من ثلاثة ملايين كتاب كما ذكر بعض المؤرخين.

وكان شعراء الشام يفدون لمدح أمراء بني عمار ونيل جوائزهم فيلقون الترحيب والتكريم، وكثرت حلقات التدريس، وازدحمت المدينة بأشهر الأعلام، من أدباء وفقهاء وشعراء ولغويين، وقصدها الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم ومذاهبهم، كما كان يفد إليها التجار والرحالة وطلبة العلم والعلماء من كل البلاد([1]).

كما كانوا يبعثون القضاة والخطباء الى المدن الشامية، ومن ذلك ما ذكره "ابن تغري بردي" في كتابه "النجوم الزاهرة" عن ابن تلتمش: [أنه عندما فتح حصن انطرطوس من الروم سنة 475هـ، بعث إلى صاحب طرابلس جلال الملك يطلب منه قاضيًا وخطيبًا ليقيم بها]([2]).

وازدهر علم الترجمة في زمن بني عمار، فترجمت الكثير من العلوم والآداب عن اللاتينية والفارسية وغيرهما إلى اللغة العربية، ومنها إلى اللغات الأخرى، كما شهد بذلك المستشرق (دي لاسي أوليري) في كتابه "علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب": [وساوت في ذلك كبريات الحواضر العربية، فكثر فيها المترجمون والنسّاخون والكتَّاب والخطاطون]([3]).

دار الحكمة في طرابلس

أنشأ بنو عمار في طرابلس مدرسة عرفت باسم "دار الحكمة" ضمت عددًا كبيرًا من طلاب العلم، حتى وقفت جنبًا إلى جنب مع "دار الحكمة" بمصر أيام الفاطميين، فنشرت العلوم والآداب والثقافة.

وإلى جانب طلاب العلم فقد كان يفد إليها العلماء لمراجعة المؤلفات لأشهر المؤلفين في العلوم والمعارف، كما كانت تعقد حلقات علمية لكبار العلماء ينضم اليها العلماء الوافدون إلى طرابلس للاستزادة من العلم.

وأصبحت طرابلس بذلك ميدان علم ودرس ومباراة في التعلم، ومركزًا من أعظم المراكز الشيعية في ذلك العصر([4])، وكعبة يحج إليها طلاب العلم للأخذ عن علمائها مختلف العلوم والفنون من فقه وحديث ولغة وأدب وفلسفة وهندسة وفلك وطب وغيره، وللاطلاع على المصنفات والمخطوطات العلمية والأدبية والدينية والفلسفية التي كانت تحتويها مكتبتها([5]).

وكانت بطرابلس عدة حلقات علمية يعقدها كبار العلماء، نذكر منهم المحدث المشهور "خيثمة بن سليمان القرشي الأطرابلسي" و"ابن أبي الخناجر الطرابلسي"، و"أحمد بن محمد الطليطلي"، الذي كانت له حلقة عامرة بالطلبة يلقي عليهم فيها دروسًا في العربية والأدب، وقد حضرها الشاعر "ابن الخياط" صاحب الديوان المعروف باسمه.

دار العلم في طرابلس

انفردت مدينة طرابلس دون غيرها من بلاد الشام، بقيام مكتبة كبرى فيها عُرفت بـ"دار العلم"، التي اعتبرت «أروع مكتبة في العالم]([6])، وكان الهدف من إنشاء هذه الدار سياسيًا ودينيًا، إلى جانب كونه عملاً إنسانيًا وحضاريًا عظيمًا لنشر العلم والمعرفة، فمن البديهي أن يبادر أول حكام طرابلس من أسرة بني عمار إلى إقامتها لتكون قاعدة سياسية ودينية وعلمية لنشر مذهبهم الشيعي وبث أفكارهم الدينية، ولتوطيد سلطانهم السياسي في طرابلس ونواحيها، بعد أن استقلت ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا عن مصر، إذ كان عليهم الوقوف أمام الدولة السنيّة المتمثلة بالدولة السلجوقية في العراق، لذا بادر أمين الدولة إلى وضع حجر الأساس لهذا الصرح العلمي فور استقلاله بطرابلس سنة 462هـ، أو قبل ذلك، حيث شغل أمين الدولة منصب القضاء في طرابلس عدة سنوات قبل أن يستقل بدولته، لذا عمل على تهيئة النواة الأولى لهذه المكتبة التي كان يحلم بها من الكتب التي جمعها بنفسه وأضاف إليها خزائن الكتب التي كان قد وقفها ذوو اليسار من أهل طرابلس([7]).

وجاء بعده جلال الملك فتصدى لجمع المكتبات الأهلية الموجودة في طرابلس والتي كانت تضم خزانات كتب موقوفة، إلى جانب مكتبة عمه أمين الدولة، وكوّن منها -ومن الكتب التي جمعها- دار كتب ضخمة، اهتم الكثير من المؤرخين بتعداد ما احتوته من المؤلفات، وفي عهده ازدحمت طرابلس بالعلماء والأدباء وطلاب العلم، حيث قصدها معظم أهل دمشق إبّان فتنة "أتسز بن آف بن الخوارزمي"([8]) الذي دخل دمشق سنة 468هـ([9]).

اهتمّ جلال الملك بهذه الدار، وأوقف على طلابها الجرايات، فكان يفرّق على أهلها ذهبًا تشجيعًا لهم. وكان يكلّف الناظر على الدار القيام بمهمة توزيع هذه الجراية، وكان الشاعر ابن الخياط ممن تصرف له تلك المنحة، وقد ذكر ذلك في ديوانه([10]).

وادعى بعض المؤرخين نسبة تأسيس دار العلم إلى جلال الدولة في سنة 472هـ([11])، ويدحض هذا القول روايتا «ابن شداد» و «ابن الفرات» من أن أمين الدولة كانت له دار علم فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفًا.

وليس عجيبًا أن تكثر المكتبات في طرابلس وأن تمتلئ بالكتب في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وفي القرن الذي تلاه، فقد كانت مصانع الورق التي تعمل في المدينة تمدّ المشتغلين ببيع أو نسخ أو تأليف الكتب بكمّيات موفورة من الورق بمختلف أنواعه المعروفة في ذلك الوقت من الكاغَذ، والطوامير، والقراطيس، إذ كانت تشتهر بصناعة الورق الجميل الذي يفوق السمرقندي جودة([12])، وكان لذلك أثره على حركة التأليف، والكتابة، والتجليد، والوراقة، فكثر الورّاقون الذين كانوا يعملون في تجليد الكتب على الطريقة الصينية وزخرفتها وتوشيحها بالخطوط الملوّنة، ووصلتنا أسماء عدة من الورّاقين بطرابلس، منهم أبو الحسن إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق الورّاق ويُعرف بـ"ورّاق الوزير"([13])، وأبو علي الحسن بن محمد بن هبة الله الطرابلسي الورّاق([14]).

يقول د. منصور سرحان مدير إدارة المكتبات العامة بدولة البحرين:

[أسس بنو عمار مكتبة ضخمة لهم في طرابلس بسورية تحمل اسمهم، غير أنهم جعلوها عامة فيما بعد وفتحت أبوابها لكل قارئ ومتحدث ودارس دون استثناء، وكانت الكتب في معظمها مجلدة تجليدًا فاخرًا، ومزخرفة بالذهب والفضة وقد قدّر شوشتري في كتابه "مختصر الثقافة الإسلامية" مقتنيات مكتبة بني عمار بثلاثة ملايين كتاب، وكان لها أكثر من مائة وثمانين ناسخًا يتناوبون العمل بالمكتبة ليلاً ونهارًا] ([15]).

ولا يمكننا أن نتصور هذا العدد الضخم من الكتب، إلا وهي موجودة في دار كبيرة تتسع لها، وأن هذه الدار كان يرتادها من يريد الاطلاع عليها، طالما أن الكتب التي بين جنباتها كانت كتبًا موقوفة.

وكانت المكتبات الكبرى في ذلك العصر توضع تحت إدارة ثلاثة أشخاص هم المشرف الأعلى ويسمى «الوكيل»، وأمين المكتبة ويسمى «الخازن»، ومساعد ويسمى «المشرف»، ويتولى إداراتها أشهر العلماء والأدباء والشخصيات البارزة في المجتمع([16])، وقد ذكر في كتب المؤرخين أسماء ثلاثة من نظار دار العلم وهم:

الحسين بن بِشْر بن علي بن بِشْر الطرابلسي المعروف بالقاضي.

أبو الفضل أسعد بن أحمد بن أبي رَوح القاضي الطرابلسي.

- أبو عبد الله أحمد بن محمد الطُليطلي النحوي، وسيأتي التعريف بهم بعد قليل.

نبذة عن بعض علماء طرابلس

- الشيخ الكراجكي

هو محمد بن علي بن أبي الفتح الكراجكي، كان عالمًا فاضلاً متكلمًا فقيهًا محدثًا ثقةً جليل القدر، تتلمذ على الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وسلار بن عبد العزيز الديلمي، والحسين بن عبيد الله الواسطي، وأبي الحسن بن شاذان القمي، سكن الرملة (فلسطين)، وأخذ عن بعض المشايخ في حلب والقاهرة ومكة وبغداد وغيرها من البلدان، لم تُعلم سنة ولادته، توفي في صور (لبنان) سنة ‏449هـ.

قال العلامة المجلسي (رحمه الله): وأما الكراجكي فهو من أجلّة العلماء والفقهاء والمتكلمين، وأسند إليه جميع أرباب الإجازات، وكتابه كنز الفوائد من الكتب المشهورة التي أخذ عنه جل من أتى بعده، وسائر كتبه في غاية المتانة([17]).

- القاضي ابن البراج

هو أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البرّاج، من كبار علماء الشيعة الإمامية وفُقهائهم ووجوههم، وخليفة الشيخ الطوسي بالفقه في البلاد الشامية، وُلد بمصر ونشأ بها، ثم رحل إلى العراق فقرأ على الشريف المرتضى سنة 429هـ/ 1038م، حتى توفي السيد المرتضى سنة 436هـ/1045م، ثم أكمل قراءته على الطوسي والكراجكي وتقي الدين ابن النجم الحلبي وغيره.

ثم دخل طرابلس في سنة 438ﻫ/1074م، وأقام فيها ما ينيف على الأربعين سنة، وعيّنه أميرها جلال الدولة ابن عمّار قاضيًا، فاستمر في منصبه عشرين عامًا، وقيل: ثلاثين عامًا، وكان يحضر مجلس جلال الدولة ويناظر العلماء أمامه في الفقه وغيره، وقد ناظر إمام المعتزلة عبد السلام القزويني.

تخرّج عليه الكثير من طلابه الذين نبغوا وصاروا أساتذة في اختصاصهم، ومنهم الفقيه الحسن بن بابويه والقاضي أسعد بن أبي رَوْح الطرابلسي، وغيرهما.

صنّف عدة كتب في علم الكلام وفي أصول الفقه وفروعه، منها: "المهذب" و"شرح جُمل العلم والعمل" لشيخه المرتضى، وكان الطوسي ألّف كتابه "الْجُمل والعقود في العبادات" بناء لطلب ابن البرّاج.

توفي بطرابلس ليلة الجمعة في التاسع من شعبان سنة 481 هـ، ودُفن في حجرة القاضي([18]).

- الحسين بن بشر بن علي بن بشر الطرابلسي

أحد علماء الشيعة في طرابلس وقضاتها، كان خطيبًا وبارعًا في المناظرة، نقل الكراجكي مناظرة له في الخطابة تفوَّق فيها على الخطيب البغدادي سنة 449هـ.

ذكره ابن أبي طي في رجال الشيعة وقال: [كان صاحب دار العلم بطرابلس، وله خطب يضاهي بها خطب ابن نباتة]. وله ذكر في ديوان عبد المحسن الصوري. ولم تعلم سنة وفاته([19]).

- أبو الفضل أسعد بن أحمد بن أبي رَوح

القاضي الفقيه، ناظر دار العلم بطرابلس، ورأس الشيعة في الشام، تفقّه على القاضي ابن البرّاج، ولما توفي شيخه خَلَفَه في القضاء سنة 481هـ / 1089م، وأصبح مرجعًا للإمامية.

عيّنه جلال الدولة ناظرًا على دار العلم، فبقي إلى عهد فخر الْمُلك، وعُقدت له حلقة الإقراء، وانفرد بالشام وطرابلس وفلسطين، وتخرّج عليه جماعة، منهم ابن مخلوف الراشدي المعروف بابن بركات الطرابلسي.

جمع فخر الْمُلك بينه وبين بعض فقهاء المالكية فتناظروا في مسائل فقهية وغيرها، منها تحريم الفقّاع، وحدوث القرآن، وأفعال الناس مخيّرة أم مسيّرة، وفي المتعة، فكانت له الغلبة عليهم.

له عدة مؤلفات، منها: "عيون الأدلّة في معرفة الله"، و"التبصرة في معرفة المذهبين: الشافعية والإمامية"، و"البيان في الخلاف بين الإمامية والنعمان"، و"المقتبس في الخلاف مع مالك بن أنس"، و"مسألة تحريم الفُقّاع" وغيرها.

انتقل ابن أبي روح في أواخر القرن الخامس الهجري من طرابلس إلى صيدا وأقام بها، ونقل معه مكتبته الخاصة -وكانت تحتوي على أكثر من أربعة آلاف مجلّد- ولكنها ضاعت من جرّاء الحروب الصليبية، بقي في صيدا إلى أن احتلها الصليبيون، فانتقل منها إلى دمشق وتوفي فيها نحو سنة 520هـ/1126م([20]).

- أبو عبد الله أحمد بن محمد الطليطُلي

هاجر إلى طرابلس في عهد أميرها جلال الدولة ابن عمار سنة (478هـ-1085م) بعد سقوط طليطلة في الأندلس بأيدي القشتاليين، فاحتضنه وجعله متوليًا لدار العلم، وبقي في منصبه حتى سقطت طرابلس بأيدي الصليبيين سنة 502 هـ/1109م. وأخذوه أسيرًا، فافتداه أمير شيْزَر واستضافه عنده ليكون أستاذًا لابنه الأمير أسامة بن منقذ، وكان من تلامذته الأمير سلطان بن علي بن مقلد بن منقذ.

كان الطُليطُلي من الحفَظَة المُكثرين، ويتمتع بملكة نادرة وذاكرة قوية في حفظ نصوص الكتب والمتون، وقد أشار الأمير أسامة بن منقذ إلى ذلك في كتابه "الاعتبار" عندما اختبره في قوة حفظه([21]).

بقي الطُليطُلي مقيمًا في شيْزَر([22]) حتى عُرف بنزيلها، إلى أن توفي سنة 512هـ/ 1019م تقريبًا.

بداية حصار دولة بني عمار

استطاعت هذه الدولة الفتية أن تصمد في وجه التحديات التي واجهتها أيام الحصار الصليبي عشر سنوات تقريبًا، ولكنها ابتليت بقلة الناصر وكثرة الأعداء، لذلك أفل نجمها باكرًا ولم يكتب لها البقاء.

ففي سنة 495هـ بدأ حصار الإفرنج لطرابلس، وفي هذه السنة بدأ عهد انتقال بني عمار من الكتاب إلى السيف، فأعدوا العدة لحصار طويل، وبعد مرور سنة كاملة على الحصار كانت مهمة فخر الملك فيها مزدوجة ذات شقين: شق دفاعي وشق هجومي، فهو يقف في وجه اقتحام الصليبيين لمدينته فيقاتلهم دفاعًا عنها، ثم هو ينفذ بمراكبه من بين سفن الصليبيين المحاصرة له، فيهاجم الصليبيين في ما يحتلونه من بقاع، فكان فخر الملك بطل الدفاع والهجوم معًا، وكان "العماريون" أهله يشدون من أزره، وشعبه الطرابلسي يصبر ويصابر معه.

وقد تناول ابن الأثير هذه القضية بشيء من التفصيل في تاريخه حيث يقول([23]):

[عندما وصل القائد الصليبي"صنجيل" (ريموند دي سان جيل) إلى مشارف الشام كان أول من أدرك الخطر الصليبي فخر الملك بن عمار، فصمم على الإعداد لهذا الخطر قبل أن يتغلغل في البلاد الشامية، وذلك بالدعوة إلى حلف إسلامي يقف في وجهه، فراسل الأمير "ياخز" في حمص والملك "دقاق بن تتش" في دمشق يقول لهما: من الصواب أن يعاجل صنجيل إذ هو في هذه العدة القريبة، فاستجابا له، فخرج الأمير "ياخز" بنفسه وسيّر "دقاق" ألفي مقاتل، وخرجت الامدادات الطرابلسية فاجتمعوا على باب طرابلس وصافوا "صنجيل" هناك].

ويقول ابن الأثير، في أحداث سنة 496هـ:

 [وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام، والمواد تأتيها، وبها فخر الملك بن عمار، وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج ويقتلون من وجدوا، ويقصد بذلك أن يخلو السواد ممن يزرع لتقلَّ المواد من الفرنج فيرحلوا عنه].

ثم تأتي سنة 497هـ، فيقول ابن الأثير: [في هذه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة اللاذقية فيها التجار والأجناد والحجاج وغير ذلك، واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس، فحاصروها معه برًا وبحرًا وضايقوها وقاتلوها أيامًا، فلم يروا فيها مطمعًا فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل...].

سنتان مرتا وفخر الملك محاصر في مدينته، وهو صامد يدافع عنها دفاع الأبطال، ويستعين الأعداء بقوى جديدة فلا ينالون من صموده منالاً.

وفي سنة 499 هـ يقول ابن الاثير: كان صنجيل قد ملك مدينة جبلة، وأقام على طرابلس يحاصرها فحيث لم يقدر أن يملكها، بنى بالقرب منها حصنًا وبنى تحته ربضًا، وأقام مُراصدًا لها، ومنتظرًا وجود فرصة فيها، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس فأحرق ربضه ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرقة ومعه جماعة من القمامصة والفرسان فانخسف بهم فمرض صنجيل ومات بعد عشرة أيام، فحمل إلى القدس ودفن فيه.

ثم إن ملك الروم أمر أصحابه باللاذقية ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس فحملوها في البحر، فأخرج إليها فخر الملك بن عمار أسطولاً فجرى بينهم وبين الروم قتال شديد، فظفر المسلمون بقطعة من الروم فأخذوها وأسروا من كان بها وعادوا.

ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدمت الأقوات بها وخاف أهلها على نفوسهم وأولادهم وحرمهم، فجلا الفقراء وافتقر الأغنياء، وظهر من ابن عمار صبر عظيم وشجاعة ورأي سديد، ومما أضر بالمسلمين فيها أن صاحبها استنجد بـ"سقمان بن أرتق" فجمع العساكر وسار إليه، فمات في الطريق.

وأجرى فخر الملك ابن عمار الجرايات على الجند والضعفاء فلما قلّت الأموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد فأخذ من رجلين من الأغنياء مالاً مع غيرهما فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا: إن صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم، وذكروا له أنه تأتيه الميرة من عرقة والجبل، فجعل الفرنج جمعًا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد فأرسل ابن عمار وبذل للفرنج مالاً كثيرًا ليسلموا الرجلين إليه فلم يفعلوا فوضع عليهما من قتلهما غيلة].

ويظهر من هذا أن ابن عمار لم يكن بطلاً شجاعًا فقط، بل كان إلى ذلك حازمًا بعيد النظر، محكم التدبير، جلدًا أمام الاهوال، فلم يشغله ما هو فيه عن التفكير في أمر هذين الخائنين، فصمم على معاقبتهما لأن تركهما سليمين يشجع أمثالهما على الخيانة فأحكم تدبير أمر اغتيالهما، واستطاع اختراق صفوف أعدائه والوصول الى اغتيالهما، وفي هذا ما فيه من قوة العزم وسداد الرأي وإحكام الأمر، حتى لا يتجرأ أحد على الخيانة والركون إلى أعداء الله.

يقول المؤرخون: اجتمع على منازلة طرابلس كل من"برتران" الابن الاكبر لريموند الصنجيلي، ودوليم غوردان، ابن اخت ريموند المذكور، و"تانكريد" امير انطاكية واللاذقية و"بلدوين" ملك بيت المقدس، و"بلدوين" كونت الرها و"غوسلين" أمير قلعة تل باشر.

وكانت القوى المهاجمة للمدينة تتألف من 4000 فارس بروفنسي قدموا مع برتران، وعدد كبير من الجنوية جاءوا بعشرين سفينة، إلى جانب سفن برتران وعددها أربعون، و500 فارس أتى بهم بلدوين ملك القدس، إلى جانب عدد كبير من الرجالة و700 فارس من خيرة فرسان تانكريد، بالاضافة إلى بلدوين كونت الرها، وجوسلين وحرسيهما، ثم جموع المردة ومن أتى من جبل لبنان.

كان هذا الجمع قد تجمع على طرابلس بعد ان كلّت قواها بعد عشر سنوات من الحصار المضروب والقتال الدائم، وكان هو الذي دخل طرابلس.

توجّه فخر الملك إلى بغداد

بعد أن اشتد الحصار على طرابلس، آيس فخر الملك من قدرته على الصمود فترة أطول، فاستحسن الذهاب إلى بغداد لطلب المعونة من الدولة السلجوقية، لذا توجه مسرعًا وكله أمل أن يجد عندهم ما يفيده، ولكن الأمور جرت بعكس ما كان يتمنى، لأن السلاجقة بالرغم من أنهم وعدوه بالمساعدة ولكن الفاطميين استولوا على طرابلس، وقبضوا على بني عمار، وحملوهم إلى مصر بدل أن ينقذوها من أيدي الصليبيين، وتركوا فيها حامية ضعيفة مما جعل طرابلس لقمة سائغة أمامهم، وهذا ما يشير إليه ابن كثير فيقول:

[في هذه السنة -أي 501هـ- في شهر رمضان ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد قاصدًا باب السلطان محمد، مستنفرًا على الفرنج طالبًا تسيير العساكر لإزاحتهم، والذي حثّه على ذلك أنه لما طال حصر الفرنج لمدينة طرابلس على ما ذكرناه ضاقت عليه الأقوات وقلّت، واشتد الأمر عليه وعلى أهل البلد، فمنَّ الله عليهم سنة خمسمائة بميرة في البحر من جزيرة قبرص وأنطاكية وجزائر البنادقة، فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد بعد أن كانوا استسلموا‏.‏

فلما وصل إلى بغداد أمر السلطان الأمراء كافة بتلقيه وإكرامه، ولما اجتمع بالسلطان قدّم هديته وسأله السلطان عن حاله وما يعانيه في مجاهدة الكفار ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم، فذكر له حاله وقوة عدوه وطول حصره وطلب النجدة، وضمن أنه إذا سيّرت العساكر معه أوصل إليهم جميع ما يلتمسونه، فوعده السلطان بذلك، وأرسل معه جيشًا بقيادة الأمير حسين بن أتابك قتلغ تكين، وخلع عليه السلطان خلعًا نفيسة وأعطاه شيئًا كثيرًا وودّعه، وسار ومعه الأمير حسين، فلم يجدِ ذلك نفعًا].

سقوط الدولة

بعد توجه فخر الملك إلى بغداد وانقلاب ابن عمه عليه، راسل بعض أهل طرابلس "الأفضل" أمير الجيوش بمصر يلتمسون منه واليًا يكون عندهم ومعه الميرة في البحر، فسيّر إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليًا ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في الحصار، فلما صار فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه وأخذ ما وجده من ذخائره وآلاته وغير ذلك وحمل الجميع إلى مصر في البحر([24])‏، ومن غير المعروف إن كان بقي بطرابلس أحد من الأندلسيين أو المغاربة إبان سقوطها بيد الفرنج وطوال مدة حكمهم لها، من أواخر 502- 688هـ/1109-1289م.

قال ابن الأثير في حوادث سنة 501هـ: فيها قدم فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد للاستنجاد على الفرنج، فاستناب بطرابلس ابن عمه ذا المناقب وأمره بالمقام بها، ورتب معه الأجناد برًا وبحرًا وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفًا، وجعل كل موضع إلى من يقوم بحفظه بحيث ان ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ذلك وسار إلى دمشق، فأظهر ابن عمه الخلاف له والعصيان عليه ونادى بشعار المصريين، فلما عرف فخر الملك ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله إلى حصن الخوابي ففعلوا ما أمرهم].

ويقول ابن شداد في كتابه الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة متحدثًا عن سقوط طرابلس: [... نزل عليها صنجيل بجموعه في شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وأناخ عليها بخيله ورجله، فبعث فخرُ الملك إلى الملوك بالهدايا والتحف يستنجدهم، ويستصرخهم، فلم يُعنْهُ أحد منهم، فلما لم يرَ منهم معاضدةً ولا مساعدةً، رغب إلى "صنجيل" في رحيله عنه، وبذل له أموالاً وبعث إليه ميرة، وتضرع جهده، فلم ينفعه ذلك عنده، فلما ضاق بالحصار ذرعًا وعجز عن دفع العدوّ عنه، خرج من أطرابلس قاصدًا السلطان محمود بن ملكشاه واستناب فيها ابن عمّه "أبا المناقب" ورتّب معه سعد الدولة فتيان بن الأعسر، ونفق في الجند ستة أشهر، فجلس أبو المناقب في بعض الأيام في مجلسه وعنده وجوه أهل أطرابلس، فخلط في كلامه فنهاه سعد الدولة، فصاح، وقال: "لا يا سيدي، لا يا سيدي"، فجرّد أبو المناقب سيفه وضرب سعدَ الدولة فقتله، وانهزم من كان في المجلس، فقطّع سعد الدولة إربًا إربًا، فقام أهلُ البلد وقبضوا عليه، واعتقلوه، ونادوا بشعار الأفضل ابن أمير الجيوش، وذلك في شهر رمضان سنة خمسمائة وواحد للهجرة.

ولما بلغ الأفضل ما فعله أهل أطرابلس جهّز إليهم جيشًا في البحر، وجعل مُقدّمهُ تاج العجم، فعمد تاج العجم إلى أخذ جميع أمواله، وما يحفظ البلد، فرقي إلى الأفضل أنه يريد العصيان بأطرابلس، فقبض على ما كان حمله في المراكب، وولّى بدر الدولة ابن الطيب الدمشقي، فوصل إلى أطرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم من طول الحصار، ثم رأوا من تخلّفه ما رغّبهم عنه ونفّرهم منه فعوّلوا على طرده، ثم رأوا إبقاءه لأنهم لا ملجأ لهم إلا المصريين.

ووصلت من مصر مراكب بالغلات والرجال، فاعتقل بدر الدولة أعيان البلد وأصحاب فخر الملك وحريمه، فأخذهم وسيّرهم في المراكب إلى مصر، وبعث معهم ما كان بأطرابلس من السلاح والذخائر والأموال، فاعتقل أهل بني عّمار بمصر.

ولم تزل الفرنج على طرابلس مجدّين في حصارها، وأهلها يتكرر استصراخهم إلى الملوك ولا يجابون، وضعفوا عن مدافعة العدو وممانعته، وعمل الفرنج أبراجًا وأسندوها إلى السور، وأشرفوا بها على البلد وأوصلوا منها النكاية إلى كل أحد، فطلبوا الأمان فأجيبوا.

واستعجل بعض الجند في النزول إلى البر قبل إحكام عَقد الأيمان، فدخل الفرنج من حيث خرج الجندي، فقتلوا وسبَوا من كان فيها، وأخذوا ما لا يحصى من السلاح والمال. وذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة بعد أن حاصروها سبع سنين وأربعة أشهر]([25]).

الافتراء على فخر الملك

بالرغم من كل ما فعله فخر الملك لرد هجمات الصليبيين نجد بعض الكتاب يحيكون القصص حول خيانته، وأنه السبب في سقوط طرابلس، حيث ذكر د. راغب السرجاني في كتابه الطريق إلى بيت المقدس، تحت عنوان "الصليبييون وتواطؤ العبيديين الشيعة" استنادًا إلى كتاب اسمه "أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص274" لكاتب مجهول([26]) ما نصّه:

[ثم مرَّ الجيش الصليبي على مدينة طرابُلُس اللُّبنانيَّة، وكانت هذه المدينة مقرَّ حُكم أحد العائلات الشيعيَّة، وهي عائلة بني عمَّار، وحاكمها في ذلك الوقت هو فخر الملك أبو عليّ، ومع كونها شيعيَّة إلا أنها كانت منشقَّة عن الدولة العبيدية بمصر، وكانت هذه المدينة تُسيطر على عدَّة مدن وقرى مجاورة مكوِّنة بذلك إمارة واسعة نسبيًّا، تحكم عدَّة مناطق في لُبنان وسوريا.

قرَّر فخر الملك أبو علي بن عمار أن يُهَادن الصليبيين، فرفع أعلامهم على أسوار مدينته دلالة تبعيته لهم، وأقرَّ بدفع جزية لهم...].

وما ذكره ليس له شاهد في كتب المؤرخين، بل الشواهد على خلافه، وقد تقدم الكلام عن صمود ابن عمار وتخاذل السلاجقة وغيرهم عن التصدي للغزاة، وأن فخر الملك كان أول من تنبّه إلى خطر الصليبيين ولكنه لم يجد آذانًا صاغية، ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه رفع أعلام الاستسلام غير ذلك المؤلف المجهول.

ولست أدري كيف يسوّغ د. السرجاني لنفسه أن يهمل كل أقوال المؤرخين المتقدم ذكرها وغيرها، ثم يعتمد بعد ذلك على (مؤلف مجهول). ولكن ما يهون الخطب أن هذه ليست أول تهمة تلصق بالشيعة زورًا وبهتانًا، فقد افترى عليهم بعض من كتب عن سقوط بغداد بيد المغول، حيث اعتبر أن الشيعة هم السبب في ذلك، للتغطية على فساد الخليفة في ذلك الوقت، والأعجب من ذلك أن هذه الافتراءات تجد من يتلقفها ويروج لها وإن كانت بعيدة عن روح البحث الموضوعي التي ينبغي أن يتصف بها الباحث.

حرق مكتبة بني عمار

بعد سقوط طرابلس بيد الصليبيين لم يكتفِ هؤلا الغزاة بالاستيلاء على دولة بني عمار، بل عمدوا وبكل وحشية إلى تخريب هذه الدولة والتنكيل بأهلها، فقتلوا رجالها وسبوا نساءها، وقضوا على كل ما يمثل تقدمًا وتحضرًا فيها، وكان أبرز ما خربوه هو دار العلم فيها، فقد عمدوا إلى إحراقها تعصبًا وكرهًا للإسلام.

ولم أعثر في كتب التاريخ التي بحثت فيها من يذكر كيفية إحراقهم للمكتبة سوى ما ذكره د. منصور سرحان مدير إدارة المكتبات العامة بدولة البحرين حول سبب حرق مكتبة بني عمار، حيث اعتبر أن الصليبيين توهموا بأن جميع محتويات المكتبة هي نسخ القرآن الكريم، حيث يقول:

[إنه من الفواجع التي لحقت بالمكتبات الخاصة في العصور الإسلامية مكتبة بني عمار في القرن العاشر الميلادي، فعند احتلال طرابلس دخل أحد القساوسة ويدعى الكونت "برتر امسنت جيل" مبنى المكتبة -وكان يرافق الحملة الصليبية- وتجوّل في القاعة المخصصة للقرآن الكريم، فاعتقد أن المكتبة بجميع قاعاتها مخصصة للقرآن الكريم فقط، فأعطى أوامره بحرقها، وأدّى حرقها إلى القضاء على الكثير من الكتب والمراجع القيمة وضياعها، ما أوجد فراغًا في المكتبة العربية الإسلامية آنذاك]([27]).

مصير فخر الملك

وكان فخر الملك لما خرج من طرابلس سار في البحر إلى بيروت، وقصد دمشق فالتقى بأتابك طغتكين، ثم توجه إلى بغداد والتقى بالسلطان، وأقام عنده إلى أن أنس من نصرته، لكن لما بلغه رجوعُ طرابلس إلى المصريين، ونقل حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه، انكفأ راجعًا إلى دمشق فدخلها في النصف من المحرم سنة اثنتين وخمسمائة هجرية، وقصد صاحبها طغتكين فأكرمه وأقطعه بلادًا كثيرة، فأكرمه وأحسن لقياه، وسأله أن يعينه إلى الوصول إلى "جبلة" فأجابه، وسيّر معه عسكرًا إليها فدخلها، ثم توجه إلى مصر سنة 516هـ بعد أن اشتدّ الأمر عليه، وسلّم نفسه للدولة الفاطمية بعد مضي حوالي أربعة عشر سنة.

يقول د عمر عبد السلام تدمري: [أما بنو عمار، فقد انقرض وجودهم فيها قبل سقوطها بقليل؛ إذ أرسل الأفضل وزير مصر أحد الولاة فحمل أهل فخر الملك ابن عمار وأصحابه جميعًا إلى مصر في البحر سنة 502 هـ. فيما كان فخر الملك ينتقل بين جبلة وشيزر ودمشق وبغداد والموصل وماردين، قبل أن يعود إلى مصر في سنة 516هـ/1123م ويعلن ولاءه للخليفة الفاطمي الآمر بالله]([28]).

 ويذكر المقريزي في أحداث شهر صفر سنة 516هـ: [فيه وصل فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن عمار صاحب طرابلس إلى مصر، وقال في كتابه الذي رفعه إلى الخليفة الآمر بأحكام الله: [والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلا وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحق به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، وفخر يكفّر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنّة كريمة، وإن خفف عنه فتخليده في السجن أحب إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدولة].

فلما عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كل الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود، فقال الوزير المأمون بن البطائحي للخليفة: [قد أجلّ الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه، وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، فإن العفو زكاة القدرة عليه، ويشمله ما شمل أمثاله].

فأعجب الخليفة الآمر ذلك، وخرج الأمر بأن تُعدَّد على ابن عمار ذنوبُه وذنوبُ أسلافه، ويقال له: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك. فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له: قد غفر ذنبك وأنت مخيّر بين أمرين؛ إما أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإما أن تؤثر الإقامة بفناء الدولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك، وتترك التعرض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات.

فلما خوطب بذلك قبّل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلما خوطب في رفعه، قال: لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زماني وتمتلئ مسامعي بألفاظ مغفرته. فبلّغته الحضرة ما تمناه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار أعدت له، وجعل فيها شهوات السمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرّد برسم خدمته حاجب معه عدة مستخدمين، فأقام أيامًا يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التي لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله، وقرّر له راتبًا في كل شهر، ستون دينارًا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التحف المستظرفة ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له في المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة حمدت منه، فاستمر إليه الإحسان؛ وصار يركب في يومي الركوب ويومي السلام وغيرهما].

خاتمة البحث

بعد هذه القراءة السريعة لتاريخ هذه الدولة أرجو أن أكون قد ساهمتُ ولو قليلاً في نفض غبار النسيان عن بعض صفحات التاريخ الإسلامي، بعد أن أضأتُ للقارئ الكريم على هذه الحقبة التي قلما تذكر في زماننا، ولا أخاله إلا فخورًا بهذه الدولة التي قامت في طرابلس، التي وإن انهارت بسرعة، إلا أنها تركت بصماتها الواضحة في الفكر الإسلامي والعمران والسياسة والاقتصاد والفنون الحربية طوال نصف قرن تقريبًا.

ولا أخفي عليكم كم اعتصرتني الحسرة على ما أصابها، لأنها دولة جديرة بالاحترام، وأن ينحنى لها بإجلال، فقد كانت كوكبًا في سماء المنطقة وشمسًا كشفت ظلمة ديجورها، ولكن السياسة والتعصب الأعمى، إضافة إلى تخاذل السلاجقة وضُعف الفاطميين وحصار الصليبيين، كلّ ذلك كان أقوى من قدرتها على التحمل فانهارت، وتغير عند ذلك الكثير من الأمور، وتشتت شمل الشيعة في المنطقة، وحلَّ بهم البلاء فلم يبقَ إلا بعض القرى الشيعية المتناثرة في تلك المنطقة.


ــــــــــــــــ

الهوامش

 ([1])الحياة الثقافية في طرابلس الشام، ص14.

([2]) النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ج5، ص113.

 ([3])علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب، دي لاسي أوليري، ترجمة د. وهيب كامل، راجعه زكي علي، ص266، مكتبة النهضة المصرية 1962م.

4.)) راجع: خطط الشام، محمد كرد علي، ج4، ص38، دمشق 1925م.

([5]) الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام، أحمد بدوي، ص29، طباعة مصر.

([6]) راجع: تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رنسيمان، ترجمة د. العريني، ج2، ص113، بيروت 1969.

([7]) هذه الكتب الموقوفة هي التي كان يتردّد إليها أبو العلاء المعرّي ولم يفارقها إلا بعد أن جاءه نعيُ أبيه في سنة 377هـ/987م، كما يذكر القفطي في كتابه إنباه الرواة، ج1، ص50: أن أبا العلاء حضر خزانة الكتب التي بيد عبد السلام البصري -وكان يتولى النظر في دار العلم ببغداد- وطلب منه معرفة أسماء ما تحتويه من كتب، فقرأ له أسماءها، فلم يستغرب أبو العلاء منها شيئًا لم يقف عليه بخزائن طرابلس سوى كتاب واحد هو "ديوان تيم اللاّت" فاستعاره منه. راجع.

([8]) أتسز بن أوف الخوارزمي السلجوقي، المعروف بالإقسيس، ويلقب بالملك المعظم، أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي [ ابن ألب ارسلان]، وهو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين، وأزال الأذان منها بـ"حي على خير العمل"، بعد أن كان يؤذن به. (راجع: البداية والنهاية، ابن كثير، أحداث سنة 464هـ؛ وراجع: سير اعلام النبلاء، الذهبي، ج18، ص431).

([9]) مجلة المجمع العلمي العربي، (تقديم لديوان ابن الخياط)، خليل مردم بك، ج3 من المجلد33، ص358، دمشق، عدد تموز 1958.

([10]) ديوان ابن الخياط ـ خليل مردم بك ـ ص 121ـ دمشق 1958.

([11]) طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، د. السيد عبد العزيز سالم، ص385، الإسكندرية 1967م.

([12]) سفرنامة، ناصر خسرو، ص47.

([13]) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج4، ص327.

([14]) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الطهراني، ج1، ص273، طبقات أعلام الشيعة، الطهراني، ج2، ص189.

([15]) في محاضرة ألقاها في بيت القرآن في البحرين بتاريخ (24-10-2009م)، تحت عنوان "حرق الكتب وتدمير المكتبات وراء تخلف الأمة العربية!! ضياع 8 ملايين كتاب عربي بسبب الجهل والتعصب والغزو الأجنبي".

([16]) تراثنا بين ماض وحاضر، بنت الشاطئ، ص 126.

([17]) بحار الأنوار، ج1 ص35. وراجع ترجمته في "أعيان الشيعة" و"أمل الآمل" و"الكنى والألقاب" و"الفوائد الرجالية" وغيرها من كتب التراجم

([18]) رجال السيد بحر العلوم، ج 3، ص 61-63 و233؛ فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم، ابن بابويه، ص107، رقم 218؛ معالم العلماء، ابن شهرآشوب، ص80.

([19]) راجع: أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج5، ص462.

([20]) راجع: تاريخ الإسلام، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري، رقم193، بتصرف

([21]) راجع: الحياة الثقافية في طرابلس الشام، ص 14.

([22]) قلعة شيزر هي قلعة سورية تقع في شيزر على مسافة 30 كم شمال غرب مدينة حماة، وقد شيدت القلعة على أكمة صخرية تحاذي نهر العاصي من الغرب، وورد اسمها بين أسماء المدن السورية القديمة باسم سيزار وسنزار، وقد سميت في الفترة السلجوقية باسم لاريسا، ولكن السوريين أعادوا إليها اسمها القديم "شيزر".

([23]) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج١٠، ص٤١٢.

([24]) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج4 ص232 "ذكر قدوم ابن عمار بغداد مستنفرًا".

([25]) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، ابن شداد، ج1، ص79-80.

([26]) د. راغب السرجاني، الطريق إلى بيت المقدس، تحت عنوان "الصليبييون وتواطؤ العبيديين الشيعة" ص66، أعمال الفرنجة وحجاج بيت ‏المقدس، ترجمة حسن حبشي، ص274 القاهرة، 1958م.

([27]) في محاضرة ألقاها في بيت القرآن في البحرين بتاريخ 24-10-2009 تحت عنوان "حرق الكتب وتدمير المكتبات وراء تخلف الأمة العربية!!ضياع 8 ملايين كتاب عربي بسبب الجهل والتعصب والغزو الأجنبي".

([28]) المغاربة في بلاد الشام، د.عمر عبد السلام تدمري، ص76.

 

 

 

 

 

الوهابية وأصول الاعتقاد

الشيخ محمد جواد البلاغي

 

 

اخترنا هذا البحث للعلامة المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (رحمه الله) (1352هـ)، -تحقيق السيد محمد علي الحكيم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث- نظرًا لأهميته وتجدّد موضوعه. وقد قام بنشره مركز الأبحاث العقائدية.

(التحرير)

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله أجمعين.

وبعد، فقد عثرت في بعض الجرائد([1]) على سؤال نصه هذا:

"غادر مكة في شهر رمضان الماضي الشيخ عبد الله بن بليهد، قاضي قضاة الوهابيين في الحجاز، قاصدًا المدينة المنورة، وقد تلقت جريدة أم القرى من مكاتبها في المدينة أن الشيخ ابن بليهد اجتمع بعلماء المدينة وباحثهم في أمور كثيرة، ثم وجَّه إليهم السؤال الآتي:

بسم الله الرحمن الرحيم، ما قول علماء المدينة المنورة -زادهم الله فهمًا وعلمًا- في البناء على القبور واتخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟

وإذا كان غير جائز، بل ممنوع منهي عنه نهيًا شديدًا، فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا؟

وإذا كان البناء في مسبلة -كالبقيع- وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه، لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم، أم لا؟

وما يفعله الجهال عند هذه الضرائح، من التمسح بها، ودعائها مع الله، والتقرُّب بالذبح والنذر لها، وإيقاد السرج عليها، هل هو جائز أم لا؟

وما يفعل عند حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من التوجه إليها عند الدعاء وغيره، والطواف بها وتقبيلها والتمسح بها، وكذلك ما يفعل في المسجد الشريف، من الترحيم والتذكير بين الأذان والإقامة وقبل الفجر ويوم الجمعة، هل هو مشروع أم لا؟

أفتونا مأجورين، وبيّنوا لنا الأدلة المستند إليها، لا زلتم ملجأ للمستفيدين".

وهذا نص الجواب:

"أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعًا، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، وبهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين على ذلك بحديث علي (رضي الله عنه) أنه قال لأبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) رواه مسلم([2]).

وأما اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها فممنوع مطلقًا، وإيقاد السرج عليها ممنوع أيضًا، لحديث ابن عباس: (لعن رسول الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أهل السنن([3]).

وأما ما يفعله الجهال عند الضرائح، من التمسح بها، والتقرب إليها بالذبائح والنذور، ودعاء أهلها مع الله، فهو حرام، ممنوع شرعًا، لا يجوز فعله أصلاً.

وأما التوجه إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم عند الدعاء، فالأولى منعه، كما هو معروف من فقرات كتب المذهب، ولأن أفضل الجهات جهة القبلة.

وأما الطواف بها والتمسح بها وتقبيلها، فهو ممنوع مطلقًا.

وأما ما يفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة، فهو مُحدَث.

هذا ما وصل إليه علمنا السقيم".

ويلي ذلك توقيع 15 عالمًا.

وقد علَّقت جريدة "أم القرى" على هذه الفتوى بمقالة افتتاحية قائلة: "إن الحكومة ستسير في تنفيذ أحكام الدين، رضي الناس أم كرهوا"! انتهى.

واطلعتُ أيضًا على مقالة في بعض الجرائد المصرية([4])، وهذا نصّها:

"تغلَّب الوهابيون على الحجاز، فأوفدت حكومة إيران وفدًا -على رأسه حضرات أصحاب السعادة: ميرزا غفار خان جلال السلطنة، وزيرها المفوض في مصر، وميرزا حبيب الله خان هويدا عين الملك، قنصلها الجنرال([5]) بالشام- إلى الحجاز، ليتبينوا وجه الحقيقة فيما أذيع على العالم الإسلامي أجمع من فظائع الوهابيين في البلاد المقدسة، وأتم هذا الوفد الرسمي مهمته، ورفع تقريره إلى حكومته.

ولمّا تجدّد نشر الإشاعات بأن الوهابيين هم هم. وأن التطور الذي غشي العالم أجمع لم يُصلِح من فساد تطرفهم شيئًا. وأنهم هدموا القباب والمزارات المباركة المنبثة في أرجاء ذلك الوادي المقدس. وأنهم ضيقوا الحرية المذهبية الإسلامية، نشرًا لمذهبهم، وتوسيعًا لنطاق نحلتهم، في الوقت الذي تقوم فيه جميع حكومات العالم على رعاية الحريات المذهبية. أصدرت([6]) أمرها بوقف التصريح بالسفر للحجاز، حماية لرعاياها، وحفظًا لهم من قصد بلاد لم يعرف تمامًا كنه الحكم فيها.

وعادت فأوفدت سعادة ميرزا حبيب الله خان هويدا -قنصلها الجنرال([7]) في الشام- ثانية، للتحقق من مبلغ صدق تلك الإشاعات، فإذا بها صحيحة في جملتها!

لم تمنع الحكومة الإيرانية رعاياها من السفر إلى الحجاز لأن حكومته وهابية فحسب، ولكن الإيرانيين ألِفوا في الحج والزيارة شؤونًا يعتقدون أنها من مستلزمات أداء ذلك الركن، ويشاركهم في ذلك جمهور المسلمين من غير الوهابيين، كزيارة مشاهد أهل البيت، والاستمداد من نفحاتهم، وزيارة مسجد منسوب للإمام علي (عليه السلام).

وقد قضى الوهابي على تلك الآثار جملة، وقضى رجاله -وكل فرد منهم حكومة قائمة- على الحرية المذهبية. فمن قرأ الفاتحة على مشهد من المشاهد، جُلِد. ومن دخَّن سيجارة أو نرجيلة، أُهين وضُرب وَزُجَّ في السجن، في الوقت الذي تحصّل فيه إدارة الجمارك الحجازية رسومًا على واردات البلاد من الدخان والتمباك. ومن استنجد بالرسول المجتبى عليه صلوات الله وسلامه بقوله: (يا رسول الله) عُدَّ مُشرِكًا. ومن أقسم بالنبي أو بآله، عُدّ خارجًا عن سياج الملة.

وما حادثة السيد أحمد الشريف السنوسي([8]) -وهو علم من أعلام المسلمين المجاهدين- ببعيدة، إذ كان وقوفه وقراءته الفاتحة على ضريح السيدة خديجة رضوان الله عليها، سببًا كافيًا في نظر الوهابيين لإخراجه من الحجاز.

كل هذا حاصل في الحجاز لا ينكره أحد، ولا يستطيع الوهابي ولا دعاته ولا جنوده أن يكذّبوه". انتهى ما أردنا نقله من تلك الجريدة.

فرأيت أن أتكلم معهم بكلمات وجيزة، جارية في نهج الانصاف، خالية عن الجور والتعصب والاعتساف، سالكًا سبيل الرفق والاعتدال، ناكبًا عن طريق الخرق والجدال، فما المقصود إلا هداية العباد، والله وليّ الرشاد.

ثم إنا نتكلم فيما طعن به الوهابيون على سائر المسلمين في ضمن فصول، والله المستعان.

واجتنبت فيه عن الفحش في المقال، والطعن والوقيعة والجدال.

هذا، والجرح لمّا يندمل، وإن القلوب لحرّى، والعيون لعبرى، على الرزية التي عمّت الإسلام والمسلمين، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. ويا لها من رزية جليلة! ومصيبة فاظعة([9]) فادحة! وثلمة عظيمة في الإسلام أليمة فجيعة!

كحلت بمقطرك العين عماية
 

 

وأجلّ وقعك كل أذن تسمع([10])
 

وعلى الجملة: فقد هدموا شعائر الدين، وجرحوا قلوب المسلمين، بفتوى خمسة عشر، تشهد القرائن بأنهم مجبورون مضطرون على هاتيك الفتيا! ويشهد نفس السؤال -أيضًا- بذلك، حيث إن السائل يعلّمهم الجواب في ضمن السؤال بقول: "وإذا كان غير جائز، بل ممنوع منهي عنه نهيًا شديدًا"! ويومئ إليه -أيضًا- ما في الجريدة، أنه اجتمع إليهم أولاً، وباحثهم ثانيًا، ومن بعد ذلك وجَّه إليهم السؤال المزبور!

ولقد حدثني بعض الثقات من أهل العلم -بعد رجوعه من المدينة- عن بعض علمائها، أنه قال: إن الوهابية أوعدوني وعالمِيَن غيري بالقتل والنهب والنفي (على مساعدتهم)([11]) في الجواب، فلم نفعل.

هذي المنازل بالغميم فنادها
 

 

واسكب سخي العين بعد جمادها([12])

 

الفصل الأول: في توحيد الله في العبادة

اعلم أن من ضروريات الدين، والمتفق عليه بين جميع طبقات المسلمين، بل من أعظم أركان أصول الدين: اختصاص العبادة بالله رب العالمين، فلا يستحقها غيره، ولا يجوز إيقاعها لغيره، ومن عبد غيره فهو كافر مشرك، سواء عبد الأصنام، أو عبد أشرف الملائكة، أو أفضل الأنام.

وهذا لا يرتاب فيه أحد ممن عرف دين الإسلام.

وكيف يرتاب؟! وهو يقرأ في كل يوم عشر مرات: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}([13]).

ويقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ([14]).

ويقرأ في سورة يوسف: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}([15]).

ويقرأ في سورة النحل: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}([16]).

ويقرأ في سورة التوبة: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}([17]).

ويقرأ في سورة البقرة: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهًا وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}([18]).

ويقرأ في سورة الأعراف: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا...} -إلى قوله عز من قائل:- {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ}([19]).

ويقرأ في سورة الزمر: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}([20]).

ويقرأ فيها: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ}([21]).

ويقرأ فيها: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي}([22]).

ويقرأ في سورة النساء: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}([23]).

ويقرأ في سورة هود: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}([24]).

ويقرأ في سورة العنكبوت: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}([25]).

إلى غير ذلك من الآيات الفرقانية، والأحاديث المتواترة([26]).

لكن العبادة -كما هو المفسر في لسان المفسرين، وأهل العربية، وعلماء الإسلام-: غاية الخضوع، كالسجود، والركوع، ووضع الخدِّ على التراب والرماد تواضعًا، وأشباه ذلك، كما يفعله عبَّاد الأصنام لأصنامهم([27]).

وأما زيارة القبور والتمسح بها وتقبيلها والتبرك بها، فليس من ذلك في شيء كما هو واضح، بل ليس فيها شيء من الخضوع فضلاً عن كونها غاية الخضوع.

مع أن مطلق الخضوع -كما عرفت- ليس بعبادة، وإلا لكان جميع الناس مشركين حتى الوهابيين! فإنهم يخضعون للرؤساء والأمراء والكبراء بعض الخضوع، ويخضع الأبناء للآباء، والخدم للمخدومين، والعبيد للموالي، وكل طبقة من طبقات الناس للتي فوقها، فيخضعون إليهم بعض الخضوع، ويتواضعون لهم بعض التواضع.

هذا، وقد قال الله عز من قائل في تعليم الحكمة: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}([28]). أترى الله حين أمر بالخضوع للوالدين أمر بعبادتهما؟!

ويقول سبحانه: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ..} إلى آخرها([29]). أليس هذا خضوعًا وتواضعًا؟! أترى الله سبحانه أمر بعبادة نبيه؟!

أوليس التواضع من الأخلاق الجميلة الزكية، وهو متضمن لشيء من الخضوع لا محالة؟!

أَوَتَرى الله نهى أن يصنع بأنبيائه وأوليائه نظير ما أمر أن يصنع بسائر المسلمين من التواضع والخضوع؟!

وقد كان الصحابة يتواضعون للنبي (صلى الله عليه وآله)، ويخضعون له، وذلك من المسلَّمات بين أهل السِيَر والأخبار.

بل روى البخاري في صحيحه: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة. قال شعبة: وزاد فيه عون: عن أبيه، عن أبي جحيفة، قال: كان تمر([30]) من ورائها المرأة. وقام الناس فجعلوا يأخذون يده([31]) فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك"([32]).

زيارة القبور:

وأما الأخبار الدالة على زيارة القبور فنذكر عدة منها، وإن كان لا حاجة إلى ذكرها لوضوح المسألة، حتى أن الوهابيين - أيضًا- غير مانعين عن أصل الزيارة:

* فروى البخاري عنه (صلى الله عليه وآله)، أنه "خرج يومًا فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر..." إلى آخره([33]).

* وروى فيه عن أنس، قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري..." إلى آخره([34]) ولم ينهها عن زيارة القبر.

* وروى الدارقطني في السنن وغيرها، والبيهقي، وغيرهما، من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زار قبري وجبت له شفاعتي"([35]).

* وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر، مرفوعا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "من جاءني زائرًا ليس له حاجة إلا زيارتي، كان حقًا عليّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة"([36]).

* وعن ليث ومجاهد، عن [ابن] عمر، مرفوعًا، قال صلى الله عليه وسلم: "من حج وزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي"([37]).

* وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من زارني كنت له شهيدًا أو شفيعًا"([38]).

* وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من حج [البيت] ولم يزرني فقد جفاني"([39]).

* وعن أبي هريرة، مرفوعًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني حيًا"([40]).

* وعن أنس، مرفوعًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، [قال]: "من زارني ميتًا كمن زارني حيًا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة"([41]).

* وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني"([42]).

إلى غير ذلك من الأحاديث التي يجوز مجموعها حد المتواتر.

* وفي "الموطأ" أن ابن عمر كان يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلِّم عليه وعند أبي بكر وعمر([43]).

* وسئل نافع: هل كان [ابن] عمر يسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟

فقال: رأيته مائة مرة أو أكثر يسلّم على النبي وعلى أبي بكر([44]).

قال عياض: زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سُنّة أجمع عليها المسلمون([45]).

* وروى بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"([46]).

* وعن بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى المقابر قال: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين". رواه مسلم([47]).

* وعن ابن عباس، أن النبي [كان] يخرج إلى البقيع آخر الليل فيقول: "السلام عليكم..." الخبر. رواه مسلم([48]).

التبرك بالقبور:

وأما التبرك بالقبور وتقبيلها والتمسح بها:

فقد نقل عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "العلل والسؤالات" قال: سألت أبي عن الرجل يمسُّ منبر رسول الله يتبرّك بمسّه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله، فقال: لا بأس به([49]).

ونقل عن مالك التبرك بالقبر([50]).

وروي عن يحيى بن سعيد -شيخ مالك- أنه حينما أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر وتمسّح به([51]).

ونقل السبكي رواية ليحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباتة، عن كثير بن يزيد، عن المطلب بن عبد الله، قال: أقبل مروان بن الحكم وإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته وقال: ما تصنع؟!

فقال: إني لم آتِ الحجر ولا اللبن، إنما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم([52]).

وذكر رواية أحمد، قال: وكان الرجل أبا أيوب الأنصاري([53]).

* ونقل هذه الرواية أحمد، وزاد فيها أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا ولّوه أهله، وابكوا عليه إذا وليه غير أهله([54]).

وذكر ابن حماد أن ابن عمر كان يضع يده اليمنى على القبر([55]).

ولو رمنا ذكر جميع الأحاديث لخرجنا من حد الاختصار، وفيما ذكر كفاية، فضلاً عن سيرة المسلمين.

وما عرفت من أن تلك الأمور خارجة عن حقيقة العبادة، فإذا لا وجه للمنع عنها وإن لم يكن دليل عليها.

هذا، وقد قال الله عز وجل: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}([56]).

الفصل الثاني: في توحيد الله سبحانه في الأفعال

اعلم أن من ضروريات دين الإسلام، والمجمع عليه بين جميع الفرق المنتحلة لدين سيد الأنام، بل ومن أعظم أركان التوحيد: توحيد الله عز وجل في تدبير العالم، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، إلى غير ذلك مما يرجع إلى تدبير العالم، كتسخير الكواكب، وجعل الليل والنهار، والظلم والأنوار، وإجراء البحار، وإنزال الأمطار، وغير ذلك مما لا نحصيه ولا نحيط به.

وبالجملة: لا كلام بين طوائف أهل الإسلام، أن المدبر لهذا النظام، هو الله الملك العلام، وحده وحده.

وكيف يرتاب مسلم في ذلك؟! وهو يقرأ في كل يوم مرارًا من الفرقان العظيم: {اللَّهُ الصَّمَدُ}([57]).

ويقرأ قوله عز من قائل: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([58]).

وقوله سبحانه: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}([59]).

وقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }([60]).

وقوله عز اسمه: {إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}([61]).

وقوله عظم سلطانه: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء}([62]).

وقوله جلّ شأنه: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}([63]).

وقوله عزّ جبروته: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}([64]).

وقوله جلّ وعزّ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}([65]).

وقوله عمَّ إحسانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}([66]).

وقوله جلت قدرته: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}([67]).

وقوله تعالى شأنه: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}([68]).

وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}([69]).

وقوله تعالى من قائل: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى}([70]).

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

التوسل والاستغاثة والاستشفاع:

لكن التوسل بغير الله سبحانه، والاستغاثة، والاستشفاع -المعمولة عند المسلمين، في جميع الأزمان، بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء- ليس بمعنى التشريك في أفعال الله تعالى.

بل الغرض أن يفعل الله فعله ويقضي الحاجة ببركتهم وشفاعتهم، حيث إنهم مقرّبون لديه، مكرمون عنده، ولا مانع من أن يكونوا سببًا ووسيلة لجريان فيضه.

هذا، ومن المركوز في طباع البشر توسلهم في حوائجهم التي يطلبونها من العظماء والملوك والأمراء إلى المخصوصين بحضرتهم، ويرون هذا وسيلة لنجح حاجتهم، وليس ذلك تشريكًا لذلك المخصوص مع ذاك الأمير أصلاً.

فلماذا يُعزَل أنبياء الله والأولياء من مثل ما يصنع بمخصوصي العظماء؟! إِنْ هذا إلا اختلاق، وقد قال الله عز وجل: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ([71]).

فاستثنى، وقال سبحانه: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} ([72]).

ومما ذُكر ظهر أن قول القاضي: "ودعائها مع الله" يعني الضرائح، افتراء على المسلمين من جهتين:

الأولى: دعوى تشريك غير الله معه في الدعاء:

مع أنهم لا يدعون إلا الله الواحد القهار، ويتوسلون بأوليائه إليه.

وإن كان المراد أنهم يدعون الله عز وجل لقضاء الحاجات، ويدعون أولياءه ليكونوا شفعاء لديه سبحانه، فاختلفت جهتا الدعوة، فهذا حق وصدق، ولا مانع منه أصلاً.

بل الوهابية ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: لا ضرورة في استنجاح الحاجة عنده إلى شفيع! ولا حسن في ذلك، ويرون ذلك أمرًا مرغوبًا مطلوبًا بالنسبة إلى غيره سبحانه! فإذا كان لهم حاجة إلى الناس، يتوسلون في نجاحها إلى المقربين لديهم، ولا يرون في ذلك بأسًا! فما بال الله عز وجل يقصر به عما يصنع بعباده؟!

الجهة الثانية: إضافة الدعوة إلى الضرائح:

والحال أنهم لا يدعون الضريح للشفاعة، بل يدعون صاحب الضريح، لأنه ذو مكان مكين عند الله وإن كان متوفى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ ...}([73]).

وبالجملة: فالتوسل وطلب الشفاعة من أولياء الله أمر مرغوب فيه عقلاً وشرعًا، وقد جرت سيرة المسلمين عليه قديمًا وحديثًا.

* فعن أنس بن مالك، أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع الله. فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة. فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تهدّمت البيوت وتقطّعت السبل وهلكت المواشي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانجابت عن المدينة انجياب الثوب".

رواه البخاري في الصحيح([74])، وروى عدة أحاديث في هذا المعنى يشبه بعضها بعضًا([75]).

* وفيه أيضًا: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، [حدثنا حرمي]، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "قالت أمّي: يا رسول الله، خادمك [أنس]، ادع الله له.

قال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته"([76]).

* وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: "ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع.

فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة"([77]).

* وروى البيهقي، أنه جاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، استقِ لأمتك، فسقوا([78]).

* وروى الطبراني وابن المقرئ وأبو الشيخ، أنهم كانوا جياعًا، فجاؤوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، الجوع الجوع، فأشبعوا([79]).

* ونقل أن آدم لما اقترف الخطيئة قال: يا ربي أسألك بحق محمد لما غفرت لي.

فقال: يا آدم، كيف عرفته؟

قال: لأنك لما خلقتني نظرت إلى العرش فوجدت مكتوبا فيه: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فرأيت اسمه مقرونًا مع اسمك، فعرفته أحبّ الخلق إليك. صحّحه الحاكم([80]).

* وعن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت. قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ ويدعو بهذا الدعاء:

"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إنني توجهت بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي. اللهم شفعه". رواه الترمذي والنسائي([81])، وصحّحه البيهقي وزاد: فقام وأبصر([82]).

* ونقل الطبراني، عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: اذهب وتوضأ وقل:... وذكر نحو ما ذكر الضرير.

قال: فصنع ذلك، فجاء البواب فأخذه وأدخله إلى عثمان، فأمسكه على الطنفسة وقضى حاجته([83]).

* وفي رواية الحافظ، عن ابن عباس، أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعمِّ نبينا، ونستشفع بشيبته، فَسُقوا([84]).


يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) هي جريدة "أم القرى" العدد 69، بتاريخ 17 شوال 1344 ه‍. وهذا مما أفادني به سماحة العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي دام بقاؤه.

([2]) صحيح مسلم 2/666 ح93 ب31؛ كما ورد الحديث باختلاف يسير في بعض ألفاظه في المصادر التالية: مسند أحمد 1/96 و129؛ سنن النسائي 4/88؛ سنن أبي داود 3/215 ح3218؛ سنن الترمذي 3/366 ح1049 ب56.

([3]) سنن أبي داود 3/218 ح3236؛ سنن النسائي 4/95.

([4]) هي جريدة "المقطم" في عددها الصادر في 22 شوال سنة 1344 ه‍.

([5]) أي: القنصل العام.

([6]) جواب "لما" المتقدمة.

([7]) أي: القنصل العام.

([8]) هو السيد أحمد الشريف بن محمد بن محمد بن علي السنوسي (1284-1351هـ) ولد وتفقّه في "الجغبوب" من أعمال ليبيا، قاتل الإيطاليين في حربهم مع الدولة العثمانية سنة 1339ه‍، دعي إلى إسلامبول بعد عقد الصلح بين إيطاليا والعثمانيين ثم رحل منها إلى الحجاز، كان من أنبل الناس جلالة قدر وسراوة حال ورجاحة عقل، وكان على علم غزير، وقد صنَّف في أوقات فراغه كتبًا عديدة. انظر: الأعلام 1/135.

([9]) كذا في الأصل، ولعلها: "قاطعة"، والأصوب لغة أن تكون: "فظيعة".

([10]) من قصيدة لدعبل الخزاعي، يرثي بها سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وقد ورد البيت باختلاف في بعض ألفاظه في الديوان المطبوع ومصادر أخرى هكذا:

كحلت بمنظرك العيون عماية

 

 

وأصمَّ نعيك كل أذن تسمع

 

انظر: ديوان دعبل: 226؛ معجم الأدباء 11/110 و3/129 وفيه: "رزؤك" بدل "نعيك" ولم يسمِّ قائله هنا؛ الحماسة البصرية 1/201.

([11]) كذا في الأصل، والصواب: "إن لم نساعدهم".

([12]) مطلع قصيدة للشريف الرضي، يرثي بها سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام)، في يوم عاشوراء سنة 391 ه‍. انظر: ديوان الشريف الرضي 1/360.

([13]) سورة الفاتحة: 5.

([14]) سورة الكافرون: 1-6.

([15]) سورة يوسف: 40.

([16]) سورة النحل: 35.

([17]) سورة التوبة: 31.

([18]) سورة البقرة: 133.

([19]) سورة الأعراف: 65-70.

([20]) سورة الزمر: 3.

([21]) سورة الزمر: 65 و66.

([22]) سورة الزمر: 14.

([23]) سورة النساء: 36.

([24]) سوره هود: 2.

([25]) سورة العنكبوت: 56.

([26]) انظر ذلك في تفسير الآيات الكريمة المتقدمة -على سبيل المثال- وغيرها في مختلف التفاسير، ولاحظ كتاب "التوحيد" للشيخ الصدوق؛ والكافي 1/57-127 كتاب التوحيد.

([27]) انظر ذلك -على سبيل المثال- في تفسير آية {إِياكَ نَعْبدُ وَإِياكَ نَسْتَعينُ} في: التبيان 1/37-39؛ مجمع البيان 1/25-26؛ الصافي 1/71-72؛ كنز الدقائق 1/54-56؛ نور الثقلين 1/19-20؛ آلاء الرحمن 1/56-59؛ البيان: 456-483؛ الجامع لأحكام القرآن 1/145؛ جامع البيان 1/160؛ الدر المنثور 1/37؛ التفسير الكبير 1/242؛ ومادة (عبد) في: لسان العرب 3/273.

([28]) سورة الإسراء: 24.

([29]) سورة الحجرات: 2.

([30]) في المصدر: يمر.

([31]) في المصدر: يديه.

([32]) صحيح البخاري 4/229، والعنزة -بالتحريك-: هي أطول من العصا وأقصر من الرمح، فيها سنان كسنان الرمح، وربما في أسفلها زج كزج الرمح. انظر: القاموس المحيط 2/184، لسان العرب 5/384.

([33]) صحيح البخاري 2/114؛ سنن أبي داود 3/216 ح3223 إلى كلمة "انصرف".

([34]) صحيح البخاري 9/81 باختلاف يسير في بعض الألفاظ، وفي 2/93 إلى كلمة "واصبري" باختلاف يسير في بعض الألفاظ أيضًا. وانظر: الأنوار في شمائل النبي المختار 1/200 ح239 والمصادر الأخرى التي في هامشه.

([35]) سنن الدارقطني 2/278 ح194؛ شعب الإيمان 3/490 ح4159؛ مجمع الزوائد 4/2؛ الصلات والبشر: 142؛ الدر المنشور 1/569؛ كنز العمال 15/651 ح42583؛ الكنى والأسماء 2/64؛ الكامل 6/2350؛ والنظر: الغدير 5/93-96 ح1 ومصادره.

([36]) ورد الحديث باختلاف يسير في: المعجم الكبير 12/291 ح13149؛ مجمع الزوائد 4/2؛ الصلات والبشر: 142؛ الدر المنصور 1/569؛ كنز العمال 15/256 ح34928؛ وانظر: الغدير 5/97-98 ح2 ومصادره.

([37]) سنن الدارقطني 2/278 ح192؛ شعب الإيمان 3/489 ح4154؛ السنن الكبرى 5/246؛ المعجم الكبير 12/406 ح13497؛ الصِلات والبشر: 143؛ الدر المنثور 1/569؛ كنز العمال 5/135 ح12368 و15/651 ح42582، وفيها: "فزار" بدل "وزار"؛ وانظر: الغدير 5/98-100 ح3 ومصادره.

([38]) ورد الحديث باختلاف يسير في: شعب الإيمان 3/489 ذيل ح4153؛، كنز العمال 5/135 ح12371؛ كما ورد مضمونه في: السنن الكبرى 5/245؛ شعب الإيمان 3/488 ح4152 و489 ح4157؛ الصلات والبشر: 143؛ الدر المنثور 1/569؛ وانظر: الغدير 5/100-101 ح5 ومصادره.

([39]) الدر المنثور 1/569، الصلات والبشر: 143؛ كنز العمال 5/135 ح12396؛ الكامل 7/2480؛ وانظر: الغدير 5/100 ح4 ومصادره.

([40]) ورد الحديث باختلاف في سنده وبعض ألفاظه في: مجمع الزوائد 4/2؛ الصلات والبشر: 142 و143؛ الدر المنثور 1/569؛ كنز العمال 5/135 ح12372؛ المواهب اللدنية 8/298 و299؛ وانظر: الغدير 5/101-102 ح6 ومصادره، وقد روي فيها عن حاطب بن أبي بلتعة مرفوعًا، وص 105-106 ح14 وفيه: عن ابن عمر مرفوعًا.

([41]) الصلات والبشر: 143؛ كشف الخفاء 2/328-329 ح2489؛ وانظر: الغدير 5/104 ح10 ومصادره.

([42]) مختصر تاريخ دمشق 2/407؛ وفاء الوفا 4/1346-1347 ح14 و16؛ وانظر: الغدير 5/104-105 ح12 ومصادره، وقد روي فيها عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) مرفوعًا بدلاً من ابن عباس.

([43]) الموطأ 1/166 ح68؛ شعب الإيمان 3/490 ح4161؛ الدر المنثور 1/570؛ وفاء الوفا 4/1358.

([44]) حقيقة التوسل والوسيلة: 111، وقال في الهامش: أخرجه الإمام عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

([45]) شرح الشفا 3/511؛ وفاء الوفا 4/1362.

([46]) صحيح مسلم 2/672 ح977؛ سنن النسائي 8/310-311 وج 4/89؛ سنن الترمذي 3/370 ح1054؛ سنن أبي داود 3/218 ح3235؛ السنن الكبرى 4/77؛ المعجم الكبير 2/19 ح1152 و94 ح419؛ المصنف 3/342.

([47]) صحيح مسلم 2/671 ح975؛ وسنن النسائي 4/94.

([48]) صحيح مسلم 2/669 ح974 عن عائشة؛ وسنن الترمذي 3/369 ح1053 عن ابن عباس.

([49]) العلل ومعرفة الرجال 2/492 ح3243؛ وعنه في وفاء الوفا 4/1404؛ وانظر مؤداه أيضًا في ص1403.

([50]) انظر مؤداه في وفاء الوفا 4/1407.

([51]) وفاء الوفا 4/1403.

([52]) شفاء السقام عن مسند أحمد 5/422.

([53]) المصدر السابق 5/422.

([54]) شفاء السقام عن مسند أحمد 5/422؛ وفاء الوفا 4/1358-1359.

([55]) وفاء الوفا 4/1405.

([56]) سورة الحج: 32.

([57]) سورة الإخلاص: 2.

([58]) سورة الأنعام: 101.

([59]) سورة الأعراف: 54.

([60]) سورة يونس: 31.

([61]) سورة التوبة : 116.

([62]) سورة هود: 32 و33.

([63]) سورة الرعد: 16.

([64]) سورة الشعراء: 78-81.

([65]) سورة العنكبوت: 61.

([66]) سورة العنكبوت: 63.

([67]) سورة الروم: 40.

([68]) سورة لقمان: 10 و11.

([69]) سورة الزمر : 62 و63.

([70]) سورة النجم: 42-48.

([71]) سورة البقرة: 255.

([72]) سورة الأنبياء: 28.

([73]) سورة آل عمران: 169 و170.

([74]) صحيح البخاري 2/37.

([75]) صحيح البخاري 2/34-38.

([76]) صحيح البخاري 8/93.

([77]) صحيح البخاري 8/94، والحجلة: بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار؛ انظر: لسان العرب 11/144 (حجل).

([78]) انظر قريبًا منه في الوفا 4/1374.

([79]) انظر: وفاء الوفا 4/1380.

([80]) المستدرك على الصحيحين 2/615 باختلاف يسير؛ وانظر: دلائل النبوة -للبيهقي- 5/489؛ ووفاء الوفا 4/1371-1372.

([81]) سنن الترمذي 5/569 ح3578 باختلاف يسير؛ ورواه النسائي في كتاب "اليوم والليلة"؛ وفي سنن ابن ماجة 1/441 ح1385 باختلاف يسير أيضًا.

([82]) انظر: وفاء الوفا 4/1372.

([83]) المعجم الكبير 9/30-31 ح8311 باختلاف يسير؛ وانظر: وفاء الوفا 4/1373.

([84]) دلائل النبوة -للأصبهاني- 2/725 ح511 باختلاف يسير.

 

 

 

 

 

اضطراب الوسواس القهري

قراءة في المفهوم والمظهر والعلاج

الحاجَّة أم هادي عبَّاس

 

المقدمة

كثيرة هي أمراضنا ومعاناتنا وآلامنا، سواء النفسيّة منها والجسديّة، وقليلة هي أبحاثنا الصادقة التي تُعنى بكشف تلك الأمراض وإزالة تلك المعاناة وعلاجها.

إن النفس الإنسانيّة بحاجة إلى اكتشاف واستنارة بجهد كل الباحثين الجادّين، للوقوف على بعض أمراضها، التي تتطلب وعيًا أكثر للتنبّه لها، ودقّة في التعامل معها، حيث يتطلب الالتفات إليها المزيد من الاطلاع على الأمراض النفسيّة.

والمرض النفسيّ كغيره من الأمراض العضويّة، قد يصيب أيَّ واحد منّا، وهو ليس وصمةَ عارٍ أو خطأ أو عقابًا إلهيًا، إنما هو داءٌ يحتاج إلى دواء عن طريق المختصين بالطب النفسي، ويتعرض للإصابة به الصغار والكبار على حدّ سواء، وهو على أنواع.

وإنما نؤكّد على الأمراض النفسيّة لأنها خفيّة وأشد خطورة أحيانًا من الأمراض العضويّة إن لم يتم اكتشافها أو لم تأخذ حقّها من العلاج الصحيح.

أما العضويّة فأعراضها غالبًا ظاهرة وكثيرة، والاهتمام بها شائع سواء من قِبَل الأطباء أو الأهل أو الأصدقاء، ومنها ما يكون ناتجًا عن الأمراض النفسيّة، وهي التي تُسمى بالأمراض السيكوسوماتيّة (النفس جسديّة)([1]).

ومن تلك الأمراض النفسيّة الشائعة، مرض (الوسواس القهري)، وهو مرض يجهل الكثيرون من المصابين به أنهم مرضى، وأنهم من الممكن أن يشفوا منه أو يتحسّنوا على الأقل.

ناهيك عن قلة الاهتمام والعناية بالأمراض النفسيّة، مما يجعل المريض يعاني من مرضه وحيدًا، لا يجد من يُعينُه على مغالبة تلك الوساوس، ولعل السبب هو عدم المعرفة الكافية بكيفيّة التعامل مع هذا المرض من قبل المحيطين بالمريض النفسي.

إضافة إلى قلّة المصادر والمراجع في المكتبة العربيّة، إذ إن موضوع اضطراب الوسواس القهري ندر الكلام عنه نسبة إلى الأبحاث الأخرى التي تناولت غيره من الاضطرابات، وقد وجد الباحثون في هذا الموضوع أن خمسة وعشرين فردًا من بين ألف فرد يعانون من الوسواس القهري على مستوى العالم، وهو في تزايد.

ونظرًا لأهميّة وخطورة هذا المرض ولتواجد هذه الحالات بكثرة في عصرنا الحاضر، ولأهميّة المعرفة السليمة في كيفيّة التعاطي مع مريض الوسواس القهري، لذلك سنحاول في هذه المقالة إلقاء الضوء على ماهيّة هذا المرض وصوره وأقسامه، وكيفيّة التعامل مع ضحاياه، وكيفيّة تفهمه، والتعرّف على سبل العلاج للتخلص منه، وذلك من خلال تقديم النصائح والإرشادات لمرضى الوسواس القهري، ومساعدتهم للتخفيف من القلق النفسي الناجم عن هذا المرض، وتوعية الأسرة بسلوك ابنها المريض بالوسواس القهري وطرق التعامل معه، والعمل على تكاتف الجهود، وإيجاد بيئة اجتماعيّة مناسبة يعيش فيها.

وهنا يتبادر إلى الأذهان عدة تساؤلات حول هذا الموضوع وهي:

أنه هل يمكن التخلص من اضطراب الوسواس القهري من دون تدخل علاجي؟

- هل يدرك المصاب بالوسواس القهري أنه مريض؟

- هل يُعالَج مريض الوسواس القهري بالعقاقير والجراحة، أم بأساليب أخرى كالعلاج السلوكي والمعرفي؟

- هل يتعرض الأطفال لمرض الوسواس القهري، أم هم في منأى عنه؟

- هل أسباب اضطراب الوسواس القهري وراثيّة، أم بيئيّة مكتسبة؟

الفصل الأول

اضطراب الوسواس القهري (OCD)

مفهومه - أسبابه - صوره

تعريف الوسواس لغة

الوَسْوَسَة لغة: حديث النفس، يقال: وَسْوَسَت إليه نفسه وَسْوَسَة ووِسْواسًا بكسر الواو، والوَسْواس بالفتح الاسم، قال الفرّاء: هو بالكسر مصدر، والاسم بالفتح، مثل الزِّلزال والزَّلزال.

والوَسْواس: همس الصائد والكلاب، وهو الصوت الخفي، والمُوَسْوَس: الذي تعتريه الوساوِس، والوَسْواس: اسم الشيطان([2]).

[وهو في القرآن بمعنى حديث النفس والكلام الصادر من الباطن، سواء كان من قبل الشيطان أو من ذات الإنسان]([3]). قال تعالى: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}([4])، وقال تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}([5]).

ماهيّة الوسواس

[الوسواس عبارة عن هواجس نفسيّة تأتي على شكل أفكارٍ وأوهامٍ وميولٍ ورغبات، أو اندفاع مصحوب بمشاعرَ إكراه داخلي جارف، و ذلك بسبب هيجان داخلي حاد، يتجسد على هيئة سلوك غير متزن لدى الإنسان. وتظهر هذه الأفكار والأحاسيس -والتي تتسبب بإزعاج الآخرين- بشكل لاإرادي في القسم الشعوري من الذهن، حيث تكون في حالة مواجهة وتضاد مع الأنا]([6]).

إذن: اضطراب الوسواس القهري هو الأفكار التسلطيّّّة والأفعال القهريّة والتفاعل بينها([7]). وتوضيح ذلك:

الأفكار الوسواسيّة

[هي مجموعة من الأفكار أو الصور المتواصلة والمتسلطة والمستمرة، التي تقتحم عقل المريض وتراوده وتلازمه، مع عجزه عن دفعها أو طردها أو التخلص منها، ويعاني المريض كثيرًا منها لغرابتها وعدم فائدتها، وتسببها بكثير من القلق والإزعاج، وتلحُّ على خاطره عبارات معيّنة أو اسم معين يتكرر باستمرار]([8]).

الأفعال القهريّة

[هي أعمال عقليّة واعية، وسلوكيات متكررة جبريّة، استجابة لأفكار وسواسيّة، لتخفيف أو منع القلق والإزعاج الناتج عن تلك الأفكار، ولا يستطيع المريض مقاومتها، وهي تستحوذ عليه لفترة طويلة، وهو غير راضٍ عنها ولا يحبها، خاصة وهو لا يشعر بثمرة من وراء تكرارها، لكنه مقهور على استمرار عملها والقيام بها.

ودائمًا ما تأتي الوساوس القهريّة لمنع أو تجنّب بعض الأحداث المفزعة المتصوَّرة في عقل المريض، مثل سوء الحظ المتوقع، أو المحن والبلايا، أو الموت، أو المرض]([9]).

أسباب الوساوس القهريّة

إن اضطراب الوسواس القهري ليس ناتجًا عن قلة التديُّن أو ضعف الإيمان أو غياب الإرادة أو التقصير في الأذكار والدعاء، وإن كان للإرادة والإيمان دور في التغلب أو التخفيف من حدّة تلك الوساوس، إنه أمر يحدث بسبب اضطراب في النواقل العصبيّة في المخ -أي بسبب عضوي- كمرض السكر حيث إن له سببًا عضويًا وهو اضطراب مادة الأنسولين وعمليات التنظيم الغذائي للسكر، وليس لمرض السكر علاقة بالإيمان والإرادة والأذكار، وإن كان أيضًا لقوة الإرادة دور في التخفيف من أعراض المرض بعد الإصابة به.

ولوحظ أن أعراض الوسواس القهري قد تبدأ في الظهور عقب ضغوط شديدة في العمل، أو عقب الامتحانات، أو عقب الحمل والولادة، أو وفاة إنسان عزيز ومهم، أو خلل في العلاقة الخاصة بين الزوجين([10]).

إضافة إلى أن هناك أبحاثًا عديدة جديدة تعتبر أن بعض أنواع اضطراب الوسواس القهري المبكر واحد من اضطرابات المناعة الذاتيّة([11]).

ومن الأمور المهمة: تحديد جذور الاختلالات النفسيّة والعصبيّة، إذ لا يمكن معالجتها ما لم يتم التعرف عليها وتشخيصها، ويجدر بالأهل والمربّين الوقاية منها ومعالجتها، وهناك آراء كثيرة حول جذور الوسواس وأسبابه، وأهم ما ذكره الباحثون: الوراثة - ضعف الشخصيّة - التنافس - المنع - الوضع العقلي - العوامل الاجتماعيّة - العوامل الأسريّة - العوامل العرضيّة([12])- العوامل الحيويّة.... إلخ، وسنتعرض لبعضها فيما يلي:

1- العوامل الحيويّة

إن المحاولات العلاجيّة التي استخدمت فيها الأدوية دعمت فرضيّة مفادها، أن هناك اضطرابًا في الناقل العصبي السيروتونين([13]) في عمليّة تكوين الأعراض في الوساوس القهريّة. وقد أفادت دراسات تمّت عن طريق التصوير الطبقي بالانبعاث البوزيتروني زيادة في تدفق الدم والتمثيل الغذائي في الفص الجبهي والعقد القاعديّة وأجزاء أخرى في المخ، وعند إعطاء العلاج الدوائي والمعرفي السلوكي تخفّ هذه الاضطرابات وتتحسن حالة المريض. وقد بيّنت دراسات الأشعة المقطعيّة والأشعة بالرنين المغناطيسي صغرًا في حجم النواة المذيّلة على الجانبين عند مرضى الوساوس القهريّة([14]).

2- عامل الوراثة:

تعتبر الوراثة عاملاً مهمًا من عوامل نشوء الوسواس، إلا أن للعوامل التربويّة تأثيرًا مهمًا ودورًا كبيرًا في استفحال المرض، وقد أثبتت تحقيقات بعض المختصين أن أربعين بالمائة (40%) من المصابين بالوسواس قد ورثوه عن أبويهم، وقالوا: إن انتقال العوامل العصبيّة قد يكون أحد جذور وأسباب الوسوسة.

3- عامل التربيّة:

أي الخلفيّة التربويّة للمرضى، حيث يلعب أسلوب الوالدين دورًا مهمًا في تربية الأطفال، حسب رأي كانر (Kanner)([15])، ومن الأمور الجديرة بالذكر في هذا المجال ما يلي:

أ- مرحلة الطفولة: تدل تواريخ حياة المصابين بهذا المرض في مرحلة الطفولة على حجم العناء والألم النفسي الذي عانوه جراء إخفاقهم في إثبات ذاتهم أمام إرادة الكبار، وتشير الدراسات إلى أن خمسين بالمائة (50%) من الحالات تعود حالتهم لسني الشباب بالدرجة الأولى، ثم إلى مرحلة الطفولة.

ب- أسلوب التربية: تشير نتائج الدراسات إلى أن لأسلوب الأبوين في تربية الأبناء دورًا مؤثرًا في هذا المجال، وخاصة الوالدين اللذَين يحرصان على أن يكون سلوك الطفل مطابقًا لسلوكهما، وقد أثبتت الدراسات أن الأمّ التي توصف بشدة الحساسيّة تهيئ بسلوكها الأرضيّة لإصابة الأبناء بداء الوسواس([16]).

وفي دراسة عربيّة (مي الرخاوي: 1992) خلصت الباحثة إلى أن الضغوط العائليّة من أهم الأسباب المرسّبة لاضطراب الوسواس القهري عند الأطفال المصابين به([17]).

جـ - الأسلوب الجاف: إن للأسلوب الجاف والمقنن في تربية الأبناء، والذي يفتقد إلى المرونة، آثارًا لا يستهان بها في الإصابة بهذا الداء، فالوالدان المتزمّتان يفرضان على الأبناء أمورًا فوق طاقتهم، بسبب ما يحملانه من معايير فكريّة غير منطقيّة، فيوقعون الطفل في مواقف حرجة، كالحبس في الغرفة لقاء إلزامه بفعل عمل ما، أو عقابه على أمر ما، مما يولّد لديه المخاوفَ والقلقَ والاضطرابَ والشكوكَ، وبالتالي الوسواس.

كما أن فصل الطفل عن الرضاعة بشكل فجائي، والتشدّد معه في أصول النظافة والتزام الآداب له أثره في هذا المجال.

د - تحقير الطفل: تشير الدراسات إلى أنه لا يمكن للأطفال الذين تعرضوا للإهانة والتعنيف والتأنيب المتواصل أن ينتهجوا سلوكًا طبيعيًا، فيظهر أثر ذلك بأشكال مختلفة، ومنها الوسوسة.

فبعض المصابين كانت تتردد على أسماعهم: (أنت فاشل)، (لستَ أهلاً لشيء)، (أنتَ غير جدير بالحياة)، وتعرّضوا للإهانة والعقاب من قبل المربّين والآباء والأشقاء الأكبر سنًا، وهذه السلوكيات تؤدّي بهم إلى الوساوس بشكلٍ تدريجي.

هـ - عدم الشعور بالأمن: يعاني الأشخاص المصابون من اضطرابات في مرحلة الطفولة، نتيجة عدم رضا الآباء والمربين عن أفعالهم، مما يدفعهم إلى المبالغة في الدقة في إنجازاتهم وتصرفاتهم، في سبيل كسب رضا المشرفين على تربيتهم، وشيئًا فشيئًا يتحوّل هذا السلوك إلى ابتلاء بداء الوسواس، فالطفل الذي تعرَّض للتهديد في سن الرابعة، ولم تستأصل آثار ذلك من نفسه، يحتمل أن يصاب بالوسواس في سن السادسة أو السابعة من عمره.

و - كثرة المنع: كثرة الممنوعات في سن الطفولة أو الحداثة والشباب، أو القيود المفروضة وكثرة المؤاخذات على التصرفات، تؤدّي إلى الإصابة بالوسواس.

 ز- فقدان المحبّة: ولادة طفل جديد في الأسرة، حيث يوجّه الوالدان وخصوصًا الأم -جهلاً بأصول التربية- كلّ الاهتمام إلى القادم الجديد، فيما يبقى الأول مهملاً يكابد الحسرات والآلام الناتجة عن ذلك الوضع.

* * *

وتشير نتائج الدراسات العلميّة العديدة حول الأشخاص المصابين بالوسواس إلى مسألة مهمة وخطيرة وهي: إن أغلب المصابين بالوسواس كان لهم آباء يتّصفون بـ :

أولاً: العناد وعدم التسامح، والتعنّت في الطلبات والأوامر التي توجّه للأبناء.

ثانيا: يتقصّون عيوب الأبناء، ويكاشفونهم بها في مواقف مخجلة.

ثالثا: يتَّسمون بالبخل إلى درجة تجعل الطفل يتَّبع أسلوب العناد والإصرار لتحقيق مراده.

صور الوسواس القهري

1- الاجتناب: أي اجتناب الأشياء والأمور والتصرفات، وأكثر صور هذا الاجتناب يتجلّى في تجنب القذارات، ويلحظ ذلك في الأغسال المتكررة. ويمكن لمرضى الوسواس أن يستمروا بممارسة تلك الأغسال إلى أن يصابوا بالأمراض الجسميّة، إضافة إلى أن هذا النوع من الممارسة يعيق المرء عن أعماله ويبعده عن سيره التكاملي.

2 - التكرار: حيث يكرِّر المصاب عملاً عبثيًا وغير مثمر، حيث يشعر بأن هناك قوة داخليّة تجبره على القيام بهذا العمل، ولا يمكنه مقاومتها، وهذا التكرار يكون نتيجة لاضطرابه حيث يمنحه الهدوء والسكينة.

3- الدّقّة المفرطة: يسعى المصاب إلى القيام بكل شيء على أساس ترتيب ونظام صارمين، ولا يكلّ ولا يملّ من هذه الحالة، فمثلاً: إذا لم تكن أقلامه مصفوفة ومنتظمة حسب الطول تضطرب حاله، ويتصوّر أن الأمور لا تسير على ما يرام.

4- الإجبار: يشعر المصاب بأنه ملزم بالقيام بجميع أعماله بشكل آليّ، ويزداد لديه هذا الشعور باطراد، إلى درجة يهيمن على جميع أعماله وتصرفاته، ويعرِّض حياته الخاصة والاجتماعيّة للخطر، فأحيانًا يبرز هذا الشعور في تصرفاته، فمثلاً: نراه يكرّر غسل جسده حتى يُحدِثَ في جلده ضررًا بالغًا إثر استعماله الصابون.

5- الشعور بالوصول إلى طريق مسدود: يشعر المصاب أحيانًا بأنه لم يعد قادرًا على حلّ مسألة ما أو السيطرة عليها بأي حال من الأحوال، فيعمد إلى إشغال نفسه بأمر ما، ويبقى يكرره للخروج من هذا المأزق. إن مساعيه المتكررة والمتشابهة، كغسل يديه وثيابه لمرات عديدة دون نتيجة، ترتبط بهذا الأمر، فهو يتصور أنه إذا تخلى عن سلوكه هذا فإنه سيقوم بتصرف غير مرغوب من قبله ومن قبل الآخرين، فيشغل نفسه بهذه الأعمال حتى لا يضطر للجوء إلى الممارسات غير الصحيحة.

6- العناد والتعنت: يلجأ أحيانًا إلى القيام بتصرفات معقدة ومصحوبة بالعناد والتعنّت من أجل الحدّ من اضطرابه وتوتره النفسي، وأحيانًا يصل به الأمر إلى إيذاء نفسه، فإذا لم يؤذها ولم يعاقبها لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال.

7- الخوف: ومن الأعراض المهمة للوسواس الخوف الكاذب الذي لا أساس له في الواقع الخارجي، حيث ينشأ نتيجة الوسوسة النفسيّة التي تثير مخاوفه من حصول حدث معين، كالخوف من الأوساخ. وهناك مخاوف تأتي من الهواجس المبهمة في بعض الحالات، مثل الخوف من قتل أطفاله، أو دفع أشخاص مرافقين له([18]).

8- التردد: من صور الوسواس أيضًا: التذبذب وعدم الجزم في الأمور، حيث يشعر المصاب بأنه غير قادر على اتخاذ قرار بشكل جيد، ومن الممكن أن يُقدِم على أمر ما ويرفضه في آنٍ واحد، كأن يصدق ولا يصدق، وهل يؤدي هذا العمل أم لا، وهكذا تكاد تكون الحال عنده بشكل دائم، ففي بعض الأحيان يصل به الأمر إلى الحدّ الذي يعجز فيه عن ترجيح إحدى المسألتين على الأخرى، فهو ينظّف يده مثلاً ويحصل لديه شك هل نظّفها جيدًا أم لا؟! فيعاود الكرة تلو الأخرى في تنظيفها وهكذا، فتؤثر هذه الحالة أحيانًا على كل نشاطاته النفسيّة([19]).

9- الشك المرضي (Pathological doubting): حيث يصل من يُعاني من اضطراب الوسواس القهري إلى أبعاد لامعقولة في شكوكه([20])، كالشك في العبادة، فعندما يقوم للصلاة مثلاً يأتي بالإقامة ويكبِّر تكبيرة الإحرام، وبعدها يشكّ: هل تلفظ بالتكبيرة على نحو صحيح أم لا؟ هل صلَّى ركعتين أو ثلاثًا أو خمسًا؟ وهل كانت نيّة الاقتداء بالجماعة صحيحة أم لا؟ وهكذا.

هذه الحالة من التردد والشك تسيطر عليه إلى الحدّ الذي يبقى أحيانًا عند النيّة، بينما يكون إمام الجماعة قد هوى إلى الركوع أو السجود، وهكذا يسيطر الشك على جميع جوانب حياته العباديّة وغيرها بشكل كامل.

وهناك أعراض أخرى لا يسع المقام للتفصيل فيها، من قبيل: الانشغال العابث بعدّ أعمدة الدار مثلاً، أو التأمل في طابوق البناء هل هي مصفّفة بشكل دقيق ومنظم أم لا، أو العبث بالشعر أو بأزرار الثياب، أو قضم الأظفار، أو الحرص الشديد على إقفال الأبواب ومراقبتها، وغير ذلك.... ([21]).

الفرق بين مرض الوسواس القهري والشخصيّة الوسواسيّة

إن الفارق الأساسي بين مرض الوسواس القهري والشخصيّة الوسواسيّة يكمن في درجة الاضطراب في النواحي الاجتماعيّة والمهنيّة والأكاديميّة وفي الحياة عمومًا، فمن يتصف بالشخصيّة الوسواسيّة قلما يشعر بالمعاناة، ونادرًا ما يطلب العون، حتى أنه لا يدري أن هناك مشكلة إلا إذا تمَّ تنبيهه من قبل صديق أو قريب ممن يهتمون لأمره ويلاحظون سلوكه الجامد أو التحفظ والبرود.

أما في حالة المرض فتصل الوساوس إلى حد الاضطراب في الحياة اليوميّة الاجتماعيّة، حيث تؤدّي إلى العزلة والتفرغ لممارسة الطقوس الوسواسيّّة، فيكون سببًا للفشل الدراسي والمهني، فيهمل المريض عمله أو يفقده بشكل كلي، وفي هذه الحالة لا بد من التدخل العلاجي.

إذًا: إن الفارق نسبي بين درجة الوسواس في المرض ودرجته في الشخصيّة الوسواسيّة، والطبيب النفسي وحده من يقرر الحالة.

الفرق بين وسواس الشيطان والوسواس القهري

هناك عدَّة فروق بين وساوس الشيطان والوساوس القهريّة ينبغي إيضاحها:

أ - وساوس الشيطان دائمًا تدعو إلى ما تشتهيه الأنفس وتتلذذ به، كالنظر المحرَّم، والسرقة، والظلم، والاستماع المحرَّم كاستماع الغيبة والنميمة، والاستمتاع بحقوق الآخرين. فإما أن يرضخ لأهوائه متجاوزًا حدود الله، فهو معرَّض لسخطه وعقابه، وإما أن يدعها ويمتنع عنها، وهو قادر على ذلك.

ب- أما الوساوس القهريّة فهي اضطراب مرضي مثل كل الأمراض، له أسبابه المهيئة وهي:

1- إما أفكار وخواطر وسواسيّة تسلطيّة لا يرضى عنها المصاب ولا يستطيع التخلص منها.

2- وإما أفعال قهريّة واندفاعات في أحوال الدين والدنيا، كتكرار الصلاة وتكرار غَسل الأيدي([22]).

لذا ولوجود هذا الفارق بين هذين النوعين من الوساوس -أي الشيطانيّة وغيرها- اعترض بعضهم على تسمية الوسواس القهري بهذا الاسم، مفضلاً إطلاق لفظ (الوسوسة) على خصوص الوساوس الشيطانيّة، واستبدال مصطلح (الوساوس القهريّة) بـ (الهواجس القهريّة)([23]).

الفصل الثاني

اضطراب الوسواس القهري (OCD)

أقسامه ومراحله

أقسام الوساوس

1- الوسواس الفكري:

وهو فكرة تستولي على ذهن المصاب، فتثير الهواجس المقلقة، وأحيانًا المخيفة والمرعبة، التي تؤدّي إلى الاضطراب، وأطلق عليه بعض القدماء اسم (جنون الشك)، حيث يستولي على المصاب فكرة خاصة، يمازجها شكٌ كبير، حيث يفكر بمسائل الحياة والموت، والخير والشر، والأخلاق والتقاليد، بالركون إلى بُعدها الخاوي والعبثي والمتكرِّر، فيرون أن تصوّرات المصاب لها بُعْدٌ استفهاميّ، كما تلحظ هذه الحالة عند مرضى الصرع أيضًا.

ويخطر في ذهن المصاب فجأة فكرة أو رغبة على هيئة ظاهرة مرَضيّة غير منسجمة مع شعوره الواعي. وقد يخطر له عبثًا أن يعدّ أرقامًا أو يحسب خطواته، أو يحصي مصابيح الشارع أو الأشجار التي يصادفها في طريقه، وأحيانًا تكتسب الأفكار صورًا أكثر خطورة، كقتل شخص وإن كان المريض ينفر من هذه الأفكار بشدة.

ويتركز الوسواس أحيانًا بشكل متطرف حول قبول أو رفض أمر ما، فيشعر المصاب أنه أسيرٌ لفكرة تسلطيّة تحثه على الدفاع عن فكرة خاطئة، كما لو اعتقد مثلاً بأن بقاءه ونضجه رهنٌ بتناول دواء أو فيتامين معيّن، حتى لو لم يؤدِّ تناوله إياه إلى مثل هذه النتيجة المرجوَّة([24]).

2- الوسواس العملي:

يظهر الوسواس العملي على شكل سلسلة من التصرفات العابثة غير المنطقيّة، حيث يجد المصاب نفسه مضطرًا للقيام بعمل يتعارض ورغبتَه الحقيقيّة، بل ويتنافى مع طريقة حياته العادية. وهذا النمط من الوسواس يكون الدور الأساس فيه للأعمال وليس للأفكار.

في بعض الأحيان يبرز الوسواس الفكري والعملي سويّة، وتزداد بذلك مشاكل المصاب والمحيطين به، حيث تعرِّض تصرفاته العابثة وغير المبرَّرة نشاطاتِه العاديّة وحياتَه النفسيّة إلى الاهتزاز، خصوصًا في مسألة بروز التضادّ بين الأفكار والعواطف، كالتسامح والعنف، أو المجابهة والاستسلام.... ([25]).

وإليك أمثلة ومظاهر شائعة يتجلَّى فيها الوسواس القهري العملي:

· تكرار الغَسل: حيث اعتاد الناس على اعتبار هذه الظاهرة بمثابة تجسيد لحالة الشك والوسواس وحدها، وهذا المرض أكثر شيوعًا عند النساء، وإن لم يكن عدد الرجال الذين يعانون منه قليلاً أيضًا.

· السلوك المنحرف: كالثَّرِيّ الذي يسرق ما لا قيمة له، كسرقة ملعقة من مطعم وإخفائها في جيبه.

· الدقة المفرطة في تنظيم كتبه وأغراضه وأزرار ثيابه، ونقل بعض الأشياء من مكان إلى آخر، دون إدراك لما يفعله.

· حالات العدّ: ويمكن اعتبار حالات العد والحساب في بعض الموارد من مظاهر الوسواس العملي، كالحرص على عدم حصول أي خطأ في العد، رغم معرفة المصاب بعدم الحاجة إلى مثل هذا، إلا أنه يبدو وكأنه مكره عليه ولا مفر له منه.

· حالات السير: وتظهر الوساوس أيضًا على نحو سير إجباري، فنراه يسير من جهة إلى أخرى، مع الإصرار على عدد معين من الخطوات، فلا تزيد المسافة بين النقطتين عن عشر خطوات مثلاً ولا تنقص عنها أيضًا.

3- وسواس الخوف ([26]):

ويُسمّى بوسواس الإحجام، فيبدو المصاب وكأنه خائف من القيام بأمر ما وإن كان ضروريًا، فيشعر بأن قوة ما تمنعه، وهذا الأمر يحول دون أدائه لواجباته. ومن أمثلة وسواس الخوف:

· الخوف من التلوث: فيتجنب التَّماس مع الأشياء، وهذا ما عبَّر عنه القدماء بجنون اللمس، حيث يؤدي هذا الخوف إلى اضطراب المصاب بشدة.

· الخوف من الموت: فيشعر بأن طعامه مسموم، أو تظهر في يده دمّلٌ، فتراوده الوسوسة بأنها غدّة سرطانيّة، وتشغل هذه الأفكار ذهنه فتعوقه عن العمل.

· الخوف من التغوط: لئلا يتعرض للنجاسة أو القذارة، مما يؤدّي إلى اختلال عمليّة التغوّط، وبالتالي إلى حدوث أعراض مرضيّة في الجهاز الهضمي.

· الخوف من المكان المغلق: كتواجده في المصعد، فنراه يفتح الباب بعد غلقه مرارًا بشكل يدعو إلى السخريّة.

· الخوف من أمر غير أخلاقي: كما لو كان المصاب فردًا من أسرة عريقة وشريفة، فيخشى من التعري في الشارع أمام المارة فيسيء بذلك إلى من يحبهم، أو خشيته من الكفر بالمقدسات.

· الخوف من تحقق الأماني: كالخوف من موت أحد يتمنى المصابُ موتَه، فيتولد في ذهنه صراع بأنه لو مات فلان لحصل كذا وكذا، فيندم على أمنيته، ويشرع بالاستغفار وتمني فكرة معاكسة.

وهناك مخاوف مشابهة أخرى عديدة لن نتطرق إلى ذكرها.

4- وسواس الإجبار:

وقد ذكر بعض الباحثين أن الشعور بالإلزام يعد من إفرازات الوسوسة ونتائجها، إلا أن هذه النظريّة ليست موضع اتفاق بين جميع علماء النفس، وقد ذكرناه سابقًا في صور الوسواس (الصورة الرابعة).

مراحل الوسواس

يمر الوسواس منذ نشوئه إلى حين ظهوره لدى الأفراد بمراحل متدرجة، ويصدق ذلك على خمسين بالمائة (50%) من المصابين، وينشأ لدى غالبيّة الأحداث بصورة فجائيّة، ويرافقه الخوف والهلع عند أكثرهم.

ويبدأ هذا السير من مرحلة الهدوء عند الأشخاص، ويصل بالتدريج إلى مراحله الحادة.

وفي بعض الحالات يتجسد على شكل هجمات فجائيّة، بحيث يعمّ ويستفحل خلال فترة قصيرة من تاريخ ظهوره.

من الممكن أن يكون مستوى شدة الإصابة بالوسواس واحدة لدى عدة أشخاص، إلا أن استمراره وظهوره فيهم يكون مختلفًا، فبعض المصابين يكونون أكثر مقاومة ووعيًا، بحيث يُظهرون أنفسهم وكأنهم أقلُّ ابتلاء بهذا المرض، في حين أن الآخرين يستسلمون ويذعنون له علنًا، ولهذا نرى أعراضه ضعيفة لدى بعضهم، بينما هي حادة عند البعض الآخر([27]).

هذه مراحل الوسواس بشكل عام، ويمكننا أن نتحدّث عنها أيضًا باعتبارات متعددة، نذكر أهمها:

1- باعتبار السن:

· في سِني الحداثة: من (9-12) نتوقع مرض الوسواس بدرجات كبيرة، والأكثر شيوعًا ظهوره عند سن الثالثة عشرة، ويزداد في هذه المرحلة الوسواس الفكري والعملي بشكل خاص، لأنه في هذه المرحلة يُبدي الأشخاص اهتمامًا أكثر بالمعايير الأخلاقيّة، وهذا ما يدفعهم إلى الاعتقاد بأنّ هناك أمورًا غيرَ صحيحة في حياتهم، ويجب عليهم المبادرة إلى فعل معين للحفاظ على سلامتهم ونموهم.

· في سني الشباب وما بعدها: تظهر في السنوات ما بين (15-20)، وتزداد تدريجيًا، وتصل إلى ذروتها في سنّ (20-25)، وبعد ذلك تتّجه نحو الركود حتى سن الخامسة والثلاثين، عندها تقلُّ نسبة مرض الوسواس بعد هذا العمر، أما في سن الأربعين أو الخمسين فأعداد المصابين قليلة جدًا لا تكاد تذكر.

2- باعتبار الشدة والضعف:

يقول العلماء: يبرز الوسواس في مرحلة الحداثة بصورة مبهمة في الوسط العائلي، ويتجسد بوضوح تام في مرحلة البلوغ، ويصل من (18-25) إلى مرحلة حيث يسبّب للمصاب والمحيطين به مشاكلَ كثيرة، فإن أمكن علاجه في تلك المرحلة أمكن أن يشفى بشكل نسبي، وإلا فإنّ المرض يأخذ في سيره التصاعدي في النمو والاستفحال إلى الحد الذي يضيق به المريض ذرعًا([28]).

3- باعتبار الجنس:

· تشير الدراسات إلى أن وجود هذا المرض عند النساء أكثر منه عند الرجال، فأحد عوامل تخفيف الوسواس والقضاء عليه: الاختلاط مع المجتمع والتعامل معه، بخلاف المرأة المنزوية في المنزل أو المحدودة العلاقات، وهذه المسألة تُعدّ من عوامل إيجاد الوسواس واستفحاله. ومرحلة الحمل أيضًا تثير مشاعر الوسوسة من الناحية الفكريّة، ومشاعر الرقة العاطفيّة تؤثر على هذا الأمر بشكل واضح([29]).

4- باعتبار الذكاء:

· قلما نجد بين المصابين بالوسواس من يعاني ضعفًا في الذكاء، إن وعي هؤلاء النظري أدقُّ من وعيهم العملي، وقد أثبتت التجارب صحة هذا الاعتقاد ([30]).

5- باعتبار المعتقد:

يصيب هذا الوسواس -من ناحية المعتقَد- فئتين من المرضى:

1- المصاب نتيجة ضعف معتقده وإيمانه، أو نتيجة إعراضه عن الدين، واستخفافه بأحكام الله، ويزداد لدى هذا الصنف الوسواس الفكري، فيعجزون عن تهدئته وتخفيف وطأة شكوكهم، لعدم ارتباطهم بمصدر معيَّن.

2- المرضى الذين أصيبوا بسبب تعلقهم المفرط بالدين، وامتزاج هذا الحبّ بالجهل والوهم، ويعانون من الوسواس الفكري والعملي، إنما العملي يزداد فيهم بوضوح.

6- باعتبار الشخصيّة والمحيط:

أظهرت التجارب أن الأشخاص الذين يتمتّعون بحساسيّة أكثر في حياتهم الشخصيّة معرّضون للابتلاء بالوسواس أكثر من غيرهم، ويستولي عليهم الوسواس بشكل أشدّ، ويُشاهد هذا المرض عند الأطفال الذين يفرض عليهم الوالدان نظامًا صارمًا.

كما أثبتت الدراسات أن استخدام الجديّة مع الأطفال بشكل كبير، والتسبّب في إيجاد اضطرابات نفسيّة لهم يهيئ لهم أرضيّة خصبة لابتلائهم بالوسواس، وتوضح بعض الدراسات أن لشخصيّة الوالدين ولصفاتهم الوراثيّة وروابط المحيط آثارًا بالغة في هذا الأمر([31]).

وعلى هذا الأساس: فإنّ أرضيّة الوسواس موجودة لدى بعض الأشخاص، إلا أنّه لا بد من وقوع حادثة ما لكي يظهر المرض للعيان، وقد تكون الحادثة المثيرة لظهور المرض على هيئة عقدة نفسيّة أو خجل أو عمل وجهد خاص، أو بسبب موت أحد الأعزاء، فالوسواس يبدأ بفكرة في الذهن، وقوة إرادة الشخص ليست بالقدر الذي تمكّنه من التغلب عليها([32]).

علم المصاب بحالته

إن الكثير من المصابين يعلمون بأنّ تصرفاتهم غير عقلائيّة ولا تستند إلى أساس منطقي، لكن ليس بوسعهم الإعراض أو الكفّ عنها، إلا أنهم يصلون إلى نتيجة هي أن أفعالهم تأخذ طابعًا إلزاميًا لا يمكن مقاومته، وتلك الأفعال القهريّة المتكررة هي السلوك الوحيد الذي يمكن أن ينقذهم من مشاعر الاضطراب([33]).

كيفيّة تكوّن الأعراض في الوسواس القهري:

إنّ الفصّ الجبهي من القشرة المخيّة لديه القدرة على التحكم بنشاط العقد القاعديّة عن طريق ألياف عصبيّة تصل بينهما، ولوحظ أنه عند نقص مادة السيروتونين في العقد القاعديّة، خصوصًا النواة المذيلة التي تنشط المراكز العصبيّة في هذه الأجزاء، يفقد الفص الجبهي من القشرة المخيّة السيطرة عليها، فيفقد الإنسان القدرة على التحكم في أفكاره ومن ثم أفعاله، فتبدأ أعراض الوسواس القهري في الظهور. وبالطبع يحدث هذا فقط في الأشخاص الذين لديهم استعداد بيولوجي ووراثي لنقص مادة السيروتونين عند تعرضهم للضغوط الحياتيّة([34]).

التبرير النفسيّ للوسواس:

· الصراع النفسيّ: إنّ وجود الوسواس دليل على وجود الصراع النفسي الداخلي القائم بين إشباع الميول غير الطبيعيّة لدى المصاب، وبين كبحها والوقوف بوجهها، وهذا الصراع يولِّد حالة من الاضطراب الحادّ لديه. وأحيانًا يرى المريض أن السلوك الوسواسي هو السبيل الوحيد لتخليصه من فكرة مؤلمة ومن حالة غير قابلة للتحمل([35]).

· الشعور بالذنب: ذهب البعض إلى القول بأنّ الشعور بالذنب -تجاه عمل مناف للأخلاق أو الدين- هو أساس نشوء الوسواس، ومن هنا يسلك المصاب سلوكًا يُكفِّر به عن ذنبه، بتكراره الفعل للوصول إلى الأسلوب الأمثل في أداء الواجب([36]).

· التخلّص من الاضطراب: يصعب على مريض الوسواس القهري النوم أو الجلوس أو الوقوف في مكان واحد بهدوء وراحة بال، فتراه يشغل نفسه بأمور تافهة وفارغة، بأمل أن تهدأ حالته ويسكن اضطرابه، وإذا لم يهدأ الحال يحاول أن يلجأ إلى عمل عقلائي ومقبول في الظاهر، كظاهرة كثرة الأغسال، وتكرارها هو بذاته طريقة عمليّة للتخلص من التوترات والاضطرابات النفسيّة.

· السيطرة الداخليّة: وأحيانًا يلجأ المصاب إلى إشغال نفسه بتكرار سلوكيّات وأفعال معيّنة، ليقيَ نفسه انحرافات أخلاقيّة وثقافيّة واجتماعيّة محتملة، نتيجة تسلّط الأفكار الوسواسيّة عليه([37]). وقد بيّنت بعض الدراسات (Geller et al , 1998) (Miguel et al , 2001) أنه تكثر في الأطفال أفعال قهريّة غير مسبوقة بأفكار تسلطيّة([38]).

· الوضع العقليّ للمصاب: وتجدر الإشارة هنا إلى أن وجود الوسواس ليس دليلاً على الضعف العقلي لدى المصاب، وإن كانت تصرفاته وأفعاله ناتجة عن الوهم وتُلحِق الضرر به وبالآخرين، وبالمناسبة: فإنّ التحقيقات دلّت على أن بعض المصابين بالوسواس هم في مستوى جيدٍ وعالٍ من الذكاء، وحتى أنهم يتوصلون إلى بعض الاكتشافات نتيجة حرصهم ودقّتهم الزائدة عن الحدّ في الأمور([39]).

الفصل الثالث

اضطراب الوسواس القهري (OCD)

العلاج

تمهيد

يتنوع العلاج لحالات اضطراب الوسواس القهري، فمنه العلاج السلوكي، ومنه العلاج الذي يحاكي البنى المعرفيّة (العلاج المعرفيّ) لدى الشخص المصاب، ومنه ما يتم بواسطة العقاقير أو الجراحة، أو حتى العلاج بالكهرباء الذي لن نتعرض له في هذا البحث، ونكتفي بالكلام عنه بهذه الإشارة.

البذور الأولى للعلاج السلوكيّ والمعرفيّ

إن البذور الأولى للعلاج السلوكيّ والمعرفي موجودة في التراث العربيّ الإسلاميّ، فالقارئ سوف يُفاجأ بمدى الظلم الذي أُلحق بهذا التراث، فالأطباء العرب لا يعرفون عنه إلا القليل، والغربيون أغفلوه أو جهلوه، مع أن فيه ما يشير إلى بدايات تبلور العلاج السلوكيّ في الفكر البشريّ بوجه عام.

يقول ابن سينا (980-1038م) في تحليله للسلوك: [إذا كان تناول الطعام مقترنًا باللذة، والضرب مقترنًا بالألم، فإن الحيوان والإنسان يحتفظان في ذاكرتيهما بصورة الطعام مقترنة باللذة، وبصورة العصا مقترنةً بالألم، فتصبح رؤية الطعام فيما بعد مثيرة للشعور باللذة، ورؤية العصا مثيرة للشعور بالألم] (محمد عثمان نجاتي 1980)، وهذه هي الاستجابة الشرطيّة التي قال بها الروسي إيفان بافلوف (1849 - 1936) بعد عشرة قرون من ابن سينا، والتي تُدرَّس في بلادنا منسوبة إلى بافلوف على أنه مبدعها الأول([40]).

فالغربيون يبدأ تاريخهم للعلاج السلوكي من عند مفاهيم وتطبيقات التعلم الشرطي للروسي إيفان بافلوف، الذي درَّب الكلاب على أن يسيل لعابها عند سماعها لصوت جرس معين بعدما تكرر وضع الطعام أمامها بعد قرع الجرس مباشرة عدة مرات([41])، وقد استنتج من ذلك ما ذكره ابن سينا قبل عشرة قرون، ولكن بافلوف وضع فكرته في إطار مناسب لعصره وهو إطار التجربة المعمليّة([42]).

وقدَّم أبو زيد البلخي في القرن التاسع - العاشر الميلادي برنامج العلاج السلوكي المعرفي، حيث قال: [أنْ يعلم المريض بالوسواس أنه يعاني من عرض، وأنَّ الناس من معارفه يشهدون بأنها وساوس باطلة، وأنها لا تستتبع أي ضرر، بل هي مجرد أفكار سخيفة عليه ألا يلتفت إليها]([43]).

ويشير أبو زيد البلخي إلى أهميّة التداوي باستخدام العقاقير، وهو ما نعتمد عليه كثيرًا اليوم في علاج اضطراب الوسواس القهري، ولم يكن أبو زيد في ذلك وحده، فقد أورد ابن سينا في كتابه المرجعي الشهير (القانون في الطب) بعض التركيبات الدوائيّة والأعشاب وغيرها كوصفة علاجيّة لمرض الوسواس القهري([44]).

العلاج بالجراحة العصبيّة:: حيث يقوم الجرَّاح بقطع القنوات العصبيّة في بعض مناطق المخ، التي تصل بين القشرة الأماميّة والنواة المذنّبة والكرة الشاحبة في الدماغ المتوسط، أي قطع حلقة الوسواس القهري المفرَغة بشكل أو بآخر.

إلا أن النتائج التي تحصل بعد الجراحة غير مشجعة، وهي غالبًا ما تبقي الفكرة التسلطيّة، إنما دون أن تستثير ما كانت تستثيره من ضيق وقلق وتوتر لدى المريض قبل إجراء الجراحة، أي تقليل نسبة القلق والتوتر فقط([45]).

العلاج بالعقاقير: بيّنت الأبحاث أن الأدوية السيروتونيّة([46]) أكثر فاعليّة من الأدوية التي تؤثر على النواقل العصبيّة الأخرى، مع ملاحظة أهميّة بيان العلاقة بين الوساوس القهريّة وبعض النواقل العصبيّة الأخرى([47]). كما أظهر عقار الفلوكستين (Flouxetine) -الأميركي المنشأ- أن له تأثيرًا علاجيًا مساويًا لتأثير الكلوميبرامين (Chlomipramine) -الأوروبي المنشأ- بل كانت آثاره الجانبيّة أقل. وتلا ذلك ظهور عدة عقاقير تعمل فقط على تثبيط استرجاع السيروتونين، وسميت هذه المجموعة الجديدة من العقاقير بمثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائيّة (لأنها تختار السيروتونين دون غيره من الناقلات العصبيّة)، فيطلقون عليها اسم (الماسا) اختصارًا([48]).

العلاج السلوكي: في العلاج السلوكي يقوم المعالج بأداء السلوك الذي يتجنبه المريض ويخاف منه، كنوعٍ من إعطاء نموذج للمريض، ومن الممكن أن يعرِّض المريض للمثيرات التي تستدعي منه القيام بطقوسه القهريّة، ثم يمنع المريض عن ممارسة تلك الطقوس، وهذا العلاج يسبِّب في بدايته الكثير من الضيق والألم والتوتر، إلا أنه بعد فترة من الإصرار على مقاومة الرغبة في أداء الطقوس القهريّة والامتناع عنها يقل الضيق وينحسر تدريجيًا إلى أن ينتهي، لأن الضيق كجميع الأمور، إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدِّه، فمثلاً: من كان مريضًا بالخوف الوسواسي من كل مادة بيضاء، فعليه أن يقوم بإمساك مادة بيضاء كالدقيق، ونثرها بأصابعه على كفيّه، ثم لا يقوم بغسل يديه ولا حتى بنفضهما، وأن يستمر على ذلك إلى أن ينتهي خوفه من كل مادة بيضاء، ويمكن أن يطبّق هذا الأمر على الخوف من النجاسات أو الأوساخ عمومًا، وبالطبع: كلّ ذلك يجري بمساعدة الدواء([49]).

وقد أشار من قبل إلى هذا الأسلوب من العلاج (أسلوب التعرض ومنع الاستجابة) مولى المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) في حكمة قصيرة من كلماته البليغة والتي تتداولها الألسن جيلاً بعد جيل، حيث يقول: [إذا هِبْتَ أمرًا فَقَعْ فيه فإنّ شدّة توقّيه أعظم مما تخاف منه]([50]).

ومن المهم جدًا أن يشرح المُعالِج للمريض الفكرة الجوهريّة للعلاج، وأن يُفهِمه ويُطمئِنه إلى أن الزيادة الشديدة في مستوى التوتر والقلق، والذي يحدث في بداية التعرض للمثيرات التي يتجنبها، ليست إلا زيادة عابرة، ولن تجعل الحالة أسوأ كما يظن كثير من المرضى، بل هي وجع الساعة الذي يغنيه -بل يريحه- من وجع الساعات الطويلة من حياته فيما بعد.

ولعلّ في أحاديث أهل بيت العصمة ^ ما يبيّن لنا توجيههم لنا بمنع الاستجابة عندما يتعرض المصليّ للوسواس، فلا يجوز له قطع صلاته، بل لا يعتني بالوسوسة مطلقًا، وإن كان بعض تلك الوساوس تعود إلى الشيطان، فإن هذا الأسلوب يفيد حتى في بعض حالات الوسواس القهريّ، بل حتى كثرة الشك اعتبرها الفقهاء سببًا كافيًا لعدم الاعتناء بالشك وإن لم تصل إلى حد الوسوسة، ولعل هذا الأمر يكون واقيًا للمرء عن الوصول إلى حالة الوسوسة، ثم جعلوا المدار في انطباق كثرة الشك على شخص ما هو العرف، وتلك المسألة الفقهيّة الأخيرة، إن دلَّت على شيء، فإنها تدل على أن الأفراد الأسوياء من العقلاء هم المعيار في الحكم على تصرفات المصاب بمرض الوسواس القهري، وبالتالي يستطيع المجتمع أن يكون مساهمًا في علاجه([51]).

أما العلاج المعرفي: فقد بدأ حديثًا يحقّق النجاح في علاج الوسواس القهري، وقد أثبتت الدراسات الحديثة (Marks et al.,1975) و (Abramowitz,1997) فاعليته في علاج هذا المرض، حيث استخلص الباحثون بعض طرق التفكير عند المرضى، فهناك من رأى أن الأفكار الاقتحاميّة (Intrusive Thoughts) -(أي الأفكار التي تقتحم وعي الإنسان عمومًا)- من الممكن أن تمر مرور الكرام كما يحدث مع معظم البشر، إلا أن مريض اضطراب الوسواس القهري يحس بفداحة هذا الاقتحام، ويعطيه وزنًا نفسيًا وفكريًا كبيرًا، كما يحسّ بأنه قد تسبب بضرر ضخم، وأنه مسؤول عن ذلك، وهذا الإدراك غير العابر لفكرة كان من الممكن أن تكون عابرة، هو ما يتسبب في تثبيتها، وهو ما يعطيها القوة على البقاء، فينتج عن هذه الأفكار التلقائيّة السلبيّة التي يعتبر حدوثها -عقب اقتحام الفكرة التسلطيّة لوعي المريض- سببًا في تسلط الفكرة عليه (Salkovskiz,1985)([52]).

العلاج السلوكي والمعرفي عند الأطفال:

أما أعراض الوسواس القهري عند الأطفال، فغالبًا ما تشبه تلك التي يعاني منها الكبار مع بعض الفروق.

والعلاج السلوكي للأطفال يشمل تعريض الطفل للأشياء الحقيقيّة المثيرة للوساوس والمؤدية إلى السلوك القهري.

أما العلاج المعرفي فيُستعمل لمجابهة التفكير الكوارثي عند الطفل (أي توقع الكوارث والمصائب من أي إهمال بسيط، حقيقي أو متخيل)، أو الإحساس الزائد بالمسؤوليّة، أو الافتراضات الخاطئة التي تكون دائمًا مسؤولة عن الطقوس القهريّة([53]).

النظريّة العقليّة الانفعاليّة لعلاج السلوك (ABC) لألبرت إليس (Albert Ellis)

تفيد هذه النظريّة أن أفكار الفرد هي التي تؤثر في مشاعره، وأحيانًا توجدها، وينظر إليس([54]) إلى البيئة وإلى مرحلة الطفولة على أنهما يساعدان الميل الفطري لتكوين الأفكار غير العقلانيّة ونموها.

يلخص إليس نظرته إلى شخصيّة الإنسان في إطار ما يعرف ب (ABC)، وملخصها أن الناس عادة يطلبون العلاج نتيجة حالة انفعاليّة أو سلوكيّة تسبب لهم اضطرابًا (Consequence Emotional) (C)، ويُرجعون في الغالب هذا الانفعال أو السلوك إلى حصول حادث خارجي (Activating Events) (A)، إلا أن الأمور وفق نظريّة إليس ليست كذلك، فعلى الرغم من أن النتائج الانفعاليّة تبدو مرتبطة بالحدث (A)، إلا أنها ليست نتيجة مباشرة له، بل هي نتيجة للأفكار والمعتقدات والعبارات الذاتيّة (B)، التي يستمر الفرد بتكرارها لنفسه، فتؤدّي إلى الشعور بالخوف أو القلق أو الاكتئاب، ومن ثم طوَّر "إليس" نظريته لتصبح: (ABCDEF)([55])، ثم زيد على هذه النظريّة (G)([56]).

تطبيق نظريّة "إليس" على موضوع البحث (اضطراب الوسواس القهري)

وإذا أردنا تطبيق هذه النظريّة على موضوع بحثنا نجد أن:

- A

 - (Activating Event = الحدث): تأنيب الطفل بشكل مستمر على عدم النظافة مثلاً (التبول في ثيابه)، وكما ذكرنا فإنّ الأحداث في الطفولة تنمو وتؤثر في الكبر بحسب شدّتها وتأثيرها ووقعها على نفس الطفل.

- B

 (= Believes الأفكار أو الاعتقادات): إعتقادات الفرد غير العقلانيّة، حيث يردّد لنفسه بشكل دائم: (أنا إنسان غير نظيف، وغير قادر على المحافظة على نظافة نفسي والأمور المتعلّقة بي)، وبالتالي فإنّه يلزم حتى يكون نظيفًا أن يتّكل على الآخرين في إنجاز أموره، وبالتالي يكون مصدر إزعاج، وربما عبئًا لمن حوله، ويتمنى أحيانًا لو أنّه يموت ويرتاح ويريح الآخرين منه.

- C

 (Emotional Concequences = النتائج الانفعاليّة): إحساس المريض بالقلق والتوتر والشعور بالذنب لأنه مصدر إرباك وإزعاج لمن حوله ولأسرته خصوصًا. فتسبب تلك الانفعالات اضطرابًا له، فيعمد إلى أمور النظافة بشكل مبالغ فيه، حيث يغسل يديه مرارًا وتكرارًا، أو يغسل ثيابه مثلاً بالمنظفات والمعقمات بكميات كبيرة، ما يؤدي أحيانًا إلى تلفها أو إلحاق الضرر بجسمه، أو مثلاً يؤدّي الشعور بالذنب إلى البطء والوسواس، أو يحصل لديه الخوف من القاذورات بشكل يزيد عن الحدّ، فيعتقد أنه بإعطائه نفسه وقتًا أكثر للنظافة سينجز الأمور كما يجب، ولا يتسبب بأي إزعاج للآخرين.

فيلجأ المعالج هنا إلى طرق تغيير التفكير اللاعقلاني إلى تفكير عقلاني، وهذه الطرق تتمثل في:

- D

(Disputation = التفنيد)، أي: دحض الأفكار اللاعقلانيّة من جهة المعالج للمريض، وذلك بزرع أفكار عقلانيّة مكانها، وإقناع المريض بها، فتختفي الأفكار اللاعقلانيّة عند المريض بشكل تلقائي، ففي مثالنا: الأفكار العقلانيّة (طبعًا بعد معرفة الحدث والسبب في نشوء الأفكار اللاعقلانيّة):

إنّ كلّ الأطفال غير قادرين على التحكم في عمليّة الإخراج أو التبول في مرحلة ما، وهذا أمر طبيعي.

وإنّ الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يستطيع الاستغناء عن خدمات الآخرين، كما أنّ الآخرين بدورهم محتاجون له، وهذا التعاون والتبادل في الخدمات يفترض وجوده (محاولة إزالة الشعور بالذنب وبأنه مصدر إزعاج)، وأنّ التعاون في موضوع النظافة أمرجيد.

وأنّ القاذورات يمكن تحملّها بشكل طبيعي حتى ينجز الإنسان كامل عمله إذا نتج عن هذا العمل اتساخ نفسه أو ثيابه، وهذا لا ينافي كون الإنسان يحمل صفة النظافة، ويعطي المعالج أمثلة على ذلك (كمشاهدة العامل في تصليح السيارات) وغير ذلك من الأمثلة.

وهناك طرق أخرى تساعد على دحض تلك الأفكار، كالكفّ عن كلمات كالتعظيم والتعميم، وتغيير الألفاظ، من قبيل: (يجب أن أكون نظيفًا دائمًا) إلى: الأفضل أن أكون كذا.

- E

 (Effect) ونتيجة لهذه الأفكار العقلانيّة التي تحدَّثنا عنها يأتي التأثير الجديد في سلوك المريض، أي أن التطوير والتحسن في هذه النظريّة ارتكز على أمرين:

أولا: التخلّي عن الأفكار اللاعقلانيّة، وتبنّي أفكارٍ عقلانيّة تحل محلها بشكل تلقائي.

ثانيا: F(Feelings) ثم تتولَّد لديه مشاعر جديدة تفاؤليّة، وتستعمل في هذه المرحلة التغذية الراجعة([57]) للمريض.

وحتى يحصل الاطمئنان: من الجيد عندئذ متابعة هذه الحالة وهذا التحسن، وهذا بالتالي يؤدي إلى تدعيم الثقة بين المريض والمرشد النفسي، وفي هذه الحالة فإنّ بعض المقفلات عند المريض النفسي تصبح مفتوحة، ليفصح عن مكنونات نفسه، فيسهل التعامل معه في سبيل نجاح العلاج.

- G

 (Goals = الأهداف): توصيل حالة المريض إلى وضع أهداف جديدة تفاؤليّة ناتجة عن أفكار عقلانيّة، ومن المهم إشراك الأسرة في العملية العلاجيّة، سواء بالحرص على مداومة تناول الأدوية اللازمة، أو في مراحل العلاج السلوكي أو المعرفي، بحيث يكونون بمثابة معالجين مساعدين للطبيب، وأن يتفهّموا طبيعة الاضطراب وطبيعة أعراضه، وأن يتعلموا كيفيّة التعامل معها([58]).

ومع تعدد أنواع العلاج تبرز الفكرة الأهم والأنجح والأضمن، ألا وهي الوقاية من المرض بالتربية السليمة والمرونة بالتعاطي، وإحاطة الطفل بالأمان والطمأنينة، والحرص على عدم تحميله المسؤوليّة التي ينتج عنها الشعور بالذنب فيما لو ارتكب خطأ ما، وتفهمه فيما لو قام ببعض التصرفات الغريبة، والتي ربما تكون مزعجة أحيانًا، فَلَرُبَّ كلمة تأنيب وتوبيخ تؤدّي بالطفل إلى الإصابة بالمرض (نتيجة شعوره بالذنب) فيما لو كان لديه الاستعداد والقابليّة له. وهناك مواقف تتطلب صبرًا حتى لا تترك أثرًا ضارًا في نفوس أطفالنا، في الوقت الذي إن لم نستطع تجاوز الموقف بعقلانيّة وأناة، نضطر فيما بعد إلى مواجهة نتائجه المؤسفة، وبالتالي الوقوع في الحيرة والارتباك حيال المرض وعلاجه.

الخاتمة:

تبيّن من خلال هذا البحث أن هناك فرقًا بين حالات الوسواس، فإذا ما وصلت إلى حدّ الاضطراب استدعت تدخلاً علاجيًا، والطبيب هو من يحدِّد مدى شدة الحالة، إنما هناك طرق وقائيّة تحول دون وصول الوسواس القهري إلى حدّ الاضطراب، لمن لديهم استعداد وقابليّة لهذا المرض، ومن هذه الطرق: تأمين التربية السليمة والاطمئنان النفسي للفرد منذ طفولته، وتدعيم ثقته بنفسه، وعدم تحميله المسؤوليّة في أخطاء عاديّة يرتكبها بشكل يفوق الحدّ، وإيجاد المرونة في التعامل.

وقد ذكرنا في البحث أن هناك جذورًا للوسواس، بمعنى أن وجود الأرضيّة له يهيِّئ لوجود هذا المرض واستفحاله إذا لم يتمّ التنبّه له وتداركه في الوقت المناسب. واتضح لدينا أنه كلما كان المرض في بداياته كان العلاج أسرع وأضمن.

والواقع أنه لا يقدِّر قيمة معاناة المريض والمصاب إلا من ألمَّ بدقائق وتفاصيل هذا المرض، ولا يشاركه في أحاسيسه سوى طبيبه وأسرته وأصدقائه، الذين يحبُّون له الخير، ويتمنّون له الصحة والعافية التي نأمل في تحققها لجميع المرضى إن شاء الله تعالى.

وأخيرًا: نلفت النظر إلى أننا قد ذكرنا اضطراب الوسواس القهري بشكل عام، وركّزنا على حالته عند الأطفال بشكلٍ خاص، نظرًا لضرورة العناية والاهتمام بهذه الحالات منذ بداياتها وقبل تمكّن المرض واستفحاله، ولأن الأطفال هم أجيال الغد وشباب المستقبل، وبسلامتهم نعيش الأمل.


ـــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) الأمراض السيكوسوماتيّة هي الأمراض التي منشؤها وأصلها وسببها نفسي ونتيجتها جسميّة عضويّة. راجع: علم النفس الفسيولوجي، أحمد عبد الخالق، ص209. دار المعرفة الجامعية - الإسكندرية - 1986م.

([2]) راجع: تاج العروس للزبيدي، تحقيق علي شيري، ج9 ص31، دار الفكر، بيروت، 1994؛ والصحاح للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، ج3 ص988، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1987؛ ولسان العرب لابن منظور، ج6 ص254-255، نشر أدب الحوزة، قم، محرم 1405 هـ.

([3]) الوسواس والهواجس النفسيّة، د. علي القائمي، ص8، البيان للترجمة، دار النبلاء، بيروت، ط1، 1996.

([4]) ق: 16.

([5]) الناس: 4.

([6]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص9.

([7]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، وائل أبو هندي، عالم المعرفة، عدد 293، ص264، الكويت 2003، بتصرف.

([8]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، محمد شريف سالم، ص16، دار العقيدة، القاهرة، ط5، 2008.

([9]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص16.

([10]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، 17-18، بتصرف.

([11]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص263.

([12]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص81.

([13]) السيروتونين هو ناقل عصبي له دور مهم في عمليات عديدة، مثل: النوم، والشهيّة، وحرارة الجسم، والألم، والعدوانيّة، والمزاج.

([14]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص18-19، بتصرف.

([15]) ليو كانر leo kanner (1894-1981)، طبيب نفسي أمريكي من أصل نمساوي، عُرف بأعماله المرتبطة بمجال دراسات وبحوث التوحد (الأوتيزم)، حيث يعدُّ كانر أول من عرف هذا المرض. (مقال بعنوان التوحد والتواصل، ترجمة وتعليق عبد العزيز إبراهيم سليم، موقع أطفال الخليج، ذوي الاحتياجات الخاصة).

([16]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص83، بتصرف.

([17]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص251، بتصرف.

([18]) وسنتعرض لتفصيل بعض حالات وسواس الخوف في محله إن شاء الله.

([19]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص14-19، بتصرف.

([20]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص214، بتصرف.

([21]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص14-19، بتصرف.

([22]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص23-24، بتصرف.

([23]) د. سداد جواد التميمي، موقع مجانين، بتصرف.

([24]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص24-25، بتصرّف.

([25]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص26-27، بتصرف.

([26]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص28-29، بتصرف.

([27]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص20، بتصرف.

([28]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص62، بتصرف.

([29]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص63، بتصرف.

([30]) المصدر السابق ص63.

([31]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص64-65، بتصرف.

([32]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص66، بتصرف.

([33]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص68، بتصرف.

([34]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص19، بتصرف.

([35]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص74، بتصرف.

([36]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص75، بتصرف.

([37]) الوسواس والهواجس النفسيّة، ص78، بتصرف.

([38]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص264، بتصرف.

([39]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص20.

([40]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص166.

([41]) لاحظ الطبيب الروسي إيفان بافلوف في أثناء إجرائه للتجارب على نشاط الجهاز الغدي لتحديد علاقته بعمليات الهضم لدى الحيوان، لاحظ أن حيوانات المختبر وهي الكلاب تبدأ بالاستجابة بطريقة معينة، تتمثل بالوقوف والتهيؤ لتناول الطعام وسيلان اللعاب بمجرد سماع خطوات الحارس في أثناء سيره بالقرب من المختبر. إن مثل هذه الملاحظة نالت اهتمامه، الأمر الذي دفعه إلى التساؤل عن السبب وراء هذا السلوك، والذي حدا به إلى التحول لدراسة الجهاز العصبي وعمليّة التعلم، حيث كرَّس بقيّة حياته وجهوده لدراسة النشاط الدماغي وعمليّة التعلم، في محاولة لتفسير وفهم هذه العمليّة. وللتأكد من صحة فرضيته فيما يتعلق بمبدأ الإشراط (conditioning) الذي استنتجه من ملاحظة سيلان لعاب الكلاب عند سماع صوت أقدام الحارس، استخدم بافلوف في إحدى تجاربه صوت الجرس كمثير قدَّمه لكلب التجربة، حيث لاحظ عدم ظهور أيّة استجابة من الكلب حيال هذا المثير، وقد كانت هذه الخطوة الأولى في تجربته. وفي الخطوة التالية قدّم صوت الجرس، وهو بمثابة مثير محايد ليس له تأثير في سلوك الكلب، ثم أتبعه بالطعام والذي يشكل المثير الطبيعي، أي بطبيعته يُحدِث السلوك لدى الكلب، إذ لا يحتاج الكلب ليتعلم كيف يستجيب إليه. فكانت الاستجابة من قِبَل الكلب هي سيلان اللعاب، وكانت للطعام (المثير الطبيعي)، وهي استجابة طبيعيّة غير متعلَّمة. كرر بافلوف عمليّة تقديم الجرس (المثير المحايد) متبوعًا بالطعام (المثير الطبيعي) لعدد من المرات، الأمر الذي أدى بالنهاية إلى أن أصبح الكلب يستجيب لمجرد سماع الجرس كنتيجة لتكرار الاقتران بينهما، أي تعلَّم الكلب أن يستجيب لذلك المثير بنفس الاستجابة التي يؤدِّيها للمثير الطبيعي. ومن ثَمَّ أصبح صوت الجرس مثيرًا شرطيًا، واستجابة سيلان اللعاب التي يحدثها تسمى بالاستجابة الشرطيّة. وهذا يشير إلى أن المثير المحايد (صوت الجرس) اكتسب صفة المثير الطبيعي (الطعام)، بحيث أصبح قادرًا على إحداث الاستجابة التي يحدثها المثير الطبيعي.

([42]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص171، بتصرف.

([43]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص167.

([44]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص169.

([45]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص188، بتصرف، وقد رأينا أن لا يخلو البحث من إشارة ولو مختصرة إلى العلاج بواسطة الجراحة، ومن أراد التفصيل فليراجع: [الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي].

([46]) كعقار السيرترالين [Sertraline] المختص فقط بالسيروتونين، فهناك دراسات [Jenike & Rausch 1994] أثبتت أن للسيرترالين فاعليّة أكبر من عقار الكلوميبرامين على اضطراب الوسواس القهري، راجع: [الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي] ص185.

([47]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص18، بتصرف.

([48]) مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائيّة معناها في اللغة الطبيّة الإنكليزيّة: Selective serotonin reuptake inhibitors وتختصر بالحروف الأولى من كل كلمة، فتكون [SSRIs]، كذلك اختصرت باللغة العربيّة بالطريقة نفسها أي بالحروف الأولى من كل كلمة، فيصبح: [م.ا.س.ا] أو [ماسا]. انظر: [الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي] ص179-180.

([49]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص173، بتصرف.

([50]) نهج البلاغة، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، شرح الشيخ محمد عبده، ج4، حكمة رقم 175، ص42، مطبعة النهضة، قم، ط1، 1412 هـ.

([51]) سنكتفي هنا بإيراد بعض الفتاوى الشرعيّة لسماحة المرجع السيد علي الحسيني السيستاني، دون ذكر الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة ^، لضيق المقام، ولأننا نعتقد جازمين أن فتاوى فقهاء مدرسة أهل البيت ^، هي ترجمة صادقة وتطبيق لتلك الروايات الشريفة.

قال السيد السيستاني في منهاج الصالحين ج1، ص258، مسألة 847: [... وحكم الوسواسي في الإتيان بالصلاة وعدمه أن لا يعتني بشكه، فيبني على الإتيان بها وإن كان في الوقت، ويُلحق كثير الشك به في ذلك]. وقال في مسألة 849: [كثير الشك لا يعتني بشكه، سواء أكان الشك في عدد الركعات أم في الأفعال أم في الشرائط، فيبني على وقوع المشكوك فيه...]. وقال في مسألة 854: [لا يجوز لكثير الشك الاعتناء بشكه....]. وقال في مسألة 851: [المرجع في صدق كثرة الشك هو العرف...].

([52]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص176-177، بتصرف.

([53]) الوسواس القهري دليل عملي للمريض والأسرة والأصدقاء، ص39-40، بتصرف.

([54]) ألبرت إليس (1913-2007) عالم نفس أمريكي مشهور، ومؤسس معهد ألبرت إليس للعلاج المنطقي الانفعالي للسلوك في نيويورك، يُعرَف بأنه [أبُ العلاج المنطقي الانفعالي للسلوك، وجدُّ العلاج الإدراكي للسلوك]، الشكلين الأكثر تطبيقًا في أيامنا للعلاج النفسي، ألّف أكثر من خمسين كتابًا، من مؤلفاته (دليل جديد إلى الحياة العقلانيّة) و(اجعل حياتك سعيدة). راجع خاتمة كتابه (اجعل حياتك سعيدة، نشر الدار العربيّة للعلوم، ط1، 2004)، وانظر موقع ألبرت إليس http://www.rebt.ws/albertellisbiography.html.

([55]) انظر: Elles, A. (1998), Rational-Emotive Therapy and Cognitive Behavior Therapy, Similarities and Differences, New York, Appleton-century-Crofts.

وانظر أيضا: ريم أبو فايد، فاعليّة برنامج إرشادي مقترح لتخفيف حدة الاكتئاب لدى مرضى الفشل الكلوي، غزة، 2010، (رسالة ماجستير مقدمة للدكتور عاطف الآغا).

وانظر أيضا: (الموقع الإلكتروني: أكاديميّة علم النفس، مقال للدكتور فراج، منشور بتاريخ: 6-5-2011).

([56]) انظر: Elles, A. (1998), Rational-Emotive Therapy and Cognitive Behavior Therapy, Similarities and Differences, New York, Appleton-century-Crofts.

 

([57]) التغذية الراجعة: هي الرجوع إلى المعلومات المرتبطة بالأداء والاستفادة منها، وذلك بتلافي نقاط الضعف، والتركيز على نقاط القوة من خلال تحسينها وتطويرها.

([58]) الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي، ص190، بتصرف.

 

 

 

 

 

الهمزة (الألف)

شريف يحيى الأمين

 

توطئة طريفة

يبدو للناظر والباحث أن الأحرف الفرنسيّة قد اختارت عنوانًا لها، مأخوذًا من الأحرف العربية الثلاثة الأولى (ألف-باء-تاء)، وهو كما يلي [L`ALPHABET, order alphabétique]، وهذا العنوان موجود في كتاب مختص بقواعد اللغة الفرنسية (طبعة 1936) الصفحة الثامنة، صادر عن دار نشر شهيرة هي [Librerie Hachette]، ومما يعزز هذا الظن أن النطق بالأحرف الفرنسيّة، وبخاصة الأولى منها، جامد، ولا يشاكل أو يحاكي النطق بالأحرف العربيّة. فهم يلفظون A بنطق قريب من [آ] بالعربي، وb وc وd مثل بى وسى ودى، بالإمالة نحو الياء، أما بعض الأحرف الأخرى ومنها وM وN وF فإنها تلفظ مثل [إم وإن وإف]، بإمالة الهمزة قليلاً نحو الياء، ومما يدعم هذا الزعم أنّي بينما كنت أستمع منذ مدة لإحدى الإذاعات العالميّة أظنها الـ[بي بي سي] عن حوار لبعض المفكرين يتناول [الكوميديا الإلهيّة] للإيطالي [دانتي]، نفى أحد الإيطاليين أن يكون دانتي قد أخذ قواعد اللغة الإيطاليّة عن العربيّة، ونفهم من هذا القول أنه مساهم أو واضع هذه القواعد، وأن صلةً ما له بالعربية؟؟!

أما تأثير الأندلس، وبخاصة جامعة قرطبة، على الفكر الغربي وأهله، فيكفي أن نذكر أن أحد خريجيها اعتلى منصب البابويّة في روما تحت اسم [سلفستر الثاني] (عاش في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي).

تمهيد أوّلي

مقدار الهمزة بحساب الجمَّل واحد. ولها أهمية خاصة، فبها تبدأ الأحرف الهجائية، ويعبّر عنها بالألف المهموزة، كالحرف الصحيح، وهي أيضًا من حروف العلّة (ألف واو وياء)، ومن حروف الزيادة، ومن الحروف القمريّة أيضًا، غير أن لها حالات من التليين والحذف والإبدال، وقد يُتجَوَّز فيها فيقال "ألف".

فالألف كما هو واضح من حروف المدّ واللّين، فالليّنة تُسمّى "ألفا"، والمتحركة تسمى "الهمزة"، فإذا مَدَدْتَ نوَّنْتَ، مثل: وعاءٌ، ويُقصر فلا يُنوّن مثل: وفا.

والألف يُنادى بها القريب دون البعيد، نحو: [أَزَيْدُ أَقْبِلْ]، بألف مقصورة([1])،  أي: [يَا زَيْدُ أَقْبِلْ].

وهي في أول الكلام، وتعامل معاملة "أل التعريف" أو "ألف الأمر"، ولا تستعمل إلا كما وردت، مثاله: "الأب، الأبان" مثنّى على الأصل والقصر.

المقصور مثل: الوفا والصفا، الممدود: الوفاء، الصفاء، الخضراء والنساء.

وقد تكون الألف ضمير الاثنين في الأفعال نحو: فَعَلا ويَفْعَلانِ، وللتثنية في الأسماء نحو: زيدان ورجلان.

إذا سكّنت الهمزة بعد غير الهمزة يكثُر قلبها حرفَ مدٍّ نحو [راس، وشوم، وتونس، وذيب، وبير]، وجاز إبقاؤها على أصلها، فيقال: [رأس، وشؤم، وذئب، وبئر]، أما إذا تحركت الهمزة في الطرف بعد واو أو ياء ساكنتين فالمختار قلبُها واوًا بعد الواو وياءً بعد الياء وإدغامها في ما قبلها نحو [الضَّو والنّبي والرزيّة] فأصلها [الضوء والنبيء والرزيئة]، بخلاف سوء وشيء فالمختار إثباتها.

وإذا سكَنت الهمزة بعد همزة متحركة، وجب قلبها حرف مد لتسهيل اللفظ، فتنقلب ألفًا بعد المفتوحة مثل [آتى]، وواوًا بعد المضمومة نحو [أوتِيَ]، وياء بعد المكسور مثل [إيتاء] وهذا من التليين. والألف اللينة لا حرف لها وإنما هي جزء من مدّة بعد فتحة.

قد تكون الألف منقلبةً عن الواو نحو: غزا من الغزو، وعن الياء مثل رمى من الرمي. وقد لا تكون كذلك مثل [إلى وحتى وإذا ومتى ولا ويا]. وقد تكتب ولا تلفظ بعد واو الجماعة مثل: [ساروا وذهبوا]. وألف لا تكتب ولكن تلفظ (الله -الرحمن - لكن - هذا وهذه).

والألف للتصغير: (اللَّذَيَّا واللَّتيّا) تصغير الذي والتي.

- الأجوف من الأفعال والألف اللينة مثل: (خاف وباعَ وسارَ)، أي من كانت عينه حرف علة، وهذه الألف لا تقبل الحركة، وفيها يقول الشاعر: [فكأنّني أَلِفٌ لا يمكنُ تحريكُهُ].

- تولّد الألف اللينة، مثاله لابن هَرْمَة: [ومِنْ ذمَِ الرِّجَالِ بِمُنْتَزاحِ]. تولّدت الألف اللينة حين أشبع فتحة الزاي.

- حذف ألف ما الاستفهامية المسبوقة بحرف جرّ، مثل: عمَّ وفيمَ وعَلامَ وبمَ ولمَ.

- الاكتفاء بهمزة النداء عن همزة الاستفهام: يورد النحويون شاهدًا على الاكتفاء بهمزة النداء عن همزة الاستفهام قول ثعلبة بن عمرو: [أَأَسْماءُ لَمْ تسألي عن أبيكِ].

- تخفيف الهمزة: تقول العرب: رَأَى يَرَى، والقياس يَرْأى كَيَنْعى، لكن العرب أجمعت على حذف الهمزة من مُضارعه فقالوا: يرى - يَرَيَان - يَرَوْن - ويَرَيْن. سال: سَأَلَ، مثاله لتأبّط شرًّا: [فمن سال أين ثوت جارتي]، الفار: الفأر، لعلقمة: [تري الفارَ] ومثلها الفارة: الفأرة. للعجلان: [يُبَارِكْنَ مِرآةً جَليّةً وفَارةً].

[تَمالَا على النُّعمان قَوْمٌ] للأعشى، أصلها: تمالأَ على النعمان، وله أيضًا: [هَؤُلَى ثم هَؤُلَى] أي هؤلاء. إِزايَ لأُحَيْحةِ الَجلاّح: [ولكنّي جَعَلْتُ إِزايَ مالي]، فخفّف إزائي أي أمامي.

- ألف التأنيث المقصورة: تختص بالأسماء، وهي ألف مُفْردة لازمة قبلها فتحة نحو [لَيْلَى وسَلْمَى] وعلى وزن فُعَلى (بضم ففتح) مثل: أُرَبَى للداهية، ورُحَبى وجُنَفَى وشُعَبى، لأمكنة بعينها.

وعلى وزن فُعْلى (بضم فسكون) فتكون اسمًا مثل [بُهْمَى] لنبت أو صفة مثل [حُبْلى وفُضْلى] أو مصدرًا مثل: [رُجْعى وبُشْرى]. وفَعَلَى (بفتحات) فتكون اسمًا مثل [بَرَدَى] (نهر بردى).

أما ألف التأنيث الممدودة على وزن فَعْلاء (بفتح فسكون) فتكون اسمًا مثل صحراء وبيداء، أو مصدرًا مثل رَغْبَاء، أو صفة مثل حَسْناء وديمة هَطْلاء، ومنها على وزن فَاعُولاء مثل تاسُوعاء وعاشُوراء.

- رسم الألف مثل الياء: إذا تجاوزت الأربعة ترسم الألف مثل الياء: [مصطفى ومرتضى ومجتبى ومقتضى]، أو كان أصلها ياء نحو [الهُدَى والنُّهى والفَتَى والدُّجى]، وألفًا في غيرها مثل: [القفا والعصا والخنا والشذا].

- انقلاب الياء ألفًا: قال تعالى: {يَا حَسْرَتَى}([2])؛ وقوله تعالى {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}([3])، وقولهم: يا غُلامَا. قلبت الكسرة التي قبل الياء المفتوحة فتحةً، فانقلبت الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فالأصل: يا حسرتي ويا أسفي ويا غلامي. وقال الشاعر: [يا أبَتَا أَرَّقَني القُذانُ] أي يا أبتي، ومثلها للأعشى: [يا أَبَتَا لا تزالُ عِنْدَنا].

قلبُ الهمزة واوًا وألفًا وياءً: أُوْمِن أصله أُؤْمِن، بهمزة مضمومة هي همزة المضارعة ضُمِّنَت للبناء للمجهول، وهمزة بعدها ساكنة هي فاء الكلمة، فقلبت الهمزة الثانية واوًا، لأن كل همزتين اجتمعتا في أول كلمة وثانيتهما ساكنة، تقلب الثانية حرف مدّ من جنس حركة الأولى، أما إذا اجتمعت همزتان في أول كلمة وثانيتهما ساكنة تقلب الثانية حرف مدٍّ من جنس حركة الأولى، فإذا كانت الأولى مفتوحة قلبت الثانية ألفا نحو: آدم وآثر وآمن. أما إذا كانت الأولى مكسورة قلبت الثانية ياءً، نحو: إيمان وإيثار وإيذاء.

حالات الهمزة

الألف المجتلبة:

هي همزة بعد ألف ساكنة مثل همزة طائف وزائف ورائق، وفي الجمع مثل كتائب وسرائر وجزائر وحرائر، وقد تكون الهمزة مبدلة من الياء والواو مثل همزة السماء والبكاء والعلاء والدعاء، ومنها التي تزاد لئلا يجتمع ساكنان نحو اطمأنّ واشرأبّ واشمأزّ، أصلها الثلاثي (طمن وشرب وشمز).

والهمزة الأصلية في آخر الكلمة مثل الخفاء والبواء والداء والياء.

أما إذا تطرّفت الهمزة وكان ما قبلها ساكنًا فتعتبر أصلية ظاهرة، وكتبت بصورة علامة الفصل، مثل: الجُزْء، والبَدْء، والبُطْء والعِبْء.

الإعلال والإدغام:

إذا اجتمع في كلمة ما يقتضي الإعلال والإدغام يقدّم الإدغام، كما في أَيِمَّة أصله أَأْمِمَة، فتنقل حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة وتدغم الميم ثم تقلب الهمزة ياء.

حذف الهمزة من أنا وإدغامها بالنون في قوله تعالى {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي}([4]) أصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون "لكن"، فتلاقت النونان فكان الإدغام.

- قلب بعض الأحرف ألفًا مقصورة: كما في قولهم: تقضّى وتظنّى وتصدّى، أصلها تقضَّضَ وتظنَّنَ (إعمال الظن) وتصدَّدَ من الصدَّد.

- تبادل الألف والهاء: بيَّنَ الجوهري أن الألف من مخرج الهاء ولذلك تبادلا نحو هَيَّا من حروف الندا أصلها أيَّا، أراق، وهَراق كما قال: [وهَرَاقَ الماء واتبع السَّرايا] ماه وماء، إيَّاك هِياكَ، وقولهم: لَهِنَّك (بفتح اللام وكسر الهاء) فأبدلت الهمزة هاء: لَأِنَّك وإنما جاز أن يجمع بين اللام وإنَّ وكلاهما للتوكيد لأنه لما أَبْدَلْتَ الهمزة هاءً زال لفظ إنَّ فصار كأنها آخر، كما قال الشاعر: [لَهِنَّك من عَبَسيِّة لَوَسِيمَةٌ].

قال الخليل: أصل هَاتِ من آتى يُؤْتى فقلبت الألف هاءً، وللاثنين: هاتِيا مثل آتِيا، وآجر لغة من هَاجَر، وآل: أهل، العمى والعمَه -مَهْما أصلها ماما- هَيْهات: أَيْهات، أَجيج: هَجيج.

- قلب الضمة همزة: الثوب يجمع في القلّة على أَثْوُب، وبعض العرب يقول: أَثْؤُب، لأن الضمة على الواو تستثقل والهمزة على احتمالها أقوى قال الراجز: [لَبِسْتُ لِكُلِّ دَهْرٍ أَثْؤُبا]، وكذلك دار أَدْؤُر.

حالات تبدّل الهمزة بغيرها

إبدال العين بالهمزة، مثاله للمازني: [يَدَأُ العَدُوَّ زَئيرُهُ للزائِر] يَدَأ: يَدَع، أبدل العين بالهمزة.

قلب الهمزة عينًا: عُنْفُوَان على فُعْلُوان، أصله أُنْفُوان. وهذا كقولهم: أَعَنْ تَرَسَّمْتَ، في موضع أَأَنْ ترسّمْتَ، ولامرئ القيس: [لَأَنَّنَا نبكي الديار] لغة في لَعَلّنا. الأُرْبون: العُرْبون.

قلب الواو ألفًا، مثل: لم يَدَعِ الثلجُ لها وَجَاجَا فقالوا: أَجَاج وإِجاج. كلُّ مال أَدَّيتَ زَكاتَهُ فقد ذَهَبَتْ أَبَلَتُهُ، وأصله وَبَلَتُهُ من الوَبال، فَأَبْدل بالواو. والأَحَد أصله وَحَد، وحادي عشر مقلوب من واحد، لأن تقدير واحد فاعل فأخّر الفاء وهو الواو، فقلبت ياءً لانكسار ما قبلها، وقدّم العين فصار وزنه "عالف".

قلب الهمزة ألفًا مثل مِنْسَأَة: مِنسَاة، وعَبَاءَة: عَبَايَة.

- الشاة في معنى الجمع لأن الألف واللام للجنس، فإذا كثرت قُلْتَ: هذه شاء كثيرة، كما يقال: فلان كثير الشاة، وقال تعالى: {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ}([5])، رعاء جمع راعٍ مقصور وممدود، وقال الشاعر: [أَمَرْتُ بها الرّعاءَ لِيُكْرِموها]، وكتاب الشاء للأصمعي. والنَّجاء والنَّجاة، ولآخر: نجوت من كذا نَجاءً، ممدود، ونَجاةً مقصور. ونشيد الرِّعاء لشاعر:

[فَصُرنا بَعْدَ هُلْكِ أبي قُبَيْس     كمثل الشَّاءِ في اليوم المطيرِ]

ألف الإطلاق

تكون في آخر الكلمة ولا محل لها من الإعراب، وقد تلحق الفعل والاسم المعرّف: [يا ناق سيري.. إلى سليمان فنَسْتَرِيحَا]، هنا الألف للإطلاق ولا محل لها من الإعراب، وتأتي بدل نون التوكيد الخفيفة كقوله تعالى {لَنَسْفَعًا}([6])، وكقوله تعالى {وَلَيَكُونًا}([7])، وقف الجميع عليها بالألف. وقال الشاعر: [ولا تَعْبُدِ الشيطانَ، واللهَ فَاْعبُدَا] قوله: اعْبُدا، فإن أصله: اعْبُدَنْ بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا لأجل الوقف، وقوله: [فما راءٍ كَمَنْ سَمِعَا] هنا الألف للإطلاق بسبب الوقف وليس بدلاً من نون التوكيد الخفيفة، ومثلها: [إِنْ يَظْعِنُوا فَعَجيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنَا].

أما في الاسم كقول امرئ القيس:[ القَاتِلين المَلِكَ الحُلاحِلاَ] هنا الألف للإطلاق ولا محل لها من الإعراب، ومثلها ألف الإلحاق أو الوقف مثاله: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}([8])، وللشاعر: [أقلّي اللوم عاذل والعتابا].

همزة الوصل

لا تقع همزة الوصل في أوائل الكلم، بخلاف همزة الفصل.

أولاً: ألف التعريف [أل]، ونستهلها باسم الجلالة عزّ وعلا [الله]، فهي همزة وصل في كل لفظة ترد بها إلا أن تكون في أول الكلام [ألله ولي الأمر والتدبير]، أو عند الدعاء بالياء [يا ألله]، وفيما عدا هذا فهي همزة وصل كما وردت في القرآن الكريم من البسملة إلى النهاية.

وأما إذا بدأنا الكلام بأل التعريف فتكون عندها همزة فصل كقولنا: [ألسلام عليكم] وتصبح همزة وصل بالجواب [وعليكم السلام].

- همزة فعل الأمر من ماضي الثلاثي الصحيح اللازم للمخاطب في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث: اذهب - اذهبا - اذهبوا...

إذا كانت فاء الفعل ألفًا مثل: أخذ وأكل فيقال في الأمر: خُذْ وكُلْ، وأصله: أُؤْخُذْ وأُؤْكُل، إلا أنهم استثقلوا الهمزتين فحذفوهما تخفيفًا.

أما فعل الأمر من أَمَرَ فيقول الجوهري بأن ألفه تحذف فيقال: [مُرْ] ولكن جاء في القرآن مع بقاء الألف، والظاهر أن الحالتين جائزتان.

أما فعل سأل، فقد حذفت الهمزة فقيل [سَلْ]، ومن الواضح أن فعل غَنِيَ هو فعل لازم فيقال في المضارع يَغْنَى، وفي الأمر [اغْنَ]، أما إذا صار متعديًا فيجب أن تسبقه ألف الفصل فيقال: أَغْنَى [أَغْنَاهُ الله] فيكون حينئذ رباعيًا.

أما فعل رَجَعَ فكان لازمًا ومتعديًا، وهذا ظاهر في كل آيات القرآن الكريم، وتعليل ذلك أن التعدي جاء بصيغة [رَجَعَهُ] لا [أَرْجَعَهُ]، إلا في لغة هُذَيْل.

وكذلك فعل أتى فقد ورد بمعنى جاء {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ}([9])، وبمعنى التعدي {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى}([10]).

تتصدر همزة الوصل الفعلين الخماسي والسداسي في الماضي والأمر وما يلحقها، ففي الخماسي مثلاً [انْطَلَقَ] للماضي، وفي الأمر [انْطَلِقْ]، والسداسي للماضي [اسْتَخْرَجَ] وفي الأمر [اسْتَخْرِجَ]، والمصدر للخماسي والسداسي [الانطلاق والاستخراج] والكثير مما يتفرع منها، وما يشابهها، ومنها الاستقلال والاستفهام والازدحام، ومنها الطريف: [اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ]، فهي تستوعب كل الأفعال.

ألف التسوية

مثاله الآية 6 من سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}، والآية رقم 6 من سورة المنافقون {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ}.

وكذلك كما ورد في قصة التردد: [آخُذُهَا، لا آخُذُها] أي: [أأخذها، لا أأخذها].

وهمزة الاستفهام تفيد المعادلة والتعيين لأحد الشيئين المسؤول عنهما كما تفيد "أم".

وفي النهاية: يُشار إلى همزة الوصل السَّماعية في بضعة أسماء، في الإفراد والتثنية، ما عدا ما جاز جمعه: وهو اسم - ابن - است (بمعنى الأساس)- است (بمعنى المؤخرة) من فعل سته - ابنة - امرؤ - امرأة - ابنمٌ - ايمُ - ايمُن - اثنان واثنتان. أما ما صح جمعه: أسماء وأبناء وأسْتَاهٌ.

همزة الوصل هي التي تلفظ في أول الكلام وتسقط أثناءه، مثل: [إجلس يا رجل، ويا رجل اجلس].

- تحذف همزة الوصل من أل التعريف بعد اللام الداخلة على الاسم نحو [للرجل].

- تحذف همزة الوصل المكسورة أو المضمومة إذا وقعت بعد همزة استفهام، نحو: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا}([11])،{أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ}([12])، ومثله [وأَضْطُرَّ]. وتحذف أيضًا من ابن [أَبْنُكَ هذا].

- حذف النون وهمزة الوصل كقول تأبّط شرًا: [... وَلَمّا... يَنْجُ مِلَحَيَّيْنِ إِلا الأَقَلُّ] يريد من الحيّين.

وحذف أل التعريف والألف اللينة من [على] كقول حسان:

[علْخَيْرِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ لا شِبْهُهُ * * بَشَرٌ يُعَدُّ من البَرِيَّةِ جُلُّهَا]

يريد على الخير.

همزة الفصل

همزة الفصل أصلية، وتقع في أوائل الكلم، في الاسم مثل: أسد وإصبع وأرنب، وفي الفعل مثل أكل وأخذ، وأواسطه مثل دأب وسأل، وأواخره مثل: قرأ وبدأ ودرأ.

تفتح همزة الفصل الزائدة على الفعل الثلاثي في أوله، قياسًا في ماضيه وأمره، مثل أَنْزَلَ وأَنْزِلْ، وأَكْرَمَ وأَكْرِمْ به.

وتبقى همزة فصل مع ما يتفرع عنها، نحو: إحسان وإكرام وإنزال.

وحيثما وردت الهمزة تلفظ فإنها تعتبر همزة فصل مهما كان أصلها، مثل عين فيقال أعين وأعيان، ومثل عنق وأعناق.

ومن الضروري الإشارة إلى كثير من الأسماء الأعجمية التي تبدأ بألف الفصل ومنها إستبرق وإسحاق وإبراهيم وإسماعيل وإسرائيل وإفريقيا والأندلس وكثير غيرها.

ــــــــــــــــــــــ

الهوامش
 

([1]) قال في تاج العروس : "ويقالُ في النِّداءِ للقَريبِ : آزَيْدُ أَي أَزَيْدُ . والذي في الصِّحاحِ : والألِفُ يُنادَى بها القَرِيبُ دُونَ البَعيدِ تقولُ : أَزَيْدُ أَقْبِل بأَلِفٍ مَقصورَة" انتهى. (التحرير).

([2]) الزمر: من الآية56.

([3]) يوسف: من الآية84.

([4]) الكهف: من الآية38.

([5]) القصص: من الآية23.

([6]) العلق: من الآية15.

([7]) يوسف: من الآية32.

([8]) الأحزاب من الآية 10.

([9]) النحل: 1.

([10]) طـه: 9.

([11]) صّ: من الآية63.

([12]) المنافقون: من الآية6.

 

 

 

 

 

من كتاب (موريتانيا موطن الشعر والفصاحة)

للكاتب موفق العاني([1])

فلسطين في الشعر الموريتاني المعاصر

د. حسن جعفر نور الدين

 

فلسطين في الذاكرة

منذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين سنة 1948م بدعم وتأييد مطلق من الدول العظمى وحتى اليوم، ما زال العدو الغاشم يعتدي بالبطش والقصف والعدوانية والقوة المفرطة على الشعب الفلسطيني بشيبه وشبابه، وشيوخه ونسائه وأطفاله، وعلى مسمع من الدول العربية والغربية وفي كل مدينة وبلدة وقرية، حتى أن تجاوزاته تزداد وحشية يومًا بعد يوم، فتُصادر الأراضي، وتُهوّد المدن، وتُدمر البيوت، ويُعتدى على الحرمات، ويدنّس المسجد الأقصى، مع المحاولات الجادة للسيطرة عليه وتهويده، وتُحرق كروم الزيتون وبساتين الليمون، كل ذلك -كما أشرت- في ظل صمت المسؤولين العرب وكأنّ شيئًا لم يكن وكأن أجيال العوز والفقر لم يسمعوا بها، ولم يتناهى إلى أسماعهم ما يعانون في بلاد الشتات وأحزمة البؤس وعلب السردين المتمثلة في المخيمات التي تفتقر إلى كل الظروف المناسبة المعيشية والصحية والإنسانية.

ولم يكتفِ العدو الصهيوني بما يفعله إنما أفلت العقال للمستوطنين الصهاينة ليعتدوا وينكّلوا ويسرقوا في ظل حماية مطلقة من جنود العدو واستهتار واضح بالسلطات الفلسطينية بل والسخرية منها، علاوة على الاعتقالات الجماعية التي تنفذّها بحق الفلسطينيين حتى تجاوز عدد المعتقلين عشرات الألوف.

وبلغت الوقاحة في العدو الصهيوني انه لا يسمح للمنظمات الإنسانية ولجان تقصّي الحقائق بدخول المدن الفلسطينية رغم وجود عناصر أميركية وأوروبية فيها، غير عابئ بسخط أو رضى دول هذه العناصر لعلمها أنهم لن ينبسوا ببنت شفة ولن يضرها الأمر بشيء.

والغريب أن الحكام العرب (معظمهم) لم يفكروا يومًا من الأيام بقول كلمة حق في وجه مستعمر غاصب، ولم يجرؤوا على مفاتحة الاستعمار الأميركي الذي يغدق على الصهيونية الدعم بلا حساب، ولم تكفهم مساعدة الأميركيين لإسرائيل في جميع الحروب التي خاضوها معها، لم تكفهم ليرفعوا الصوت في وجه الأميركيين وقول كلمة لا وكفى، أو لم ينفذ صبرهم من هذه السياسة التي تعلن صراحة وجهارًا دعم الصهيونية بشتى الوسائل، ويعلنوا تمردهم ويقطعوا علاقتهم ونفطهم، أم أنهم صمٌ بكمٌ عميٌ لا يفقهون .

فلسطين والشعر

في ظل هذا الوضع الدقيق والمعقّد كان الشعر العربي وما زال أحد الأسلحة التي تواجه هذا الاستعمار البغيض وربيبته الصهيونية الغاشمة حتى زماننا هذا .

والعائد إلى مجموعات الشعراء العرب يجد فيها كمًا كبيرًا من الشعر الذي تناول القضية الفلسطينية وعبّرت قصائدهم عن معاناة هذا الشعب ونضاله وتضحياته المتواصلة مستخدمين شتى الأساليب الشعرية، عدا عن الدراسات والبحوث والدراما والمسرحيات، وبشكل عام فقد خلقت مظلومية الشعب الفلسطيني حراكًا شعبيًا وأدبيًا وفكريًا جامعًا، وصدرت حتى الآن ألوف الكتب التي تحكي عن هذا الشعب المناضل وكفاحه عبر التاريخ، ولم تحتكر دولة عربية واحدة هذه الإنجازات، إنما شاركت جميع المواهب والإبداعات العربية في هذا الموضوع الذي أضحى إنسانيًا بالمفهوم العام، فتعدّى أثره إلى شعراء وأدباء أوروبيين وأميركيين وأفارقة وآسيويين شاركوا شعرًا وأدبًا في دعم حقوق الشعب الفلسطيني.

إذن، أسهم شعراء عرب كثيرون في سلّ أسلحتهم الشعرية لتكون موائمة للبندقية في صراعنا المستمر مع الصهيونية .

ومن بين هؤلاء شعراء دولة موريتانيا الإفريقية الإسلامية، فقد رفعوا راية الإسلام والعروبة وفلسطين عاليًا، وسنتذوق بعد قليل عبير قصائدهم التي قطعت ألوف الأميال لتقبّل فلسطين بشرًا وحجرًا وتسهم في نشر الوعي النضالي العربي، فما هي موريتانيا، ومن هم الشعراء الموريتانيون ؟

إطلالة على موريتانيا

إنها الدولة الإسلامية العربية الإفريقية، تقع غربي القارة الإفريقية وتشكل صلة وصل بين إفريقيا العربية وإفريقيا السوداء، نظامها جمهوري، ومساحتها مليون ومائة وعشرون ألف كيلومتر مربع، تطل على المحيط الأطلسي بمساحة ألف كيلومتر من جهة الغرب، يحدّها من الشمال والشرق الجزائر، ومن الشمال والغرب المغرب العربي، ومن الشرق مالي، ومن الجنوب نهر السنغال، أما سكانها فيبلغ تعدادهم 3،281،634 نسمة .

لغتهم العربية، ولعل أكثر ما يُعرفون به أن معظمهم شعراء، وقلما تجد موريتانيا لا يقرض الشعر، ولذلك كثر عدد الشعراء فيما بينهم .

فلسطين في الشعر الموريتاني

يتّسم الموريتانيون بمشاعرهم العروبية والإسلامية ولذلك نجد شعرهم مليئًا بقضايا أمتهم، ورغم بعدهم فهم قريبون يتفاعلون مع الأحداث، ونضالهم ضد المستعمرين والمعتدين أمر معروف، خاصة الاستعمار الفرنسي الذي دحروه وأجبروه على الرحيل سنة 1960م لتصبح موريتانيا عضوًا في الجامعة العربية .

أما فلسطين فقد أخذت حيزًا واسعًا من أشعارهم ولم تخلُ مجموعات أي شاعر من ملامسة هذه القضية والإشارة إليها، سأكتفي بالحديث عن بعض شعراء القرن العشرين فقط .

1- الشاعر الموريتاني إسماعيل ولد محمد يحظيه

ولد في موريتانيا سنة 1960م في منطقة "حاس نواتيل"، والده فقيه عالم في لغة العرب، وعليه درس الفقه والنحو، أحبّ الشعر منذ الصغر، فوزنه وقرَّضه، وكان متأثرًا بالبوصيري ومدائحه النبوية .

ينادي الشاعر إسماعيل فلسطين من بعيد، نادبًا نفسه والغيورين في الأمة إلى نجدة الأرض المقدسة والمساهمة في رفع الضيم عنها، ألا تستحق فلسطين منّا بضع كلمات وهي تفدى بالأرواح ([2]):

ويا فلسطين ذي أكبادنا انفطرت
فلم تكن هذه الصحرا لتعزلنا
ما لليهود ومالي من توغّلهم
لكنهم لم ينالوا من كرامتنا
فنحن في الغرب جزء منك مغترب
لم يغصبوا أرضنا لولا تنافرنا
الحزم فينا وفينا العزم مكتملٌ

 

 

تلك المآسي مآسٍ من مآسينا
العرق يجذبنا والدين يدنينا
فينا لقد أنشبوا فينا البراثينا
إلا بما كسبت من قَبلُ أيدينا
وأنتِ في الشرق جزءٌ من أراضينا
لولا تخاذلنا لولا تغاضينا
والبأس .. لا اليأس فينا والإبا فينا

 

إنه يضع يده على الجراح، فالمسألة تخاذلنا وتغاضينا عن حقوقنا، إذ لا ينقصنا شيء من الحزم والعزم، سوى أن تتحد خناصرنا وقلوبنا من أجل انتزاع الحقوق.

والقصيدة رويها النون، وبحرها البسيط، وهي واضحة المعاني، هادفة، تحمل طاقة من النخوة والشجاعة.

* * *

2- الشاعر محمد المصطفى بن جِدُّ

من مواليد "بوتلميت" موريتانيا سنة 1955م، نشأ وترعرع في مدينة "معط مولانا" ولاية "الترارزة" وهو من قبيلة علوية، تلقّى علومه على يد الشيخ محمد المشير، وقد حفظ القرآن الكريم، وقرأ المعلقات وكتاب عبيد في النحو، ودرس ألفية ابن مالك على العالم الكبير أب بن السيد العلوي، حصل على الشهادة الثانوية 1973م، ودخل المعهد العالي للتعليم سنة 1976م، وهو ينتمي إلى قبيلة أولاد "أبيري" التي ترجع في نسبها إلى جعفر الطيار بن أبي طالب.

يهيب الشاعر محمد المصطفى بالعرب ويحثهم على نجدة فلسطين والدفاع عنها وانتشالها من براثن الصهيونية الغاصبة في ميمية بحرها الخفيف، مذكّرًا بقادتنا العظام الذين ناضلوا دفاعًا عن الحق والإسلام داعيًا إلى التشبه بهم والتمثل بقيمهم، حيث يقول([3]):

أيها العرب حرروا القدس من أر
جدّدوا عهد خالد وعلي
ليس من مات في الجهاد بميّت
يا بني العرب اهجروا النوم هبّوا
أيها الشيب والشباب هلمّوا
إن صعب الحياة درّ ثمين

 

 

جاس سوءٍ يؤذي بها ويؤمُ
وصلاح فذاك شأن مهمُ
إنما الميت في الورى من يذمُّ
وانتموا وحدة عليكم تعمُّ
لبناء الحياة هيّا لِتَسموا
دونه الموج كالجبال خضمُ

 

* * *

3- الشاعر محمد بن الحافظ بن أحمدو

ولد الشاعر الموريتاني بن أحمدو في قرية "علبادرس" من أعمال مقاطعة "بوتمليت" التي اشتهرت بفقهائها وعلمائها وشعرائها، وكانت ولادته في خمسينيات القرن الماضي، كتب الشعر وهو في العاشرة من عمره، يقول في حديث له: [عندما لا أجد في الصحراء ما أكتب عليه أقوم بالكتابة على أوراق شجر الصمغ المنتشر في بوتمليت].

أقلقته هموم الأمة التي درس تاريخها، وأزعجه تخلفها وتقهقرها رغم ما فيها من مقومات، ولعل رائيته الجميلة تعبّر عن قلقه وحرصه على أمته وحزنه لما يصيبها، لذلك هو داعية إلى الثورة وطرد المستعمرين والانتقام من الصهاينة الغزاة.

أفي كلّ يوم نكسة وخيانة
أيملك أصقاعَ البلاد جدودُنا
ونعجز أن نحمي مساحة رقعة

 

 

فيا بؤس هذا الشعب ليس له أمرُ
ويونع فيها الشعر والفكر يخضرُ
بها المسجد الأقصى إلا إنه نكرُ

 

وفي همزية بحرها الخفيف يتحدث عن همجية العدو الصهيوني في تدنيس الأقصى، وتشتتنا نحن في بؤر التفرقة والفساد([4]):

مسجد القدس عيثَ فيه فسادٌ
خنقوا نغمةَ الأغاني وشجوَ
فَسَرَتْ لوثةُ النفاقِ وأمسى

 

 

لطّخت كبرياءه الأعداءُ
فرحة العيد فهي فيه بكاءُ
فكرُنا اليوم أهله وغباء

 

* * *

4- الشاعر محمد سالم ولد عدود

هو محمد سالم بن محمد عالي بن عبد الودود، ولد في منطقة "وادي الناقة" على الطريق بين نواكشوط وبوتمليت، وعلى رمالها وخيامها تلقّى علومه وأدبه من والده، وتعلّم القرآن وحفظه على يد عمته، استمع إلى السيرة النبوية وتاريخ العرب والمسلمين من والدته، وفي شبابه أعان والده على التدريس، وبعد استقلال موريتانيا ذهب إلى تونس مبعوثًا من الدولة لدراسة علوم القضاء وذلك سنة 1961م، وحصل على البكالوريوس في الحقوق عام 1965م.

يميل إلى التصوف ويرفض الخلوة، وهو شاعر مجيد، وفقيه كبير وقاضٍ متبحر.

خلال زيارته بغداد أثناء حضوره مؤتمر علماء المسلمين الذي دعت إليه وزارة الأوقاف، ألقى ابن عدود نونيّة رائعة استصرخ فيها أشقاءه العرب والمسلمين عمومًا، مخاطبًا إياهم من ضفاف المحيط ليهبّوا لنجدة فلسطين بعد أن تمادى العدو الصهيوني بجرائمه وتعدياته، والملاحظ في قصائد الشعراء الموريتانيين أن معظمها على البحر الخفيف، ولعل السبب في اختيار هذا البحر هو ما يحمله موسيقيًا من طاقة وتأثير، ثم إنه بحر حماسي النبرة في نظام تفعيلاته، ومما جاء في هذه القصيدة:

علليني من علمك المخزون
أيّها الأخوة الأشقاء هل
جئتُ من شاطئ المحيط إلى
حاملاً وردةَ التحية والحبّ

 

 

لا تَريني دونًا فلست بدونِ
تدرون من أين جئتُ هل تعرفوني
شطّ الخليج المبارك الميمونِ
إلى كلّ مؤمن مأمونِ

 

بعد التعريف بنفسه وبلاده يعرّج على فلسطين بيت القصيد ومهوى القلوب، داعيًا العرب إلى نفض الخنوع والذلّ والهوان والتخلّي عن مؤتمرات السلم الفاشلة، إلى إقامة الوحدة والتماسك رحمةً بفلسطين وتاريخها العريق :

أيها المسلمون هبوا فلبوا
لا تغرنّكم مواعيد سلم
لا تظنوا أن يهودا تسلم ما
إنها القدس أمّكم فاحفظوها

 

 

دعوة القدس بالحروب العونِ
أيّ غرّ يغترّ بالصهيوني
احتلت من الأرض دون حرب طحونِ
حفظ برّ حقوق أمّ حنونِ

 

ثم يسخر من مشاريع كيسنجر واتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل المعروفة بـ(كامب ديفيد) سنة 1978م، مؤكدًا أن فلسطين لا تستعاد إلا بالدم والتضحيات، ذلك في قصيدة رويّها الدال وبحرها الخفيف([5]):

أيها النائمون ماذا الرقاد
صار في الشرق مثل عارضة
كل يوم في السوق يعرض حلاًّ
أيها الجانحون للسلم مهلاً
أيها الراكعون للحل بالواقع
أين ثوارنا الأُلى أورثونا
رفعوا راية الجهاد وساروا
نحن في إثرهم وإن عز نصر
إنها ثورة إلى النصر عيشي

 

 

غرّكم من كيسجنز الترداد
الأزياء منهنّ طارف وتلاد
تصفويًا تضيع منه البلاد
لا يردّ البلاد إلا الجِلاد
أين الإيمان أين الجهاد
مجدهم هل تُضيّع الأمجاد
فعليهم تقطع الأكباد
وتمادى من العدو العناد
يا فلسطين أنت أنتِ المعاد

 

أبيات مفعمة بالحس القومي الإسلامي، مشحونة بعاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة في صور واقعية وخيال حدوده فلسطين والأمة العربية .

* * *

5- الشاعر أحمد ولد عبد القادر

شاعر ثائر، كان في العام 1977م أمينًا عامًا لرابطة الأدباء الموريتانيين، ولد في بادية "بوتمليت" سنة 1941م، تلقى اللغة العربية وعلومها على أيدي المشايخ في محاور البدو، شاعر مجيد، وقد شاعت قصيدته الهمزية "رسالة سجين" بين الشباب الموريتاني عام 1974م،وقد نظمها في سجنه، ومطلعها([6]):

يا رفيقي تحية من دمائي
لم أزل بعدكم رهن قيودي

 

 

وسلامًا معبّرًا عن وفائي
في ظلام المنازل الخرساءِ

 

ومن قصائده الفلسطينية العربية، دالية بحرها الخفيف، أنشدها في بغداد عام 1977م خلال مهرجان الشعر العربي الثالث، يقدّم في مطلعها نفسه للمشاركين كشاعر عربي صميم تهتز مشاعره لقضايا أمّته:

موكب النور هل ترى من بعيد
أنا طيف وهاجس عربي
أنا شنقيط
([7]) هل سمعت بوحي

 

 

وجه مشتاقك الحزين العنيد
لم يصافحك بعد موت الجدود
من رمال أو درة من عقود

 

ثم يخاطب بغداد دار السلام متنقلاً منها إلى فلسطين داعيًا العرب إلى نجدتها والدفاع عنها، فلسطين التي تغوص في بحار من الدموع والدماء وضباب الحياة، مستنهضًا هممهم لتضميد جراحها ومناصرة قضيتها، بلغة فيها الواقعية والحرقة والأمل، في غدٍ مشرق تتحقق فيه أحلام فلسطين المغتصبة، في ظل خيال جامح منتزع من صميم الواقع العربي ([8]):

إيهٍ دار السلام هل أنت عيد
إن في قدسنا ضباب دموع
باركوها تنهلّ شرقا وغربا
طمئنوا الخائفين إن لم يفيقوا
إنها المشعل الكبير ينادي

 

 

يتباهى بألف عيدٍ وعيدِ
تغسل العار بالعطاء المجيدِ
تحفر الأرض باللظا والحديدِ
إنها صرخة العزيز الوليدِ
إنها وحدة المصير السعيدِ

 

أما قصيدته العملاقة "في الجماهير تكمن المعجزات" فينتقل فيها الشاعر من موريتانيا إلى فلسطين والجنوب اللبناني، متحدثًا عن مناسبة هذه القصيدة التي ولدت إثر سماعه من الراديو خبر عملية فدائية ناجحة، وأنه بعد نفاذ عتاد المجموعة قام الفلاحون الجنوبيون بتقديم ملابسهم لأبطال الفداء الذين انسحبوا سالمين إلى قواعدهم، يقول الشاعر ولد عبد القادر([9]):

في الجماهير تكمن المعجزات
ينبع الفجر مشرقًا في الأعالي
ومن العسف في فلسطين قامت
مكثت في النفوس عشرين عامًا
ثم أضحت على صعيد الليالي
ورصاصًا يجول ضربًا وقصفًا
دير ياسين ما نسينا دمانا
دير ياسين ما نسينا عظامًا
جرحتنا مخالب الدهر يومًا
واعتمدنا على سوانا زمانًا
غير أنّا قد انتفضنا وثرنا
حلف الدهر أن نسير بنصر
نحن شعب قد صلّبته المآسي
نسكن النار لا نبالي لظاها
نتلقى الشهيد عزًا ونصرًا
ونغني للموت بل ونراه
ونغني حتى الجراح تغني

 

 

ومن الظلم تولد الحرياتُ
تتهادى بدربه النسماتُ
ثورة الفتح يفتديها الأباةُ
تتعاطى لهيبها الكلماتُ
ضربات تشدها ضرباتُ
وتلاشى النحيب والزفراتُ
في حمانا تدوس النظراتً
نسفتها العظام والهبواتُ
وتلاقى على ربانا الغزاةُ
ولهتنا الدموع والحسراتُ
ثورة لا تردها الفتكاتُ
واعتزاز حتى يثور الطغاةُ
صهرته الآلام والنكباتُ
زادنا العزم والإبا والثباتُ
والضحايا توديعهم حفلاتُ
في سبيل الحياة هو الحياةُ
في الجماهير تكمن المعجزاتُ

 

تلك هي الرجولة والشجاعة يبثها الشاعر في قلوب الموريتانيين وكل العرب دفاعًا عن حقوق الفلسطينيين والعرب، في لغة حماسية تبث البطولة ومعاني الحرية.

وفي قصيدة أخرى رويها النون، وبحرها الخفيف، يخاطب الشاعرُ اللاجئَ الفلسطيني المشرّد في كل أرجاء الدنيا، مكبرًا جهاد الفدائيين ونضالهم الذي أقلق العدو وأبقى قضية الفلسطينيين حية في النفوس، فالحق لا يموت وخلفه مطالب يضحي في سبيله([10]):

أيها اللاجئ المشرّد ظلمًا
لا تضع حقدك الدفين عزيزي
حوّل الحقد نقمة وجحيمًا
كلما أطلق الفدائي نارًا
منشدًا نغمة الخلاص ينادي
إنني اليوم عائد ودليلي
ذاك ما يبتغي الزمان ويرضى

 

 

أيها النور أيها الإنسانُ
حسراتٍ يلوكها الوجدانُ
يتلظى لهيبَه الجذلانُ
صاح في الأفق صوتها الرنّانُ
ها أنا الشعب ها أنا البركانُ
ضرباتي وزادي الإيمانُ
إنما الحق ما أراد الزمانُ

 

* * *

6- الشاعر ناجي بن محمد الإمام بن تمليخا

ولد الشاعر الموريتاني ناجي بن تمليخا في منطقة "إلاق" سنة 1953م، وسكان هذه المنطقة من البدو الذين ظلوا على تواصل مع اللغة وعلوم أجدادهم العرب . والده فقيه وشاعر ونحوي، تأثر ناجي به ونقش في صغره -شعرًا- ما كان يسمعه عن أبيه، إلا أن الوالد توفي والشاعر فتى، وكان عزاؤه أن والده ترك له مكتبة غنية . تتلمذ فيما بعد على كبار شيوخ القادرية الصوفية . نظم أول قصيدة سنة 1964م . التحق بالمدرسة الحكومية الابتدائية، ثم سافر إلى دكار في السنغال وهي عامرة بالمكتبات الحكومية الأجنبية والعربية، فأسس فيها مدرسة إعدادية لتعليم اللغة العربية في السنغال سنة 1962م، يقول : إنه في السنغال كان يلقي المحاضرات باللغة العربية، ويلتقي الأخوة العرب والمسلمين فيشرح لهم القضية الفلسطينية وما لحق الشعب الفلسطيني من ظلم وعدوان .

في عام 1974م عاد الشاعر إلى وطنه، وبدأ عمله فيها كمذيع ومقدّم لبرامج الأدب والفن في الإذاعة الموريتانية سنة 1974م([11]) .

نظم الشاعر بن تمليخا في القضية الفلسطينية قصائد كثيرة، ومنها رائية بحرها الكامل، يستعرض فيها بإحساس عارم عربي إسلامي هموم أمته العربية، وعلى رأسها قضية العرب الأولى (فلسطين)، منتقدًا العرب على تخاذلهم وتلهّيهم بالبكاء والانصياع للمستعمر، واكتفائهم بالخطب والكلمات الجوفاء التي لا تجدي نفعًا ولا تحرّر أرضًا إن لم تُقرن بالعمل والتضحية والفداء والتصميم والمبادرة، وهذه المشاعر نابعة عن حرصه على أمته وخوفه عليها وحبّه لها، وقد جاءت صورة واقعية، وخياله منتزع من محيطه ([12]):

الشعر والكلم العجوز أملُّهُ
ملّ الخطابة والدعاية سامعي
تعبتْ من الكذب المنمّق أمتي
يا أمة عرجاء أثخنها البكا

 

 

والعزفُ شلَّ منافسي ومشاعري
والمنطق المعسول عند الثائر
ضجرت به بإذاعة ومنابر
يا دمية صمّا برفّ التاجر

 

هذا غيض من فيض مما في القصيدة، وفيها من النقمة والهجوم والانتقاد الكثير، يتطلع إلى أمته وهي تغرق في ضبابية قاتلة، وتخلّف مريع، وضعف وهوان، وهو ينتقل من هذه الحمم الشعرية إلى الحديث عن قضية فلسطين، ويتحسّر على أيام عبد الناصر ونهضة الإسلام العظيم، في أبيات ينفثها قلب متألم وجسد يحترق وأمل يبقى هو الرجاء في زحمة الشدائد والمحن:

وا ناصراه أبعده يُطوى الفدا
أبتاه يُستلب الجنوب وأهله
أبتاه تُخنق ثورة العرب التي
ويظل شعبك في فلسطين الهدى
قسمًا بروحك بالعروبة بالفدا
أن نستعيد كرامة مهدورة
حتى تعود لنا فلسطين الأولى

 

 

قولوا معي رُحمى لعبد الناصرِ
رمز الفداء ومستظل الثارِ
سلمتها علم الكفاح الناصرِ
تحت السياط يلوك عزم الصابرِ
بدم أريق على تلال الدامرِ
من "بيغن" من صنوه "عازرِ"
مسرى الرسول إلى العلي القادرِ

 

وفي معرض احتفائه بتحرير موريتانيا من الاستعمار الفرنسي واستعادة الأجزاء المسلوبة وتحقق الوحدة الموريتانية، يميل إلى أمته العربية موقنًا في نهاية الأمر بالوحدة العربية الكبرى واستعادة فلسطين من الصهاينة الذين لا صلح معهم ولا تفاوض أو اعتراف، عبر قصيدة رويّها الراء، وبحرها الكامل([13]):

لكننا ولو استطاعوا قصفنا
حتى يحقق حلمَ أمة يعرب
لا صلح فيه مع الصهاين لا ولا

 

 

سنظل نبني للغد العبق المنير
في الوحدة الكبرى وتقرير المصير
فيه التفاوض لا اعتراف ولا مجير

 

 

* * *

7- الشاعر محمدي بن القاضي

ولد الشاعر بن القاضي في قرية "علبادرس" في منطقة بوتمليت، موطن الفقه المالكي، كان والده شاعرًا وفقيهًا، وقد أخذ عن أبيه ونهل من علمه، أكمل دراسته في نواكشوط في معهد تكوين الأساتذة، تأثر في الشعر بالجواهري وشقيق الكيالي وبدر شاكر السيّاب.

عمل مشرفًا على الصفحة الأدبية في جريدة الشعب اليومية وكان ينشر فيها مقالاته وشعره، وهو من الشعراء الشباب، أحب وطنه وأمته العربية.

مشهد شعري

للشاعر محمدي بن محمد بن القاضي قصائد كثيرة، ولكن ما يعنينا مقطوعاته الفلسطينية، ومنها واحدة رويها الكاف وبحرها البسيط، يتحدث فيها عن أمته وتاريخها المجيد، الذي تقوّض وتمزق، وهو يهديها إلى بغداد مدينة السلام، ويتحدث عما يحسّه من حبّ عارم لفلسطين وبغداد والقدس والأندلس حيث يقول([14]):

حيّاكِ بغداد يا أم الفتوح فتى
بغداد أهواك هل غيلان يسمعني
أهواكِ في القدس في أحضان قرطبة

 

 

وإخوة ورؤى تهفو لرؤياكِ
أين المغيرة من أحيا ثرياك
ألقى الحضارة شمًّا في ثناياكِ

 

* * *

8- الشاعر الخليل بن محمد بن النحوي

ولد الشاعر الخليل بن أحمد النحوي سنة 1955م في قرية "برينة" من أعمال ولاية الترارزة، والده محمد بن النحوي متبحر في علوم الدين، أنهى دراسته الثانوية وانصرف إلى التعليم سنة 1973م، ثم رأس تحرير صحيفة الشعب اليومية، وهو أحد المؤسسين لرابطة الآداب والفنون الموريتانية.

مشهد شعري

الخليل النحوي شاعر وكاتب يتسم بالهدوء والحياء، له قصائد كثيرة، ومن بينها مقطوعة فلسطينية عربية، رويّها الهاء وبحرها الخفيف، وعنوانها سنكتب النصر([15]):

مسرح المجد والنفوس الأبية
أنتِ نبض الحياة في كل عرق
فازرعينا في باطن الأرض شوكًا
وانفثينا مع الأثير رصاصًا
بدمانا سنكتب النصر يومًا
بدمانا سنستعيد غلانا
في ربى القدس في مرابع حيفا
فليقضِ العدو ما هو قاضٍ

 

 

وانعكاس الحياة والحيوية
واختلاج الإباء والوطنية
ثمرات الكفاح منه جنية
واقذفينا صواعقًا بشرية
وبها سوف نكسب الحرية
وعهود استقلالنا القومية
في فلسطين حرة عربية
فلنا الحكم مطلقًا في القضية

 

هكذا ينتفض هذا الشاعر، مؤمنًا بالنصر واستعادة حرية فلسطين واستقلالها وانقضاء عهد الظلم والعبودية في فلسطين الأبية، فالدم العربي سينتفض يومًا ما لدحر الصهيونية، وواضح هذا الحماس والاندفاع في لغة الشاعر، حتى غدا الحقل المعجمي للتصميم والبذل واضحًا في ما ردّد من أبيات تعاملت فيها الصور الواضحة والخيال الواقعي.

إلى هنا نكتفي بهذا القدر من الشعر الفلسطيني الموريتاني، لمجموعة من الشعراء الموريتانيين، أحيوا ذكرى فلسطين وتاريخها ونضالها، وأبانوا عن نخوة عربية إسلامية تدعو إلى رفع الضيم والوحدة والتماسك، ودعم القضية الفلسطينية في كل الوسائل المتاحة حتى يشرق فجرها وتستعيد استقلالها وحريتها وتقضي على الصهيونية الغاشمة عدو الشعوب.


ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) موفق العاني، موريتانيا موطن الشعر والفصاحة، إصدار مجلة دبي الثقافية، العدد 64 سنة 2012 .

([2]) المصدر نفسه ص163-168 .

([3]) المصدر نفسه 51 و161.

([4]) المصدر السابق ص105-107.

([5]) المصدر نفسه ص123-128 .

([6]) يقول الشاعر الموريتاني -المختار بن حامد الديماني-: إن شنقيط لفظة بربرية تعني عيون الخيل .

([7]) المصدر نفسه ص132 .

([8]) المصدر نفسه ص139-142 .

([9]) المصدر نفسه ص142-143.

([10]) المصدر نفسه ص144-145 .

([11]) المصدر نفسه ص177-178.

([12]) المصدر نفسه ص177-181 .

([13]) المصدر نفسه ص184 .

([14]) المصدر نفسه ص79 .

([15]) المصدر نفسه ص 74 .

 

 

 

 

115%