رسالة النجف

ا لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

 

خلق الله الكون بكلمة، فقال له: {كن} فكان، وعندما تساءل الملائكة عن استخلاف الله لآدم (عليه السلام)، علّمه تعالى الأسماء كلَّها ليُظهِرَ فضله على باقي المخلوقات كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، ثم كان موضوع الآيات الأولى التي نزلت على رسول الله  (صلى الله عليه وآله)  هو التعليم والتعلّم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.

فالكلمة مسؤولية وضعها الله تعالى على عاتقنا، وأمرنا أن نتدبرها قبل التلفظ بها، ولذا شبَّه الله سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}، بينما شبَّه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة في قوله تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}.

وعندما نتأمل في الآيات القرآنية نجد أن الله سبحانه قد دعا نبيّه (صلى الله عليه وآله) إلى الحوار مع الآخرين كما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، وفي قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، ونهى عن سبِّ ما يقدِّسه الآخرون حتى لو كانوا كافرين، فقال تعالى: {لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ فَيَسُبُّوا اللَّـهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

بهذا جاءت تعاليم الكتاب المجيد منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان، غير أن الناس غالبًا ما تناسَوا هذه التعاليم القيِّمة، ولم يعملوا بِهَدْيِها، فكان أن غرقت المجتمعات الإسلامية في ظلام التخلف، لابتعادها عن الكلمة الطيّبة، وعن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، بل قام جدالها على الإرهاب والجهل والتعصب. وكذلك غرقت المجتمعات الغربية في الكِبر والظلم والنفاق، فأصيبت بمرض الانفصام في شخصيتها، وفي منطقها وسلوكها. وكانت النتيجة هي اشتراك كلا المجتمعَين في عدم الانقياد للهداية الإلهية، مما أبعدهم عن جوهر الإنسانية الحقَّة، ليعيشوا في التيه والضلال.

أفما آن الأوان لكي يرجع المسلمون إلى هدي كتابهم المُنزَل، لتبدأ على أيديهم الرحلة نحو الخلاص، خلاص البشرية جمعاء؟!

 

 

 

بين الصحابة والقرابة

الشيخ حاتم إسماعيل

 

تمهيد

وردت جملة من الروايات عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تحثّ على الاقتداء بعليّ (عليه السلام) وآل البيت، من قبيل حديث المنزلة، أي قوله (صلى الله عليه وآله)  له: [أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي].

وحديث السفينة، أي قوله (صلى الله عليه وآله): >مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق<.

وحديث الثقلين، أي قوله (صلى الله عليه وآله): [إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض].

وحديث الغدير، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): [من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه].

وقوله (صلى الله عليه وآله): [علي مع الحق والحق مع علي].

إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة الواردة في حقهم (عليهم السلام).

ويمكن القول على العموم أنه (صلى الله عليه وآله)  لم يترك مناسبة أو فرصة سانحة إلاّ وبيّن  فيها مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، وأظهر فيها موقعهم ووجوب مودتهم والاقتداء بهم، وخصوصًا موقع سيدهم وعميدهم علي (عليه السلام)، منذ بعثته الشريفة وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى.

وهذا لا يجادل فيه أحد من المسلمين، وقد امتلأت به سائر المجاميع الحديثية، وهي في مجملها أحاديث متواترة.

في مقابل ذلك رُويَت عنه (صلى الله عليه وآله)  عدة روايات، تُظهر موقع الصحابة، وتحكي بعض فضائلهم، وتحثّ على احترامهم وتقديرهم، ووجوب الاقتداء بهم، من قبيل قوله (صلى الله عليه وآله): [أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم].

وقوله (صلى الله عليه وآله): [مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام فلا يصلح الطعام إلا بالملح].

وقوله (صلى الله عليه وآله): [الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه]([1]).

وقد يبدو للوهلة الأولى أنه لا منافاة بين الطائفتين من الناحية النظرية، إذ يمكن الاقتداء بالآل والصحابة معًا، من دون وجود أي محذور في البين. وهذا ما تبناه عامة أهل السنّة، حيث التزموا بعدالتهم جميعًا، وبراءة الذمة في الاقتداء بهم والسير على خطاهم، شرط ألا يؤثر ذلك في كرامة أي فريق، أو يؤدي إلى توهينه.

وبرّروا ذلك بأن الجميع من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأسسوا لذلك قاعدة أطلقوا عليها مصطلح "عدالة الصحابة"، ومحصلها: أن كل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)  عدول، لا يجوز الطعن فيهم، ولا النيل منهم، ولا التعرض لأشخاصهم، أو نقد أفعالهم([2]).

وهذه النظرية شاملة لجميع الصحابة بلا استثناء أو تفريق بينهم، مهما كانت درجة صحبتهم، ومدى معرفتهم أو التزامهم بما صدع به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال ابن حجر: [وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيَهُ من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى] ([3]).

المحاذير العملية لنظرية عدالة الصحابة

ونحن لا نريد مناقشة هذه النظرية، وإثبات صحتها أو عدم صحتها، فإن ذلك قد أشبعه علماؤنا رضوان الله عليهم بحثًا وتدقيقًا، وأثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك زيفها وبطلانها وبعدها عن الصحة، ومجافاتها للواقع والصواب، وإنما نريد أن نعرض -بإيجاز- إلى ما يعترضها من محاذير من الناحية العملية، ومعالجة مواطن التعارض بينها، بعد التسليم بصحتها وقبولها نظريًا.

وهذا ما يتوقف على بيان أمور:

الأمر الأول: إنه لا إشكال ولا خلاف في أن القرآن الكريم هو الكتاب المنزل على قلب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، وقد وصل إلينا متواترًا كما أنزله الله تعالى، من دون أي تحريف أو تلاعب فيه، زيادة أو نقيصة، كما وعد تعالى بحفظه وصيانته من أن تناله أيدي الإثم والبغي، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([4]). رغم وجود بعض الروايات من طريق كلا الفريقين، الدالة على تحريفه. إلا أن جميع المسلمين تبرّؤوا منها، وتعاملوا معها معاملة الموضوعات والمفتريات.

ولهذا نجد أن كل طائفة منهم قد نسبت القول بالتحريف إلى الفئة الأخرى، واتهمتها بالدسِّ والتزوير، بحيث لم تلتزم أية فرقة منهم بالقول بالتحريف، وهذا يعني وجود إجماع مركب بينهم على سلامة القرآن الكريم من التلاعب والتحريف.

الأمر الثاني: إن من الواضح أن الدين الإسلامي واحد، وأن الحق واحد كذلك لا يتجزأ، فإذا حصل الاختلاف بين الباحثين عن الحق والساعين إليه، فيستحيل أن يكونوا جميعهم محقين، وهذا أمر بديهي.

وبناء عليه، فإما أن يكون الجميع مبطلين، بحيث لا يصيب أحدهم الواقع أصلاً، وإما أن تصيب الحق فئة واحدة فقط، إذ من غير الممكن أن يتعدد الحق والصواب كما أسلفنا، مما يعني ضرورة وجود الفيصل بين الآراء، وهو يقتضي معرفته بالحق والباطل، وقدرته على التمييز بينهما.

ولا بد أن يكون الفيصل قادرًا على حسم مادة النزاع والتخاصم، وعالمًا بحقائق هذا الدين، أصولاً وفروعًا وتشريعات وقوانين، وبكل ما يتعلق بقضاياه ومسائله، وإلا لم يكن مستندًا في الحقيقة إليه، وهذا واضح، وإليه أشار قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى}([5]).

وقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة -أعني وحدة الحق وعدم تفرقه بين فئات الناس- في عدة آيات شريفة، كما في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}([6])، وقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ}([7]). وغيرها من الآيات المباركة.

الأمر الثالث: إن من الثابت أيضًا أن رواة الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  مختلفون في مدى وثاقتهم وعدالتهم، فإن منهم الصادق والكاذب، ومنهم العالم والجاهل، ومنهم الأمين في نقل الحديث والوضاع، وغير ذلك.

وهذا أمر طبيعي في حياة الناس، حيث تختلف المصالح والرؤى والغايات، باختلاف الأشخاص في اتباعهم واقتدائهم بالشخص الذي يرونه قدوة لهم، وإن كان إنسانًا عاديًا، فكيف إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإن دواعي الكذب والتزوير والاختلاق عليه كثيرة، وقد أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله)  نفسه عن هذه الحقيقة بقوله [ستكثر عليَّ الكذَّابة].

والميزان الحق في قبول الحديث ومدى صدقيته وإمكان التعبد به هو مدى موافقته للقرآن الكريم، وعدم منافاته معه. وقد بيّن هذه الحقيقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، في جملة من الروايات الواردة عنهم.

الأمر الرابع: إن أفكار الناس وآراءهم مختلفة ومتفاوتة، نتيجة لاختلاف أشخاصهم وطبائعهم، وهو ما تقتضيه طبيعة الاجتماع البشري.

من هنا فَهُمْ بحاجة -بحكم الضرورة- إلى من يوحِّد بين رؤاهم، ويجمع شتاتهم، ويبيِّن لهم ما ينبغي ويصلح نظام معاشهم ومعادهم، إذ بقاء الاختلاف من دون مرجع يرجعون إليه، يؤدي بالضرورة أيضًا إلى فساد النظام، ونقض الغاية التي وجِدوا من أجلها.

والصحابة -بل جميع الناس في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) - غير خارجين عن هذه القاعدة، ما داموا بشرًا تختلف سلائقهم، وتتفاوت مصالحهم في هذه الحياة، وينطبق عليهم ما ينطبق على سائر الناس، من الحاجة إلى جمع شتاتهم، ويوضح لهم طريق الحق والهداية إلى ما فيه صلاحهم.

ويكفي للدلالة على ذلك، ما رواه مسلم في صحيحه، عن عمار عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وآله)  أنه قال: [في أصحابي اثنا عشر منافقًا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط...] ([8]).

إذا تبيّنت هذه الأمور:

فيقع الكلام في أنه إذا حصل الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم، أو بينهم وبين أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ، فهل يوجد ميزان يمكن الرجوع إليه في حسم النزاع، ويكون منسجمًا مع الأوامر الإلهية، سواء كانت قرآنًا كريمًا، أو سنّة شريفة متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، قولاً أو فعلاً أو تقريرًا، أو لا يوجد مثل هذا الميزان؟.

وهنا نبادر إلى القول بأن من غير الممكن عدم وجود ميزان يكون حكمًا في موارد التنازع والاختلاف، لأن ذلك مناف للحكمة الإلهية، ولما يقتضيه القرآن الكريم، من أنه {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}([9])، و{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([10])، و{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}([11])، وغير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة.

ذلك أن القرآن الكريم قطعي الصدور بإجماع المسلمين، كما أن الأحاديث المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله)  قطعية الصدور كذلك. وأما غيرهما من الروايات والسيرة، التي لم تبلغ حد التواتر فهي غير مأمونة من الاختلاق أو التلاعب والتزوير، وبالتالي فهي لا ترقى إلى أكثر من الظن بالصدور، مهما بلغت درجة الوثوق برواتها، و{إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً }([12]).

علاج التعارض:

إن إطلالة يسيرة على التاريخ الإسلامي تكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، أنه قد وقع الخلاف والتنازع، بين الصحابة على العموم من جهة، وبين آل البيت (عليهم السلام) من جهة أخرى، كما وقع الخلاف والتنازع بين الصحابة أنفسهم، وقد سُفِكت الكثير من دماء المسلمين نتيجة هذه الخلافات.

ومرد هذا الاختلاف إلى قضيتين أساسيتين، هما الحاكمية والقيادة، وفهم وتفسير قضايا الحياة على ضوء القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة.

وقد ظهرت هذه الخصومة والتنازع بعد التحاق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)  بالرفيق الأعلى، عندما انعقد مؤتمر السقيفة، بين عدد من المهاجرين والأنصار -كما يحدثنا التاريخ- واستمرت طيلة العصر الإسلامي الأول، وأسست لنشوء الدولة الأموية وما بعدها.

وأما في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلم يكن بمقدورهم معاندة الرسول والخروج على أوامره بشكل صريح وواضح، فكان (صلى الله عليه وآله)  الحكم الفصل في مختلف القضايا، التي كانت محل ابتلاء الناس، رغم ظهور بعض الاعتراضات من هنا وهناك، ورغم جرأة بعض الصحابة على مخالفة أوامره، بل وتخطئته في بعض الأحيان، إلا أنهم كانوا يعودون دائمًا إلى دائرة الامتثال والطاعة، وإن مكرهين، لصريح القرآن الكريم بخروج من يخالف أوامره (صلى الله عليه وآله)  من دائرة الإسلام إلى حظيرة الكفر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}([13]).

وقد أسست هذه الجرأة والمخالفات لظهور الأطماع والخصومات، التي نشأت وتأصلت في نفوس الناس في ما بعد، وتشكلت مدرستان في الأمة الإسلامية، إحداهما تدعو إلى التمسك بعلي (عليه السلام) ومن ورائه عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله). والأخرى مدرسة الصحابة -بحسب التسمية المشهورة- وهي التي جعلت من آل البيت مجرد رعايا في الدولة الإسلامية الناشئة.

وإذا لاحظنا أن القضايا المرتبطة بحياة الناس في العصر الأول، لم تكن من التعقيد والاتساع، بحيث يتشكل منها آراء اجتماعية واقتصادية وفكرية وغير ذلك، وإنما كانت منحصرة في المعالجة المباشرة للمسائل الناجمة عن الفتوحات، بل منذ بداية ما سمي بحروب الردة، أي بداية عهد الخليفة الأول، نجد أنها كلها ترجع إلى مسألة واحدة، وهي مسألة السلطة والحكم.

ذلك أن أحدًا من المسلمين لم يجادل في أفضلية علي (عليه السلام) على سائر المسلمين في مختلف المجالات، وأنه كان يشكل المرجعية الأخيرة لهم، في ما يرتبط بقضايا الدين، وأن حقيقة الصراع بدأت يوم السقيفة كما أسلفنا، بحثًا عن السلطة والسيطرة على رقاب المسلمين، وما تستلزمه من مصالح ترتد إلى الحاكمين وأتباعهم، وما يمكنهم جنيه أو فقدانه من مكاسب وأرباح. وقد صدق هارون الرشيد عندما خاطب ولده المأمون، حين سأله عن سبب عدم إرجاع الحق إلى أصحابه الحقيقيين، وهم أهل البيت (عليهم السلام)، فقال له: [يا بُنَيّ والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، إن الملك عقيم]([14]).

ولا يخفى أن حصر مسألة الحاكمية بدائرة السلطة والسيطرة، قد نشأت من جهل المسلمين الأوائل بأبعاد وحقيقة الولاية ومعناها، التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله)  لأهل البيت (عليهم السلام)، والتي تشمل كل مناحي الحياة في الدنيا والآخرة، ومن ضمنها مسألة الحكم والسلطة.

ولهذا نجد أن الخلفاء الأوائل، رغم سيطرتهم على رقاب المسلمين، لم يستطيعوا تجاوز علي (عليه السلام) والاستغناء عنه، بل كانوا لا يجدون مفرًا من الرجوع إليه في كل معضلة كانت تواجههم. ولم يبخل (عليه السلام) في تصويب المسار وتصحيح الخطأ، الذي ربما يؤسس لانحرافات كبرى في أسس الدين، وكل ذلك من موقع الحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين، وهو ما عبَّر عنه بقوله (عليه السلام): [لأُسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا عليَّ خاصة].

ومهما يكن من أمر، ففي مقام علاج التعارض، إذا لم يمكن الجمع بين المتعارضين، على نحو يرفع التعارض والتنافي، لا بد من إعمال المرجحات، من خلال إبراز الشواهد والقرائن الدالة على تقديم أحدهما، وهي إما موافقة أحدهما لكتاب الله تعالى، وعدم موافقة الآخر، أو مخالفته للقرآن، فيقدم الموافق بالضرورة. ولا يحتمل موافقتهما له معًا، لأن لازمه ضياع الحق وعدم إمكان تحصيله، وهو نقض للغرض الإلهي من البعثة النبوية أصلاً، أو انقسام الحق بين المتخالفين، وكونهم جميعا مصيبين للواقع، وقد تقدَّم عدم إمكانه.

وإما تواتر أحدهما، بمعنى أن يكون مرويًا بطرق متعددة ومتكثرة، بحيث يمتنع تواطؤ رواته على الكذب، أي أنه وصل إلينا بطريق قطعي، ونجزم بأنه قد صدر فعلا عن النبي (صلى الله عليه وآله)  دون الآخر، فيقدم المتواتر على معارضه بلا إشكال ولا خلاف، بل لا معنى لفرض التعارض في مثل ذلك.

ولا يحتمل تواتر كلا المتعارضين، لأن لازمه أن يصدر عنه (صلى الله عليه وآله)  كلا الحديثين المتعارضين، مما يعني أنه يأمر بالشيء ونقيضه، وهو ما لا يصدر من عاقل، فضلاً عن حكيم، فكيف يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإن ذلك تكذيب لنبوته، وهو خروج عن الإسلام.

وإذا لم يترجح أحد المتعارضين، بمرجح قطعي، أمكن الرجوع إلى المرجحات الأخرى، من خلال جمع القرائن المرجحة، داخلية كانت أم خارجية، أم من ناحية السند.

موقف القرآن الكريم:

إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، وأجرينا مقارنة بين الطائفتين، مستندة إلى آياته الشريفة، لوجدنا:

أولاً: بالنسبة إلى روايات التمسك بالعترة المطهرة، وعلى رأسها سيدها علي (عليه السلام)، نجدها متوافقة تمام الموافقة مع الآيات القرآنية.

وللدلالة على ذلك يكفي أن نذكر آية التطهير، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}([15]).

وآية المودة، وهي قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}([16]).

وآية الولاية، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([17])، فإن مما لا شبهة فيه أنها نزلت في علي (عليه السلام).

وغيرها كثير من الآيات المباركة، الواردة في بيان فضل علي (عليه السلام) وإبراز حقه على الأمة كلها، والتي أنهاها عبد الله بن عباس إلى ثلاثمائة آية أو تزيد.

ثانيًا: بالنسبة إلى روايات الاقتداء بالصحابة، فإنّا لا نجد في القرآن الكريم أية آية تدل على لزوم اتباعهم أو الاقتداء بهم، فيما إذا خالفوا عليًا (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام).

إلا أنه قد يتمسك ببعض الآيات المباركة لإثبات ذلك، بل قد استند إليها علماء مدرسة الصحابة، وهي في مجملها لا تدل على المدعى، إما لكونها أجنبية عنه، أو لأنها عامة قابلة للتخصيص، بحيث تنحصر دلالتها على اتباع فئة خاصة منهم، وهي التي تولت آل البيت (عليهم السلام)، بقرينة آيات أخرى كثيرة تُوَجِّه الخطاب إلى جيل الصحابة نفسه، وتحذرهم من الانحراف عن جادة الحق والصواب، أو لأن دلالتها مجملة لا يستفاد منها ما يدعونه، إلا بنحو من التكلف وَلَي أعناق النصوص، وهي جملة آيات:

الآية الأولى: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}([18]).

بدعوى أن الآية الشريفة تخاطب الصحابة، وتصرح بأنه تعالى جعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس. وهو يقتضي نفاذ أقوالهم، كما تفيده الوسطية، وكونهم حجة على سائر الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كما تفيده شهادتهم عليهم.

ويلاحظ عليه:

أولاً: أن الخطاب فيها متوجّه لعامة المسلمين، حاضرهم وغائبهم، ومعاصرهم للنبي (صلى الله عليه وآله)  والآتي بعد زمانه (صلى الله عليه وآله). لأن مقتضى الأمة الوسط أنها وسط بين سائر الأمم، فالأمة هي التي تشكل نظامًا اجتماعيًا وعقائديًا وسياسيًا، خاصًا وجامعًا. وهو يستلزم أن تكون الأمة الوسط هي الأمة الإسلامية كلها، بجميع أعراقها وألسنتها وأزمنتها. فالآية أجنبية عن المدعى.

وثانيًا: إنه لو سلمت دلالتها على المدعى، وأن المراد بالأمة الوسط خصوص الصحابة، فإنما تتم دلالتها على ما اجتمع الصحابة -ومنهم آل البيت وعلى رأسهم علي (عليه السلام)- عليه، دون ما كان موضع نزاع وخلاف بينهم، لأن المفروض أن شهادتهم على الناس من حيث هم أمة، أي من حيث هم مجتمعون.

ولازم ذلك أن تكون هذه الآية مخصصة بما دل على انحراف بعضهم عن جادة الحق، كما لا يخفى.

وثالثًا: إن شهادة النبي (صلى الله عليه وآله)  عليهم، تدل على أن من الممكن انحراف بعضهم عن جادة الصواب، والبعد عن الحق، وإلا لكان الصحيح أن يقول شهيدًا لكم، لا شهيدًا عليكم، فما لم يكن انحراف في البين لم يكن للشهادة عليهم أي معنى، إذ من الظاهر أن شهادته (صلى الله عليه وآله)  عليهم من سنخ شهادتهم على الناس كما يقتضيه ظاهر الآية الشريفة.

الآية الثانية: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}([19]).

بدعوى أن الآية الكريمة قد وصفت الذين بايعوه تحت الشجرة بأنهم مؤمنون به حقًا، وصرحت بأنه تعالى قد أعلن رضاه عنهم، وأنه أنزل السكينة عليهم نتيجة لذلك. ومن غير المحتمل أن يصفهم بالمؤمنين، وأنهم موضع رضاه تعالى، وينزل السكينة عليهم، ولا يكونون عدولاً، فإن عدم كونهم عدولاً ناتج عن وقوعهم في المعاصي، وهو يتتبع الغضب عليهم وعقابهم، لا رضاه تعالى عنهم.

ويلاحظ عليه:

أولاً: أنه لا ملازمة بين البيعة والإيمان، لأن من الممكن أن يبايعه شخص لمصلحة يبتغيها، أو مفسدة يدفعها بتلك البيعة، أو نتيجة تعصب قبلي، أو اندفاع عاطفي، وهذا ما نلاحظه في الكثير من العلاقات عبر التاريخ، والآية الشريفة تعلن الرضى عن خصوص المؤمنين ممن بايعوه، دون كل من بايعه.

وثانيًا: لو سلمت دلالتها على رضاه تعالى عن كل من بايعه تحت الشجرة، فهي لا تشمل جميع الصحابة، وهذا ظاهر. فإن الصحابي -كما يقولون- هو كل من رأى النبي مؤمنًا به ولو مرة في حياته، مع أن بيعة الرضوان قد حصلت في السنة السادسة من الهجرة النبوية الشريفة، فالدليل أخص من المدعى.

وثالثًا: إن رضاه تعالى في هذه الآية الشريفة ليس رضى مطلقًا وغير مشروط، ليستفاد منه لزوم الاقتداء بهم، وذلك لقرينتين:

الأولى: أنه بين سبب الرضى وهو زمني، لأن التعبير جاء بـ{إذ}، وهي سواء كانت تعليلية أو ظرفية، فهي تدل على أن الرضى ناتج عنها، وهو لا ينافي عدم الرضى بملاك آخر، لو حصلت معصية ما.

الثانية: أنه ترتب على هذا الرضى فتح خيبر، الذي أشار إليه بقوله تعالى {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}، يعني أن جزاءهم على هذا الرضى الناتج عن البيعة قد تحقق لهم في فتح خيبر.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}([20]).

بدعوى أن الآية الشريفة قد صرحت برضاه تعالى عن جميع الصحابة، حيث دلت على أن السابقين من المهاجرين والأنصار قد نالوا رضاه تعالى، وكذلك الحال في الذين ساروا على خطاهم واتبعوهم. وهذا يعني رضاه عن الجميع بلا استثناء.

ولازمه وجوب الاقتداء بهم واتباعهم، لتحصيل رضاه تعالى أسوة بهم.

ويلاحظ عليه:

أولاً: أن الآية الشريفة قد وردت في سياق بيان أقسام الناس في زمانه (صلى الله عليه وآله)  ممن اتبعوه لأسباب مختلفة، وسياقها سياق الحث على الجهاد، وتبيّن أن منهم منافقين، ومنهم من يستأذنون النبي وهم أغنياء، ومنهم من وقع في الذنب ولكنه اعترف بذنبه وتاب، وهكذا. والمفروض أن كل هؤلاء من الصحابة، بحسب التعريف الذي ذكروه للصحابي كما تقدم.

فالآية الشريفة لا عموم لها.

وثانيًا: إنه لو سلم عموم الآية لتشمل قسمًا من الصحابة، وهم المقصودون بأصل سن قاعدة تحقق العدالة بالصحبة، فإن مثل هذا العموم غير آبٍ عن التخصيص، فتكون مخصصة بالكثير من الآيات التي وردت في مقام اللوم والتقريع والذم، خصوصًا أولئك الذين تمنعوا عن الجهاد، من قبيل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}([21]).

هذا فضلاً عن سائر المخالفات التي ابتلوا بها، ونزل في بيانها قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

وثالثًا: إن الآية قد قيدت السابقين بالأولين، فليس المراد كل من دخل الإسلام في مرحلة متقدمة، وإنما أرادت خصوص الأولين الذين آمنوا وتحملوا ونصروا الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وهم فئة خاصة يمثلها علي (عليه السلام) بالدرجة الأولى. وإلا فكثير من المؤمنين الذين دخلوا هذا الدين لا تنطبق عليهم المواصفات المذكورة، خصوصًا وأن التقريع الوارد في جملة من الآيات وقعت على الذين آمنوا، كما في الآية المذكورة قبل قليل.

وهناك آيات أخرى ادعيت دلالتها على لزوم إتباع كل الصحابة، وإمكان الاختيار بينهم، لا تختلف عن هذه الآيات المذكورة، في قصورها عن الدلالة على المدعى.

والحاصل أن القرآن الكريم يدل على وجوب اتباع آل البيت (عليهم السلام) المتمثلين بعلي (عليه السلام)  والذين اتبعوه وساروا على نهجه وخطاه، دون سواهم.

وأما سائر الصحابة فلا دلالة فيه على لزوم إتباعهم مطلقًا، بل يؤكد على لزوم التمييز بينهم والاقتداء ببعضهم، ممن اتبع سبيل الحق والهدى، لا جميعهم.

موقف السنّة المتواترة:

وأما السنّة المتواترة فموقفها لا يختلف عن موقف القرآن الكريم، في مسألة حسم النزاع وفض الخلاف، فيما لو حصل بين الصحابة، وفيما بينهم وبين علي وأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا أمر ظاهر بملاحظة ما تقدم، فإنه بعدما تبيّن أن القرآن الكريم لا يمكن أن يأمر بالمتناقضات، لأنها لا يمكن أن توصل إلى الحق، كذلك بالنسبة إلى السنّة المتواترة، فإنها لما كانت قطعية الصدور فإن نتيجة مخالفتها للقرآن الكريم، أو تناقضها فيما بينها تؤدي إلى نفس المحذور المتقدم، وهو نقض غرض المولى، وبطلان الدين نفسه.

وذلك أنّا نجد أن الروايات الآمرة بإتباع العترة، والمبيِّنة مكانة علي (عليه السلام) في الإسلام، وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، نجدها كلها متواترة، كما شهد به عامة علماء المسلمين، وقد أثبت تواتر خمسة عشر حديثًا منها الشيخ أحمد الماحوزي، في كتاب "سلسلة الأحاديث المتواترة في النص على الإمام علي (عليه السلام)، برواية أهل السنّة والجماعة"، واستقصى فيه مختلف المصادر المعتمدة لديهم.

في مقابل ذلك، نجد أن روايات الاقتداء بالصحابة، لا ترقى إلى درجة اليقين، لو سلمت صحتها، وأمكن الاعتماد عليها، لكونها أخبار آحاد، بل إن قسمًا من أئمة الحديث ناقش في أسانيدها وضعفوها، وصرحوا بأنها لا يمكن الاحتجاج بها([22]). فلا ترقى إلى معارضة أحاديث العترة الطاهرة، فلا بد من الالتزام بسقوطها عن الحجية.

يضاف إلى ذلك أنها معارضة بجملة من الروايات الواردة في ذم الصحابة، وأن بعضهم يساق بهم إلى النار، وقد وردت في الصحاح والمسانيد المعتبرة عند أهل السنّة والجماعة.

من قبيل ما رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، أنه قال: [إنكم تحشرون حفاة عراة، وإن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم].

وما رواه البخاري عنه (صلى الله عليه وآله)  أنه قال: [بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: أين، قال: إلى النار والله، قال: إنهم ارتدوا بعدك القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم].

وما رواه مسلم عنه أنه قال: [ليردن ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك]([23]).

وهي روايات كثيرة، تدل بمجملها على أن الاقتداء بمثل هؤلاء الأصحاب يؤدي إلى النار لا محالة.

ولا يخفى أنه في مقام التعارض لا بد من تقديم هذه الطائفة، لموافقتها للقرآن الكريم والسنّة القطعية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فتسقط  الطائفة المعارضة، وهي الدالة على وجوب اتباع الجميع، عن الاعتبار.

ولو فرض تكافؤ الطائفتين، وعدم ترجيح إحداهما على الأخرى، ولم يمكن الجمع بينهما، أي استحكم التعارض والتنافي بينهما، فلا بد من الالتزام بسقوطهما عن الاعتبار معًا. ويكون المرجع هو الأصل، أي عدم جواز الاقتداء بأحد منهم.

ونتيجة لذلك تبقى أحاديث اتباع علي (عليه السلام) والعترة المطهرة (عليهم السلام) سليمة عن المعارض، فيجب الالتزام بها، كما هو مقرر وثابت في باب تعارض الأدلة.

ومن الظاهر أن هذه المعالجة مجرد معالجة فرضية، فإن المسألة ترتبط بالعقائد، لأن مرجعها إلى من يمكن أن يكون مفسرًا وقيّمًا على الدين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومن تؤخذ منه معالم الدين، أصولاً وفروعًا، وهي مما لا يصح الاكتفاء فيها بالظنون.

محاذير الاقتداء بالصحابة:

إلا أن أتباع مدرسة الصحابة قد أصروا على أن الصحابة كلهم عدول، يصح الاقتداء بهم، وتبرأ الذمة بذلك، وأنهم من أهل الجنة، وأن من ينتقص أي واحد منهم يريد إسقاط الكتاب والسنّة، فهو من الزنادقة([24]).

ولا يخفى أن الالتزام بهذا القول يؤدي إلى محاذير كثيرة، نذكر منها:

أولاً: أن يكون القاتل والمقتول في الجنة، كما حصل في حروب الردة، وحرب الجمل، وصفين، والنهروان، وغيرها مما حصل بين الصحابة أنفسهم.

وهو قول مخالف لسائر الآيات القرآنية الناهية عن قتل النفس المحترمة. بالإضافة إلى تعدد الموازين، حيث قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً}([25]) ، وهذا الحكم سار على جميع الناس. فتمييز الصحابة وخروجهم عن عموم هذا الحكم نقض للقرآن الكريم، وتمييز ظاهر بين الناس.

ثانيًا: إن وقوع المعصية من الصحابي لا يخلُّ بعدالته وإيمانه، بل ربما تعد من حسناته، بخلاف حصولها من غيره، كما حصل مع خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة، وتزوج امرأته ودخل بها من ليلته.

وغير خفي أن النص القرآني صريح في أن الزاني يثبت عليه الحد، فإنزال العقوبة على سائر الناس إلا الصحابة مخالف للقرآن الكريم والسنّة القطعية، وتمييز بين الناس.

ثالثًا: أن يكون المؤمنون والمنافقون معًا في الجنة، وأن سيئاتهم تدوَّن في سجل الحسنات، وذلك لأن المنافق هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ومن الظاهر أن إبطان الكفر أمر نفسي مرتبط بالنوايا، التي لا يطلع عليها أحد. كيف؟ وقد قال تعالى لنبيه الأعظم (صلى الله عليه وآله)  {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}([26]).

فلازم إظهارهم الإيمان، وعدم معرفة سرائرهم وبواطن نفوسهم، أن يكونوا من المؤمنين، وأنهم من أهل الجنة، ويجوز الاقتداء بهم، وهو مخالفة صريحة لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}([27]).

رابعًا: إن من الواضح أن الآراء قد اختلفت وتفاوتت بين الصحابة إلى حد التناقض، فالقول بصحة الاقتداء بأي منهم، وبراءة الذمة بإتباعه، وعدم جواز انتقادهم والتعرض لهم، يستلزم الدعوة إلى الاختلاف والفرقة والتناحر بالضرورة، لأن المفروض أن الجميع محقون ومصيبون، فاتباع جميعهم يستلزم اختلاف الآراء وتناقضها على مر الزمان.

هذا مع أن القرآن الكريم صريح في أن التنازع يستتبع الفشل، وفي التفرق النار، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}([28]).

وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}([29]).

وقد بيّن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)  الملازمة بين التنازع والكفر بقول صريح، حين قال (صلى الله عليه وآله)  للصحابة: [لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض].

إن الالتزام مع كل ذلك بعدالة جميع الصحابة، وجواز الاقتداء بأي واحد منهم، يستلزم بالضرورة نقض الغرض الإلهي من البعثة النبوية الشريفة لجميع الناس {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}([30])، وإبطال للدعوة والدين الإسلامي من الأساس.

نتيجة ما تقدم:

إن ما تقدم يدل دلالة حاسمة على أنه لا يمكن الالتزام بجواز أو وجوب الاقتداء بآل البيت (عليهم السلام) وبالصحابة في آن معًا، ولا يمكن الجمع بينهما، وأن الالتزام بذلك يعني ضياع الحق، وبطلان الدين، وتكذيب سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) ، وهدمًا للبنيان القرآني، وبالتالي إسقاط الدين الإسلامي من جذوره.

فإن التعارض مستقر ومستحكم بين الطائفتين، وليس بالإمكان الجمع بين القولين لتنافيهما.

وبناء عليه، فإن الأدلة القاطعة قد دلت على أن عليًا (عليه السلام) وأهل البيت الطاهرين (عليهم السلام) هم القدوة والأسوة، وهم الأئمة الذين يحفظون الدين من تحريف المبطلين، وتزييف المتربصين، وهم أمان الأمة من الاختلاف، فإن [مثَلَهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق]. فلا يمكن قياسهم بغيرهم. ومن أراد النجاة والسلامة فلا مناص له من اتباعهم والاقتداء بهم.

وصدق الإمام الشافعي حين قال:

يا آل بيت رسول الله حبكم
كفاكم من عظيم الفخر أنكم

 

 

فرض من الله في القرآن أنزله
من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

 


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) راجع: أضواء على السنّة المحمدية، محمود أبو رية، ص354-356.

([2]) الإصابة في معرفة الصحابة، ابن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجادي، ج1، ص10.

([3]) المصدر السابق، ص6.

([4]) سورة الحجر، آية: 9.

([5]) سورة يونس من الآية: 35.

([6]) سورة الأنعام من الآية: 153.

([7]) سورة يونس، آية: 32.

([8]) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين.

([9]) سورة النحل، آية: 89.

([10]) سورة الأنعام، آية: 38.

([11]) سورة فصلت، آية: 42.

([12]) سورة يونس: 36.

([13]) سورة الحجرات، آية: 2.

([14]) الدر النظيم، ابن حاتم العاملي، ص656.

([15]) سورة الأحزاب، آية: 33.

([16]) سورة الشورى، آية: 23.

([17]) سورة المائدة، آية: 55.

([18]) سورة البقرة، آية: 143.

([19]) سورة الفتح، آية: 18.

([20]) سورة التوبة، آية: 100.

([21]) سورة التوبة، آية: 38.

([22]) راجع أضواء على السنّة المحمدية، ص53 وما بعدها.

([23]) تقدم توثيق هذه الروايات.

([24]) الإصابة في تمييز الصحابة، ص10.

([25]) سورة النساء : آية 93 .

([26]) سورة التوبة، آية: 101.

([27]) سورة النساء، آية: 145.

([28]) سورة الأنفال، آية: 46.

([29]) سورة آل عمران، آية: 103.

([30]) سورة الأنبياء، آية: 107.

 

 

أدب الدعاء - الفنّ المنفي

القسم الرابع

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

كنا قد شرعنا في المقالة السابقة باستعراض بعض النماذج المتعلقة بمرتبة وجود الحقيقة الإلهية وما لها من الخصائص والشؤون، ونتابع هنا استعراض بعض النماذج الأخرى المرتبطة بالعنوان نفسه.

النموذج الثالث: تنزيه مبدأ الوجود وتقديسه

إلى جانب مشاعر محبة مبدأ الوجود وعشقه، تنبض نصوص أدب الدعاء بصنوف أخرى من المشاعر المتولّدة عن معرفة الله تعالى. نشير من بينها في نموذجنا الحالي إلى مشاعر التنزيه والتقديس.

يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في مناجاة الذاكرين: [إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ، عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاً لِتَقْدِيسِكَ، وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنَا، وَإذْنُكَ لَنا بِدُعآئِكَ وَتَنْزِيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ] ([1]).

إنه لمن الفطري والمألوف أن يلهج الإنسان بذكر الأحبة، ويصدح بحمد أُولي الفضل، كما أنه لمن المستحسن والمعروف أن يتقدّم الإنسان بعذره ويبرّر موقفه، إذا ما قصّر في الذكر والحمد، أو حال بينه وبين ذلك حائل([2]).

والإمام السجاد (عليه السلام) يفتتح المناجاة التي بين أيدينا بالاعتذار، غير أن اعتذاره (عليه السلام) لم يلتزم النهج السائد، ولم ينحُ النحو الدارج، بل جاء فريدًا في بابه، واستثنائيًا في طريقته، والسرّ في فرادته هو أنه (عليه السلام) -وعلى خلاف كل ما هو شائع ومتداول- يقدّم اعتذاره لأنه يذكر الله تعالى([3])، ولأنه يردّد اسمه على لسانه، وليس العكس، ولذلك نجده (عليه السلام) يقول: [إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ].

فالإمام (عليه السلام) وبما يمتلك من عمق الفكرة وشفافية النفس ورهافة الحس...، يرى أن الله تعالى أجلّ من أن ينطق الإنسان باسمه أو يلهج بذكره. ولولا أنه تقدست أسماؤه هو الذي أمرنا بأن نذكره وندعوه لنأى الإمام بنفسه عن هذا الأمر، ولتورّع عن إتيان مثل هذا الفعل. على أن إباحة الإمام (عليه السلام) لنفسه أن يذكر الله تعالى -طاعة لأمره- لا تمسّ بروح القداسة، ولا تنتقص من شعور التنزيه، إذ إن ذكر الإنسان لله سبحانه، ومهما سما الإنسان أو ترقّى يبقى محدودًا بحدود قدر الإنسان، وقاصرًا أبدًا عن قدر المولى تبارك اسمه، وهذا ما عبّرت عنه المناجاة بالقول: [عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاً لِتَقْدِيسِكَ؟!].

وإذا كان مقدار الإنسان -كما يعلّمنا الإمام (عليه السلام)- لا يرقى لأن يُجعل محلاً لتقديس الله سبحانه، فإنها لّنعمة عظيمة إذن أن يأذن المولى جلّ شأنه بجريان ذكره على ألسنتنا: [وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنَا، وَإذْنُكَ لَنا بِدُعآئِكَ وَتَنْزِيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ].

وهكذا نجد أن الرؤية التي تبديها مناجاة الذاكرين حول ذكر مبدأ الوجود لهي رؤية خاصة وفريدة، مفعمة بأشد المشاعر رهافة، وأصفاها شفافية، بل إنها لتصطنع منطقها الخاص المغاير للمنطق السائد في النصوص الأدبية التي تتعرّض لذكر الأحبة أو لحمد ذوي المنزلة وأولي الفضل.

النموذج الرابع: الرضى بالوجود

كثيرة هي النصوص الدالة على مشاعر الرضى بالوجود في أدب الدعاء، وقد انتخبنا منها ثلاثة أمثلة لنشير بها إلى تنوّع تلك المشاعر، وتعدّد مجالاتها وسِعة مساحتها.

المثال الأول: الدعاء عند المرض:

تتناوب على الإنسان في رحلته الوجودية حالات كثيرة متقلّبة، يستشعر في بعضها الهناءة والراحة والخير، ويستشعر في بعضها الآخر أضداد هذه الأمور ونقائضها.

وحين يتناول أدب الدعاء أمثال هذه الحالات المتقابلة، فإنه يعلّمنا أن ننفذ إلى بواطنها، لنستكشف ما تنطوي عليه من حكمة، وما تشتمل عليه من مصلحة، فيقودنا بذلك إلى النظر إليها كلها بنظرة واحدة مشتركة، هي نظرة الرضى والتسليم.

ومن الأمثلة على ذلك دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) إذا مرض، وفيه يقول([4]): [فَمَا أَدْرِي، يَا إِلَهِي، أَيُّ الْحَالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ؟ وأَيُّ الْوَقْتَيْنِ أَوْلَى بِالْحَمْدِ لَكَ؟ أَوَقْتُ الصِّحَّةِ الَّتِي هَنَّأْتَنِي فِيهَا طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ، ونَشَّطْتَنِي بِهَا لابْتِغَاءِ مَرْضَاتِكَ وفَضْلِكَ، وقَوَّيْتَنِي مَعَهَا عَلَى مَا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَاعَتِكَ؟ أَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتِي مَحَّصْتَنِي بِهَا، والنِّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَنِي بِهَا؟ تَخْفِيفًا لِمَا ثَقُلَ بِهِ عَلَيَّ ظَهْرِي مِنَ الْخَطِيئَاتِ، وتَطْهِيرًا لِمَا انْغَمَسْتُ فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وتَنْبِيهًا لِتَنَاوُلِ التَّوْبَةِ، وتَذْكِيرًا لِمَحْوِ الْحَوْبَةِ]([5]).

تحمل كلمات هذا الدعاء فهمًا إيجابيًا عميقًا للوجود، وهو فهم يبدّل من نظرتنا إلى الواقع تبديلاً جذريًا حيث إنه لا يقف عند ظواهر الأمور ليعتبرها هي الحقائق النهائية والأخيرة، بل إنه يفتح بصائرنا على ما يكمن خلف هذه الظواهر من معانٍ ومعطيات.

وعلى هذا الأساس، فإن حالاً كحال المرض، والذي يُنظَر إليه عادةً على أنه شرّ من الشرور، يصبح في منطق الدعاء سببًا من أسباب الرحمة والنفع العميم، وذلك لأن المرض في الرؤية الكونية للدعاء، يمثل طريقًا من طرق اختبار الإنسان وتمحيصه، كما أنه يحطّ من الخطيئات، ويطهّر من السيئات، وينبّه الإنسان على ما فيه من وهن، لكي يرجع إلى مولاه، طالبًا منه التوبة ومحو ما ارتكبته يداه من الآثام([6]).

فالمرض في منطق الدعاء ليس كما يبدو في ظاهره، أي أنه ليس مجرد نوع من الاختلال والوهن، ولا هو مجرد معاناة للآلام، بل إن ظاهره هذا ينطوي على جملة من النعم التي لا تقلّ شأنًا عن النعم التي يحصل عليها الإنسان في وقت الصحة، وهو الوقت الذي يتاح له فيه أن يهنأ بطيبات الرزق، وأن ينشط لابتغاء مرضاة الله، ويقوى على طاعته وعبادته جلّ ثناؤه.

وانطلاقًا من هذا، يمكننا أن نفهم المعنى العميق للتساؤل المدهش والصادم الذي يطرحه الإمام (عليه السلام) في بداية النص الذي بين أيدينا، والذي يعرب فيه عن الحيرة في تعيين أيّ الحالين هو أولى بالشكر، أهو وقت الصحة والعافية، أم وقت العلّة والمرض؟

وكل ذلك يُظهِر لنا -مرة أخرى- عظمة مدرسة الدعاء، وتميُّز رؤيتها الكونية، وما تتركه من أثر بالغ على نظرة الإنسان إلى الوجود، وعلى فهمه لطبيعة هذا الوجود وإدراكه لأسراره، ومن ثمَّ على موقفه تجاه الوقائع والأحداث وطريقة تقييمه لها.

وما أوسع الفرق -بعد هذا- وما أبلغ الأثر على حياة الإنسان، بين أن يَرى في حالات الشدة ومواضع المحن، أمورًا سلبية، وظروفًا معادية، ونقائص في طبيعة الوجود، وبين أن يَرى فيها الرحمة والعطف والتحنان، وأسبابًا للتكامل، وعللاً لليقظة، وفرصة لاستئناف النهوض!!

المثال الثاني: دعاء في الرهبة([7]):

ونورد من هذا الدعاء ما يرتبط منه بموضوع بحثنا، وهو المقطع التالي:

[فَارْحَمْنِيَ اللَّهُمَّ فَإِنِّي امْرُؤٌ حَقِيرٌ، وخَطَرِي يَسِيرٌ، ولَيْسَ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، ولَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، وأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَكَ، ولَكِنْ سُلْطَانُكَ اللَّهُمَّ أَعْظَمُ، ومُلْكُكَ أَدْوَمُ مِنْ أَنْ تَزِيدَ فِيهِ طَاعَةُ الْمُطِيعِينَ، أَوْ تُنْقِصُ مِنْهُ مَعْصِيَةُ الْمُذْنِبِينَ، فَارْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ]([8]).

يعبّر الإمام السجاد (عليه السلام)في هذا المقطع من الدعاء عن حالة من أسمى حالات الرضى بالوجود، وعن صورة من أمثل صور العبودية لله تعالى والتسليمِ المطلق لمشيئته. ويكفينا دلالةً على ذلك قوله (عليه السلام): [ولَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، وأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَكَ].

فهل يمكننا أن نتصور تعبيرًا عن التسليم والرضى أبلغ مما تفصح عنه هذه العبارات؟! بل أنّى لنا أن نتخيل تسليمًا أو رضى أقصى من أن يحبّ الإنسانُ أن يحلَّ به العذاب -ومهما اشتد أو عظم- ما دام هذا العذاب مما يزيد في ملك مولاه أو يوسّع من سلطانه؟!

ولربما يثير موقف الإمام هذا شيئًا من الاستغراب لدى البعض، فيرى فيه نوعًا من أنواع المبالغة في التعبير أو نحوًا من أنحاء المثالية العصية على الفهم.

ولكن لو تدبّر المرء كلام الإمام (عليه السلام) وأحسن الالتفات إليه، لأدرك واقعية معانيه وخلوّه من أية مبالغة أو مغالاة، وشاهدنا على ذلك هو أن الإمام (عليه السلام) لم يطلق القول بحبّه العذاب إطلاقًا، بل وطّأ له بتوطئة ضرورية يقتضيها منطق الصدق والواقعية، وهي قوله (عليه السلام) [لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ]، ولم يكتفِ بالقول (ولو أن عذابي يزيد في ملكك ... لأحببت أن يكون ذلك لك). بل قال : [ولَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، وأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَكَ]، فجاء بعبارة (لسألتك الصبر) لتكون هي التوطئة الملائمة لإعلانه عن حبّ العذاب، فهو (عليه السلام) يسأل الله تعالى -أولاً- أن يعطيه الصبر ويهبه القدرة على تحمّل العذاب، ليعلن بعدها عن حبّه لأن يكون ذلك له تعالى.

وبذلك يظهر لنا ما في كلامه (عليه السلام) من مراعاة الدقة وصدق المقولة وواقعية الموقف.

المثال الثالث: دعاء الجوشن الصغير([9]):

يقول تعالى في كتابه المجيد: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}([10])، ومع ذلك فإن الإنسان قد يألف وجود مثل تلك النعم في حياته ويعتادها، مما قد يفضي به إلى الغفلة عنها، فينسى وجودها، ولا يعود يقدّرها حقّ قدرها.

وهنا يبرز دور إحدى الوظائف المهمة لأدب الدعاء، ألا وهي وظيفة إيقاظ الإنسان من غفلته، وتذكيره بما يملأ حياته من النعم المنسية، لكي يؤوب إلى واهب تلك النعم، وتتفتحَ في كيانه مشاعر الرضى بالوجود. وقد شكّلت هذه الوظيفة المقصد الأول والأهم من مقاصد دعاء الجوشن الصغير.

ولسنا نبتغي في المقام دراسة هذا الدعاء دراسة موسعة، وإنما نودّ فقط أن نشير إلى طبيعة بنائه الفني، وإلى علاقة هذا البناء بالوظيفة المذكورة وما يرشح عنها من مشاعر الرضى بالوجود.

ولبيان ذلك نقول:

إن دعاء الجوشن الصغير يتألف من قسمين رئيسيين يشتركان في تأدية الوظيفة المشار إليها. لكنّا ولكي لا نطيل الكلام كثيرًا فإننا سوف نركز اهتمامنا على القسم الثاني فقط، وذلك لأن هذا القسم، وعلاوة على كفايته في إيضاح المطلوب، فإنه يكاد يكون بمضمونه وأسلوبه من مختصات دعاء الجوشن الصغير.

ولأجل إعطاء فكرة واضحة عن صورة القسم الثاني من الدعاء، سنعمد إلى اختيار ثلاثة من مقاطعه، نمثل بها لبقية مقاطعه الأخرى، ونكشف من خلالها عن طبيعة البناء الفني للدعاء، وعن دور هذا البناء في تأدية الوظيفة المرادة، والهدف المقصود.

المقطع الأول: وهو يصوّر مشهد الإنسان حال الموت، وما يعانيه من سكراته، فينصّ قائلاً: [إِلـهي وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أََمْسى وَأََصْبَحَ في كَرْبِ الْمَوْتِ وَحَشْرَجَةِ الصَّدْرِ وَالنَّظَرِ إِلى ما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ وَتَفْزَعُ لَهُ القُلُوبُ، وأَنَا في عافِيَة مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذي أناة لا يَجْعَلُ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاجْعَلْني لِنَعمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلآلائِكَ مِنَ الذّاكِرينَ]([11]).

المقطع الثاني: وفيه تصوير لمشهد مقاساة الحرب وما يعانيه الإنسان من شدائدها، وهذا نصّه: [إِلـهي وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أمْسى وَأَصْبَحَ يُقاسِي الْحَرْبَ وَمُباشَرَةَ الْقِتالِ بِنَفْسِهِ، قَدْ غَشِيَتْهُ الأعْداءُ مِنْ كُلِّ جانِب بِالسُّيُوفِ وَالرِّماحِ وَآلَةِ الْحْربِ، يَتَقَعْقَعُ فِي الْحَديدِ، قَدْ بَلَغَ مَجْهُودَهُ لا يَعْرِفُ حيلَةً وَلا يَجِدُ مَهْرَبًا، قَدْ أُُدْنِفَ بِالْجِراحاتِ، أَوْ مُتَشَحِّطًا بِدَمِهِ تَحْتَ السَّنابِكِ وَالأرْجُلِ، يَتَمَنّى شَرْبَةً مِنْ ماء أوْ نَظْرَةً إِلى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، لا يَقْدِرُ عَلَيْها، وَأَنَا في عافِيَة مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذي أناة لا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاْجَعَلْني لِنَعْمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلآلائِكَ مِنَ الذّاكِرينَ].

المقطع الثالث: يقوم هذا المقطع بتصوير مشهد التائه في المفاوز مع الوحوش، وهو لا يعرف حيلة ولا يهتدي سبيلاً، وهذه عبارته: [إِلـهي وكَمْ مِنْ عَبْدٍ أَمْسى وأَصْبَحَ مُسافِرًا شاخِصًا عَنْ أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، مُتَحَيِّرًا فِي الْمَفاوِزِ تائِهًا مَعَ الْوُحُوشِ وَالْبَهائِمِ وَالْهَوامِّ، وَحِيدًا فَريدًا لا يَعْرِفُ حيلَةً وَلا يَهْتَدي سَبيلاً، أوْ مُتَأَذِّيًا بِبَرْد أوْ حَرٍّ أوْ جُوع أوْ عُرْي أوْ غَيْرِهِ مِنَ الشَّدائِدِ مِمَّا أَنَا مِنْهُ خِلْوٌ وفي عافِيَة مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذي أناة لا يَعْجَلُ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد واجْعَلْني لِنعمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ ولآلائِكَ مِنَ الذّاكِرينَ].

وعلى النسق نفسه تتوالى بقية مقاطع القسم الثاني من الدعاء، لتسيرَ على نهج أمثلتنا الثلاثة في أسلوبها، وفي طريقة بنائها، وفي عناصر تركيبها.

ولبيان النهج المقصود، نرجع إلى المقاطع التي مثلنا بها، لنجد أن كلاً منها يتدرج عبر خطواتٍ ثلاث، تشكّل كل واحدة جزءًا من أجزائه. وتبدأ الخطوة الأولى بتصوير مشهد من مشاهد المعاناة الإنسانية، كمشهد سكرات الموت في المثال الأول، ومشهد مقاساة الحرب في المثال الثاني، ومشهد التائه في المفاوز في المثال الثالث.

ثم يأتي بعد ذلك دور الخطوة الثانية، وفيها يجري تنبيه الإنسان على ما هو فيه من حسن الحال، ومن السلامة والعافية، والخلو من أمثال تلك المعاناة، وهو ما عبّرت عنه أمثلتنا بالقول: [وأنا في عافية من ذلك كله]، بينما عبّرت عنه بعض المقاطع الأخرى بتعابير مشابهة، من قبيل: [وأنا في صحة من البدن، وسلامة من العيش]، ومن قبيل: [وأنا في أمن وطمأنينة وعافية من ذلك كله]، أو من قبيل: [ وأنا المخدوم المنعَّم المعافى المكرَّم في عافية مما هو فيه].

وأخيرًا نصل مع الخطوة الثالثة، إلى مِسْك الختام، حيث يتوجه الداعي مبتهِلاً إلى الله تعالى لكي يجعله من الشاكرين لنعمائه، والذاكرين لآلائه.

وتتكرر عبارات هذه الخاتمة في جميع المقاطع، وبالألفاظ عينها تقريبًا، باستثناء تغييرات طفيفة في بعض الموارد.

والآن.. وبعد أن تعرّفنا على طبيعة البناء الفني للدعاء، فإنه يجدر بنا أن نتعرّف على علاقة هذا البناء بالوظيفة التي يسعى الدعاء إلى تأديتها، وهو ما سنحاول الكشف عنه عبر استكشاف وظائف كل واحدة من الخطوات الثلاث المزبورة.

وظيفة الخطوة الأولى

ونبدأ مع الخطوة الأولى، والمتمثلة في تصوير جملة من مشاهد الآلام والمآسي الإنسانية، فنلاحظ هنا أن استحضار هذه المشاهد بصورتها الحيّة، إنما يهدف إلى توجيه انتباه القارئ نحوها، لكي يستذكر ما يمكن أن يتعرّض له المرء من المآسي والشدائد والأهوال.. فيهتزُّ لذلك كيانه، ويتحرك وجدانه، فيستشعر في دخيلة نفسه بآلام الموت، وشدائد مقاساة الحرب، وفزع الضلال في المفاوز مع الوحوش..

ولكي ينجز الدعاء هذه الوظيفة، ويُحدث التأثير المطلوب، فإنه يلجأ إلى استخدام ما يناسب ذلك من الوسائل والأساليب الفنية المختلفة، ومن أبرزها الوسائل الثلاث التالية، وهي: تكثير المشاهد، وتنويعها، واستخدام أسلوب التصوير الحسي في وصفها.

الوسيلة الأولى: تكثير المشاهد

يبدو أن الدعاء قد لجأ إلى استخدام الوسيلة الأولى -أي تكثير المشاهد- لكي يطيل مكث القارئ في حضرتها ليتسنّى له بذلك التفاعل معها، والعيش في أجوائها، والشعور بما تحكي عنه من المآسي والآلام.

وهذا بخلاف ما لو مرّ المرء عليها مرورًا عاجلاً، وعبر عدد قليل منها، لأنه والحال هذه، لا يكاد يلتقي بها، ويشرع في معايشتها، حتى يطوي صفحتها، وينفض يده منها، ودون أن تترك في نفسه الأثر المطلوب.

الوسيلة الثانية: تنويع المشاهد

وأما الوسيلة الثانية: -وهي تنويع المشاهد- فلعلّ أبرز أغراضها اثنان:

أولهما الكشف عن مختلف أنواع الأخطار والشدائد والأهوال التي يمكن حدوثها، وتنبيه الإنسان على إمكانية أن يتعرّض هو نفسه لأمثال تلك الأحداث، فيعاني من آثارها، ويقاسي من تبعاتها.

وأما غرضها الثاني فهو يتمثل في إتاحة الفرصة أمام القرّاء على اختلاف مشاربهم لكي يتفاعل كلٌّ منهم مع ما يمكن أن يؤثر فيه من الأحداث والصور. إذ قد يغلب على البعض -مثلاً- تأثره بمشهد الموت، وقد يغلب على غيره تأثره بمشهد الضياع في المفاوز، بينما يغلب على آخرين تأثرهم بمشهد مقاساة الحرب. وبهذا الأسلوب يتمكّن الدعاء من التأثير على مختلف صنوف الناس، ومهما تعددت ميولهم، أو تنوّعت أمزجتهم.

الوسيلة الثالثة: التصوير الحسي

إن إحدى السمات البارزة لدعاء الجوشن الصغير، هي لجوء هذا الدعاء إلى استخدام لغة التصوير الحسي الغنيّة بالتفاصيل، وهو ما نلحظه جليًا في تصويره لجميع المشاهد التي يستعرضها، ولا ريب في أن هذه اللغة هي الأنسب لتصوير الوقائع والأحداث، وللتعبير عما يحتفّ بها من الأحاسيس والمشاعر، ولذلك فهي الأقدر أيضًا -في مثل هذا المقام- على التأثير على المتلقّي، وعلى بثّ المشاعر في نفسه. وهذا ما لا يتسنّى مثله للغة المفاهيم العامة والمعاني المجردة، إذ إن لهذه اللغة الأخيرة ميدانها المغاير لهذا الميدان.

وظيفة الخطوة الثانية:

ذكرنا سابقًا أن الدعاء، وبعد أن يصوّر في الخطوة الأولى مشاهد المآسي والآلام، فإنه ينعطف في الخطوة الثانية إلى تنبيه الإنسان على ما هو فيه من العافية والسلامة. وبهذا تتضّح لنا ماهية الخطوة الثانية، إذ يغدو من الجلي أن ما عمد إليه الدعاء من تصوير المشاهد وتنويعها، لم تكن غايته الأخيرة هي مجرد خلق مشاعر الألم وتسبيب المعاناة، بل أراد من ذلك غاية أخرى وراء تلك الغاية، وهي فتح بصيرة الإنسان على ما يغمر حياته من النعم الكثيرة، والمنن الوافرة، ولذلك يعود الدعاء ليستلّ الإنسان من جوّ المآسي والأهوال، مذكّرًا إياه بما هو عليه من حسن الحال، وراحة البال، فيملأ نفسه حينئذ بمشاعر الرضى بالوجود.

وظيفة الخطوة الثالثة :

بعد أن يوجِّه الدعاء الإنسان إلى العيش في أجواء المآسي والآلام، وبعد أن يذكره بحسن حاله، وبكثرة نعم الله تعالى عليه، تأتي حينئذ وظيفة الخطوة الثالثة، وهي توجيه الإنسان إلى تأدية واجب شكر المنعم تعالى على ما أنعم وأفاض. ولذلك كان مسك الختام لكل مقطع من المقاطع هو العبارتان التاليتان: [وَاجْعَلْني لِنَعمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلآلائِكَ مِنَ الذّاكِرينَ].

ويتلخّص لنا من كل ما سبق أن دعاء الجوشن الصغير قد تولّى إبداع صفحة مشرقة من صفحات التعبير الأدبي عن الرضى بالوجود، وقد توفّر له في سبيل إبداعها كل ما يحتاجه الأمر من الإمكانيات الأدبية، والطاقات الفنية، والقدرات الإبداعية.

ويبقى علينا أن نشير أخيرًا إلى وجود خصائص فنية أخرى كثيرة لهذا الدعاء، غير أنّا -وتجنبًا للإطالة- قد سكتنا عنها، فلم نُشر مثلاً إلى ما تتصف به لغة هذا الدعاء من المهابة والجلال، مما يجعلها تتناسب مع ما تريد أن تعبّر عنه من جلال الموقف وهول الأحداث.

وكذلك لم نتوقّف عند اللازمة التعبيرية المتكررة في آخر كل مقطع من المقاطع، وهي: [فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذي أََناة لا يَعْجَلُ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاجْعَلْني لِنَعمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلآلائِكَ مِنَ الذّاكِرينَ]، فلم نُشِر إلى الغاية من تكرارها، ولا إلى دورها المعنوي، ولا إلى وظيفتها الموسيقية، سيما وأنها تحاكي بعض السور القرآنية التي تستخدم مثل هذه اللازمة، كسورة الرحمن التي تتكرر فيها اللازمة التعبيرية: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}([12])، وكذلك غيرها من السور([13]). إلى آخر ما هنالك من خصائص دعاء الجوشن الصغير، والتي تكشف عن مدى ما تشتمل عليه نصوص أدب الدعاء من الغنى والإبداع.

وفي ختام حديثنا عن صورة الوجود في أدب الدعاء وعمّا يرتبط بهذه الصورة من المشاعر والأحاسيس، نرجو أن نكون قد وفّقنا إلى ما كنّا نصبو إليه من التدليل على أنّ أدب الدعاء قد استطاع أن يعبّر تعبيرًا فنيًّا راقيًا عن الإحساس بالوجود والامتلاء بهذا الوجود. وذلك خلافًا لما ادّعاه "قطب" من أن العرب قد انقطعوا عن التعبير الفنّي نتيجةً لفقدانهم القدرة التي يتطلبها التعبير عن مثل هذا الإحساس.

فإذا تحقّق لنا ما كنّا نصبو إليه فإنّا نكون قد أثبتنا بذلك قضيتين مهمّتين: أولاهما هي عدم انقطاع العرب عن التعبير الفنّي. وثانيتهما هي أن القدرة الفنية لمثل هذا النوع من التعبير قد توفّرت بأبهى صورها في نصوص أدب الدعاء.

(وللبحث صِلة بعون الله تعالى)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) مناجاة الذاكرين، وهي المناجاة الثالثة عشرة من المناجاة الخمس عشرة للإمام السجاد (عليه السلام)..

([2]) من أمثلة ذلك: اعتذار المتنبي عن ترك مدح الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول:

وتركتُ مدحي للوصي تعمدًا
وإذا استطالَ الشيءُ قامَ بنفسه

 

إذ كان نورًا مستطيلاً شاملاً
وصفاتُ ضوءِ الشمسِ تذهبُ باطلاً

ومثله اعتذار أبي النواس عن تركه مدح الإمام الرضا (عليه السلام) حيث يقول:

قيل لـــي أنـت أوحد الناس طرًا
لك مــن جـوهر الكلام بديعٌ
فعلامَ تركتََ مدحَ ابن موسى
قلت لا أهتدي لمـدح إمام

 

فـي فـنونٍ مـن الكلام النبيه
يثـمر الــدرَّ في يدَيْ مجتنيه
والخصـال التي تجمَّعن فيه

كان جـبريل خادمًا لأبـيه

 ([3]) يشكّل هذا الاعتذار نقطة مهمة جدًا في فهم طبيعة استغفار المعصوم من المعاصي والذنوب، فنحن نجد أن الإمام (عليه السلام) يعتذر هنا لأنه يذكر الله سبحانه، فهو ينزّه الله تعالى، عن ذكرِنا إياه، إذ لولا أمره تعالى لنا أن نذكره، لكان الإمام (عليه السلام) تجنّب أن يذكره بلسانه، هذا مع أن ذكر الله تعالى في عُرفِنا هو طاعة من أظهر الطاعات.

وخلاصة القول هي: أن معنى الذنب لدى الإمام (عليه السلام) لا يتطابق مع معنى الذنب في عرفنا نحن. ولذا قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين".

([4]) الصحيفة السجادية الكاملة، من دعائه (عليه السلام) إذا مرض أو نزل به كرب أو بلية.

([5]) الحوبة: الإثم.

([6]) يفتح هذا الدعاء بابًا واسعًا أمام الإنسان لكي يفهم مسألة العدل الإلهي فهمًا معمّقًا وصحيحًا.

([7]) الصحيفة السجادية الكاملة، من دعائه (عليه السلام) في الرهبة.

([8]) نقع في هذا الدعاء على محاجّة طريفة يتقدّم بها الإمام السجاد (عليه السلام) بين يدي الله تعالى، ولهذه المحاجّة نظائر أخرى في أدعيته (عليه السلام)، نذكر منها: دعاؤه في الاعتراف وطلب التوبة، ودعاؤه في اللّجأ إلى الله تعالى، ودعاؤه في طلب الحوائج إلى الله تعالى، ودعاؤه إذا استقال من ذنوبه... وتتصّف هذه المحاجّات جميعها بطرافة الفكرة، وعمق المعنى، وحلاوة الأسلوب. الأمر الذي يجعل من الإمام السجاد (عليه السلام) محامي الإنسانية الأبرز، الذي ينطق بلسانها ويعلّمها أدب الخطاب مع الله سبحانه، ويدلّها على دروب الخلاص. ولذا فإنه لمن الشيّق والمفيد أن تعقد لفنّ المحاجّة في أدب الدعاء أبحاث ودراسات مستقلة.

([9]) الجوشن: الدرع. ونعته بـ"الصغير" إنما هو لتمييزه عن دعاء آخر أطول منه يحمل اسم دعاء الجوشن الكبير.

([10]) إبراهيم: 34.

([11]) بحار الأنوار : ج91 ص322.

([12]) سورة الرحمن 13.

([13]) كسورة القمر التي تكرر اللازمة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}، وكسورة المرسلات التي تكرر اللازمة: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}...

 

 

وَضْعُ النّحو العربيّ

بين الرّواية والتشكيك

د. أكرم نبها

 

مقدّمات وضع النّحو

احتضنت جزيرةُ العربِ اللّغةَ العربيّةَ على مدى قرون، وكان أهلُها في جاهليتِهم وصدرٍ من إسلامهم ينزعون في نطقهم بالسّجيّة ويتكلّمون على السّليقة، غير مشوبٍ لسانُهم بِلَوثةِ لحنٍ إلى أن سطع نور الإسلام.

دخل العربُ، وغيرُ العرب، في دين الله أفواجًا، ثمّ تتابعَتِ الفتوحاتُ فاختلطَ العربيّ بالأعجميّ في الأمصار الإسلامية، مُتاجرين ومُتصاهرين ومُتجاورين في السّكن والأسواق والأماكن العامّة، فكان لِزامًا على غيرِ العربيّ أن يتعلّمَ العربيّةَ من أجل الفَهم والإفهام، وتأديةِ الواجباتِ الدّينيّة، ومع توالي الأيّام وكرّ الأزمان وطول المخالطة تسرّبَ الضّعفُ والوهنُ إلى لسان العربيّ وإلى سليقته، مُتأثّرًا لسانُهُ بمَنْ خالطَهُم من الأعاجم، وظهرَ اللّحنُ في كلام الموالي والـمُتعرّبين منذ وقتٍ مبكّرٍ من تاريخ الإسلام، قال أبو الطّيّب اللغوي: [واعلمْ أنّ أوّلَ ما اختلَّ من كلامِ العربِ فأحوجَ إلى التّعلُّم: الإعرابُ، لأنّ اللّحنَ ظهرَ في كلامِ الموالي المتعرّبين من عهد النبيّ (ص)] ([1]).

وفي مطلع العهد المروانيّ فشَا اللّحنُ بين العامّة والخاصّة، وصارَتْ سلامةُ اللّسانِ شيئًا يُعتدُّ به، ويُتحدّثُ عنه، قال الأصمعيُّ: [أربعةٌ لم يَلْحَنُوا في جِدٍّ ولا هَزْل: الشّعبيُّ، وعبدُ الملك بن مروان، والحجاجُ بن يوسف الثّقفيّ، وابنُ القرية، والحجّاجُ أفصحُهُم]([2])؛ وهذا اللّحنُ لم يقتصرْ على الحواضر الإسلاميّة حيث اختلطَ العربيّ بالأعجميّ بل وصل إلى البادية، قال الجاحظُ: [قالوا: وأوّلُ لحنٍ سُمع بالبادية: هذه عَصَاتي]([3]).

جرثومةُ اللّحنِ هذه هي التي أفزعَتْ علماءَ العربيّةِ الأقحاحَ في الصّدر الأوّل من العصر الإسلاميّ إلى التّفكير والعمل على إيجاد مَنْ يصونُ لغةَ القرآن من التّحريف واللّحن، ويحميه (أي القرآن) ممّا أخذ يتعرّض له من أخطار، ومَن أولى من النُّخب الـمُثقّفة أصحاب العقول الرّاجحة والقابليات النَّفْسيّة من التصدّي، ووضعِ أُسس علمٍ يقوّمُ اعوجاجَ لسانِ العربيّ والأعجمي على حدٍّ سواء، وخاصّة أن الأعجميَّ صارَ جُزءًا من الجسم العربيّ الإسلاميّ، قال أبو الأسود الدُّؤليّ: [هؤلاء الموالي قد رَغِبُوا في الإسلام، ودخلوا فيه، فصاروا لنا أخوةً، فلو علّمْنَاهُم الكلامَ، فوضع بابَ الفاعل والمفعول، ولم يزد عليّه]([4]).

واضع علم النّحو

نشأ النّحو وترعرعَ في العراق، لأنّه على حدود البادية، وملتقى العرب والعجم في البصرة والكوفة وغيرهما من الأمصار، وكان العراقُ أظهرَ بلدٍ انتشرَ فيه وباءُ اللّحن الدّاعي إلى وضع النّحو.

إنّ الرّوايات التّاريخيّة التي تتناول أوّلية مَنْ وضعَ أسسَ النّحو قسمان: رواياتٌ ترجعُهُ إلى الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي الأقوى، وأخرى تنسبُهُ إلى رجلٍ علويِّ الهوى هو أبو الأسود الدُّؤليّ (69هـ)، [والجمهورُ من أهلِ الرّوايةِ على أنّ أوّلَ مَنْ وضعَ النّحو أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)]([5])، ولا شكّ أنّ تأسيسَ العلومِ واختراعَها يحتاجُ إلى قابلياتٍ لا تتوفّر عند أغلب الناس، وهذا ما دفعَ ابنَ جنّي إلى القول عن النّحو أنّه: [لم يوفّقْ إلى اختراعِهِ وابتداءِ قوانينِهِ وأوضاعِهِ إلا البرُّ عندَ اللهِ سبحانَه، الحظيظُ بما نوّه به، وأعلى شأنَه، أوَ لا يُعلم أنّ أميرَ المؤمنين عليًّا -رضيَ اللهُ عنه-هو البادئه، والمنبّه عليّه، والمُنشئه، والمُرشد إليه، ثمّ اكتفال أبي الأسود -رحمه الله- إيّاهُ]([6]).

إنّ القابلياتِ والملكاتِ النَّفْسيّةَ اللازم توفّرُها فيمَنْ يضعُ علمًا أو يخترعُ اختراعًا موجودةٌ دون أدنى شكٍّ أو نقاشٍ عندَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أمرٌ دليلُهُ في طيِّهِ، ولا يُعاند أو يخالف فيه إلا مكابرٌ رَبـِيَ على كُره عليّ، والتزَمَ سبَّهُ على المنابر، ونصبَ له العداء، وهؤلاء لا يُعدُّ خلافُهم خلافًا، وأمّا تلميذُهُ أبو الأسود الدُّؤليّ فهو من النُّخبِ العلميّة والثقافيّة في عصره، فكان ذا مواهبَ وقابلياتٍ وملكاتٍ نفسيّةٍ وعقليّةٍ تؤهّلُهُ أن يُكملَ ما بدأَهُ إمامُهُ عليّ، قال الجاحظ: [وكان أبو الأسود الدُّؤليّ خطيبًا عالمًا، قد جمعَ شدّةَ العقل، وصوابَ الرأي، وجودةَ اللّسان، وقولَ الشّعر والظّرف، وهو يُعدُّ في هذه الأصناف، وفي الشّيعة]([7])، وقال بحقِهِ أيضًا: [أبو الأسود معدودٌ في طبقات الناس، وهو في كلّها مُقدّمٌ، مأثورٌ عنه الفضلُ في جميعِها، وكان معدوداً في التابعين والفقهاءِ والشّعراءِ والمحدّثين والأشرافِ والفرسانِ والأمراءِ والدُّهاةِ والنّحويين والحاضري الجواب والشّيعةِ]([8])؛ ونَقَلَ ابنُ حجر عن ابن عبد البرّ في الإستيعاب قوله: [وكان ذا دِينٍ وعقلٍ ولسانٍ وبيانٍ وفهمٍ وذكاءٍ وحزم]([9])، [وزعمُوا أنّه كان يجيبُ في كلّ لغة]([10]).

هذه القابلياتُ العلميةُ نمّاها أبو الأسود بعلومِ عصرِهِ المتّصلةِ بالشّريعة الإسلاميّة كعلوم القرآن والحديث النبويّ والفقه وغيرها من فنون الأدب والشعر واللّغة، وزكّاها بصحبة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فاغترف منه شتّى صنوف المعرفة والثقافة والدّين، وكان من القرّاء، [قرأ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب]([11])، وقد أجمعَ المؤرّخون على تشيّعه، فكلُّ مَن ترجمَ له يؤكّدُ أنّه كان علويَّ الهوى، من وجوهِ شيعةِ عليّ بن أبي طالب، [روى عن عليّ وابنَيه الحسن والحسين، وعن عليّ بن الحسين زين العابدين، وروى عن أبي ذرّ وابنِ عباس وغيرِهم]([12])، وهو تابعيٌّ، ثقةٌ عندَ الفِرَقِ والمذاهب الإسلاميةّ كافّةً، قال ابن سعد: [..كان شاعرًا مُتشيّعًا، وكان ثقةً في حديثه]([13]).

وأنا أنقلُ لكَ الرّواياتِ التي تروي أنّ عليًّا أميرَ المؤمنين هو مَنْ رسمَ أصولَ النّحو، وأرشدَ أبا الأسود الدُّؤليّ إليه، فكان للإمام (عليه السلام) فضلُ الهداية إلى الأسس والأصول، ولأبي الأسود فضلُ الوضعِ لِـمَا أرشده إليه الإمام:

الرّواية الأولى: راويها الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، قال أبو الطّيّب اللّغويّ صاحب مراتب اللّغويّين: [حدّثنا أبو الفضل جعفر بن محمّد بن بابتويه، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن حميد([14])، قال: أخبرنا أبو حاتم السّجستانيّ([15])، وأخبرنا أبو بكر محمّد بن يحيى([16])، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد النّحويّ([17])، قال: حدّثنا أبو عمر الجرميّ([18])، عن الخليل، قالوا: وكان أبو الأسود أخذَ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) لأنّه سمع لحنًا، فقال لأبي الأسود: [اجعلْ للنّاس حروفًا]، وأشار له إلى الرّفع والنصب والجر، فكان أبو الأسود ضنينًا بما أخذه من ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام)]([19]).

الرّواية الثانية: رواها أبو عبيدة([20])، قال السّيرافيُّ (368هـ): [قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: أخذَ أبو الأسود عن عليّ بن أبي طالب-رضيَ الله عنه- العربيّةَ، فكان لا يُخرج شيئًا ممّا أخذه عن عليّ بن أبي طالب-رضي الله عنه- إلى أحدٍ، حتّى بعثَ إليه زياد: اعملْ شيئًا تكون فيه إمامًا ينتفعُ به الناسُ، وتُعْرِبُ به كتابَ الله، فاستعفاهُ من ذلك، حتى سمع أبو الأسود قارئًا يقرأ{..أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بكسر اللام في كلمة (رَسُولِهِ)، فقال: ما كنتُ أظنُّ أنّ أمرَ النّاس صار إلى هذا، فرجع إلى زياد، فقال: أنا أفعلُ ما أمرَ به الأمير، فلْيبغِني كاتبًا لَقِنًا يفعل ما أقول، فأتى بكاتبٍ من عبد القيس، فلم يرضهِ، فأتى بآخر -قال أبو العباس: أحسبُهُ منهم- فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحتُ فمي بالحرف فانقط نقطةً فوقه على أعلاه، فإن ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحتَ الحرف، فإن أتبعت شيئًا من ذلك غنّة فاجعل مكان النقطة نقطتين، فهذا نقطُ أبي الأسود]([21]).

الرّواية الثالثة: راويها المبرّد، قال الزّبيديّ: [وقال أبو العباس محمّد بن يزيد: سُئلَ أبو الأسود عمّن فتح له الطريق إلى الوضع في النّحو، وأرشده إليه، فقال: تلقيته من عليّ بن أبي طالب (رحمه الله). وفي حديث آخر قال: ألقى إليّ عليّ أصولاً احتذيتُ عليّها]([22]).

الرواية الرابعة: [حكى أبو حاتم السّجستانيّ قال: وُلدَ أبو الأسود الدُّؤليّ في الجاهليّة، وأخذَ النّحو عن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)] ([23]).

الرّواية الخامسة: راويها الطّبريّ، قال ابن النديم: [قال أبو جعفر بن رستم الطّبريّ([24]): إنّما سُمّيَ النّحو نحوًا لأنّ أبا الأسود الدُّؤليّ قال لعليٍّ (عليه السلام)، وقد ألقى إليه شيئًا من أصول النّحو، قال أبو الأسود فاستأذنتُهُ أن أصنعَ نحوَ ما صنع، فسمّي ذلك نحوًا]([25]).

الرواية السادسة: رواها أبو الفرج الأصفهاني (356هـ) بأسانيدها، قال الأصفهانيّ: [أخبرنا أبو جعفر بن رستم الطّبري بذلك، عن أبي عثمان المازنيّ، عن أبي عمر الجرميّ، عن أبي الحسن الأخفش، عن سيبويه، عن الخليل بن أحمد، عن عيسى بن عمر، عن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ، عن عنبسة الفيل وميمون الأقرن، عن يحيى بن يعمر اللّيثيّ: أنّ أبا ألأسود الدُّؤليّ دخل على ابنته بالبصرة فقالت: يا أبتِ ما أشدُّ الحرِّ! (رفعت أشدّ) فظنّها تسألُهُ وتستفهمُ منه: أيُّ زمنٍ الحرُّ أشدُّ؟ فقال لها: شهرُ نَاجِرٍ (يريد شهر صفر. الجاهليّة كانت تُسمّي شهور السّنة بهذه الأسماء) فقالت: يا أبتِ إنّما أخبرتُكَ ولم أسألكَ.

فأتى أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ذهبت لغة العرب لـمّا خالطت العجم، وأوشكَ إنْ تطاولَ عليّها زمانٌ أن تضمحلّ، فقال له: وما ذلك؟ فأخبره خبرَ ابنته. فأمره فاشترى صُحفًا بدرهمٍ، وأَمْلَ عليّه: الكلامُ كلُّه لا يخرج عن اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ جاء لمعنى (وهذا القول أوّل كتاب سيبويه)، ثمّ رسمَ أصولَ النّحو كلها، فنقلها النّحويّون وفرّعوها. قال أبو الفرج الأصفهانيُّ: هذا حفِظْتُهُ عن أبي جعفر وأنا حديث السّنّ، فكتبْتُهُ من حفظي، واللّفظ يزيدُ وينقصُ وهذا معناه]([26]).

الرّواية السابعة: رواها ياقوت الحموي (626هـ) بأسانيدها قراءةً من كتاب (الأمالي) للزّجّاج، وأنا أنقل لك هذه الرّواية بطولها لأنّها تحتوي على نصّ تلك الصّحيفة التي ألقاها أمير المؤمنين إلى أبي الأسود الدُّؤليّ، فنسجَ أبو الأسود على منوالها في تأصيل أصول النّحو، قال ياقوت: [قرأتُ في كتاب (الأمالي) للزّجّاج قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن محمّد بن رستم الطّبري صاحب أبي عثمان المازنيّ قال: حدّثنا أبو حاتم السّجستانيّ، عن يعقوب بن إسحاق الخُضريّ قال: حدّثنا سعيد بن سلم الباهليّ قال: حدّثني أبي عن جدّي عن أبي الأسود الدُّؤليّ، أو قال: عن جدي عن أبي عن ابن أبي الأسود الدُّؤليّ، عن أبيه قال: دخلتُ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فرأيتُهُ مُطرقًا مُفكّرًا، فقلتُ: فيمَ تفكّر يا أميرَ المؤمنين؟ قال: إنّي سمعتُ ببلدكم هذا لحنًا فأردتُ أن أضعَ كتابًا في أصول العربيّة، فقلتُ: إن فعلتَ هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا، وبقِيَتْ فينا هذه اللّغة، ثمّ أتيتُهُ بعد أيامٍ فألقى إليَّ صحيفةً فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم: الكلام كلّهُ اسمٌ وفعلٌ وحرف، والاسم ما أنبأَ عن الـمُسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة الـمُسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسمٍ ولا فعل، ثمّ قال لي: تتبّعه وزد فيه ما وقع لك، واعلمْ يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهرٌ ومضمرٌ وشيءٌ ليس بظاهر ولا مضمر. قال "أبو الأسود" فجمعتُ منه أشياءَ وعرضتُها عليّه، وكان من ذلك حروف النصب، فكان منها (إنّ) و(أنّ) و(ليتَ) و(لعلّ) و(كأنّ) ولم أذكر (لكنّ). فقال لي: لِـمَ تركتَها؟ فقلتُ: لم أحسِبْها منها. فقال: بل هي منها فزدْها فيها]([27]).

هذا هو الأشهرُ من أمر ابتداء النّحو، وهذه هي أشهر الروايات المُسندة المتواترة الّتي تؤكّد على أنّ الإمام عليّ بن أبي الطالب (عليه السلام) هو أوّل مَن رسمَ النّحو العربيّ، ثمّ أرشد أبا الأسود لينحوَ نحوه، وهناك نُقُوْلٌ نَقَلَها أصحابُ التراجم، وتقريراتٌ قرّروها من دون إسناد تنسب إلى الإمام عليّ رَسْمَ أصولِ العربيّةِ، قال صاحب الفهرست: [زعمَ أكثرُ العلماء أنّ النّحو أُخذَ عن أبي الأسود الدُّؤليّ، وأنّ أبا الأسود أخذَ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليّه]([28])؛ وقال القفطيُّ: [الجمهور من أهل الرّواية على أنّ أوّلَ مَن وضع النّحوَ أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)]([29])؛ وبعدَ أن يعرضَ ابن الأنباريّ الرّوايات المتعدّدة في وضع أصول النّحو يقول: [والصّحيح أنّ أوّلَ مَنْ وضعَ النّحو عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لأنّ الرّوايات كلّها تُسْنِدُ إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يُسْنِدُ إلى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فإنّه رُويَ عن أبي الأسود أنّه سُئل فقيل له: من أين لك هذا النّحو؟ فقال: لَفَقْتُ([30]) حدودَهُ من عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ ورأيتُ بمصر في زمن الطّلب بأيدي الورّقين جزءًا فيه أبوابٌ من النّحو، يُجمعون على أنّها مقدّمة عليّ بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدُّؤليّ]([31]).

وهناك رواياتٌ يرويها أصحابُ التّراجم ينسبون وضعَ النّحو إلى أبي الأسود الدُّؤليّ، وقد عرفتَ أنّ أبا الأسود يُسنِد عن عليّ (عليه السلام)، ولا أظنُّ الدّؤليّ إلا متمثّلاً قول الأصمعيّ: [من حقِّ مَنْ يَقْبِسُكَ علمًا أن ترويَهُ عنه]([32])؛ قال الفراهيدي: [وبَلَغَنَا أنّ أبا الأسود وضعَ وجوهَ العربيّةَ، فقال للناس: أُنـْحُوا نحوَ هذا فسُمّيَ نحوًا، ويُجمع على أنحاء]([33])؛ قال ابن سلام الجمحي: [وكان أوّلَ مَن استنَّ العربيّةَ وفتحَ بابَها، وأنهجَ سبيلَها، ووضعَ قياسَها أبو الأسود الدُّؤليّ، وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل، وكان رجلَ أهل البصرة، وكان علويَّ الرأي]([34])؛ وقال ابن قتيبة: [أبو الأسود الدُّؤليّ أوّلُ مَنْ عملَ في النّحو كتابًا، ويُعدُّ في العرج، وشهدَ مع عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) صفّين، ومات في البصرة -وقد أسنَّ- سنة 69هـ في الطّاعون الجارف]([35])؛ وقال ابن فارس: [تواترت الرّوايات بأنّ أبا الأسود أوّلُ مَنْ وضعَ العربيّةَ]([36])؛ وقال في حقّه العجليّ: [كان من التابعين، من أصحاب عليّ، وهو أوّلُ مَنْ وضعَ النّحو، بصريّ، تابعيّ، ثقة]([37])؛ وقال ابن حِبّان: [ويُقال أنّه أولُ مَنْ تكلّم في النّحو]([38]).

وأختم بروايةٍ طويلةٍ، ولكنها مفيدة في المقام، رواها ابن النّديم في فهرسته، وهو ثقةٌ، يقول: [كان بمدينة الحديثة([39]) رجلٌ يُقال له محمد بن الحسين ويُعرف بابن أبي بعرة، جمّاعة للكُتب، له خزانةٌ لم أرَ لأحدٍ مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكُتب الغريبةِ في النّحو واللّغة والأدب والكُتب القديمة، فلقيتُ هذا الرّجلَ دُفعاتٍ فأنِسَ بي، وكان نفورًا ضنينًا بما عنده وخائفًا من بني حمدان، فأخرج إليَّ قمطرًا كبيرًا([40])، فيه نحو ثلثماية رطل جلود فلجان وصِكَاك وقِرْطَاس وورق صينيّ وورق تهاميّ وجلود أدم([41]) وورق خرساني، فيها تعليقاتُ لغة عن العرب، وقصائدُ مفردات من أشعارهم، وشيءٌ من النّحو والحكايات والأخبار والأسمار والأنساب وغير ذلك من علوم العرب وغيرهم، وذكرَ أنّ رجلاً من أهل الكوفة، ذهبَ عنّي اسمه، كان مُسْتَهْتَرًا([42]) بجمعِ الخطوط القديمة، وأنّه لـمّا حضرتْهُ الوفاةُ خصَّهُ بذلك لصداقةٍ كانت بينهما، وأفضالٍ من محمد بن الحسين عليه، ومجانسةٍ بالمذهب فإنّه كان شيعيّاً،فرأيتُها وقلّبتُها فرأيتُ عجبًا، إلا أنّ الزّمان قد أخْلقَها([43])، وعملَ فيها عملاً أدرسَها وأحرفها، وكان على كلِّ جزءٍ أو ورقةٍ أو مدرج توقيعٌ بخطوط العلماءِ واحدًا إثرَ واحدٍ، يذكر فيه خطّ مَن هو، وتحتَ كلّ توقيعٍ توقيعٌ آخرُ خمسة أو ستّة من شهادات العلماء على خطوط بعض لبعض، ورأيتُ في جملتها مصحفًا بخطّ خالد بن أبي الهيّاج صاحب عليّ (عليه السلام)، ثمّ وصل هذا المصحفُ إلى أبي عبد الله ابن حاني (رحمه الله). ورأيتُ فيها بخطوط الأئمّة من الحسن وإلى الحسين ^، ورأيتُ عدّةَ أمانات وعهود([44]) بخطّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، ومن غيره من كُتّاب النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ومن خطوط العلماء في النّحو واللّغة مثل أبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشّيبانيّ، والأصمعيّ، وابن الأعرابيّ، وسيبويه، والفرّاء، والكسائيّ،.. ورأيتُ ما يدلّ على أنّ النّحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته، وهي أربعةُ أوراقٍ، أحسبها من ورق الصّيني، ترجمتها: هذه فيها كلامٌ في الفاعل والمفعول من أبي الأسود (رحمةُ الله عليّه)، بخطّ يحيى بن يعمر، وتحتَ هذا الخطّ بخطٍّ عتيق: هذا خطّ علان النّحويّ، وتحتَهُ: هذا خطّ النّضر بن شميل. ثمّ لـمّا ماتَ هذا الرجلُ فقدْنا القِمْطَر وما كان فيه، فما سمعنا له خبرًا، ولا رأيتُ منه غير المصحف، هذا على كثرة بحثي عنه]([45]).

صار من الواضح والبيّن أنّ أبا الأسود الدُّؤليّ هو واضعُ علم النّحو العربيّ بإرشادٍ وتوجيهٍ من الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وما نقلناه من نقول يؤكّدُ ذلك، ولا يترك مجالاً لشاكٍّ أن يشُكّ في أمر مؤسّس النّحو وواضعِ الخطوطِ العريضةِ الأولى له.

أخذَ النّحو عن أبي الأسود الدُّؤليّ تلامذتُه [عنبسة الفيل، وميمون الأقرن، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هُرمُز، ويحيى بن يعمر]([46])، وتابع هؤلاء علماءُ كبار أمثال حمزة بن حبيب الزّيّات (156هـ)، والخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، وسيبويه (180هـ) [واسمه عمرو بن قَنْبَر وهو اعلم الناس بالنّحو بعد الخليل، ألّف كتابه الذي سمّاه الناس (قرآن النّحو)] ([47]).

مناقشة المشكّكين بوضع الإمام علي (ع)وتلميذه النّحوَ

كان النّحو من أسبق العلومِ الإسلاميّة إلى الظهور، ولو لم يبدأ التفكير به في وقت مبكّر على يدِ الإمام عليّ (عليه السلام) وتلميذه الدّؤليّ لما بلغَ من الشّأو والكمال ما بلغه على يدِ سيبويه (180هـ) وأقرانه من طبقته، وطبيعةُ الأشياء تؤيّد ذلك وتدلّ عليه، فما بينَ رسم حدود النّحو وبينَ مبلغه الكمال ما يزيد على القرن والنّيّف من الزمن، وهي فترةٌ معقولةٌ طبيعيّة بين بدايات أيّ علمٍ وشبهِ كماله.

إنّ منطقَ الأمور يقبل هذا النّموَّ التدريجيَّ للنّحو، وأمّا القول أنّ النّحو نشأ وترعرع واكتمل في غضون عقدين أو ثلاثة فإنّه أمرٌ تأباهُ طبيعةُ الأشياء، ويأباهُ المنطق والعقل.

سبق القول أنّ إجماعَ العلماء الأوائل واتفاقهم، وشهرةَ الرّوايات وتواترها، ووثاقةَ الرّجال وإسنادهم أمورٌ كلُّها تؤكّدُ أنّ أوّلَ مَنْ رسمَ النّحو هو الإمام عليّ (عليه السلام)، وأكمل تلميذُهُ أبو الأسود ما رسمه الإمام بإرشادٍ منه.

والغريب أن يأتيَ بعد هذا كلّه مَنْ يُشكّكُ في الرّوايات ووثاقة الرّجال، فيقدّم ظُنونَهُ وتخميناتِه على الرّوايات وتواترها، وعلم الرّواية عند المسلمين له أُصولُه وقواعدُه، وأمّا أن نُعمل الأهواء والضّغينة والمخالفة مقابل الرواية المتواترة والرّاوي الموثوق فأمرٌ لا يستقيم، ولا يجوز نسبته إلى الرأي العلميّ، والأكثر غرابةً أن يَتْبَعَ الباحثون من العرب والمسلمين أولئك المستشرقين في شطحاتهم وأوهامهم وتخرّصاتهم، وما إنْ يستنكرُ المستشرق الرّواية حتى يتلقّفها المسلم أو العربي ويبني عليها دون تفكّر أو تمحيص.

إنّ الرّوايات المتواترة الحاملة لمقولة وضعِ أبي الأسود الدّؤليّ حدودَ النّحو بإرشادٍ من الإمام عليّ (عليه السلام) لم أقفْ على أحد من العلماء المسلمين القدامى المعتبرين قد ردَّها، لأنّها رواياتٌ متواترةٌ مُتواطَأٌ عليها قديمًا، وكان المستشرقون أوّلَ مَنْ فتحوا بابَ التشكيك بهذه الرّوايات، والأنكى أن يتّبعهم قليلٌ ممن يُسمّون "باحثين" عند العرب والمسلمين، يقول المستشرق الألمانيّ كارل بروكلمان (1868/1956م): [أمّا تعيين أوّلِ مَنْ وجّهَ العربَ إلى الاشتغال بالبحوث اللّغويّة فهذا أمرٌ لا يزالُ غامضًا بعدُ، وما يُروى عن تلاميذ أبي الأسود الدُّؤليّ المزعومين فهو أمرٌ غير أكيد أيضاً،..ومهما وجب، علينا أن نعدَّ من قبيل الأساطير دراساتِ أبي الأسود الدُّؤليّ وتلاميذِه المزعومين]([48]).

 وتاليًا، جاء التشكيك على يدِ مَنْ تبعَ المستشرقين وسار بركبهم من الباحثين العرب، الذين احتذوا بهم حذوَ النّعل بالنّعل، وأوّل مَن سار بركبهم واحتذى بهم الكاتب المصري أحمد أمين (1878/1953م) في كتابه "ضُحى الإسلام"، ثمّ تتالى الباحثون العرب ينقلون آراء المستشرقين، أو ما نقله أحمد أمين عنهم وزادَ عليه تعليله العقدي لهذه الأساطير والخرافات.

يقول أحمد أمين عن وضعِ أبي الأسود الدّؤلي النّحو بإرشادٍ من الإمام عليّ (عليه السلام): [كلّ هذا حديث خُرافة، فطبيعة زمن عليّ وأبي الأسود تأبى هذه التعاريف وهذه التّقاسيم الفلسفيّة.. وأخشى أن يكون ذلك من وَضْعِ بعض الشّيعة الذين أرادوا أن ينسبوا كلَّ شيءٍ إلى عليٍّ بن أبي طالب وأتباعِهِ]([49])، وتأمل معي كيف أنّ أحمد أمين استبدل كلمة بروكلمان (الأساطير) بكلمة (خرافة).

 وينقل إبراهيم مصطفى ما قاله المستشرقون دون أن يستسيغ ما نقلته الرّوايات، يقول: [ولكنّنا لا نستطيع أن نتقبّل بيسر، ولا أن نستسيغ أن هذا الزّمن المبكّر قد تمكن فيه العرب من الاشتغال بـالـعـلوم ووضع القواعد على هذا الوجه الذي نراه في كتب العربية، وقد أنكر ذلك المستشرقون وعدّوه حديث خرافة]([50]).

وتابع شوقي ضيف (1910/2005م) أحمد أمين من دون أن يذكره أو يشير إليه أيضًا، يقول: [الرّوايات تحمل في تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجري فيها من تعريفات وتقسيمات منطقيّة لا يُعقل أن تصدر عن عليّ بن أبي طالب أو عن أحدٍ من معاصريه، ولعلّ الشّيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنّحو، الذي لا يتّفقُ في شيءٍ وأوّليّة هذا العلم ونشأته الأولى.. وقد تقفُ الرّوايات في الوضع الأول للنّحو عند أبي الأسود، وقد يكون ذلك من صنع الشّيعة، وكأنّهم أرادوا أن يضيفوا النّحو إلى شيعيّ قديم، فارتفع به بعضُهم إلى عليّ بن أبي طالب، ووقف به آخرون عند أبي الأسود صاحبه الذي كان يتشيّع له]([51]).

 أمّا سعيد الأفغاني فإنّه انمازَ عن شوقي ضيف بأنّه لم يغمِطْ أحمد أمين حقَّه وأشار إليه عند النقل، يقول: [ولستُ أدري هل أبقت أمور الخلافة والحروب والفتن لعليٍّ وقتًا يفرغُ فيه للتأليف في العلوم وتنقيحها واختراعها؟! ولعلّ الأستاذ أحمد أمين لم يكن بعيدًا من الصّواب حين روى هذا الخبر، فعلّق عليه بما يأتي: حديث خرافة...] ([52]).

وهكذا نجد أنّ المستشرقين ومَن تبعهم من العرب والمسلمين استبعدوا الرّوايات وأعملوا الظّنَّ والتّخمين والتشكيك والنّظر والاجتهاد والفروض مقابل تواتر الرّوايات واستفاضتها وإجماعها، وكان الأجدر بهم أن يأخذوا بها لأنّها هي الأقرب إلى عهد الوضع، وهي الأحرى بالأخذِ والثّقة بها، وبعد ذلك تجدني مضطرًّا أن أشكّكَ بالخلفيّة العلميّة لهؤلاء وأقول أنّها اعتراضات وتشكيكات مشبوهة حاقدة أُلبست لبوس البحث العلميّ([53]).

وبالعودة إلى أحمد أمين وتناوله أوّليّة وضع النّحو العربي فإنّه في الصفحة (285) من ضُحاه يقول: [كلّ هذا حديث خُرافة ومن صنع الشيعة]، ولكنه في الصفحة (286) يقول: [ويظهر لي أنّ نسبة النّحو إلى أبي الأسود لها أساسٌ صحيح] فانظر -يا رعاك الله- إلى هذا التّهافت والتّخبّط والضّياع، وكلّ ذلك لأنّه لا يريدُ أن يُذعنَ للرّوايات المستفيضة المتواترة التي تنسب النّحو إلى الإمام عليّ (عليه السلام) وتلميذه، وكأنّي به يريد أن يقول أنّهما غير جديرين بذلك، وليسا صاحبي عقلٍ راجح ولا حكمة، وهما غير مؤهّلَين عقليًا أن يضعا أصول علمٍ جديد، بينما غيرهما مؤهلٌ ولا ضيرَ في ذلك، وهذا ليس غريبًا على أحمد أمين وأضرابه، ففي معرض حديثه في كتابه (فجر الإسلام) عن أخذ أبي الأسود الدُّؤليّ النّحوَ عن الإمام عليّ يقول ساخرًا مُتهكّمًا: [..وعلى الجملة فليس هناك من علمٍ إلا وأصله عليّ بن أبي طالب، وكأنّ العقول كلّها أجدبت بالعقم إلا علي بن أبي طالب وذرّيته، وعلي من ذلك براء]([54]).

إنّ ما يحمله أحمد أمين في قلبه من ضغينة وحقد وحسد تنوء به الجبال هو الذي دفعه إلى التّشكيك وإنكار نسبة أوّليّة وضع النحو إلى الإمام عليّ أو إلى أحد تلاميذه ممّن تشيّع له، وحجّته تلك التعاريف والتقسيمات العقليّة والمنطقيّة، وهي أمور طبيعية واقعيّة غير مستغربة، ولا أحدَ ادّعى أنّ النحو وُلِدَ كاملاً تامًّا على يدي الإمام، ولم يقلْ هذا أحدٌ ممّن روى الرّوايات عن لسان الدّؤلي، وجلّ ما قاله أبو الأسود: [ألقى إليّ عليٌّ أصولاً احتذيتُ عليها]([55])، وما رسمه الإمام من أصول احتذاها أبو الأسود [ونقلها النّحويون وفرّعوها]([56]) ووضعوا لها التعاريف الدّقيقة والتقاسيم الفلسفية والمنطقية المملّة، وإن لم تكن ولادة العلوم على هذه الشاكلة فليقل لنا هؤلاء كيف تبدأ العلوم وتنمو حتى تصل إلى تمام كمالها؟

إنّ النّحوَ الذي وضعَهُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام)، ورسَمَ حدودَهُ تلميذُهُ الذي كان يتشيّع له أبو الأسود الدُّؤليّ، كان بدائيًّا بسيطًا لأنّه ابتدائيّ، والحال هذه تُشبه ولادة وبدايات مختلف العلوم والأفكار، وإذا أردنا أن نُشكّك بأوّلية كلّ العلوم من خلال الفرض والظّنّ والنّظر العقليّ بعيدًا عن تواتر الرّوايات وإجماعها فإنّه لا يبقى شيءٌ من تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، ولا عند غيرهم، لأنّها كلّها قائمة على الرّواية، يقول الدكتور الدّجني: [أقولها للحقيقة والتّاريخ أنّ أبا الأسود الدُّؤليّ هو الذي أسّس النّحو العربيّ، وغرس بذوره الأولى في فجر الإسلام الحنيف، علمًا بأنّني أعتمدُ في ذلك على العلماء، وهؤلاء الذين نقلوا لنا تُراثًا إسلاميًّا عربيًّا واسعَ الآفاق خصيبَ الجوانب..لم يُخطئوا جميعًا]([57])، ولكنّ أحمد أمين يُخطّئُهم جميعًا، ويَصُمُّ أذنيه فلا يسمع أقوال العلماء، ويَعْصِبُ عينيه فلا يرى رواياتهم، ويُعْمِلُ حقده وضغينته فيخرج بنتيجة مفادها أنّ عليًّا وتلميذَهُ الذي يتشيّع له غير لائقَين أن ينتجا علمًا، لأنّ عقليتهما لا تزال بدويّة، قاصرة عن إنتاج العلم والمعرفة!!

والسّؤال المطروح: ما هي حجّة أحمد أمين في ردِّ الرّوايات؟

حجّته أنّها رواياتٌ متناقضة في سبب الوضع، يقول: [يشهدُ لهذا الرّواياتُ الكثيرةُ المتناقضةُ في سبب الوَضْع]([58])، فهو قد اجتهدَ وأعمل فكره مقابل النّص الواضح البيّن، وكان الأحرى به أن يأخذ بها، لأنّ رواتها كُثر يُؤْمَنُ تواطؤُهم على الكذب، ولأنّ طرقها متعدّدة، على ما قرأت في بداية هذا البحث، ويكفي أنّ رجلاً ثقةً عند الجميع هو ابن النّديم قد قرأ في أوراقٍ في مدينة الحديثة عند رجلٍ جمّاعةٍ للكُتب [ما يدلُّ على أنّ النّحو عن أبي الأسود الدّؤليّ]([59])، ويعلّق الدكتور علي النجدي ناصف على هذه الرّواية بقوله: [فهذه شهادةُ عيانٍ من رجلٍ نثق به، ونعتمدُ عليه في معرفة الكثير عن تراثنا الفكري في القرون الأولى، وتُظاهرُها مع ذلك الأنباءُ المستفيضةُ والرّواياتُ المتعدّدة المصادر والطُّرُق، وليس باليسير ولا الهيّن أن نردَّها، ونعرضَ عن الأخذ بها لمجرّد التظنّنِ والتّشكيك هيامًا بالمخالفة واستطراف الآراء]([60]).

ولو بقيت المسألة مع أحمد أمين وأضرابه مسألة تشكيكٍ وتظنُّنٍ بالرّوايات المرويّة عن الثّقات واستطرافٍ للآراء لكان الأمر هيّنًا، عندها نقول: إنّ الباحثَ اجتهدَ فأخطأ أو أصاب، ولا شيءَ عليه، ولكنّه خلط ما هو علميّ تاريخيّ بما هو عقديّ، فخالف ما عليه الرّواة الثقات نكايةً بالشّيعة، لأنّ الواضع لعلم النّحو هو عليّ أو أحدُ تلامذته، [وأخشى ما أخشاه في هذا المقام أن يستدرجَنا الاستكثار من اتّهام التّشيّع في بحوثنا ودراساتنا إلى الطّرف الآخر، فنصبحُ كالنّاصبة من حيث لا نشعر ولا نريد]([61])، والحقّ أنّه موقف علميّ عقلانيّ منصف مُتقدّم، ليت علماء الأمّة اليوم ومشايخها ودُعاتها يتأسّون به، ويعملون بهديه.

إنّ رواية أحمد أمين لتاريخ نشوء النّحو تقوم على الظّنّ والتخمين، فهو يشكّ ويظنّ بالرّوايات التي تتحدّث عن جهود عبد الله بن أبي إسحاق (117هـ) أيضًا، وهو [أعلمُ أهل البصرة، وأعقلُهم، فرّعَ النّحو وقاسه]([62])، وكتب التّراجم كلّها تروي نظير ما رواه أبو الطّيب اللّغوي، ولكن أحمد أمين يُشكّك بذلك كله، يقول: [ومع هذه الرّوايات فلا نظنُّ أن ابن أبي إسحاق كان يعلم كثيرًا من النّحو الذي عُرفَ في عهد سيبويه]([63]).

وفجأةً يُولَدُ النّحو عند أحمد أمين على يد عمر بن عيسى الثّقفيّ (148هـ)، وهذه الولادة تبعَ فيها بروكلمان أيضًا، يقول بروكلمان: [ونحن ندخل لأوّل مرّة في دائرة التاريخ الصّحيح مع طبقةِ أساتذةِ الخليل وسيبويه عيسى بن عمر الثقفيّ]([64])، ويقول أحمد أمين: [عيسى بن عمر الثّقفيّ هو أوّل مَنْ جمع مسائل النّحو المعروفة في كتاب، فألّف كتابين أحدهما (الجامع)، والآخر (الإكمال).. وهما محاولة أوّليّة لجمع النّحو]([65])، هذا الذي قاله أحمد أمين نقله عن أبي الطّيّب اللغوي صاحب مراتب اللّغويين([66])، وأبو الطّيّب نفسه نقل رواية أوّليّة وضع النّحو على يد أمير المؤمنين عليّ أو تلميذه الدؤلي، والعجيب أن أحمد أمين قَبِلَ رواية أن يكون عيسى بن عمر هو أوّل مَن جمع مسائل النّحو، ورفض رواية أن يكون الواضع هو الإمام أو تلميذه، (تلك إِذَنْ قسمةٌ ضِيزى)، ثمّ إنّ اسمَي كتابي عمر بن عيسى [يَشِيان بمعناهما ومضمونهما، فالأوّل (الإكمال) يوحي بتداركِ فائتٍ وإتمامِ ناقص، والثاني (الجامع) يوحي بضمِّ أشتات واستيعاب شوارد]([67])، وما بين ابن أبي إسحاق وعمر بن عيسى فترة من الزمن لا تتجاوز العقدين أو الثلاثة على أبعد تقدير، فهل ينشأ علمٌ وينمو ويكتمل في ثلاثة عقود؟

وتاليًا، كيف يحق لمَن يدّعي البحثَ العلميَّ أن يأخذَ من راوٍ بروايةٍ ويردَّ أخرى؟ إنّه الهوى والضّغينة والجحد والعصبيّة، إن لم نقل النّصب.

إنّ علم النّحو على قول أحمد أمين يكون قد نشأ ونما وترعرع واكتمل على يدِ الأستاذ وتلميذه، فهو نشأ على يدِ عبد الله بن أبي إسحاق، وترعرع واكتمل وصار جامعاً على يد التّلميذ عمر بن عيسى الثّقفيّ([68])، وعليه، أيُّ القولين أقربُ إلى سُنّةِ النُّشوءِ والتّطوّر:

أن نقول إنّ النّحو نشأَ على يد الإمام عليّ (عليه السلام) وتلميذه، وبعد مرور قرن ونيّف بلغَ أشُدّهُ على يدِ سيبويه.

أو نقول إنّ النحو نشأ واكتمل على يد الأستاذ وتلميذه؟

أيّ القولين أقربُ إلى منطق الأمور، وطبيعة الأشياء؟ أفتُونا يرحمكم الله..!


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) أبو الطّيّب اللّغويّ: مراتب اللّغويّين، ص19.

([2]) عليّ بن الحسين بن هبة الله الشّافعي المعروف بابن عساكر (571هـ): تاريخ دمشق، ج34، ص203، تحقيق عليّ شيري، دار الفكر، بيروت-لبنان، ط1، 1998هـ.

([3]) عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، ص337، تحقيق درويش جويدي، المكتبة العصرية، صيدا-لبنان، 2008م.

([4]) ابن عساكر (571هـ): تاريخ دمشق، ج25، ص190.

([5]) عليّ بن يوسف القفطي (624هـ): إنباه الرّواة على أنباه النّحاة، ج1، ص39، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربيّ-القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية-بيروت، ط1، 1986م.

([6]) ابن جنّي (392هـ): الخصائص، ج3، ص309، تحقيق محمّد عليّ النّجار، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، ط2، د. ت.

([7]) عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ): البيان والتبيين، ص194.

([8]) أبو الفرج الأصفهانيّ: الأغاني، ج12، ص349.

([9]) ابن حجر العسقلانيّ (852هـ): تهذيب التهذيب، ج12، ص11، رقم الترجمة 8267، دار الفكر، بيروت-لبنان، ط1، 1984م.

([10]) أبو الطّيّب اللّغويّ: مراتب اللّغويّين، ص22.

([11]) بن يوسف القفطي (624هـ): إنباه الرّواة على أنباه النّحاة، ج1، ص50.

([12]) أبو جعفر الطوسي (460هـ): إختيار معرفة الرجال، ج2، ص476، رقم الترجمة 383، تحقيق مهدي رجائي، مؤسسة آل البيت، قم-إيران، 1404هـ. وراجع أيضًا: أبو القاسم الموسوي الخوئي: معجم رجال الحديث، رقم الترجمة 6033، جزء10، ص187، ط5، 1992.

([13]) محمد بن سعد (230هـ): الطبقات الكبرى، ج7، ص99، دار صادر، بيروت-لبنان، د. ت.

([14]) إبراهيم بن حميد الكلابزي النّحويّ البصريّ (ت:316هـ).

([15]) أبو حاتم السجستانيّ (ت:255هـ).

([16]) محمّد بن يحيى بن العباس الصّوليّ (ت:335هـ)، وهو شيخ أبي الطّيّب اللّغويّ.

([17]) محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر الثماليّ الأزدي، أبو العباس المعروف بالمبرد (ت:286هـ)، إمام العربيّة في بغداد بزمنه، وأحد أئمّة الأدب والأخبار.

([18]) صالح بن إسحاق، أبو عمر، الجرميّ بالولاء (ت:225هـ)

([19]) عبد الواحد بن عليّ، أبو الطّيّب اللّغويّ (351هـ): مراتب النّحويين، ص20، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا-لبنان، ط2، 2009م. وكتاب أبي الطيب اللّغويّ هو أوّل كتاب وصلنا يترجم فيه صاحبه للنحويين.

([20]) أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي، من تيم قريش، توفي سنة 211هـ، وقد قارب عمره المائة سنة.

([21]) الحسن بن عبد الله السّيرافي، أبو سعيد (368هـ): أخبار النّحويين البصريين ومراتبهم، ص34 و35، تحقيق محمّد إبراهيم البنا، دار الإعتصام-القاهرة، ط1، 1985م. وراجع هذه الرواية في:

محمّد بن إسحاق النديم المعروف بأبي يعقوب الورّاق (463هـ): كتاب الفهرست، ج1، ص45، تحقيق رضا تجدد، د. ت.

عبد الرحمن بن محمّد الأنباري (577هـ): نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، ص18، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا-لبنان،ط1، 2003م.

عليّ بن يوسف القفطي (624هـ): إنباه الرّواة على أنباه النّحاة، ج1، ص39، ط1، 1986م.

أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلكان (681هـ): وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزّمان، ج2، ص537، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت-لبنان، د.ت.

محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ): سير أعلام النبلاء، ج4، ص82، تحقيق شُعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان، 1993م.

([22]) محمّد بن الحسن الزبيدي الأندلسي (379هـ): طبقات النّحويين واللّغويّين، ص21، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف-مصر، ط2، د. ت. وراجع رواية المبرد في: ابن حجر العسقلانيّ (852هـ): الإصابة في تمييز الصحابة، ج3، ص561، رقم الترجمة 4333، دار الجيل، بيروت-لبنان، ط1، 1412هـ.

([23]) عبد الرحمن بن محمّد الأنباري (577هـ): نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، ص19.

([24]) أبو جعفر، محمّد بن جرير بن رستم الطّبري (460هـ)، وهو غير الطبري صاحب التاريخ.

([25]) محمّد بن إسحاق النديم المعروف بأبي يعقوب الورّاق (463هـ): كتاب الفهرست، ج1، ص45. وراجع مضمون الرواية في:

أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلكان (681هـ): وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزّمان، ج2، ص537.

محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ): سير أعلام النبلاء، ج4، ص82.

ابن الجزري الدمشقي الشافعي (833هـ): غاية النهاية في طبقات القراء، ج1، ص314، رقم الترجمة 1493، تحقيق برجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط1، 2006م.

([26]) أبو الفرج الأصفهانيّ (356هـ): الأغاني، ج12، ص347، تحقيق عبد عليّ مهنا، دار الفكر، بيروت- لبنان، ط1، 1986م. وهذا الذي نقله الأصفهاني تجده في: الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص84. وتجده في: الإصابة في تمييز الصّحابة: ابن حجر العسقلاني، ج3، ص563، رقم الترجمة 4333.

([27]) ياقوت بن عبد الله الرّومي الحموي (626هـ): معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)، ج5، ص203 و204، تحقيق عمر فاروق الطّبّاع، مؤسسة المعارف، بيروت-لبنان، ط1، 1999م. وتجد مضمون رواية ياقوت في:

محمّد بن عمران المزربانيّ (384هـ): كتاب نور القبس المختصر من (المقتبس)، إختصار اليغموري، ص7، دار النشر فرنتس شتاينر بفيسبادن، 1964م.

عليّ بن يوسف القفطي (624هـ): إنباه الرّواة على أنباه النّحاة، ج1، ص39.

([28]) محمّد بن إسحاق النديم المعروف بأبي يعقوب الورّاق (463هـ): كتاب الفهرست، ج1، ص39.

([29]) عليّ بن يوسف القفطي (624هـ): إنباه الرّواة على أنباه النّحاة، ج1، ص39.

([30]) تلقفتُ وحفظتُ.

([31]) عبد الرحمن بن محمّد الأنباري (577هـ): نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، ص19 و 20.

([32]) ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج1، ص80.

([33]) الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ): العين، ج3، ص302، تحقيق مهدي مخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت-لبنان، ط1، 1988م.

([34]) ابن سلام الجمحيّ (231هـ): طبقات الشعراء، ص13، تحقيق محمّد سويد، دار إحياء العلوم، بيروت-لبنان، ط1، 1998م.

([35]) ابن قتيبة (276هـ): الشّعر والشّعراء، ص491، دار إحياء العلوم، بيروت-لبنان، ط6، 1997م.

([36]) أحمد بن فارس بن زكريا (395هـ): الصّاحِبيّ في فقه اللّغة العربيّة، ص17، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، ط1، 1997م.

([37]) أحمد بن عبد الله بن صالح، أبو الحسن العجليّ (261هـ): معرفة الثقات، ج1، ص484، باب الظاء المعجمة، رقم الترجمة804، مكتبة الدار-المدينة المنورة، ط1، 1985م.

([38]) محمّد بن حبان (354هـ): الثقات، رقم الترجمة 4453، دار الفكر، بيروت-لبنان، 1957م.

([39]) بلدة في العراق قريبة من الجزيرة في سوريا.

([40]) القِمْطَر والقِمْطَرة: ما تُصان فيه الكُتب، وجمعه: قماطر (ابن منظور: لسان العرب، ج12، ص191، دار صادر، بيروت-لبنان، ط2، 2003م)

([41]) أَدَمَ: أي أَصْلَحَ، ويقال: أدم الصّانعُ الجلدَ: أي: أصلحه بنزع الزّائد من أدمته.

([42]) الإستهتار هو الولوع بالشّيء والإفراط فيه، يُقال: استُهتِرَ بأمرِ كذا أي: أُوْلِعَ به، لا يتحدّث بغيره، ويُقال: فلانٌ مُسْتَهْتَرٌ بكذا أي: مولع به. (ابن منظور: لسان العرب، ج15، ص19)

([43]) أخلقها: أبلاها.

([44]) وفي نسخة (وعهودًا).

([45]) محمّد بن إسحاق النديم المعروف بأبي يعقوب الورّاق (463هـ): كتاب الفهرست، ج1، ص46.

([46]) عبد الرحمن بن محمّد الأنباري (577هـ): نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، ص20.

([47]) أبو الطّيّب اللغوي: مراتب النّحويين، ص73.

([48]) كارل بروكلمان (1956م): تاريخ الآداب العربيّة، ج2، ص123 و 128، نقله إلى العربية د. عبد الحليم النّجّار، دار المعارف، القاهرة-مصر، د. ت.

([49]) أحمد أمين: ضُحى الإسلام، ج2، ص285، طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية، ط7، د. ت.

([50]) إبراهيم مصطفى: أوّل مَن وضع النّحو، مجلة كلّيّة الآداب، جامعة فؤاد الأوّل، المجلد العاشر، القسم الثاني، ديسمبر 1948م.

([51]) شوقي ضيف: المدارس النّحويّة، ص14 و15، دار المعارف-مصر، ط2، د. ت.

([52]) سعيد الأفغاني: في أصول النّحو، ص164، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، دمشق، 1994م. (وينقل رأي أحمد أمين السابق).

([53]) إنّ هذه التشكيكات المرتبطة بالإمام عليّ (عليه السلام) لها نظائر كثيرة عند المستشرقين وعندَ مَن ناصب العداء للإمام، ولعلّ أوّل مَن فتح باب التشكيك بنهج البلاغة كان ابن خلكان (681هـ) صاحب (وفيات الأعيان)، فهو يرى أن نهج البلاغة من صنع الشّريف الرّضي ووضعه، بينما يصرح الشريف الرضي نفسه أنّه هو الجامع له لا أكثر، ثمّ تبع ابن خلكان في ذلك الحاسدون، فمن ابن تيميّة في كتابه (منهاج السّنة) إلى الذهبيّ صاحب (ميزان الإعتدال)، وابن حجر العسقلانيّ صاحب (لسان الميزان)، مرورًا بالمستشرقين، وصولاً إلى أحمد امين في (فجر الإسلام)، وشوقي ضيف في كتابه (الفنّ ومذاهبه)، ومحمد سيد كيلاني في كتابه (أثر التّشيّع في الأدب العربي)، وجرجي زيدان وو..

ومن الملاحظ أنّ الذين اعترضوا على أوّلية وضع النحو على يد الإمام عليّ وتلميذه هم أنفسهم الذين اعترضوا على نسبة نهج البلاغة للإمام، ثمّ إنّ أدلّتهم في نفي نسبة نهج البلاغة إلى الإمام تُشبه أدلّتهم في نفي أوّلية نسبة النّحو إليه، والأهداف والشُّبهات متشابهة، وحديث الخرافة هذا -نسبة النهج إلى الشّريف الرّضي- ردّه العلماء، والدليل بسيط سهل وهو أنّ أكثر خُطب وأحاديث وحِكم النهج موجودةٌ في مصادرَ وكُتبٍ متقدّمة زمنيًا على زمان الشريف الرّضي، وإذا ثبت هذا يصبح من السّهل ثبوت نسبة التقسيم الثلاثيّ أو بدايات النحو للإمام (عليه السلام) أو تلميذه، لما في النهج من تعريفات وتقسيمات ومصطلحات وأفكار عالية المضامين والمعاني تدلّ على إبداع وعلى قوى فكرية هائلة. (للمزيد في ذلك راجع بحثًا عنوانه: أبو الأسود الدؤلي: السيد هاشم محمد).

([54]) أحمد أمين: فجر الإسلام، ص296 و197، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة-مصر، 2012م.

([55]) الزبيدي: طبقات النحويين واللغويين، ص21.

([56]) الأصفهاني: الأغاني، ج 12، ص347.

([57]) عبد الفتاح الدجني: أبو الأسود الدّؤلي ونشأة النحو العربي، ص161، وكالة المطبوعات-الكويت، ط1، 1974م.

([58]) أحمد أمين: ضُحى الإسلام، ج2، ص285.

([59]) محمد بن إسحاق النديم المعروف بأبي يعقوب الورّاق (463هـ): كتاب الفهرست، ج1، ص46.

([60]) علي النجدي ناصف: سيبويه إمام النّحاة، ص137 و138، عالم الكتب-القاهرة، ط2، 1979م.

([61]) م. ن: ص 142. (النّواصب: فرقةٌ تتديّنُ ببغض عليّ بن أبي طالب، فهم نصبوا له، أي: عادوه، وهم يقولون أنّ علياً لم يكن مُصيبًا في حروبه) راجع: الذهبي: سير أعلام النبلاء، هامش ج4، ص171، و ج8، ص45.

([62]) أبو الطّيّب اللغوي: مراتب اللغويين، ص26.

([63]) أحمد أمين: ضُحى الإسلام، ج2، ص289.

([64]) كارل بروكلمان: تاريخ الآداب العربيّة، ج2، ص128.

([65]) م. ن: ج2، ص290.

([66]) راجع الرّواية بتمامها في: أبو الطّيّب اللغوي: مراتب النحويين، ص37.

([67]) علي النجدي ناصف: سيبويه إمام النّحاة، ص138.

([68]) في جدولٍ صنعه أحمد أمين يظهر فيه أن عبد الله بن أبي إسحاق هو تلميذ عمر بن عيسى الثقفي. (راجع: ضحى الإسلام: ج2، ص284).

 

 

 المدارس في جبل عامل

بين 1370-1914م

د. علي إبراهيم درويش

 

مقدمة:

الترابط قديم والعلاقة جدلية/ترابطية بين المدرسة والعلم. فالحديث عن المدرسة يقود إلى العلم، والحديث عن المدارس يؤدي إلى تتبّع الحراك العلمي الذي تنتقل من خلاله الأفكار والعلوم والأنماط الفكرية المتنوعة. وبالتالي الحديث عن الحياة العلمية.

لذا، نتناول في هذا البحث الحياة العلمية في جبل عامل عامة وبشكل خاص المدارس التي عمرت بها تلك البلاد منذ نهاية القرن الرابع عشر الميلادي وحتى مطلع القرن العشرين وتحديدًا بين الأعوام 1370-1914 م. واستكمالاً للفائدة نتعرض لعملية التدريس التي كانت قائمة في تلك المدارس.

تعرضت بلاد المسلمين عامة والدولة العباسية خاصة لهجمات المغول وأدى ذلك إلى إنهاء الخلافة العباسية في بغداد عام 1258م، وانتقالها (الخلافة) إلى كنف دولة المماليك الناشئة في القاهرة. وتزامن ذلك مع العقود الأخيرة من الصراع العسكري بين الفرنجة (أو ما تم التعارف عليه عند الأوروبيين باسم الحروب الصليبية) وشعوب وحكام البلاد التي تعرضت لهذا الغزو طوال الفترة الممتدة بين الأعوام 1095-1291م. ومع هذه التغيرات وضمن هذا السياق شهدت البلاد عامة موجة من التراجع والانحطاط في العديد من المجالات، وكانت العلوم والآداب والمجالات الفكرية واحدة من مظاهر هذا الانحطاط.

مع دخول العثمانيين إلى بلاد الشام، استمر الركود العلمي في بلاد الشام. ويذكر محمد كرد علي، أنه زاد انحطاط العلم في القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي. ولم تكن [أيام الترك ميمونة على المعارف في هذه الديار "بلاد الشام" مثل القرنين السالفين الثامن والتاسع الهجريين/الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين] ([1]).

واستمرت الحالة العامة كذلك، طيلة القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، ودخل القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، أيضًا حيث لا تجديد ولا جديد. إلا مناقشة قضايا وكتابات قديمة، لاكتها الألسن لا إبداع فيها ولا اختراع([2]).

تمايز عن الحالة العامة هذه بعض المناطق، ومنها بلاد عاملة، التي زخرت بالمدارس، التي خرّجت العديد من العلماء. فبينما كان الانحطاط والانحلال السياسي والاجتماعي يخيّمان على أرجاء العالم الإسلامي آنذاك، وبعد انحسار العلم والنشاط الفكري عن الكثير من العواصم الإسلامية، نتيجة الأحداث الدامية والغزوات المتتالية التي تعرضت لها بلاد المسلمين وبينما [كان الركود الفكري جاثماً على صدر العالم الإسلامي في ذلك العصر. كانت هناك واحات لا تزال مخضوضرة بالمعرفة والثقافة، يخصب فيها الفكر، ويعطي إنتاجاً رائعاً. وقد تبعثرت تلك الواحات هنا وهناك: وكان لإيران وجبل عامل النصيب الأكبر منها، وقد انطلقت منهما طاقات الإنسان في يقظة علمية رائعة في مختلف ميادين الثقافة، مما جعلتها غنيّة إلى حد بعيد برجالات كبار كانوا قُوّاد القافلة العلمية المنطلقة، وظهر في هذا الدور عدد وفير من العلماء النابغين من الشيعة الإمامية في جميع المعارف والفنون، ازدهر العلم وأعشب بهم الفكر، وأفادوا أجيالهم بما أعطوه من مدد علمي وفكري] ([3]).

هذا النشاط العلمي أدهش بعض المطلعين على تراث العامليين، الذي استغرب استمرار التحصيل العلمي العالي في مناطق ريفية فقيرة، محرومة من دعم السلطة الحاكمة، وبعيدة عن المدن الكبرى. ويفتش عن الأسباب، فيرد ذلك إلى قوة الإيمان التي تميز بها شيعة الإمام علي ×، بالإضافة إلى وجود المدن المقدسة في العراق التي أعطت دعمًا خارجيًا للعلم والمتعلمين([4]).

هذا الوضع الذي تميّز به العامليّون كانت له أسباب متعددة. وإذا تتبعنا النشاط العلمي والثقافي في جبل عامل نلاحظ أن هذا النشاط قد بدأ منذ وقت مبكر [لكن ذروة هذا النشاط ابتدأ في جزين بمدرسة الشهيد الأول، الشيخ محمد بن مكي العاملي المتوفى سنة 786 هـ/1384م. واستمر متمثلاً بعدد جمٍّ من العلماء المحققين والمؤلفين حتى مطلع القرن العشرين] ([5]).

وإذا حاولنا تتبع الأسباب التي ساعدت على قيام نهضة فكرية في جبل عامل، يمكن أن نجد بعض العوامل التي ساعدت على استمرار العلم وتقدمه وتطوره في ربوع عاملة، وأهمها: وجود عدد من المدارس في بلاد العامليين، واستقدام الصفويين للعديد من علماء عاملة، وكذلك الاضطهاد السياسي الذي لاقاه العامليون، إضافة إلى وجود مكتبات متعددة، ووجود علماء أفذاذ في تلك الفترة مثل الشهيد الثاني، وولده الشيخ حسن صاحب المعالم، والمحقق الكركي، والشيخ البهائي والحر العاملي([6]).

 هذه النهضة التي شهدتها بلاد عاملة كان للمدارس الدور الأبرز والأول فيها، حيث انتشرت المدارس في ربوع جبل عامل لتشمل مختلف الحواضر العامليّة داخلاً، وجبلاً وساحلاً، شمالاً (جزين و..) وجنوبًا (ميس الجبل و..) شرقًا (مشغرة و..) وغربًا ( حناويه و...).

الحياة العلمية في جبل عامل

قسّم الباحثون العامليون الحياة العلمية أو (الحالة العلمية) في جبل عامل إلى ثلاثة أدوار:

من أول زمنهم -أي منذ إنشاء مدرسة جزين في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي- إلى القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي.

ومنه -أي من القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي- إلى آخر القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي.

ومنه -أي من آخر القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي- إلى الحرب العالمية الأولى.

وعليه نرى التصنيف التالي الذي تقاطع عليه، وأخذ به كل من الشيخ علي السبيتي في كتابه (جبل عامل في قرنين) ([7])، والمؤرخ العـاملي محمد جابر آل صفا في كتابه (تاريخ جبل عامل) ([8]). وتابعهما في ذلك العلامة الشيخ إبراهيم سليمان في كتابه (بلدان جبل عامل) ([9])، ويشمل التالي:

الدور الأول:

من بداية هذه النهضة في أواسط القرن الثامن الهجري إلى القرن الحادي عشر الهجري/الرابع عشر حتى السابع عشر الميلادي (755-1100 هـ/1354ـ1688،9م).

أي منذ عودة الشيخ محمد بن مكي الجزيني (734-786 هـ/1334-1384م) عام 755هـ/1354م إلى الربع الأخير من القرن السابع عشر الميلادي. برز في هذا الدور العلماء مثل الشيخ محمد بن مكي والمعروف بلقب الشهيد الأول، وكذلك الشيخ زين الدين بن علي الجبعي المعروف بالشهيد الثاني، والمحقق الكركي (علي بن عبد العالي الكركي) والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، والشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد البهائي العاملي، والشيخ علي بن يونس النباطي صاحب كتاب (الصراط المستقيم).

وبرزت النساء أيضًا ومنهن أم الحسن فاطمة بنت الشهيد الأول.

الدور الثاني:

امتد لمدة قرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين/الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين (1101-1300 هـ/1689-1882،3م).

كانت بدايته حروبًا امتدت من القرن الحادي عشر الهجري واستمرت في القرن الثاني عشر الهجري، حيث فقد العامليون القائد ناصيف النصار في 5 شوال عام 1195 هـ/1780م. تركت هذه الحروب بصماتها على الحالة العلمية حيث قلّ عدد العلماء ولكن لم تخلُ البلاد منهم. حيث برز العديد من العلماء في هذه الفترة ومنهم السيد حسين نور الدين والسيد حيدر نور الدين في النبطية والشيخ محمد مهدي الفتوني والشيخ إبراهيم يحيى الذي هجر جبل عامل إلى دمشق هربًا من بطش الجزار. والشيخ علي خاتون الذي برز في مجالات الطب والرياضيات والفقه. وابتلي بظلم الجزار الذي سجنه مرتين ولم يقبل الفدية منه وصادر ماله وأملاكه وأحرق مكتبته التي كانت تحوي خمسة آلاف مجلد من الكتب الخطية النادرة وذلك في عكا. وبرز كذلك السيد أبو الحسن بن حيدر الأمين صاحب مدرسة شقراء، وغيرهم من العلماء والشعراء.

وبعد موت أحمد باشا الجزار والي عكا، أخذت الحركة العلمية بالتطور قياسًا لما شهدته في زمنه، ففتحت مدرسة الكوثرية بإدارة الشيخ حسن قبيسي، وتخرج منها حمد بن محمود بن نصار المعروف بـ (حمد البك) ابن أخي ناصيف النصار. وكان شاعرًا وأصبح مجلسه منتدى الأدباء، والتفّ حوله العديد من أهل العلم والأدب، ومنهم الشيخ علي بن محمد السبيتي صاحب كتاب (اليواقيت) و(العقد المنضد في شرح قصيدة علي بك الأسعد). ومنهم الشاعر علي بن ناصر زيدان والشيخ حبيب الكاظمي والشيخ إبراهيم صادق حفيد الشيخ إبراهيم يحيى.

عاد فتح المدارس في ربوع عاملة للانتشار مجددًا، فمع مدرسة الكوثرية التي تخرج منها السيد علي إبراهيم والشيخ عبد الله نعمة، تم افتتاح مدرسة جباع مع الشيخ نعمة نفسه. وبعد جباع ظهرت مدرسة حناويه بإدارة الشيخ محمد علي عز الدين.

ازداد في هذه الفترة التناغم بين أمراء آل علي الصغير ومنهم علي بيك والأدباء والشعراء والعلماء. ومنهم الشيخ محمد حسين مروة.

وفي هذا الدور كان للمرأة شأن، فتُذكَر أديبة اسمها منى في بنت جبيل، والأديبة زينب فواز في تبنين والتي هاجرت إلى مصر ونبغت فيها.

الدور الثالث: (1301ـ 1335هـ/1883ـ 1916م)

بدأ هذا الدور وبروز مدرسة بنت جبيل ورئيسها الشيخ موسى شرارة التي خـرّجت العديد من العلماء منهم الشيخ حسين مغنية، والسيد محسن الأمين، والشيخ عبد الحسين صادق، والسيد نجيب فضل الله، والسيد يوسف شرف الدين، والسيد حيدر مرتضى والشيخ موسى مغنية، والشيخ عبد الكريم الزين، والشيخ محمد دبوق. ومدرسة أنصار، ومدرسة النميرية، ونشأت مدارس في مجدل سلم وفي شقراء وجويا وكفرا وعيناثا، ومدرسة النبطية الصغرى التي تعرف بالمدرسة النورية نسبة لمؤسسيها من آل نور الدين، ومدرسة الحميدية التي أسسها السيد حسن يوسف الحسيني سنة 1309 هـ/1891م التي خرج منها العديد من العلماء والفضلاء ومنهم الشيخ أحمد رضا. والشيخ سليمان ظاهر، ومحمد جابر آل صفا، والشيخ أحمد عارف الزين، والشاعر محمد علي الحوماني، والأديب حسين مروة وغيرهم.

هذه الأدوار تميّزت عند مصنفيها بالمدارس، حيث شكلت البداية لتصنيف كل مرحلة، لما للمدارس من أهمية، في نشر العلم وتخريج العلماء.

المدارس:

كثرت المدارس في ربوع جبل عامل، وخرّجت العديد من العلماء والمحققين والمؤلفين منهم الشهيد الثاني زين الدين الجبعي، والمحقق الميسي، وبهاء الدين العاملي، والحر العاملي وغيرهم.

كان العامليون يقصدون العديد من المدارس خارج جبل عامل لتكميل تحصيلهم العلمي والتعمق في الدراسات الإسلامية. وكانت النجف والحلة من المراكز التي يقصدها العامليون. ويعتبر إسماعيل بن الحسين العودي الجزيني العاملي (580هـ/1190م) رائد الرحلة العلمية إلى العراق، فقد زار الحلة وأخذ عن حلقات العلماء، ثم رجع إلى بلده جزين. وكذلك قصدها (الحلة) الشيخ طومان المناري في أواسط القرن السابع الهجري، وأجازه علماؤها([10]).

وممن قصد الحلة أيضًا، الشيخ صالح بن مشرف جد الشهيد الثاني، وتتلمذ على العلاّمة الحلي. وكذلك جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي، وابن الحسام العاملي عز الدين، الذي أجازه الشيخ فخر الدين بن المطهر العلاّمة سنة 753 هـ/1352م([11]).

ولما أصيبت الحركة العلمية بنكسة بعد سقوط بغداد، وبعدما خبا نور العلم لفترة ما، حاول العامليون الاستمرار في تحصيلهم العلمي. وتنبّه العلماء لأهمية وجود المدارس التي يستطيع الطالب أن يتلقى فيها الدروس التي تؤهله لنيل المراتب العلمية والفقهية العليا. ولكي تسدَّ الفراغ الذي حصل بعد تخريب الحواضر العلمية في العراق.

وفي هذا المجال، يُعتبَر الشهيد الأول هو نقطة البدء بفتح المدارس في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر ميلادي. والشهيد الأول هو الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مكي العاملي الجزيني([12])، ارتحل إلى العراق ودرس بالحلة وبغداد، ودرس على بعض العلماء في مكة والمدينة ودمشق والقدس أيضًا ومنها عاد إلى جبل عامل([13]).

ويكاد يُجمِع كل من تناول النهضة الفكرية في جبل عامل، على أن الشهيد الأول (734-786هـ/1334-1384م) هو المؤسس الفعلي للنهضة الفكرية فبعدما طاف في البلاد باحثًا عن العلم واكتسابه [عاد إلى بلاده مجازًا من أساتيذه مبرزًا بمعلوماته، وشرع بتركيز قواعد التدريس، ونشر العلم. فاستطاع أن ينهض بالجبل نهضة جبارة هو رأسها وأساسها] ([14]) واعتبرت سنة 755هـ/1354م. مبدأ البعث العلمي والأدبي في جبل عامل وهي سنة عودة الشهيد الأول من العراق([15]).

ومما لا شك فيه، أن للمدارس أثرًا هامًا في نشر المعرفة، وشحذ العقول وإنارة الظلمات. لذا فقد [أنشئت في جبل عامل من عهد قديم عدة مدارس، كان أهمها في جزين، ومشغرة، وجباع، وعيناتا، وميس، والنباطية، وكرك نوح، وبعلبك. وهاتان الأخيرتان وإن لم تكونا داخلتين في جبل عامل، إلا أنه صار متعارفًا إدخالهما فيه]([16]). ومن المدارس التي قصدها وتعلم وعلّم فيها العامليون، مدارس جزين وميس الجبل، وعيناتا، وجبع، وكرك نوح، ومشغرة، والمدارس النورية في بعلبك.

هذه المدارس اتخذت طابع المدارس الدينية، شأنها في ذلك شأن معظم المدارس التي زخرت بها بلاد المسلمين طوال الفترة الممتدة منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى مجيء العثمانيين عام 1516م. واستمرت الحالة العلمية في المدارس كسابقاتها حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، إلى أن أخذ العثمانيون بإصدار قوانين تعليمية جديدة متماشية مع التنظيمات التي أدخلت على الإمبراطورية العثمانية منذ العام 1839م، أي منذ إصدار فرمان كلخانه يوم الأحد 26 شعبان سنة 1255 هـ/3 تشرين الثاني سنة 1839م([17])، والإصلاحات الخيرية عام 1272هـ/1856م ([18]). حيث قام العثمانيون بإصدار قانون المعارف العمومية عام 1869م، والذي وزع التعليم في المدارس الرسمية على ثلاث مراحل: رشدية وإعدادية وعالية، التي توازي المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية في أيامنا([19]).

طالت هذه الإصلاحات المدارس في بلادنا، وعرفت بلاد جبل عامل بعض المدارس التي أدخلت بعض العلوم العصرية إلى جانب العلوم الدينية. فبرزت المدارس الإرسالية، والأهلية إضافة إلى المدارس ذات الطابع الديني.

وإذا حاولنا تتبع هذه المدارس سنجد أمامنا المراحل الزمنية التي تنظم هذه المدارس، حيث نعرض المدارس التي برزت بين الأعوام 1370-1757م، ثم المدارس التي تلتها وصولاً إلى مطلع القرن العشرين وبدايات الحرب العالمية الأولى.

وفي هذا الإطار نعرض للمدارس التالية:

أولاً: المدارس بين الأعوام 1370ـ1757م.

مدرسة جزين:(771 ـ1171 هـ/1370ـ 1757م):

كانت جزين مقصدًا للمعرفة، ومجمعًا للعلماء والمفكرين، ومشهورة بعلمائها ومجتهديها. وللتدليل على عظمة تلك الشهرة نذكر ما أورده عبد المجيد الحر في مجلة العرفان (أنه توفي أواخر القرن السادس الهجري مجتهد فقيه، هو العلاّمة إسماعيل بن الحسين العودي الأسدي الحلي (الجزيني) فشيَّعه إلى مثواه الأخير عشرون ألفًا وصلّى على جثمانه سبعون مجتهدًا، ورثاه الشاعر العاملي إبراهيم بن الحسام بقصيده منها قوله:

عرّج بجزين يا مستبعد النجف
 

ففضل مَن حلها ياصاح غير خفي ([20])

 

ومدرسة جزين أنشأها الشهيد الأول [بعد عودته من النجف، بعد تعطل واضطراب أمور الجامعة العلمية فيها على إثر غارات التتار ونكبة بغداد. فبات أمر الهجرة إلى النجف عسيرًا، فأنشأ الشهيد الأول مدرسة جزين]([21]).

وكانت هذه المدرسة أشبه بالمجمع العلمي لبعض العلماء المجتهدين والمشتغلين بالفقه. وأمّها الكثير من العلماء للاستزادة بعلومها المختلفة، (وتخرّج منها عدد وافر من العلماء والفقهاء نشروا العلم وأنشأوا المدارس في أنحاء جبل عامل) ([22])، وحول جزين يورد يوسف خطار أبو شقرا في كتاب "الحركات في لبنان" التالي:

[وكانت جزين في ذلك العهد قصبة مهمة محشودة بالسكان. وفيها جامع كبير ومنارة رفيعة. وكان في جزين اثنا عشر شيخًا من العلماء الأفاضل. ولذا كنتَ ترى جزين محطًا لرحال طلبة العلم ومنتجعي الآداب] ([23]).

ونبغ من جزين عدد كبير من العلماء والعالمات، وكانت من بين النساء أم الحسن فاطمة المدعوة بست المشائخ ابنة الشهيد الأول، وكان أبوها يثني عليها ويأمر النساء بالإقتداء بها والرجوع إليها([24]).

واستمرت هذه المدرسة في عطائها إلى حين خروج المتاولة من جزين سنة 1171هـ/1757م([25])، على إثر الحروب التي دارت بينهم وبين سكان الشوف. ثم استقدم الأخيرون (فلاحين من الطوائف المسيحية)، أقاموهم في مناطق إقليم التفاح التي أخذوها من المتاولة، ليعملوا في الزراعة (شركاء بالعمولة لاعتمار الأرض واستدرار بركاتها)([26]).

واستمرت مدرسة جزين بالعطاء حتى إجلاء الشيعة عن جزين عام 1757 م. ولما تضعضعت الأوضاع في مدرسة جزين، انتقلت الحركـة العلمية ومعظم العلماء إلى مدرسـة جبـع لقربها من جزين([27]).

مدرسة ميس الجبل:

أسسها العلاّمة الفقيه المحدّث الشيخ علي بن عبد العالي الميسي المتوفي سنة 933هـ/1526م. وهو المعروف بالمحقق الميسي صاحب (الرسالة الميسية في الفقه) ([28]). وكان الشيخ الميسي يتميز بهمة عالية ومن المعروف عنه (أنه كان ينقل الحطب ليلاً على حماره في قرية ميس لتلامذته وعياله)([29]).

ساعد على شهرة هذه المدرسة عاملان هامان [الأول الدرجة العلمية التي نالها مؤسسها والثاني (الحوزة) العلمية التي عرفت بها من خلال الدروس المنتظمة، وقيمتها]([30]).

هذا ما جعل طلاب العلوم من جبل عامل والعراق وإيران وسوريا يقصدونها، حتى (بلغ عدد طلابها في ذلك العصر أربعماية طالب) ([31]). وخرج من مدرسة ميس العديد من العلماء، كالعلاّمة الشهيد الثاني زين الدين بن أحمد بن علي الجبعي الذي استُشهد سنة 966 هـ/1558م، والعلاّمة أحمد بن تاج الدين العاملي الميسي (الذي قصده العالم الكبير محمود بن محمد الكيساني سنة 956 هـ/1548م قصد أخذ الإجازة منه) ([32]) وكالعلاّمة لطف الله الميسي الذي كان (الشيخ البهائي يعترف له بالفضل ويأمر بالرجوع إليه، كان في عصر الشاه طهماسب الصفوي، ومسجده المعروف بمسجد الشيخ لطف الله العاملي، لا يزال معمورًا إلى اليوم) ([33]) في أصفهان حسب ما ذكر السيد محسن الأمين.

مدرسة عيناتا:

أنشأ آل خاتون حوزة عيناتا في أواخر القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي ([34]). وكانت قرية عيناتا مقرًا لأعلى الدراسات الإسلامية، وكان الطلاب يفِدون إليها [لا من الجبل وحده، بل من أقصى البلاد (العربية). فجاءها فيمن جاء ناصر بن إبراهيم البويهي، وعكف على تلقي العلم فيها على الشيخ ظهير الدين بن الحسام] ([35]). وسكن بها حتى وفاته سنة 852/1449([36]). وخرج من عيناتا العديد من العلماء، مثل الشيخ أحمد بن خاتون العيناتي، والشيخ أحمد بن يوسف العيناتي، من تلامذة الشيخ محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني، والشيخ نعمة الله بن خاتون العيناتي، والشيخ أحمد بن نعمة الله بن خاتون العيناتي وغيرهم([37]).

ويذكرها البعض باسم مدرسة عيناثا الأولى تمييزًا لها من المدرسة التي انبعثت مجددًا في عيناثا والتي أسسها السيد نجيب فضل الله([38]).

مدرسة جبع:

برز اسم بلدة جبع على الصعيد العلمي، مع الشهيد الثاني زين الدين بن علي، وولده الشيخ حسن صاحب المعالم، واستمرت جبع بعد ذلك بالعطاء العلمي. وتخرّج من مدرستها العديد من العلماء، وأشهرهم الشهيد الثاني، ووالده الشيخ علي بن أحمد بن محمد العاملي الجبعي، وولده الشيخ حسن وأحفاده وذكر السيد الأمين أنه تعاقب من ذرية الشهيد الثاني (إثنا عشر عالمًا سمّوا بسلسلة الذهب) ([39]). ويسميها الشيخ إبراهيم سليمان باسم مدرسة جبع الأولى([40]).

هذه أهم وأشهر المدارس التي برزت في جبل عامل. ويجب الإشارة إلى أن معظم العلماء العامليين، الذين كانوا ينتشرون في ربوع جبل عامل كانت مجالسهم مقصدًا للطلاب. لذا يمكن القول أن مجالس العلماء العامليين كانت بالإضافة إلى المدارس العاملية مكانًا آخرًا لبعث النهضة وتلقيح الفكر وشحذه.

وبالإضافة إلى المدارس التي قامت في ربوع جبل عامل، فقد كان هناك عدد من المدارس خارج جبل عامل، قصدها العامليون حتى حُسِبت في عداد المدارس العاملية ومنها:

مدرسة كرك نوح:

تقع هذه المدرسة في كرك نوح في البقاع خارج حدود جبل عامل الجغرافية. أسسها الشيخ علي بن عبد العالي الكركي المعروف بالمحقق الثاني المتوفى سنة 940 هـ/1533م ([41]). [وكانت قرية الكرك في أوائل القرن العاشر الهجري رحلة العلماء وطلاب العلم، حتى إن الشهيد الثاني ارتحل إليها لطلب العلم كما أخبر عن نفسه مع كثرة المدارس العاملية في ذلك العهد] ([42])، وقرأ على السيد حسن بن جعفر الكركي الموسوي صاحب كتاب محجة البيضاء([43]).

وخرج من الكرك ونسب إليها العديد من العلماء منهم الشيخ إبراهيم بن عبد الصمد العاملي الكركي، والسيد حسن بن أيوب المشتهر بابن نجم الدين الأعرج، والسيد جعفر بن حسن، وولده السيد حسين المتوفى سنة 933 هـ/1527م الذي قرأ عليه الشهيد الثاني، وهو ابن خالة المحقق الكركي. ووالده السيد حسين، ثم السيد ميرزا حبيب الله بن حسين المذكور المعاصر للشيخ البهائي، وابنه ميرزا علي رضا (ت 1091هـ/1680م)، وابنه الآخر محمد مهدي بن ميرزا حبيب الله([44]) غيرهم.

المدرسة النورية (بعلبك):

وتقع هذه المدرسة خارج نطاق جبل عامل أيضًا، في مدينة بعلبك. يعود تاريخ تأسيس المدرسة النورية في بعلبك إلى نور الدين الأتابك زنكي (ت569هـ) حوالي سنة 552هـ/1157م عندما سيطر على المدينة ([45])، والذي دعا إلى إقامتها عندما زار بعلبك لتفقد أحوالها وتقرير أمر المستحفظين لها.

وكان نور الدين محبًا للعلم فأسس المدارس في دمشق وبعلبك وحمص وحماه ومنبج وعرفت كلها باسم النورية وجعل الإشراف عليها لقاضي القضاة من الشافعية.

والنورية مدرسة قديمة العهد ذات شهرة طائرة تولى الشهيد الثاني التدريس فيها بأمر من السلطان سـليمـان القـانوني، وباشـر التـدريس سنة 953 هـ/1546م ودرّس فيها الفقه على المذاهب الخمسة([46]).

وساهمت هذه المدرسة مع غيرها من مدارس جبل عامل في إرساء النهضة الفكرية في تلك الربوع.

مدرسة مشغرة:

اشتهرت بلدة مشغرة بما خرج منها من العلماء، مثل الشيخ محمد بن الحسين الحر، جد والد مؤلف كتاب (أمل الآمل)، والشيخ علي بن محمد الحر، والشيخ حسن بن الحر والد صاحب (أمل الآمل)، وعمه الشيخ حسين بن علي بن محمد، وغيرهم من آل الحر. والشيخ محمد بن علي بن محمود المشغري([47]). ولكثرة ما خرج من علماء ينسبون لمشغرة، اعتبرت بلدة مشغرة من ضمن المراكز العلمية في جبل عامل. حيث ذكر محمد كرد علي أنه [في جباع وميس وعيناتا وجزين ومشغرة... من جبل عامل مدارس دينية تخرج منها جلّة فقهاء الشيعة أدبائهم]([48]).

وكان التدريس في هذه المدارس مستمرًا [وقلما تخلو في عصر من التدريس لتعاقب وجود العلماء الأعاظم فيها مع أنه ليس لها أوقاف كما هو الحال في سوريا وإيران والهند ومصر والعراق والمغرب وغيرها من بلاد الإسلام فإن جلّ المدارس فيها لها أوقاف تقوم بمؤنة الطلبة وتوجب رغبة الناس في طلب العلم. أما مدارس جبل عامل فخالية من ذلك إلا نادرًا، ومع هذا كان الإقبال عليها عظيمًا]([49]).

ونخلص إلى القول أن المدارس انتشرت في هذه الفترة (1370-1757م) بكثرة في ربوع جبل عامل، من ميس الجبل إلى جباع وجزين إلى مشغرة وكرك نوح وبعلبك. هذه المدارس التي كانت من الواحات الخضراء التي استمرت بالعطاء في صحراء الركود الفكري والأدبي الذي ساد العالم الإسلامي آنذاك. وكانت الأرض الخصبة للنهضة العلمية التي ستلي فترة الركود التي سيطرت على جبل عامل في فترة الصراع بين الجزار والحكام المحليين، والتي كانت انعكاسًا للصراع الناشب بين الدولة العثمانية والخارج، متمثلاً بالحروب الروسية-العثمانية شرقًا، والحروب العثمانية-الأوروبية غربًا. والتي استمرت متواترة طوال الفترة الممتدة بين القرن الثامن عشر ومطلع القرن العشرين.

ثانيًا: الفترة الممتدة بين الأعوام 1757ـ 1914م.

استمرت المدارس في هذه الفترة ويمكن التمييز بين المدارس التي أسسها العلماء والتي تعتبر امتدادًا للفترة السابقة، ثم المدارس التي أسسها غير العلماء سواء الأشخاص أو الجمعيات وكذلك الإرساليات، والجدير بالذكر أن هناك بعض المدارس التي أسسها الحكام/البكوات لتعليم أبنائهم وألحقوا فيها بعض الطلاب إضافة لأولادهم ولم يرد ذكرها لأنه كما يبدو أنها تنتهي ببلوغ الغاية التي أقيمت لأجلها.

ومن هذه المدارس مدرسة تبنين التي أسسها علي بك الأسعد داخل قصور تبنين سنة 1859م. وكان مركز هذه المدرسة داخل قلعة تبنين نفسها. وجمعت العديد من التلامذة وطلاب العلم وكانت المصاريف على نفقة منشئها، وعيّن الشيخ جعفر مغنية مديرًا لها([50]).

ويبدو أنها واحدة من المدارس التي كان يقيمها الزعماء لأبنائهم فتأفل بنهاية تدريسهم، حيث يذكر شبيب الأسعد في كتابه العقد المنضد ويقول ذلك صراحة [وداعي اتخاذ تلك المدرسة هو لمجرد تعليم هذا العاجز [شبيب] وأخي نجيب بك]([51]). لذا لم يرد ذكرها كغيرها من المدارس التي انتشرت في ربوع جبل عامل واستفاد منها طلاب عاملة.

ونعرض لهذه المدارس على النحو التالي:

أ ـ المدارس التي أسسها العلماء:

مدرسة شقراء :

مؤسسها السيد موسى الحسيني (الأمين) في أواخر القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، وضمّت ما يزيد على أربعين غرفة، وطلابها أكثر من أربعمائة طالب. ازدهرت في عهد مؤسسها وخمدت بعد وفاته عام 1780 م. وكانت تعتمد على أوقاف خاصة بها.

جددها علي الأمين حفيد المؤسس، لكن الضعف الاقتصادي أثر على حالة طلابها فتركها الكثيرون وتخرب أجزاء من بنائها. جددها علي محمود الأمين وأقفلت نهائيًا بوفاته. تخرج منها العالم السيد حسين بن موسى الحسيني والشاعر إبراهيم بن يحيي العاملي وغيرهما([52]).

مدرسة الكوثرية:

ظهرت هذه المدرسة بعد نهاية أحمد باشا الجزار (1804م). وكان تأسيسها في العقد الرابع من القرن الثالث عشر الهجري ([53]) (1231 هـ/1816م) أسسها الشيخ حسن قبيسي (ت 1258 هـ) ويبدو أن إنشائها كان بإيعاز من علماء جامعة النجف الأشرف([54]). وكانت عامرة بالطلاب. قصدها الطلاب من مختلف الأماكن وتخرج منها كبار العلماء ورجال الفكر والسياسة ومنهم علي بن إبراهيم الحسيني المفتي في جبل عامل والعالم اللغوي علي السبيتي (1883م) والشاعر علي بن ناصر بن زيدان (1872م)، والشيخ محمد علي عز الدين مؤسس مدرسة حنويه، وحمد البيك النصار الذي أصبح زعيم جبل عامل لاحقًا([55]).

مدرسة كفره :

أسسها العلامة الشيخ علي بن محمد السبيتي، وكان الشيخ محمد علي عز الدين يدرس فيها قبل مدرسة حنويه، التحق فيها العديد من الطلاب([56]).

مدرسة حنويه (حناويه):

أسسها الشيخ محمد بن علي عز الدين (ت 1885م) بعد عودته من النجف، وأدخل بعض المواد العصرية كعلم النفس والأخلاق. زار هذه المدرسة "لورته" عميد معهد الطب في ليون عام 1297هـ/1880م خلال رحلته التي دامت من 1875 حتى 1880. حيث قام ببعض الحفريات وقال حول التعليم في بلاد عاملة وحول مدرسة حنويه التالي: [والتعليم منتشر جد الانتشار بينهم [الشيعة]. وفي حنويه، وهي قرية صغيرة لا يكاد عدد سكانها يبلغ أربعمائة نفس، مدرستان: مدرسة إبتدائية يذهب إليها الذكور ومدرسة عليا يتردد إليها الشبان) ([57]).

ويذكر "لورته" الشيخ عز الدين بـ (الرجل الجليل)، ويصف غرفة التدريس وينعتها بالواسعة التي [قعد إلى جدرانها ثلاثون شابًا يعلمهم الشيخ العلوم الدينية العليا. وكان يبدو على وجوه هؤلاء التلامذة الذين تراوح سنون أكثرهم بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، سمات الانتباه الشديد، والاحترام العظيم]([58]).

وطلب "لورته" من الشيخ عز الدين عندما زار مدرسته معلومات عن المتاولة، أصلهم، ديانتهم وعاداتهم. وكان الشيخ يخشى أن يشوّه الترجمان ما يريد أن يعطيه من تفاصيل، (فتناول دواة وقلمًا من القصب) كما يذكر "لورته" حرفيًا وأمده بخلاصة تاريخية عن الموضوع([59]).

خرج من هذه المدرسة العديد من الطلاب الذين كان لهم أثر بالحركة الفكرية في جبل عامل، ومنهم محمد علي إبراهيم (ت1915م) ومهدي شمس الدين (ت1915م). بعد وفاة مؤسسها عام 1885م تولاها حفيده إبراهيم عز الدين بعد إنهاء تحصيله العلمي في النجف. وبعد وفاته عام 1914م، خفَتَ نور هذه المدرسة وذلك بسبب قيام الحرب العالمية الأولى([60]).

مدرسة بنت جبيل:

أسسها موسى شرارة (ولد 1297هـ/1851م توفي 1304-1886) وهو أحد طلبة مدرسة حنويه سابقًا سنة 1298هـ/1881م. وجذبت إليها العديد من أفاضل الطلاب، وتوافد إليها تلامذة مدرسة حنويه التي ضعفت بعد وفاة مؤسسها. وتعتبر من المدارس المهمة. تخرج منها العلامة محسن الأمين صاحب كتاب (أعيان الشيعة) وكذلك الشيخ محمد دبوق والشيخ عبد الحسين صادق والشيخ عبد الكريم الزين وغيرهم. وارتادها الشيخ إبراهيم سليمان وعمه الشيخ طالب سليمان([61]).

مدرسة جبع (جباع) :

وتعرف بمدرسة جبع الثانية للتمييز بينها وبين المدرسة الأولى التي كانت في عهد الشهيد الثاني. أسسها الشيخ عبد الله نعمة (1219-1303 هـ/1804ـ1886م) ودعمه في الأموال بذلك سليمان الزين. أوكل الشيخ عبد الله إدارة المدرسة والتدريس فيها إلى غيره، واقتصر دوره على إعطاء دروس الفقه فيها لشيوخ الأساتذة الطلبة فقط، لذلك لم يستفد الطلاب منها كثيرًا.

تخرج منها العديد من العلماء منهم: السيد حسن يوسف مكي مؤسس المدرسة الحميدية في النبطية. والشيخ موسى شرارة مؤسس مدرسة بنت جبيل([62]).

المدرسة النورية (النبطية):

عرفت أيضًا بمدرسة النبطية الفوقا، أو (مدرسة النبطية الصغرى المعروفة بالفوقا) ([63])، ويذكرها الشيخ إبراهيم سليمان باسم مدرسة النبطية الفوقا الأولى ويميز بين مدرستين حمَلَتا اسم النبطية الفوقا الأولى والثانية. حيث يطلق صفة الأولى على المدرسة التي عاشت حتى زمن العالم السيد محمد نور الدين وتخرج منها العديد من العلماء ومنهم الشيخ علي بن يونس النباطي. والثانية هي التي تعرف باسم مدرسة النبطية الصغرى التي أسسها السيد محمد نور الدين.

وكلتا المدرستين تم تأسسيهما على يد آل نور الدين منذ عهد قديم في النبطية الفوقا، وذلك بعد مجيئهم من سكيك في الجولان. وعاشت المدرسة الأولى حتى زمن العلامة السيد محمد نور الدين الذي توفي عام 1325هـ/1907م. أما الثانية فقد استمرت حتى وفاته عام 1907، ودرس في هذه المدرسة العلامتان الفاضلان أحمد رضا وسليمان ظاهر (عضوَا المجمع العلمي في دمشق) المرحلة الابتدائية من تحصيلهما([64]).

وآل نور الدين تركوا كفرحونا سابقًا في جبل الريحان ليسكنوا في سكيك في الجولان. وذلك إثر خلاف بينهم وبين بعض أمراء جبل لبنان. حيث خطب أحد الأمراء إحدى بناتهم (فأبوا تزويجها له وهجروا وطنهم خوفًا من الأذى بناتهم ى إلى سكيك، ومنها إلى النبطية)([65]).

المدرسة الحميدية

أسست هذه المدرسة في النبطية التحتا، وعرفت باسم مدرسة النبطية التحتا أيضاً، وسميت بـ (الحميدية) نسبة للسلطان عبد الحميد الثاني جريًا مع العادة المتبعة في ذلك العهد تيمنًا بإسمه. ويذكرها السيد الأمين باسم مدرسة النبطية التحتا([66])، بينما يذكرها الشيخ إبراهيم سليمان تحت اسم (مدرسة النبطية التحتا الثانية)([67]).

أسسها العلامة السيد حسن يوسف مكي (1260-1324 هـ/1844-1906م) بعد عودته من النجف سنة 1892 م. وهو من طلبة مدرسة جباع. بنى هذه المدرسة نفر من ابناء النبطية ولمع اسمها وذاعت شهرتها وضمت ما يزيد على الثلاثماية طالب. وكان مؤسسها يسهر على دراستهم وتوجيههم ويتم الاعتناء بالطلبة وتقديم المساعدة المالية للفقراء منهم. أدَّت هذه المدرسة خدماتها العلمية طيلة أربعة عشر عامًا من حياة مؤسسها حتى وفاته عام 1906م فأغلقت المدرسة وتفرق طلابها.

وفي العام 1923م، باشر يوسف بك الزين وأخوه تعميرها مجددًا. وتولى التدريس فيها العلامة محمد رضا زين الدين. وتغيَّر اسم المدرسة وانقلب إلى المدرسة الدينية العاملية، واتبع التدريس فيها الأساليب الحديثة.

وحاولت السير مع نظام التعليم الرسمي المتبع ورعتها المفوضية الفرنسية ومنحتها مساعدة مالية قدرها 8000 فرنك فرنسي لتنفق على معلمي اللغة الفرنسية فيها([68]).

مدرسة أنصار

أنشأها السيد حسن بن السيد علي إبراهيم ( مؤسس مدرسة النميرية ) ثم تولاها من بعده ولده محمد وبعده أفل نجمها وطمس أثرها. تولى رئاسة التدريس فيها العلامة السيد حسن علي إبراهيم (ت 1329هـ/1911م)([69]).

مدرستا جويا الأولى والثانية:

مدرسة جويا الأولى:

 يذكر الشيخ إبراهيم أن مؤسسها الشيخ علي سلمان الجوياني.

مدرسة جويا ( الثانية )

لآل خاتون، وكانت برئاسة العلامة الشيخ محمد علي خاتون وهي مدرسة قديمة عاشت زمانًا طويلاً وتخرج منها جماعة من العلماء([70]).

مدرسة طيردبا

أنشأها العالم الشيخ حسين مغنية المعاصر للسيد محسن الأمين، استمرت زمانًا واستفاد منها الطلاب ثم أقفلت أبوابها([71]).

مدرسة عيثا الزط

أنشأها السيد جواد مرتضى وتعلم فيها السيد محسن الأمين وخَفَتَ نورها بعد ذهاب مؤسسها إلى العراق، وانتعشت بشكل مؤقت مع أخيه السيد حيدر ثم خبا ذكرها([72]).

مدرسة عيناثا الثانية

أنشأها السيد نجيب بن محيي الدين فضل الله الحسيني، وأفل نجمها بوفاته([73]).

مدرسة مجدل سلم

أنشأها الشيخ مهدي شمس الدين، وخفتت حركتها بعد مؤسسها([74]).

مدرسة مزرعة مشرف

كانت تدعى مدرسة البياض، كان الشيخ حمزة بن سليمان بن علي بن محمد بن سليمان يدرس تلامذته فيها([75]).

مدرسة النميرية

أسسها الفقيه السيد علي إبراهيم المعاصر للسيد محسن الأمين.

يذكر محمد جابر آل صفا أن مؤسسها هو حسن علي إبراهيم وتجمعه لهذا السيد صفة تأسيس مدرسة أنصار ورئاسة التدريس فيها وفي مدرسة النميرية أيضًا.

تخرج منها العديد من العلماء ومنهم: السيد محمد إبراهيم، والشيخ عبد المطلب مروة، والشيخ باقر بن محمد حسين مروة، والشيخ طالب سليمان عم الشيخ إبراهيم سليمان، والشيخ حسن بن محمد علي قبيسي، والشيخ خليل كوثراني، وغيرهم([76]).

مدرسة الخيام

ذكرها الشيخ إبراهيم سليمان في كتابه([77]).

مدرسة شحور

أنشأها السيد يوسف شرف الدين والد السيد عبد الحسين شرف الدين([78])، لدى عودته من العراق حوالي العام 1880 م. فأخذ بتدريس العلوم الدينية وتتلمذ عليه العديد من أبناء القرى المجاورة، ثم توسعت مدرسته لتشمل من رغب (في تعلم القراءة والكتابة والقرآن) ([79]).

ب ـ المدارس التي أسسها غير العلماء

ومن المدارس التي أسسها غير العلماء يمكن تصنيفها ضمن مدارس أسسها أبناء البلاد المحليون أفرادًا أو مؤسساتٍ، ومدارس البعثات الإرسالية. ويمكن ذكر المدارس التالية:

ـ المدارس التي أسسها السكان المحليون:

المدرسة الحديثة في النبطية:       

مدرسة أهلية أسست عام (1300هـ-1882م) في عهد رضا الصلح عندما كان مديرًا لناحية النبطية. وأدارها مصطفى العكاري من طرابلس وكانت هذه المدرسة تحت رعاية جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية. وانتقلت بعدها لوزارة المعارف: وكان رضا الصلح يعتني بها ويلقي بعض الدروس فيها. وبعد استقالة مديرها مصطفى العكاري تولى التدريس فيها محمد علي إبراهيم أحد تلامذة مدرسة حنويه سابقًا. ووسّع التدريس فيها ودامت الحال في هذه المدرسة علي الرغم من العوامل المعاكسة من التعصب والحكام([80]).

مدرسة نمونة رشدي:

أنشأتها الحكومة التركية في صيدا حوالي عام 1873م، اعتنت بتعليم الخط والعربية واللغة الفرنسية([81]).

مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية:

تأسست في صيدا في 26 ربيع الثاني 1296هـ/1879م، وكان لهذه الجمعية في مطلع القرن العشرين أربعة مكاتب للإناث والذكور تضم 618 طالباً و532 طالبة.

المدرسة الوطنية في صيدا:

أنشأها الخوري إلياس عطية، وكيل النائب الأسقفي لطائفة الموارنة في صيدا سنة 1878م، ولقيت اهتمامًا من الوالي مدحت باشا لمّا وفد إلى صيدا.

ـ المدارس الأجنبية في جبل عامل :

بدأ اهتمام الغرب بمنطقة الشرق الأدنى لا سيما بعد عودة النشاط الاقتصادي والتجاري وتشابك المصالح السياسية-الاستعمارية بين بلدان أوروبا وأميركا، فاحتدم الصراع فيما بين الدول الاستعمارية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وأميركا وغيرها من الدول. وكانت الثقافة وجهًا من وجوه هذا الصراع، وترجم ذلك عبر اهتمام هذه الدول بإيفاد بعثات تبشيرية وتعليمية، قامت الإرساليات بتعزيز وجودها التعليمي بعد عام 1869م وهو العام الذي أصدر فيه العثمانيون قانون التعليم وبدأت المزاحمة والتنافس بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس في بلادنا فكان تعدد المدارس الإرسالية أحد وجوه هذا الصراع، وكان توجه الإرساليات نحو المسيحيين بادئ الأمر قبل الانتقال والاهتمام بأبناء المسلمين.

 وقامت هذه الإرساليات بافتتاح المدارس التابعة لها ومن هذه المدارس التي عرفت في بلاد عاملة يمكن ذكر المدارس التالية:

مدرسة الأخوة المريميين:

قامت هذه المدرسة على أنقاض المدرسة اليسوعية، وحلَّت في بنائها، وكان اليسوعيّون قد جاؤوا صيدا من مدة تناهز الثلاثة قرون، وغادروها عام 1909م، ليحولوا مركزهم إلى جزين. ومنذ هذا التاريخ نزل الأخوة المريميّون صيدا وأقاموا ديرهم، وقد اهتموا بتعليم سائر العلوم، وما تزال هذه المدرسة في رقي ونشاط([82]).

مدرسة الفنون الأميركية في صيدا:

وهي معهد علمي، أنشأتها الإرسالية الأميركية، في صيدا، برئاسة وليم إدي سنة 1880م، ولم يكن لهذه المدرسة بناء مستقر حتى شيدت بناءها في عهد مديرها الجديد دكتور "فورد".

تطورت هذه المدرسة ففي سنة 1895م، أضيف لها فرعان جديدان غير التعليم، فرع صناعي يهتم بصناعات النجارة، الخياطة، البناء، والأحذية. أما الفرع الآخر فهو للأيتام.

وقد تخرج منها الفوج الأول، نائلاً شهادتها سنة 1889م. ومنذ هذا التاريخ بدأت تعطي شهادتها للمنتهين الذين كان باستطاعتهم دخول الجامعة الأميركية دون امتحانات، وكانت تدرس العربية والفرنسية والإنكليزية([83]). وخرَّجت عددًا وافرًا من متعلمي الجنوب.

مدارس الإناث في صيدا:

كان في مطلع القرن العشرين مدرسة واحدة للمرسلين الأمريكان وكان فيها 65 تلميذة، وهناك مدرسة لراهبات القديس يوسف وهي قديمة العهد في صيدا، وكان فيها 30 تلميذة([84]).

مدرسة دير المخلص في صيدا:

وهي قديمة العهد منذ تأسيس الدير عام 1709م في عهد المطران "أفتيموس الصيفي" أسقف صيدا، المولود في دمشق سنة 1648م. وتوالى على رئاسته حتى عام 1928م سبعة وعشرون رئيسًا. وصادف خلال هذه المدة نكسات عديدة، ونكبات كثيرة، أولاها كانت على عهد الجزار سنة 1777م. وفي الدير مكـتبة ومدرسـة ثانويـة اليوم خرجت الكثير من أبناء الجنوب، وفيه مطبعة أيضًا([85]).

مدارس في مرجعيون:

كان هناك جملة مدارس رسمية في مطلع القرن العشرين ترعاها الحكومة العثمانية، لكنها كانت عديمة الفائدة ضئيلة القيمة أمام نشاط مدرسة الروم الأرثوذكس فيها، وكانت الحكومة الروسية تشرف على هذه المدرسة، والجمعية الفلسطينية تدفع رواتب المدرسين، بينما كانت طائفة الروم الأرثوذكس هي التي أشادت البناء، وقد عملت الحكومة الروسية على إخراج الترخيص للمدرسة من قبل الحكومة العثمانية؛ وقد قامت مكاتب للبروتستانت للذكور والإناث في مرجعيون([86]).

المدارس في جزين:

في الربع الأول من القرن العشرين، كان في جزين ثلاث مدارس للصبيان والبنات بإدارة الرهبنة اليسوعية، وقلبَي يسوع ومريم، ومدرسة للصبيان بإدارة الأميركان([87]).

مدارس الإرساليات في صور:

كان في صور مدارس للفرنسيسكان، ومكاتب لطائفة الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك ومكتبان للإنكليز أحدهما للذكور والآخر للإناث، كما أنشأوا مكتبًا لتعليم العميان([88]).

مدارس الإرسالية الإنكليزية:

في مدينة صور كانت مدرسة "فيكتوريا أوغستا" عام 1868م التي لاقت معارضة من قبل الأساقفة الكاثوليك والأرثوذكس على السواء. لكنها استمرت وفي العام 1882م تولت السيدة "كارولين طوميسون" الإشراف على عمل هذه المدرسة ومديرة المعهد التدريبي للمعلمات أيضًا.

مدرسة العميان في صور:

وفي العام 1872م فتحت أبواب مدرسة العميان في صور واستمرت تقوم بمهمتها على أكمل وجه حتى سنة 1906م حيث أقفلت أبوابها بسبب نقص الأموال وتخفيض المساعدات الخارجية.

مدرسة الصبيان:

إفتتحتها البعثة الإنكليزية عام 1880م وبقيت تقدم خدماتها حتى العام 1914م فتوقفت بسب الحرب العالمية الأولى([89]).

مدراس الإرسالية الأميركية:

 أسست الأنسة "فورد" الواعظة الأميركية عام 1875م مدرسة في منزل في بلدة عين إبل، لكن اليسوعيين عملوا على إغلاقها وأفلحوا بذلك "الأب جبرايل هافا". وسعت الإرسالية الأميركية إلى فتح مدراس لها في دبل ورميش وكفر برعم وغيرها من قرى أبرشيات صور ولكنها جوبهت بمعارضة من رهبان المشرق، فاكتفت الإرسالية الأميركية بالاعتناء بالمتعلمين الراغبين في إتمام تعليمهم الثانوي وترسلهم إلى مدرستها في صيدا([90]).

مدرسة الأرض المقدسة للأباء الفرنسيسكان (اللاتين)

فتحت أبوابها في مدينة صور منذ العام 1868م في نفس الدير.

مدرسة راهبات القديس يوسف:

منذ عام 1859 م في صور ويتبعون لمؤسسة راهبات القديس يوسف في صيدا([91]).

مدرسة الروم الارثوذكس في صور:

عاودت عملها منذ العام 1886م([92]).

مدارس الأسقفية للروم الكاثوليك:

وشملت المدارس التالية:

_ مدرسة صور

_ مدرسة في قانا: أسسها رئيس أساقفة صور للروم الكاثوليك المطران "أثناسيوس صباغ" سنة 1858م لجمع أبناء طائفة الروم الكاثوليك وتعليمهم فيها.

_ مدرسة في علما الشعب: عام 1858م أسسها المطران "أثناسيوس".

_ مدرسة في يارون.

_ مدرسة في تبنين.

ويبدو أن هذه المدارس قامت للوقوف بوجه مدارس البروتستانت التي بدأت تنتشر بأسلوب حديث، داخل قرى الأبرشية([93]).

التدريس في جبل عامل:

إذا حاولنا أن نتتبع المتعلمين والمعلمين في جبل عامل، فنجد أن خير معين لنا هو كتاب الشهيد الثاني الذي يحمل عنوان "منية المريد في آداب المفيد والمستفيد".

ففي هذا الكتاب يتناول الشهيد موضوع المعلم والمتعلم (المفيد والمستفيد). فيعدد المزايا والصفات التي يجب أن تتوفر في المعلم: كأن يكون كفؤاً للمهمة التي انتدب نفسه لها، وأن يكون حسن الخلق، وتطابق أفعاله أقواله. ويؤدب طلابه ويرغبهم في العلم، ويزجرهم عن سوء الأخلاق وارتكاب المحرمات والمكروهات، وأن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع. ولا يفضل بعضهم على بعض عنده (في مودة واعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو ديانة. فإن كان بعضهم أكثر تحصيلاً وأشد اجتهادًا وأحسن أدبًا، أكرمه وفضّله وبيّن أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا بأس بذلك)، وأن يبدأ مجلسه ويختمه بالدعاء([94]).

أما المتعلم فيجب أن تتوفر فيه شروط منها (أن يحسن نيته ويطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه واستمراره)، وأن يكون عالي الهمة، ويجعل نفسه تبعاً لمعلمه و(أن يعتقد في شيخه [معلمه] أنه الأب الحقيقي والوالد الروحاني)، وينظره بعين الاحترام، ولا يقطع عليه كلامه، وأن ينصت لما يقوله حتى ولو كان يعرف ذلك. وأن يبتدئ بحفظ القرآن وتفسيره وأن يطالع ما يفهمه، ويصحح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحًا متقنًا على الشيخ أو على غيره ممن يعينه. ومَن أتقن علمًا عليه (أن يرشد رفقته ويرغبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل ويهون عليهم مؤونته، ويذكر لهم ما استفاده من الفوائد والقواعد والغرائب على جهة النصيحة والمذاكرة)([95]).

أما العلوم التي يجب أن يتقنها المتعلم فتتدرج كالآتي:

يبدأ المتعلم بحفظ كتاب الله تعالى وتجويده، ثم ينتقل إلى تعلم العلوم العربية لأنها أول (آلات الفهم وأعظم أسباب العلم الشرعي، فيقرأ أولاً علم التصريف ويتدرج في كتبه من الأسهل إلى الأصعب والأصغر إلى الأكبر حتى يتقنه ويحيط به علمًا). ثم ينتقل إلى النحو ومنه إلى بقية العلوم العربية.

فإذا فرغ منها أجمع، اشتغل بالمنطق. ثم ينتقل إلى علم الكلام (ليحصل بذلك ملكة البحث والاطلاع على مزايا العوالم وخواصها). ثم ينتقل إلى أصول الفقه متدرجاً في كتبه ومباحثه. ثم ينتقل منه إلى علم دراية الحديث، فيطالعه ويحيط بقواعده ومصطلحاته. فإذا وقف على مقاصده، انتقل إلى قراءة الحديث بالرواية والتفسير والبحث والتصحيح. ثم ينتقل منه إلى البحث عن الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية، وينتقل بعدها إلى قراءة الكتب الفقهية ( فيقرأ منها أولاً كتابًا، يطلع فيه على مطالبه، ورؤوس مسائله، وعلى مصطلحات الفقهاء وقواعدهم... ثم يشرع ثانيًا في قراءة كتاب آخر بالبحث والاستدلال واستنباط الفرع من أصوله ورده إلى ما يليق به من العلوم، واستفادة الحكم من كتاب أو سنّة من جهة النص. أو الاستنباط من عموم لفظ أو إطلاقه، ومن حديث صحيح أو حسن أو غيرهما). فإذا فرغ من ذلك كله (شرع في تفسير الكتاب العزيز بأسره، فكل هذه العلوم له مقدمة. وإذا وفق فلا يقتصر على ما استخرجه المفسرون بأنظارهم فيه، بل يكثر من التفكر في معانيه، ويصفي نفسه للتطلع على خوافيه. ويبتهل إلى الله تعالى في أن يمنحه من لدنه فهم كتابه وأسرار خطابه، فحينئذ يظهر عليه من الحقائق ما لم يصل إليه غيره من المفسرين).

وعندما يفرغ من ذلك وإذا أراد الترقي وتكميل النفس (فليطالع كتب الحكمة من الطبيعي والرياضي، والحكمة العليا المشتملة على تهذيب الأخلاق... ثم ينتقل بعده إلى العلوم الحقيقية والفنون الخفية، فإنها لُباب هذه العلوم ونتيجة كل معلوم، وبها يصل إلى درجة المقربين ويحصل على مقاصد الواصلين)([96]).

أما التدريس فكان يتم على ما ذكره السيد الأمين: عند الصباح يأتي الطلاب إلى المدرسة محضّرين دروسهم التي سيقرؤونها. فيجلس الطلاب، ومع كل واحد منهم كتاب يحوي الدرس الذي يريدون قراءته. فيفتحون كتبهم، ويبدأ أحدهم بالقراءة والباقون ينظرون. وعادة يبدأ الشيخ درسه بتلاوة ما يتيسر من القرآن تيمنًَا وتبركاًً ثم تبدأ تلاوة الدروس (فإذا وصل إلى موضع له فيه رأي يخالف رأي صاحب الكتاب بينّه لهم. وإذا لم يفهم أحدهم ما قرره الأستاذ طلب منه إعادته حتى يفهمه. وإذا كان لأحدهم اعتراض على تفسير الشيخ للعبارة أو على اعتراض يعترضه على المؤلف أبداه. فيجيبه الشيخ حتى يُقنع أحدهما الآخر فيرجع إلى رأيه أو يبقى مصرًا عليه. ويشترك معهما في المناقشة باقي الطلبة أحيانًا حسب مقتضى الحال... حتى ينتهي الدرس. فإذا انتهى الدرس قرأوا الفاتحة وأهدوا ثوابها لأموات الشيخ، خصوصًا أبويه) ([97]).

ويجتمع الطلاب عند العصر ليتذاكروا الدرس الذي قرأوه ذلك اليوم ليرسخ في أذهانهم وفي اليوم الثاني يبتدئ قراءة عبارة الدرس تلميذًا غير الذي قرأ في اليوم الأول وهكذا. وإذا كان يوم الجمعة جمعهم الشيخ وسألهم عن ماضي دروسهم كل في العلم الذي يقرأ فيه. فيكون ذلك بمثابة امتحان أسبوعي([98]).

وعندما ينتهي الطالب من قراءة كتاب على معلم ينتقل إلى كتاب آخر حتى ينتهي من ذلك المعلم والعلوم التي يدرسها. فينتقل إلى معلم آخر وعلوم أخرى. وهكذا حتى ينال المراتب العلمية العليا. وصولاً إلى مرتبة الاجتهاد.


ـــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) محمد كرد علي: خطط الشام. ط3. بيروت: دار العلم للملايين، 1983: 6 ج. ج4 / 51 و52.

([2]) نفس المرجع ج4/54 و57.

([3]) عبد الله نعمة: فلاسفة الشيعة حياتهم وآراؤهم، ط1. بيروت: دار الفكر اللبناني، 1987. ص441.

([4])Albert Hourani: From Jabal Amel to Persia Bulletin of the School of Oriental and African studies (BSOAS) University of London VoXLIX , part 1 , 1986 , PP: 133 - 140. . P: 134.

([5]) حسين زيدان: الاتجاهات الشعرية في جبل عامل خلال قرنين 1700-1900 أطروحة دكتوراه حلقة ثالثة في اللغة العربية. بيروت: جامعة القديس يوسف، 1982 (غير منشور)، ص57.

([6]) للإطلاع على أسباب هذه النهضة في بلاد عاملة راجع علي إبراهيم درويش: جبل عامل بين 1516-1697، الحياة السياسية والثقافية. ط1. بيروت دار الهادي، 1993، ص123-174.

([7]) علي سبيتي: جبل عامل في قرنين، نشر في كتاب تكملة أمل الآمل للسيد حسن الصدر، د. ط. بيروت: دار الأضواء، 1986. ص449-465.

([8]) محمد جابر آل صفا: تاريخ جبل عامل تاريخ جبل عامل. ط2. بيروت: دار النهار للنشر، 1981. ص231-300.

([9]) إبراهيم آل سليمان: بلدان جبل عامل. د. ط. مؤسسة الدائرة 1995، ص510-545.

([10]) محمد كاظم مكي: الحركة الفكرية والأدبية في جبل عامل. ط2. بيروت: دار الأندلس، 1982، ص25.

([11]) نفس المرجع ص25، ومجلة العرفان مج 31/ 123.

([12]) محمد بن الحسن الحر العاملي: أمل الآمل تحقيق أحمد الحسيني. ط2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983: جزءان ، ج1/181.

([13]) عباس القمي: الكنى والألقاب. ط2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1981: ثلاث أجزاء ، ج2/ 377.

([14]) حسن الأمين: عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل. د. ط. بيروت: دار أحياء التراث الإسلامي، 1974. ص15.

([15]) نفس المرجع ص15.

([16]) محسن الأمين: خطط جبل عامل. حققه وأخرجه حسن الأمين، ط1. بيروت الدار العالمية، 1983. ص182.

([17]) فرمان كلخانه: قرار سلطاني يتضمن إصلاحات ستطبقها الدولة العثمانية. محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية. د. ط . بيروت: دار الجيل، 1977، ص254.

([18]) الاصلاحات الخيرية صدرت بعد انتهاء الحرب الروسية-العثمانية وتضمنت إدخال لإصلاحات متماشية مع ما أعلنه السلطان سابقًا في خط كلخانه. فريد: المرجع نفسه. ص256.

([19]) طلال المجذوب: تاريخ صيدا الاجتماعي 1840-1914 د. ط. بيروت، صيدا: المكتبة العصرية، 1983، ص304.

([20]) عبد المجيد الحر: الجديد المنسي من الأدب العاملي: مجلة العرفان مج 71، ع 10، ص 28.

([21]) محمد كاظم مكي: المرجع نفسه ص 29-30. والعرفان مج 27/462.

([22]) محمد جابر آل صفا: تاريخ جبل عامل ص 235.

([23]) يوسف خطار أبو شقرا: الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية. الراوي حسين غضبان أبو شقرا، تحقيق عارف أبو شقرا (د. ط، د. ن.)، 1952. ص151.

([24]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج1/193.

([25]) أبو شقرا: المصدر نفسه ص152.

([26]) أبو شقرا: المصدر نفسه ص157.

([27]) علي مروة: تاريخ جباع، ماضيها وحاضرها. ط1 بيروت: دار الأندلس، 1967. ص33.

([28]) جابر: المرجع نفسه ص 236.

([29]) محسن الأمين: أعيان الشيعة بيروت: دار التعارف، 1960-1963، 56 ج. والمجلد 7: الطبعة الجديدة، دار التعارف، 1986. ج 41/295.

([30]) عبد المجيد الحر: نفس المرجع ص81.

([31]) جابر: المرجع نفسه ص237.

([32]) عبد المجيد الحر: المرجع نفسه، ص81.

([33]) الأمين: خطط جبل عامل ص363.

([34]) جعفر شرف الدين: من دفتر الذكريات الجنوبية. العرفان مج 71، ع 10 ص75.

([35]) حسن الأمين: المرجع نفسه ص17.

([36]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج1/188.

([37]) الأمين: خطط جبل عامل ص 328-329.

([38]) محسن الأمين: خطط جبل عامل ص185. وإبراهيم سليمان: بلدان جبل عامل ص528.

([39]) الأمين: خطط جبل عامل ص256.

([40]) سليمان: المرجع نفسه ص515.

([41]) جابر: نفس المرجع ص 237. والأمين: أعيان الشيعة ج 41/174.

([42]) الأمين: خطط جبل عامل ص 341-342.

([43]) عباس القمي: الكنى والألقاب ج2/ 381-382.

([44]) الأمين خطط جبل عامل ص342.

([45]) ابن الأثير، علي بن أحمد: الكامل في التاريخ. د. ط. بيروت: دار صادر 1982: 13 جزءًا، ج 11/ 227-228.

([46]) جابر: المرجع نفسه ص 237-238.

([47]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج 1/173 .

([48]) كرد علي: المرجع نفسه ج6/128.

([49]) الأمين: خطط جبل عامل ص 182.

([50]) حسن محمد صالح: أنطولوجية الأدب العاملي ج1. ط1. دار الجمان، 1997، ص208.

([51]) شبيب الأسعد: العقد المنضد في ديوان أشعار شبيب بك الأسعد ومقدمات أدبية مع فصول تاريخية. الآستانة: دار الطباعة العامرة، 1309 هـ/1891م. ص 4.

([52]) الأمين: خطط جبل عامل ص 183. جابر: المرجع نفسه ص 239 و247. سليمان: المرجع نفسه ص 526.

([53]) سليمان ظاهر: مجلة العرفان مج 8/ 763.

([54]) مجلة العرفان مج 49/ 952.

([55]) الأمين: المرجع نفسه ص 184. جابر: المرجع نفسه ص 241-242. سليمان: المرجع نفسه ص 529-530.

([56]) الأمين: المرجع نفسه ص 184. جابر: المرجع نفسه ص 247. سليمان: المرجع نفسه ص 529.

([57]) لورته، لويس: مشاهدات في لبنان، ترجمة كرم البستاني. د. ط. بيروت: دار نظير عبود، 1995. ص110.

([58]) لورته: المصدر نفسه ص107.

([59]) لورته: نفسه ص 107. وترجم لورته هذه (الوثيقة) كما اسماها ونشرها حرفياً في كتابه ص 107-109.

([60]) جابر: المرجع نفسه ص 244-245. سليمان: المرجع نفسه ص 521-524.

([61]) الأمين: المرجع نفسه ص 185. جابر: المرجع نفسه ص 246. سليمان: المرجع نفسه ص 514.

([62]) الأمين: المرجع نفسه ص184. جابر: المرجع نفسه ص242-244. سليمان: المرجع نفسه ص516-517.

([63]) جابر: المرجع نفسه ص248.

([64]) الأمين: المرجع نفسه ص184. جابر: المرجع نفسه ص248-249. سليمان: المرجع نفسه 533-534.

([65]) سليمان: المرجع نفسه ص534.

([66]) الأمين: خطط جبل عامل، ص185.

([67]) سليمان: المرجع نفسه: ص535.

([68]) جابر: المرجع نفسه ص249-252 و 269. سليمان: المرجع نفسه 535-545.

([69]) جابر: المرجع نفسه ص247-248.

([70]) الأمين: المرجع نفسه ص184؛ جابر: المرجع نفسه ص247؛ سليمان: المرجع نفسه ص520-521.

([71]) الأمين: المرجع نفسه ص186؛ سليمان: المرجع نفسه ص527.

([72]) الأمين: المرجع نفسه ص185؛ سليمان: المرجع نفسه ص527-528.

([73]) الأمين: المرجع نفسه ص185-186؛ جابر: المرجع نفسه ص247؛ سليمان: المرجع نفسه ص528.

([74]) الأمين: المرجع نفسه ص185؛ جابر: المرجع نفسه ص247؛ سليمان: المرجع نفسه ص531.

([75]) سليمان: المرجع نفسه ص531-532.

([76]) جابر: المرجع نفسه ص 247-248؛ سليمان: المرجع نفسه ص 545.

([77]) سليمان: المرجع نفسه ص524.

([78]) الأمين: المرجع نفسه ص186؛ سليمان ص524.

([79]) خليل أرزوني: تاريخ شحور الاجتماعي 1900-2000، خطط دار العز. ط1. بيروت: الدار الإنسانية، 2001. ص302-303.

([80]) مجلة العرفان مجلد8 / ص656.

([81]) عارف الزين: تاريخ صيدا. مطبعة العرفان ص122. تميمي وبهجت: ولاية بيروت د. ط. بيروت: دار لحد خاطر، 1979: جزءان. ج1/ 157.

([82]) تاريخ صيدا ص 116. ولاية بيروت ج1/ 160.

([83]) تاريخ صيدا ص 117-118.

([84]) تاريخ صيدا ص 121.

([85]) مجلة العرفان مج 16/ 64.

([86]) ولاية بيروت ج1/ 182.

([87]) مجلة العرفان مج 8/ 773.

([88]) تميمي وبهجت: ولاية بيروت، ج 1/ 160 .

([89]) ميشال ثابت الخوري: تاريخ أبرشيات صور، 1800 ـ 1914، ط1. بيروت: دار المواسم، 2003. ص208-210.

([90]) الخوري: المرجع نفسه ص 206.

([91]) الخوري: المرجع نفسه ص 205.

([92]) الخوري: المرجع نفسه ص 203.

([93]) الخوري: المرجع نفسه ص 199-200.

([94]) الشهيد الثاني، زين الدين بن أحمد العاملي الجبعي: منية المريد في آداب المفيد والمستفيد د. ط. بيروت: دار الكتاب الإسلامي، د. ت. ص 73-100.

([95]) الشهيد الثاني: المصدر نفسه ص 100-134.

([96]) الشهيد الثاني: المصدر نفسه ص 200-203.

([97]) محسن الأمين: خطط جبل عامل ص 189-190.

([98]) الأمين: المرجع نفسه ص 191.

* * * *

مكتبة البحث

ابن الأثير، علي بن أحمد: الكامل في التاريخ. د. ط. بيروت: دار صادر 1982: 13 ج.

أبو شقرا، يوسف خطار: الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية. الراوي حسين غضبان أبو شقرا، تحقيق عارف أبو شقرا (د. ط، د. ن)، 1952.

أرزوني، خليل: تاريخ شحور الاجتماعي 1900-2000 خطط دار العز. ط 1. بيروت: الدار الإنسانية، 2001.

الأسعد، شبيب: العقد المنضد في ديوان أشعار شبيب بك الأسعد ومقدمات أدبية مع فصول تاريخية. الآستانة: دار الطباعة العامرة، 1309 هـ/1891.

الأمين، حسن: عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل. د. ط. بيروت: دار إحياء التراث الإسلامي، 1974.

الأمين، محسن: أعيان الشيعة. بيروت: دار التعارف، 1960-1963 56 ج. والمجلد 7: الطبعة الجديدة، دار التعارف، 1986.

الأمين، محسن: خطط جبل عامل. حققه وأخرجه حسن الأمين ط 1. بيروت الدار العالمية، 1983.

التميمي، رفيق. وبهجت، محمد: ولاية بيروت. د. ط. بيروت: دار لحد خاطر، 1979: 2 ج.

جابر آل صفا، محمد: تاريخ جبل عامل. ط 2. بيروت: دار النهار للنشر، 1981.

الحر العاملي، محمد بن الحسن: أمل الآمل تحقيق أحمد الحسيني ط 2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983: 2 ج.

الخوري، ميشال ثابت: تاريخ أبرشيات صور 1800-1914 . ط 1. بيروت: دار المواسم، 2003.

درويش، علي إبراهيم: جبل عامل بين 1516- 1697 الحياة السياسية والثقافية. ط 1. بيروت دار الهادي، 1993.

زيدان، حسين علي: الاتجاهات الشعرية في جبل عامل خلال قرنين 1700 - 1900 أطروحة دكتوراه حلقة ثالثة في اللغة العربية. بيروت: جامعة القديس يوسف، 1982 (غير منشور)

الزين، عارف: تاريخ صيدا. مطبعة العرفان.

سليمان، إبراهيم: بلدان جبل عامل. د. ط. مؤسسة الدائرة 1995.

الشهيد الثاني، زين الدين بن أحمد العاملي الجبعي : منية المريد في آداب المفيد والمستفيد د. ط. بيروت: دار الكتاب الإسلامي، د. ت.

صالح، حسن محمد: أنطولوجية الأدب العاملي. ط 1. دار الجمان، 1997: 1 ج.

الصدر، حسن: تكملة أمل الآمل. د. ط. بيروت: دار الأضواء، 1986.

فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية. ( د. ط ). بيروت: دار الجيل، 1977.

القمي، عباس: الكنى والألقاب. ط 2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1981: 3 ج.

كرد علي، محمد: خطط الشام. ط 3. بيروت: دار العلم للملايين، 1983: 6 ج.

لورته، لويس: مشاهدات في لبنان، ترجمة كرم البستاني. د. ط. بيروت: دار نظير عبود، 1995.

المجذوب، طلال ماجد: تاريخ صيدا الاجتماعي 1840 - 1914. د. ط. بيروت، صيدا: المكتبة العصرية، 1983.

مروة، علي: تاريخ جباع، ماضيها وحاضرها. ط 1 بيروت: دار الأندلس، 1967.

مكي، محمد كاظم: الحركة الفكرية والأدبية في جبل عامل. ط 2. بيروت: دار الأندلس، 1982.

نعمة، عبد الله: فلاسفة الشيعة حياتهم وآراؤهم، ط1. بيروت: دار الفكر اللبناني، 1987.

مجلة العرفان: مجلدات: 8 ـ 16 ـ 27 ـ 31 ـ 49 ـ 71.

Hourani , Albert: From JABAL Amel to PERSIA Bulletin of the School of Oriental and African studies (BSOAS) University of London VoXLIX , part 1 , 1986 , PP: 133-140.

 

 

 

 الشاعرية الحالمة والمقاومة

في مجموعة الشاعر خليل عكاش

(لست وحيدًا في الميدان)

د. حسن جعفر نور الدين

 

"لست وحيدًا في الميدان"، عنوان مجموعة شعرية للشاعر اللبناني خليل عكاش، تقع في مائة وخمسين صفحة من القطع الوسط، صادرة عن دار الفارابي لعام 2012م، وهي السادسة بعد سلسلةٍ من المجموعات نذكرها تباعًا وفقًا لتاريخ صدورها، "أناشيد السفر" 1983م، "كتاب الهدى" 1988م، "أسميك الأميرة في النساء" 1995م، "أغنيات الفجر" 2006م، "من كروم النصر" 2011م.

يمتد عُمْرُ الشاعر الشعري أربعين عامًا، كانت محطته الأولى بيروت حيث أودعت فيه محارةً شعرية من بحرها الفيّاض، إذ كان يجالس الشاعر العربي الكبير عمر أبو ريشة، فيُسمِعَه قصائدَه ويستمع إليه، وشدّت مجالسته الشعرية أيضًا للشاعرين الكبيرين سعيد عقل ومحمد علي شمس الدين من عصبه الشعري وأورثته عدوى الشعر الخلاق، فانطلق ينسج على نَولِه أثوابًا من الشعر الموشّى بأعراس الجمل ويواقيت العبارات، وهو في الأساس متهَمٌ بِلَوثة الشعر، مُدانٌ باقتراف الشعرية الهادفة.

عين على الشعر والشاعر

كانت أعظم أحزان الشاعر خليل عكاش استشهاد ابن أخيه وعائلته جميعهم في أول غارة شنتها طائرات الكيان الصهيوني على لبنان في اليوم الأول من حرب تموز 2006م، عندما قصف العدو الغاشم منزلهم عند صلاة الفجر من اليوم الرابع عشر من تموز، فكانوا أول شهداء تلك المرحلة، ولعل ديوانه الذي نحن على ضفته الآن، كان عصارة ذلك الحدث وما تلاه، وهو يذكر أنه لم يكن وحيدًا في الميدان، كان معه النهر والطير والوادي والأحلام، جنود المعركة المثاليون مع رجال المقاومة.

وعناوين القصائد هي نفسها شواهد على كمية الحزن التي أدمت قلب الشاعر، ابتداءً من "أحوال الليل"، و"لست وحيدًا"، إلى "الشجر المقتول" و"وادي الأسرار"، وما بينهما من عناوين أخرى، هي أغصان هذه الشجرة الشعرية الوارفة التي أولدتها أحوال النفس الإنسانية التي تكتوي بنار التحدي، وهي صامدة صلبة كسفوح الجبال الجنوبية وقممها الشمّاء.

والشاعر في هذا السياق يُلحّ على مفرداتٍ محدّدة أكثر من غيرها، إذ لا تكاد تخلو قصيدة من ألفاظ الليل والطير والذئب والوحش والنهر والأحلام والأوهام، وفي أجوائها تغلب النزعة الوجدانية المتألّمة على معظم النصوص، إلا أنها سرعان ما تتقلّص في نهاية الديوان لتشيع أجواء التفاؤل في قلب الشاعر، وتتحقق أحلامه التي تغلّبت على الأوهام التي أقضّت مضجعه وحوَّلته إلى إنسان قلق، حزين.

ولم تكن المجموعات آنفة الذكر وحدها رصيد عكاش الشعري، فهو ذو ماضٍ شعري حافل، وهي مع سواها -مما لم ينشر أو هو على طريق النشر- خزّان عكاش الشعري وثروته الذهبية التي نسجها بإبرة وعيه وموهبته، وصقلها تحت أفياء شجيرات الجنوب العنيدة، وضفاف أنهاره الفضية الحالمة، لقد حقنها بنسيم المروج المصبوغ بدم الشهداء، وصهرها مع أحزان الأمة وأفراحها.

وهو على كل حال من أوائل الشعراء الذين اعتنوا بالشعر المعاصر في مطلع الستينات، عندما كانت مجلة (ورود) واحة قصائده وإبداعاته، إلا أنه ومنذ أواسط السبعينات ابتعد عن الأجواء الشعرية كغيره من بعض الشعراء الذين لم تسمح ظروفهم بسبب الحرب الأهلية من مواكبة حركة الشعر، علمًا أنه لم تكن تنقصهم الإمكانية والمقدرة والإرادة، وقد أضرّتهم الحرب من ناحيتين:

أولاً: فقدان معظم ما نظموه من شعر.

ثانيًا: أنهم لم يرافقوا جيل الشعراء الذين تابعوا مسيرة الشعر وأثَّروا فيها.

كان من إطلالات الشاعر عكاش أواخر التسعينات وما تلاها، مشاركتنا في مهرجانات شعرية كثيرة، وكان أحدها مهرجانات اتحاد الكُتّاب العرب في دمشق، والتي جمعتني وإياه مع مجموعة من الشعراء منهم: جورج طربيه، ومكرم حنوش، ومهى قنوت، وهدى ميقاتي وحسين حموي، وعبد القادر الحصني، ومحمد رجب، وعصام ترشحاني، وإبراهيم ياسين، وراتب سكر، وعبد الرزاق عبد الواحد، وزهير هدله، وسواهم، كنّا آنذاك في عرس شعري دائم.

وفي مجمل الأحوال، كانت مساحات من الشجن والحياة القاسية والأمل الجميل لوّنت شعر عكاش، وشحذت موهبته، وخلقت نسيجًا من الألفاظ انطوى عليها نتاجه الشعري، فهو شاعر الوطن وابن الجنوب الصامد والقرية المناضلة (الدوير) والبيت القروي الأصيل، من مرارات الطفولة والفتوّة والشباب عجن خميرة شعره، وأطعمنا خبزًا شعريًا طازجًا من قمح الوجدان.

خلقت منه هذه الحياة الشاقة رجلاً ثابت الجأش، مصممًا على خدمة الشعر، فأنشأ دار الغد العربي التي أصبحت سلوته ومنتجعه الساحر.

التكرار اللفظي ورمزيته

تعتبر الألفاظ المكررة من زوائد الكلم إن لم يكن لها دور في معنى الجملة وصياغتها، إلا أن قضية التكرار اللفظي في قصائد الشاعر خليل عكاش ذات صلة عميقة بمزاجه الشعوري والنفسي الذي رافق ولادة قصائده، بمعنى أنها عبارة عن رموز استعان بها الشاعر لتفسير الهواجس التي رافقت رحلته الشعرية وكتابة قصائده التي وُلدت على حدّ السكين، ومن بين هذه الرموز المكررة التي بدت وكأنها من لوازم عمله الشعري مِن ألِفه إلى يائه: الليل والوحش والنهر والطير والذئب وغيرها، وفي أجواء هذه الرموز كان معلقًا في ما يشاهده ويسمعه بين الأوهام التي يتخيلها والأحلام التي يتمناها.

ولذلك نلاحظ أن نسبة هذه المفردات (الرموز) قد خفّت كثيرًا حتى أنها تلاشت في الصفحات الأخيرة من المجموعة، لأن الغلبة كانت للأحلام على الأوهام، وهاتان المفردتان لم تخلُ منهما معظم صفحات الديوان.

وللنهر في شعر عكاش حضورٌ لافت، لا يغيب خرير مائه عن أي صفحة من الصفحات، وهو عنده رمز للخصوبة والعطاء والتجدد والوضوح والنضال، يبحث عنه لِيَتَّحِدَ فيه ([1]):

ولكي أتنفس أبحث عن منجمِ خيرٍ

 

 

عن نهر أفنى فيه فتشربني الأشجار

 

 ذلك هو الحلول الذي يرمي إلى تماهي الشيئين ببعضهما، رمز لحلول جسد الإنسان مع الطبيعة، مع التراب الذي جُبِل منه.

وفي لفتة بلاغية بارعة، يصنع الشاعر من أحلامه نهرًا يقوده إلى شاطئ الأمان حيث تظلله أشجاره الشعرية الوارفة من سعير الألفاظ الجوفاء([2]):

دعني أصنع من أحلامي نهرًا

 

 

تورق فيه الأشجار

 

وتحتدم الصور تألّقًا عندما يجسّد الشاعر فتى الأنهار وحاملَ رايتها (الليطاني) بطلاً مقاتلاً يهزم المحتلين، ويحتفل بالنصر وينام قرير العين في عرزاله الذي يسمى الجنوب:

أسرار الوادي يعرفها الحامل رايات الأنهار([3])

نام النهر قرير العين وقد عبر الفرسان

فالنهر بهيُّ الوجه بقامته

لا توقفه الريح ولا تلويه الأحزان([4])

أما الطير فهو في قصائد الشاعر رمز الانطلاق والحرية والانعتاق، يحمل مجموعة الشاعر بجناحيه ويوزع زقزقته في جميع الصفحات.

والشاعر يجسّد الطير ويفلسفه في صورة (البوعزيزي)، مفجر ثورة تونس الحديثة، فهو طائر الفينيق نفسه الذي انتظره الناس ليفكَّ الأغلال، القادم من قلب الواحات الخضر، متغلغلاً في أنفاس النهر العاشق رمز الحرية والحركة والانبعاث:

طير الفينيق البوعزيزي

الآتي من أحلام الزهر الأبيض

من وجع الأغصان

خاض الجرح العاتي بعصا موسى

فامتدت بين يديه الشطآن([5])

وهكذا يستحضر التاريخَ وعصا موسى ليكتمل في صوره البطل الأسطوري، كل ذلك في أداء موفق وسيل من الصور البديعة المتواترة بين النهر والطير.

ويخوض الشاعر صراعًا داميًا مع الليل، فهو خصمه اللدود، رمز الحيرة والظلم والتشاؤم والاستبداد، ولنلاحظ هذا التكرار المنطلق من كراهيته للّيل:

الليل الحائر يسألني عن نجم حطّ على يده وسرى

في ليل حطّ على نجم يسأل عن ليل مسكون في أحوال الليل([6])

فكان طير الفينيق (البوعزيزي) بالمرصاد لهذا الليل، فقد أرابه وأرعبه ، وشقّ رمال النيل، إشارة إلى انتقال الثورة إلى أرض النيل، إنه الصراع الدامي بين الطير (الحرية) والليل (العبودية).

وفي قصيدة (طائر الوعد) ص65، يُنشب ليلُ اليأس أظافرَه، لكن الأحلام تشق عراه، الأحلام عصا الشاعر التي يشهرها دائمًا في وجه الريح، الذئاب، الوحش، الليل، في أماكن متناثرة من الديوان:

ورأيت كيف تشقُّ ليلَ اليأس أحلامُ الرجاء

وكيف تبتكر الطيور على تلال النار

لحن الكبرياء([7])

والطير هنا رمز للمقاومين الذين يعزفون ألحان الكبرياء والنصر، هكذا يوظف الشاعر الرمز للتعبير عن الأفكار التي يطرحها في أداءٍ جاذب ولغة طبيعية آسرة، ويلتقي رمزا الريح والليل في مقطع واحد كتعبير عن التعدي والظلم كما نقرأ في قصيدة "رحماك يا أمي":

رحماك يا أمي ..الريح تعربد

في هذا الليل وراء الأبواب

الأحلام الوردية

في هذا الوطن المصلوب سراب([8])

هذا هو الليل ، عبء دائم على الشاعر، لا يبدّده إلا نور العزيمة والإصرار:

هل جئنا للنزهة في هذا الليل

وأيّة شمس نبصرها ونهارات نسكنها([9])

بهذا التعبير اللافت والصور الراقية تأخذ الرموز في قصائد خليل عكاش دورها في التعبير عن خفايا الأشياء ومكنوناتها:

ما أخفاه الصمت طويلاً تبديه الأيام([10])

الخلايا الموسيقية

برع الشاعر خليل عكاش في استخدام ألوان الموسيقى الشعرية عبر استعماله للبحور المختلفة في مجموعاته الشعرية، واقتصرت المجموعة التي تعنينا الآن على بحرين أو ثلاثة، علاوة على استخدام النظام التفعيلي الذي استحوذ على معظم نصوص المجموعة (فَعْلُن فَعْلن)، والذي يعتبر أحد أعمدة الشعر الحديث مما يدعو إلى الاعتقاد أن الشاعر نظم قصائده في أوقات متقاربة جدًا، حتى ليظن القارئ أن المجموعة تكاد تكون قصيدة واحدة.

هكذا تتواءم الخلايا الموسيقية في أرحام الكلمات والجمل، وتبرز النوتات والإيقاعات جليّةً عذبةً في هذا المقطع المتناغم من قصيدة "تساؤلات":

عبثٌ ودخانٌ فوق دخان

هل للرؤيا في هذا الليل مكان

روَّيناها من مطر الفرحة

من ظمأ الأحزان

وأهديناها آهات الناي

على قصب الأجفان

ما زالت تلمع تحت غبار الأسرار

ترويها الأشجار، تغنيها

حنجرة الأنهار([11])

واسمع هذا النمط الموسيقى العذب تعزفه أوتار أبي طلال:

هل ينفد صبر الجمر

وينفجر الماء

وكأني في الميدان

أغنّي للوطن المحفور على الأجفان

النيل.. القلم.. الحلم المجروح

عَصِيَ السَّيفُ على الإذعان([12])

هنا وكأن سيمفونية عذبة تتمايل في هذه الأبيان وتقيم عرسًا للكلمات.

وتستعر الموسيقى في هذا الجو الريان من بحر "البسيط"، في نسق إيقاعي متوازن، محتشد بالصور الجمالية التي تغذي الموسيقى بألوانها الزاهية:

ألا احذر الريح إن جُنَّتْ عواصفها

والذئب إن شفَّه في غزوه الترفُ

لقد أصاخت له الغابات ساجية

تغض طرف الحيا فاقتاده الصَّلفُ

وصال بين دروب النار فانتفضت

كأنها قدرٌ يأتي به الهدفُ([13])

ويأخذك بحر "المُحْدث" بأمواجه الموسيقية العذبة محاطًا بشاطئه (القاف)، المفتوح على جزر المحار في مقطع شعري غزلي، أجمل ما فيه جمع النقيضين، الجمر والبَرد:

أشكوه ويشكو من عتب
يمضي للغيم على وهنٍ
لا تبكِ لأوراقٍ سقطت
العلة في قلبِ وجلٍ
فكأن الصَّب على قَلقٍ


 

 

ونغني طوعًا للغرقِ
فيلامسُ أجفان الشفقِ
فالعلة ليست في الورقِ

يستهوي العيش على الحُرقِ
يتبردُ في جمر القلقِ([14])

 

أين الروح الجمالية؟

في قصائد الشاعر خليل عكاش ألوان من الجماليات تلتقطها العين والبصيرة، خلال استطلاع القصائد، التي تكشف عن شاعر متمكّن ذي تجربة شعرية عريقة، فهو يحسن المزج بين الألوان في العبارات، ويقدِّم لوحات فنية جديرة بالاهتمام، ومن ذلك مقطع من قصيدة "رحماك يا أمي" يحمل طاقة إكبار وإجلال:

يا من تسقي الأرض العطشى

من آهات يديها، وتغني الصبح الواعد

باسم جميع الأسماء

عاد الطير فعودي يا أمي

ليعود الزهر ويجري الماء([15])

تلك هي الأمومة المناضلة، التي تصنع الحياة وليس بدونها حياة.

وما أجمل هذا المقطع المدهش الذي رسمته ريشة هذا الشاعر الموفّق من قصيدته "وادي الأسرار":

أمي مع كل ربيع تأتي

والطير العائد بين التين وبين الزيتون

يصغي لهتاف العلّيق المنثور على ألواح الأيام

حكايات يرويها التعب المحفور على الأوراق

كوشمٍ يرتاح على خد الأغصان([16])

أمقطع شعري هذا أم حديقة أزهار؟! إن أمَّه هنا هي الطبيعة التي تتوهج بالبهاء، كأنك لا تستطيع هنا أن تلحق هذا السيل من الصور الجمالية التي يقطرها الشاعر كما يقطر الندى وجه الصباح.

وفي لقطة جمالية أخرى تضج بالرموز والاستعارات، يرسم الشاعر صورة الصراع بين الذئب الذي هو العدو وبين حماة الأرض: الناس والأشجار:

جدّي قال .. لَكَمْ قال لنا جدي

احترسوا من غدر الذئب

الذئب على الأبواب

كلمات ينقلها الوادي وتردّدها الأشجار

أرواح الأجداد تحوم هنا

وتصدُّ الأرواحُ الأخطار([17])

وفي قصيدة "طائر الوعد" يبدع الشاعر صورًا جمالية ترتقي إلى البهاء والروعة، هكذا يريدُ لطير الآفاق هذا -وهو المقاوم العنيد- أن يحلِّق إلى حيث لا أبعاد بعده أبدًا.

مبالغةٌ مفرطة ، لكنها شائقة، يتحقق فيها الفجر السعيد لهذه الأمة والوطن:

يا طائر الآفاق حلِّق

في المدى المتألق

فغدًا يطل الفجر، من فجر

الجبين المشرق

يا طائر الآفاق حلِّق

نحو سماء المطلق([18])

ويدلك هنا على طريق الحرية في أداءٍ جمالي ماتع، يتهادى فوق جسر التعب إلى شطآن الأمان:

لا تخطئ دربك للحرية

فاصعد هذا الجسر العابر

من أنَّات ضلوعي حتى الشطآن([19])

******

خليل عكاش، شاعر مقاوم، في مجموعته التي كنا في ضيافتها، بندقيّة شعرية تفسح لنفسها مع المقاومين، لترسم أرجوزة النصر التي كتبها بمداد قلبه وسهره، حتى لا يبقى وحيدًا في الميدان، أيّ ميدان.


 

([1]) "لست وحيدًا في الميدان"، للشاعر اللبناني خليل عكاش، دار الفارابي 2012م، ص12.

([2]) ص15.

([3]) ص130.

([4]) ص143.

([5]) ص20.

([6]) ص9.

([7]) ص65.

([8]) ص83.

([9]) ص77.

([10]) ص85.

([11]) ص44 .

([12]) ص24 .

([13]) ص143.

([14]) ص107.

([15]) ص84.

([16]) ص136.

([17]) ص138.

([18]) ص73.

([19]) ص6.

 

115%