رسالة النجف

ا لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

حين ينظر المرء إلى عملية الكتابة والنشر على أنها رسالة مقدسة، غرضها خدمة الوجود الإنساني، وتعميق إنسانية الإنسان، فيكرّس لأجلها حياته، وينفق في سبيلها رصيد أيامه.

ثم يلقي نظرة على ما يجري حوله فيجد أن الإنسانية قد بلغت أقصى درجات التردّي والانحطاط، سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية والقيم الخلقية، أو على مستوى طبيعة السلوك البشري وماهية الفعل.

والأمثلة على ذلك مشهودة وكثيرة، تُرى بأم العين، وتتناقلها وسائل الإعلام. حتى لم يعد يخفى على أحد حقيقة الظلم الدولي، والنفاق السياسي، والتسلط والطغيان... كما لا يخفى عليه أيضاً صور جرائم قتل الأبرياء بما في ذلك الأطفال والشيوخ والنساء، ولا صور أكل الإنسان لحم أخيه الإنسان -بالمعنى الحقيقي لا المجازي- ، وكذلك صور نبش القبور، واسترقاق بني الإنسان، حتى المنتسبين منهم إلى العرق نفسه أو الدين ذاته.

وكل ذلك يجري بمرأى ومسمع من مختلف الدول والمنظمات الدولية، وسائر البشر. وبموافقة ودعم مسبقين، أو برضى، وصمت مطبق.

فحينذاك يضطر المرء إلى إعادة النظر في فائدة الرسالة التي نذر لها نفسه، متسائلاً عن جدوى الكتابة والنشر، حتى يكاد يهمّ بالتخلّي والاستسلام، لولا أنه قد رأى برهان ربه، واستلهم تعاليم كتابه المنزل، ومن أَجَلّ تلك التعاليم –وكل تعاليمه جليلة- قوله تعالى : {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

فيتجدد حينئذ عنده الأمل، ويدرك أن جهده لن يذهب سدى، بل سيبقى معذرة إلى الله، فيما لو لم يتسنّ له أن يؤتي ما يرتجى منه من الأُكُل.

فيسِّرْ اللهم لجهودنا أن تكون ذات نفع لعبادك، وإلا فتقبلها منا معذرة إليك.

 

أدب الدعاء.. الفنّ المنفي

القسم الثاني

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

مقدمة

أشرنا في مقالتنا السابقة عن أدب الدعاء إلى أن تغييب هذا الأدب قد أدّى إلى ظهور دعوى مفادها أن العرب لم يستطيعوا الاستفادة من معطيات الإسلام في إنتاجهم الفني، إذ هم -مع الأسف- لم يلجأوا إلى الرصيد الجديد لهذا الدين ليستمدوا منه مشاعرهم وإيحاءاتهم وطرائق تعبيرهم، وإنما عادوا إلى الجاهليّة يستلهمون أساليبها، ثم التجأوا لاحقًا إلى بعض المصادر الأجنبية الأخرى.

ومما لا شك فيه أن هذه الدعوى لا تمثل مجرد قضية مفردة من قضايا الأدب العربي، ولا تقتصر على حكم خاص من أحكام مسائله، وإنما هي دعوى سيّالة تستبطن العديد من القضايا والأحكام الأدبيّة، بل إن بعضها قد يتعدّى الشأن الأدبي بخصوصه، ليشمل جملة أخرى من شؤون المجتمع العربي وقضاياه الثقافيّة.

ومن الأمثلة على ذلك أن الباحث -ولدى محاولته تعليل هذه الدعوى- قد يرى أن السبب الذي أدّى إلى حدوث القطيعة بين الأدب العربي والإسلام، إنما يرجع إلى الإسلام نفسه، وذلك إما لافتقار هذا الدين وكتابه المنزل للخصوصيات التي تؤهلهما للعدوى والتأثير، وإما لامتلاكهما من الخصوصيات والمميزات ما يسمو بهما عن العدوى، ويرقى بهما عن التأثير.

أو لعله يذهب إلى أن سبب غلبة الأدب الجاهلي والآداب الأجنبية الأخرى في مقام التأثير، إنما يعود إلى تميّز هذه الآداب بما يؤهلها دون سواها لأن تحوز قصب السبق في الميدان.

أو ربما نجده ينطلق من زاوية أخرى لمقاربة القضية، فيرى أن التعليل الصحيح للمسألة لا يرجع في حقيقته إلى العوامل الأدبيّة والفنيّة، بل مردّه إلى سنخ آخر من العوامل، كالعوامل الاجتماعيّة والحضاريّة والثقافيّة، فتكون هذه العوامل في نظره هي التي ساهمت في تكوين عقليّة الإنسان العربي ومزاجه، فأنشأتهما على ذلك النحو الخاص الذي أدّى بهما إلى تقبّل مؤثرات الأدب الجاهلي وغيره من الآداب الأجنبية الأخرى، دون مؤثرات الإسلام والقرآن.

ثم إنه وانطلاقًا من هذه العوامل الأخيرة ذاتها، قد يذهب الباحث إلى أن السبب في تنكّب الأدب العربي عن الاستفادة من الإسلام والقرآن، مردّه إلى عجز المجتمع العربي، وعدم قدرته على إنجاب أدباء يرقَون إلى المستوى الذي يمكّنهم من التمثل بالقرآن الكريم، واستلهام بيانه الساحر...

وعلى هذا النحو تطّرد الأمثلة على ما يمكن أن تستدعيَه الدعوى السابقة من تعليلات ومواقفَ وأحكامٍ، سواء ما يصطبغ منها بالصبغة الأدبيّة، أو ما يتّسم منها بالطابع الاجتماعي والحضاري...

وأيًا ما يكن الأمر في هذا المجال، فإنّ ما يجب ملاحظته هنا هو أن هذه التعليلات جميعها إنما يحتاجها أولئك الذين يتبنّون الدعوى المذكورة ويقولون بصحتها. وأما من يرفض هذه الدعوى ويرى بطلانها، ويعتقد -بالمقابل- أن الإسلام والقرآن قد تركا أثرهما البيّن على الإنتاج الأدبي لدى العرب، فإنه سيكون بغنىً عن مثل هذه التعليلات، ولن يحتاج البتة لأن يفتش عن الأسباب التي حالت دون استفادة الأدب العربي من الإسلام والقرآن.

وعليه، فإن السؤال الصحيح -أو قل السؤال الأساس- الذي يجب طرحه في المقام هو السؤال عن طبيعة علاقة الأدب العربي بالإسلام، وعمّا إذا كان هذا الأدب قد تأثر بالدين الجديد من الناحية الفنيّة؟ أم أنه نأى بنفسه عنه ولم يتأثر به أيّ تأثر يذكر؟

ولذلك فقد بات يقتضينا البحث أن نبدأ بطرح هذا السؤال الجوهري أولاً، لننتقل من بعدها إلى التعرّف على الإجابة التي يتبناها أصحاب دعوى القطيعة بين الأدب العربي والإسلام، وتبيان ما تمسكوا به من تعليلات لتفسير دعواهم هذه، ثم لننتهي أخيرًا إلى استحضار أدب الدعاء والاستشهاد ببعض نصوصه المشرقة، لندلّل بذلك على عمق الصلة لتي تربط بين الأدب العربي والإسلام، الأمر الذي سيظهرنا على بطلان مذهب أصحاب دعوى القطيعة، والذين اضطروا إلى اعتناق مذهبهم هذا نتيجة لغفلتهم عن مثل أدب الدعاء.

ولنشرع الآن بطرح سؤالنا المرتقب:

طبيعة علاقة الأدب العربي بالإسلام: قطيعة أم تواصل؟

ذكرنا آنفًا أن السؤال الأساس الذي يجب طرحه في المقام هو السؤال عن طبيعة علاقة الأدب العربي بالإسلام، وعما إذا كانت هي علاقة قطيعة أم تواصل؟ فنقول:

هل تسنّى للأدب العربي أن يستفيد في أدائه الفنّي من ظهور الإسلام ونزول القرآن بحيث أدّى به ذلك إلى تطوير أساليبه البيانيّة وتجديد طرائقه التعبيريّة؟ أم فاته أن يغتنم تلك الفرصة العظيمة، فكان نصيبه منها الغفلة والخسران؟

وبتعبير آخر نسأل: هل تيسّر للقرآن الكريم أن يزِينَ واحة الأدب العربي ببعض ألوانه وينشرَ عليها بعض ظلاله؟ أم أن هذا الكتاب الإلهي المنزل قد بقي -وبكل ما اتّسم به من إعجاز بيانيّ وجِدَّة فنيّة- صوتًا صادحًا في الآفاق، ودون أن يتردد له أيّ صدى في الميدان الأدبي؟

وهل استفاد أدباء لغة الضّاد من كتابهم المقدَّس أيّةَ فائدةٍ أدبيّة ذاتِ بال؟ أم أنهم ضلّوا عن الهدي الفنيّ لهذا الكتاب المعجِز، حتى بات في غربة عنهم وهم في غربة عنه؟ لتغدوَ النتيجةُ الصريحة لذلك هي أن هذا الكتاب العزيز قد تهيّأ له أن يجدَ بين أبناء الأمّة حَمَلَةً رساليين، يُبلّغون رسالاته الدينيّة والاجتماعيّة، ولكنه حُرِم في الوقت نفسه من أن يجد بينهم حملةً فنيّين، يستمدّون منه -في إنتاجهم الأدبي- المشاعرَ والإيحاءات، ويستوحون منه أساليب البيان وطرائق التعبير؟

وفيما يلي سنتعرف على إجابة أصحاب دعوى القطيعة بين الأدب العربي والإسلام.

إجابة أصحاب دعوى القطيعة بين الأدب العربي والإسلام

أشرنا في سياق المقالة السابقة إلى الدّعوى القائلة بحدوث قطيعة بين الأدب العربي والإسلام، وكنّا قد استشهدنا لها هناك بكلام ثلاثة من الكتّاب الذين تبنَّوها وتسالموا على صحة مفادها. ونوَدُّ الآن أن نتوسّع بعض التوسع في بيان مضمون هذه الدعوى وما استندت إليه من الأدلة والبراهين. وقد رأينا أن نعتمد في مهمتنا هذه على كتاب "منهج الفنّ الإسلامي" للأستاذ محمد قطب، وذلك بسبب ما اختصَّ به هذا الكتاب من إفاضةٍ في العرض، ومن تفصيل في بيان الأدلة وذكر البراهين، وهو ما لم نقع على مثله لدى غيره من الكتّاب الذين استشهدنا بكلامهم للدعوى المذكورة في مقالتنا السابقة. فلنتوجّه إذًا نحو ما سطّره قطب في كتابه المذكور.

يفصح باحثنا عن أصل هذه الدعوى بقوله: "وقد كان يخطر في حسّي دائمًا أن العرب لم يستفيدوا من القرآن ولا من الإسلام في إنتاجهم الفنّي"(1)، ثم يمضي من هناك ليستدلَّ على صحّة دعواه هذه بدليلٍ خلاصته أن الإنتاج الفنّي لدى العرب قد مرّ بعد ظهور الإسلام بمرحلتين:

أولاهما: مرحلة الانصراف عن فنون التعبير الأدبي، حيث "مرّت عليهم -أي العرب- فترة في أول الإسلام، انصرفوا فيها عن كثير من فنون القول"(2).

وثانيتهما: هي مرحلة العودة إلى الجاهلية، حيث نجدهم في هذه المرحلة قد عادوا إلى ممارسة التعبير الفنّي "ولكنهم حين عادوا إلى التعبير لم يلجأوا مع الأسف إلى الرصيد الجديد يستمدّون منه مشاعرهم وإيحاءاتهم وأغراض تعبيرهم وطرائقه. وإنما عادوا إلى الجاهلية كاملة في مجال التعبير، أغراضه وطرائقه سواء"([3]).

والنتيجة المنطقية لما تقدم هي أن العرب لم يستطيعوا الاستفادة من الإسلام ولا من القرآن في أيٍّ من هاتين المرحلتين اللتين مرّ بهما الأدب العربي، وذلك لأن المرحلة الأولى كانت مرحلة انقطاع عن الإنتاج الفني، وهي مرحلة يستحيل البحث فيها عن عناصر الاستفادة والتأثر والتأثير. كما أن المرحلة الثانية كانت مرحلة رجوع إلى الجاهلية ومقاييسها الفنّية، ما يعني أن الأدب قد تجاهل الإسلام في تلك المرحلة، وتجاوز عن معطياته الفنية وخصائصه التعبيرية.

وعليه يتبيَّن أن علاقة الأدب العربي بالدين الجديد كانت علاقة قطيعة وانفصال، لا علاقة تواصل وتفاعل واستثمار.

 ولكن يبقى في البَيْن سؤال يستثيره الكلام السابق عن المرحلتين اللتين مرّ بهما الأدب، إذ لسائل هنا أن يسأل عن الأسباب التي أدّت إلى وجود كل من هاتين المرحلتين: فلماذا انصرف العرب عن الإنتاج الأدبي -أولاً-؟ ثم ما الذي دعاهم للعودة إلى الجاهلية ومقاييسها الفنيّة -دون الإسلام والقرآن- حين عادوا إلى عملية الإنتاج -ثانيًا-؟

وسوف نستعرض فيما يلي إجابات الأستاذ محمد قطب على كلٍّ من هذين السؤالين تباعًا.

السؤال الأول: لماذا انصرف العرب عن التعبير الفنّي؟

يجيبنا قطب على هذا السؤال بقوله: "ربما كان لهذا الانصراف أسباب متعددة"([4])، ثم يشرع بتفصيلها، فيعدّ منها أربعة أسباب:

السبب الأول:

وينصّ عليه بقوله: "... فقد كان بناءُ العقيدة الجديدة في داخل النفوس وفي واقع المجتمع، ومجاهدةُ القوى المحتشدة في طريق هذا البناء، سواء في واقع الحياة أو في داخل الضمير، يستنفدان جهدًا نفسيًا ضخمًا... بل يستنفدان الطاقة الحيوية كلّها، ولا يدعان فيها فضلة تُذْخَرُ للتعبير الفنّي"([5]).

وخلاصة القضية هي أن بناء العقيدة الجديدة كان قد شغل الطاقة الحيويّة كلها، حتى لم يعد لدى المسلمين أي متّسع للإبداع وممارسة عملية الإنتاج الفنّي.

ويدرج قطب تحت السبب الأول جهةً أخرى ترتبط بطبيعة الإنتاج الفنّي والمراحل التي يمرّ بها، فيقرر هنا أن الإنتاج الفنيّ لا بد أن يمرّ خلال مراحل ثلاث، وهي: "الانفعال النفسيّ بالتجربة الجديدة، ثم استبطان هذا الانفعال في داخل النفس، حتى يمتزج بأعماقها ويعطيَها من لونه ويأخذَ من ألوانها، ثم ارتداد التجربة إلى الخارج في صورة "إفراز" أو "تعبير""([6]).

وقد اعترضت المسلمين الأوائل مشكلةٌ ترتبط بالمرحلة الأولى من المراحل التي يمرّ بها الإنتاج الفنّي، وهي مرحلة الانفعال بالتجربة، والتي تُكوِّن الذخيرةَ النفسيّة المختزنة التي تسعى إلى التعبير عن ذاتها في صورة أدبيّة موحية. فكان أن صرفتهم هذه المشكلة عن التعبير الفنّي.

 ويشرح قطب هذه المشكلة بقوله: "لقد كانت العقيدة الجديدة في الواقع تنشئ النفوس إنشاءً من جديد. كانت "تغسل" النفوس من أدرانها الجاهليّة، ومن موروثاتها القديمة كلّها، ومن مفاهيمها المنحرفة، ومن تصوّراتها الخاطئة، وتملأ الفراغ الحادث أولاً بأول، بتصوّرات جديدة ومفاهيم جديدة ومشاعر جديدة، وسلوك وعمل جديدين، ومن ثَمَّ لم يكن الرصيد القديم صالحًا للإيحاء الفنيّ، فقد كان "غير موجود" في النفوس التي استجابت للدعوة الجديدة فنفضت عن نفسها كل تراث قديم، وانسلخت من كل ما يربطها بماضيها الجاهلي من مشاعر وأعمال ووشائج قُربى، وصارت تحسّ نحوه بنفرة وتقزُّز. ولم يكن الرصيد الجديد قد تجمّع بعدُ في الصورة التي تصلح للأداء الفنيّ، الذي يعبّر -كما قلنا- عن شحنة مذخورة تريد الانطلاق، لا عن الشحنة في دور التكوّن، قبل أن تمتلئ بها النفس ثم تفيض بالتعبير"([7]).

فالقضيّة هي إذًا أن الرصيد القديم لم يعد صالحًا -بعد ظهور الإسلام- لكي يشكّل حافزًا للتعبير، كما أن الرصيد الجديد الذي أتى به الإسلام لم يكن قد تركَّز بعدُ في النفوس إلى الدرجة التي يستطيع من خلالها تحريك هذه النفوس ودفعها إلى الإبداع وممارسة عمليّة الإنتاج الفنيّ.

السبب الثاني:

كان الكلام في السبب الأول يدور حول النفس المسؤولة عن عمليّة الإنتاج الأدبي، وحول الدوافع التي تحرّك النفس وتحفِّزها على التعبير، بينما يدور الكلام في السبب الثاني حول الأغراض التي يتخذها الأدب كموضوعات له ويسعى للتعبير عنها.

ويوضح قطب هذا السبب، ممثِّلاَ له بفنِّ الشعر، فيقول: "ويمكن أن يكون من أسباب انقطاع التعبير الفنيّ في تلك الفترة كذلك أن الأغراض "التقليديّة" التي كان يقال فيها الشعر -فن العرب الأول- قد تغيّرت من أساسها بفعل العقيدة الجديدة، فصارت تلك الأغراض نشازًا فنيًا وشعوريًّا لا يصلح للقول فيه، فالفخر والمديح والهجاء والمجون، والتغنّي بالدِّمن والآثار، وذكر المناقب "القبليّة" والحروب والغارات والثارات.. كلها متعلِّقة بمشاعر الماضي الذي انسلخت منه النفوس المؤمنة، وبتصوّرات هذا الماضي وعلاقاته التي نبذتها هذه النفوس... ومن ثَمَّ لم تعد صالحة للقول"([8]).

ولكن.. إذا كانت الأغراض القديمة لم تعد صالحة للقول، وذلك لتعلّقها بمشاعر الماضي التي لم يعد لها تأثير على نفوس المؤمنين، فلماذا لم تلجأ تلك النفوس حينئذ إلى الأغراض الجديدة التي جاء بها الإسلام، فتتخّذ منها مادة بديلة عن الأغراض القديمة المهجورة؟

يجيبنا قطب على هذا السؤال بأن هذه "الأغراض الجديدة التي يمكن أن يقال فيها لم تتبلور بعد بلورة فنيّة. وهذه خطوة أبعد من السابقة. فليست المسألة أن المشاعر المذخورة التي تدفع إلى التعبير الفني لم تكن قد تجمعت بعد، بل المسألة كذلك أن أغراض التعبير وطرائقه لم تكن قد تبلورت بعد لتُساوِق المعاني الجديدة والآفاقَ الجديدة. وكل غرض فني، وكل طريقة أداء جديدة تحتاج إلى فترة من "الحضانة" قبل أن تظهر في صورة إنتاج فني. وقد كانت المعاني الجديدة والآفاق الجديدة، التي كانت قمينة بأن تعدِّل أغراض التعبير وطرائقه، شديدة الضخامة بالنسبة للعالَم النفسيّ والبيئيّ المحصور الذي كان يعيش فيه الشاعر العربي في ظل القبيلة الجاهليّة، وكانت في حاجة إلى حضانة فنيّة عميقة واعية قبل أن تنبثق في ثوبها الجديد"([9]).

وخلاصة الكلام في السبب الثاني هي أن الأغراض القديمة كانت قد هُجِرت وكفّت عن قدرتها على التأثير، وأما الأغراض الجديدة فإنها لم تكن قد استوفت حقّها بعدُ من "الحضانة" والتبلور الفني، ولذا فَقَدْ فَقَدَ العرب في تلك الفترة الأغراض التي يدور حولها الإنتاج الأدبي بكلا قسميها -القديمة منها والجديدة-، فكان أن آل بهم الأمر جرّاء ذلك إلى الانقطاع عن الإنتاج الأدبي والتعبير الفني.

السبب الثالث:

ويرى قطب أن وقع القرآن في نفوس العرب، حيث تلقَّوه مأخوذين مبهورين يمكن أن يكون سببًا من أسباب توقّفهم عن التعبير الفني، ولذا نجده يقول: "هذا الانبهار الذي تلقَّى به العرب القرآن، حتى قبل أن يسلموا، يمكن أن يكون سببًا من أسباب توقفهم فترة عن التعبير الفني، فقد كانت شحنته الفنيّة العجيبة تملأ نفوسهم مَلأً، وتتعمقها من جميع أقطارها، فتستوعب منهم كلَّ طاقة الفنّ، وتغنيهم -مؤقتًا- عن جمال الأداء بجمال التلَقِّي والانفعال"([10]).

وبكلمة أخرى نقول: إن أحد الأسباب التي أدّت إلى انقطاع العرب عن الإنتاج الفني يتجلّى في انشغال النفس بالتلقي، وسيطرة الدهشة والانبهار عليها، الأمر الذي صرفها عن محاولة العطاء في تلك اللحظة، وحال بينها وبين الإنتاج الفني والإبداع.

السبب الرابع:

وهو سبب يستمده قطب من تجربته الشخصيّة، وهي التجربة التي يبيّنها بقوله: "فقد كنت في فترة من الفترات أقول الشعر. وقد ظللت اثنتي عشرة سنة أو تزيد، أقول في معنى واحد متكرر، كلما اتجهت إلى الكتابة وجدتني أكتب في نفس المعنى وإن اختلفت المشاعر المباشرة الدافعة إلى التعبير، كانت في نفسي "أزمة" كبيرة. أزمة الشعور بالضياع الكامل في الحياة وعبث الجهد في هذه الحياة المفضية إلى الزوال"([11]).

وبعد أن يورد شيئًا من الشعر الذي كان يكتبه في تلك الفترة يعود ليقول: ".. وكانت هذه الأزمة تؤزّني وتجهد مشاعري وتَخِز إحساسي.. فأعبِّر عن ذلك كلِّه بالشعر غالبًا وبالنثر أحيانًا.. حتى مررت بتجربة ضخمة اقتلعت هذه الأزمةَ من أساسها، وأزالت ما حولها من مشاعر وأحاسيس. وكانت هذه التجربة هي الإسلام!

لقد وجدتُ نفسي من ضياع، ووجدت لهذه الحياة غاية وهدفًا، ووجدت أن هذه الغاية لا تذهب سدى، ولا تنقطع بانقطاع حياة فرد، ولا تنطوي في الرمال، ووجدت أن الكون لا يمضي في التيه المعمّى، بل يمضي لهدف مرسوم معلوم.. وأنه كان يبدو لي أنه "لا يبالي" لأن نفسي هي التي كانت منقطعة الصلة عن روابط الحياة العظمى، لا لأنه هكذا في حقيقته"([12]).

ثم ونتيجةً لمرور باحثنا بالتجربة الجديدة التي أخرجته من أزمة الضياع التي كان يعانيها، فقد وجد نفسه في موقف آخر حيال قول الشعر، ولذا نراه يقول: "ثم.. وجدتني -دون قصد مني- أنصرف عن قول الشعر! لقد ذهبت "الأزمة" التي كانت تدفع إلى القول. ذهب "الضياع".. وأصبحت أحسّ "بالوجود".

ولكن الإحساس "بالوجود" بغير أزمة لاذعة ولا وخزة دافعة، لم يوحِ إليَّ بالشعر، لأنه في حاجة إلى طاقة فنيّة ضخمة -أكبر من طاقتي- تستطيع أن تعبِّر، لا لأنها متألّمة ولا شاكية، ولكن لأنها موجودة وممتلئة بهذا الوجود.. وراضية كذلك بهذا الوجود!"([13]).

وبمثل هذه التجربة مرَّ المسلمون الأوائل، فـ "لقد كان المسلمون الأوائل يواجهون هذه التجربة الفريدة.. تجربة الإسلام! التجربة التي تزيل رواسب النفس المسمومة كلها، وتملأ النفس "بالوجود" الكامل الراضي بهذا الوجود.. وهي تجربة لا تقول الشعر.. إلا بطاقة فنية ضخمة لا توهَب لكل إنسان"([14]).

ومراده بكلامه هذا هو أن هذه الطاقة الفنية الضخمة اللازمة للتعبير عن الإحساس بالوجود لم تكن متوفرة للمسلمين الأوائل، فكان ذلك سببًا من أسباب انقطاعهم عن التعبير الفنيّ.

وهنا يبرزُ سؤال لا بد من طرحه والإجابة عليه، وهو أن هذا "الوجود" الذي ملأ حياة المسلمين الأوائل فأشعرهم بالرضى والارتياح، هل كان خاليًا من جميع المشاكل والأزمات، بحيث لم تعترضه أية عقبة تعيق انطلاقته أو تعكّر صفوه، أم أنه كان لهذا الوجود أزماته الخاصة ومشاكله المعتبرة؟

يجيبنا قطب على هذا السؤال بقوله: "إن هذا "الوجود" ولو أن سِمَتَه العامة هي الرضى والارتياح.. كانت له "أزمات". أزماته هي تلك الابتلاءات المتلاحقة التي عاشها المسلمون الأوائل حتى استتب لهم الأمر وظهر الدين واستقر.. وكان من الممكن أن تؤدّي هذه الأزمات إلى تعبير فنيّ"([15]).

وهنا نسأل: ما دام هذا الوجود الذي عاشه المسلمون الأوائل منطويًا على أزمات وابتلاءات، وهي أزمات وابتلاءات كان بإمكانها أن تؤدي إلى الإنتاج الفنيّ والتعبير، فلماذا إذن انقطع هؤلاء المسلمون عن التعبير والإنتاج؟

يجيبنا قطب على هذا السؤال بالقول: "ولكنَّا -عندئذ- نعود إلى الأسباب الثلاثة السالفة، فنجد أن الفرصة لم تكن مواتية لمثل هذا التعبير"([16]).

وهذا معناه أن الوجود الذي عاشه المسلمون الأوائل وإن كان له أزماته وابتلاءاته المحفزة على الإنتاج والتعبير، إلا أن العلة التي صرفتهم عن الإنتاج وحالت بينهم وبين التعبير كانت هي وجود الأسباب الثلاثة المتقدمة الذكر، وهي: عدمُ نضج الشحنة النفسيّة، وعدمُ تبلور الأغراض الجديدة، والانشغالُ بجمال التّلقي عن جمال التعبير.

ملاحظة مهمّة:

وهنا لا بد من التنبيه على أن الأستاذ محمد قطب، ولدى حديثه عن الأزمات التي انطوى عليها (الوجود) الذي ملأ حياة المسلمين الأوائل، كان قد اقتصر على ملاحظة الأزمات الناتجة عن وقائع الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة للمسلمين آنذاك، والتي عبّر عنها بلفظ (الابتلاءات)، ولم يستطع النّفاذ إلى الأزمات النابعة عن طبيعة الإحساس بالوجود نفسه، وأنّى له أن يفعل؟! وهو في غفلة عن أدب الدعاء، ذلك الأدب الذي كان صاحب الريادة والسيادة في استكشاف هذه المعاني الدقيقة والعميقة، كما كان هو أيضًا صاحب الريادة والسيادة في التعبير عن هذه المعاني بأجمل صياغة وأروع بيان.

ونحن سوف نتناول -لاحقًا- هذا الأمر بشيء من التفصيل، وذلك أثناء حديثنا عن أزمات الإحساس بـ (الوجود) كما يطرحها أدب الدعاء.

وبهذا نكون قد انتهينا من عرض إجابة الأستاذ محمد قطب على السؤال الأول، وهو السؤال عن الأسباب التي أدت بالعرب إلى الانقطاع عن التعبير الفنيّ، ويأتي الآن دور السؤال الثاني..

السؤال الثاني: لماذا عاد العرب إلى الجاهلية ومقاييسها الفنية؟

يشير قطب في الإجابة على هذا السؤال إلى وجود سببين، قد يكونان هما اللذان أدّيا إلى النتيجة المذكورة..

السبب الأول:

وهو ذو طبيعة سياسية، حيث يمكن أن "تكون السياسة قد لعبت دورًا في ذلك، إذ ارتدت -منذ العهد الأموي أو قُبَيْلَه في الحقيقة- إلى عصبية جاهلية قبلية، وجرفت معها الشعراء الذين تحلّقوا حول السلطان، فغمرتهم في تيارها، فإذا هم -حين يعبّرون- يرتدّون إلى مشاعر القبيلة في الجاهليّة، فيتخذون فنون القول القبلية بوعي أو بغير وعي"([17]).

وإلى جانب العامل السياسي يأتي دور النقد الأدبي الذي ربما يكون هو أيضًا قد أثّر أثره في عودة العرب إلى مقاييس الجاهليّة، وهو ما يظهرنا عليه قطب في السبب الثاني.

السبب الثاني:

والمسؤول عنه هم النقّاد وما تفرضه عليهم الطريقة التي ينتهجونها في عملهم، إذ "قد يكون النقّاد الأوائل مسؤولين أيضًا عن ذلك، فالنقد يبحث دائمًا عن "القواعد"، وغالبًا ما يبحث عن القواعد الموجودة بالفعل، لا عن القواعد التي يمكن أن تُستحدَث. إذ النقد تقعيدي في طبيعته، وليس إنشائيًا كالتعبير الفنيّ. ومن ثَمَّ جمد هؤلاء النقاد على ما كان موجودًا بالفعل في رصيدهم الفني، وهو طرائق الجاهليّة وأغراضها، وقيّدوا الشعراء بها فساروا في نطاق ذلك القيد" ([18]).

وبعد أن يتمّ قطب استعراضه للأسباب المحتملة لكل من المرحلتين اللتين مرّ بهما الإنتاج الفني لدى العرب، فإنه ينتهي أخيرًا إلى النتيجة التالية فيقول: "وأيَّا ما كان الأمر، فقد خسر الأدب العربيّ فرصة هائلة للاستمداد من رصيد الإسلام الضخم، وظل في تاريخه الطويل كله مجانبًا -تقريبًا- لهذا الرصيد، مبتعدًا عن ثرائه، محرومًا من القدرة على إبداع لون من الفن كان حريًا أن يكون أروع الفنون العالمية وأبدعها، لو وجد التوجيه الصالح والقدرة الفنيّة المؤاتية" ([19]).

وبذا نكون قد انتهينا من بيان مضمون دعوى القطيعة بين الأدب العربي والإسلام، مع ذكر أهم حيثياتها وأسبابها. وقد بات يدعونا المقام إلى استحضار شيء من نصوص أدب الدعاء، لنتعرف من خلالها على بعض معالم هذا الأدب وما يزخر به من أفكار ومشاعر وقيم، ولنفحص على هديها عن مدى صحة دعوى القطيعة، وعن درجة صدقها، ومقدار مطابقتها للواقع.

 وقد رأينا أنه من المفيد في المقام أن نولي أكبر اهتمامنا للنصوص التي تحكي عن صورة الوجود في أدب الدعاء، وتعبر عن قضية الإحساس به، وهي القضية التي جعلها الأستاذ محمد قطب سببًا من أسباب انقطاع العرب عن التعبير الفني، وكانت حجته في ذلك هي أن التعبير عن الإحساس بالوجود -وعلى عكس التعبير عن أزمة الشعور بالضياع والعبث- يحتاج إلى طاقة فنيّة ضخمة لا توهب لكل إنسان، وهي طاقة لم تتوفّر للمسلمين الأوائل وهم يواجهون تجربة الإسلام الجديدة التي ملأت كيانهم بالوجود وأشعرتهم بالرضى نحوه، فكان أن دفعهم ذلك إلى هجران التعبير الفني والانقطاع عنه.

صورة الوجود في أدب الدعاء

لا يتسع المجال لتتبع صورة الوجود بجميع عناصرها في أدب الدعاء، خصوصًا وأنها صورة تتسم بالسعة والشمول، حيث نجدها تتعرض للوجود في مختلف مستوياته ومراتبه، فهي تحدثنا عن الحقيقة الإلهيه وما لها من شؤون وخصائص، كما تحدثنا عن عالم المجردات وما فيه من قوى وكائنات، وتحدثنا أيضًا عن العالم المحسوس، وعن مخلوقاته وظواهره، وعما يحكمه من قوانين وسنن..

ولذا فقد تحتم علينا أن نكتفي بتناول بعض تلك المراتب الوجوديّة فقط، وذلك من خلال عرض بعض نماذجها وما يدل عليها من الشواهد، وبالمقدار الذي يمكنه أن يفي بأغراض البحث ومقاصده، أي بالمقدار الذي يُمْكِنُهُ أن يذكّرنا بوجود أدب الدعاء، ويشعرنا بأهميته، ويطلعنا على ما تهيّأ لمبدعيه من عمق الفكرة ونفاذ البصيرة، ومن الطاقة الفنيّة المؤاتية، ما مكّنهم من التعبير عن تجربة النفس الإنسانيّة عند إحساسها بـ"الوجود" والامتلاء به والذوبان في محبته، مما يدلنا على أن أدب الدعاء قد استطاع أن يستفيد خير استفادة من الإسلام والقرآن، الأمر الذي يبطل مذهب دعوى القطيعة، ويناقض مضمونها، ويكذّب ما أصدرته من فتاوى وأحكام.

وسوف نستعرض في نماذجنا المقبلة مرتبتين فقط من مراتب الوجود التي يتعرض لها أدب الدعاء، فنبدأ أولاً باستعراض بعض النماذج التي تتحدث عن مرتبة الوجود المحسوس، وما يستبطنه هذا الوجود من معانٍ ودلالات، ثم ننتقل ثانيًا إلى استعراض شيء من النماذج المتعلقة بمرتبة الحقيقة الإلهية وبعض ما لها من الخصائص والشؤون.

أولاً : الوجود المحسوس في أدب الدعاء

يستمد أدب الدعاء تصوّره للوجود من الصورة التي رسمها القرآن الكريم لهذا الوجود، وقد اهتم القرآن اهتمامًا واسعًا بالوجود المحسوس، فصوّر لنا في العديد من آياته مشاهد متنوعة لهذا الوجود، ولما يشتمل عليه من كائنات وظواهر. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}([20]).

والذي يعنينا هنا هو الكشف عن الأغراض التي لأجلها يسوق القرآن الكريم مثل هذه المشاهد للوجود المحسوس، وبكلمة أخرى: إن الغاية التي نصبو إليها في المقام هي الكشف عن الوظائف التي تستبطنها مشاهد الطبيعة في القرآن الكريم.

ويمكننا من خلال التدبّر في الآيات القرآنيّة أن نستنبط وجودَ ثلاث وظائف متكاملة يقصد إليها القرآن الكريم من استعراضه لمشاهد الوجود المحسوس:

أما الوظيفة الأولى فهي تنهض بدور إيقاظ مداركنا الحسيّة، وذلك بغية إعادة لفت انتباهنا إلى العالم المحسوس وما ينطوي عليه من عظمة وإبداع، ولذلك تأتي تلك المشاهد الطبيعيّة لتذكرنا بالكائنات والظواهر المحسوسة، والتي نلتقي بها باستمرار، وندركها إدراكًا بديهيًا، وذلك من قبيل الأنعام، والنبات، والمطر، والليل والنهار، والكواكب والنجوم..

ويبدو أن الغاية من تذكيرنا بمثل هذه الأمور المألوفة لنا، هي رفع الغفلة عنا، وتجديد إحساسنا بروعة الكون، وذلك لأن مداركنا الحسية عندما تألف وجود الأشياء وتعتاد النظر إليها، فإنها تأخذ بالتبلّد، ويقلّ إرهافها، فتخسر بذلك الكثير من قدرتها على التمييز والتأثر، وتعجز تاليًا عن إدراك ما في الأشياء من خصائص وقيم. ولذلك تأتي تلك المشاهد القرآنية بكل ما فيها من سحر البيان، وجمال العرض، وعذوبة الموسيقى.. لتكسر طغيان الإلف والعادة، وتزيل عن الحواسّ الغشاوة والصدأ، فتعيد إلى الكون نضارته الأولى في مدارك الإنسان، ليغدو الإنسان عندها مهيئًا للإحساس بنبض الكون، والتعرّف على ما فيه من إبداع وما تنطوي عليه كائناته من خصائص وأسرار.

ويأتي بعد ذلك دور الوظيفة الثانية، إذ بعد أن تذكرنا الآيات القرآنيّة بكائنات العالم المحسوس أولاً، فإنها تقوم ثانيًا بتنبيهنا على ما تحتفّ به هذه الكائنات من منافع، وعلى ما تتصّف به من إتقان في النظم، ودقّة في الصنع، وجمال في التكوين..

والآيات السابقة صريحة في دلالتها على مثل هذه الأمور، فهي تنصّ بوضوح على منافع الأنعام والخيل والبغال والحمير، وكذلك على منافع الماء النازل من السماء، ومنافع الليل والنهار والقمر والنجوم. كما أنها تشير إلى دور بعض الكائنات في قيام النظام وحفظ التوازن، وذلك كَدَور الرواسي في عملية استقرار الأرض وعدم مَيَدَانها واضطرابها. وهي تشير أيضًا إلى ما يظهر في الكون من سحر وجمال يبعثان في نفس الإنسان البهجة والسرور.

وهذا كله يكشف عن ترابط المخلوقات وتفاعلها، وعمّا يوجد بينها من تناغم وتناسق، كما يكشف عمّا يتّصف به الكون من إتقان في الصنع ودقة في النظم. وهو ما يوصلنا إلى الحديث عن الوظيفة الثالثة.

والذي نلاحظه فيما يتعلّق بهذه الوظيفة هو أن الآيات القرآنيّة التي تصوّر مشاهد الطبيعة وتتحدّث عمّا فيها من دقة ونظام، إنما توظّف ذلك كلّه في سبيل الاستدلال على المُبدع المنظّم، فالله سبحانه -وبحسب تعبير هذه الآيات- هو الذي خلق، وهو الذي ذرأ، وهو الذي سخَّر، وهو الذي ألقى.. وكل ذلك يوصلنا إلى النتيجة المنطقية التي صرّحت بها الآيات: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

ويظهر لنا من كل ما سبق أن العالَم المحسوس لا يمثل في الرؤية القرآنية مجرد ظرف مكاني أو بيئة حيويّة تُيسّران للإنسان سبل العيش واستمرارية الوجود، ولا مجرد موضوع للعلوم الطبيعية التي يستخدمها الإنسان لأجل منافعه أو لأجل الارتقاء بمستوى حياته، بل إنه يمثل علاوة على ذلك كله موضوعًا للتفكير والتأمّل، وآية إلهية بيّنة تمدّ الإنسان ببعض أسباب معرفة عالم الغيب، وتفتح له كُوَّة على المطلق، وتمهّد له الطريق للتعرف على مبدئه، وإدراك مصدر وجوده، ومعرفة من أين تأتيه النِّعَم التي تفيض عليه.

وعلى هذا النهج القرآني نفسه يسير أدب الدعاء، وهو ما سوف نبيّنه من خلال النماذج التالية.

النموذج الأول: الهلال

ونستهل نماذجنا بمقطع من دعاء للإمام السجاد (عليه السلام) كان يدعو به إذا نظر إلى الهلال، وفيه يقول: "أَيُّهَا الْخَلْقُ الْمُطِيعُ، الدَّائِبُ السَّرِيعُ، الْمُتَرَدِّدُ فِي مَنَازِلِ التَّقْدِيرِ، الْمُتَصَرِّفُ فِي فَلَكِ التَّدْبِيرِ. آمَنْتُ بِمَنْ نَوَّرَ بِكَ الظُّلَمَ، وأَوْضَحَ بِكَ الْبُهَمَ، وجَعَلَكَ آيَةً مِنْ آيَاتِ مُلْكِهِ، وعَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ سُلْطَانِهِ، وامْتَهَنَكَ بِالزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، والطُّلُوعِ والأُفُولِ، والإِنَارَةِ والْكُسُوفِ، فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْتَ لَهُ مُطِيعٌ، وإِلَى إِرَادَتِهِ سَرِيعٌ.

سُبْحَانَهُ مَا أَعْجَبَ مَا دَبَّرَ فِي أَمْرِكَ وأَلْطَفَ مَا صَنَعَ فِي شَأْنِكَ جَعَلَكَ مِفْتَاحَ شَهْرٍ حَادِثٍ لأَمْرٍ حَادِثٍ.

فَأَسْأَلُ اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكَ، وخَالِقِي وخَالِقَكَ، ومُقَدِّرِي ومُقَدِّرَكَ، ومُصَوِّرِي ومُصَوِّرَكَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وأَنْ يَجْعَلَكَ هِلَالَ بَرَكَةٍ لا تَمْحَقُهَا الأَيَّامُ، وطَهَارَةٍ لَا تُدَنِّسُهَا الآثَامُ هِلَالَ أَمْنٍ مِنَ الْآفَاتِ، وسَلامَةٍ مِنَ السَّيِّئَاتِ، هِلالَ سَعْدٍ لَا نَحْسَ فِيهِ، ويُمْنٍ لا نَكَدَ مَعَهُ، ويُسْرٍ لا يُمَازِجُهُ عُسْرٌ، وخَيْرٍ لا يَشُوبُهُ شَرٌّ، هِلالَ أَمْنٍ وإِيمَانٍ ونِعْمَةٍ وإِحْسَانٍ وسَلامَةٍ وإِسْلامٍ" ([21]).

يكشف لنا هذا المقطع وبشكل واضح عن واقع تأثر أدب الدعاء بالقرآن الكريم، فهو يستمد من القرآن تصوره للوجود المحسوس، ويسير على نهجه في طريقة عرض مشاهد هذا الوجود، كما أنه يقصد إلى الغاية نفسها التي يقصد إليها القرآن من عرض تلك المشاهد.

ومن هنا نجد أن مشهد الهلال في هذا الدعاء يستبطن الوظائف الثلاث عينها التي لمسنا حضورها في مشاهد الطبيعة في القرآن الكريم. ونحن كنا قد أوضحنا سابقًا أن الوظيفة الأولى ترتبط بالوصف الحسيّ لكائنات الطبيعة، والذي تناط به مهمة إيقاظ مداركنا الحسية، بغية أن نجدد لقاءنا بهذه الكائنات، ونستشعرَ ما تفيض به من حيويًة وبهاء. وتظهر هذه الوظيفة في الدعاء الذي بين أيدينا من خلال الوصف الحسيّ للهلال، ولما يتوارد عليه من أحوال وتقلبات. وأول ما يطالعنا من ذلك هو وصف حركة الهلال في سيرورتها الدائبة المستمرة: "أيها الخلق المطيع الدائب السريع، المتردّد في منازل التقدير، المتصرف في فلك التدبير". فالهلال يجري -على ما يصوره لنا الدعاء- عبر المنازل التي قدّرتها له الحكمة الإلهية، ويدور في الفلك الذي أعدّه له التدبير الإلهي، وهو في كل ذلك لا يَنِي، ولا يستريح، بل يمضي في تنفيذ مهمته دائبًا سريعًا، منقادًا لإرادة الله، طائعا لأمره، ومستسلمًا لمشيئته.

على أن ما يجدر بنا ملاحظته هنا هو أن الدعاء لم يسجّل وصفه لحركة الهلال بطريقة تقريريّة محضة، بل عبّر عنها بأسلوب بياني خاص، ولوّنها بعدد من المؤثرات الفنية المتنوعة. وكشاهد([22]) على ذلك يمكننا الإشارة إلى أسلوب استخدام النعوت التي تصف حركة الهلال، فنلاحظ -مثلاً- أن الدعاء قد أورد عددًا من النعوت المتنوّعة لهذه الحركة (المطيع، الدائب، السريع، المتردد، المتصرّف)، لكنه وفي الوقت ذاته أشار بتلك النعوت -على تعدّدها وتنوّعها- إلى مدلول مشترك واحد (حركة الهلال الدائبة في طاعة الله). ومما لا ريب فيه أن تنويع صور البيان على المدلول الواحد يمكنه أن يساهم مساهمة فعالة في تأكيد المراد، وإغناء الصورة، وذلك لما يمكن أن يضفيه هذا التنويع من ألوان وظلال على المدلول، فيلهم بذلك الخيال، ويجتذب الحواس، الأمر الذي يوقظ النفس، ويحرك فيها الأشواق للقاء الموصوف، والتملي من النظر إليه واستجلاء معانيه.

 ثم والى جانب ما ألمحنا إليه من تعدد النعوت، يمكننا أن نشير أيضًا إلى لون آخر من المؤثرات، وهو يتمثل هذه المرة في الصيغ التي بنيت عليها النعوت المذكورة، والملاحظ هنا هو أن تلك النعوت جميعها قد تمّ بناؤها على صيغة اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة بالفعل. وهما -بلا ريب- صيغتان ملائمتان تمامًا للإيحاء بدوام حركة الموصوف وتجدّّدها.

وبتضافر ما بينّاه من المؤثرات، ومعها غيرها مما لا يتسّع المجال لبيانه، يشعرنا الدعاء بأنا أمام مخلوق جاد نشيط، يجري بأمر خالقه، ويسلك في طاعة مولاه مستسلمًا مطمئنًا، لا يدركه في ذلك تعب، ولا يداخله سأم.

وبذا تتمهد السبل أمام الدعاء لكي يؤثر فينا عن طريق الإيحاء، فيبثّ في نفوسنا الطمأنينة، ويَرُوضُها على التسليم، كما يجدد فينا العزيمة ويملأ كياننا بالحيوية والنشاط، لنُقبل حينئذ بكل وجودنا على المولى تعالى عند ابتهالنا إليه ودعائنا إياه.

ثم وبعد أن يفرغ الدعاء من وصف ما قصد إلى وصفه من حركة الهلال، يمضي إلى وصف بعض مظاهره الحسيّة الأخرى، فيقول: "وامْتَهَنَكَ بِالزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ، والطُّلُوعِ والأُفُولِ، والإِنَارَةِ والْكُسُوفِ"، وهنا يضعنا الدعاء أمام مختلف الأطوار والمظاهر التي يتلبّس بها الهلال، سواء ما يحدث منها بشكل يومي (الطلوع والأفول)، أو ما يتدرج عبر الشهر الواحد (الزيادة والنقصان)، بالإضافة إلى ما يحصل خلال فترات زمنيّة متباعدة (الكسوف المقابل للإنارة)، وبذا يحيط الدعاء بمختلف حالات الهلال وأوضاعه، جامعًا إياها في مشهد واحد، وفي صورة أدبيّة شديدة التركيز.

ومن الطبيعي أن تؤدّي الصورة الأدبيّة المكثفة والمحيطة بعناصر الموضوع إلى جذب انتباه القارئ، وتوسعة مداركه، وإغناء رؤيته للواقع.

لذا فإن التلاوة المتدبرة لهذا الدعاء تُفضي بالمرء إلى استحضار جميع حالات الهلال وأطواره، وفي لحظة واحدة، وذلك على الرغم من أن الهلال إنما يكون متلبسًا في تلك اللحظة بحالة واحدة فقط من تلك الحالات، وبطور خاص من تلك الأطوار، ويعود الفضل في ذلك إلى ما تمتلكه الصورة الفنية من قوة الإيحاء والتأثير، فهي تحرر الذهن من أَسْر النظرة الآنيّة وقيودها، وتهيؤه للنفاذ من الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام، ليسموَ بذلك إلى مرتبة الإدراك الكلي والرؤية الشاملة.

وهكذا نجد أن الدعاء، وعن طريق وصفه الفنيّ الأخّاذ لحركة الهلال ولمظاهره الحسيّة الأخرى، قد راعى معطيات الوظيفة الأولى من الوظائف الثلاث التي مرّ ذكرها، حيث سعى من خلال وصفه هذا إلى إيقاظ أحاسيسنا تجاه المشهد المألوف للهلال، وعمل على تجديد لقائنا به، لينقذنا بذلك من تبلّد الحواس، ومن طغيان العادة.

إلا أن الدعاء لم يَقْصُرْ مهمته على مراعاة الوظيفة الأولى فقط، بل إنه وتبعًا للمنهج القرآني، أَوْلى الوظيفة الثانية قَدْرًا ملحوظًا من عنايته، ولذلك نراه يتخذ من تأمل مشهد الهلال ومن وصفه إياه، مُنْطَلقًا للكشف عما يستبطنه هذا المشهد الطبيعي من دِقّة في النظم، وإتقان في الصنع، ومن حكمة وتدبير.

ومن هنا نجد الدعاء ينصّ نصًا صريحًا على أن الهلال متردد في منازل التقدير ومتصرِّف في فَلَكِ التدبير، فهو لا يجري بطريقة عشوائية، ولا تتحكم به الصُّدَف، بل إنه يتبع مسارًا محددًا وخطة مرسومة، ولذلك فإن ما نراه من حالاته وأطواره المختلفة، كالزيادة والنقصان، والطلوع والأفول، والإنارة والكسوف، تخضع كلها لتقدير دقيق، وتدبير واعٍ، فلا يصدر شيء منها عن الفوضى، ولا يعبّر أي منها عن العبث.

وكذلك ينصّ الدعاء وبشكل صريح أيضًا، على ما يختص به الهلال من منافع، فيشير إلى أنه مفتاح شهر حادث، وأنه الوسيلة لتنوير الظُّلَم وإيضاح البُهَم، فبواسطته نتمكن من معرفة بداية الشهور، وهي معرفة تبتني عليها منافع أخرى كثيرة، حسابية وعبادية، كما أنه هو الوسيلة لكشف ظلمة المكان، وإيضاح ما يخفى على الباصرة من المرئيات عند انعدام النور.

وخلاصة القول هي أنه قد تسنى للدعاء أن يكشف عما يستبطنه مشهد الهلال من دِقّة وإتقان، وعما يقف وراء ذلك من وعي وحكمة وتدبير، وبذلك يتجلّى الحضور الواضح للوظيفة الثانية في المشهد الذي يرسمه الدعاء للهلال.

ويأتي بعد ذلك دور الوظيفة الثالثة، ومهمة هذه الوظيفة كما بيّنا هي النفاذ من المعاني والصفات التي تكشف عنها الوظيفة الثانية -أي النفاذ من وجود الدقة والإتقان والحكمة والتدبير- إلى معرفة الوجود الأسمى، أي وجود الله تعالى، والذي ترجع إليه كل تلك المعاني والصفات.

وقد برزت هذه الوظيفة جليّة في متن الدعاء، وذلك كما في العبارات التالية: (آمنت بمن نوَّر بك الظُّلَم..)، (وجعلك آيةً من آيات مُلْكِه، وعلامة من علامات سلطانه)، (سبحانه ما أعجب ما دبَّر من أمرك! وألطف ما صنع من شأنك)، (فأسأل الله ربّي وربّك، وخالقي وخالقك، ومقدّري ومقدّرك، ومصوّري ومصوّرك...).

وهي عبارات واضحة في دلالتها على النظر إلى الهلال كآية أو علامة، تقود إلى المعرفة الواعية بخالق الهلال ومصوّره ومدبّره، ومن ثَمَّ التوجه إليه بالدعاء، وقد بات الداعي على معرفة ثابتة وإيمان راسخ بالمدعو، وبما يتصف به من العظمة والشأن، فيدعوه عندها وهو على يقين بما يمتلكه من قدرة، وما يتصف به من علم وحكمة.

وهكذا تكشف لنا مطالعة النموذج الأول عن مدى تأثر أدب الدعاء بالقرآن الكريم، إذ إننا قد رأينا رأي العين كيف يستمد دعاء الهلال تصوّره للوجود المحسوس من التصوّر القرآني لهذا الوجود، كما رأينا أيضًا كيف يوظّف الدعاء المذكور مشاهد هذا الوجود للغايات نفسها التي يقصد إليها القرآن الكريم.

فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله أن الدعاء الذي بين أيدينا لا يقتصر على استلهام المعاني والدلالات القرآنية فحسب، بل هو يستمد منه الألفاظ والتعابير([23]) أيضًا، فإنه يتأكّد لنا بذلك أكثر فأكثر مدى ارتباط أدب الدعاء بالقرآن الكريم، وشدة تأثره به، سواء لجهة المضامين والمقاصد، أو لجهة اللغة والتعبير.

النموذج الثاني: الصباح والمساء

نتوقف في هذا النموذج عند مشهد آخر من مشاهد الطبيعة، ونستعرض لأجل ذلك نصين من نصوص الأدعية التي تعرضت له. أحدهما للإمام السجاد (عليه السلام)، والآخر لجده الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

  أ-دعاء الصباح والمساء للإمام علي بن الحسين (عليه السلام)

ونقتطف من هذا الدعاء المقطع التالي: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ بِقُوَّتِهِ، ومَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ، وجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدًّا مَحْدُودًا، وأَمَدًا مَمْدُودًا، يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، ويُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِيمَا يَغْذُوهُمْ بِهِ، ويُنْشِئُهُمْ عَلَيْهِ، فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ ونَهَضَاتِ النَّصَبِ، وجَعَلَهُ لِبَاسًا لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ ومَنَامِهِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَامًا وقُوَّةً، ولِيَنَالُوا بِهِ لَذَّةً وشَهْوَةً، وخَلَقَ لَهُمُ النَّهَارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، ولِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ، ويَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ، طَلَبًا لِمَا فِيهِ نَيْلُ الْعَاجِلِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، ودَرَكُ الآجِلِ فِي أُخْرَاهُمْ، بِكُلِّ ذَلِكَ يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ، ويَبْلُو أَخْبَارَهُمْ، ويَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ فِي أَوْقَاتِ طَاعَتِهِ، ومَنَازِلِ فُرُوضِهِ، ومَوَاقِعِ أَحْكَامِهِ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا، ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا فَلَقْتَ لَنَا مِنَ الإِصْبَاحِ، ومَتَّعْتَنَا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ، وبَصَّرْتَنَا مِنْ مَطَالِبِ الأَقْوَاتِ، ووَقَيْتَنَا فِيهِ مِنْ طَوَارِقِ الآفَاتِ" ([24]).

يبرز في هذا المقطع أيضًا، وبصورة واضحة، تأثر أدب الدعاء بالقرآن الكريم، وهو ما يمكننا تلمّسه من خلال ما نشاهده من استحضار الدعاء الذي بين أيدينا للوظائف الثلاث التي سبق الحديث عنها، وكذلك من خلال استلهام هذا الدعاء للعديد من المضامين والتعابير الواردة في القرآن الكريم.

ويكفينا للتدليل على هاتين الناحيتين ذكر شيء من أمثلتهما، وذلك لشدة وضوحهما وسهولة إدراكهما، سيما وأن ما بيّناه في النموذج الأول يوطِّئ السبيل لملاحظتهما، ويغنينا عن الاطالة في البيان.

ونبدأ بالناحية الأولى المتعلقة باستحضار الدعاء للوظائف الثلاث فنقول: إن هذه الوظائف بارزة بروزًا جليًا في الدعاء، فنحن نلتقي بالوظيفة الأولى في المشهد كله الذي يعرضه الدعاء للصباح والمساء، ولبيان هذا الأمر يمكننا تكرار عين ما ذكرناه في النموذج الأول حول هذه الوظيفة، إذ إننا نجد أن الدعاء الحالي وعند تصويره لمشهد الصباح والمساء، لم يقم -هو أيضًا- بتصوير الواقع المعروض في هذا المشهد بطريقة تقريريّة محضة، بل ألّف بين عناصره بطريقة متميِّزة، وعبّر عنه بأسلوب بيانيّ خاص، فاستطاع بذلك أن يُخرج هذا الواقع من رتابته، ويخلقه خلقًا فنيًا جديدًا، ليُمكِّننا من ملاقاته وكأننا نراه للمرة الأولى، فنقبل على تأمله بحسٍ مرهف، وذهنٍ متوقد، ساعين إلى استنباط ما يتضمنه من معانٍ وما يختزنه من دلالات.

وأما الوظيفة الثانية: فهي تتجلّى فيما يدل عليه وجود الصباح والمساء من الدقّة والاتقان والتقدير، وفيما لوجودهما من المنافع المهمة التي تتقوّم بها حياة العباد.

ومن الأمثلة على ذلك قول الإمام السجاد (عليه السلام): "وجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدًّا مَحْدُودًا، وأَمَدًا مَمْدُودًا، يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، ويُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبَادِ".

فالصباح والمساء يخضع كل منهما لحدود معينة تبعًا للأزمنة والأمكنة التي يحلاّن فيها، وكذلك فإنّ لكل منهما أمدًا ممدودًا، أي عمرًا ذا امتداد، ينتهي عند قيام الساعة، كما أن كل واحد منهما يدخل في صاحبه ويدخل صاحبه فيه، وذلك عند ازدياد طول أحدهما ونقصان طول الأخر، فيأخذ الذي يزداد طوله من وقت الأخر الذي نقص طوله، فيدخل بذلك في الزمان الذي كان يشغله هذا الأخير، وكل ذلك يعبّر عن وجود تقديرٍ دقيق وخطة موضوعة ونظام متبع، ويكشف تاليًا عن ارتباط هذه الأمور كلها بغايات مقصودة، تشكلت على أساسها ملامح الخطة، وتحددت معالم النظام، ورُسِمَتْ حدود التقدير.

وقد نصَّ الدعاء صراحة على وجود تلك الغايات، مبيّنا المنافع المترتبة على وجود الصباح والمساء، وما يحكمهما من نظام ويحدّهما من تقدير، وكمثال على ذلك نعود لقراءة النص التالي: "فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ ونَهَضَاتِ النَّصَبِ، وجَعَلَهُ لِبَاسًا لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ ومَنَامِهِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَامًا وقُوَّةً، ولِيَنَالُوا بِهِ لَذَّةً وشَهْوَةً، وخَلَقَ لَهُمُ النَّهَارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، ولِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ، ويَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ، طَلَبًا لِمَا فِيهِ نَيْلُ الْعَاجِلِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، ودَرَكُ الآجِلِ فِي أُخْرَاهُمْ".

وبهذا يصل بنا المقام إلى الوظيفة الثالثة، والتي يمكننا التمثيل لها بقوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ بِقُوَّتِهِ، ومَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ.."، وبقوله أيضًا: "يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، ويُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبَادِ...".

فالدعاء يتوجه في هذه العبارات إلى خالق الليل والنهار، فيحمده على بديع خلقه وفيض نعمه، لأنه هو الذي برأ وصوّر، وهو الذي قدّر ودبّر. وبذلك يظهر لنا حضور الوظيفة الثالثة من الوظائف التي تقترن بمشاهد الطبيعة في القرآن الكريم، وهي الوظيفة التي أنيطت بها مهمة النفاذ من وجود الحكمة والاتقان والتدبير إلى معرفة الله سبحانه([25])، ومعرفة ما يختص به من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

والآن.. وبعد أن فرغنا من تبيان الناحية الأولى المرتبطة بالوظائف الثلاث، ننتقل إلى الناحية الثانية المتعلقة باستلهام أدب الدعاء للمضامين والتعابير القرآنية. والدعاء الذي بين أيدينا يشتمل على الكثير من أمثلتها، غير أننا سنكتفي بإيراد شيء يسير منها، وذلك التزاما منا بما بيَّناه في مطلع هذا النموذج من عدم الحاجة إلى الإطالة في المقام.

ونقرأ من هذه الأمثلة قوله (عليه السلام): "يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ، ويُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ.."، وهو مستقى من الآيات القرآنية من قبيل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}([26]).

ونقرأ منها أيضًا: "فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ ونَهَضَاتِ النَّصَبِ، وجَعَلَهُ لِبَاسًا لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ ومَنَامِهِ.. "، وهذا مستمد أيضًا من القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}([27])، وكقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا}([28]). ونقرأ أخيرًا قوله (عليه السلام): "وخَلَقَ لَهُمُ النَّهَارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، ولِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ، ويَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ"، وهو مستلهم من مثل قوله جلّ اسمه: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}([29]).

ب-دعاء الصباح للإمام علي (عليه السلام)

ونقرأ من هذا الدعاء المقطعين التاليين([30]):

أولهما هو قوله (عليه السلام): "اَللّـهُمَّ يا مَنْ دَلَعَ لِسانَ الصَّباحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ، وَسَرَّحَ قِطَعَ الّلَيْلِ الْمُظْلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجْلُجِهِ، وأتْقَنَ صُنْعَ الْفَلَكِ الدَّوّارِ في مَقاديرِ تَبَرُّجِهِ، وَشَعْشَعَ ضِياءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأجُّجِهِ، يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ، يا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُونِ وَبَعُدَ عَنْ لَحَظاتِ الْعُيُونِ وَعَلِمَ بِما كانَ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، يا مَنْ أرْقَدَني في مِهادِ أمْنِهِ وَأَمانِهِ وَأيْقَظَني إلى ما مَنَحَني بِهِ مِنْ مِنَنِهِ وَإحْسانِهِ وَكَفَّ أكُفَّ السُّوءِ عَنّي بِيَدِهِ وَسُلْطانِهِ".

وأما المقطع الثاني فهو قوله (عليه السلام): "فَاجْعَلِ اللّـهُمَّ صَباحي هذا ناِزلاً عَلَيّ بِضِياءِ الْهُدى وَبِالسَّلامَة فِي الدّينِ وَالدُّنْيا، وَمَسائي جُنَّةً مِنْ كَيْدِ الْعِدى، وَوِقايَهً مِنْ مُرْدِياتِ الْهَوى، إنَكَ قادِرٌ عَلى ما تَشاءُ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِ عُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ اِنَّـكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ، تُولِجُ اللَيْلَ في النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِساب، لا إلـهَ إلاّ اَنْتَ سُبْحانَكَ اللّـهُمَّ وَبِحَمْدِكَ مَنْ ذا يَعْرِفُ قَدْرَكَ فَلا يَخافُكَ، وَمَن ذا يَعْلَمُ ما أنْتَ فَلا يَهابُكَ، ألَّفْتَ بِقُدْرَتِكَ الْفِرَقَ، وَفَلَقْتَ بِلُطْفِكَ الْفَلَقَ، وَأنَرْتَ بِكَرَمِكَ دَياجِي الْغَسَقِ، وَأنْهَرْتَ الْمِياهَ مِنَ الصُّمِّ الصَّياخيدِ عَذْبًا وَأُجاجًا، وَأنْزَلْتَ مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا، وَجَعَلْتَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِلْبَرِيَّةِ سِراجًا وَهّاجًا، مِنْ غَيْرِ أنْ تُمارِسَ فيما ابْتَدَأتَ بِهِ لُغُوبًا وَلا عِلاجًا، فَيا مَنْ تَوَحَّدَ بِالْعِزِّ وَالْبَقاءِ، وَقَهَرَ عِبادَهُ بِالْمَوْتِ وَالْفَناء،ِ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ الأتْقِياءِ، وَاسْمَعْ نِدائي وَاسْتَجِبْ دُعائي وَحَقِّقْ بِفَضْلِكَ أمَلي وَرَجائي".

يلتقي المرء عند ابتهاله بهذا الدعاء([31]) بالعديد من المعاني والتعابير القرآنيّة، بل إنه ليشعر لدى تلاوته إياه بأنه يعيش في أجواء قرآنيّة صرفة. ولذا فلست أجد من حاجة إلى الإفاضة في تبيان مواطن اللقاء أو التنبيه على أمثلتها، وذلك لأنه وعلاوة على وضوح هذه الأمثلة بذاتها، فإنه قد سبقت منّا الإشارة إلى بعض مثيلاتها مما كان قد تكرر ذكره في الدعاء السابق([32]).

النموذج الثالث: السحاب والبرق والرعد

نلتقي في هذا النموذج بدعاء الإمام السجاد (عليه السلام) والذي كان يدعو به إذا نظر إلى السحاب والبرق وسمع صوت الرعد. ونقرأ من هذا الدعاء المقطع التالي: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَيْنِ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِكَ، وهَذَيْنِ عَوْنَانِ مِنْ أَعْوَانِكَ، يَبْتَدِرَانِ طَاعَتَكَ بِرَحْمَةٍ نَافِعَةٍ أَوْ نَقِمَةٍ ضَارَّةٍ، فَلا تُمْطِرْنَا بِهِمَا مَطَرَ السَّوْءِ، ولا تُلْبِسْنَا بِهِمَا لِبَاسَ الْبَلاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وأَنْزِلْ عَلَيْنَا نَفْعَ هَذِهِ السَّحَائِبِ وبَرَكَتَهَا، واصْرِفْ عَنَّا أَذَاهَا ومَضَرَّتَهَا، ولا تُصِبْنَا فِيهَا بِآفَةٍ، ولا تُرْسِلْ عَلَى مَعَايِشِنَا عَاهَةً"([33]).

إن المعاني والأجواء القرآنية واضحة الحضور في هذا المقطع من الدعاء، حيث نرى أن الكائنات والظواهر الطبيعية كالسحاب والبرق والرعد لا يُنظر إليها فيه على أنها مجرد أمور تنتمي إلى عالم الطبيعة، وتخضع لسننه وقوانينه المقدَّرة، بل هي تمثل علاوة على ذلك آيات إلهية مسخَّرَة بأمره، وقد يرسلها سبحانه رحمة أو نقمة، والإمام (عليه السلام) يبتهل إلى الله تعالى أن يجعلها رحمة لا نقمة.

* * *

وبهذا نكون قد انتهينا من إيراد ما أردنا إيراده من نماذج أدب الدعاء التي تتعرض للوجود المحسوس، وقد كان لنا في هذه النماذج خير شاهد على استمراريّة الإنتاج الفني لدي العرب عند ظهور الإسلام، وعلى عدم احتياج هذا الإنتاج للجوء إلى الجاهليّة ومقاييسها الأدبية، بل رأينا أن هذا الإنتاج متمثلاً بأدب الدعاء قد يمّم وجهه شطر القرآن الكريم ليستمد منه المعاني وطرائق التعبير، وليستلهم منه أيضًا رؤيته الفلسفية للوجود المحسوس، وهي الرؤية التي تتخذ من هذا الوجود موضوعًا للتفكر، فلا تقتصر على اعتباره مجرد ظرف مكاني أو بيئة حيوية تختص بدراسته العلوم الطبيعيّة. بل ترى فيه -علاوة على ذلك- آية إلهيّة بيِّنة تشير إلى عالم الغيب، وتقود إلى معرفة الله جل وعلا.

ويظهر لنا من كل ذلك أن ما يزخر به أدب الدعاء من مشاهد الوجود المحسوس لم يكن صادرًا عن أزمة تيهٍ أو شعور بالضياع، بل جاء كتعبير عميق عن الإحساس بالوجود، وعن إدراكه إدراكًا نافذًا، وعلى أيدي مبدعين ملهَمين، قد تهيأت لهم جميع الأسباب المعرفية والفنية اللازمة للتعبير عن تجربة الإحساس بالوجود، والامتلاء به، والشعور بمحبته.

( وللبحث صلة بعون الله تعالى )


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، دار الشروق، بيروت والقاهرة، 1393هـ - 1973م، ص 7.

([2]) المصدر نفسه ص 7.

([3]) المصدر نفسه ص 12.

([4]) المصدر نفسه ص 7.

([5]) المصدر نفسه ص 7.

([6]) المصدر نفسه ص 7.

([7]) المصدر نفسه ص7- 8.

([8]) المصدر نفسه ص 7.

([9]) المصدر نفسه ص8-9.

([10]) المصدر نفسه ص9.

([11]) المصدر نفسه ص10.

([12]) المصدر نفسه ص10.

([13]) المصدر نفسه ص10-11.

([14]) المصدر نفسه ص11.

([15]) المصدر نفسه ص11.

([16]) المصدر نفسه ص11.

([17]) المصدر نفسه ص13.

([18]) المصدر نفسه ص13.

([19]) المصدر نفسه ص13.

([20]) النحل: 5-18.

([21]) الصحيفة السجادية، من دعائه إذا نظر إلى الهلال .

([22]) لا نرمي في هذا البحث إلى دراسة نصوص أدب الدعاء دراسةً تحليليةً أو فنيّة مفصّلة، بل كل مرادنا هو الكشف عن علاقة هذا الأدب بالقرآن الكريم، واستمداده منه تصوره للوجود. ولكن قد يفرض علينا سير البحث أحيانًا أن نتعرّض لبعض اللمحات الفنية، فنعمد حينئذ إلى إيراد بعض الأمثلة منها وبالمقدار الذي يستدعيه البحث. ورجاؤنا بعد هذا هو أن تلفتَ هذه اللمحات بعض المعنيين، علّهم يبادرون إلى التوسّع في إغناء الدراسات التحليلية والفنية لنصوص أدب الدعاء.

([23]) انظر مثلا قوله تعالى: {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ}(إبراهيم: 33)، وقوله تعالى: {وَالْقَمَرَ نُورًا}(يونس: 5)، وقوله: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}(يس: 39)، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(الأنبياء: 33) ... ثم لاحظ كيف تتردد هذه التعابير في الدعاء بأعيانها أو ببعض تصاريفها، وذلك من قبيل قوله (عليه السلام): (دائب)، و(نوّر)، و(منازل التقدير)، و(فلك التدبير) ..

([24]) الصحيفة السجادية، من دعائه عند الصباح والمساء .

 ([25]) قد تُقدِّم بعض الأدعية ذكر آيات الله في الكون، فتصوّر المشهد الطبيعي وما ينطوي عليه من حكمة ونظام، لتنطلق منه إلى ذكر خالق هذه الآيات ومبدعها، وهو ما شهدنا مثاله في دعاء الهلال، حيث رأيناه يبدأ بمخاطبة الهلال: (أيها الخلق المطيع... )، ثم ينتقل بعدها إلى التعبير عن إيمانه بخالق الهلال.. وربما ينعكس الأمر في أدعية أخرى، كما في دعاء الصباح والمساء، حيث يبدأ هذا الدعاء بحمد الله: (الحمد لله الذي خلق الليل والنهار... )، ثم يشرع في بيان ما تنطوي عليه آياتا الليل والنهار من جميل الصنع وبديع النظم. إلا أننا كنّا قد سكتنا في أثناء البحث عن هذا الاختلاف والتنويع الذي تراعيه نصوص الأدعية، وذلك لعدم تعلق أغراضنا الحالية ببيان مثل هذه الفوارق الأسلوبيّة اللطيفة، إذ كان جلُّ همنا منصبًا على التنبيه على استمرارية الإنتاج الأدبي لدى العرب بعد ظهور الإسلام، وعلى تأثر هذا الإنتاج بخصائص الدين الجديد، واستمداده منه الكثير من العناصر.

([26]) الحج : 61.

([27]) الأنعام: 96.

([28]) الفرقان من الآية 47.

([29]) الإسراء : 12.

([30]) بحار الأنوار ج33 ص339 ، دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام).

([31]) لقد عمدنا عند تعقيبنا على ما نستشهد به من نصوص الأدعية إلى الاقتصار على ذكر ما نجد ذكره ضروريًا مما يتلاءم مع القضية المبحوث عنها في المقام، وهي قضية استلهام أدب الدعاء الرؤى والمعاني وأساليب التعبير من القرآن الكريم.

     وإلا فإنه يوجد في الأدعية التي استشهدنا بها جوانب أخرى كثيرة جديرة بالبحث والاهتمام، ومنها الدعاء الذي هو موضع كلامنا الآن، عنيت به دعاء الصباح، فهذا الدعاء يمثل واحدًا من النصوص الأدبية النادرة، والتي تبلغ ذروة الإبداع الفني، وذلك لما يتّصف به من غنى مكوّناته وتكامل عناصره، الأمر الذي يرشّحه ليكون موردًا للدراسة المتأنية والشاملة، والتي يمكنها أن تتناوله من ناحية مضامينه ومعانيه السامية، من مثل قوله : (يا من دلَّ على ذاته بذاته، وتنزَّه عن مجانسة مخلوقاته..)، وقوله (عليه السلام): (يا من قَرُبَ من خطرات الظنون، وبَعُدَ عن لحظات العيون..). أو تتناوله من ناحية لغته وتعابيره البديعة، من قبيل قوله (عليه السلام) : (اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه..). كما يمكنها أن تتناوله أيضًا من ناحية موسيقاه العذبة والمبهِجة، وهي بارزة بيِّنة الحضور على امتداد النص كله.

([32]) وذلك من قبيل ما قدمناه من الأمثلة التي تتحدث عن إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، أو تلك التي  تتحدث عن نعمة الضوء.

([33]) الصحيفة السجادية، من دعائه إذا نظر إلى السحاب والبرق وسمع صوت الرعد .

 

 

صبر علي (عليه السلام) يوم الدار (3)

السيد محمد رضا شرف الدين

 

نلتقي معكم في هذا العدد بالحلقة الثالثة من مقالة سماحة السيد محمد رضا شرف الدين، حول صبر الإمام علي (عليه السلام) يوم الدار.

 

الأسوة الحسنة 

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}([1]).

إنَّ النبي الخاتم محمدًا بنَ عبد الله المصطفى (صلى لله عليه وآله) هو التجلي الأعظم، والكلمة التامَّة، والمجلى الأتم، والمثل الأعلى؛ ومن ثَمَّ فإنّه المقياس والميزان في سائر شؤون عالم الإمكان، فهو قطب رحاه، وذروة علاه، وما به وجوده حدوثًا وبقاءً، وإذ كان مرآة الحق في الجلال والجمال فلا ولن يكون فوق كماله في الورى كمال. بذلك ندين ونعتقد مستندين إلى قاطع البرهان، لا يعرونا فيه شك ولا يدنو منا ارتياب.

وقد أُمِرنا في الكتاب الكريم إرشادًا لما دلَّت عليه فِطَر العقول بطاعته:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}([2]). {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}([3]).

واتِّباعه: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}([4]).

وتحكيمه والتسليم له: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([5]).

ونُهينا عن مخالفته والتقدم بين يديه والاقتراح عليه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}([6])، ورفع الصوت فوق صوته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ *إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}([7]).

فسِيرَته وسنَّته فصل لا نملك بإزائها إلا اقتفاء أَثَرِه والسير إِثْرَه.

وما من مِلاك للفوز بمضارب الفضل والسبق في مضامير المعالي إلا انتهاج مسلكه وسلوك منهاجه، وما من تفاضل إلا على قدر محاكاة المرء لمعالمه، ولذلك كان قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه)([8]).

وها نحن نأتي اليوم في هذا الجزء من مقالنا نتلمَّس سنَّة رسول الله (صلى لله عليه وآله) في مواجهة الأذى، ونستشرف سيرته في الرد على من اعتدى؛ لنرى الأصل فيها أكان النكال والزجر أم الإمهال والأناة والصبر؟!؛ فنطابق بين مواقفه وموقف ربيبه وأخيه وصهره وابن عمه صلوات الله عليهما وعلى آلهما.

محجة الأذى

(ما أُوذيَ نبي مثل ما أوذيت)([9])، (ما أُوذيَ أحدٌ ما أوذيت)([10])..

كلماتٌ رُوِيَتْ عن النبي الحبيب المصطفى (صلى لله عليه وآله) في مصادر الفريقين.

وهي وإن كانت ضعيفة الإسناد إلا أن جملة من الأعلام أرسلوها منسوبة له إرسال المسلمات([11]).

وإنها على اختصارها تُعَدُّ وثيقةً ذاتَ رسالةٍ بالغةِ الأهمّيّة، شديدةِ الخطورةِ؛ لما تعكسه من واقعٍ مريرٍ كان يحيط بشخصِ مُشيّدِ مَجدِ هذه الأمةِ، بل باعثِها من جَدَثِ الذُّلِّ وحضيض الهوان.

ولَمّا لم يكن في المرحلة المكّية من حياته ما يُبرِّر صدور مثل هذا التصريح على لسانه الشريف؛ إذ ما لاقاه من إيذاء المشركين وإنْ كان في حدّ ذاته عظيمًا، لكنَّهُ يبقى دونَ ما نَزَلَ بإخوتِهِ مِنَ المُرسَلينَ.

كيف؟! وفيهم من ذاق حدَّ السيف، ومن جُرّعَ الموتَ نشرًا بالمناشير، ومن كُشِطَتْ فَروةُ رأسه حيًّا حتى قضى صبرًا([12]).

 وقد لاقوا الأهاويل من ألوان العذاب وفنون التنكيل، كل ذلك يمنع من أن تكون تلك المرحلة الزمنيّة من حياته الشريفة ظرفًا لما جاء في مفاد قوله (صلى لله عليه وآله) المتقدم؛ فلا يكونُ الإيذاء المذكور هو الذي انصبَّ عليه مِنَ المُجهرين بتكذيبه، المعلنينَ لعداوتِهِ، وهذا ما يَشُدُّ الأنظارَ نحو المرحلة المدنيّة، والإيذاء المعنوي المتوجّه إليه من قِبَلِ حَرَكَتَي: المنافقين، والذين في قلوبهم مرض ممن تجلبب بجلباب صحبته وتنكَّر بلبوس نصرته.

ولما كان روّادُ تلك الحركة رموزًا محاطة بِهالاتِ التَّقديسِ في الذهنية العامة لجمهور أهل القبلة، وكان أولئك وأتباعهم يُشَكّلون الجهةَ الحاكمةَ الرَّسميةَ طيلةَ قرونٍ ماضيةٍ متصلةٍ بعصرنا الحاضر؛ لذلك ولغيره تعرّض الحديث المذكور لوابل الطعن والتكذيب الممطَّر من أقلام أئمة الجرح والتعديل في معسكر الخلافة الحاكم.

ولقد فات هؤلاء ما في الكتاب الكريم من آياتٍ هي شواهد صدق خالدة تعضده بل تغني عنه بلا مزيد عليه، آياتٌ كفَّ الله أيديهم عنها فخلدت بخلود الذكر الحكيم، سنعرض لها إن شاء الله لاحقًا في محلها.

ِثم يشهد لذلك ما ورد من الأحاديث الشريفة المروية لدى الفريقين مما ظاهره دورانُ الابتلاءِ شدّةً وضعفًا مدارَ الأمثَليَّةِ عُلوًّا ودُنوًّا([13])، بضميمة صغرى أفضليّة النبي الأعظم (صلى لله عليه وآله) على سائر الخلق بلا استثناء ولا ريب؛ فيتشكَّل قياس من الشكل الأول يُنتِج بداهة أنه -بأبي هو وأمي- أشدُّ الناس ابتلاء على الإطلاق، بما في ذلك أذى الناس.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن صنوفَ الأذى فنونٌ، ووقعها على الإنسان يختلف باختلاف رهافة مشاعره ورقَّة أحاسيسه وسموِّ نفسه ورفعة مقامه، أدركنا أن الأذى المعنوي لو نزل بأرهف الناس شعورًا وأرقهم إحساسًا وأسماهم نفسًا وأرفعهم مقامًا فإن وقعه عليه يجلُّ عن القياس دونه حزّ الشفار والتقلّب بين ألسنة النار وليس للقذى على اليد وقعه على العين.

وبناءً على كلِّ ما تقدَّم فإنَّه (صلى لله عليه وآله) محجة الأذى، وكعبة الرزايا، في ما مضى وما يأتي، -لم ولا ولن- يلقَ أحدٌ ما لاقاه من الأذى.

فدوننا عطف النظر إلى محطات من سيرته لنرى كيف واجه تلكم الأذيات وقابل تيك الرزايا، ونحدد سنَّته الغالبة في تفاعله وانفعالاته وردود فعله بإزاء معتصفات الجفاء التي أحاطته وألمت به.

المرحلة المكّيّة

شمس تتوهج مكرمة وتشع جلالاً، وبدر يتلألأ نبلاً وجمالاً، لم يسبق لأم القرى أن أحنت هامها وبخعت بأكابرها وأصاغرها لسواه، مجمع نيرين نسبًا وحسبًا، يُمَثّلُ الذروةَ في سلالةٍ حازت منتهى الهيبةِ لا لبطشٍ قاهر، وغاية السؤدد لا لثروةٍ كاثِرةٍ، استجمع المحامد كلّها فكان دون الخليقة مُحَمَّدًا.

في مجتمع جاهليٍّ قَبَليٍّ يُدمِنُ الرذيلةَ ويمتهنُ الغارات ويتخذُ من الصحراء طبيعتها الخشنة القاحلة، روّض طغيانها هذا الفتى اليتيمُ بمكارم أخلاقه ومحاسن صفاته؛ فما تمالكت ألسنتهم أن تنطلق بنبز -وهم المتقنون لفن التنابز-، بل لهجت بمدحته مُلقّبَةً إيّاه بالصادق الأمين، تحتكم إليه في مهماتها، وتلوذ بحكمته عند مُلمّاتها.

حتى إذا بلغ أشُدَّهُ وبلغ أربعين سنة جاءهم بخير الدنيا وسعادة الآخرة، فانقلبت عليه على حين غرّة تَسِمَه بالجنون والشعر تارة، وتَصِمَه بالكذب والسحر تارة أخرى.

لقد جاءهم بسيادة المعمورة وريادة الأمم وقدّم لهم أسُسَ حضارة لا تُبارى، فقابلوه بألسنة حداد ينهشونه لينثني عما أراد.

وإذا بمحمد الصادق الأمين في أمسِهم يوصف -معاذ الله وحاشا لرسوله (صلى لله عليه وآله)- بالمذمم الكذاب الأشر الساحر في يومهم، وقديمًا قيل:

جراحات السنان لها التيام
 

 

ولا يلتام ما جرح اللسان
 

ولم تتوقف الوقاحة والإمعان بالإيذاء منهم تجاهه عند الحرب الإعلامية ومحاولة الاغتيال الاجتماعي، بل تصاعدت لتصل إلى حدِّ الإهانات الماديّة المتكررة من إلقاء العَذَرَة بباب داره، ونثر الروث والقذارات على شخصه الشريف، ووضع الأشواك في طريقه، بل لامست مرحلة العنف الجسدي، والحصار الاقتصادي والاجتماعي، ولمَّا انتقل حامي حماه وكفيله وناصره سيدنا أبو طالب صلوات الله عليه إلى الملأ الأعلى بلغ الأمر بالقوم إلى الضرب والإدماء بل المباشرة بالتصفية الجسدية.

فكيف واجه قومه؟

وبأيّ شيء بادلهم سوء صنيعهم وشنيع فعالهم؟

إنَّ في المرويِّ عن أميرِ البيانِ لغنىً عن كلِّ بيانٍ، واختزالاً لمطولاتِ ما جاءَ في صحائفِ التاريخِ ومُتونِ السِّيَرِ، مُختَصَرٌ مِنَ المقالِ يعكسُ لنا المشهدَ برُمَّته حيث قال:

(..النبي (صلى لله عليه وآله) صَبَرَ في ذاتِ اللهِ وأعذَرَ قومَه، إذ كُذِّبَ وشُرِّدَ وحُصِبَ بالحصاةِ وعَلاهُ أبو جهلٍ بِسَلا شاةٍ فأوحى الله إلى جاجائيل مَلَكِ الجبالِ أنْ شُقَّ الجبالَ وانتهِ إلى أمرِ مُحمَّدٍ، فأتاه فقال له: قد أُُمِرتُ لك بالطاعة فإنْ أمَرْتَ أطبقتُ عليهمُ الجبالَ فأهلكتُهُم بها، قال: إنّما بُعِثْتُ رحمةً، اللهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون)([14]).

ولما أَذِن الله له أن يخرج من مكة بعد تضييق قريش الخناق عليه إثر وفاة عمه، وافى الطائف فأقام فيها عشرة أيام، وقيل: شهرًا، لا يدع من أشرافهم أحدًا إلا جاءه، وكَلَّمَه، فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم؛ فطلبوا منه أن يخرج عنهم، وأغروا به سفهاءهم؛ فجلسوا لـه في الطريق صَفين يرمونـه بالحجارة، وعلي (عليه السلام) يدافع عنه، حتى شُجَّ في رأسه، أو أنَّ الذي شُجَّ في رأسه هو زيد بن حارثة، فما فرغ من أرضهم إلا وقدماه تشخب دمًا، فعمد لحائط من كرومهم، وجلس مكروبًا، فقال:

(اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّةَ حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملَّكته أمري؟!

إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك) ([15]).

كانوا يكيلون له ما لا يطاق من مبرزات العداء ويستشرسون بكل ما أوتوا من قوة ويبطنون له ما هو أعظم حقدًا عليه لا لذنب أو جريرة وإنما لأنه جاءهم بنسخة الشفاء التي فيها نجاتهم من كل داء، وكان كلما ارتفع لديهم منسوب حدَّة الضغائن واشتد بأس الحرب الضروس عليه عاقلها منه ما يفوقها من إخلاص وإشفاق يورثه حسرات حارقة في قلبه الأقدس تتأجج حرصًا عليهم حتى نزل قوله تعالى مخففًا عنه:

 {..فإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}([16]).

فلم يسجل له التاريخ في مرحلته المكية مَطلَعًا وختامًا وما بينهما مبادلةً بالمثل عنفًا يواجه به عنفهم وردًّا يسانخ فعلهم، بل كان مصداقًا لقول الشاعر: (أريد حياته ويريد قتلي..)([17]).

ولما تحوّل إلى المدينة المنورة وأسس فيها دولته المباركة، ولم يسلم من أذى قريش والأحزاب، إذ أقحموه في معارك دفاعية أودت بِثُلَّة من أحبته وأرحامه، والخلص من أصحابه، وكادت أن تودي بحياته؛ حيث كان سعيهم الدؤوبُ مُنصَبًّا على تحقيق هذا الهدف لإنهاء دعوته لم يَحِد -بأبي هو و أمي- عن سيرته تلك، بل كان يتّخذ الحرب وسيلة دفاعية لا يصار إليها إلا عند الضرورة القصوى، خالية عن الغضب الشخصيّ ودفائنِ الأحقاد.

 وبحسبنا من ذلك عيّنتان كافيتان لإثبات مُدَّعانا:

الأولى: في أُحُد وما أدراك ما أُحد، بعد أن استشهد عمه أسد الله وأسد رسوله الحمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) اغتيالاً في قلب المعركة بإيعاز آكلة الأكباد، وسقط جملة من خاصته وحامّته مضرجين بسيف الشرك والغدر، وولى معظم الصحابة الأدبار فلم يثبت إلا نفر يسير ممن امتحن الله قلوبهم للإيمان صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبلغ منه الأذى كل مبلغ حتى كاد يزين ركب الشهداء لحاقًا بالرفيق الأعلى، نظر إليه بعض من معه -وقد جلَّلت الدماء محيّاه الأزهر- قائلاً: يا نبيّ الله، أُدعُ عليهم!

فأجاب (صلى لله عليه وآله) بذات الدعاء الذي كان يدعو به قبل هجرته: (اللهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون)([18]).

والعينة الأخرى يوم فتح مكة:

مكة التي كذَّبه أهلها، وآذوه، وطردوه، وحَمَّلوا ذاكرتَهُ أفظع الصور وأقسى المشاهد، وتتبعوه إلى دار هجرته عازمين على مداهمة عاصمته وإفناء أمره، جيّشوا الجيوش ضده، واستألبوا الأحزاب عليه، ثم عاهدوه فنكثوا عهده، فلما علا بكعبه فوق هامهم، وأرغم الله بالذل أنوفهم، وهم حانقون يعضّون عليه الأنامل من الغيظ، ولولا أن جُذّت أيديهم لأنزلوا به النوازل، نراه وقد جاس ديارهم يهتف بنداء الرحمة والغفران والأمن والأمان: (اليوم يوم المرحمة)([19]).

وإذ قد ظفر يومها بهم عفا وصفح عنهم، ولم يتعدَّ قوله لهم أن اذهبوا فأنتم الطلقاء..

وقد أطلعه الله على سرائرهم وما يختلج في ضمائرهم فحدَّثهم به وأبداه لهم: يا فلان قد قلت في نفسك كذا ، ويا فلان قلت في نفسك كذا.

وأرى أنَّ أبا سفيان أوجس في نفسه خيفة أن يفتضح أمره كما كان من غيره فاستبق الحدث وقال: أنت تعلم أني لم أقل شيئًا.

فعاد النبي إلى دعائه المعهود: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعملون)([20]).

وقد يرى البعض أن صبره وصفحه يقتصر على ما يتعلق بحقِّه الشخصي المقتصر على نفسه دون ما يتعلق بما ينزل بمن يلوذ به وينتمي إليه خصوصًا إذا كانوا من المستضعفين الذين لا يملكون حولاً ولا طولاً كما هو الحال بالنسبة للهجوم على الدار وتعرض الزهراء (عليها السلام) للعنف الجسدي وصغارها للترويع، لكننا إذا ما نظرنا إلى سيرته المكيّة وردة فعله بإزاء ما تعرض له المسلمون من عظيم النكال وفنون التعذيب على يد المشركين والصور المأساوية التي نقلها لنا التاريخ عن تلك الحقبة أدركنا عدم اقتصاره في صبره على الجهة الشخصية.

فمن تلك الصور مأساة شِعْب أبي طالب حيث أجمع أكابر قريش على نفي بني هاشم قاطبة فأخرجوهم من مكة وحاصروهم في شِعْب أبي طالب حصارًا شاملاً يمنع عنهم كل حراك اقتصادي أو اجتماعي، فلا بيع ولا شراء، ولا هدية ولا هبة، ولا زواج ولا تزويج، وكانوا يمنعون الطعام من عام إلى عام، ولم يؤمد الحصار بأمد معين يُعين المحاصرين على حزازة ضنكه؛ فذاق بنو هاشم الجوع والأذى وأشدّ ما في البين الحرب النفسيّة الضروس التي شنت عليهم بفعل العزل التام والنبذ المقيت بما يقصر عنه الوصف.

ولَفَتني أن يكون بدء الحصار القرشي في مستهل شهر محرم الحرام ليتطابق التاريخ عودًا على بدء،حيث جرى التالون على ما أسسه الأولون، فشهد حصارًا آخر فرضه أبناء المحاصِرين على أبناء المحاصَرين في مستهل محرم الحرام وذلك في أرض كربلاء، مع الفرق الفارق بين الحصارين ختامًا فانتهى الأخير عن جثامين نهبتها السيوف ومزقتها الرماح وسحقتها الخيول، وكان للأطفال فيها فطام مُبتَكَرٌ نُصولاً تفري نواعم النحور، وللنساء فيها هتك الأستار وذل الأسار.

أما حصار الشِعْب فقد استمر لأعوام ثلاثة أو أربعة حتى أكلت الأرضة صحيفة المشركين المشتملة على قرارهم، فأُسقِط في يد الطاغين وظهر أمر الله وهم كارهون([21]).

هذا ورسول الله (صلى لله عليه وآله) يرى أرحامه وعشيرته بفتيانهم وفتياتهم وشيوخهم وأطفالهم ونسائهم يعانون الأمرَّين، يدفعون ثمن وفائهم له وعدم تخليهم عنه؟!

ولا ينقضي العجب والإعجاب بذلك القلب الكبير الذي هو مستقر الرحمة والرأفة كيف استقر بين حنايا أضالعه وهو ينظر إلى براعم دوحته تلفحهم هاجرات الجوع، وشيوخها يتململون تململ السليم، تُقلّبُهُم الأسقام؟!

ولله تلك الروح الرقيقة الرحمانية الرحيمية لم تغادر رداءها الترابي، وهي تسمع أنين الأمهات وتلحظ لآلئ العبرات تسحُّ على وجنات رياحين هاشم أسى وفَرَقًا.

لقد عضَّ على الجراح بنواجذ الصبر ملتزمًا بالصمود، مُحتَسِبًا الأذى في سبيل الله، مُعرِضًا عن خيار العنف والمواجهة، يعينه على مهمته المضنية عمه أبو طالب مَعنويًّا، وزوجته خديجة مادّيًّا حتى نفد مالها، وذوت زهرة عمرها ومضت إلى ربها لا تملك من حطام الدنيا شيئًا بعد أن كانت من أثرياء مكة.

وأما الصورة الأخرى فهي ما حلّ ببعض المسلمين خاصة ممن توجه إليهم الأذى دون نبيهم (صلى لله عليه وآله)([22]).

لقد كان المسلمون من أبناء العشائر والقبائل يتمتّعون في مكّة بحصانة نسبيّة تمنع من وصول يد المشركين إليهم في حدود الممارسات الخطرة الجادة التي تهدد حياتهم.

 أما المستضعفون من الذين آمنوا فكانوا بمعزل عن مثل هذه الحصانة؛ مما يجعلهم غَرَضًا لنبال التنكيل بل الاستئصال، إذ وَثَبَتْ كلُّ قبيلةٍ على من فيها من الموالي والعبيد، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار ليفتنوهم عن دينهم، نأتي بصورٍ منها:

بلال بن رباح الحبشي: كان أميّة بن خلف إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى..

ومنهم أبو فكيهة: واسمه أفلح وقيل يسار، وكان عبدًا لصفوانَ بن أميّةَ بن خَلَف الجمحي، أسلم مع بلال فأخذه أمية بن خلف وربط في رِجلِهِ حَبلاً، وأمَرَ به فَجُرَّ ثُمَّ ألقاهُ في الرَّمضاء، ومر به "جُعَل"، فقال له أمية: أليس هذا ربك، فقال: الله ربي وربك ورب هذا. فخنقه خنقًا شديدًا ومعه أخوه أُبَي بن خلف يقول: زده عذابًا حتى يأتي محمد فيخلّصه بسحره. ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات..

ومنهم خباب بن الأرت: أخذه الكُفّار وعذَّبوه عذابًا شديدًا، فكانوا يُعرّونَه ويُلصِقون ظهرَهُ بالرمضاء، ثم بالرضف وهي الحجارةُ المحمّاة بالنار، ولَوَوا رأسَه.

وقد نقل عنه في عهد الحاكم الثاني بعد رسول الله (صلى لله عليه وآله) يجيب عن سؤاله واصفًا له ما جرى عليه في صدر الدعوة المباركة:

(لم يكن لي أحد يمنعني؛ فلقد رأيتَني يومًا أخذوني، وأوقدوا لي نارًا، ثم سلقوني فيها، ثم وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ على صدري، فما اتَّقَيتُ الأرضَ -أو قال: بَرْدَ الأرض- إلا بظهري.

قال: ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص)([23]).

 وهو الذي روي عنه قوله:

(شكونا إلى رسول الله -صلى عليه وسلم- وهو متوسدٌ بُردةً له في ظِلِّ الكعبة، قلنا: ألا تستنصرُ لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟!

 قال فجلس -النبي (صلى لله عليه وآله)- محمرًّا وجهه قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفرُ لهُ في الأرض فيُجعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمنشارِ فيوضع على رأسه فيُشَقُّ باثنتين، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دينه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ مِن عَظمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)([24]).

ومنهم "زِنّيْرَة: الرومية و"لُبَينَة": جاريتان لبني عدي بن كعب، وكان عمر بن الخطاب يعذبهما، والأخيرة منهما كان يجهد في تعذيبها فيدعها ويقول: إني لم أدعكِ إلا سآمة، فتقول: كذلك يفعل الله بكَ إن لم تسلم..([25]).

وهذه نتركها برسم من يستبعد ضرب الرجال للنساء لكونه عارًا عند العرب تشكيكًا بما ورد من تعرض الزهراء البتول - صلوات الله عليها- للضرب واللطم من قبل المهاجمين، ونقول إن كان في ذلك حاجز عرفي في المجتمع العربي فإنه يختص بعُلْيَةِ القوم وأشرافهم ومن ينزّه نفسه عن المعرات.

ومنهم النهدية: مولاة لبني نهد صارت لامرأة من بني عبد الدار فأسلمت وكانت تعذبها وتقول: والله لا أقلعتُ عنكِ.

ومنهم آل ياسر العنسي: حليف مخزوم، فاستشهد ياسر تحت وطأة التعذيب. وامرأته سمية عُذِّبت عذابًا شديدًا.

وذات عشية جاء أبو جهل وجعل يشتمها و يفحش في القول لها، ثم أخذ حربة فطعنها في قَلْبِها -أو قُبُلها كما جاء في بعض المصادر وهو المرجح بشهادة الرواية الآتية- فاستشهدت رضوان الله تعالى عليها، وهي أول شهيدة في الإسلام.

وجاء في كتاب الجوهرة لمحمد بن أبي بكر الأنصاري التلمساني البري -وقد أنهى كتابه سنة 645 للهجرة- روى أبو رزين عن عبد الله بن مسعود قال: إن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سمية، أم عمار حتى بلغت فرجها، فماتت. فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منا العذاب كل مبلغ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صبرًا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من آل ياسر أحدًا بالنار)([26]).

ولنا وقفة مع هذا الحديث ههنا تنبيهًا للغافلين وتبكيتًا للمعاندين:

بناءً على هذا النقل وما أشرنا إليه من ذكر موضع الطعنة في بعض المصادر وكونه في ملمس العفة وموضع الشرف، فإنَّ الخطب لأفظع مما يغضي عليه الغيور جفنه؛ لمكان الهتك الذي يستثير الحفائظ ويستفزّ النفوس بأضعاف ما يستثيره مجرد القتل، ومع ذلك يأمر رسول الله (صلى لله عليه وآله) عَمَّارًا بالصبر على هذه الداهية الدهياء والجريمة النكراء.

وإن الذي يوصي عمارًا بالصبر على شنيع ما نزل بأمِّه ألا يمكن أن يوصي عليًا بالصبر على ما حلَّ بزوجته؟!

أم أنه (صلى لله عليه وآله) يرضى بذلك لغيره ويأمر الناس بالبر صبرًا ثم يأباه لابن عمه وابنته فيكيل الأمور بمكيالين؟!

حاشاه وهو أبو الأمة على الحقيقة كما وصف نفسه وأخاه أمير البررة عليًا صلى الله عليهما وآلهما: (أنا وأنت أبَوا هذه الأمة) ([27]). وله من جائش العطف وفيض الحنان ومشاعر الإشفاق عليهم ما للأب على أولاده كما أشار إليه حفيده الرضا (عليه السلام) بقوله: (إن شفقة النبي على أمّته شفقةُ الآباء على الأولاد)([28]).

وقد وصف الباري عزَّ وعلا علاقته بالمؤمنين وما يختلج في قلبه الأقدس تجاههم بقوله:

{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ}([29]).

فإذا جازت الوصية بالصبر والكف هناك فلا محالة جازت فيهما هنا.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) الأحزاب 21.

([2]) النساء 59.

([3]) النساء 80.

([4]) الأعراف 158.

([5]) النساء 65.

([6]) الحجرات 1.

([7]) الحجرات 2.

([8]) نهج البلاغة ص 300، تحقيق صبحي الصالح، ط بيروت، سنة 1967م.

([9]) مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص42 وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج39 ص56.

([10]) فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج7 ص126.

([11]) منهم المحدث السروي ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ^ ج3 ص42، والسيوطي في جامعه الصغير ج2 ص488، والمتقي الهندي في كنز العمال ج3 ص130 وج11 ص461، والمناوي في فيض القدير ج5 ص550، وفخر الدين الرازي في التفسير الكبير ج4 ص175، وابن عربي في تفسيره ج1 ص151 و239 وج2 ص82، وأبو حيّان الأندلسي في تفسير البحر المحيط ج7 ص242، والذهبي في تاريخ الإسلام ج41 ص333 والصفدي في الوافي بالوفيات ص285 كلاهما عن أبي الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية، والإربلي في كشف الغمة ج3 ص346، والباعوني الدمشقي في جواهر المطالب ص320.

([12]) هو إسماعيل بن حزقيل، وقد جاء ذكره في الكتاب الكريم دون نسبة بحسب ما نصَّت عليه أحاديثنا المروية عن أهل بيت العصمة والرسالة بعد موسى وقبل إدريس، انظر: ابن قولويه في كامل الزيارة ص137، والصدوق في علل الشرائع ج1 ص78.

([13]) التمحيص لمحمد بن همام الإسكافي ص4،35،39؛ الكافي ج2 ص252،253،259؛ علل الشرائع للصدوق ج1 ص44؛ أمالي الطوسي ص659؛ دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي ج2 ص140؛ تحف العقول لابن شعبة الحرّاني ص39؛ صحيح البخاري ج7 ص3 حيث عقد بابًا بعنوان: أشدُّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول؛ مسند أحمد بن حنبل ج6 ص369؛ سنن الدارمي ج2 ص320؛ السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص372؛ مسند ابن راهويه ج5 ص260؛ السنن الكبرى للنسائي ج4 ص352؛ صحيح ابن حبان ج7 ص160.

([14]) الاحتجاج للطبرسي ج1 ص315 وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج10 ص30، وج16 ص404، وج17 ص276؛ وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج1 ص342؛ وقد وردت غير منسوبة في مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص185؛ وراجع: إقبال الأعمال للسيد ابن طاوس ج1 ص385؛ الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ج1 ص164؛ الدر المنثور للسيوطي ج6 ص281.

([15]) السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص286؛ تاريخ الطبري ج2 ص81؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص91؛ تاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص 285؛ سيرة المصطفى ص221 و222؛ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص97 ؛ إمتاع الأسماع للمقريزي ج8 ص306؛ وراجع: بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج19 ص22؛ البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني ج4 ص113 في تفسيره لسورة الفرقان؛ والصحيح من سيرة النبي | للسيد جعفر مرتضى العاملي.

([16]) فاطر 8.

([17]) من أبيات لعمرو بن معدي كرب على ما جاء عن الأغاني للإصفهاني والعور للصفدي، وقد تمثل بهذا البيت سيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناظرًا لأشقى الآخرين ابن ملجم المرادي كما في كثير من المصادر منها: روضة الواعظين للشهيد الفتال النيسابوري ص132؛ مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصفهاني ص18؛ شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص445؛ مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص93؛ مصنف الصنعاني ج10 ص125؛ مصنف ابن أبي شيبة ج6 ص175؛ الاستيعاب لابن عبد البَر ج3 ص1126 وما يليها؛ شرح النهج الشريف لابن أبي الحديد المعتزلي ج6 ص114.

([18]) مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص166؛ العقد النضيد لمحمد بن الحسن القمي ص51؛ صحيح ابن حبان ج3 ص255؛ المعجم الكبير للطبراني ج6 ص120؛ تحفة الأحوذي للمباركفوري ج8 ص401؛ سنن سعيد بن منصور المكي ج2 ص304؛ مسند ابن حنبل ج1 ص441 و453.

([19]) المغازي للواقدي ج2 ص822؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج17 ص272؛ الاستيعاب لابن عبد البَر الأندلسي ج2 ص597؛ اُسد الغابة لابن الأثير ج2 ص284؛ تاريخ دمشق لابن عساكر ج23 ص454.

([20]) الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ج1 ص164.

([21]) روضة الواعظين للشهيد الفتال النيسابوري ص53؛ الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ج1 ص85؛ الدر النظيم لابن حاتم الشامي ص111 و206؛ السير والمغازي لابن إسحاق ص140؛ السنن الكبرى للبيهقي ج6 ص366؛ عمدة القاري ج9 ص230؛ المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي ص88؛ الدرر لابن عبد البَر ص54؛ الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص209؛ انساب الأشراف للبلاذري ج1 ص233 إلى 236؛ تاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص221 إلى 224؛ البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص105 وج6 ص206؛ وسيرته النبوية ج2 ص43 إلى 46؛ إمتاع الأسماع للمقريزي ج1 ص44؛ الخصائص الكبرى للسيوطي ص151؛ وراجع بحار الأنوار لفخر الأمة العلامة المجلسي ج19 ص18؛ والصحيح من سيرة النبي (صلى لله عليه وآله) للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي ج3 ص327.

([22]) سيرة ابن إسحاق ج4 ص174؛ مجمع البيان للطبرسي ج3 ص400 وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج18 ص411؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج13 ص255؛ الكامل لابن الأثير ج2 ص66؛ البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص74؛ أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص156؛ الرياض النضرة للمحب الطبري ج1 ص133؛ تفسير البغوي ج4 ص496؛ الأنس الجليل لمجير الدين الحنبلي ج1 ص179؛ السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص209؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي ج2 ص357؛ السيرة الحلبية ج1 ص479؛ الاستيعاب لابن عبد البَر ج4 ص1865؛ تاريخ اليعقوبي ج2 ص28؛ وراجع الصحيح من سيرة النبي | للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي ج3 ص209.

([23]) الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص165؛ أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص178؛ المنتظم لابن الجوزي ج5 ص138؛ تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص563؛ إمتاع الأسماع للمقريزي ج9 ص103.

([24]) ورد الحديث المذكور باختلافات يسيرة في جوامع وكتب أئمة الحديث وأهل السير، منها: صحيح البخاري ج4 ص179 و ج8 ص56؛ مسند أحمد بن حنبل ج5 ص110؛ صحيح ابن حبان ج15 ص91؛ المعجم الكبير للطبراني ج4 ص62؛ السنن الكبرى للبيهقي ج9 ص5؛ دلائل النبوة لإسماعيل الإصفهاني ج2 ص787؛ رياض الصالحين للنووي ص81؛ تخريج الحديث والآثار للزيلعي ج3 ص40؛ إمتاع الأسماع للمقريزي ج14 ص177؛ دلائل النبوة لأحمد بن الحسين البيهقي.

([25]) المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي ص184؛ الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص 256؛ الدر المنثور للسيوطي ج6 ص40؛ فتح القدير للشوكاني ج5 ص19؛ الإصابة لابن حجر ج8 ص150؛ أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص195.

([26]) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص99 وقد أرسلها الصفدي في الوافي بالوفيات ج15 ص279.

([27]) رواه الشيخ الصدوق في الأمالي ص411 و755 وعلل الشرائع ج1 ص127 وكمال الدين ج261 ومعاني الأخبار ص52؛ والشهيد الفتال النيسابوري في روضة الواعظين ص322؛ والثقفي في الغارات ج2 ص717؛ والسروي في مناقب آل أبي طالب ج2 ص300؛ وابن البطريق في العمدة ص345.

([28]) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ج2 ص92.

([29]) التوبة 128.

 

 

دغدغاتٌ نحويّةٌ

من كتاب كشكول الشّيخ بهاء الدّين محمّد العامليّ (ت1030هـ)( *)

الدّكتور أكرم محمّد نبها

الشيخ بهاء الدّين محمّد العاملي (953هـ -1030هـ) ابن الشّيخ حسين بن عبد الصّمد الجبعيّ العامليّ (ت984هـ)، والشيخ حسين من مشايخ جبل عامل العظام "كان فاضلاً، عالمًا، أصوليًّا، مُتكلّمًا، فقيهًا، مُحدّثًا، شاعرًا، ماهرًا في صنعة اللّغز"([1])، درّسَ إلى جانب أستاذه الشهيد الثاني([2]) في المدرسة النّوريّة في بعلبك سنة 953هـ، وكانا قد حصلا على أمر التّدريس من اسطنبول في السّنة نفسها؛ هاجر إلى إيران الصّفويّة هربًا من الظّلم العثمانيّ.

وُلِدَ الشيخ البهائيّ في بعلبك يوم الأربعاء 17 ذي الحجّة سنة 953هـ، وهاجرَ مع أبيه إلى إيران سنة (959 أو960) للهجرة، فَنَبَغَ وأَبْدَعَ وسَحَرَ الألبابَ، ولا غرو أن يكون هذا الشيخُ نابغةَ عصره، وهو الذي نشأ في بيتٍ علميٍّ أدبيٍّ مميّز..

أخذَ الأبُ بيد الابن وأوصلهُ إلى ذرى المجد في العلم والمكانة والسّؤدد، وهو الذي تعهّده بالعلم والمعرفة والأدب والدّين، وقدّرَ اللهُ للبهائيّ علماءَ صقلوا مواهبَهُ، وتعهدوا ذكاءَهُ بالرّعاية والاهتمام، وكان لاقترانه بابنة شيخ الإسلام الشيخ علي المنشار زين الدّين العاملي([3]) قيمةٌ إضافيّةٌ، فكانت الزّوجة عالمةً فاضلةً أديبةً فقيهةً، وهي وحيدة أبيها، ورثت عنه مكتبة ضخمة عدد كتبها تجاوز الأربعة آلاف في شتى العلوم، ولنا أن نتخيّلَ العناوين الكثيرة التي اطّلعَ عليها الشيخ البهائيّ، بالإضافة إلى اطّلاعه على المكتبات العامّة والخاصّة في إيران بحكم منصبه الرسميّ الرفيع.

تكوّنت ثقافة الشيخ ووُسِمَتْ روحُهُ بالعلوم العقليّة والنقليّة ومبادئ السّير والسّلوك والأخلاق الحميدة، وكان من نتاج ذلك تلك الغزارة والتّنوّع في عناوين مؤلّفات البهائيّ، فقد ألّفَ في الفقه والحساب والأدب والفلك والأصول والعقائد والهندسة والكلام والألغاز..

اصطحبَ الشّيخُ حسين بن عبد الصّمد ولدَهُ البهائيّ إلى هراةَ سنة 975هـ، وفيها ألّفَ البهائيّ كتاب (الفوائد الصّمديّة في النحو) لأخيه عبد الصّمد، وسمّاهُ باسمه، وأتمّ تأليفه في شوال سنة 975هـ، وكان عبد الصّمد دون العاشرة من عمره "فتولّى البهائيّ تدريسه المبادئ، وهو الذي باشر التدريس في هراة سنة 983هـ، وكان في حوالي الثلاثين من عمره"([4])

وللشيخ البهائي مؤلّفات وألغازٌ نحويّة منها: (الفوائد الصّمديّة)([5])، (لغز الكافية في النحو)([6])، و (لغز الفوائد الصّمديّة)([7])، وهذان اللّغزان الأخيران مذكوران في (الكشكول) في الجزء الأول صفحة 267، وفي الجزء الثالث صفحة 408.

وكنتُ أتمنّى أن أضعَ يدي على مُؤلَّف البهائيّ (الفوائد الصّمديّة في النحو) علّني أقعُ على شيءٍ من فوائده وفرائده في علم النّحو، بيدَ أنّ الدّكتورة دلال عبّاس وصفت هذا المُصنّف([8]) بقولها: "بسطَ الشيخ البهائيّ بها مطالب النحو ومباحثه المعقّدة، وهو وضعَ هذا المؤلّف حينَ أشفقَ على أخيه الصغير وعلى أترابه وتلامذته من كتب النحو المعقّدة، فأخرج كتابًا في النحو الميسّر، وقسّمَ الشيخُ كتابه إلى أبواب سمّاها حدائق، وقسّمَ الحدائق إلى فصول، وفي كلّ فصلٍ مطالب، وفي كلّ مطلب تنبيه وتوضيح إذا اقتضى الأمر، وهذه القدرة على التبويب والتبسيط لا يدركها إلا مَنْ كان معلّمًا، وكان التعليم بالنّسبة إليه حياةً واستمرارًا، وفِعْلَ تغيير مستقبليّ.. ونحن نرى أنّ هذا الكتاب إذا أعيدَ طبعه بحلّة جديدة فهو يصلحُ لأنّ يدرّس في مُختلف المراحل، لأنّه خلاصة علم النحو وقواعده الأساسيّة"([9]).

إنّ بحثي ينحصرُ بلُمعٍ نحويّة لغويّة أوردها الشيخ البهائيّ في مؤلّفه الموسوعيّ (الكشكول)، وأسميتُها (دغدغات نحويّة)، واللّفظة استعملها الشّيخ البهائيّ أثناء تعليقه على مسألة نحويّة، قال: "ولكاتب الأحرف هنا دغدغة.."([10])، وهذه الدّغدغات عبارة عن مباحث نحويّة ولغويّة أومأ إليها الشيخ في كشكوله إيماءات سريعة، فكان يُصحّحُ خطأً لغويًّا وردَ في معجم لغويّ، فيستبعدُ رأي صاحبه، من دون أن يعلّل أو يوضّح ذلك، وإنما يكتفي بقوله: "وهو بعيدٌ جدًّا. فليتدبر بذلك"، أو كان يردُّ رأيًا نحويًا فيقول "وليس الأمرُ كذلك"، ثمّ يوردُ التصحيح مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم، وكانت له ترجيحاتٌ وتصويباتٌ تتعلّق بالغرض من التمييز الرافع للإبهام، فيقول "وربّما لا يرفع الإبهام، فقد يكون للتوكيد"، وقد ذبَّ الشيخ عن رأيٍ نحويٍّ للزمخشريّ ودغدغ النّحاة دغدغات خفيفة بإشكالياته، فكان يقوم بتخريجات نحوية منطقية فلسفيّة قال عنها هو نفسه أنّها (مُتكلّفة)، وكأنّه كان يأبى إلا أن يُعمِلَ ثقافتَهُ الحوزويّةَ القائمةَ على الفنقلةِ (فإن قلتَ قلتُ)، وقد تبتعدُ تخريجاتُهُ أحيانًا عن منطق النّحو واللّغة لتميلَ إلى الدّرس الأصوليّ، المنطقيّ، الفقهيّ والفلسفيّ، ولا غرو في ذلك لأنّه شيخ الإسلام المُشبَع بالثقافة الدّينيّة الحوزويّة، فمن الطبيعيّ أن يستخدم الأقيسة المنطقيّة في الدّرس النّحوي واللّغويّ، وربّما أعملَ قلمَهُ فألغز وأبهمَ المسائل النحويّة، ولَكَأَنَّ قلمَهُ المعتاد على الألغاز، التي برعَ بها، أبى إلا أن ينغمسَ في الدّرس النّحويّ، فكان الشرحُ والتوضيحُ منّي على قدر الفهم والإدراك لألغاز الشيخ.

إنّ تناولي مواد البحث سوف يتدرّج، فأتناول الأمورَ النّحويّة واللّغويّة التي استبعدَ فيها الشّيخ رأي بعض النحاة أو خالفهم وصوّب تعريفاتهم، ثمّ أنتقلُ إلى دغدغات الشّيخ للنّحاة، وفيها ذبٌّ عن آراء نحويّة قال عنها الشّيخ نفسه أنها متكلّفة، وختمتُ البحث بأمورٍ بلاغية أو نحويّة راقت للشيخ فعبرّ عن إعجابه بها. 

استبعاد   

أورد الشيخ البهائي في كشكوله كلامًا يستبعدُ فيه رأيًا للفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط في اللّغة، قال فيه: "الإِنْس: البشر، كالإِنسان، الواحدُ إِنْسِيّ، ج. أُناسِيّ. وقال في فصل النون: النّاسُ يكونُ من الإنْس ومن الجنّ، جمعُ إِنْس، أصلُهُ أُناس، جمعٌ عزيزٌ أُدخل عليه (أل)"([11]).

ويعقّبُ الشيخ البهائيّ على كلام الفيروزآبادي بقوله: "إنّ كلامَ القاموس صريحٌ في جواز إطلاق الإنس على الجنّ، وهو بعيدٌ جدًّا. فليتدبر بذلك"([12]) .

النّاسُ والبشر والإنس نظائرُ، وهي الجماعة المتميّزة بالصّورة الإنسانيّة. و(النّاس) أصلُهُ (أُناس) مشتقٌّ من الأُنْس ضدّ الوحشة" فالإنسانُ يأنسُ بجنسِهِ لأنّه مدنيٌّ بالطّبع"([13]).

قال سيبويه والفراء: "النّاس أصلُهُ (أُناس)، فإذا دخلت الألف واللام قلتَ (النّاس)، إلا أنّ (النّاس) قد يفارقهم الألف واللام ويكون نكرةً (ناس)"([14]).

إنّ أصلَ مادّة (النّاس) قد يكون (أَنَسَ) أو (نَوَسَ)، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "ناس ينوسُ نوسًا. وأصل النّاس: أُناس، إلاّ أنّ الألف حذفت من (الأناس) فصارت: ناسًا"([15]).

وذهبَ الكسائيُّ إلى أنّ مادّة (النّاس) من (نَوَسَ) أو من (أَنَسَ) "وهما لغتان، إحداهما أولى من الأخرى، يدلّ على ذلك أنّ العربَ تُصغّرُ ناسًا نويسًا، ولو كان ذلك الأصل [أي أَنَسَ] لقالوا (في تصغيره): أُنيِّس"([16])، " وليس من العرب أحدٌ إلا يقول (نُويس)"([17]).

قال البصريّون بمقالة سيبويه، ومنهم صاحب القاموس، فـ"(النّاس) عندهم أصلُهُ (أُناس)، جمعٌ عزيزٌ أُدخل عليه (أل)"، فـ(النّاس) بُنيتُها مؤلّفة من (أل + أُناس) "والألف في (أُناس) أصليّةٌ، ثمّ زِيدت عليه (أل) صار الإسمُ (الأُناس)، ثمّ كثرت في الكلام، فكانت الهمزة واسطةً، فاستثقلوها فتركوها، وصار باقي الإسم (أَلُناس) ـ بتحريك اللام بالضّمة ـ فلمّا تحرّكت اللام والنون أدغموا اللام في النون، فقالوا: النّاس، فلمّا طرحوا الألف واللام ابتدأوا الإسم، فقالوا: قال ناسٌ من النّاس، وهذا تعليل النحويين"([18])، وجزم سلمة بن عاصم "أنّ كلاً من (ناس) و (أُناس) مادّة مستقلة"([19]).

وقالوا: "النّاس قد يكون من الإِنْس ومن الجنّ، وأصلُهُ (أُناس)، فخُفّف"([20])، وكلامهم هذا يؤكّد أنّ (النّاس) "مشتقٌّ من (النّوس)، وهو التّحرّك، وهو على هذا شاملٌ للملائكة أيضًا، وممّن صرّح من أهل اللغة بأنّ (النّاس) يكون من الإِنْس ومن الجنّ الإمامُ أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابيّ في كتابه (ديوان الأدب)"([21])، "و(الإِنْس)، البشر، الواحدُ إِنْسِيّ و أَنْسِيّ أيضًا"([22])، وهذا يعني أنّنا نستطيعُ أن نقول: إِنْسٌ كثيرٌ كما تقول: بشرٌ كثير، وتقول: إِنْسِيٌّ واحدٌ كما تقول: بشريّ واحدٌ. وفي الحديث أنّه نهى عن الحُمُر الإنْسيّة يومَ خيبر([23])، التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى (الإنْس)، وهم بنو آدم، والواحدُ إنْسيّ"([24]).

مما سبق نستنتجُ أنّ (الإنْس) وجمعه (أُناس) أو (النّاس) تُطلقُ على جماعة النّاس من البشر من وِلْدِ آدم (عليه السلام) على وجه الحقيقة، فهل يصحّ أن يُطلق مثل ذلك على الجنّ على ما ذهب إليه صاحب القاموس واستبعده الشيخ البهائيّ؟

حكى ابن خالويه، قال: "قالت العرب: ناسٌ من الجنّ، وهو مجازٌ، إذ أصلُهُ في بني آدم"([25])، إنّ إطلاقَ (الإنْس) على الجنّ ضربٌ من المجاز، وهو استعمال لا وضوحَ فيه، لأنّ مـا يقابل الجنّ ـ بحسب الاستعمال ـ هو الإنْس، والاستعمال أعمّ، ومن المتبادر الى الذّهن أن (الإنْس) منصرفٌ عن الجنّ، وهذا هو المطّرد، وما أوردتْهُ بعض المعاجم والكتب الأدبيّة من إطلاق (الإنْس) على الجنّ على وجه الحقيقة غير ثابتٍ، ولا دليل عليه، وهو في البشر وأبناء آدم واضح الدِلالة، قولهم: ناسٌ من الجنّ أُريدَ به: قومٌ من الجنّ، أو طائفة من الجنّ، تشبيهًا لهم بالإنْس، وحملُ الشيء على الشيء إذا اتفقا من وجهٍ جائزٌ، ومثله ما رواه الفراء، قال: " قال بعضُ العرب، وهو يحدّث: جاء قومٌ من الجنّ فوقفوا، فقيل: مَنْ أنتم؟ فقالوا: أُناسٌ من الجنّ. وقال جلّ وعزّ )قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا(([26]) فجعل النّفر من الجنّ كما جعلهم من النّاس، فقال جلّ وعزّ )وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(([27]) فسمّى الرّجال من الجن والإنْس"([28])، "وذلك أنّ المعهودَ في الكلام إذا قيل للناس: مَن أنتم؟ قالوا: ناسٌ من بني فلان، فلمّا كثرَ ذلك استعملوه في الجنّ على المعهود من كلامهم مع الإنْس، والشيءُ يُحملُ على الشيءِ من وجهٍ يجتمعان فيه وإنْ تباينا من وجهٍ آخر"([29])، وعليه يكون قولنا: ناسٌ من الجنّ مجازًا، والحقيقة: ناسٌ من بني فلان من البشر من وِلْدِ آدم.

ثمّ إنّ (الإنْسَ) وضعَ مقابل (الجنّ)، فكما أنّ الأوّلَ يختصّ بالظّهور والمشاهدة العينيّة، فإنّ الآخر يختصّ بالخفاء وعدم الرؤية، قال الأزهريُّ: "وأصلُ الإنْس والأَنَسِ والإنسان من الإيناس، وهو الإبصار، يقال: أَنَسْتهُ وأنِسْته: أي أبصرته، وقيل للإنْس إنْسٌ لأنّهم يُؤنسون: أي يُبصرون، كما قيل للجنَ جِنّ لأنّهم لا يؤنسون أي لا يرون..قال نفطويه: سُمّيَ الإنْسيّون إنْسييّن لأنّهم يُؤنسون، أي: يُرون، وسُمّيَ الجنّ جِنًّا لأنّهم مجتنّون عن رؤية النّاس، أي: متوارون"([30]).

أقول ما قاله الشيخ البهائيّ وآخرون أنّ اللغة العربيّة أوجدت لفظين لِقومَيْن مختَلِفَيْن، أحدهما (الإنْس) وهم جماعة النّاس من قوم البشر من أبناء آدم، وهم يرون بالأبصار، وثانيهما (الجنّ) وهم قومٌ آخرون متوارون عن الرؤية، لهم عالمهم الخاص المنفصل عن عالم الإنْس، ومَن يُطلق (الناس) و (الإنْس) ويريد منها (الإنْس والجنّ) على حدٍّ سواء على وجه الحقيقة فإنّ رأيه مُجافٍ للحقيقة والواقع ومُستبعد، على ما قاله الشيخ البهائيّ.

تخطئة:

قال الشّيخ البهائيّ: "زعمَ قومٌ أنّ وضع (نعمَ) و (بئس) للاقتصاد في المدح والذّم، وليس كذلك، بل وضعها للمبالغة في ذلك"([31]).

إنّ الفعلين الماضيين الجامدين (نعم و بئس) هما لإنشاء المدح والذّم، قال الرازيّ: "(نِعْمَ) منقولٌ من قولك: نَعِمَ فلانٌ إذا أصابَ نعمةً، و(بِئْسَ) منقولٌ من بَئِسَ فلانٌ إذا أصاب بؤسًا، فنُقلا إلى المدح والذّم، فشابها الحروف فلم يتصرّفا"([32])، واستشهد الشّيخِ البهائيّ على (نعم وبئس) بآيتين قرآنيتين تدعّمان رأيه، الأولى قوله تعالى )وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(([33])، والثانية قوله تعالى )وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(([34]).

في الآية الأولى يُثني الله على نفسه، فهو يمجّد ذاته ويُعظّمُ صفاته، وفي الثانية يصف سبحانه النار التي توعّد بها الكفّار.

إنّ إعراب جملة المدح أو الذّم نمثّل له بإعراب قوله تعالى )هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(، فقوله تعالى )هُوَ مَوْلَاكُمْ( جملة خبريّة تامّة، و)فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( جملة مستقلّة سيقت للمدح؛ ويمكن أن تكون (مولاكم) بدلاً من (الله)، والجملة المدحيّة خبرٌ، والمخصوص بالمدح مضمرٌ، أي: (نعمَ المولى اللهُ ونعمَ النصيرُ اللهُ)، وكلّ ما كان في حماية هذا المولى ومَنْ كان في حفظه كان آمنًا من الآفات مصونًا من المخلوقات.

إنّ مَن زعمَ أنّ (نعم) و (بئس) للاقتصاد في المدح والذم جعلَ (أل) التعريف في فاعل (نعم وبئس) للإستغراق، لا على سبيل الحقيقة بل على سبيل المجاز، )فَنِعْمَ الْمَوْلَى( (أل) التعريف في (المولى) هي استغراقيّة على سبيل المجاز، والمخصوص بالمدح (الله) المحذوف المعلوم([35]) هو جميع الجنس، لجمعه ما تفرّق في غيره من الكمالات، وجعلت (الله) وجميع الجنس مبالغةً لاستغراقه جميع كمالات جنس المولويّة، ولم تَقصدْ من ذلك إلا مدحه.

وأمّا الذين يجعلون (أل) التعريف في فاعل (نعم و بئس) للجنس على سبيل الإستغراق فإنّ (أل) عندهم في (المولى) تفيد الإحاطة والشّمول حقيقةً لا مجازًا، ويكون الجنس عندهم كلّه ممدوحًا، وهنا (المولويّة)، والمخصوص بالمدح لفظ (الله) المحذوف (نعمَ المولى اللهُ) مندرجٌ تحت جنس المولويّة، فيشمله المدح، ويكون المدحُ قد وقعَ أوّلاً على الجنس كلّه على سبيل الشّمول حقيقةً (المولى)، ثمّ على سبيل المخصوص بالمدح (الله)، فيكون المخصوص قد مُدحَ مرّتين: مرّة مع غيره لدخوله في عموم الجنس، لأنّه فردٌ من أفراد ذلك الجنس، ومرّةً على سبيل التخصيص، لأنّه قد خُصّ بالذكر، ولذلك يُسمّى بالمخصوص.

إنّ الغرض من جعل (أل) للإستغراق والشّمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في إثبات المدح للممدوح والذم للمذموم، بجعلك المدح والذّم للجنس، الذي يكون المخصوص فردًا منه، والجنس يذكر تنبيهًا على أنّ المخصوص بالمدح أفضلُ جنسه، وأنّ كلّ فضيلة تفرّقت في جميع الجنس هي مجتمعةٌ في المخصوص بالمدح أو الذم، ويكون مبيّنًا المرام من الإجمال في مدح الجنس أو ذمه على سبيل المبالغة.

وما قلناه في (نِعْمَ) نقوله في (بِئْسَ) في مثل قوله تعالى )وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ( فالمخصوص بالذّم محذوفٌ، تقديره (وبئس المصيرُ جهنّمُ) فالجنس كلّه مذمومٌ وهنا (بؤس المصير)، والمخصوص بالذّم (جهنّم) مندرجٌ تحت جنس (المصير البائس)، وتكون (جهنّم) قد ذُمّت مرّتين: أولاهما لدخولها مع غيرها في عموم الجنس، وثانيهما على سبيل التخصيص، لأنّه خُصَّ بالذكر.

إنّ الشّيخ البهائيّ خطّأَ مَنْ يرى أنّ الجملتين الإنشائيّتين غير الطّلبيّتين المركّبتين من فِعْلَي المدح والذّم قد وضعتا للاقتصاد في المدح والذّم، وصحّحَ أن تكونا قد وضعتا للمبالغة على سبيل استغراق المدح والذّم، فنمدحُ أو نذمُّ الجنسَ كلَّهُ من أجل المخصوص بالمدح أو الذّم، ثمّ نخصّص المخصوص بالمدح أو الذّم بالذّكر، فتكون الإحاطةُ بهما وشموليتهما حقيقةً لا مجازًا، وهذا معنى المبالغة في المدح أو الذّم الذي قصده الشيخ البهائيّ.

تصويبٌ منطقيّ

صوّبَ الشيخُ البهائيُّ تعريف النحاة للتمييز، فالتمييز عندهم "المراد به رفع الإبهام وإزالة اللّبس، والمخاطِب ينبّه على المراد بالنّص على أحد محتملاته تبيينًا للغرض، ولذلك سُمّيَ تمييزًا وتفسيرًا"([36])، وتصويب البهائيّ ينطلق من أنّ "التمييز ربّما لا يرفع الإبهام، ومنه التمييز الذي قالوا عنه إنّه للتأكيد، كما في قوله تعالى )إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا("([37])، ومقتضى البحث يحتّمُ أن نقدّمَ مقدّمتين، الأولى تتعلّق بالتمييز والثانية تتعلّق بالتأكيد.

التمييز إسمٌ نكرةٌ يُذكرُ تفسيرًا للمبهم من نسبةٍ أو ذات، فالأول نحو (طابَ زيدٌ نفسًا) حيث أسندنا الطّيبةَ إلى زيد، والمراد تبيان شيءٍ من أشيائه، وهي كثيرة، فجاء التمييز(نفسًا) لإبانة نسبة الطّيبة إلى زيد، فهو طابَ نفسًا لا قلبًا ولا لسانًا ولا غيرهما..وأمّا تمييز الذات فكقولنا: عندي رطلٌ زيتًا، فإنّ التمييز (زيتًا) لم يأتِ لرفع إبهام في الجملة وإنّما لرفع إبهام (الرطل)، إذ هو مقدارٌ يُوزن به، ويحتملُ أشياء كثيرة من الموزونات كالزّيت والعسل والسّمن و..و.. والأسماء المبهمة الدّالة على الذّات، والتي يأتي التمييز ليزيل إبهامها هي: العدد، المساحة، الكيل، الوزن، وكلّها تحتاجُ إلى إبانتها بالأنواع، لأنّها تقع على أشياء كثيرة، فإذا قلتَ: (عندي عشرون) احتمل دنانير ودراهم وعبيدًا وغيرها من المعدودات، فوجبَ لذلك إبانتها بالنّوع.

وأمّا التوكيد فهو ضربان: لفظيّ ومعنويّ.

فاللّفظيّ يكون بتكرار اللّفظ، كقولك: ضربت زيدًا زيدًا، أو بتكرير الجملة فتتأكّدُ الجملة بأسرها، كقولك: ضربتُ زيدًا ضربتُ زيدًا.

وأمّا التوكيد المعنويّ فيكون بألفاظ محدّدة، كـ(نفسه، وعينه، وأجمع، وأجمعون، وكلّهم..)، وبها نكرّرُ المعنى دون لفظه، كقولك: رأيتُ زيدًا نفسَهُ.

وفائدة التوكيد تكمنُ في تمكين المعنى في نفس المخاطب، وإزالة الغلط في التأويل "فيجعل الأمرَ مستقرًا متحقّقًا، بحيث لا يُظنّ به غيره، فيدفع المتكلّم ضرر غفلة السّامع، أو الظنّ به الغلط".

وصوّبَ الشّيخُ البهائيّ تعريفَ النحاة بقوله "إنّ التمييز لا يكون الغرض منه دائمًا رفع الإبهام وإنّما قد يأتي مؤكِّدًا"، خلافًا لكثير من العلماء، واستشهدَ على ذلك بقوله تعالى )إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا(، فـ(شهرًا) تمييزٌ منصوبٌ، بيدَ أنّه لا يرفعُ إبهامًا ولا يزيل لبسًا عن العدد (اثنا عشر)، وإنّما وظيفة التمييز هنا التأكيد على (عدّة الشّهور)، فلو قلنا (إنّ عدّةَ الشّهورِ عندَ اللهِ اثنا عشرَ) لما أبهم المعنى ولا التبس، لأنّ الذّات معروفة، وعليه تكون وظيفة التمييز التأكيد، ومثلُ ذلك قولك: عددُ صفحاتِ الكتابِ اثنا عشرَ، فإنّ الذّات العدد (اثنا عشر) غير مبهمٍ ولا لبس فيه، والمراد مفهوم أي (اثنا عشر صفحةً) لأنّ المضاف إليه (صفحات) أبان المقصود من العدد، وإذا ثبّتنا التمييز بعد العدد في مثل ذلك يكون الغرض التوكيد لا إزالة الإبهام واللّبس عن العدد، ولو قلنا: (في القرية اثنا عشرَ) لكان الكلام غامضًا مبهمًا لإبهام العدد، فهو يحتملُ أشياءَ كثيرةً من المعدودات كـ(بيتًا أو رجلاً أو عينًا..) ويكون التمييز في مثل هذا لازمًا وواجبًا لإزالة الإبهام عن العدد، لأنّه يقع على أشياءَ كثيرة.

إنّ تصويبَ الشّيخ البهائيّ له وجهٌ وجيهٌ، والتعديل الذي أدخله على التعريف يُلتفتُ إليه، قال: "التمييز ما يصلحُ لرفع الإبهام" فما كان صالحًا لرفعِ إبهامِ المميَّزِ هو تمييزٌ وتفسيرٌ وتبيينٌ، فالتمييز عند البهائيّ يجب أن يكون صالحًا لإزالة الإبهام أو اللّبس، فيكون ضروريًّا في الجملة، ومن دونه لا يستقيم المعنى ولا يكتمل، ويكتنفه الإبهام.

وقد أعملَ الشيخُ البهائيُّ حسّه الأصوليّ في النحو، قال "التمييز هو الشيءُ الذي يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر، على الدليل الثاني"([38])، فالتمييز هو الإسم الذي يصلحُ أن يكون كاشفًا عن العلم بالمميَّز، ومن دونه يبقى الكلام غامضًا ملتبسًا، كما قدّمنا، فالتمييز الذي يرفع الإبهام هو ذاك الإسمُ الذي لا يتّضحُ العلم بالمميَّز إن لم يتّضح العلم بالمميِّز، فالأول هو الدّال والثاني هو المدلول، على ما ذكر الأصوليّون، ومثل ذلك أن بدل البعض من الكلّ قد يجري مجرى التأكيد، وذلك كقولك: ضُربَ زيدٌ ظهرُهُ وبطنُهُ أو يدُهُ ورجلُهُ، فقد نعرب (ظهرُهُ وبطنُهُ أو يدُهُ ورجلُهُ) بدلَ بعضٍ من كلّ، ثمّ يُستفاد من المعطوف والمعطوف عليه معًا معنى (كلّه)، فيجوز أن يكون ارتفاعهما على البدل وعلى التوكيد.

ومثل هذا التوكيد يفيدُهُ الجار والمجرور كقولك: (في الدار زيدٌ قائمٌ فيها) فتعيدُ (فيها) توكيدًا، قال ابن السّرّاج: " الحرف إنّما يكرّر مع ما اتصل به لا سيّما إذا كان عاملاً، كقوله تعالى: )وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا(([39]) فجعل (فيها) توكيدًا و (ففي الجنّة) مؤكَّدًا"([40]).


 يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1.*) ورقة بحثيّة أُعدّت للمؤتمر الدّوليّ الرابع - فكر الشيخ البهائيّ، المنعقد في بيروت 9 و10 أيّار 2012؛ تنظيم جمعيّة الإمام الصّادق (عليه السلام) لإحياء التّراث العلمائيّ.

([1]) الصدر، حسن (1272 هـ - 1354هـ): تكملة أمل الآمل، ص182، رقم الترجمة 145، دار الأضواء، بيروت - لبنان، 1986م.

([2]) هو الشيخ زين الدّين الجبعيّ العامليّ المعروف بالشهيد الثاني (911هـ-965هـ) قصد اسطنبول فمُنح إجازة التدريس في المدرسة النوريّة في بعلبك، فدرّس الفقه على المذاهب الخمسة، قُتِل في القسطنطينيّة بتهمة أنّه مبتدع، وخارجٌ من المذاهب الأربعة، مع انّه كان من أبرز رجال التقريب بين المذاهب الإسلاميّة.

([3]) الصدر، حسن: تكملة أمل الآمل، ص280، رقم الترجمة 256.

([4]) عباس، دلال: بهاء الدّين العاملي، ص227، دار المؤرّخ العربي، بيروت ـ لبنان، ط1، 2010م.

([5]) الطّهراني، آقا بزرك : الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج16، ص345.

([6]) م. ن : ج17، ص250.

([7]) م. ن : ج18، 334 و ج16، ص87.

([8]) د. دلال عباس تقول أنّها تملك نسخةً من مخطوط (الصمدية).

([9]) عباس، دلال: بهاء الدّين العاملي، ص238 وما بعدها.

([10]) العاملي، بهاء الدّين محمد: الكشكول، ج2، ص235. الدّغدغة: الغمز في الإبط، وقد يكون معناها الطعن (نقول: دغدغ فلانٌ عرضَ فلان).

([11]) راجع: الفيروزآبادي (729-817 هـ): القاموس المحيط، فصل النون؛ العاملي، بهاء الدّين محمد: الكشكول، ج1، ص81.

([12]) العاملي، بهاء الدّين محمد: الكشكول، ج1، ص81.

([13]) الألُّوسي، أبو الثناء شهاب الدين (1217-1270هـ): روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عند تفسيره الآية 8 من سورة البقرة.

([14]) راجع: سيبويه (148-180 هـ): الكتاب، ج1، ص311، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان، ط3، 1990م ؛ النحاس، أبو جعفر (000- 338 هـ): معاني القرآن، ص102، عالم الكتب، بيروت ـ لبنان، ط1، 2005م.

([15]) الفراهيدي، الخليل بن أحمد (100-170هـ): العين، ج7، ص303، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، 1988م.

([16]) النحاس، أبو جعفر: معاني القرآن، ص102.

([17]) سيبويه: الكتاب، ج2ص144.

([18]) الأزهري، محمد بن أحمد (282-370 هـ): تهذيب اللّغة، ج3، ص88، دار الصادق للطباعة والنشر، د. ت.

([19]) الألُّوسي، شهاب الدين (1217-1270هـ): روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عند تفسيره الآية 8 من سورة البقرة.

([20]) راجع: ـ الفيروزآبادي: القاموس المحيط، فصل النون ؛ الجوهري، إسماعيل بن حماد (000 ـ 393 هـ): الصّحاح في اللغة، مادّة (نَوَسَ) ؛ الرضى الصغاني، الحسن بن محمد (577 ـ 650 هـ): العباب الزاخر، مادة (نَوَسَ) ؛ مرتضى الزبيدي، محمد بن محمد (1145 ـ 1205 هـ): تاج العروس من جواهر القاموس، مادة (نَوَسَ) ؛ ابن منظور، محمد بن مكرم (630 ـ 711 هـ): لسان العرب، مادة (أَنَسَ)، ج1، ص170، ومادة (نَوَسَ)، ج14ص382، دار صادر، بيروت ـ لبنان، ط1.

([21]) البقاعي، برهان الدين (809 - 885 هـ): نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، يُعرف بـ"تفسير البقاعيّ"، عند تفسيره الآية 18 من سورة الأنعام.

([22]) ابن منظور: لسان العرب، ج1، ص170.

([23]) سأل محمد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) عن لحوم الخيل والدواب والبغال والحمير، فقال: حلالٌ، ولكنّ الناس يعافونها، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أكل لحوم الحمر الإنْسيّة بخيبر لئلا تفنى ظهورها، وكان ذلك نهي كراهة لا نهي تحريم. ولا بأس بأكل لحوم الحمر الوحشية. (مَن لا يحضره الفقيه، باب: الحلال والحرام من لحوم الدّواب، رقم الحديث: 4197).

([24]) ابن منظور: لسان العرب، ج1، ص170.

([25]) الأندلسيّ، أبو حيّان (654 - 745هـ): البحر المحيط، عند تفسيره الآية 8 من سورة البقرة، دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية، 1403هـ..

([26]) سورة الجنّ: الآية1.

([27]) سورة الجنّ: الآية6.

([28]) الفراء: معاني القرآن، ج3، ص302، دار السرور، بيروت ـ لبنان، د. ت..

([29]) ابن منظور: لسان العرب، ج1، ص170.

([30]) الأزهريّ: تهذيب اللغة، ج13، ص89.

([31]) الشيخ البهائي: الكشكول، ج2، ص237.

([32]) الرازي، عبد القادر: مختار الصّحاح، ص 16، مكتبة لبنان، بيروت، 1993م.

([33]) سورة الحج: الآية78.

([34]) سورة الرعد: الآية18.

([35]) يجوز أن يُقتصر على ذكر الجنس ويُضمر المقصود بالمدح أو الذم اكتفاءً بتقدّم ذكره، كما جاء في التنزيل )وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( سورة ص: الآية30 أي: نعمَ العبدُ سليمانُ، فحذف إسمه (المخصوص بالمدح) لتقدّم ذكره، وعِلم المخاطب به.

([36]) ابن يعيش الموصلي (553-643هـ): شرح المفصّل للزمخشري، ج2، ص36، دار الكتب العلميّة، بيروت ـ لبنان، ط1، 2001م.

([37]) البهائي: الكشكول، ج2، ص236.

([38]) م. ن : ج2، ص236.

([39]) سورة هود: الآية 108.

([40]) ابن السّراج النحوي، محمد بن سهل: الأصول في النحو، ج2، ص20، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان، ط3، 1988م.

 

 

عدة جيش الضلال في كربلاء وتصنيفه

الشيخ محمد محسن الفقيه

 

 تمهيد

في هذا المقال عرضٌ لما ورد في كتب التاريخ حول عدد جيش يزيد بن معاوية الذي أرسله للفتك بالحسين (عليه السلام)، وهو -ككثير من الوقائع التاريخيّة- موضع اختلاف بين المؤرخين، وعُرضة لتباين الآراء فيه.

ففي حين الاتفاق على قلة من كان مع الإمام الحسين (عليه السلام) وشِبه التوافق على أنهم كانوا نحوًا من سبعين رجلاً، نجد هناك شبه توافق على ضخامة الجيش الذي وقف لحربه.. رغم الاختلاف الكبير في عدده. على أن المشهور في كتب أصحابنا أنهم كانوا ثلاثين ألفًا، وهو المروي عن أهل البيت ^ كما سيأتي؛ إلا أنه وردت أقوال وآراء أخرى كثيرة، أدناها القول بأن جيش عمر بن سعد كان نحوًا من ألفَي فارس، وأكثرها أنه كان أزيد من مائة ألف، بل نُقِل عن مجهول أنه كان ثمانمائة ألف؟!

وهذا ما دعانا لتسليط الضوء على هذا الحدث، تسهيلاً على الباحثين، من خلال تقصّي الأخبار والآراء فيما بين أيدينا من الكتب، استقصاءً تاريخيًا محضًا، بدءًا من مؤرخي القرن الثاني للهجرة.

عدة الجيش

القول بأن عدة الجيش: ألف

قال الشبلنجي في نور الأبصار: وجهز إليه العساكر وجعل مقدمتها عمر بن سعد وكان واليًا بالري وأعمالها، واستعفى من خروجه إلى قتال الحسين وتقدمه على العسكر، فقال له ابن زياد: إما أن تخرج له أو تخرج من عملنا. فخرج عمر بن سعد إلى الحسين (ر) وصار ابن زياد يمده بالجيوش شيئًا فشيئًا إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد ألف مقاتل ما بين فارس وراجل([1]).

ألفان

قال الديار بكري: قال في دول الإسلام: فوجّه عبيدُ الله بن زياد عمرَ بن سعد بن أبي وقاص لقتاله في نحو ألفَي فارس([2]).

أقول:

رواية نور الأبصار ودول الإسلام مخالفة لما جاء في كتب السيرة والتاريخ كما ستعرف.

أربعة آلاف

قال ابن الأثير: فلما كان الغد، قَدِمَ عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف([3]).

وقال ابن العبري: وقدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، ومعه شمر ذو الجيوش([4])، فنزلوا بين نهري كربلاء، وجرت الرسل بينهم وبين الحسين، ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا([5]).

أربعة ألاف وخمسمائة

قال ابن الجوزي: قال علماء السير: وكان ابن زياد قد جهز عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين في أربعة آلاف، وجهز خمسمائة فارس فنزلوا على الشرايع([6]).

ستة ألاف

قال في أعيان الشيعة: ثم قال الطبري: وكانوا ستة آلاف مقاتل([7]).

أحد عشر ألفًا

قال الصدوق في أماليه -في حديث عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن جده-، قال: وبعث إلى الحسين (عليه السلام) رجلاً يقال له عمر بن سعد قائده في أربعة آلاف فارس، وأقبل عبد الله بن الحصين التميمي في ألف فارس، يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي أيضًا في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد على الناس، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. فبلغ عبيد الله بن زياد أن عمر بن سعد يسامر الحسين (عليه السلام) ويحدثه ويكره قتاله، فوجّه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس([8]).

أربعة عشر ألفًا

يمكن أن يستفاد هذا العدد من ابن حاتم العاملي، إذ عنده أن الحر خرج في ألف، فإنه قال في الدر النظيم: [وبعث الحر بن يزيد في ألف فارس فَلَقِي الحسين (عليه السلام) ثم سايره حتى انتهى إلى كربلاء]، ثم قال: [وصبحه من الغد الحصين بن تميم في أربعة آلاف فارس، وحجار بن أبجر في أربعة آلاف فارس، ومحمد بن الأشعث في ألف فارس، ومن بعد الغد عمر بن سعد لعنه الله في أربعة آلاف فارس]([9]). فهؤلاء أربعة عشر ألفًا.

ستة عشر ألفًا

الدر النظيم، قال: وقال عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبيه، عن جده: وجّه عبيد الله بن زياد لعنه الله ستة عشر ألف فارس مع أربعة قواد، مع شبث بن ربعي لعنه الله أربعة آلاف، ومع الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله أربعة آلاف، ومع سنان بن أنس لعنه الله أربعة آلاف، ومع الحر بن يزيد أربعة آلاف، وولى عليهم عمر بن سعد لعنه الله([10]).

عشرون ألف فارس

روى ابن طاووس: وأتبعه ابن زياد، بالعساكر، حتّى تكاملت عنده إلى ست ليال خلَون من المحرّم عشرون ألف فارس([11]).

وصار ابن زياد يمدّه بالجيوش شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد عشرون ألف مقاتل ما بين فارس وراجل([12]).

قال ابن نما: ومدَّ عمر بن سعد بالعساكر حتى تكملت العدة لست خلون من المحرم عشرين ألفًا، وضيق على الحسين وأصحابه([13]).

اثنان وعشرون ألفا

قال ابن أعثم: فصار عمر بن سعد في اثنين وعشرين ألفًا ما بين فارس وراجل([14]).

فما زال ابن زياد يجهز مقدمًا ومعه طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر اثنان وعشرون ألفًا ما بين فارس وراجل فنزلوا شاطئ الفرات، وحالوا بين الماء وبين الحسين وأصحابه، وكان أكثر الخارجين لقتاله قد كاتبوه وبايعوه([15]).

قال اليافعي: فبعث عبيد الله بن زياد ابن أبيه خيلاً وأمّر عليهم أميرًا، سمّوه من أولاد بعض الصحابة أكره ذكره فأدركه بكربلاء، وما زال عبيد الله بن زياد يزيد العساكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفًا([16]).

نيفًا على اثنين وعشرين ألفًا

قال محمد بن أبي طالب: وكانوا نيفًا على اثنين وعشرين ألفًا([17]).

ثلاثون ألفًا

أمالي الصدوق: الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن أسباط، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن أبي صفية الثمالي قال: نظر علي بن الحسين سيد العابدين إلى عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فاستعبر، ثم قال: ما من يوم أشد على رسول الله صلى الله عليه وآله من يوم أحد، قُتِل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتِل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ولا يوم كيوم الحسين، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة، كُلٌّ يتقرب إلى الله عزّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيًا وظلمًا وعدوانًا([18]).

قال محمد بن أبي طالب: وفي رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفًا([19]).

قال السيد محمد بن أبي طالب: فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفًا ما بين فارس وراجل ([20]).

والمختار عند ميرزا محمد تقي: أن عسكر ابن سعد لا يقلّ عن العشرين ألفًا([21]). ومن ثم قال: ولكن اجتهادي يدلني على أن ابن زياد جهز واحدًا وخمسين ألفًا وعيَّن لهم الأمراء وجعل يرسلهم إلى كربلاء على التوالي. فلما قتل الحسين (عليه السلام) كان مجموع عسكره ثلاثين ألفًا. فلا حاجة لأن يبعث بالباقين بعد أن قُتِل الحسين (عليه السلام)([22]).

خمسة وثلاثون ألفًا

قال ابن شهر آشوب: وجهز ابن زياد عليه خمسًا وثلاثين ألفًا([23]).

أربعون ألف فارس

وكان أول راية خرجت إلى حرب الحسين (رض) راية عمر بن سعد، ثم دعا عروة بن قيس الخثعمي، وخولي بن يزيد الأصبحي، وسنان بن أنس النخعي، والشمر بن ذي الجوشن الضبابي، وعقد لكل واحد منهم راية على أربعة آلاف فارس، وسار القوم جميعا من الكوفة حتى أحاطوا الحسين في أربعين ألف فارس، لا فيهم شامي ولا حجازي ولا مصري، بل جميع القوم من أهل الكوفة([24]).

وقال محمد بن إسماعيل البخاري: إنهم أربعون ألفًا([25]).

خمسة وأربعون ألفًا

قال أبو مخنف: وقد تكامل عسكر ابن سعد في خمسة وأربعين ألف فارس([26]).

خمسون ألفًا

وفي شرح الشافية: خمسين ألف فارس([27]).

ثلاثة وخمسون ألفًا

قال ميرزا محمد تقي: فالذين أحصيتهم ثلاثة وخمسين([28]).

ستة وخمسون ألفًا

الهداية الكبرى: وأتوه ومعهم اثنان وثلاثون ألف فارس وأربعة وعشرون ألف راجل([29]).

سبعون ألف

وكان عسكر ابن سعد سبعين ألف فارس([30]).

ثمانون ألف فارس

وقال أبو مخنف: فتكاملوا ثمانون ألف فارس من أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي([31]).

مائة ألف

قال الحائري: وقال السيد ابن طاووس إنهم مائة ألف([32]).

وفي ناسخ التواريخ، قال: وأنهاهم بعضهم إلى مائة ألف([33]).

أقول:

السيد ابن طاووس عدّهم في اللهوف عشرين ألف فارس. ولا أدري أين وقع الحائري على هذا القول للسيد ابن طاووس. نعم عدّ ابن طاووس الجيش الذي قاتل سليمان بن صرد بمائة ألف([34]) ولعله اشتبه على الحائري.

مائة واثنان وعشرون ألفًا([35])

قال الحائري: قال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي: إنهم مائة واثنان وعشرون ألف. ثمانون ألف فارس، وألفا راجل، وألف من الخوارج، وثمانية آلاف يحملون الأرزاق ويجدِّدون نعل الخيل، ويصلحون السيوف والرماح استعدادًا لقتل مولى العالمين وسيد الخافقين، فكانوا يتدافعون أفواجًا أفواجًا ويصطفون أمام الغرباء الذين لا ناصر لهم ولا معين ويروّعون قلوب مخدرات معسكر الحسين([36]).

مائة وأربعة وعشرون ألفًا

قال ابن عصفور: روي في كتاب تذكرة الأئمة أنه لما بلغ عبيد الله بن زياد وصول الحسين عليه السلام لكربلاء، وحلوله بمركز الكرب والبلاء، نفذ الجيوش لقتاله، وسرَّح العساكر لنزاله، وكان جملة العساكر التي جاءت لحربه، وعرضت مهجها لشديد كرّه وضربه، مئة وأربعة وعشرين ألفًا، وقيل أقلّ وقيل أكثر، وأصح ما وجدناه منها ما ذكرناه، وكانوا ثمانين ألف فارس وأربعة وأربعين ألف راجل، فأول ذلك اثنان وعشرون ألفًا من أهل الكوفة، والمؤمّر عليهم: الشمر بن ذي الجوشن الضبابي وقثم بن كلاب العمري وشبث بن ربعي ويزيد بن ركاب ومحمد بن الأشعث وأبو الأشرس والضحاك بن قيس وسعد بن عبد الله وراهب بن قيس وحبيب بن جماز صاحب راية الضلال وقيس بن فاكه ونوفل بن فهر وأسد بن مغيرة وسعد بن أرطأة، ومعهم من أهل الحرف مثل خبّاز ونجّار وحدّاد وطبّاخ ورؤساء المحال، وجملتهم ثمانية آلاف، وهم شاكرية وكندة وخزيمة وأهل مسجد بني زهرة وسوق الليل وسوق الساعات وسوق البراثين، وثلاثة وثلاثون ألفًا من أهل البوادي وقبائل الكوفة مثل عبادة وربيعة وسكون وحمير وكندة ودارم ومطعون وجشعم ومدحج ويربوع وخزاعة وكلب، ومن المدائن والبصرة سبعة آلاف نفر والعميد عليهم زيد بن اللحم وسعد بن جريح وقمير بن قيس وعلوان بن وردان ووردان بن ثابت وبشير بن سعدان وحماد بن عثمان وعثمان بن فهد، ومن أهل الشام ثلاثون ألفًا وعميدهم ربيعة بن سوادة وسواد بن نحرس وقيس بن زعّال وصخر بن طعيم، ومن الخوارج اثنا عشر ألفًا وعميدهم غسّان بن ثابت وحمل بن نافع وحكم بن عقبة الزهري وزياد بن حرقوس البجلي، وألفان من الموصل وتكريت والأنبار، وعشرة آلاف من الأكراد، والأمير على كل العسكر عمر بن سعد، وابنه حفص وزيره، وأبو الحتوف ناظر العسكر، وعميد عيون الجيش أبو الأشرس السلمي، وجونة بن جونة كان جاسوسًا، والمؤمّر على الحرّاثين أبو أيوب الغنوي، ونقيب الجيش الشمر لعنه الله وتحت يديه أربعة آلاف نفر([37]).

أقول:

ففي هذا الخبر أن أهل الشام شاركوا في جيش ابن سعد. وسنشير إلى أن ابن عصفور تفرَّد به، إذ لم أرَ في كتب السيرة والرجال ما يدل عليه.

ثمانمائة ألف

ناسخ التواريخ، قال: بل قال بعضهم: ثمانمائة ألف([38]).

أقول:

إن إرسال هذه الألوية الكثيرة بأعدادها الهائلة إلى تلك الثلة القليلة، وإن أمكن تفسيرها على أنها حركة وقائية خوفًا من تحرك نخوة البعض في أرض العراق لنصرة الحسين (عليه السلام)، إلا أن ضيق الوقت عن اجتماع هذا العدد الهائل في وقت قصير لا يتعدى أيامًا، أمر يستحق الوقوف عنده، إذ من المعروف أن ابن زياد خرج في اليوم الثاني من المحرم إلى "النخيلة" -وهي موضع بين الكوفة وكربلاء-، فعسكر بها وأخذ يجمع الألوية ويرسلها إلى كربلاء، حتى كان نهاية ذلك في العاشر منه.. أفهل يكفي أسبوع واحد لذلك كله!

 

هل كان الجيش كله من أهل الكوفة ؟

لم يحضر قتال الحسين أحد من أهل الشام

قال أبو مخنف: ما فيهم شامي ولا بصري ولا حجازي كلهم من أهل الكوفة([39]).

ذكر أبو مخنف أنهم سبعون ألفًا ما بين فارس وراجل. ليس فيهم شامي أو حجازي ولا بصري وغيره([40]).

وقال أبو مخنف: فتكاملوا ثمانون ألف فارس من أهل الكوفة ليس فيهم شامي ولا حجازي([41]).

قال ابن الجوزي: وقال المسعودي: ولم يحضر قتال الحسين أحد من أهل الشام، بل كلهم من أهل الكوفة ممن كاتبه([42]).

غريب ابن عصفور: أهل الشام شاركوا

ابن عصفور، قال: ومن أهل الشام ثلاثون ألفًا وعميدهم ربيعة بن سوادة، وسواد بن نحرس، وقيس بن زعّال، وصخر بن طعيم([43]).

أقول:

وهذا ما تفرّد به ابن عصفور. ولم أرَ له في كتب السيرة والرجال ما يدل عليه.

يتبع =
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) نور الأبصار، الشبلنجي (قرن 14) طبعة مكتبة الفجر، ص130.

([2]) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، للديار بكري (966هـ) (نسخة الكترونية ج2 ص297). وفي نسخة دول الإسلام للذهبي ج ص54 قال: (وسار لقتاله نحو ألفَي فارس فأحاطوا به..الخ).

([3]) الكامل في التاريخ، ابن الأثير (630هـ) ج3 ص411.

وفي تسلية المجالس ج2 ص257، قال: ثم سار عمر بن سعد في أربعة آلاف نحو الحسين، وكان الحُرُّ عنده ألف فذلك خمسة آلاف.

([4]) هكذا وردت في الأصل.

([5]) تاريخ مختصر الدول ابن العبري (623-685هـ)، ص189-190.

([6]) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي (654هـ) ص246؛ وعن التذكرة: أعيان الشيعة ج1 ص598.

([7]) أعيان الشيعة ج1 ص598.

([8]) الأمالي، الصدوق (381هـ) ص219-220؛ وعنه بحار الأنوار ج44 ص315؛ العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام)، البحراني الأصفهاني (1130هـ)، ص164.

([9]) الدر النظيم، ابن حاتم ص550-551.

([10]) الدر النظيم ابن حاتم العاملي (ت 664هـ) ص551.

([11]) اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس (664هـ) ص52.

وفي تسلية المجالس الحائري الكركي (ق 10) ج2 ص259؛ وعنه بحار الأنوار للمجلسي (1111هـ) ج44 ص386، قال: وقال محمد بن أبي طالب: فذلك عشرون ألفًا.

([12]) الفصول المهمة لابن الصباغ (855هـ) ج2 ص819.

([13]) مثير الأحزان ابن نما (645هـ) ص50.

([14]) كتاب الفتوح لابن أعثم (314هـ) ج5 ص90.

وفي ج5 ص183-184، في معرض كلامه قال: والقوم اثنان وعشرون ألفًا لا يزيدون ولا ينقصون.

وفي مقتل الحسين للخوارزمي (568هـ) ج2 ص6-7 ح6، حكاه عن الحاكم، قال: وكان جنده اثنين وعشرين ألفًا يزيد أو ينقص.

وفي مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (كمال الدين بن طلحة) (652هـ) ص400، قال: فما زال عبيد الله يجهز مقدمًا ومعه طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد اثنان وعشرون ألفًا ما بين فارس وراجل. ومثله كشف الغمة للأربلي (693هـ) ج2 ص258.

([15]) نُزُل الأبرار بما صحّ من مناقب أهل البيت الأطهار، البدخشاني (كان حيًا سنة 1126هـ) ص160.

([16]) مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليمني الشرواني (768هـ) (نسخة الكترونية) ج1 ص60؛ وعنه: ناسخ التواريخ، ميرزا محمد تقي المعروف بـ(سبهر) (1297هـ) ج2 ص340.

([17]) بحار الأنوار ج45 ص4، عن محمد بن أبي طالب؛ وعنه العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص248.

([18]) الأمالي للصدوق مجلس70 رقم10 ص547؛ وعنه: بحار الأنوار ج22 ص274 وج44 ص298.

([19]) بحار الأنوار ج45 ص4، عن محمد بن أبي طالب؛ وعنه العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص248.

([20]) بحار الأنوار ج44 ص386؛ تسلية المجالس ج2 ص260؛ وعنه العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص237.

([21]) ناسخ التواريخ ج2 ص342.

([22]) ناسخ التواريخ ج2 ص343.

([23]) مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب (588هـ) ج3 ص248.

([24]) ينابيع المودة القندوزي (1294هـ) ج3 ص66، عن مقتل لوط.

([25]) مهيج الأحزان وموقد النيران للحائري الكركي (ق 10) ص123.

([26]) رياض المصائب، التنكابني، مؤسسة الأعلمي-بيروت، ط1، 2002م، ص409.

([27]) ناسخ التواريخ ج2 ص340.

([28]) ناسخ التواريخ ج2 ص340.

([29]) الهداية الكبرى الخصيبي (334هـ) ص202.

([30]) منتخب الطريحي (1085هـ) ج1 ص37.

([31]) ناسخ التواريخ ج2 ص340.

([32]) مهيج الأحزان وموقد النيران للحائري ص123.

([33]) ناسخ التواريخ ج2 ص341.

([34]) اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص158.

([35]) ويلاحظ أن مجموع من عدّهم لا يتطابق مع ما أورده في العنوان ، حيث جعله في العنوان مائة واثنين وعشرين ألفًا ، بينما المجموع هو واحد وتسعون ألفًا.

([36]) مهيج الأحزان وموقد النيران للحائري ص123-124.

([37]) مصارع الشهداء آل عصفور (1261هـ) ص102-103.

([38]) ناسخ التواريخ ج2 ص341.

([39]) رياض المصائب ص409.

([40]) الكبريت الأحمر، القائني البيرجندي (1352هـ) ج1 ص434.

([41]) ناسخ التواريخ ج2 ص340.

([42]) تذكرة الخواص السبط ابن الجوزي (طبع مكتبة نينوى، طهران) ص251.

([43]) مصارع الشهداء ص103.

 

 

اختصاص قوم نبي الله يونس (عليه السلام) برفع العذاب

السيد عباس أبو الحسن

 

مقدمة

إنّ من يتدبر في آيات القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه وتعالى قد تحدّث عن كثير من الأمم السابقة، وقصَّ قصصهم، وأنّ أنبياء تلك الأمم قد بذلوا الوسع ولم يدّخروا جهدًا في سبيل هدايتهم ودعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى، إلا أنهم عتوا وأصروا على كفرهم وعنادهم فأنزل الله سبحانه وتعالى العذاب عليهم، قال تعالى حاكيًا عن نزول العذاب على قوم نبي الله صالح (عليه السلام): {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ* قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}([1]).

ولكن القرآن الكريم يحدّثنا عن أمَّتين لم ينزل الله العذاب عليهما:

الأولى: أمَّة سيد المرسلين محمد |، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}([2]).

والثانية: أمَّة نبي الله يونس على نبينا وآله وعليه السلام.

موضوع البحث: اختصاص قوم النبي يونس (عليه السلام) بكشف العذاب عنهم

قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز حاكيًا عن قوم نبيه يونس (عليه السلام) {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}([3]).

خلاصة القصة

قال صاحب الميزان في تفسيره: [خلاصة ما يُستفاد من الآيات بضم بعضها إلى بعض واعتبار القرائن الحافّة بها، أن يونس (عليه السلام) كان من الرسل، أرسله الله تعالى إلى قومه وهم جمعٌ كثير يزيدون على مائة ألف، فدعاهم فلم يجيبوه إلا بالتكذيب والردّ، حتى جاءهم عذابٌ أوعدهم به يونس، ثم خرج من بينهم، فلما أشرف عليهم العذاب وشاهدوه مشاهدة عيان أجمعوا على الإيمان والتوبة إلى الله سبحانه، فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا] .([4]).

وهنا ترد عدة أسئلة

السؤال الأول: لماذا كُشف العذاب عن قوم يونس (عليه السلام) دون غيرهم؟

والجواب: إن من يطالع قصص الأنبياء وينظر إلى عناد قومهم وكفرهم وتعنتهم، يرى أنهم لم يؤمنوا بأنبيائهم ولم يسلموا لهم مع ما جاءوهم به من معجزات، حتى أنزل الله سبحانه العذاب عليهم، بل تجد بعض الناس حتى مع رؤيتهم العذاب لم يسلموا ولم يقنعوا، بل اعتقدوا أنه حادث عابر، فهذا ابن نبي الله نوح (عليه السلام)، مع ما رأى من الطوفان وعلى الرغم مما خاطبه به نبي الله (عليه السلام) من أنه لا راحم اليوم من أمر الله ، إلا أنه اعتقد أن الماء لن يصل إليه إذا صعد إلى أعلى الجبل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}([5]).

وهؤلاء قومُ عادٍ لما أنذرهم نبي الله ورأوا العذاب قالوا هذا عارض ممطرنا، قال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}([6]).

إلى غير ذلك مما ذكره القرآن الكريم من الأحداث التي مرّ بها أقوام الأنبياء، ولكن فيما يخص قوم يونس نجد أنها الأمة الوحيدة من أمم الأنبياء التي آمنت حق الإيمان قبل نزول العذاب، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}([7]).

قال صاحب تفسير الأمثل:

إن كلمة [ لولا] تعني هنا النفي كما ذكر بعض المفسرين، ولذلك تمَّ الاستثناء منها بواسطة " إلا " ....

إلا أن البعض الآخر يعتقد بأن كلمة "لولا" لم تأتِ بمعنى النفي، بل أتت دائمًا بمعنى التحضيض -ويقال للسؤال المقترن بالتوبيخ والتحريك تحضيض- إلا أن لازم مفهومها في مثل هذه الموارد يكون النفي ولهذا يمكن أن يستثنى منها بـ"إلا" ([8]).

فعلى المعنى الأول -أي أنها للنفي- يكون المعنى: لم تكن قرية من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم آمنت قبل نزول العذاب، أو آمنت فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس فلما آمنوا نفعهم إيمانهم.

وعلى القول الثاني -أي أنها للتحضيض- يكون المعنى: هلا كانت قرية من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها لكن لم يكن شيء من ذلك إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي، فكان رفع العذاب عن قوم نبي الله يونس (عليه السلام) مسببًا عن إيمانهم الحقيقي، وتكون هذه الأمة هي الوحيدة التي آمنت بأجمعها قبل نزول العذاب.

السؤال الثاني متفرع عن جواب السؤال الأول : وهو أنه لماذا قبل الله سبحانه إيمان قوم يونس (عليه السلام)، ولم يقبل إيمان فرعون، وما الفرق بين الموقفين؟

وبكلمة أخرى إن الإيمان قبل نزول العذاب لم يقتصر على قوم يونس (عليه السلام) بل نجد أن فرعون ومعه آخرون من قومه أيضًا عندما رأوا العذاب، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}([9]).

الجواب: إن الفرق بين الإيمانين هو أنه مما لا شك فيه أنّ إيمان قوم يونس (عليه السلام) كان حقيقيًا وناجمًا عن اختيارهم، وعن توبة صادقة، ولأجل ذلك بقَوْا على إيمانهم واستقر وثبت الإيمان في قلوبهم، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}([10])، والظاهر من الآية أن نبي الله يونس (عليه السلام) بعد ما نجا مما ابتلي به، أُرسل إلى نفس قومه فاستقبلوه بوجوه مشرقة وتمتعوا في ظل الإيمان إلى الوقت المؤجل في علم الله عز وجل.

أما فرعون وقومه فكانت سيرتهم ادعاء الإيمان عند نزول العذاب، وبعد رفع العذاب يرجعون إلى الفساد، وهذا ما صرح به الله تعالى في كتابه العزيز {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}([11]).

روى عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار، قال حدثني علي بن محمد بن قتيبة عن حمدان بن سليمان النيسابوري، قال حدثني إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): لأي علة غرّق الله فرعون وقد آمن به؟ قال: [لأنه آمن عند رؤية البأس، وهو غير مقبول...]([12]).

ولقائل أن يقول: إن هذه الرواية تذكر أن الله لا يقبل التوبة عند نزول العذاب فكيف قبل توبة قوم يونس (عليه السلام).

وقد تصدى غير واحد للإجابة عن هذا التساؤل، ومنهم العلامة المجلسي حيث نقل في البحار احتمالات ذكرها الرازي فقال:

[تحقيق: قال الرازي: فإن قيل: ما السبب في عدم قبول توبته؟ والجواب أن العلماء ذكروا وجوهًا:

الأول: أنه إنما آمن عند نزول العذاب والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، لأنه تصير الحال حينئذ وقت الإلجاء، وفي هذه الحال لا تكون التوبة مقبولة.

الثاني: أنه لم يكن مخلصًا في هذه الكلمة بل إنما تكلم بها توسلاً إلى دفع تلك البلية الحاضرة.

الثالث: أن ذلك الإقرار كان مبنيًا على محض التقليد، ألا ترى أنه قال: {أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}([13]).

الرابع: أن أكثر اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم، ولذا اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حلَّ في جسده، فكأنه آمن بالإله الموصوف بالجسميّة وكل من اعتقد ذلك كان كافرًا.

الخامس: أنه أقرَّ بالتوحيد فقط، ولم يُقِرْ بنبوة موسى (عليه السلام) فلذا لم يقبل منه.

والأول هو الأظهر كما دلَّ عليه الخبر، إذ التوبة لا يجب على الله قبولها عقلاً إلا بما أوجب على نفسه من قبول توبة عباده تفضلاً، وقد أخبر في الآيات الكثيرة بعدم قبول التوبة عند رؤية البأس، فلا إشكال في عدم قبول توبته عند معاينة العذاب]([14]).

أقول: نعم إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل توبة العبد إذا كانت صادرة عن لقلقة لسان، بل لا بد من توفر شروط التوبة، والتي من أهمها: الندم على ما فعل، والعزم على عدم العود، وإصلاح ما أفسد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([15])، وهذا ما حصل لقوم يونس، فإنهم لما رأوا العذاب ضجوا بالبكاء والرجوع إلى الله كما ورد في بعض الأخبار.

أما فرعون فإنه كان يظهر الإيمان عند نزول العذاب وبعد رفع العذاب يعود لكفره وعناده، ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا}([16]) التي أظهرها الله سبحانه وتعالى على يدي نبيه موسى (عليه السلام) في مواجهة فرعون، من الطوفان والجراد والضفادع واليد البيضاء، والعصا التي انقلبت إلى ثعبان، والتي جعلت السحرة يذعنون ويخرون لله سجدًا، وهذه كانت كلها آيات ومعجزات دالة على نبوته سلام الله عليه، وعلى أنه رسول من رب العالمين، {فَكَذَّبَ وَأَبَى}([17])، فكان دأب فرعون إظهار الإيمان عند ظهور هذه الآيات المعجزة، ثم بعد رفعها كان ينكرها ويتهم نبي الله بالسحر، {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} ([18]).

والذي يظهر من بقية الآيات أن فرعون لم يتلفظ بشهادة الإيمان الحقيقية، ولم يعترف لله بالألوهية، ولم يعتقد بها، بل قال آمنتُ بالذي آمنتْ به بنو إسرائيل، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}([19]).

فيتضح من ذلك كله أن فرعون كان دأبه عند رؤية العذاب التظاهر بالإيمان، ولكنه بعد رفعه عنه يعود لإنكاره وكفره، وهذا بخلاف قوم يونس، فإنهم عندما رأوا العذاب، توجهوا إلى خالقهم، وتابوا توبة نصوحا.

أضف إلى ذلك أن شروط رفع العذاب لم تكن متوفرة عند فرعون في حال الغرق بخلاف قوم يونس فإنها كانت متوفرة.

ولتوضيح ذلك نقول: إن العلة لا تؤثر بمعلولها إلا بتوفر شرطين، أحدهما وجود المقتضي والثاني عدم المانع من التأثير، فإنَّ النار لكي تؤثر في الورقة وتحرقها لا بد من وجود المقتضي وهو اقتراب النار من الورقة ولا بد من عدمية المانع، فالمانع من تأثير النار في الورقة وجود الرطوبة، فالرطوبة مانعة من التأثير.

نأتي للبحث: فإنه لكي ينزل الله العذاب على قوم فلا بد من وجود المقتضي وهو كفرهم وجحودهم وصدهم عن الحق قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}([20])، وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}([21])، ولكن بيَّنا أن تحقق العذاب مشروط بعدم المانع، والمانع من نزول العذاب هو توبتهم واستغفارهم ورجوعهم إلى الله، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}([22])، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}([23]).

فشروط نزول العذاب توفرت لدى قوم نبي الله يونس (عليه السلام)، فهم كانوا مشركين بالله، وكانوا قبل نزول العذاب مصرّين على عنادهم، ولكن لما رأوا العذاب وُجد المانع الذي رفع العذاب عنهم وهو توبتهم الصادقة، وهذا بخلاف ما جرى مع فرعون فإنه توفرت لديه شروط العذاب ولم يحصل له المانع وهو التوبة الحقيقية، لأن دأبه كان التظاهر بالتوبة عند رؤية العذاب، ولكن عند كشف العذاب كان يعود لعناده، فلم تكن توبته صادقة كتوبة قوم يونس (عليه السلام).

السؤال الثالث: هل كان كشف العذاب تكذيبًا لما أخبر به يونس (عليه السلام)؟

الجواب: إن الله سبحانه وتعالى قد وعد في كتابه العزيز بأن يؤيد رسله والذين آمنوا وينصرهم ولا يكذبهم وهو القائل عز وجل: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ}([24])، وعليه فلو أخبر  أحد الأنبياء أو الأوصياء (عليهم السلام) عن وقوع حادثة أو نزول رحمة أو عذاب على قوم، فلا بد أن يتحقق المخبَر به في المستقبل على وجه لا يلزم منه تكذيبهم.

وذلك يكون من وجهين:

الأول: بوقوع نفس المخبَر به كما هو الحال في إخبار صالح (عليه السلام) لقومه: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِثَمُودَ}([25]).

الثاني: ظهور علامات وأمارات دالة على صدق مقالة النبي وإخباره، ويكون عدم تحقق هذه النبوءة لأجل تغير التقدير بالدعاء والعمل الصالح قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([26])، وقال جلّ اسمه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([27])، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}([28]).

فهذه سُنَّة الله سبحانه في إنزال النعمة والنقمة ورفعها، فإنه ينزل العذاب لأجل فسادهم وطغيانهم وكفرهم فإن رجعوا وتابوا وأصلحوا ما أفسدوا فإن الله غفور رحيم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَعِنُونَ * إِلاَ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}([29]).

النتيجة: إنّ الله سبحانه وتعالى وعد نبيه بإنزال العذاب على قومه، وقد ظهرت أمارات العذاب، ولكن بعد توبتهم الحقيقية رُفِع عنهم العذاب، وعاد إليهم نبي الله يونس (عليه السلام) بعد ذلك فوجدهم يوحِّدون الله بعدما كانوا يعبدون الأصنام، وهذا ما يدلنا عليه قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} ([30])، فتكون هذه الأمة هي الأمة الوحيدة من أمم الأنبياء التي قصَّ علينا القرآن الكريم قصصهم، والتي آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها.

ــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

 ([1]) الأعراف 70-78.

 ([2]) الأنفال33

([3]) سورة يونس آية 98.

([4]) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج 17، ص 166.

([5]) هود 40 - 43.

([6]) الأحقاف : 21 - 25.

([7]) سورة يونس آية 98.

([8]) تفسير الأمثل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي،  ج 6، ص 269.

([9]) سورة يونس 92.

([10]) سورة صافات 148. 

([11]) سورة الأعراف 136.

([12]) الجواهر السنية، الحر العاملي، ص 64-65، ورواها الصدوق عن الهمداني.

([13]) سورة يونس 90.

([14]) بحار الأنوار ج13، ص 131-132.

([15]) سورة البقرة 160 

([16]) طه : 56.

([17]) طه : 56.

([18]) طه : 57.

([19]) يونس : 90.

([20]) سورة القصص 59.

([21]) سورة النساء 173.

([22]) الأنفال 33.

([23]) سورة آل عمران 136

([24]) سورة غافر 51

([25]) سورة هود 68

([26]) سورة الأعراف 96

([27]) سورة الأنفال 53

([28]) سورة الأنفال 33

([29]) سورة البقرة 161

([30]) سورة الصافات: 139-148.

 

 

ملاحظات على مقالة

(منزل الشيخ بهاء الدين العاملي في قرية إيعات)

 الشيخ حسن عبد الساتر

 

وردتنا رسالة من سماحة العلامة الشيخ حسن عبد الساتر حفظه الله، وهي تتضمن ملاحظات على مقال الدكتور خضر نبها "منزل الشيخ بهاء الدين العاملي في قرية إيعات" الذي نشرناه في العدد الرابع من مجلتنا رسالة النجف، وهذا نصها:

بسمه تعالى

وسعَ ربُّنا كلَّ شيءٍ علمًا، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.

وقد ورد في كلمات الإمام علي (عليه السلام): ما عشتَ أراك الدهر عجبًا. وهناك حكمة هنديّة تقول: إن الوهم إذا تكرر يضحي حقيقة.

رئيس مجلة رسالة النجف الأشرف المحترم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فإنني وأنا أستعرض العدد الرابع من أعداد مجلة النجف الأشرف الغرّاء، فوجئت بمقالة منسوبة إلى أحد أبناء قريتنا الكرام، الدكتور خضر نبها، يبيّن فيها موقع بيت الشيخ البهائي في إيعات وما بقي من آثاره، ومن هنا فهو يناشد أهل الغيرة أن يهبّوا ويساهموا في جعل هذا البيت متحفًا وطنيًا.

وللعلم فإنَّ البيت المذكور هو عبارة عن مصلى صغير لا يتجاوز الاثني عشر مترًا، وله محراب كان قد بناه المرحوم أبو حرب من أبناء قريتنا إيعات، وقد توفي ونحن أطفال صغار، كان يتعبّد في هذا المصلى ويعتكف فيه مع مجموعة من المؤمنين، وقد ذكر لي ابن عمتي وهو أحد المعمّرين والدارسين بعض المقدمات على يد المقدس الشيخ مصطفى اليحفوفي مع المرحوم الشيخ عبد الله اليحفوفي، ذكر لي ابن عمتي أن هذا المؤمن (أبو حرب) كان على خلافٍ دائمٍ مع المقدس الشيخ مصطفى اليحفوفي، حيث كان + يتردد كثيرًا على قريتنا إيعات وكان دائمًا ينزل ضيفًا على بيت عمتي زوجة الشيخ جعفر، وكان عاقدًا على إحدى بنات عمتي، كما حدثني بذلك أيضًا المرحوم الشيخ عبد الله اليحفوفي وابن عمتي الذي عاش مائة وست سنوات.

ومما يلاحظ على ما كتبه الدكتور خضر نبها، التالي :

أولاً: لم يكن للشيخ البهائي بيت في إيعات وإنما كان هنالك بيت لأبيه الشيخ حسين عبد الصمد، إذ إن الشيخ البهائي خرج مع أبيه من قرية إيعات وهو ابن تسع سنين أو عشر.

ثانيًا: إن كاتب هذه السطور قد وُلِدَ في بيت الشيخ حسين عبد الصمد وعاش فيه فترة قصيرة حيث كان إرثًا متسلسلاً من لدُن الشيخ حسين عبد الصمد إلى حين ولادتي في هذا البيت الموروث، حيث إني أنا حسن بن محمد بن علي بن كنجو بن عيسى بن مراد بن ضامن بن عبد الساتر بن حسين بن عبد الصمد بن حسين بن عبد الصمد ابن الإمام شمس الدين محمد بن علي بن حسن بن حسين بن صالح بن إسماعيل الويزاني الجبعي .. الخ طبق شجرة نتوارثها.

ثالثًا: إن بيت الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي يقع في أرض -طولها بين جهة الشمال والجنوب يزيد على خمسين مترًا وعرضها يزيد على الثلاثين مترًا- ويقع مقابل طرفها الجنوبي المسجد الحالي، والذي كان قد بناه الشيخ حسين بن عبد الصمد، وعرضُ هذه الأرض يزيد على الثلاثين مترًا، وقد تعرَّف وكيل سماحة السيد السيستاني في لبنان الحاج حامد الخفاف وأنا معه على الدار ومحل البيت، وهناك مسعى من قِبَلِه (حفظه المولى) لإعادة شيء من أرض الدار والبيت، وليس البيت إذًا هو نفس المصلى الصغير الذي صوّره وسماه الدكتور نبها بيتًا للبهائي.

رابعًا : إن الدكتور خضر نبها وإن كان يُشكر على حماسه في إحياء تراث عالم رباني في قريتنا إيعات وهو غير متّهم في ذلك، إذ هو كغيره ممن تحمّس في بناء مقام لمالك الأشتر في بعلبك حيث يظن أن مالك الأشتر وعهد الإمام علي (عليه السلام) قد انتهى إلى بعلبك.

وحتى لو كان الدكتور خضر أو من حذا حذوه في ذلك مشتبهين في ذلك، لكن هما مأجوران على هذا، حيث إن المرء يؤجر بحسب نيته كما فسّر الإمام الصادق ( قوله تعالى : {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً}([1]) فسرّها بالنية.

خامسًا (عليه السلام): كنت أودّ لو أن الدكتور خضر سأل أحدًا من آل عبد الساتر حيث كلهم من سلالة الشيخ حسين بن عبد الصمد وعددهم كبير حيث يبلغ أكثر من سبعة آلاف نسمة ويزيدون، ولا أقل لو كان سأل عمه -أبا زوجته- سماحة العلامة الشيخ محمد جعفر المهاجر حيث ذكر في كتابه (ستة فقهاء أبطال) أن آل عبد الساتر هم سلالة الشيخ حسين عبد الصمد، قلت : لو كان الأستاذ سأل أحد آل عبد الساتر لهداه إلى دار الشيخ حسين بن عبد الصمد التي صارت في أيامنا هذه بيوتًا كثيرة.

سادسًا: إن الله تعالى يعلم أنني ما أردت بذلك إلا التصحيح والتوضيح والدعاء لمن يسعى لإحياء تراث رموزنا الإسلامية الكبيرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

 ([1]) الإسراء84.

 

 

احتجاج النبي محمد (صلى لله عليه وآله)(*)

في ذكر طرف مما جاء عن النبي (صلى لله عليه وآله) من الجدال والمحاجّة والمناظرة

" وما يجري مجرى ذلك مع من خالف الإسلام وغيرهم "

 

قال الإمام  أبو محمد الحسن بن علي العسكري (صلى لله عليه وآله): ذكر عند الصادق (عليه السلام) الجدال في الدين وأن رسول الله (صلى لله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) قد نهوا عنه، فقال الصادق (عليه السلام): لم يُنهَ عنه مطلقًا، ولكنه نُهي عن الجدال بغير التي هي أحسن، أما تسمعون الله يقول: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([1]) وقوله {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([2]).

فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن محرَّم حرَّمه الله على شيعتنا، وكيف يُحرِّم الله الجدال جملةً وهو يقول: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}، وقال الله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}([3]) فجعل الله علمَ الصدق والإيمان بالبرهان، وهل يؤتى ببرهان إلا بالجدال بالتي هي أحسن.

قيل: يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن وبالتي ليست بأحسن؟

قال (عليه السلام): أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطِلاً فيورد عليك باطلاً فلا ترده بحجة قد نصبها الله، ولكن تجحد قوله أو تجحد حقًا يريد بذلك المبطل أن يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف ما في يده حجة له على باطله، وأما الضعفاء منكم فتغمّ قلوبهم لما يرون من ضعف المحقِّ في يد المبطِل.

وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيَّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له، فقال الله له حاكيًا عنه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ }([4]) فقال الله تعالى في الرد عليه: {قُلْ [يا محمد] يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}([5]) إلى آخر السورة، فأراد الله من نبيِّه أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم؟

فقال الله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} أَفَيَعجز من ابتدأ به لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى، بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته، ثم قال {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا} أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرَّفكم أنه على إعادة ما بَلِيَ أقدر، ثم قال {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ}([6]) أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوّزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوّزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي.

قال الصادق (عليه السلام): فهو الجدال بالتي هي أحسن، لأن فيها قطع عذر الكافرين وإزالة شُبَهِهِم.

وأما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجحد حقًا لا يمكنك أن تفرِّق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق، فهذا هو المحرَّم لأنك مثله، جحد هو حقًا وجحدت أنت حقًا آخر.

وقال أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام): فقام إليه رجل آخر وقال: يا ابن رسول الله أفجادل رسول الله (صلى لله عليه وآله)؟

فقال الصادق (عليه السلام): مهما ظننت برسول الله من شيء فلا تظنن به مخالفة الله، أليس الله قد قال: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} و{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} لمن ضرب لله مثلاً، أَفَتَظنّ أن رسول الله (صلى لله عليه وآله) خالف ما أمر الله به فلم يجادل بما أمره الله به ولم يخبر عن أمر الله بما أمره أن يخبر به.

ولقد حدثني أبي الباقر عن جدي علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي سيد الشهداء عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أنه اجتمع يومًا عند رسول الله (صلى لله عليه وآله) أهل خمسة أديان: اليهود، والنصارى، والدهرية، والثنوية، ومشركو العرب.

فقالت اليهود: نحن نقول عُزَير ابن الله. وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقالت النصارى: نحن نقول إن المسيح ابن الله اتحد به. وقد جئناك لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقالت الدهرية: نحن نقول إن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة. وقد جئناك لننظر فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقالت الثنوية: نحن نقول إن النور والظلمة هما المدبران. وقد جئناك لننظر فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك، وإن خالفتنا خصمناك.

وقال مشركو العرب: نحن نقول إن أوثاننا آلهة، وقد جئناك لننظر فيما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): آمنت بالله وحده لا شريك له وكفرت [بالجبت والطاغوت و] ([7])بكل معبود سواه.

ثم قال (صلى لله عليه وآله) لهم: إن الله تعالى قد بعثني كافة للناس بشيرًا ونذيرًا وحجة على العالمين، وسَيَرُدّ كيد من يكيد دينه في نحره.

ثم قال (صلى لله عليه وآله) لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟ قالوا: لا.

قال (صلى لله عليه وآله): فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيرًا ابن الله؟

قالوا: لأنه أحيى لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت، ولم يفعل بها هذا إلاّ لأنه ابنه.

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فكيف صار عُزير ابن الله دون موسى، وهو الذي جاء لهم بالتوراة ورؤي منه من المعجزات ما قد علمتم. ولئن كان عُزَير ابن الله لما ظهر من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أولى وأحق، ولئن كان هذا المقدار من إكرامه لعُزَير يوجب له أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجلّ من البنوة، لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الدلالة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطئ آبائهم لهن فقد كفرتم بالله وشبهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين، فوجب عندكم أن يكون مُحدَثًا مخلوقًا وأن يكون له خالقٌ صنعَه وابتدعَه.

قالوا: لسنا نعني هذا، فإن هذا كفر كما دللت، لكنا نعني أنه ابنه على معنى الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه وإبانته بالمنزلة من غيره "يا بني" و"إنه ابني" لا على إثبات ولادته منه، لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب له بينه وبينه، وكذلك لمّا فعل الله تعالى بعُزَير ما فعل كان قد اتخذه ابنًا على الكرامة لا على الولادة.

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فهذا ما قلته لكم إنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عُزَير ابنه فإن هذه المنزلة بموسى أولى، وأن الله يفضح كل مبطل بإقراره ويقلب عليه حجته، إن ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر مما ذكرته لكم، لأنكم قلتم إن عظيمًا من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه وبينه "يا بني" و"هذا ابني" لا على طريق الولادة، فقد تجدون أيضًا هذا العظيم [يقول]([8]) لأجنبي آخر "هذا أخي" ولآخر "هذا شيخي" و"أبي" ولآخر "هذا سيدي" و"يا سيدي" على سبيل الإكرام، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول.

فإذًا يجوز عندكم أن يكون موسى أخًا لله أو شيخًا له أو أبًا أو سيدًا لأنه قد زاده في الإكرام مما لعُزير، كما أن من زاد رجلاً في الإكرام فقال له: يا سيدي ويا شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الإكرام، وأن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، أَفَيَجوز عندكم أن يكون موسى أخًا لله أو شيخًا أو عمًا أو رئيسًا أو سيدًا أو أميرًا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له([9]): يا شيخي أو يا سيدي أو يا عمي أو يا رئيسي أو يا أميري؟

قال (عليه السلام): فبهت القوم وتحيّروا وقالوا: يا محمد أجِّلنا نتفكّر فيما قد قلته لنا.

فقال (صلى لله عليه وآله): انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله.

ثم أقبل على النصارى فقال (صلى لله عليه وآله) لهم: وأنتم قلتم إن القديم عزّ وجل اتحد بالمسيح ابنه، فما الذي أردتموه بهذا القول، أردتم أن القديم صار مُحدَثًا لوجود هذا المُحدَث الذي هو عيسى، أو المُحدَث الذي هو عيسى صار قديمًا كوجود القديم الذي هو الله، أو معنى قولكم إنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدًا سواه، فإن أردتم أن القديم صار مُحدَثًا فقد أبطلتم، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير مُحدَثًا، وإن أردتم أن المُحدَث صار قديمًا فقد أحلتم، لأن المُحدَث أيضًا محال أن يصير قديمًا، وإن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه واصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله، لأنه إذا كان عيسى مُحدَثًا وكان الله اتحد به -بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده- فقد صار عيسى وذلك المعنى مُحدَثَين، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه.

فقالت النصارى: يا محمد إن الله لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولدًا على جهة الكرامة.

فقال لهم رسول الله (صلى لله عليه وآله): فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه.

ثم أعاد (صلى لله عليه وآله) ذلك كله، فسكتوا إلا رجلاً واحدًا منهم، فقال له: يا محمد أَوَلَستم تقولون إن إبراهيم خليل الله؟

قال (صلى لله عليه وآله): قلنا ذلك.

قال: فإذا قلتم ذلك فَلِمَ منعتمونا من أن نقول إن عيسى ابن الله؟

قال رسول الله (صلى لله عليه وآله): إنهما لن يشتبها، لأن قولنا إبراهيم خليل الله فإنما هو مشتق من الخلّة([10])، والخَلّة إنما معناها الفقر والفاقة، فقد كان خليلاً إلى ربه فقيرًا وإليه منقطعًا وعن غيره متعفِفًا مُعرِضًا مستغنيًا، وذلك لما أُريد قذفه في النار فَرُمِيَ به في المنجنيق فبعث الله جبرائيل فقال له: أدرك عبدي. فجاء فلقيه في الهواء، فقال له: كلّفْني ما بدا لك فقد بعثني الله لنصرتك.

فقال إبراهيم: حسبي الله ونعم الوكيل إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلاّ إليه. فسمّاه خليله، أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه، وإذا جعل معنى ذلك من الخُلّة، وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان الخليل معناه العالم به وبأموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه. ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله، وأن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده، لأن معنى الولادة قائم به.

ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه، وجب أيضًا كذلك أن تقولوا لموسى إنه ابنه، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى، فقولوا إن موسى أيضًا ابنه، وإنه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى أنه شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما قد ذكرتُه لليهود.

فقال بعضهم لبعض: وفي الكتب المنزلة إن عيسى قال: "أذهب إلى أبي وأبيكم".

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه "أذهب إلى أبي وأبيكم" فقولوا إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه، ثم إن ما في هذا الكتاب مبطِل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من وجهة الاختصاص كان ابنًا له، لأنكم قلتم إنما قلنا إنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره. وأنتم تعلمون أن الذي خصّ به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى "أذهب إلى أبي وأبيكم"، فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى، وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها على غير وجهها، لأنه إذا قال "أذهب إلى أبي وأبيكم" فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ونحلتموه، وما يدريكم لعله عنى أذهب إلى آدم أو إلى نوح، وأن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم، وآدم أبي وأبيكم وكذلك نوح، بل ما أراد غير هذا.

قال (عليه السلام): فسكت النصارى وقالوا: ما رأينا كاليوم مجادِلاً ولا مخاصِمًا مثلك وسننظر في أمورنا.

ثم أقبل رسول الله (صلى لله عليه وآله) على الدهرية فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟

فقالوا: لأنا لا نحكم إلا بما نشاهد، ولم نجد للأشياء حدَثًا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاءً وفناءً فحكمنا بأنها لا تزال.

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): أَفَوَجَدتم لها قِدَمًا أم وجدتم لها بقاءً أبد الآبد. فإن قلتم أنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون والذين يشاهدونكم.

قالوا: بل لم نشاهد لها قِدَمًا ولا بقاءً أبد الآبد.

قال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فَلِمَ صرتم بأن تحكموا بالقِدَم والبقاء دائمًا لأنكم لم تشاهدوا حدوثها، "وانقضاؤها أولى من تارك التميّز لها مثلكم"([11])، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قِدَمًا ولا بقاءً أبد الآبد، أَوَلَستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم.

فقال (صلى لله عليه وآله): أترونهما لم يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم.

فقال (صلى لله عليه وآله): أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا.

فقال (صلى لله عليه وآله): فإذًا مُنقطع أحدهما عن الآخر، فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريًا بعده. قالوا: كذلك هو.

فقال (صلى لله عليه وآله): قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار([12]) لم تشاهدوهما، فلا تنكروا لله قدرته([13]).

ثم قال (صلى لله عليه وآله): أتقولون ما قبلَكم([14]) من الليل والنهار متناهٍ أم غير متناه، فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن قلتم متناه فقد كان ولا شيء منهما. قالوا نعم.

قال (صلى لله عليه وآله) لهم: أقلتم إن العالم قديم غير مُحدَث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم.

قال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما نرى البناء محتاجًا بعض أجزائه إلى بعض وإلا لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى.

وقال (صلى لله عليه وآله) أيضًا: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم فأخبروني أن لو كان مُحدَثًا كيف كان يكون؟ وماذا كانت تكون صفته؟

قال (عليه السلام): فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمُحدَث صفة يصفونه بها إلاّ وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا: سننظر في أمرنا.

ثم أقبل رسول الله (صلى لله عليه وآله) على الثنوية الذين قالوا: النور والظلمة هما المدبران، فقال (صلى لله عليه وآله): وأنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟

فقالوا: لأنا وجدنا العالم صنفَين خيرًا وشرًا، ووجدنا الخير ضدًا للشر، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء وضده بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن كما أن النار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعَين قديمَين ظلمة ونورًا.

فقال لهم رسول الله (صلى لله عليه وآله): أَفَلَسْتم قد وجدتم سوادًا وبياضًا وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة، وكل واحدة ضد لسائرها لاستحالة اجتماع مثلَين منها في محل واحد، كما كان الحَرّ والبرد ضدين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم.

قال (صلى لله عليه وآله): فهلاّ أثبتم بعدد كل لون صانعًا قديمًا ليكون فاعلُ كل ضد من هذه الألوان غيرَ فاعل الضد الآخر؟ قال: فسكتوا.

ثم قال (صلى لله عليه وآله): فكيف اختلط النور والظلمة، وهذا من طبعه الصعود وهذه من طبعها النزول([15])، أرأيتم لو أن رجلاً أخذ شرقًا يمشي إليه والآخر غربًا أكان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرَين على وجههما؟ قالوا: لا.

قال (صلى لله عليه وآله): فوجب أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف [وجدتم]([16]) حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبَّران جميعًا مخلوقان. فقالوا: سننظر في أمورنا.

ثم أقبل رسول الله (صلى لله عليه وآله) على مشركي العرب فقال: وأنتم فَلِمَ عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى.

فقال (صلى لله عليه وآله)لهم: أَوَهي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله؟ قالوا: لا.

قال (صلى لله عليه وآله): فأنتم الذين نحتموها بأيديكم؟ قالوا: نعم.

قال (صلى لله عليه وآله): فلئن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمَرَكم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم.

قال (عليه السلام): فلما قال رسول الله (صلى لله عليه وآله) هذا القول اختلفوا فقال بعضهم: إن الله قد حلَّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصوَّرنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حلَّ فيها ربنا.

وقال آخرون منهم: إن هذه صورُ أقوام سلفوا كانوا مطيعين لله قبلنا فمثّلنا صوَّرهم وعبدناها تعظيمًا لله.

وقال آخرون منهم: إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له [فسجدوه تقربًا بالله]([17]) كنا نحن أحق بالسجود لآدم [إلى الله] من الملائكة، ففاتنا ذلك فصوَّرنا صورته فسجدنا لها تقربًا إلى الله كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى، وكما أُمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها، وقصدتم الكعبة لا محاريبكم وقصدتم بالكعبة إلى الله عز وجل لا إليها.

فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله): أخطأتم الطريق وضللتم، أما أنتم -وهو (صلى لله عليه وآله) يخاطب الذين قالوا: إن الله يحلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي صوّرناها فصوّرنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حلّ فيها ربنا- فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أوََيحِلُّ ربكم في شيء حتى يحيط به ذاك الشيء، فأي فرق بينه إذًا وبين سائر ما يحلّ فيه من لونه وطعمه ورائحته، ولينه وخشونته، وثقله وخفته، ولِمَ صار هذا المحلول فيه مُحدَثًا قديمًا دون أن يكون ذلك مُحدَثًا وهذا قديمًا، وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عز وجل كان لم يزل، وإذا وصفتموه بصفة المحدَثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فَصِفُوه بالفناء، لأن ذلك أجمع من صفات الحال والمحلول فيه، وجميع ذلك متغيِّر الذات، فإن كان لم يتغير ذات الباري تعالى بحلوله في شيء، جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن، ويسود ويبيض ويحمر ويصفر وتحلّه الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها، حتى يكون فيه جميع صفات المُحدَثين ويكون مُحدَثًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

ثم قال رسول الله (صلى لله عليه وآله): فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحلّ في شيء فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم. قال (عليه السلام): فسكت القوم وقالوا: سننظر في أمورنا.

ثم أقبل رسول الله (صلى لله عليه وآله) على الفريق الثاني فقال: أخبرونا عنكم، إذا عبدتم صوَر من كان يعبد الله فسجدتم لها وصليتم فوضعتم الوجوه الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين؟!

أما علمتم أن من حقّ من يلزَم تعظيمه وعبادته أن لا يُساوى به عبده، أرأيتم ملكًا أو عظيمًا إذا سويتموه بعبده في التعظيم والخضوع والخشوع أيكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟ فقالوا: نعم.

قال (صلى لله عليه وآله): أفلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون([18]) على رب العالمين.

قال (عليه السلام): فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمرنا.

ثم قال رسول الله (صلى لله عليه وآله) للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلاً وشبهتمونا بأنفسكم ولسنا سواء، وذلك أنّا عباد الله مخلوقون مربوبون، نأتمر له فيها أمرنا وننزجر عما زجرنا ونعبده من حيث يريده منا، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه ولم نتعدَّ إلى غيره مما لم يأمرنا ولم يأذن لنا، لأنا لا ندري لعله إن أراد منا الأول فهو يكره الثاني، وقد نهانا أن نتقدم بين يديه، فلمّا أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعناه، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي تكون بها فأطعناه، ولم نخرج في شيء من ذلك من اتباع أمره، والله حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه، لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به.

ثم قال لهم رسول الله (صلى لله عليه وآله) أرأيتم لو أَذِن لكم رجل دخول داره يومًا بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره؟ أَوَلَكُم أن تدخلوا دارًا له أخرى مثلها بغير أمره؟ أو وهب لكم رجل ثوبًا من ثيابه أو عبدًا من عبيده أو دابة من دوابه أَلَكُم أن تأخذوا ذلك؟ قالوا: نعم.

قال (صلى لله عليه وآله): فإن لم تأخذوه أَلَكُم أخذ آخر مثله؟

قالوا: لا، لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أَذِن في الأول.

قال (صلى لله عليه وآله): فأخبروني الله أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟ قالوا: بل الله أولى بأن لا يُتصرَف في ملكه بغير إذنه.

قال (صلى لله عليه وآله): فَلِمَ فعلتم؟ ومتى أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟

قال (عليه السلام): فقال القوم: سننظر في أمورنا وسكتوا.

وقال الصادق (عليه السلام): فوَالذي بعثه بالحق نبيًا ما أتت على جماعتهم إلا ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله (صلى لله عليه وآله) فأسلموا، وكانوا خمسة وعشرين رجلاً من كل فرقة خمسة وقالوا: ما رأينا مثل حجتك يا محمد نشهد أنك رسول الله.

احتجاج النبي (صلى لله عليه وآله) على جماعة من المشركين

وقال الصادق (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنزل الله {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}([19]) الآية، وكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم:

لما قال { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} فكان ردًا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة.

ثم قال {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} فكان ردًا على الثنوية الذين قالوا: إن النور والظلمة هما مدبران.

ثم قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} فكان ردًا على مشركي العرب الذين قالوا: إن أوثاننا آلهة.

ثم أنزل الله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}([20]) إلى آخرها، فكان ردًا على من ادعى من دون الله ضدًا أو ندًا.

قال (عليه السلام): فقال رسول الله (صلى لله عليه وآله) لأصحابه: قولوا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}([21]) أي نعبد واحدًا، لا نقول كما قالت الدهرية: إن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة، ولا كما قالت الثنوية: إن النور والظلمة هما المدبران، ولا كما قال مشركو العرب: إن أوثاننا آلهة فلا نشرك بك شيئًا، ولا ندعو من دونك إلهًا كما يقول هؤلاء الكفار، ولا نقول كما قالت اليهود والنصارى إن لك ولدًا تعاليت عن ذلك.

قال: فذلك قوله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى}، وقالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفار ما قالوا، قال الله تعالى يا محمد {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} التي يمنّونها بلا حجة {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} وحجتكم على دعواكم {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}([22])، كما أتى محمد ببراهينه التي سمعتموها.

ثم قال {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ} تعالى، يعني كما فعل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله لما سمعوا براهينه وحجته {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في علمه {فَلَهُ أَجْرُهُ} وثوابه {عِندَ رَبِّهِ} يوم فصل القضاء {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حين يخاف الكافرون مما يشاهدون من العقاب {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}([23]) عند الموت لأن البشارة بالجنات تأتيهم.


 
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

2. اخترنا هذه الرواية من كتاب الاحتجاج، الشيخ الطبرسي (ت548هـ)، ج1 ص14-25، تحقيق: السيد محمد باقر الخرسان، ط 1386هـ-1966م، دار النعمان، النجف الأشرف ؛ والرواية موجودة في تفسير الإمام العسكري ط1 1409هـ ، قم ؛ ورواها أيضًا العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج9 ص255 عن تفسير الإمام العسكري .

 

([1]) العنكبوت: 46.

([2]) النحل: 125.

([3]) البقرة: 111.

([4]) يس: 78.

([5]) يس: 79-80.

([6]) يس: 81.

([7]) هذه الزيادة في بعض النسخ.

([8]) الزيادة في بحار الأنوار.

([9]) كذا في الأصل .

([10]) قوله (صلى لله عليه وآله): (من الخَلّة أو الخُلّة) والأولى بالفتح وهي بمعنى الفقر والحاجة، والثانية بالضم وهي بمعنى غاية الصداقة والمحبة، اشتق من الخلال، لأن المحبة تخللت قلبه فصارت خلاله، أي في باطنه، وقد ذكر اللغويون أنه يحتمل كون الخليل مشتقًا من الخلة بالفتح أو الضم (بحار الأنوار ج9 ص267).

([11]) كذا في الأصل .

([12]) تدرّج (عليه السلام) في الاحتجاج فنزلهم أولاً عن مرتبة الإنكار إلى مدرجة الشك بهذا الكلام، وحاصله أنكم كثيرًا ما تحكمون بأشياء لم تروها كحكمكم هذا بعدم اجتماع الليل والنهار فيما سبق من الأزمان، فليس لكم أن تجعلوا عدم مشاهدتكم لشيء حجة للجزم بإنكاره (بحار الأنوار ج9 ص267).

([13]) قال المجلسي -رحمه الله- أي فلا تنكروا أن الأشياء مقدورة لله تعالى، وأن الله خالقها أو لا تنكروا قدرة الله على إحداثها من كتم العدم ومن غير مادة، ثم أخذ (صلى لله عليه وآله) في إقامة البرهان على حدوثها وهو يحتمل وجهين:

الأول: أن يكون إلى آخر الكلام برهانًا واحدًا، حاصله أنه لا يخلو من أن يكون الليل والنهار أي الزمان غير متناه من طرف الأزل منتهيًا إلينا، أو متناهيًا من طرف الأزل أيضًا، فعلى الثاني فالأشياء لحدوثها لا بد لها من صانع يتقدمها ضرورة، فهذا معنى قوله: "فقد كان ولا شيء منهما" أي كان الصانع قبل وجود شيء منهما.

ثم أخذ (صلى لله عليه وآله) في ابطال الشق الأول بأنكم إنما حكمتم بقدمها لئلا تحتاج إلى صانع، والعقل السليم يحكم بأن القديم الذي لا يحتاج إلى صانع لا بد أن يكون مباينًا في الصفات والحالات للحادث الذي يحتاج إلى الصانع، مع أن ما حكمتم بقِدَمِه لم يتميز عن الحادث في شيء من التغيرات والصفات والحالات، أو المعنى أن ما يوجب الحكم في الحادث بكونه محتاجًا إلى الصانع من التركب واعتوار الصفات المتضادة عليه وكونها في معرض الانحلال والزوال كلها موجودة فيما حكمتم بقدمه وعدم احتياجه إلى الصانع: فيجب أن يكون هذا أيضًا حادثًا مصنوعًا.

الثاني: أن يكون قوله: (أتقولون) إلى قوله: (قال لهم أقلتم) برهانًا واحدًا بأن يكون قوله: (فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله) إبطالاً للشق الأول بالإحالة على الدلائل التي أقيمت على إبطال الأمور الغير المتناهية المترتبة، بناء على عدم اشتراط وجودها معًا في إجرائها كما زعمه أكثر المتكلمين، ويكون بعد ذلك دليلاً واحدًا كما مرّ سياقه.

ويمكن أن يقرر ما قبله أيضًا برهانًا ثالثًا على إثبات الصانع بأن يكون المراد بقوله (صلى لله عليه وآله): (حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار) لبيان أن حكمهم بحدوث كل ليل ونهار يكفي لاحتياجها إلى الصانع ولا ينفعكم قِدَمُ طبيعة الزمان، فإن كل ليل وكل نهار لحدوثه بشخصه يكفي لاثبات ذلك.

([14]) وفي بعض النسخ : (تقدم) بدل قوله (قبلكم).

([15]) إشارة إلى ما ذكره المانوية من الثنوية وهو أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين: أحدهما نور، والآخر ظلمة، وأنهما أبديان لم يزلا ولا يزالان، ثم اختلفوا في المزاج وسببه فقال بعضهم: كان ذلك بالخبط والاتفاق، وقال بعضهم وجوهًا ركيكة أخرى، وقالوا: جميع أجزاء النور أبدًا في الصعود والارتفاع، وأجزاء الظلمة أبدًا في النزول والتسفل، فرد النبي (صلى لله عليه وآله) عليهم بأنكم إذا اعترفتم بأن النور يقتضي بطبعه الصعود والظلمة تقتضي بطبعها النزول ولا تعترفون بصانع يقسرهما على الاجتماع والامتزاج، فمن أين جاء امتزاجهما واختلاطهما ليحصل هذا العالم؟ وكيف يتأتى الخبط والاتفاق مع كون الطبيعتين قاسرتين لهما على الافتراق؟ (بحار الأنوار ج9 ص267-269).

([16]) هذه الزيادة في بحار الأنوار ج9 ص263.

([17]) كذا في الأصل .

([18]) أي تعيبون وتعاتبون.

([19]) الأنعام: 1.

([20]) الإخلاص1.

([21]) الفاتحة من الآية 5.

([22]) البقرة من الآية 111.

([23]) البقرة38.

115%