رسالة النجف

الافتتاحية

السنة الحادية عشرة / العدد السابع والعشرون / حزيران  2015م / ربيع أول  1436هـ

 

تساوي القوي والضعيف في نهج البلاغة1

الشيخ سليمان يحفوفي (قده)

  

مقدمة

الحمد لله الذي خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعِنْ على خلقها بأحد من خلقه، واختار آدمَ (عليه السلام) خيرة منهم، وجعله أولَ جِبِلَّته، وأسكنه أرضه، وجعله خليفته ليعمرها بنسله، وليقيم الحجة به على عباده.

فساوى بينهم في الخلق عدلاً منه وإنصافًا، وأمرهم باتِّباع الحق حفظًا لهم من التفرق والضلال، وأرسل رسلَهُ ليعيدوا من أَخَذَهُ الكِبْرُ على أمثاله من أبناء أمِّه وأبيه إلى صوابه، ويذكِّروه مَنْسِيَّ نعمةَ ربه، ويستأدوه ميثاقَ فطرته، فقد ساوى سبحانه بينهم في الخلق كما تساووا في الميثاق.

كيف نهَجَ الإمام (ع) في تساوي القوي والضعيف بالحق؟

نَهَجَ الإمام (عليه السلام) في التساوي بين الأقوياء والضعفاء في الحقوق من مبدأ التساوي في الخلق والحق، والتفاضل في التقوى والعمل.

فالمَنشأ واحد يتساوى فيه الجميع، والمصير كذلك، والدنيا دار ابتلاء وامتحان، فيها يتفاضلون ليميزَ الله الخبيث من الطيِّب، وتُجزى كل نفس بما كسبت.

على هذا المنوال نسج الإمام (عليه السلام) عدالته، وساوى بين الحقوق والواجبات، وقد ركَّز اهتمامه على أربع نقاط، ليتمكَّن من تثبيت دعائم الحق ونشر لوائه، وحفظه لأصحابه.

النقطة الأولى: معالجة الأسباب الداعية للاعتداء على حقوق الآخرين.

النقطة الثانية: استثارة النفوس ومواطن الخير فيها، لتحافظ على حقوق الآخرين ذاتيًا.

النقطة الثالثة: وضع خطة عمل لإرجاع الحقوق لأصحابها حال الاعتداء عليها.

النقطة الرابعة: المباشرة الفعلية لإعادة الحقوق لأصحابها.

وقد دفع (عليه السلام) حياته الشريفة ثمن تلك العدالة، ليبقيها نصرًا أبديًا لِلْحَقِّ على الباطل، أسلوبًا ومنهجًا وعملاً.

النقطة الأولى: ما هي الأسباب الداعية للاعتداء على حقوق الضعفاء؟

خُلِقَ الإنسان ضعيفًا، والضعفُ مركَّب نقصٍ فيه، يحاول أن يسدَّه بكل جهده، يسعى للكمال فيُعْْجِزه القصد، فمنال الكمال بعيد ودربُه شاق، ولا يتأتى إلا بشِقّ الأنفس، فيقعد عنه ممتلئًا حقدًا.

يأكل الحقد قلبه، فينتصب عدوًا لكل معاني السموِّ في الحياة، تثور نفسه متغذية بحقدها الدفين، إذا لاح في الأفق بارقة كمال تشعُّ من نفس مطمئنة، بذلت جهدًا حثيثًا في الوصول إليه.

وكعادة الأنفس المريضة -وما أكثرها- يروح ينتقص الكاملَ، واضعًا للكمال أسماء جديدة تتلاءم وخُبْث نفسه المقصِّرة، فهو إذ ذاك ثائر العصبية مهتاج الحمية، متفجِّر الكبرياء، متلبِّسًا بلباس الحميّة، ومتسربلاً سربال العصبيّة، ومدرَّعًا درع الكبرياء.

كبرياء وعصبيّة وحميّة، تلك بذور اعتداء القوي على حقوق الضعيف، وضع الإمام (عليه السلام) يده على هذه البذور فأراد اقتلاعها من الجذور، فكشف عنها ثم عالجها.

كشف عنها بقوله: [فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد -وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة، لا يُدرى أَمِنْ سِنِيّ الدنيا أم من سِنِيّ الآخرة- عن كِبْرِ ساعة واحدة، فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟ (...) فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزَّكم بندائه]([1]).

حرَّك النفس في الأعماق لتنتفض على ذاتها، وتحسّ مركَّب النقص الذي تعيش فيه، فتثور عليه، وتسعى صعدًا سلم الكمال لتصل لدستور الحياة المقدس، وتسرح في مراتع العدل والمساواة، فالناس متساوون في الخلق لا تمايز بينهم.

فَكِّرْ أيها الإنسان من أين أوتيت؟ وكيف تسربَتْ إليك أمراض الحَمِيَّة والكبرياء والعصبية؟ وهل لك امتياز عن إنسانٍ غيرك لتحمل عليه بأمراضك الوَبِيَّة؟

فإذا كان لا! لاشتراكك وتساويك معه في الخلق، فأسباب الاعتداء غير متوفرة، ففيمَ التعالي والاستكبار؟!

انظر إلى أصلك تجد نَفْسَك على حقيقتك المجردة كما قال (عليه السلام): [أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، (...) ثم جمع سبحانه من حَزَنِ الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها تربةً سنَّها بالماء (...) فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، (...) ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانًا ذا أذهان يجيلها، وفِكَرٍ يتصرف بها (...) ومعرفةٍ يفرُق بها بين الحق والباطل (...) وأهبطه إلى دار البلية، وتناسل الذرية]([2]).

فمبدأ الخلق يبتدئ بالمخلوق الأول، صاحب الذهن والفكر والمعرفة التي يفرُق بها بين الحق والباطل.

هذا المخلوق مزيجٌ من مواد مختلفة ورغبات شتى: موادٌ تختلف باختلافها طبائع الإنسان بين اللين والشدة، والعذوبة والملوحة.

ورغبات تتنازعه في شتى الاتجاهات، فبينما هو يمارس الحقَّ حتى يذوب فيه، إذ برغبة تنتابه فتنقله إلى النقيض، فيصبح شرًا محضًًا، وباطلاً صرفًا.

وأعطت القدرةُ المنشِئَة هذا المخلوق العجيب قوةً يتحكم بها على كبح جماح هذه الرغبات وتلك الاتجاهات، حتى لا يطغى بعضها على بعض، ولا تخرج عن إرادته، وأصبح سيد الموقف يُصدِر أوامره للجوارح، فتمتثل ذاهبةً إلى أي اتجاه شاء، أو رغبة أحب، فهو لا يختلف عن غيره في شيء إلا في استعمال تلك الكوابح والضوابط، فإذا طغت عنده رغبة على أخرى ولم يستعمل ضوابطه لكبحها، برزت عنده روح العصبية والكبرياء والحميَّة.

هذه الظاهرة المَرَضِيَّة تحتاج لعلاجٍ، فتصدَّى الإمام (عليه السلام) لعلاجها بأسلوبه الجذاب، وهو إذ يصوِّر شيئًا يُخرِجه إلى الوجود ينبضُ بالحياة، لأن ريشتَه عطاءُ نفسٍ، ومدادَه دماءُ قلبٍ، وصورتَه بلاغةُ لسانٍ.

فهو بعد أن كشف عنها عالجها بقوله:

[فأطفئوا ما كَمَنَ في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية، فإنما تلك الحميَّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته، ونزغاته ونفثاته. واعتمدوا وَضْعَ التذللِ على رؤوسكم، وإلقاءَ التعززِ تحت أقدامكم، وخلعَ التكبرِ من أعناقكم]([3]).

فبداية العلاج تكون باستعمال الكوابح، وهي إطفاء نيران العصبية، وأحقاد الجاهلية، وهذه تقتل نوازغَ الشيطان، وتحمي من الوقوع في حبائله ونخواته ونفثاته.

وأُخرى تكون أجدى في الحفاظ على معاني الإنسانية المشتركة بين بني الإنسان، وهي اعتماد وضع التذلل فوق الرؤوس، واجتناب التعزز والكبرياء.

وما الفضل في الكبرياء؟ بل من أين أتى؟ إنها حماقة لَحِقَتْ بالإنسان من الرغبات المختلفة التي رافقت تكوينه، فانقدحت في قلبه نارُ العظمة، وألهبتها عداوةُ الحسد، وأجَّجها الغضبُ، فاستغلها الشيطانُ غنيمةً باردة، فأثار في أنفه ريحَ الكِبْر المميت، وأعقبه الخسران المبين، بينما يتحقق للإنسان ما يريد من هذه الرغبات بالتحكم بإدارة الضوابط الإنسانية الخاضعة له، فهو إذ يريد: يتمكن من إجراء محاسبة دقيقة تجعله رابحًا في جميع الأحوال، ومحقِّقًا لرغباته في كل الظروف.

فماذا يريد المتكبر بكبريائه؟

ليس عند المتكبر من قضية تأكل نفسه أكثر من رغبة تُشبِع نهمَ الأنانية التي نفخها الشيطان فيه، فأصبحت عنده حب "الأنا"، فوق كل اعتبار، فهو يسعى دائمًا لتلبية تلك الرغبة على حساب أي شيء كان، لا بل وكل شيء.

فإذا ما اعترض سبيله إنسانٌ تألَّقت "أناه" بصفات مثالية، واكتملت شخصيته بمعالم النبل والسمو الأخلاقي، ثارت عصبيته وتفجر حقده، ونفث حسدُه سمَّه، وانقضَّ بحميته ينهش في الفضائل، ويحطم من اتصفت به، واتصف بها.

فالتكبر يعبِّر عن صفة ضعف في المتكبر، يريد أن يسدَّها بالحقد والحسد والانتقام، بينما يتمكن أن يسدَّ خلةَ نقصه هذه دون أن يمسَ الكمال بسوء، أو ينهش الفضائلَ بناب الأفعى.

ذلك أن المتكبر يمكنه استعمال كوابح تكبّره، فيستقرئ صفات الكمال والفضائل من أي باب دخلت في شخصية الكامل الفاضل.

فإذا كان الكامل ولج هذا الباب -أي باب الكمال- ليسدَّ ضعفًا كان ينتابه فقد شارك المتكبر في ضعفه، ولكنه سعى ليسدَّ ضعفه بالصعود في سلم الكمال، لا الهبوط في مزالق الكبر والحقد والبغضاء.

فالكامل سعى بتواضعه ليرفع ما به من خسيسة وضعف، فتواضع وتذلل وخلع التكبر والتجبر، واقترب من مقام الجبار المتكبر الذي أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، ليستمدَّ منه القوة التي تحمي ضعفه، وترفع خِسَّته، فتجلبب جلباب السكينة والوقار، وتخلَّق بأخلاق الضعفاء، وخالط الحكماء وتذلل وخضع، فنال ما أراد.

والمتكبر سعى بتكبره ليرتفع على ابن أمه من غير فضل جُعِل فيه، ونازع ذا القوة والسلطان في ملكوت سلطانه، وادّعى مشاركته له في مخلوقاته، فأراد أن يستعبدهم ويتكبر عليهم ليسدَّ نقصه، ويرفع ضعفه، فهوى به جهله في ظلام سحيق.

والمتكبر والكامل يسعيان لسدِّ النقص، ورفع الضعف، ولكن باتجاهين متدابرين، فذا يتكبر ويتجبر ويحسد ويحقد ويبغض، ليرفع بذلك نقصه ويجبر ضعفه. وذا يتواضع ويتذلل ويخشع ويخضع، ويتقرب من ذي القوة والكمال لينالَ نفس المنال.

فأولى بمن يسعى لذلك أن يستعمل قوته الممنوحة له، وضوابطه المسلَّط عليها، في إطفاء نار العصبية، وإخماد أحقاد الجاهلية، ليسلم من حمية الشيطان الذي يريد أن يوقعه في حبائله، ويستفزَّه بنخواته ونفثاته ليورده مورد الهُلاَّك.

هذا العلاج لاعتداء القوي على الضعيف -بعد الكشف عن بذور الاعتداء- يأتي في المقطوعة التالية:

[ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه، سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة]([4]).

فالتكبر لا يكون إلا لمزيد فضل في المتكبر مُنِحَه من ذي الفضل الذي أنشأ، والممنوحُ فضلاً من عادته أن يتواضع ويخشع ويخضع للمانح، فلا يحتمل في حقه التكبر.

فصفة التكبر لا تكون إلا بتلبية الرغبات المجبولة عليها النفس من حبِّ العظمة القائمة على الحسد، والكبرياء والغضب، وكلها من روح الشيطان الخبيث.

فلا بد من الاجتناب عن هذه المزالق ليصل الإنسان إلى منيته عن غير هذا الطريق، فالنفس تصل إلى أعلى مرتقى من الشعور الإنساني بالتواضع، وتبلغ أسمى درجات المجد والرفعة في محاربة الكبر.

ومَنْ غَلَبَتْهُ نفسُه على ما تهوى، فقد أهوى بالإنسانية في مضائق الضياع والحيرة، وكل هذا يصيب الإنسانية في صميمها ويتتبع مقاتلها:

[ألا وقد أمعنتم في البغي، وأفسدتم في الأرض مصارحة لله بالمناصبة، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة. فالله الله في كبر الحمية وفخر الجاهلية، فإنه ملاقح الشنآن ومنافخ الشيطان التي خدع بها الأمم الماضية]([5]).

وهكذا تهوي أنفس وترتفع أخرى، هذه تتخلق بأخلاق الله، فترتفع في ملكوته، وتسبح في جنانه ملتحقة بالرفيق الأعلى في سمو وبهاء، وتلك تتخبط في ملاقح الشنآن، ومنافخ الشيطان الخدَّاعة.

النقطة الثانية: استثارة النفوس ومواطن الخير فيها لتحافظ على حقوق الآخرين ذاتيًا:

[ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبَّروا عن حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم، وألقوا الهجينة على ربهم، وجاحدوا الله على ما صنع بهم، مكابرة لقضائه، ومغالبة لآلائه، فإنهم قواعد أساس العصبية، ودعائم أركان الفتنة (...) فاعتبِروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته]([6]).

وهنا يأتي العلاج على نهايته، فمبدأ الخلق واحد، وجميع الناس متساوون فيه، فالحذر من الانحراف عن هذا المبدأ، والانجرار خلف الأهواء والكُبَراء، وحسبك أن تعيد النظر فيما خُوِّلْتَه، فهل تجد لك مندوحة في التكبر والتعالي على غيرك؟

أَوَلَستَ مع من تتكبر عليه من أصل واحد، وحسب ونسب واحد؟

فعلى من تتكبر؟ أعلى أصلك؟ أم على نفسك؟ فمن المتكبَّر عليه؟ هو أنت؟ ومن المتكبِّر هو أنت. فتكون بعبارة موجزة واضحة: أنت... تتكبر على أنت...؟!

احفظ هذه العبارة في ساحة فكرك، وأَعِدْ التفكير بها عدة مرات، فهل تجد أن التكبر يتجاوز نفسك؟ أم هو منها وعليها؟

أم أنك تحاول أن تجد مبررًا لتكبّرك، فتحاول ستر نقصك بالمجاحدة والمكابرة، فتُلقي الملامة والهجينة على ربك، مدعيًا لنفسك مزيد فضل برفعة أصلك وشرف معدنك، بينما أصل الآخرين خسيس ووضيع.

فمن أنشأك وما هو أصلك؟ وبماذا تختلف عن غيرك؟ ليس لك سبيل على الهروب من الاعتراف بأصلك، إلا الجحود لصنيع الله بك، والمكابرة لقضائه، والمغالبة لآلائه، وبها تدَّعي لنفسك ما اختص الله به نفسه، من إنشاء الخلق وإبداعه.

تلك مكابرة تتجاوز الحوار والتبصر، ولم يعد أمامها سوى التذكر والاعتبار -إن وَجَدا مكانًا للتوطن- وإلا فالمبارزة: [فاعتبِروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته]([7]).

وقبل الدخول في المبارزة مع الله لا بد من تذكير تنتفع به:

الاستكبار منازعة الله في سلطانه، ومجاحدة له في خلقه، ومبارزة له في القدرة والقضاء، فمن رام سد عجزه، وستر نقصه بهذا الأسلوب من المجاحدة والمعاندة، فما عليه إلا الاعتبار بمصائب الأمم السابقة وكيف تم تدميرهم، واستقراء التاريخ، وتتبع سيرة من جعل الله فيهم الفضل، وميَّزهم عن سائر خلقه، فيجد أن صفة الاستضعاف هي المائز لهم عما سواهم، وسيماء التذلل والخضوع هو وسام الشرف الذي يفخرون به، والتواضع وخفض الجناح هما القوة التي يمتلكون بها العالم.

ذلك أنهم ألقَوا بضعفهم أمام القوة المطلقة، التي لا توصف، تفعل ما تشاء، كيف تشاء، وأنى تشاء. فكل قوة أمامها هباء.

وخفضوا أجنحتهم هيبة لها وإجلالاً لقدرتها، وتذللوا لها، وخضعوا أمامها، وألصقوا بالأرض خدودهم، وعفروا بالتراب وجوههم، اعترافًا وخشوعًا وخضوعًا، فما من قوة مطلقة سواها، ولا يستطيع مخلوق أن يستمد القوة من غيرها.

هؤلاء على النقيض من المستكبرين الذين نازعوا هذه القوة سلطانها، وجحدوها حقها وألقوا الهجينة عليها.

هؤلاء ألصقوا أنفسهم بهذه القوة، بحيث استمدوا منها كل شيء، فلا حول ولا قوة لهم إلا بها، فألجأوا أنفسهم إلى ركن حريز، وملاذ أمين، هو مصدر كل قوى العالم، فقلبوا ضعفهم قوة، وتواضعهم عزة، وتذللهم عظمة، وخضوعهم رفعة، ومع ما بلغوا من الشأو والشأن لم يُرخَّص لهم في الكبر والاستكبار، فانظر إليهم ينفعك ذكرهم:

[فلو رخَّص اللهُ في الكبر لأحد من عباده لرخَّص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه، ولكنه سبحانه كرَّه إليهم التكابر، ورضي لهم التواضع. فألصقوا بالأرض خدودهم، وعفَّروا في التراب وجوههم، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين، وكانوا قومًا مستضعفين]([8]).

فهؤلاء بلغوا بضعفهم وتواضعهم غاية يستحيل على غيرهم بلوغها، آية ذلك أنهم يستمدون قوتهم من معين لا ينضب، ومن قوة لا تُقهَر، فهي وحدها التي توزع قوى العالم، وهم ألصق من في العالم بها، وكلما شعروا بالخوف والضعف والاستضعاف، استندوا إليها وازدادوا تمسكًا بها، لتجبر ضعفهم، وتسد خلتهم، وهكذا كان أنبياء الله.

إنهم يقتحمون القصور على جباريها، بلا خوف ولا وجل، ويخاطبونهم بكل رباطة جاش، محذرين ومنذرين بكل جرأة، إنه دأب الأقوياء المعتقدين بأن قوتهم لا تُقهَر -ومن أقوى من موسى (عليه السلام)-:

[ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام على فرعون، وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي، فشرطا له -إن أسلم- بقاء ملكه ودوام عزه فقال: "ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلاَّ ألقي عليهما أساورة من ذهب"]([9]).

لقد جعل فرعون الذهب معيار القيم، والإنسان محصولاً ماديًا، والفقر والغنى ميزانه، وهو دأب المستكبرين وأتباعهم ممن اعتادوا وزن المحاصيل بالأوزان والمكاييل مما تنبت الأرض من الزروع والضروع.

وقد فاته أن الإنسان محصول روحي، مقياسه القيم، ومعياره الأخلاق، فإذا ما قيسَ بغيرهما انقلب الإنسان منكوسًا، وفقدت الأسماء معانيها، والمسميات مدلولاتها، وتبدلت المفاهيم، واضمحلت القيم، ولم يبقَ إلا الرغبة والرهبة تتحكم في مصائر البشر.

أما القيم التي هي مصدر أساسي لوجود الإنسان، والتي تغذي روحه وتسعد نفسه بلذة التأمل، وتريحه في خشوع الاستسلام، وراحة الاستكانة لله، فتصبح غير ذات شأن، إذ إنها لا تخضع لموازين المادة.

فالروح لها علاقة بالقيم يستحيل تحديدها بغير الموازين الروحية، فهي مرتبطة بالقيمة المطلقة ارتباطًا وثيقًا يتجاوز كل ما هو مادي، وهذا الارتباط يزداد متانة بسمو الأنفس والأرواح، حتى تصبح نفس المؤمن في بعض المراحل بين يدي الله يقلبها كيف يشاء.

وفي هذه الحال يصبح المؤمن على الأرض ظل الله، لا يتحرك إلا بإرادته وفيما يرضيه، فهو يتوقف عندما يرى أن التوقف رضىً لله، ويتحرك ويمضي إذا رأى المضي في رضى الله.

بهذا المقياس تقاس العلائق الروحية والارتباطات النفسية، وهو مقياس الأنبياء في تصرفاتهم ومأكلهم وملبسهم، وإذا تبدلت هذه المقاييس تبدلت المفاهيم، وأصبح اتِّباع الأنبياء خوفًا وطمعًا، وعندها يبطل الثواب والعقاب.

[ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان (...) لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، (...) ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى]([10]).

فعلائق الأنبياء بالقيمة المطلقة علائق لا تنفصم ولو تقطعت كل العلائق المادية، لأنها علائق العزائم والأرواح، وليست علائق النفائس والأشباح.

إذ [لو كانت الأنبياء أهل قوة لا تُرام وعزة لا تُضام، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال، وتُشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم في الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة]([11]).

وعندما تصبح الروابط والعلائق مع الأنبياء (عليهم السلام) مادية، تخضع لما يملكون من كنوز الذهب ومعادن العقيان الثمينة، والجنان الكثيرة، وبيدهم القوى المادية المسيطرة، والملك المترامي الأطراف، والقوة التي لا تُقهَر، يصبح الأتباع أكثر من أن يحصوا، ويصبح إيمانهم شكليًا يخضع لقوة قاهرة أو لطمع مادي، أو مطمح سياسي، وعندها تضيع المقاييس فلا يُعرَف التِّبْرُ من التبن.

ولا بد في مثل هذه الحال من تخليص الحق من الباطل، حتى تتميز العلائق والارتباطات، فكانت موازين القيم هي التي تضبط تلك العلائق.

وعندما تكون العلائق مبنية على الضعف المطلق في جانب، والقدرة المطلقة في الجانب الآخر، والحاجة الدائمة من جهة، والغنى والعطاء المطلق والمتواصل من الجهة الثانية، تصبح العلاقات غير قابلة للانفصام، وتعتدل الموازين، وهي التي جعلها الله موازين الاتِّباع لرسله (عليهم السلام).

[ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتِّباع لرسله، والتصديق بكتبه، والخشوع لوجهه، والاستكانة لأمره، والاستسلام لطاعته أمورًا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة. وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل]([12]).

تلك مناجاة نفس تجعلها تذوب شوقًا، طمعًا في الثواب، ورغبة في اللقاء، وما أحراها أن تبعث النفس من سباتها، وتبعد بها عن آفاتها.

النقطة الثالثة: وضع خطة العمل لإعادة الحقوق لأصحابها

تبتني خطة الإمام (عليه السلام) لإعادة الحقوق لأصحابها على أمرين:

الأمر الأول: التذكير بتساوي الناس في الخلق والحق:

أ- التذكير بالتساوي في الخلق.

ب- التذكير بالتساوي في الحق.

الأمر الثاني: أسلوب الاستنقاذ:

أ- عودة لمعالجة أسباب الاعتداء وإثارة منابع الخير في الأنفس.

ب- حسم الأمر بالقهر.

الأمر الأول: التذكير بتساوي الناس في الخلق والحق.

أ- التذكير بالتساوي في الخلق.

قال (عليه السلام): [لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على نِدٍ مثاور، ولا شريك مكاثر، ولا ضد منافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون]([13]).

فجميع المخلوقات أنشأها الله ابتداءً بدون حاجة إليها، والإنسان أشرف هذه المخلوقات وأفضلها، وإن كان خَلْقَه من مجموعة متباينة من شتات الأرض فيها الشريف والوضيع، والخسيس والرفيع، ولكن الذي حسَّن خلقه هي نفحة الروح الإلهية التي جعلت ذلك الشتات: ذهنًا يُجال، وفكرًا ينال كل شيء، وفي كل مجال، فضلاً عن الحواس والجوارح التي يستخدمها في كل ما يحتاج إليه.

فلم يفضل إنسان إنسانًا في الخلق فهم فيه سواء، وإنما التفاضل في ميدان السباق، فالسبقة الجنة والغاية النار.

وبرز على الساحة عدو الإنسان اللدود، فاغتره نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، فأُهبِط إلى دار البلية وتناسل الذرية.

وفي هذه الدار بدَّل أكثر الخلق عهد الله إليهم فجهلوا حقه، فبعث فيهم رسله ليذكِّروهم منسيَّ نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، وأخذت الرسل تترى ليذكِّروا بآيات المقدرة، وتتابع الأحداث والأعراض والأمراض، حتى لا ينسى الإنسان أصله، ويتكبر على ابن أمه، ويعتدي على نظيره.

ب- التذكير بتساوي الناس في الحق.

الحقوق متبادلة بين الناس يوجب بعضها بعضًا، فما من حق إلا ويقابله حق آخر، (أي واجب آخر)، وهي من أعظم الحرمات التي يجب أن تُراعى، فالمجتمع الذي لا يراعي الحقوق بين الأفراد يصبح في دور الانقراض، وإنما يموت المجتمع بتفريطه بحقوق أفراده، فرعاية هذه الحقوق نموٌ للمجتمع، وسَيْرٌ به نحو الكمال، وأرقى المجتمعات التي تبلغ النضج هي التي تحافظ وترعى حقوق جميع الأفراد، ولا تفرِّط بشيء منها، وأي تفريط بحق أي فرد من الأفراد يخلُّ بكمال المجتمع ويؤخر نضجه، ويغرس فيه جرثومة فساده.

فالمجتمع الناضج والكامل هو الذي يرعى حقوق كل المخلوقات الحيَّة، بشرية أم نامية، ونظرة الإمام (عليه السلام) إلى الحقوق المتبادلة تتجاوز حقوق الناس بين بعضهم، لتؤكِّد على الحق المتبادل بين الخالق والمخلوق، فتجعل لله حقوقًا على الإنسان، يقابلها حقوق الإنسان على الله، وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه مجتمع من المجتمعات الراقية الناضجة.

يقول (عليه السلام): [أوصيكم بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم، وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله]([14]).

فحق الله سبحانه على الإنسان يقابله حق الإنسان على الله، والتقوى هي الموجبة للحقين، فقد فرضها سبحانه على عباده، فإذا أدّوها حقها أوجب لهم على نفسه مقابلاً لها وعوضًا.

فالتقوى هي أداء الله حقه فيما فرض من واجبات ونهى عنه من محرمات، وكل ملتزم بهذين الفرضين يستحق على الله المخرج من الفتن، والخلد فيما اشتهت نفسه في منزل الكرامة عند ربه، والتقوى اليوم هي الحرز والجُنَّة، وفي غدٍ الطريق إلى الجَنَّة.

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب} ([15])، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}([16])، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}([17])، فتقوى الله تستوجب عليه سبحانه جميع هذه الحقوق.

وقد أفصح عنها الإمام (عليه السلام) بقوله: [وأوصاكم بالتقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه، فاتقوا الله الذي أنتم بعينه، ونَوَاصِيكُم بيده، (...) قد وكَّل بذلك حفظة كرامًا لا يسقطون حقًا، ولا يثبتون باطلاً، واعلموا أنه من يتقِ الله يجعل له مخرجًا من الفتن ونورًا من الظُلَم، ويخلِّده فيما اشتهت نفسه]([18]).

أما الحقوق بين الناس فهي حقوق متساوية متبادلة تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضًا، فما من حق إلا ويقابله واجب، ولا يؤدّى واجب إلا ويقابله حق، وليست الحقوق رموزًا تُرسَم، ودساتير تُعلَّق، وإنما هي ممارسة عملية بين طرفين فمن أخلَّ بحق زعزع المجتمع، وشرخ فيه شرخًا قد يقضي عليه، لأن العمل يتحوَّل إلى جانب واحد وفقدانه في الجانب الآخر، وهذا يهدد بكارثة الانهيار من الجانب الضعيف.

وعليه نفهم كلمة الإمام (عليه السلام): [من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبده]([19]).

وعبادة غير الله موت المجتمع وركوده، لأن العمل إذا استمر من جانب واحد، يخلّ بتوازن الكائن في الجانب الآخر، فتوازن الحقوق وتكافؤها وتساويها يختلّ، ونظامها يضطرب عندما يُلتزَم به من جهة واحدة، لأن الحق التزام وعمل وليس توصيفًا وأملاً.

فأعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه هو حق الراعي على الرعية، ويقابله حق الرعية على الراعي، وفي هذا الحق يقول (عليه السلام):

[أما بعد فقد جعل الله  سبحانه لي عليكم حقًا بولاية أمركم، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له]([20]).

فنظام الحقوق هو نظام التقابل بينها، حتى تبقى ركائز المجتمع سليمة، وهذا النظام هو ممارسة عملية لأداء الحق، وليس فكرة نظرية تُستكمَل بالبرهان والتنظيم، فصاحب الحق المطلق هو الذي فرض هذا النظام كما يقول (عليه السلام):

[ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقًا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضًا، ولا يُستوجَب بعضها إلا ببعض]([21]).

فالحقوق بين الناس هي حقوق الله المفترَضة عليهم من كل الجوانب، وقد جعلها بحكمته متوازنة متكافئة في وجوهها، فقيام مخلوق بتأدية حق يوجب على الآخر تأدية حق يقابله، ولا يتوجب على إنسان القيامُ بأداء حق إلا إذا استُوجِب عليه بحق أُدِّي إليه.

وبهذا تنتظم الأمور ويحسُّ كلُّ من أدَّى حقًا بالعوض، وأن جهده لم يذهب هدرًا.

وإنما تستقيم الأمور على أكمل وجه وأفضل نظام، عندما يتولّى الوالي مسؤوليته وتتحمل الرعية عبئها:

[فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدّى الوالي إليها حقها، عزَّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطُمِع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء]([22]).

فصلاح الرعية لا يكون إلا بصلاح الولاة، ولا يمكن للولاة أن يصلحوا إذا لم تستقم الرعية، لأن اعتداء بعض الناس يُربِك الوالي، وعدم قيام البعض الآخر بواجباتهم يجرِّئ الآخرين على العصيان، وإذا حدث هذا فسد النظام، وانطمست معالم الحق، وتفرَّقت الكلمة، وظهرت معالم الجور، وأصبحت كل مجموعة تعمل وِفْقَ هواها، وتزيد من اضطراب الأوضاع، وتردّي الأحوال، متذرعة بالأهواء ومستخفية وراء الألفاظ التي تصف الحق ولا تعمل به، وتذم الظلم وتتمادى في ارتكابه، وتقود المجتمع إلى مصيره المشؤوم وموته المحتوم في ظل دولة الأشرار وذل الأبرار، لأن الأمر أفلت من أيديهم، فأصبحوا يسامون الهوان.

بينما تكافؤ الحقوق في وجوهها، والتزام كل طرف بأداء حق غيره، يُعِزُّ الحق بين الأطراف، ويُقيم معالم العدل، ويُصلِح الزمان، ويتنامى المجتمع حتى يصل إلى غاية النضج والكمال.

ومثل هذا المجتمع لا يطمع به الأعداء أن يطالوه بِشَرٍّ، أو يُلحقوا به الأذى، أو ينالوا منه غنيمة، فهو متماسك بشقَّيه القيادي والقاعدي، ومؤهَّل للبقاء واستمرارية الدولة.

وإذا تباعدت القاعدة عن القيادة، أو أجحفت القيادة بحق القاعدة، ساءت الأوضاع وانحدر المجتمع في طريق الهاوية، ورُشِّح للدمار، وذلك عندما تتغلب الرعية على راعيها:

[وإذا غلبت الرعية واليَها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور (...) وكَثُرَت علل النفوس، فلا يُستوحَش لعظيم حق عُطِّل، ولا لعظيم باطل فُعِل، فهنالك تَذِلُّ الأبرار وتَعِزُّ الأشرار]([23]).

وفي هذه الحال يجب وبسرعة، تدارك كل نقصان أو إخلال بحقوق الآخرين، حتى لا يستشري الفساد، ويلتهمَ المجتمعَ فيقضي عليه.

ولمَّا كانت الحقوق متساوية، فلا يجري لأحدٍ حقٌّ إلا جرى عليه حق، ولا يجري عليه حقٌّ إلا جرى له حق، فلا مجال للفساد عند المحافظة على هذه الحقوق، فإن عدالة الحياة تستقيم عندما يُطبَّق العدل، فالتقابل بين الحق والحق، والتبادل بينهما  -بحيث لا يؤخذ حق إلا بإعطاء حق، ولا يُعطى حق إلا بأخذ مثله- صمام أمان لاستمرار دورة الحياة العادلة.

فالمجتمع الذي يريد أن يحمي نفسه ويطيل أمد بقائه، عليه أن يحافظ على تبادل الحقوق وتقابلها بين أفراده، وفي أي وقت يتخلى عن ذلك يكون قد اتجه نحو الكارثة.

[فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه، فليس أحد (...) ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهلُهُ من الطاعة له، ولكن من واجب حقوق الله على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم. وليس امرؤ -وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته- بِفَوْقِ أن يُعان على ما حمَّله الله من حقه]([24]).

فواجب الأمة أن تسعى للتناصح فيما بينها، والتعاون على إقامة الحق بين أفرادها، والضرب بيدٍ من حديد على المعتدين على حقوق الآخرين، والمانعيها عن أصحابها، حتى يُعزَّ الحقُّ بينهم، وتظهرَ معالم العدل، ويصلح الزمان، وتتركز دعائم الدولة ويطول بقاؤها.

وهذا ميثاق أخذه الله على كل فرد من أبناء المجتمع، فالمجتمع مجتمعهم، وكلهم مسؤولون عنه، وأي امرئ مهما عَظُمَ في أداء الحقوق لأصحابها، وتقدّم في الفضائل الإنسانية، ليس بأكبر من أن يُعان على أداء الحقوق لأصحابها، ولو بإنقاذها من مغتصبيها، أو بإجبار المتقاعسين على أدائها.

كما وأنه ليس امرؤ -وإن صغَّرَته النفوس وحقَّرَته العيون- بدون أن يعين على أداء حقوق الله أو يُعان على ذلك.

فهذا التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع، كفيل بالقيام بميثاق الله الذي أخذه عليهم، "وهو أن جعل من حقوقه حقوقًا افترضها لبعض الناس على بعض".

فالمسؤولية عامة أمام اختراق بعض الحقوق، أو التقصير في أدائها، لأنها من حق الله على العباد.

وأعظم المسؤولية تقع على عاتق علماء الأمة حيث:

[أخذ الله على العلماء أن لا يُقارُّوا على كِظَّة ظالم ولا سَغَبِ مظلوم]([25]).

فهم رموز الأمة، ما لم يُغلَبوا على أمرهم فواجبهم أعظم، والمسؤولية عليهم أضخم، طالما أن باستطاعتهم التصدي للظالم، واستنقاذ حق المظلوم منه، لأن محاباتهم للظالم خيانة لميثاق الله المأخوذ عليهم، "وهو عدم إقرار الظلم"، كما وأنه خروج على نظام العدل الذي يحمي المجتمع من الفوضى والفساد، ويؤول إلى موته، لأن تقابل الحقوق وتبادلها حياة المجتمع وبقاؤه، فهضم حق المظلوم أول رصاصات الموت في جسد العدل([26]).

الأمر الثاني: الأسلوب :

أسلوب استنقاذ الحقوق لأصحابها من مغتصبيها يتدرج من مرحلة معالجة أسباب الاعتداء، إلى علاج الأنفس وإثارة منابع الخير فيها لتغلب إرادتُها دواعي الشرّ، ومع عدم جدوى ذلك فلا بد من حسم الأمر بنفس الأسلوب الذي سبّب الاعتداء على حق الآخرين.

فالظالم إنما ظلم بفضل قوّته على المظلوم، جاعلاً تلك القوة معيارًا يفرّق فيه بين الحق والباطل، فما استطاعه حق، وما عجز عنه باطل، ولن يتنازل عن ظلمه طالما يجد لاستمساك قوته سبيلاً.

فاستنقاذ الحق منه في مثل حاله من أصعب الأمور مشقةً وأشدّها خطورةً، إذ لن يتراجع عن اعتدائه إلا بقوةٍ أعظم ترغمه على ذلك، وهنا يقع التصادم وتُسال الدماء.

قال (عليه السلام) : [إن أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل] ([27]).

فالقوة كما تُعتمد للاعتداء تُسخَّر لدفعه، لأن الشاغب يستعتب، والسيف يلمع فوق رأسه، فإن أبى فضربة تعيد الحق لنصابه، وترده صاغرًا لصوابه:

[وأيمُ الله، لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودَنّ الظالم بخزامته حتى أوردَه منهل الحق وإن كان كارهًا]([28]).

فلا قوة إلا للحق، ولا ذلّة إلا للباطل:

فـ [الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه]([29]).

لقد عاد المعيار هو الحق كما كان، والقوة تخدمه، وهوَت المعايير الباطلة التي تجعل القوة هي المعيار:

[وأيمُ الله، لأبقرنّ الباطل حتى أُخرِج الحق من خاصرته] ([30]).

ثم أتتبّعه في كل مكمن حتى أعيده كما كان:

[والله لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِك به الإماء لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجَور عليه أضيق] ([31]).

خطة صارمة عادلة لا يمكن لسواها أن تعدل الموازين، فعندما يستضعف الحق يبتلعه الباطل بقوّته، ويختزنه في جوفه، فيغدو رهين قوة الباطل المختزِنة، ولا يُفكّ أساره إلا بطعنة تبقر بطن الباطل لِتُخرج الحق من رهانه الخزين، فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق، إذ أن ظلمه قويًا سيُشرع باب الظلم أمام غيره ليغدو مظلومًا ضعيفًا، فليست القوة الظالمة وقفًا عليه، وانتقالها لغيره سيحيله مستضعَفًا يرسف بضيق الجور الذي سنّه نظامًا للحياة.

ففي العدل سعة، ولكن الباطل يضيق على ذوي البطش والجبروت:

[فلئن أَمِرَ الباطل لقديمًا فعل، ولئن قلّ الحق فلربما ولعل] ([32]).

فالحق لن يستعاد بالأماني والدعوات طالما صُمّت آذان الظالمين، وإنما السيف هو الحكم العدل في إمارة المفسدين:

[فإن أبَوا أعطيتهم حدّ السيف، وكفى به شافيًا من الباطل وناصرًا للحق]([33]).

وإن نبا السيف فالحق لا يخضع.. وإن أُخضع فهو لا يستذل، وإن استذل صرع، وإن صرع أهلك، فأهوى بالمصروع إلى النار:

[من صارع الحق صرعه]([34]). و[من أبدى صفحته للحق هلك] ([35]). [ومن أكله الباطل فإلى النار]([36]).

وإن تكالبت الأكلة على الحق فلن تجد شافيًا إلا مسح السوق والأعناق:

[أضربُ بالمقبل إلى الحق المدبرَ عنه، وبالسامع المطيعِ العاصيَ المريبَ أبدًا حتى يأتيَ عليّ يومي]([37]). غير هيّابٍ من ضلالهم وتكالبهم على الباطل، ولو ملأوا الأرض عدًّا والجبال جندًا. فالحق أُنس وحشتي، ومصدر قوّتي، ونصير وحدتي:

[ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة]([38]). [إني والله لو لقيتهم واحدًا وهم طِلاع الأرض كلها ما باليت، ولا استوحشت، وإني من ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي]([39]).

فعلامَ التخاذل؟ والحق أنيس ونصير وشفيع؟ ولقد حدّث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: [يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها]([40]).

النقطة الرابعة: المباشرة لإعادة الحقوق لأصحابها إنما تكون:

بممارسة الأسلوب:

[والله لئن أبيت على حسك السعدان مُسهّدًا أو أُجَرّ في الأغلال مصفّدًا، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالمًا لبعض العباد أو غاصبًا لشيء من الحطام]([41]).

تنبعُ ممارسة الأسلوب من إيمان عميق في النفس، وشعور حاضر باستمرار، ويُترجَم الإيمان عملاً، والشعور التزامًا، والمجموع نظام حياة.

وينتصب عماد الحق معتمدًا على أركانه الثلاثة، إيمان وعمل والتزام:

[والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها]([42]).

ويغدو نظام الحياة يُحبَك بنفس المنوال، فتُخصف نعل عتيقة غير ذي قيمة بمخرز الحياة الخالدة التي ترفعها فوق قيمة الحياة الآمرة المتسلّطة:

[والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيمَ حقًا أو أدفع باطلاً]([43]).

ويصبح القائدُ العامل والقدوة، فيتساقط العاملون أمام عمله، ويقصّر المقتدون عن اللحاق به، ودائمًا يرتفع العظماء حتى تضيق العظمة بهم، فتتشرّف بالانتساب إليهم إذ يغدون ميزانها:

[ألا وإن لكل مأموم إمامًا يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد]([44]).

وترتسم الخطى أسلوبًا يضيء معالم الطريق، وكان عهدنا أن الأسلوب طريق يهدي إلى معالم الحق.

لقد أصبحت الخطى منارًا يضيء طريق الحق إذا درست معالمه، وأصبح كل واحد منهما يدل على صاحبه:

[فعلي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيث دار]

فمتى افتقدنا واحدًا اهتدينا إليه بالآخر، فهما جسد وروح وفي عالم الأحياء لا يفترقان:

[هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع]([45]).

[وأيمُ الله -يمينًا أستثني فيها بمشيئة الله- لأروضن نفسي رياضة تهشُّ معها إلى القرص إذا قَدَرْتُ عليه مطعومًا، وتقنع بالملح مأدومًا]([46]).

ومضى الحق يشقّ طريقه الكؤود وسط عجاج الباطل الثائر، يعفي آثاره ويمحو معالمه، حتى استمكن منه وحيدًا يعوزه الناصر ويخذله المعين.

جهاد الحق

[لا يحمل هذا العَلَمَ إلا أهل البصر والصبر والعلم بمواضع الحق]([47]).

استفرِد الحق في ساح الجهاد فاستلأم السعادة بعيدًا عن الجبناء، فلقد خذل النصير وفارق الحميم وخان الرحم، وتهامس المستضعَفون.

وانتفض الحق مزمجرًا كالليث الهصور، يتمحور حول نفسه، ويحمي عرينه الذي لا يُضام، ويسفِّه رأي الاستضعاف الذي يؤثر السلامة والراحة، ويتوانى عن نصر الحقوق المشروعة.

[أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه!

والله لا أطور به ما سَمَر سمير، وما أمَّ نجم في السماء نجمًا]([48]).

فَسُوحُ الجهاد أبواب الجنان، وهي أروى للغليل من الخضوع للاستكبار، فمن اجتنبها طلبًا للراحة سيم خسفًا وذلاً وصَغارًا، وقضّى أيامه تعبًا ومشقة وشنارًا، فلا راحة أصاب، ولا حظًا أدرك، وأُلبس ثوب الذل والقماءة، شأن كل النفوس الضعيفة، وتعالت النفوس الكبار تسمو بالحق لمداره، فدار يتمحور حولها إذ غدت وحدها المحور:

[إنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشترَوه، وأخذوهم بالباطل فاقتدَوه]([49]).

[إن الحق ثقيل مريء، وإن الباطل خفيف وبيء] ([50]).

وانطلق صوت الحق يدوّي بعيدًا في الآفاق، معلنًا أن الاضطهاد والنفي والإبعاد ليست مقاييس السعادة والوحشة، فالسعادة سرور نفس، والوحشة ظلمتها، ولا تُظلِم نفس تستمتع بالحق، ولا تسعد نفس تتخبط في ظلمات الباطل.

[لا يؤنسَنَّك إلا الحق ولا يوحشنَّك إلا الباطل]([51]).

فميزان الأنس هو الحق ولو في الغربة والوحدة، والباطل وحشة في الأوطان.

[أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شِبَعُها قصير وجوعها طويل]([52]).

وقد فاتهم ما يخبئ لهم الدهر من ثأر وانتقام إذ:

[يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجَور على المظلوم]([53]).

[فوالذي لا إله إلا هو إني لعلى جادة الحق، وإنهم لعلى مزلّة الباطل]([54]).

ولم يجد بدًا من الاحتفاظ بمحور الحق في مدلهمات الظُلَم، كيلا ينفصل قطب البشرية عن رحاها:

[أقمتُ لكم على سَنَنِ الحق في جوادِّ المضلَّة، حيث تلتقون ولا دليل، وتحتفرون ولا تُميهون]([55]).

ولم يترك الباطل للحق مجالاً، فقد ضيّق عليه الخناقَ متحفزًا لالتهامه، ودار الحق حول نفسه يرتئي بين الصول بيد جَذََّاء والصبر على طِخْية عمياء مسترسلاً في تفكير عميق، فلم يسعه إلا أن يصول:

[ولقد ضربت أنفَ هذا الأمر وعينَه، وقلبت ظهره وبطنه، فلم أرَ لي فيه إلا القتال أو الكفر]([56]).

لقد بلغ السيل الزُبى، وأُخِذت على الحق مسالكه فلم يبقَ سوى حد السيف شافيًا.

لقد صُمَّت الآذان، وعميت الأبصار، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون:

[فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه، ... وعظمت الطاغية، ... وصال الدهر صيال السبع العقور، .... وتواخى الناس على الفجور، وتهاجروا على الدين، وتحابوا على الكذب، وتباغضوا على الصدق، ..... وكان أهل ذلك الزمان ذئابًا، وسلاطينه سباعًا، وأوساطه أُكَّالاً، وفقراؤه أمواتًا، وغار الصدق، وفاض الكذب... وصار الفسوق نسبًا، والعفاف عجبًا]([57]).

وبقي الحق يصول ويجول، ويتشعب الباطل في نصب الحبائل والكمائن له.

[قد أعدّوا لكل حقٍ باطلاً، ولكل قائمٍ مائلاً، ولكل حيٍّ قاتلاً، ولكل باب مفتاحًا، ولكل ليل مصباحًا]([58]).

[فيا عجبًا! عجبًا -والله- يميت القلب ويجلب الهمَّ، من اجتماع هؤلاء القوم باطلهم، وتفرقكم عن حقكم]([59]).

ونُكر الحق [فإن أكثر الحق فيما تنكرون]([60]).

واستعيض عنه بالباطل وقديمًا فعل، وأصبح الحق غريبًا في أوطانه:

[والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاءِ القومُ عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي]([61]).

استشهاد الحق بالعدالة

[ألا وإن الشيطان قد ذمَّرَ حزبه، واستجلب جلبه، ليعود الجور إلى أوطانه، ويرجع الباطل إلى نصابه]([62]).

لقد حدد الحق موقفه من الأحداث فقال:

[والله لو أعطيتُ الأقاليمَ السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللهَ في نملة أسلبُها جُلبَ شعيرة ما فعلت]([63]).

وحدد الباطل موقفه فقال: [إن لله جنودًا من عسل]([64]).

وتهافت الذباب على العسل مسمومًا تهافته على الجيفة النتنة:

[وقد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا في الحق أُسوَة، فهربوا إلى الأثرة فبُعدًا لهم وسحقًا]([65]).

[إنهم -والله- لم ينفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل]([66]).

واستصرخ الحق جنده فتخاذلوا، واستثار الباطل أعوانه فبادروا من كل صوب وحدب:

[مالي أراكم أشباحًا بلا أرواح، وأرواحًا بلا أشباح، ونُسَّاكًا بلا صلاح، ... وأيقاظًا نُوَّمًا، .... وناظرة عمياء، ... وناطقة بكماء، رايةُ ضلالة قد قامت على قطبها، .... تكيلكم بصاعها، وتخبطكم بباعها. قائدها خارج من الملة، قائم على الضِلَّة. فلا يبقى يومئذ منكم إلا ثُفالة كثُفالة القدر، .... تعرُكُكم عرك الأديم، وتدوسكم دوس الحصيد]([67]).

وازداد أنصار الحق تخاذلاً وإبطاء وتفرقًا، حتى شُنَّت عليهم الغارات ومُلِكَت عليهم الأوطان، وحاول الحق النهوض بلا جناح، فسقط كصاحب الجناح المهيض.

عاد يؤاسي جراحه بكبريائه المعهود.

[ولقد أصبحتْ الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحتُ أخاف ظلم رعيتي]([68]).

فنفسه تتمزق حسرات كتمزيق الحق نفسه، فهما صنوان لا يفترقان.

وللإصلاح مجال ولكنه مشوب بمجاوزة الحق، وهيهات أن يُرقَع بجرثومة فساده [كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها]([69]).

[الذليل والله من نصرتموه... وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أَوَدَكم، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي]([70]).

أبى له كبرياؤه أن يتنزَّل لحظة عن رفيع منزلته ويحكم الأبد.

[فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين]([71]).

واستحبَّ ضعاف النفوس (الموت في الحياة على الحياة في الموت)، فرضَوا عيشة الذل والهوان، وتفرقوا عن الحق أيدي سبأ.

[وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ]([72]).

لم يبقَ سواه غريبًا في أرضه ومضطهدًا في أوطانه، فاختار الحياة في الموت القاهر، والخلود في الوطن الثائر.

الرحيل

[يا أشباه الرجال ولا رجال! لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة -والله- جرت ندمًا،... قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا وجرعتموني نُغَبَ التهمام أنفاسًا، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان]([73]).

بعد هذه الحرقة المميتة، والغربة المقيتة، لا مقام لمتباعدين ولا جوار لمتنافرين، وانتحى كلٌّ ينشد وطنه، واستحث الحق خطاه مستعجلاً ساعة الوصول، وتاركًا الباطل يتخبط في ديجوره.

[اللهم إني قد مَلِلْتُهم وملّوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرًا مني. اللهم مِثْ قلوبَهم كما يُماثُ الملح في الماء. أما والله لوددت أنَّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم:

هنالك لو دعوت أتاك منهم

 

فوارس مثل أرمية الحميم]([74])

 

وارتحل الحق وحيدًا في رحلته، سعيدًا بأداء مهمته، مخلِّفًا بذوره المعطاء في عقول الرجال لمَّا لم تسعها الأرض، منتظرًا إيناعها بعد تفريخ.

وما أسرع ما تفاعلت الأفكار، ولبَّت نداء الحق فتحوَّلت نطفًا تتغذى من ندائه...

وتنمو على لبانه، وانطلقتْ كالمارد الجبار يهدر ويزأر ويزمجر: لبيك داعي الله، لبيك.

لقد أجيب دعاؤك فأُبدلت خيرًا ممن سئمت، وأُعطيت فوق ما طلبت، وَدِدْتَ ألف فارس من بني فراس بن غنم، فلبَّاك عشرون مليونًا، كلهم [كبني فراس بن]([75]) غنم مثل أرمية الحميم، يهدرون بصوت واحد كالصواعق: الله أكبر، الله أكبر.

قادهم ابنك، الذي عاش محنتك، فالتزم خطك [كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطَونه، ثم يطلبونه فلا يعطَونه، فإذا رأَوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطَون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر] ([76]).

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1. هذه المقالة هي عبارة عن محاضرة كان قد ألقاها المصنف (قده) في مؤتمر نهج البلاغة العالمي الثالث في طهران 13 رجب 1403هـ 1983م. وقد عثرنا في أوراق المؤلف على تعديلات كان قد أجراها على قسم من البحث، وهو يشتمل على النقطتين الأولى والثانية وجزءًا من النقطة الثالثة، ولم نعثر على بقية التعديلات. ونحن نعيد نشر المحاضرة مع التعديلات المشار إليها، ولذلك قد يُلاحَظُ شيءٌ من الاختلاف بين التقسيم الوارد في بداية المحاضرة، وبين ما ورد في القسم الثاني منها.

([1]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، خطبة 192.

([2]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة الأولى.

([3]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([4]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)،الخطبة 192.

([5]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([6]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([7]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([8]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([9]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([10]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([11]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([12]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 192.

([13]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 65.

([14]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 191.

([15]) الطلاق من الاية 2.

([16]) الطلاق من الآية 4.

([17]) الطلاق من الاية 5.

([18]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 183.

([19]) نهج البلاغة، حكمة 164.

([20]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 216.

([21]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 216.

([22]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 216.

([23]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 216.

([24]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، الخطبة 216.

([25]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام) الخطبة 3.

([26]) هنا ينتهي القسم الذي عثرنا على تعديلاته التي أجراها المؤلف، ويبدأ القسم الذي لم نعثر على تعديلاته.

([27]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام) الخطبة 173.

([28]) من كلام له 136.

([29]) من كلام له 37.

([30]) خطبة 104.

([31]) من كلام له 15.

([32]) كلام 16.

([33]) خطبة 22.

([34]) حكم 408.

([35]) حكم 188.

([36]) رسائل 17.

([37]) خطبة 6.

([38]) رسائل 17.

([39]) رسائل 62.

([40]) كلام 164.

([41]) كلام 224.

([42]) خطبة 175.

([43]) خطبة 33.

([44]) رسائل 45.

([45]) رسائل 45.

([46]) رسائل 45.

([47]) خطبة 173.

([48]) كلام 126.

([49]) رسائل 79.

([50]) حكم 376.

([51]) كلام 130.

([52]) كلام 201.

([53]) حكم 341.

([54]) كلام 197.

([55]) خطبة 4.

([56]) كلام 43.

([57]) خطبة 108.

([58]) خطبة 194.

([59]) خطبة 27.

([60]) خطبة 87.

([61]) خطبة 97.

([62]) خطبة 22.

([63]) كلام 224.

([64]) قالها معاوية عندما بلغه وفاة مالك الأشتر بسم دسه له.

([65]) كلام 224.

([66]) كتاب 70.

([67]) خطبة 108.

([68]) خطبة 97.

([69]) خطبة 121.

([70]) كلام 69.

([71]) خطبة 51.

([72]) خطبة 97.

([73]) خطبة 27.

([74]) خطبة 25.

([75]) أضفنا هذه العبارة لأنه يظهر وجود نقص. (التحرير).

([76]) الغيبة، النعماني، عن أبي جعفر (عليه السلام).

 

 

 

 

الاتجاهات الإنسانية في حياة الإمام علي (عليه السلام)

د. حسن جعفر نور الدين

 

 

الطابع الإنساني لعلي (ع) في مرحلة الرسول (ص)

منذ ولد الإمام علي (عليه السلام) وخلال طفولته وفتوته رافق النبي (صلى الله عليه وآله) وعاش معه، ونهل من معين الدين الحنيف وقيم الإسلام السمحاء، وكان أبرزها النزعة الإنسانية التي طبعت سلوكه ورافقته مدى حياته، تلك القِيَم التي خلبت لبَّه، وأيقظت مشاعره، وهو يجد النبي (صلى الله عليه وآله) يمارسها ويعيشها بكل جوارحه، حرصًا على توحيد الأمة الإسلامية وضخّها بمبادئ تظلل الجميع وتعدل بينهم، وأعظم ما أثلج قلب علي (عليه السلام) يوم دعا الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة المسلمين إلى المؤاخاة تحقيقًا لإنسانية العلاقة بين الأحزاب، وصولاً إلى إنسانية العلاقة المجتمعية، وكانت غاية الرسول (صلى الله عليه وآله) خلق مجتمع متآخ متآزر تحكمه روح الأخوة الحقَّة، وإعلان زوال عهد الطبقية والعائلية والعنصرية، فيؤاخي كل مؤمن أخًا له، وقد آخى آنذاك الرسول عليًا، معلنًا زوال الجاهلية البغيضة، وولادة عصر الإنسانية التي توحِّد ولا تفرق، تجمع ولا تبدد، تبني ولا تهدم.

وتمتلئ أُذُنا علي (عليه السلام) وقلبه وعقله بأحاديث الرسول وهو ينادي: [أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى] ([1])، [الخلق كلهم  عيال الله فأحبهم إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله]([2])، [الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربيهم على عجميهم، ولا لأبيضهم على أسودهم إلاّ بالتقوى] ([3]).

أليس هذا غيض من فيض مما كان يغدقه الرسول (صلى الله عليه وآله) على المسلمين من الأحاديث التي ترمي إلى رصِّ الصفوف، وتآزر الطاقات وتوحيد القوى، والإيمان المطلق بإنسانية الإنسان، وتساويه مع أخيه، علاوة على آيات القرآن الكريم التي تحضُّ على التماسك والتعاون واحترام إنسانية الفرد وحقوقه، ليدرك الجميع أهمية الإنسانية في صلاح المجتمعات ورقيها الأخلاقي والاجتماعي والحياتي، مصداقًا لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}([4]).

إنه خطاب السماء إلى الأمم جمعاء لتدرك معنى الإنسانية الحقَّة، وتعمل بموجب هذه التعاليم السمحاء، تكامل إنساني رائع، اختمر في قلب الرسول وعقله، وعلي (عليه السلام) معه يشاهد ويعي ويتصرف على هذا المنهج المثالي، ومن أمثلة ذلك أن العباس عم النبي كان من جملة الأسرى في معركة بدر. وقد سهر النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ قال: أنين العباس. فقام رجل من القوم، فأرخى من وثاقه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما بالي ما أسمع أنين العباس؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئًا. فقال: "فافعل ذلك بالأسارى كلهم". وهذا يدل على عدل النبي (صلى الله عليه وآله) ودقته في مراعاة الأحكام الإلهية ، وصلابته في الدين . وهي المناسبة لمقامه الأسمى، وما عرف عنه من كونه لا تأخذه في الله لومة لائم([5]).

أليس الإيثار خصيصة إنسانية نشأ عليها علي (عليه السلام) وهو مع الرسول ثم طبَّقها خطًا ونهجًا في سياسته خلال خلافته!؟.

وفي ذلك يقول علي (عليه السلام) في خطبته القاصعة عن معاني إنسانيته التي نهلها وهو رفيق محمد وأخوه: [وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويُمسني جسده ويُشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيمًا أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كنت أتَّبِعه اتِّباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علمًا ويأمرني بالاقتداء به] ([6]).

وفي بعض الأحاديث النبوية ما يؤكد الطابع الإنساني عند علي (عليه السلام) منذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في محفل من أصحابه: [من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في سلمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطانته، وإلى داود في زهده، فلينظر إلى هذا. قال: فنظرنا فإذا علي بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر من صبب]([7]).

وفي حديث آخر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): [ألا أدلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا، إن وليكم وإمامكم علي بن أبي طالب عليه السلام، فناصحوه وصدقوه، فإن جبرئيل عليه السلام أخبرني بذلك] ([8]).

وقد افتدى علي (عليه السلام) الإنسانية بنفسه، عندما أسرَّ إليه الرسول (صلى الله عليه وآله) بأن يتسجّى ببرده الأخضر، وأن ينام في فرشه ليلة هجرته إلى المدينة، لأنه كان يعلم أن عصابة من القرشيين تسعى إلى قتله، ثم أمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي الودائع التي كانت عنده للناس.

أحاديث ووقائع كثيرة تشير إلى عظمة علي (عليه السلام) وروحه الإنسانية منذ أن كان فتى، ينهل من الرسول روح الدعوة الإسلامية.

الاتجاهات الإنسانية خلال الحروب

لم يخض الإمام (عليه السلام) حربًا إلا وكان كارهًا لها، وما أقدم عليها إلا بعد أن استنفد كل محاولات إطفاء الحرائق بين المسلمين، سواء كان ذلك في صفين أو الجمل أو النهروان، إلى غير ذلك من الحروب الأخرى، من خلال الدعوة إلى التعقل والاحتكام إلى العقل والحق والمنطق، صونًا لأرواح ودماء المسلمين، إلا أن معظم مواعظه كانت تجد آذانًا صماء، وهو في كل معركة خاضها كان يتحلّى بدور إنساني يتماشى مع قيمه الدينية والعقلية، والأمثلة أكثر من أن تحصى، وهي تدل جميعها على عظمة هذه الشخصية الخالدة.

وهل أروع وأنصع دليلاً من قوله وهو في صميم الحرب: [اللهم (...) إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة] ([9])، إنها الرؤية الإنسانية النافذة إلى أعماق الوجود، والتي يصعب على أي كان أن يتشح بها، إلا إذا كان من ذوي البصيرة والحكمة.

وتتوالى مواقف الإمام الإنسانية العالية تباعًا، إنها بنت الشخصية العظيمة التي عصمها الله من الفحش والخطل، ففي معركة الجمل، وعندما انتهى القتال وحسم الأمر لصالح علي (عليه السلام)، أمر أن تُحمَل السيدة عائشة بهودجها بعد أن عُقر جملها إلى مكان آمن، و[بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وأرسل معها أربعين امرأة وسيَّر معها أخاها محمدًا] ([10]).

[وعرف مرة أن رجلين من أنصاره نالا من عائشة في موقعة الجمل فأمر بجلدهما]([11])، هكذا تتجلى القيم الإنسانية في هذا العمل الخلاق، إنه علي (عليه السلام)، سيف الله الغالب وسيف رسوله.

وعندما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه أثناء صلاة الفجر في مسجد الكوفة، أوصى ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) بقاتله على النحو الذي يعرفه الجميع، إنها دروس إنسانية للحاضر وللمستقبل، وللعالم أجمع.

ولم يترك (عليه السلام) فرصة سانحة إلا واغتنمها ليعلن مقته للحرب، حرصًا على الإنسان وصونًا للدماء وللأرواح [فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً، فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم. كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها] ([12]).

ثم يقول: [عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها، ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر] ([13]).

وفي معركة صفين حال معاوية وجيشُه بين علي (عليه السلام) وجيشه وبين الماء، عندما استولوا على شط الفرات لحظة وصولهم من الشام وقالوا لعلي (عليه السلام) : [لا تذوق قطرة حتى تموت عطشًا] ([14])، ولما حمل عليهم علي (عليه السلام) وأجلاهم عن الماء أتاح لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده، وهو لو فعلها ومنع الماء منهم لانتصر عليهم وأنهى المعركة من بدايتها، لكنه الخُلُق الكريم والإنسانية المثلى، إن هذا الماء أسراه الله في أرضه للناس جميعًا.

كانوا يريدون أن يحطموا الإنسانية بالكراهية والأحقاد والباطل، وكان علي وصحبه يريدون أن يبنوا للإنسانية صرحًا يظلل الجميع دون استثناء.

الاتجاهات الإنسانية للإمام علي (ع) خلال خلافته وممارسته الشخصية

لا نغالي إن قلنا إِنْ كل خطوة يخطوها الإمام علي (عليه السلام) وكل نفس يتنفسه وكل عمل يقوم به إلاّ وفيه قبس من الإنسانية الغامرة، وهذا لا يختلف عليه اثنان، نجده في ممارسته مع نفسه ومع أهل بيته وولاته ومواطنيه.

لقد عمرت الإنسانية خلال فترة خلافته (عليه السلام) التي نعُم بها المسلمون بالعدل والمساواة والحرية والكرامة، رغم ما حفلت به من حروب أُشعلت في وجهه خلال تلك الفترة القصيرة التي كان فيها علي (عليه السلام) مثال الحاكم العادل النزيه الحريص المتتبع الساهر على راحة المواطنين وقضاياهم المختلفة.

وانظر إلى هذه السلسلة من المشاهد الإنسانية التي عُرفت في خلافته، والتي تعتبر دستورًا خلاقًا ودليلاً مثاليًا لكل حاكم عادل، لقد ساوى علي (عليه السلام) نفسه بخادمه قنبر، بل آثره على نفسه عندما اشترى قميصين ثم دعا غلامه لاختيار أحدهما، فاختار الغلام ما لاقى ذوقه، وأخذ الإمام القميص الآخر، ذلك مخافة من الإمام أن يظن الخادم أنه اختار لنفسه أفضلهما.

إلى هذا الحد كانت مشاعر الإمام مرهفة بإنسانيتها الفذة، ويخاطب التجار خائفًا على مصالح الناس منهم:

[يا معشر التجار قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، و تناهوا عن الكذب واليمين، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الرباء {وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}] ([15]).

مدرسة إنسانية تخط للعالم أجمع طريق الكرامة والحياة.

كانت خدمة الإنسان إحدى أهم دعائم سياسته، لقد مارسها كما قلنا في لحظات حياته الحافلة بالعظائم،ولقد رأى فيه (صلى الله عليه وآله) هذا الإشراق الإنساني حيث قال: [يا علي، إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، زينك بالزهد في الدنيا، وجعلك لا ترزأ منها شيئًا، ولا ترزأ منك شيئًا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعًا، ويرضون بك إمامًا]([16]).

وفي توجيهاته ونصائحه وتوصياته الإنسانية الخُلقية لولاته عند تعيينهم في الأمصار والولايات عمارة إنسانية لا تجد لها مثيلاً.

أقول لو تسنى لهذا العملاق الشامخ أن يمارس دوره بعيدًا عن كل أولئك الذين ساءهم أن ينجح علي (عليه السلام) وأن يبني دولة الإسلام الخلاقة، كالتي بناها وأرسى دعائهما خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله)، لو تسنى له ذلك لخلت البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل من كل منافق ومرتد ومنحرف، ولسادت دولة القانون في كل صقع، أو بالأحرى لأصبح الكون كله دولة واحدة تحكمها شرائع السماء وقوانين العدالة الإلهية ونظم الحرية والمساواة والفضيلة.

ساءهم أن ينجح علي (عليه السلام)، لأنهم يريدون الدنيا، وعلي يريد الآخرة، يريدون أنفسهم ويريد الإنسانية المطلقة، يريدون الشيطان ويريد رب السماء حيًا واحدًا أحدًا.

فتأمل ما يقوله لعامله على مصر الأشتر النخعي: [ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة] ([17]).

وكثيرًا ما كان يوصي ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) بقوله : [كونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا] ([18])، وهذه الوصية الإنسانية قاعدة ترسي أسس الحق والعدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

وليست رسالته إلى عامله على مصر محمد بن أبي بكر أيضًا إلا نموذجًا فذًا لسياسة الحاكم العادل الأمين، يشيع بين مواطنيه روح التسامح والإنسانية في جو من الألفة والمحبة، يقول علي (عليه السلام) في هذه الرسالة:

[هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى الله والطاعة له في السر والعلانية، وخوف الله في الغيب والمشهد، وباللين للمسلم، وبالغلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين ويعذب المجرمين.

وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة، فإن لهم في ذلك من العافية وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه. وأمره أن يلين لهم جناحه، وأن يساوي بينهم في مجلسه ووجهه، ويكون القريب والبعيد عنده في الحق سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالعدل. وأن يقيم بالقسط ولا يتبع الهوى ولا يخاف في الله لومة لائم، فإن الله مع من اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواه] ([19]).

لله درك يا أبا الحسن، أيّة إنسانية فذة أردت أن تشيعها في أرجاء دولتك، إنسانية تذيب الفوارق وتمحو الطبقية والمذهبية، وتقدم مجتمعًا حضاريًا إنسانيًا، تسود فيه روح الحق والرفاهية والتسامح والحرية والأمانة والمساواة.

وفي كلام له يبيّن فيه بعض أحكام أهل الذمة: [وإنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا] ([20]).

لقد ذمَّ التعصب الديني من خلال نظرته الإنسانية الشاملة في كثير من أقواله وممارساته حتى غدا قوله: [فإنّهم صِنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نَظيرٌ لك في الخَلْق»([21]) شعارًا إنسانيًا شاملاً تتناقله الأمم.

على مثل هذه القيم والأسس تقوم الأمم وتتآلف الدول، وتسود العدالة الإنسانية وتترسخ الحضارات ويعم السلام الإنساني العالم.

تلك مشيئة الله في عباده، أنه أوجدهم لعمارة الأرض التي أورثهم إياها بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والعمل الفاعل المنتج، وهو في ذلك يخاطب الناس قائلاً: [إن الله لم يخلقكم عبثًا] ([22]).

يدخل على علي (عليه السلام) أخوه عقيل طالبًا قصعة من بِر المسلمين، وهو في ضنك وجوع، فأحمى حديدة وقربها من جسده محذرًا إياه من مغبّة طلب ما ليس له من حق من بيت مال المسلمين.

ولله دره حيث يقول وهو خليفة على المسلمين مكرسًا أروع المثالية التي لم يسبقه إليها ولن يسبقه أحد في ماضي الدنيا وحاضرها ومستقبلها: [ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيتُ مبطانًا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة

 

 

وحولك أكباد تحن إلى القد

 

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش] ([23]).

وفي قول آخر يبقى كما يقول الأستاذ جورج جرداق في كتابه: "علي وحقوق الإنسان": [يبقى علي في أصول الدساتير الاجتماعية والإنسانية ما بقي المجتمع والإنسان] ([24]).

يقول علي (عليه السلام): [ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرًا، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيمًا]([25]).

والحقيقة أنه لم يكتب أحد في حقوق الإنسان وعمارة الحياة كما كتب علي (عليه السلام)، وليس بكثير ما قيل حول بلاغته بأنه: [دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين] ([26]).

لقد سبق علي (عليه السلام) دساتير العالم التي لحظت ضرورة الاهتمام بالعجزة والأيتام والشيوخ، سبقها وطبق نظرياته تطبيقًا شاملاً، في حين ظلت نظريات أولئك حِبرًا على ورق في كثير من الدول.

يقول علي (عليه السلام) في هذا الصدد: [فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له] ([27]).

مولاي، هذا غيض من فيض، من فصول عظمتك وإنسانيتك، وستبقى تعاليمك منارة تضيء دروب الحياة للبشرية جمعاء، في كل عصر وكل مصر.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) بحار الأنوار: المجلسي، ج73، ص350.

([2]) وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج16، ص345.

([3]) مستدرك وسائل الشيعة: الشيخ النوري،  ج2 ص340 الباب 75 ح6.

([4]) الحجرات 13.

([5]) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، السيد جعفر مرتضى، ج5، ص120.

([6]) شرح النهج، ابن أبي الحديد، الخطبة القاصعة، ج3 ص250، ط الأولى بمصر.

([7]) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ص 25-26.

([8]) مناقب أهل البيت (عليهم السلام)، المولى حيدر الشيرواني، ص 113.

([9]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 32، ص 607.

([10]) العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ) المحقق: محب الدين الخطيب ومحمود مهدي الاستانبولي، الناشر : دار الجيل بيروت - لبنان، ط2، 1407هـ - 1987م؛ الطبري ج4 ص 223.

([11]) المصدر نفسه. والصفحة نفسها.

([12]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج2، ص153-154.

([13]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج2، ص154.

([14]) أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، السيد محمد مهدي الصدر ص 39.

([15]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج41 ص 104.

([16]) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص181.

([17]) نهج البلاغة، الكتب والرسائل 53.

([18]) شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد، ج17 ص 6.

([19]) بحار الأنوار، ج28، ص88.

([20]) الجزية وأحكامها، علي أكبر الكلانتري، ص 14.

([21]) نهج البلاغة: الكتاب رقم 45، من كتاب له إلى عثمان بن حُنَيف الأنصاريّ عامله في البصرة.

([22]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج1، ص149.

([23]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج 3 ص 71-72.

([24]) جورج جرداق: علي وحقوق الإنسان، ج1 ص 197.

([25]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج3، ص93.

([26]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 1، ص 24.

([27]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)  ج 3 ص 101.

 

 

مصر بين خلافة الإمام علي (ع)

وولاية معاوية

د. طارق شمس

 

 

مقدمة

مع مقتل الخليفة عثمان بن عفان، ومبايعة الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة، تزعَّم معاوية بن أبي سفيان، الموجود في الشام، الدعوة إلى الأخذ بثأر الخليفة المقتول، وقيادة المعارضة التي انقلبت على الإمام علي (عليه السلام) ورفضت مبايعته.

وأول مشكلة اعترضت الإمام عليًا (عليه السلام) كانت الولاة الذين عيّنهم الخليفة عثمان، والمطالبين بالأخذ بثأر عثمان، وهم من أطلق عليهم اسم "العثمانية"([1]).

فعمد الإمام (عليه السلام) إلى تغيير هؤلاء الولاة، وتعيين عماله على الأمصار، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة على مصر، وبايع أهل مصر الإمام عليًا (عليه السلام)، في حين امتنعت الشام عليه([2]).

عندها قرر الإمام (عليه السلام) غزو الشام وإخماد معارضة معاوية قبل تفاقمها، إلا أن عدة أحداث منعته من ذلك، كان أبرزها وقعة الجمل عام 36هـ/ 656م.

واللافت كما يقول د. عصام شبارو: [كانت عائشة أم المؤمنين تندد بسياسة عثمان بن عفان، وبعد عودتها من الحج كانت أول من طالبت بدم عثمان بعد قتله...]([3]).

ومع خروج الإمام علي (عليه السلام) من موقعة الجمل منتصرًا، كانت موقعة صفين عام (37هـ/ 657م)، حيث إن معاوية رفض مبايعة الإمام (عليه السلام) وأخذ يؤلّب أهل الشام عليه، تحت ذريعة المطالبة بدم الخليفة عثمان، [وكان هدفه حكم بلاد الشام مستقلاً ثم الحصول على الخلافة نفسها لحصرها في البيت الأموي، لذلك اعتبر نفسه الخليفة بعد أن بايعه كور الشام جميعًا...، ثم ذهب معاوية بعيدًا في تدعيم مركزه، عندما استعان بعمرو بن العاص وهو أحد الأمراء الدهاة بعد أن أغراه بولاية مصر]([4]).

وكان ما كان من رفع المصاحف، وأمر التحكيم...

مصر وأهميتها الجغرافية والاقتصادية:

هنا بعض ما أورده عدد من الجغرافيين في أهمية مصر اقتصاديًا:

- قدامة بن جعفر (ت320 هـ/932 م): [أعمال مصر والإسكندرية وكورها... ما ينسب إلى أرض الصعيد... وارتفاع هذه الأعمال من العين ألفا ألف وخمس مائة ألف دينار]([5]).

- ابن حوقل (ت367 هـ/977م): [مصر اسم للإقليم... وهو قديم جليل عظيم، جسيم العائدة في سالف الزمان... ووجدت بخط أبي النمر الوراق في أخبار أبي الحسين الخصيبي قال: حدثني... لو عمرت مصر كلها لوفت بأعمال الدنيا... تحتاج مصر إلى ثمانية وعشرين ألف ألف فدان، وإنما يعمر منها ألف ألف فدان، قال... إنه كان يتقلد الدواوين بالعراق، يريد ديوان المشرق والمغرب، قال: ولم أبت قط ليلة من الليالي وعليّ عمل أو بقية منه، وتقلدت مصر فكنت ربما بتُّ وقد بقي عليّ شيء من العمل فأستتمه إذا أصبحت، فقال: وقال له أبو خازم القاضي: جبا عمرو ابن العاص مصر لعمر بن الخطاب أثني عشر ألف ألف دينار، فصرفه عنها عثمان بعبد الله بن أبي سرح فجباها أربعة عشر ألف ألف دينار... وكان خراجها على عهده (المأمون أو المعتصم)... أربعة آلاف ألف دينار، ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار]([6]).

- المقدسي (ت380 هـ/990م) في حديثه عن مصر: [... أحد جناحي الدنيا، ومفاخره فلا تحصى، مصره قبّة الإسلام ونهره أجل الأنهار، وبخيراته تعمر الحجاز، وبأهله يبهج موسم الحاج، وبرّه يعُم الشرق والغرب، قد وضعه الله بين البحرين، وأعلى ذكره في الخافقين، حسبك أن الشام على جلالتها رستاقه، والحجاز مع أهلها عياله، وقيل إنه هو الربوة، ونهره يجري عسلاً في الجنة...]([7]).

- اليعقوبي: [واستقر خارج مصر في أيام معاوية على ثلاثة آلاف ألف دينار...]([8]).

 - لما أتم عمرو بن العاص فتح مصر، بعث إلى الخليفة عمر بن الخطاب كتابًا يصف له فيه مصر: [مصر تربة غبراء (سهلة الإنبات) وشجرة خضراء (كثيرة الشجر الأخضر) طولها شهر وعرضها عشر، يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نهر ميمون الغدوات مبارك الروحات، يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها...] ([9]).

الإمام علي (عليه السلام) ومصر

مع بيعة الإمام علي (عليه السلام) كخليفة على المسلمين، نصّب على مصر واليًا من قبله هو قيس بن سعد، وأمره بالإكثار من الجنود، فدخلها قيس مع سبعة من أصحابه، وأعلمهم بأنه أميرهم من قِبل الإمام علي (عليه السلام)، فبايعه أهل مصر، إلا بعض قراها التي كان أهلها يدعون إلى الطلب بدم الخليفة عثمان بن عفان، ومن هؤلاء: يزيد بن الحرث ومسلمة بن مخلد، فهادنهم قيس([10]).

وكان معاوية بالشام، فخشي أن يهاجمه الإمام علي (عليه السلام) في أهل العراق، وواليه على مصر قيس في أهل مصر، عندها كتب إلى قيس يحثه على أن ينقلب على الإمام علي (عليه السلام)، و[يعظم قتل عثمان ويطوّقه عليًا، ويحضّه على البراءة من ذلك ومتابعته على أمره، على أن يوليه العراقين إذا ظفر ولا يعزله، يولّي من أراد من أهله الحجاز كذلك ويعطيه ما يشاء من الأموال...]([11]).

فردّ قيس عليه في محاولة منه لمنعه عن مصر: [... وأنا كافٍ عنك فلا يأتيك شيء من قِبلي تكرهه حتى نرى وترى...]، ثم كتب إليه معاوية: [إني لم أرك تدنو فأعدّك سلمًا ولا تتباعد فأعدّك حربًا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنّة الخيل والسلام].

إلا أن قيسًا كتب له ردًا، فيه من [الشتم والتصريح بفضل علي والوعيد]([12]).

ينقل ابن خلدون، أنه بعد أن آيس معاوية من قيس، ولم يتمكن من استمالته عندها أشاع في الناس "أن قيسًا شيعة له تأتينا كتبه ورسله ونصائحه، وقد ترون ما فعل بإخوانكم القائمين بثأر عثمان وهو يجري عليهم من الأعطية والأرزاق"، في محاولة منه للإيقاع بين الإمام علي (عليه السلام) وقيس.

كلام معاوية هذا، وصل إلى الإمام علي (عليه السلام)، عبر عيون له في الشام، وفاوض فيه -أي في قيس- الحسن والحسين (عليهما السلام) وعبد الله بن جعفر، فقال له عبد الله حسبما أورد ابن خلدون: [دع ما يريبك إلى ما لا يريبك واعزله عن مصر]، وكان قيس قد امتنع عن قتال من طالب بدم عثمان في مصر، كما ورد، فقال ابن جعفر للإمام علي (عليه السلام): [مره بقتالهم خشية أن تكون هذه ممالأة]. فكتب الإمام علي (عليه السلام) إلى قيس يأمره بذلك، إلا أن قيسًا لم يرَ ذلك رأيًا وقال: [متى قاتلناهم ساعدوا عليك عدوّك، وهم الآن معتزلون والرأي تركهم].

عندها اقترح ابن جعفر بأن يعزل قيسًا عن مصر، وأن يوليها محمد بن أبي بكر (وكان أخاه لأمه)([13]).

أما ابن الأثير، فيورد أن معاوية اختلق كتابًا وصله من قيس بن سعد، بعد أن لم يتمكن من أن يكسبه إلى جانبه ضد الإمام علي (عليه السلام)، وقد ورد في هذا الكتاب طلب قيس من معاوية المال والرجال([14]).

[فشاع في أهل الشام أن قيسًا قد بايع معاوية بن أبي سفيان، فسرّحت عيون علي بن أبي طالب إليه بذلك، فلما أتاه ذلك أعظمه وأكبره وتعجب له].

فدعا عبد الله بن جعفر والإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، [قال لهم علي: إني والله ما أصدّق بها على قيس، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، اعزله، فوالله لئن كان هذا حقًا لا يعتزل لك إن عزلته]([15]).

بناءً عليه، لا يمكننا أن نعتبر، أن الإمام عليًا (عليه السلام) قد صدّق أخبارًا كاذبة أتته من بلاد الشام، عن واليه على مصر، وعلى الأرجح أن سبب عزل الإمام علي (عليه السلام) لقيس بن سعد، يعود إلى أن هذا الأخير عندما بعث إلى الإمام علي (عليه السلام) عن خبر الذين اعتزلوا عن بيعة الأمير (عليه السلام)، وهم يزيد بن الحرث ومسلمة بن مخلد ومن معهما، بعث الإمام (عليه السلام) إلى قيس بكتاب يطالبه فيه بقتالهم إن لم يبايعوا، [أما بعد، فَسِر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم إن شاء الله].

إلا أن قيسًا أبى ذلك قائلاً من خلال كتابه للإمام (عليه السلام) [... فقد عجبتُ لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافّين عنك، مفرغيك لقتال عدوك، وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإن الرأي تركهم والسلام]([16]).

عندها عزل الإمام علي (عليه السلام)، قيسًا، عن مصر وولاها محمد بن أبي بكر. وسنرى كيف أن بقاء هؤلاء المرتدين كان من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها قيس، وسلمت مصر إلى معاوية فيما بعد.

مع وصول محمد بن أبي بكر إلى مصر أرسل بالعساكر لقتال "العثمانية" ممن رفض مبايعة الإمام علي (عليه السلام)، يقول ابن خلدون: [إن محمد بن أبي بكر بعث إليهم العساكر من الفسطاط مع ابن مضاهم، فهزموه وقتلوه، واضطربت الفتنة بمصر على محمد بن أبي بكر]([17])، مما فتح المجال أمام معاوية ليحتل مصر، حيث إن هذا الأخير كان قد اغتنم فرصة الفوضى ليشتري بماله عددًا كبيرًا من رؤوس مصر، واستمالتهم إليه.

وقد أورد ابن الأثير في ذلك، أن معاوية قال قبل إرسال الجيش إلى مصر: [أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا فنمنيهم ونأمرهم بالثبات، ونكاتب من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا، فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا وإلا كان حربهم من بعد ذلك]([18]).

كما كتب معاوية إلى العثمانية وعلى رأسهم مسلمة بن مخلّد ومعاوية بن خديج [يقويهما ويمنيهما الأماني الطيبة، فكتبا إليه يطلبان المدد]([19]).

أهمية مصر عند معاوية:

يورد الطبري: [قال أبو مخنف:... إن أهل الشام لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة، ولم يزدادوا إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي (عليه السلام)، فما كان لمعاوية همٌّ إلا "مصر" وكان لأهلها هائبًا خائفًا، لقربهم منه، وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان على ذلك عَلِمَ أن بها قومًا قد ساءهم قتل عثمان، وخالفوا عليًّا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي، لِعِظم خراجها، قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش.. ومن غيرهم... فقال لهم: أتدرون لِمَ دعوتكم؟ إني قد دعوتكم لأمر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه... فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها والكثير عددها وعدد أهلها، أهمك أمرُها، فدعوتنا إذًا لتسألنا عن رأينا في ذلك، فإن كنت لذلك دعوتنا، وله جمعتنا، فاعزم وأقدم، ونِعم الرأي رأيت! ففي افتتاحها عِزُّكَ وعِز أصحابك، وكبت عدوك وذل أهل الخلاف عليك]([20]).

ولما كان معاوية يدرك رغبة عمرو بن العاص بأن يعود واليًا على مصر، ولكونه كان عليها من قبل فقد ولاه على الجيش الأموي الذي وجهه إلى مصر عام 38 هـ/658م، والتقوا مع محمد بن أبي بكر، في موضع يطلق عليه "المسناة".

يورد المسعودي عن هذه الموقعة بين محمد أبي بكر وعمرو بن العاص: [فاقتتلوا، فانهزم محمد، لإسلام أصحابه إياه وتركهم له، وصار إلى موضع بمصر، فاختفى فيه، فأحيط بالدار، فخرج إليهم محمد ومن معه من أصحابه، فقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر، يقال له: "كوم شريك"، وقيل: إنه فعل به ذلك، وبه شيء من الحياة]([21]).

ومع وصول خبر مقتل محمد بن أبي بكر إلى معاوية وهو في الشام، [فأظهر الفرح والسرور، وبلغ عليًا قتل محمد وسرور معاوية فقال: جزعنا عليه على قدر سرورهم فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحروب جزعي عليه، كان لي ربيبًا، وكنتُ أعدُّه ولدًا، وكان بي برًا، وكان ابن أخي([22])، فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه"([23]).

أما ابن خلدون فيورد أن أصحاب محمد بن أبي بكر افترقوا عنه وفرّوا، ومع القبض عليه من قبل ابن خديج (أحد قادة معاوية) جاء به إلى الفسطاط، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر مع عمرو بن العاص، وهو شقيق محمد بن أبي بكر، فطلب من عمرو بن العاص أن يبعث إلى ابن خديج في البقاء عليه، فأبى عمرو بن العاص، [وطلب محمد الماء فمنعه ابن خديج.. ثم أحرقه في جوف حمار بعد أن لعنه ودعا عليه وعلى معاوية وعمرو (ابن العاص)].

يضيف ابن خلدون: [وكانت عائشة تقنت في الصلاة بالدعاء على قتلته (شقيقها محمد)]([24]).

أما ابن الأثير فيقول: [فلما بلغ ذلك عائشة (قتل شقيقها) جزعت عليه جزعًا شديدًا، وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، وأخذت عيال محمد إليها...، ولم تأكل من ذلك الوقت شِواء حتى توفيت]([25]).

خطبة الإمام علي (ع) في الكوفة بعد مقتل محمد بن أبي بكر:

أورد ابن الأثير خطبة الإمام علي (عليه السلام) بعد أن جاءه خبر مقتل محمد بن أبي بكر، ومما جاء فيها: [ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عِوجًا، ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان كما علمتُ لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب واستصرخكم معلنًا وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولاً ولا تُطيعون لي أمرًا حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض (تنفض عند الطبري) بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إليّ منكم جُنيد متذانب كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأفٍّ لكم. ثم نزل]([26]).

مالك الأشتر ومصر:

يورد ابن الأثير أنه لما بلغ الإمام عليًا (عليه السلام)، أن مصر قد سادتها الفوضى، وأنها بدأت تنقلب على محمد بن أبي بكر، قال: [ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلنا، يعني قيسًا، أو الأشتر]. وكان الأشتر واليًا من قِبَل الإمام علي (عليه السلام) على الجزيرة الفراتية، [فلما بلغ عليًا أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه، فحضر عنده، فاخبره خبر أهل مصر وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها، فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله واخلط الشدة باللين، وأرفق ما كان الرفق أبلغ، وتشدّد حين لا يغني إلا الشدة].

ووصلت إلى معاوية، عبر عيونه، أخبار خروج الأشتر إلى مصر، [فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدّم على أهل الخراج بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجًا ما بقيتُ...]، وأقام المقدم في القلزم ينتظر قدوم الأشتر، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فاتاه بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سمًّا فسقاه إياه فلما شربه مات]([27]).

يضيف ابن الأثير عن معاوية: [وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليًا قد وجّه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه، فكانوا يدعون الله عليه كل يوم، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلَك الأشتر، فقام معاوية خطيبًا ثم قال: أما بعد فإنه كانت لعليّ يمينان فقطعتُ إحداهما بصفين، يعني عمار بن ياسر، وقطعتُ الأخرى اليوم، يعني الأشتر].

ولما بلغ الإمام عليًا (عليه السلام) مقتل الأشتر قال: [إنّا لله وإنا إليه راجعون، مالك وما مالك وهل موجود مثل ذلك، لو كان من حديد لكان قيدًا أو من حجر لكان صلدًا، على مثله فلتبكِ البواكي].

يضيف ابن الأثير، أن الإمام عليًا (عليه السلام) بعث بمالك الأشتر قبل شهادة محمد بن أبي بكر ليوليه مكانه ويمنع مصر من السقوط بيد معاوية، وأنه في نفس الوقت أرسل بكتاب إلى محمد بن أبي بكر يدعوه فيه للثبات، ومما جاء فيه: [... اصبر لعدوك وسمّر للحرب {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ([28]) وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمّك ويُعنك على ما ولاك]([29]).

أما المسعودي فيذكر أن الإمام عليًا (عليه السلام) ولّى الأشتر مصر بعد مهلك محمد بن أبي بكر، [وأنفذه إليها في جيش، فلما بلغ ذلك معاوية دسّ إلى دهقان كان بالعريش، فأرغبه، وقال: أترك خراجك عشرين سنة، واحتل للأشتر بالسم في طعامه، فلما نزل الأشتر بالعريش سأل الدهقان أيُّ الطعام والشراب أحبُّ إليه؟ قيل له: العسل، فأهدى له عسلاً، وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر، وكان الأشتر صائمًا، فتناول منه شربة، فما استقرت في جوفه حتى تلف... وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن لله جندًا من العسل]([30]).

نهاية عمرو بن العاص:

كان عمرو بن العاص قد عُزل عن مصر في خلافة عثمان بن عفان، إلا أنه كان يسعى لتولّيها مرة ثانية، وهو انضم إلى معاوية طالبًا بثأر عثمان، مع أنه كان يكره عثمان [كرهًا شديدًا لأنه عزله عن مصر...]([31]).

ومع تقدم الجيش الأموي باتجاه مصر، كان عمرو على رأسه، عام (38هـ/658م)، حيث أقرّه معاوية واليًا على مصر، على أن يعطي عطاء الجند، وما بقي فله، وتفرد في حكمها تابعًا للخليفة الأموي معاوية في الشام.

إلا أن هذا الأخير كان يخشى من خروج عمرو عليه، فبعث إليه بكتاب يهدف من خلاله تقييد سلطته، ليأمن خروجه عن طاعته، وورد في كتاب معاوية عبارة: [على أن لا ينقض شرطٌ طاعة]، فرد عمر بن العاص بعد أن أدرك أهداف معاوية بكتاب: [على أن لا تنقض طاعةٌ شرطًا]، وهو بذلك يقلب الأمور لمصلحته، ووقع الخلاف بينهما([32]).

يذكر المؤرخ المصري حسن إبراهيم حسن: [لما صار الأمر كله في يدي معاوية، استكثر طعمة مصر لعمرو ما عاش، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وبعنايته وسعيه فيه، وظن أن معاوية سيزيده الشام على مصر، فلم يفعل معاوية، فتنكّر له عمرو، فاختلفا وتغالظا، وظن الناس أنه لا يجتمع أمرهما، ولكن قبل أن يتفاقم الخطب وتستعر نار الخلاف استعارًا تدخّل بعض المسلمين في الأمر وأصلحوا بين الرجلين (وإن كان هذا الصلح ظاهريًا) على أن يُكتب بينهما كتاب بمثابة ضمان لكل منهما خلاصته:

- أن تكون لعمرو ولاية مصر سبع سنين.

- وأن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية.

إلا أن هذا التعاهد والتوارد بينهما لم يستمر طويلاً، فهو [اتفاق ظاهره المحبة وباطنه يشعر بالدهاء، وأن عَمْرًا لم يبايع معاوية حبًّا به أو مودة له، بل طلبًا لمصر ورغبة في استرجاع ما كان عليها من سلطان، ولم يكن معاوية أيضًا بأقل بغضًا منه].

وهذه إحدى القصص التي تظهر الجفاء الذي كان بينهما:

يروى أن معاوية قال لجلساء عنده: [ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه.

قال آخر: حظ يناله جاهل وحرمان يناله عاقل.

قال آخر: أعجب الأشياء ما لم يُرَ مثله.

قال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق (يقصد معاوية وعليًا).

فقال معاوية: بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق إذا كان لا يخاف (يقصد عَمْرًا ومصر التي أصبح واليًا عليها)]([33]).

وبعد عشر سنوات من ولايته على مصر، توفي عمرو بن العاص عام 43هـ/663م، وله من العمر تسعون سنة، وقبل وفاته قال: [اللهم لا براءة لي فأعتذر، ولا قوة لي فأنتصر، أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فركبنا، اللهم هذه يدي إلى ذقني، ثم قال: خذوا لي في الأرض خدًّا، وسنوا علي التراب سنًا، ثم وضع أصبعه في فيه حتى مات، وصلى عليه ابنه عبد الله يوم الفطر، فبدأ بالصلاة عليه قبل صلاة العيد، ثم صلى بالناس بعد ذلك صلاة العيد]([34]).

ينقل اليعقوبي، أن عمرو بن العاص قال لولده قبل وفاته: [... كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي (...) فأقرّ معاوية ابنه عبد الله بن عمرو ثم استصفى مال عمرو، فكان أول من استصفى مال عامل، ولم يكن يموت لمعاوية عامل إلا شاطر ورثته ماله، فكان يكلم في ذلك، فيقول: هذه سنة سنّها عمر بن الخطاب، ثم عزل معاوية عبد الله بن عمرو، وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان مصر]([35]).

يضيف اليعقوبي: [واستقر خراج مصر في أيام معاوية على ثلاثة آلاف ألف دينار، وكان عمرو بن العاص يحمل منها إليه الشيء اليسير، فلما مات عمرو حُمل المال إلى معاوية]([36]).

وكان ما يملكه عمرو هو [من العَيْنِ ثلثمائة وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الورق (الفضة) ألفي ألف درهم (2،000،000) وضيعته المعروفة بالرهط وقيمتها عشرة آلاف درهم، عدا الدور العديدة التي كان يملكها في كل من مصر ودمشق وبستان بالطائف]([37]).

هكذا يظهر معنا من خلال ما ورد التالي:

1- أن ولاية مصر كانت غنية وأن خراجها كان كبيرًا في حينه (ثلاثة آلاف ألف دينار)، وهو مبلغ كان يغطي العديد من النفقات التي كان يحتاجها معاوية في حربه مع الإمام علي (عليه السلام)، وفي تثبيت حكمه وشراء الذمم.

2- سيطرة الإمام علي (عليه السلام) على مصر، تعني محاصرة بلاد الشام، حيث يصبح معاوية بين فكي كماشة (العراق ومصر).

3- كان الإمام علي (عليه السلام) يدرك أهمية مصر وعمل جاهدًا للإبقاء عليها ضمن دولته، إلا أن أهل الكوفة ومعظم جيشه كانوا، كما ورد في خطبته (عليه السلام)، متذبذبين عن المشاركة في القتال وتلبية أوامر الإمام (عليه السلام). ويعيد المؤرخون ذلك إلى كثرة الحروب التي شاركوا فيها من قبل (الجمل-صفين-النهروان)، ويمكن أن نضيف إليها شراء معاوية لذمم البعض منهم.

4- أن عمرو بن العاص كان يقف في صف معاوية، فقط كي يحصل على ولاية مصر، وليس رغبة في الأخذ بثار الخليفة عثمان، وهو ما ظهر واضحًا في أكثر من موقف، ذكرنا بعضها.

5- كان معاوية يدرك مقاصد عمرو بن العاص، وهو استَمالَه إلى صفّه ليستفيد من دهائه من جهة، ولكونه يمثل ما يمثل من زعامة قريش، وأيضًا ليستعين به للسيطرة على مصر، لكونه كان واليًا عليها من قبل، فهو يعرفها ويعرف خباياها وسكانها.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) عصام شبارو، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، بيروت: دار الأمان، ط1، 1992، ص 317- 318.

([2]) المرجع نفسه، ص 319-320.

([3]) المرجع نفسه، ص 320.

([4]) المرجع نفسه، ص 323.

([5]) قدامة بن جعفر، كتاب الخراج وصنعة الكتابة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 1988، ص 67.

([6]) ابن حوقل، كتاب صورة الأرض، بيروت: مكتبة الحياة، 1992، ص 128-129.

([7]) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1987، ص165.

([8]) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، بيروت: دار صادر، د.ت، 2: 233.

([9]) حسن إبراهيم حسن، تاريخ عمرو بن العاص، مصر: مطبعة السعادة، ط1، 1922، ص168.

([10]) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، بيروت: دار الفكر، 2000، 2: 623.

([11]) المصدر نفسه، 2: 623-624.

([12]) المصدر نفسه، 2: 624.

([13]) المصدر نفسه، 2: 624.

([14]) الطبري، تاريخه، بيروت: دار الفكر، 1998، ج5،ص 288.

([15]) المصدر نفسه، ج5، ص 288.

([16]) المصدر نفسه، ج 5، ص 289.

([17]) ابن خلدون، المصدر السابق، 2: 641.

([18]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 1989، 2: 412.

([19]) حسن إبراهيم حسن، تاريخ عمرو بن العاص، المرجع السابق، ص 232.

([20]) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، بيروت: دار الفكر، ط1 1998، ج 6، ص33.

([21]) المسعودي، مروج الذهب، بيروت: دار الفكر، ط1، 2000، 2: 404.

([22]) وكان محمد بن ابي بكر أخا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأمه.

([23]) المصدر نفسه.

([24]) ابن خلدون، المصدر السابق، 2: 642.

([25]) ابن الأثير، المصدر السابق، 2: 413.

([26]) المصدر نفسه، ج2: 414.

([27]) المصدر نفسه، 2: 410.

([28]) النحل، 125.

([29]) ابن الأثير، المصدر السابق، 2: 410 – 411.

([30]) المسعودي، المصدر السابق، 2: 404.

([31]) حسن إبراهيم حسن، تاريخ عمرو بن العاص، المرجع السابق، ص 232.

([32]) المرجع نفسه، ص 234.

([33]) المرجع نفسه، ص 236.

([34]) المسعودي، مروج الذهب، المصدر السابق، 3: 31.

([35]) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، بيروت: دار صادر، د.ت، 2: 222.

([36]) المصدر نفسه، 2: 233.

([37]) حسن إبراهيم حسن، المرجع السابق، ص 242 – 243.

 

 

أدب الدعاء الفن المنفي

 القسم الخامس

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

 

مقدمة

بعد أن انتهينا من الحديث عن صورة الوجود في أدب الدعاء، فإنه لم يبقَ أمامنا بعد ذلك سوى معالجة مسألة واحدة من المسائل المهمة ذات الصلة بقضية التعبير الفني عن الإحساس بالوجود وهي مسألة "أزمات الوجود"، والتي سبقت منّا الإشارة إليها تحت عنوان (ملاحظة مهمة)، وذلك في أثناء حديثنا عن السبب الرابع من الأسباب التي ذكرها محمد قطب، والتي أدّت بحسب رأيه إلى انقطاع العرب عن التعبير الفني. وقد وعدنا هناك بالعودة إلى هذه المسألة، لكي نعالجها بشيء من التفصيل. وهذا ما سنحاوله عبر الصفحات التالية.

أنواع الأزمات، وجديد أدب الدعاء

ذكرنا سابقًا أن "قطب" يرى أن التعبير الفني يكون أقرب مأخذًا وأسهل منالاً عندما يكون الدافع إليه هو معاناة أزمة كأزمة الشعور بالضياع وعدم الإحساس بالوجود والرضى بهذا الوجود. بينما تشتد صعوبةُ التعبير كثيرًا عند ذهاب الأزمة وحلول الإحساس بالوجود والامتلاء به محلها. والسر في ذلك هو أن التعبير عن الإحساس بالوجود -وخلافًا للتعبير عن أزمة الشعور بالضياع- يحتاج إلى طاقة فنية ضخمة لا توهب لكل إنسان.

وبناء على هذا يخلص "قطب" إلى أن أحد الأسباب المهمة التي أدّت إلى انقطاع المسلمين الأوائل عن التعبير الفني هو أنهم حين واجهوا تجربة الإسلام الفريدة التي ملأت نفوسهم بالوجود، لم يكونوا يمتلكون الطاقة الفنية اللازمة للتعبير عما حملته إليهم هذه التجربة من إحساس عميق بالوجود، الأمر الذي أدّى بهم إلى التخلي عن الإبداع والانصراف عن التعبير.

إلا أن باحثنا يسجل بعد ذلك استدراكًا مفاده: أن مواجهة المسلمين للتجربة الجديدة، وامتلاء نفوسهم بالوجود نتيجة لهذه التجربة لا يعني بحال أن هذا الوجود قد كان خِلوًا من الأزمات. بل الحقُّ أنه قد كانت لهذا الوجود أزماته، وهي تلك الابتلاءات المتلاحقة التي عاشها المسلمون الأوائل، حتى استتب لهم الأمر وظهر الدين واستقر. غير أن هذه الأزمات -وعلى الرغم من أهميتها- لم تكن كافية لتحفيزهم على التعبير الفني، إذ حالت دون ذلك أسباب وموانع أخرى أشار إليها "قطب" في بحثه.

والأمر الذي يهمنا في المقام هو التنبيه على أن أدب الدعاء قد كشف عن وجود أزمات أخرى، تتصف بالجِدَّة والعمق، وهي من الأزمات التي لم يتسنَّ لقطب ولا لمن يذهب مذهبه من الباحثين أن يهتدوا إليها ويتعرفوا على دقائق معانيها.

ولبيان هذا الأمر نقول: إن غاية ما استطاع أن يهتدي إليه "قطب" من أنواع الأزمات نوعان:

أولهما: هو النوع المتمثِّل في أزمة الشعور بالضياع وعبث الجهد.

وثانيهما: هو النوع الحاكي عن الأزمات الخارجية، كالأزمات السياسية والاجتماعية وما يماثلها من الابتلاءات التي تعرَّض لها المسلمون الأوائل.

 وهنا يجب أن نلاحظ أن أيًّا من النوعين السابقين لم يكن السبب في نشوء أزماته هو الإحساس بالوجود والتعمق في فهم حقيقته، وإنما كان السبب في نشوء أزمات النوع الأول هو الشعور بالغربة تجاه هذا الوجود، والضلال عن طريقه، وإضاعة الاتجاه الصحيح نحوه. وهو ما يجرّ المرء إلى مزالق العدمية والعبث.

وأما النوع الثاني، فقد كان السبب في نشوء أزماته هو العوامل الخارجية وظروف الواقع المعاش، ولم يكن سبب نشوئها هو الإحساس بالوجود وفهمه فهمًا إيجابيًا معمقًا.

وكل ذلك يكشف لنا عمّا تتسِم به الأزمات التي يضيفها أدب الدعاء من الخصوصية والتميّز، إذ المُلاحَظ أن هذه الأزمات -وخلافًا لأزمات النوعين السابقين- إنما تنبع من باطن الإحساس بالوجود، وتظهر لمن أمعن النظر في حقيقة هذا الوجود، إذ تنكشف أمام ناظرَيه فضاءاتٌ واسعة، ومساحاتٌ لامتناهية، تغلِّف معالمَها الحجبُ، وتحيط بحقائقها الأسرارُ، حتى لتعجزَ العين([1]) عن مشاهدة تخومها، ويكلّ الذهن عن إدراك شؤونها، فينشأ نتيجة لذلك عددٌ من الأزمات المختلفة، والتي هي في حقيقة أمرها من بنات التأمل في الوجود، ومتولِّدة من رَحِم التعمق في معرفته، وليست صادرةً عن إضاعته والجهل به، ولا عن ظروف الواقع الآنية والمتبدِّلة.

ولأجل بيان ماهية هذا النوع الخاص من الأزمات التي يثيرها أدب الدعاء، نورد بعض النماذج المستقاة من نصوص هذا الأدب.

النموذج الأول: تعالي مبدأ الوجود، وقصور الإدراك الإنساني

إن إحدى الأزمات الكبرى التي يثيرها أدب الدعاء هي أزمة الحيرة والذهول اللذَين يصيبان المرء عند محاولته التعرف على حقيقة مبدأ الوجود وبعضِ ما يخصُّه من الأمور والشؤون.

ويُرجِع هذا الأدب نشوء الأزمة المذكورة إلى عاملَين متضافرَين، أولهما تعالي مبدأ الوجود، وثانيهما قصور الإدراك الإنساني. والنصوص الدالة على هذين العاملَين كثيرة جدًا، نكتفي بإيراد بعض أمثلتها، ونبدأ بذكر شواهد العامل الأول.

يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في بعض أدعيته مخاطِبًا الله تعالى: [فَتَعَالَيْتَ عَنِ الأَشْبَاهِ والأَضْدَادِ، وتَكَبَّرْتَ عَنِ الأَمْثَالِ والأَنْدَادِ]([2]).

ويقول في دعاء آخر: [أَنْتَ الَّذِي لا تُحَدُّ فَتَكُونَ مَحْدُودًا، ولَمْ تُمَثَّلْ فَتَكُونَ مَوْجُودًا([3])]([4]).

ويقول في هذا الدعاء نفسِه: [سُبْحَانَكَ لا تُحَسُّ ولا تُجَسُّ ولا تُمَسُّ([5])].

وإلى مثل هذه المعاني يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في دعاء الصباح حيث يقول: [يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذاتِهِ بِذاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلوقاتِهِ وَجَلَّ عَنْ مُلائَمَةِ كَيْفِياتِهِ ([6]).

تشترك هذه النصوص جميعها في الدلالة على تسامي حقيقة مبدأ الوجود، فتصرح بأن حقيقة هذا المبدأ هي في ذاتها -وبقطع النظر عن محدودية عقولنا- حقيقة متعالية تجلّ عن مجانسة المخلوقات، وعن ملاءمة ما تتصف به هذه المخلوقات من الكيفيات، فليس لتلك الحقيقة في عالم الوجود شبيه ولا نظير، وإنما هي حقيقة متفرِّدة يأبى كنهها عن التعيين، ويسمو جوهرها عن التحديد([7]).

ونصل بعد هذا إلى شواهد العامل الثاني والتي تتضمن الإشارة إلى قصور إدراك الإنسان، وعجز عقله عن الإحاطة بالحقائق المطلقة والواقعيات اللامحدودة.

ونقرأ من هذه الشواهد قول الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء يوم عرفة: [أَنْتَ الَّذِي قَصُرَتِ الأَوْهَامُ عَنْ ذَاتِيَّتِكَ، وعَجَزَتِ الأَفْهَامُ عَنْ كَيْفِيَّتِكَ، ولَمْ تُدْرِكِ الأَبْصَارُ مَوْضِعَ أَيْنِيَّتِكَ]([8]).  

ونقرأ أيضًا قوله (عليه السلام) في مناجاة العارفين: [وَعَجَزَتِ العُقُولُ عَنْ إدْراكِ كُنْهِ جَمالِكَ وَانْحَسَرَتِ الأَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إِلى سَبُحاتِ وَجْهِكَ وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقًا إِلى مَعْرِفَتِكَ إِلاّ بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ]([9]).

ونقرأ كذلك قوله (عليه السلام) في دعائه بعد الفراغ من صلاة الليل: [ضَلَّتْ فِيكَ الصِّفَاتُ، وتَفَسَّخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ، وحَارَتْ فِي كِبْرِيَائِكَ لَطَائِفُ الأَوْهَامِ]([10]).

وتتكرر أمثال هذه المعاني والمضامين في الكثير من الأدعية الأخرى، وذلك من قبيل ما نجده في بعض أدعية الإمام الحسين (عليه السلام) حيث يقول: [إِلهِي أَنا الجاهِلُ فِي عِلْمِي فَكَيْفَ لا أَكُونُ جَهُولاً فِي جَهْلِي؟]([11]).

وكذلك ما نجده في دعائه (عليه السلام) [يا مَنْ لا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلاّ هُوَ، يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ إِلاّ هُوَ، يا مَنْ لا يَعْلَم ما يَعْلَمُهُ إِلاَّ هُوَ]

وقريب منه ما جاء في دعاء المشلول: [يا هُوَ، يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ، وَلا كَيْفَ هُوَ، وَلا أَيْنَ هُوَ، وَلا حَيْثُ هُوَ إِِلاّ هُوَ]([12]).

ومن الجليّ أن هذه الشواهد كلّها قد جاءت لتحكي عن أمر واحد مشترَك، هو محدودية عقل الإنسان وعجزه عن الإحاطة بالحقيقة الإلهية المطلقة، ولكنها لجأت في تعبيرها عنه إلى استخدام طرقٍ فنية مختلفة، وأساليبَ بيانية متنوعة.

ولأجل إعطاء لمحة توضيحية عن هذه الطرق والأساليب نقول: إن شواهدنا المتقدمة لم تلجأ في تعبيرها عن قصور إدراك الإنسان وعجزه إلى استخدام اللغة التقريرية المباشرة، بل توسَّلت إلى ذلك بلغة إبداعية رفيعة، وأسلوب بياني شيّق، وهو ما يمكننا التمثيل له بما قرأناه آنفا من قول الإمام السجَّاد (عليه السلام): [وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقًا إِلى مَعْرِفَتِكَ إِلاَّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ]، حيث نلاحظ أن النص حين أراد أن يدلنا على طريق معرفة الله سبحانه، فقد عبَّر عنه بأسلوب الحصر المسبوق بأداة النفي، فنفى بذلك كل الطرق المؤدية إلى المعرفة، ثم استثنى منها طريقًا واحدًا فقط، واعتبره هو الطريق الممكن الوحيد.

وهنا تتأجَّج مشاعر الشوق في نفس القارئ، وتستيقظ لديه حاسّة الفضول لمعرفة هذا الطريق المستثنى والوحيد. وسرعان ما يأتيه الجواب على تساؤله، ولكنه جواب صادم، وخارج عن كل ما هو متوقَع أو منتظَر، إذ يتبيَّن له أن طريق الوصول الوحيد إنما هو طريق العجز واللاوصول، وهذا ما يُبصِّره بحدود قدرته، ويكشف له عن أن السبيل الوحيدة المشرعة أمامه هي أن يبقى سالكًا في الطريق باتجاه المقصد، وإن امتنع عليه الوصول.

على أنه من المهم في البَين أن نلتفت إلى أن هذا السنخ من السلوك، وإن كان لا يمكنه إيصال الإنسان إلى الإحاطة بكنه الحقيقة المطلقة، إلا أنه يفتح أمامه آفاقًا معرفية واسعة، ويجعله في معرض الترقي والتكامل الدائمَين([13]).

ويمكننا أيضًا أن نمثِّل لطبيعة اللغة المستخدمة بنص آخر من النصوص الآنفة، وهو قول الإمام السجَّاد (عليه السلام): [ضَلَّتْ فِيكَ الصِّفَاتُ، وَتَفَسَّخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ]. فنلاحظ أن النص قد استخدم لغةً تصويرية موحية، حيث نَعَتَ الصفات بالضلال، ووَصَفَ النعوت بالتفسخ، وهذه صورة تثير الدهشة حقًا، إذ من العجيب أن نرى الصفات وهي تضل طريقها إلى الموصوف، أو نتخيل النعوتَ وهي آخذةٌ في التقطع والتفسخ، وذلك عندما نحاول أن ننعت بها الحقيقة المطلقة، أي حقيقة الذات الإلهية المقدَّسة والمتعالية عن الوصف والتحديد. وهذا ما يضع بين أيدينا شاهدًا آخر على مدى التناغم بين جمال التعبير وعمق المؤدى في نصوص مدرسة أدب الدعاء.

ونعود بعد هذه اللمحة التوضيحية إلى حديثنا السابق حول العاملَين اللذَين كشفت عنهما شواهدنا المزبورة كلها، وهما تعالي مبدأ الوجود من جهة، وقصور الإدراك الإنساني من جهة ثانية، فنقول: إن كلاً من ذينك العاملَين يكفي وحده في تسبيب أزمة الحيرة والذهول عند محاولة الإنسان التعرف على حقيقة مبدأ الوجود. فما بالك -إذًا- إذا ما اجتمع هذان العاملان معًا، وتضافرا على التأثير؟!

لا ريب أن الإنسان سيدرك في هذه الحال أنه يسعى إلى طلب المستحيل، إذ ستكون حاله ساعتئذ أشبه بحال من يحاول حيازة ماء البحر كله بواسطة كوب واحد صغير.

ونختتم كلامنا في النموذج الأول بالتذكير بأن الأزمة المطروحة في هذا النموذج، إنما هي واحدة من الأزمات الناتجة عن محاولة التعمق في معرفة كنه حقيقة مبدأ الوجود، فهي أزمة متولِّدة عن الإحساس بالوجود، والامتلاء به، وما هي بأزمة انحراف عنه أو ضلال عن سبيله.

وقد تولَّى أدب الدعاء طرح هذه الأزمة، وتبيان معالمها، ليكشف لنا بذلك عن عظمة الحقيقة الإلهية، وعمَّا يعتري النفس الإنسانية من الدهشة والذهول أمام عجائب شؤونها وغوامض أسرارها. وهذا ما يُفصِح عنه الإمام السجَّاد (عليه السلام) بكلمة موجزة جامعة، إذ يقول: [يا مَنْ لا تَنْقَضِي عَجَائِبُ عَظَمَتِهِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاحْجُبْنَا عَنِ الإلْحَادِ فِي عَظَمَتِكَ]([14]).

النموذج الثاني: أزمة التقصير عن تأدية الشكر

يكشف لنا هذا النموذج عن أزمة أخرى من أزمات الانفتاح على الوجود، وهي الأزمة التي تواجه المرء عند محاولته شكر مفيض الوجود سبحانه على ما يمنُّ به على الإنسان من واسع فضله وسابغ نعمه، وهي أزمة يتردد ذكرها في العديد من أدعية الإمام السجَّاد (عليه السلام) ومناجياته، ومن أمثلة ذلك ما ورد في دعائه الذي يحمل عنوان "في الاعتراف بالتقصير عن تأدية الشكر" وكذلك ما ورد في مناجاته المعروفة بـ "مناجاة العارفين"، وأيضًا ما جاء في "مناجاة الشاكرين". ونحن سوف نكتفي باقتطاف بعض المقاطع من المناجاة الأخيرة فقط.

يقول (عليه السلام) في أحد مقاطع هذه المناجاة : [إلهِي أَذْهَلَنِي عَنْ إقامَةِ شُكْرِكَ تَتابُعُ طَوْلِكَ، وَأَعْجَزَنِي عَنْ إحْصاءِ ثَنائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ، وَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحامِدِكَ تَرادُفُ عَوائِدِكَ، وَأَعْيانِي عَنْ نَشْرِ عوارِفِكَ تَوالِي أَيادِيكَ، وَهذَا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوغِ النَّعْماءِ، وَقابَلَها بِالتَّقْصِيرِ، وَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِالإهْمالِ وَالتَّضْيِيعِ]([15]).

يكشف لنا الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع عن أحد وجوه الأزمة المذكورة، ويضع أيدينا على السبب الأول من أسبابها، وهو ما يبيّنه (عليه السلام) بقوله: [وَهذَا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوغِ النَّعْماءِ، وَقابَلَها بِالتَّقْصِيرِ، وَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِالإهْمالِ وَالتَّضْيِيعِ]. فنِعَمُ المولى سبحانه على عباده سابغة كثيرة، وثمّةَ عباد يدركون عِظمَ هذه النعم، ويرغبون في تأدية واجب الشكر عليها، ولكنهم رغم ذلك يقابلونها بالتقصير، ويشهدون على أنفسهم بالإهمال والتضييع.

فما الذي يوقعهم في ذلك؟ وما الذي يدعوهم إلى إهمال واجب الشكر بعد اعترافهم بسبوغ نِعم المولى عليهم؟!

تجيبنا المناجاة على هذا التساؤل بالقول : [إلهِي أَذْهَلَنِي عَنْ إقامَةِ شُكْرِكَ تَتابُعُ طَوْلِكَ، وَأَعْجَزَنِي عَنْ إحْصاءِ ثَنائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ، وَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحامِدِكَ تَرادُفُ عَوائِدِكَ، وَأَعْيانِي عَنْ نَشْرِ عوارِفِكَ تَوالِي أَيادِيكَ].

تفصح هذه العبارات عن وجه العذر في تقصير العبد عن إقامة الشكر. وما أروع طريقة إفصاحها، وما أبدع ما تُفصح عنه! إذ هل يمكننا أن نتصور أسلوبًا نعتذر به إلى الكريم عن التقصير أبلغ وأجمل من الاعتذار إليه بأن الذي شغلنا عن إقامة شكره إنما هو فيض فضله، وترادف عوائده، وتوالي أياديه؟!.

فَسِعَة كرمه هي ما يفضي بالمرء إلى الانشغال بتلقي الهبات المترادفة، والعطيات المتتالية، فيذهله ذلك عن إقامة الشكر وذكر المحامد، ونشر العوارف.

وتذكر المناجاة بعد ذلك السبب الثاني من أسباب عدم أداء العبد لواجب شكر المولى تعالى، وهو ما يكشف عنه الإمام (عليه السلام) بقوله: [إلهِي تَصاغَرَ عِنْدَ تَعاظُمِ آلائِكَ شُكْرِي، وَتَضَاءَلَ فِي جَنْبِ إكْرَامِكَ إيَّايَ ثَنائِي وَنَشْرِي، جَلَّلَتْنِي نِعَمُكَ مِنْ أَنْوَارِ الإِيْمانِ حُلَلاً، وَضَرَبَتْ عَلَيَّ لَطائِفُ بِرِّكَ مِنَ الْعِزِّ كِلَلاً، وَقَلَّدَتْنِي مِنَنُكَ قَلائِدَ لا تُحَلُّ، وَطَوَّقَتْنِي أَطْوَاقًا لا تُفَلُّ، فَآلاؤُكَ جَمَّةٌ ضَعُفَ لِسانِي عَنْ إحْصائِها، وَنَعْماؤُكَ كَثِيرَةٌ قَصُرَ فَهْمِي عَنْ إدْرَاكِها فَضْلاً عَنِ اسْتِقْصائِها] ([16]).

نلمَح في هذا المقطع نحوًا من الترقي في بيان قوة الأسباب الحائلة دون تأدية العبد حق الشكر، ويدلنا على ذلك أن المناجاة كانت قد أرجعت السبب الأول إلى التقصير، ومسؤولية التقصير تقع -في نهاية المطاف- على عاتق المقصِّر. بينما هي تُرجِع السبب الثاني إلى القصور، وهو نوع من أنواع العجز الذي لا يقع تحت قدرة العبد، فلا يكون العبد مسؤولا عنه.

والوجه في رجوع هذا السبب إلى القصور، هو أن العبد مهما كان شكورًا ومهما قدّم من آيات الحمد والثناء، فإن شكره سوف يتصاغر عند تعاظم آلاء المولى تعالى، وثناؤه سوف يتضاءل في جنب سعة كرمه وعطائه، بل إن لسانه ليضعف عن إحصاء ما يغمر وجوده من النعم الإلهية اللامتناهية، وفهمه ليقصر عن إدراكها، وعن استقصائها والإحاطة بها.

وبعد أن تنتهي المناجاة من بيان السبب الثاني، تنتقل بنا إلى ذكر السبب الثالث فتقول : [فَكَيْفَ لِي بِتَحْصِيلِ الشُّكْرِ، وَشُكْرِي إيَّاكَ يَفْتَقِرُ إلى شُكْرٍ، فَكُلَّما قُلْتُ: لَكَ الْحَمْدُ، وَجَبَ عَلَيَّ لِذلِكَ أَنْ أَقُولَ: لَكَ الْحَمْدُ].

يحكي لنا هذا المقطع عن حال العبد وهو يقف بين يدي مولاه متسائلاً: كيف لي يا رب بتحصيل شكرك، فأنت الذي أنعمت عليَّ بنعمك التي لا تحصى، من نعمة الإيجاد، إلى نعمة الحياة، إلى نعمة العقل، إلى نعمة الهداية.. فهيّأتَ لي بذلك كله أن أكون من الشاكرين. فلك الشكر يا رب على ما أنعمت، ولك الحمد على ما تفضّلت.

لكن يا إلهي أليس ما نطقتُُ به الآن من الشكر على النعم السابقة هو نعمة جديدة أنعمتها عليّ بفضلك وإحسانك؟ فمن واجبي إذًا أن أشكرك عليها.. غير أن شكري إياك على هذه النعمة الحادثة هو أيضًا من فضل إحسانك! فهو يستوجب مني أن أشكرك شكرًا جديدًا عليه.

وهكذا يتصاعد الأمر ويتسلسل إلى ما لا نهاية، فأدرك بذلك أنه من المحتّم عليّ أن أبقى مقيمًا أبدًا في بَوتَقة العجز، ويستحيل عليّ أن أقوم بواجب الشكر مهما سعيت وحاولت واجتهدت.

ونلاحظ هنا أيضًا أن المناجاة قد ترقّت مرة أخرى في طرحها للأسباب، حيث نجدها في طرحها للسبب الثالث تتجاوز عاملَي التقصير والقصور، لترجعه إلى عامل آخر، هو عامل الاستحالة المنطقية التي ينتج عنها استحالة عملية، تحول دون تمكّن العبد من تحصيل واجب الشكر.

ويتجلّى لنا من كل ما تقدم أنه لا يمكن للعبد أبدًا أن يؤديَ واجب الشكر، وذلك إما لابتلائه بالتقصير، وإما لأنه محكوم بالقصور، أو لأنه يواجه نوعًا من الاستحالة المنطقية، فهو يعاني في نهاية الأمر وجود أزمة مستعصية لا سبيل إلى حلها أو الخروج منها، فلا يبقى أمامه حينئذ سوى سلوك الدرب الوحيدة التي تبقى مفتوحة أمامه، وهي درب التعبير عما يعترضه من الصعاب، وما يعتري نفسه من الحيرة، فيناجي ربه مُظهِرًا واقع حاله، ومُقِرًّا معترفًا بضعفه وقصوره وعجزه.

ولعله من نافل القول هنا أن نذكّر بأن الأزمة المطروحة في هذا النموذج، هي أيضًا من الأزمات الصادرة عن شدة الإحساس بالوجود، وقوة الارتباط به، وعن إدراك الإنسان لسعة كرم مبدأ الوجود، وفيض فضله، وتتابع إحسانه.

النموذج الثالث : أزمة عصيان المولى ومخالفة أوامره

يقول تعالى في كتابه العزيز: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}([17])، وضعفُه هذا قد يجرّه إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب، الأمر الذي يوقعه في أزمة، ويسبب له المعاناة، وهي واحدة من الأزمات التي يثيرها أدب الدعاء، فيكشف عن معالمها، ويدلنا على طريق التعامل معها. وكمثال على ذلك نقرأ بعض العبارات الواردة في مناجاة التائبين للإمام السجاد (عليه السلام)، ونبدأها بقوله (عليه السلام): [إِلـهي ألْبَسَتْنِى الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتي وأمَاتَ قَلْبي عَظيمُ جِنايَتي].

  تصوّر لنا هذه العبارات بعض ما يصيب الإنسان من آثار خطاياه، فهي تلبسه لباس المسكنة، وتدثره بثوب المذلة وتسبب له موت القلب. فكيف السبيل عندها لكي يلقي الجاني عن نفسه هذا الثوب، ويستعيد من ثَمَّ حياة قلبه؟

تجيبنا المناجاة بأن السبيل إلى ذلك هي رجوع العبد إلى مولاه نادمًا مستغفرًا، مبتهلاً إليه أن يتوب عليه، ولذلك فهي تردف بالقول: [فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يا أَمَلي وَبُغْيَتي وَيا سُؤْلي وَمُنْيَتي فَوَعِزَّتِكَ ما أَجِدُ لِذُنوُبي سِواكَ غافِرًا، وَلا أَرى لِكَسْري غَيْرَكَ جابِرًا].

ثم لما كان المقتضي لهذه الأزمة -عنيتُ به الضعف البشري- هو من الأمور المتجذّرة في طبيعة الإنسان، وكان الناس عمومًا معرّضين للوقوع فيها ومعاناة آثارها، فلذلك نجد أن أدب الدعاء قد أولاها عناية خاصة، فخصّها بجملة كبيرة من نصوصه، وهي نصوص تفيض جميعها برقة الإحساس، وتتصّف بحلاوة البيان وعذوبة التعبير.. كما أنها تشترك في النفاذ إلى أقصى مكامن النفس الإنسانية، لتلتقط نبض مشاعرها الخفية، ثم لتبوح بها بعد ذلك، معبرة عنها بصورة فنية موحية، تفصح عن حالات انكسار القلب ومعاناة الروح، وتكشف عن دروب الخلاص ومنافذ الأمل، مبيّنة في أثناء ذلك أمثل طرق مخاطبة الله تعالى، وأجمل أساليب مناجاته.

وتلك أمور يبعدنا بيانها ودراسة تفاصيلها عن مقاصد بحثنا الحالي، فلذلك سنقتصر هنا على إيراد بعض الشواهد المرتبطة بموضوع العصيان والتوبة، لِنُدَلِّلَ بها على ما يطرحه أدب الدعاء من صنوف الأزمات الصادرة عن إحساس الإنسان بالوجود، وعن صلته الوثيقة بهذا الوجود وتعمّقه في فهم حقيقته. وسنكتفي من تلك الشواهد بذكر فقرات قليلة من دعاء السحر للإمام السجاد (عليه السلام)، والذي يُعَدُّ واحدًا من أجمل ما سطّرته يد الإبداع الإنسانية في عالم النصوص.

يُعدّد الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء السحر جملة من النعم الإلهية التي يمنّ بها الله تعالى على الإنسان، ومن أمثلتها ما جاء في قوله (عليه السلام): [سَيِّدِي أَنا الصَّغِيرُ الَّذِي رَبَيْتَهُ، وَأَنا الجاهِلُ الَّذِي عَلَّمْتهُ، وَأَنا الضَّالُّ الَّذِي هَدَيْتَهُ، وَأَنا الوَضِيعُ الَّذِي رَفَعْتَهُ، وَأَنا الخائِفُ الَّذِي آمَنْتَهُ، وَالجائِعُ الَّذِي أَشْبَعْتَهُ، وَالعَطْشانُ الَّذِي أَرْوَيْتَهُ، وَالعارِي الَّذِي كَسَوْتَهُ، وَالفَقِيرُ الَّذِي أَغنَيْتَهُ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي قَوَّيْتَهُ، وَالذَّلِيلُ الَّذِي أَعْزَزْتَهُ، وَالسَّقِيمُ الَّذِي شَفَيْتَهُ، وَالسَّائِلُ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ، وَالمُذْنِبُ الَّذِي سَتَرْتَهُ، وَالخاطِئُ الَّذِي أَقلْتَهُ، وَأَنا القَلِيلُ الَّذِي كَثَّرْتَهُ، وَالمُسْتَضْعَفُ الَّذِي نَصَرْتَهُ، وَأَنا الطَّرِيدُ الَّذِي آوَيْتَهُ]([18]).

ولما كان من حق المنعم علينا أن نقابل إنعامه بالشكر والحمد والثناء، فلذلك نجد الدعاء الذي بين أيدينا يفيض بالتعبير عن مثل هذه الأمور، وذلك من قبيل قوله (عليه السلام): [يا مُحْسِنُ يا مُجْمِلُ يا مُنْعِمُ يا مُفْضِلُ، لَسْتُ أَتَّكِلُ فِي النَّجاةِ مِنْ عِقابِكَ عَلى أَعْمالِنا بَلْ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا لأنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ تُبْدِئُ بِالإحْسانِ نِعَمًا وَتَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ كَرَمًا، فَما نَدْرِي ما نَشْكُرُ أَجَمِيلَ ما تَنْشُرُ أَمْ قَبِيحَ ما تَسْتُرُ أَمْ عَظِيمَ ما أَبْلَيْتَ وَأَوْلَيْتَ أَمْ كَثِيرَ ما مِنْهُ نَجَّيْتَ وَعافَيْتَ؟ يا حَبِيبَ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ وَيا قُرَّةَ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ. أَنْتَ المُحْسِنُ وَنَحْنُ المُسِيئُونَ، فَتَجاوَزْ يا رَبِّ عَنْ قَبِيحِ ما عِنْدَنا بِجَمِيلِ ما عِنْدَكَ، وَأَيُّ جَهْلٍ يا رَبِّ لا يَسَعَهُ جُودُكَ وَأَيُّ زَمانٍ أَطْوَلُ مِنْ أَناتِكَ؟ وَما قَدْرُ أَعْمالِنا فِي جَنْبِ نِعَمِكَ وَكَيْفَ نَسْتَكْثِرُ أَعْمالاً نُقابِلُ بِها كَرَمَكَ، بَلْ كَيْفَ يَضِيقُ عَلى المُذْنِبِينَ ما وَسِعَهُمْ مِنْ رَحْمَتِكَ؟!].

ولكن ربما يصدر من الإنسان خلاف المطلوب، فيقابل النعم بالكفران بدل مقابلتها بالحمد والشكر، وهو ما يصوِّره لنا الإمام (عليه السلام) بقوله: [أَنا يا رَبِّ الَّذِي لَمْ أَسْتَحْيِكَ فِي الخَلاءِ وَلَمْ أُراقِبْكَ فِي المَلاءِ، أَنا صاحِبُ الدَّواهِي العُظْمى، أَنا الَّذِي عَلى سَيِّدِهِ اجْتّرى، أَنا الَّذِي عَصَيْتُ جَبَّارَ السَّماء، أَنا الَّذِي أَعْطَيْتُ عَلى مَعاصِي الجَلِيلِ الرُّشا، أَنا الَّذِي حِينَ بُشِّرْتُ بِها خَرَجْتُ إِلَيْها أَسْعى. أَنا الَّذِي أَمْهَلْتَنِي فَما ارْعَوَيْتُ، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ فَما اسْتَحْيَيْتُ، وَعَمِلْتُ بِالمَعاصِي فَتَعَدَّيْتُ، وَأَسْقَطْتَنِي مِنْ عَيْنِكَ فَما بالَيْتُ، فَبِحِلْمِكَ أَمْهَلْتَنِي وَبِسِتْرِكَ سَتَرْتَنِي حَتَّى كَأَنَّكَ أّغْفَلْتَنِي وَمِنْ عُقُوباتِ المَعاصِي جَنَّبْتَنِي، حَتَّى كَأَنَّكَ اسْتَحْيَيْتَنِي].

وقد تبْدُر من الإنسان التفاتة إلى سوء فعله وما يصدر عنه من كفران النعم، فيشرع في التساؤل عن الأسباب التي توقعه في المعصية، وتجرّه إلى الكفران، وكمثال على ذلك نقرأ قول الإمام (عليه السلام): [مالِي كُلَّما قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي وَقَرُبَ مِنْ مَجالِسِ التَّوّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزالَتْ قَدْمِي وَحالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ، سَيِّدِي لَعَلَّكَ عَنْ بابِكَ طَرَدْتَنِي وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفًا بِحَقَّكَ فَأَقْصَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأيْتَنِي مُعْرِضًا عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقامِ الكاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شاكِرٍ لِنَعْمائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجالِسِ العُلَماءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الغافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلف مَجالِسَ البَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعائِي فَباعَدْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتِي كافَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيائِي مِنْكَ جازَيْتَنِي؟].

نعم قد يرتكب الإنسان شيئًا من المعاصي التي يعدّدها المقطع السابق، والتي تودي به إلى البعد والخذلان، إلا أن باب التوبة يبقى مفتوحًا أمامه رغم ذلك، فعليه إذًا أن لا ييأس من رَوح الله تعالى ولا يقنط من رحمته، بل عليه أن يتوجّه إليه تعالى نادمًا معتذرًا، طالبًا منه العفو والغفران، وهو ما نجد مصداقه في قول الإمام (عليه السلام): [إِلهِي لَمْ أَعْصِكَ حِيْنَ عَصَيْتُكَ وَأَنا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ وَلا بِأَمْرِكَ مُسْتَخِفٌ وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ وَلا لِوَعِيدِكَ مُتَهاوِنٌ، لكِنْ خَطِيئَةٌ عَرَضَتْ وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وَغَلَبَنِي هَوَايَ وَأَعانَنِي عَلَيْها شِقْوَتِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ المُرْخَى عَلَيَّ، فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخالَفْتُكَ بِجُهْدِي؛ فَالآنَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي وَمِنْ أَيْدِي الخُصَماءِ غَدًا مَنْ يُخَلِّصُنِي وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي؟ فَواسَوْأَتا عَلى ما أَحْصَى كِتابُكَ مِنْ عَمَلِي الَّذِي لَوْلا ما أَرْجو مِنْ كَرَمِكَ وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ وَنَهْيكَ إِيَّايَ عَنْ القُنُوطِ لَقَنَطْتُ عِنْدَما أَتَذَكَّرُها، يا خَيْرَ مِنْ دَعاهُ داعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجاهُ راجٍ] ([19]).

يرشدنا هذا المقطع إلى طريقٍ من أجمل طرق التوبة والاعتذار إلى المولى تعالى، فهو يمهّد لطلب الصفح بالإقرار بالذنب والاعتراف بالخطيئة، إذ من غير المعقول أن يبادر المرء إلى الاعتذار وطلب التوبة، وهو غير مدرك لخطئه، ولا مقرّ بسوء فعله، بل إنه بإقراره هذا إنما يخلع عن نفسه رداء المكابرة والعناد، مما يجعل دعاءَه في معرض الاستجابة وسؤالَه أقرب إلى القبول.

ثم بعد الفراغ من الإقرار بالذنب يمضي المقطع إلى بيان وجه العذر في ارتكاب الذنب، ويمثل هذا البيان بيت القصيد في المقام، وذلك لفرادة منطقه وخصوصية تعليله لإقدام المرء على المعصية، وهو ما يمكننا أن نتلمّسه في قوله (عليه السلام): [إِلهِي لَمْ أَعْصِكَ حِيْنَ عَصَيْتُكَ وَأَنا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ وَلا بِأَمْرِكَ مُسْتَخِفٌ وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ وَلا لِوَعِيدِكَ مُتَهاوِنٌ].

كلا يا رب.. لم يكن الذي دفعني إلى معصيتك هو الجحود بربوبيتك، ولا الاستخفاف بأمرك، ولا عدم المبالاة بعقوبتك، ولا التهاون لوعيدك، بل أنا مؤمن بوحدانيتك، ومقرٌّ بطاعتك، فحاشا أن يكون عصياني ناتجًا عن التمرّد أو التحدّي، أو يكون كفراني منتهيًا إلى الكفر([20]).

كلا يا رب، فما ذلك شأني، وإنما الذي جرّني إلى مخالفتك وأوقعني في معصيتك هو الضعف البشري المتمكّن مني، وغلبة هواي، ثم سترك عليّ وعدم فضحك إياي.

وها أنا ذا أقف بين يديك يا إلهي شاعرًا بالسوء لما أحصاه كتابك من عملي، وخائفًا من عذابك الذي لا يمكن أن يردّه عني سوى كرمك وسعة رحمتك، واللذين لولاهما، ولولا نهيك عن القنوط، لكنت من القانطين.

والآن.. وبعد أن أقرّ العبد بذنبه، وبعد أن بيّن وجه عذره مصرحًا بعدم انتهاء معصيته إلى جحود مولوية مولاه، فإنه يغدو من اللائق حينئذ أن يتوجّه إلى مولاه، سائلاً إياه الرحمة والعفو. ولذلك نرى الإمام (عليه السلام) يُردف في دعائه بالقول : [يا خَيْرَ مِنْ دَعاهُ داعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجاهُ راجٍ، اللّهُمَّ بِذِمَّةِ الإسْلامِ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ وَبِحُرْمَةِ القُرْآنِ أَعْتَمِدُ عَلَيْكَ، وَبِحُبِّي النَّبِيَّ الأُمِّيَّ القَرَشِيَّ الهاشِمِيَّ العَرَبِيَّ التِّهامِيَّ المَكِّيَّ المَدَنِيَّ أَرْجُو الزُّلْفَةَ لَدَيْكَ].

وخلاصة القول هي أن النصوص السابقة، والتي اقتطفناها من دعاء السحر، تكشف لنا عن واحدة من الأزمات المقلقة التي يتعرّض لها الإنسان، فتشغل تفكيره، ويهتزّ لها كيانه، فيسعى حينئذ جاهدًا إلى الخروج منها والفكاك من ربقتها. وإن المرء ليجد في أدب الدعاء خير معبّر عن عناصر هذه الأزمة ومكوّناتها، كما يجد فيه أيضًا خير هادٍ إلى سبل تجاوزها، والمصير إلى منازل الخلاص وبرّ الأمان.

والمهم في البين هو أن نتذكّر أن الأزمة هذه هي من الأزمات التي يثيرها الوعي العميق بحقيقة مبدأ الوجود وبواسع نعمه وأفضاله، وبما له من الحقوق العظيمة على الإنسان، وهي حقوق كثيرًا ما يقابلها الإنسان بالمعصية والكفران، فتنشأ لديه بسبب ذلك أزمة تصدر عن الإحساس بالوجود والامتلاء به، لا عن تضييعه والضلال عنه، ولا عن الظروف الاجتماعية وملابسات الواقع الخارجي.

* * *

وأخيرًا يمكننا القول بأن نماذجنا الثلاثة الأخيرة، والتي أوردناها كشواهد على الأزمات النابعة من فهم الوجود ووثيق الصلة به قد آتَتْ أُكُلَها، فأظهرت نوعًا مختلفًا من أنواع الأزمات، مما لم يتسنَّ للأستاذ محمد قطب ولا لمن يذهب مذهبه أن يهتدي إليها ويدرك أهميتها.

وهنا يجدر بنا أن ننبّه على أنه لم يكن مقصودنا من إيراد هذه النماذج استقراء جميع أزمات الإحساس بالوجود التي يثيرها أدب الدعاء، بل كان كل مرادنا هو التدليل فقط على أن هذا الأدب قد طرح نوعا مختلفا من الأزمات، وهي أزمات قد غفل عنها الباحثون في هذا الميدان، فأهملوا ذكرها، وأعرضوا عن معالجة شؤونها.

وإلا فإن أدب الدعاء يتناول العديد من أزمات هذا النوع مما لم نتعرّض لذكره، ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- أزمة حرية الاختيار، والتي يمكننا أن نستشهد لها بالنص التالي: [إلهي كيف أعزم وأنت القاهر، وكيف لا أعزم وأنت الآمر]([21])، وهو تعبير آخر عن موقف آل بيت النبوة (عليهم السلام) من مسألة الجبر والاختيار، والذي لخّصه الإمام الصادق (عليه السلام) بالقول : (لا جبر ولا تفويض، ولكن أمرٌ بين أمرين)([22]).

وبهذا نكون قد بلغنا نهاية المطاف في استعراض ما أردنا استعراضه من النماذج المرتبطة بصورة الوجود في أدب الدعاء، والتي أوضحنا من خلالها رؤية أدب الدعاء للوجود المحسوس، وللحقيقة الإلهية وتجلّياتها، وللأزمات النابعة من الإحساس بالوجود والتعمّق في فهمه. وقد أقمنا بذلك الأساس المتين الذي يمكن الاعتماد عليه لمناقشة دعوى القطيعة بين الأدب العربي والإسلام، وهي المناقشة التي سنبادر إلى طرحها الآن.

نصوص أدب الدعاء تُسقط دعوى القطيعة

ذكرنا سابقًا أن دعوى القطيعة هي دعوى قد تسالم عليها العديد من الكتَّاب والمؤلفين، وذكرنا أيضًا أننا آثرنا أن نعتمد في عرضها على كتاب "منهج الفن الإسلامي" لمحمد قطب، وذلك لما اختص به هذا الكتاب من إفاضةٍ في العرض، ومن تفصيلٍ في بيان الأدلة وذكر البراهين.

ولذلك فإن مناقشتنا لطروحات "قطب" لا تقتصر عليه وحده، وإنما هي تشكِّل في واقع الأمر مناقشةً لأسس هذه الدعوى نفسها، وردًّا على كل من يتبنّاها.

وهنا لا بد لنا من أن نبيّن بأننا سنعتمد في مناقشتنا أسلوب الإيجاز، وذلك لأن الكثير من النقاط التي سنثيرها هنا، كنّا قد تعرّضنا لها في مطاوي البحث، ولمناسبات فرضتها سيرورة البحث نفسه، ونحن سوف نتدرّج في المناقشة وفقًا للترتيب الذي اعتمده "قطب" في بحثه، ونبدأ بالمقولة الأساس التي تتبناها دعوى القطيعة، والتي حشد لها "قطب" ما استطاع من الأدلة والبراهين، ثم نمضي بعدها إلى تفنيد الأدلة ونقض البراهين.

مناقشة المقولة الأساس لدعوى القطيعة

مرّ بنا سابقًا أن المقولة الأساس التي تطرحها دعوى القطيعة تتألف من قضيتين، تذهب أولاهما إلى أن العرب قد انصرفوا في الفترة الأولى لظهور الإسلام عن التعبير الأدبي في الكثير من فنونه، وتذهب ثانيتهما إلى أنهم حين عادوا إلى التعبير لم يلجأوا إلى الرصيد الجديد للإسلام، بل عادوا إلى الجاهلية ومقاييسها الفنيّة.

ولسنا نحتاج في الرد على هذه المقولة بشقَّيها إلى أي كلام جديد، إذ إن بحثنا بطوله إنما ينهض دليلاً على بطلانها، وذلك لما بيَّناه من أن أدب الدعاء قد كان حاضرًا من أول الأمر، وعلى يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والذي كان معاصرًا لصاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله)، ولما بيَّناه أيضًا من أن هذا الأدب قد استطاع أن يستلهم القرآن الكريم برؤيته الكونية، وبخصائصه الفنية، بأجمل صورة ممكنة، وعلى أكمل وجه مستطاع، ودون أن يحوجه الأمر لأن يرجع إلى الجاهلية، ليستمد منها المشاعر والإيحاءات، أو يستلهم منها أغراض التعبير وطرائقه.

مناقشة أسباب القطيعة

طرح "قطب" في بحثه أربعة أسباب كانت هي المسؤولة برأيه عن انصراف العرب عن التعبير الفني في الفترة الأولى بعد ظهور الإسلام، ونحن سوف نأتي على ذكر هذه الأسباب تباعًا، ونناقشها على نحو الاختصار.

السبب الأول: يَرجع هذا السبب -حسب رأي قطب- إلى بناء العقيدة الجديدة وانفعال النفس بها، وهو يبيّن هذا الأمر عبر الحديث عن جهتين تكشفان عن حقيقة السبب المذكور.

وخلاصة الجهة الأولى هي أن بناء العقيدة الجديدة -أي الإسلام- قد شغل الطاقة الحيوية كلها لدى المسلمين، حتى لم يعد لديهم أي متسع للخلق الفني والإبداع.

وأما الجهة الثانية فيمكن تلخيصها بالقول: إن من شأن العقيدة الجديدة أن تزيل المفاهيم القديمة وتستبدلها بمفاهيم جديدة تُستمَد من العقيدة الجديدة نفسها، والحال أن هذا الرصيد الجديد من المفاهيم يحتاج إلى فترة زمنية ملائمة لكي يختمر في النفوس ويصبح صالحًا للأداء الفني، ولا بد في هذه الفترة من حدوث انقطاع عن عملية الإنتاج.

وفي مقام الرد على ما يذهب إليه "قطب" نقول: ها هو أدب الدعاء بين أيدينا، وهو يبرهن برهانًا قاطعًا على بطلان السبب الثاني بجهتيه. ويكفينا في رد الجهة الأولى أن نقول: إن جملةً من نصوص أدب الدعاء التي أبدعها أئمة آل البيت (عليهم السلام) ترجع إلى الفترة نفسها التي اعتبر "قطب" أنها فترة انقطاع، وشاهِدُنا على ذلك هو ما أوردناه في بحثنا من أدعية الإمام علي (عليه السلام)، وكذلك ما أوردناه من أدعية الإمام الحسين (عليه السلام)، وأيضًا ما أوردناه من أدعية الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، وليس يخفى أن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان معاصرًا للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وللعقيدة الجديدة عند ظهورها، كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو ابن الإمام علي (عليه السلام)، وأن الإمام السجاد (عليه السلام) هو ابن الإمام الحسين (عليه السلام) وحفيد الإمام علي (عليه السلام)، فهذه سلسلة متصلة متكاملة، لا يوجد بين حلقاتها أي فراغ، ولم يحدث على امتدادها أي انقطاع، وقد ترك كل واحد من هؤلاء الأئمة، والذين يشكلون حلقات هذه السلسلة، جملة بديعة من نصوص أدب الدعاء، ولم يستنفد بناء العقيدة الجديدة طاقتهم الحيوية، ولم يسدّ دونهم نوافذ الإنتاج الفني، بل بقي لديهم المجال واسعًا لكي يمارسوا عملية الخلق، وتظهر على أيديهم أرفع أنواع الإبداع.

وأما الجهة الثانية، فيشهد على بطلانها أيضًا أدب الدعاء نفسه، وهو الأدب الذي استلهمت نصوصُه مفاهيمَ القرآن وتصوراته وخصائصه الفنية على أكمل وجه، وهذا ما بيَّنا الكثير من تفاصيله فيما تقدم من البحث.

وكل ذلك يدلنا دلالة واضحة على أن العقيدة الجديدة قد اختمرت في نفوس أئمة أهل البيت (عليهم السلام)  كل الاختمار، وأن الرصيد الجديد من المفاهيم والتصورات والقيم قد بلغ عندهم مرحلة النضج الكاملة، ودون أن يحتاجوا إلى أيَّة فترة زمنية لكي تتم لديهم عملية الاختمار التي افترض "قطب" أنه لا بد منها لأجل أن تصبح المفاهيم الجديدة صالحة للأداء الفني وممارسة عملية الإنتاج.

السبب الثاني: يدور كلام "قطب" في السبب الثاني حول الأغراض والمواضيع التي يُعنى الأدب بالتعبير عنها، فيذهب إلى أن الأغراض التقليدية من قبيل الفخر والمديح والهجاء والمجون.. لم تعد أغراضًا صالحة للتعبير الفني، وذلك لأن هذه الأغراض كانت قد تغيَّرت من أساسها بفعل العقيدة الجديدة، فكان أن هُجِرت لتُخليَ مكانها لأغراض جديدة مستمَدة من العقيدة الجديدة.

ومنطق الأمور يقتضي بالضرورة أن تمرّ الأغراض الفنية الجديدة وما يناسبها من طرائق التعبير بفترةِ حضانةٍ، لكي تتبلور وتصبح ملائمة لمقتضيات العقيدة الجديدة، وما تحمله هذه العقيدة من معان وما تفتحه من آفاق.

وحاصل الأمر هو أن الأغراض القديمة كانت قد هُجِرت لأنها لم تعد ملائمة، والأغراض الجديدة لم تكن قد استوفت حقها بعدُ من الحضانة والتبلور الفني، فآل الأمر -نتيجةً لهذا وذاك- إلى انقطاع العرب عن التعبير وتوقفهم عن الإنتاج.

ويكفينا للرد على ما سطره "قطب" في المقام أن نذكِّر ببعض الأغراض الجديدة التي تناولها أدب الدعاء، والتي كنا قد تعرّضنا لها في ما مضى من البحث، ومن الأمثلة على ذلك موضوع الوجود المحسوس وما له من دلالات، وموضوع الحقيقة الإلهية وتجلياتها، وأيضًا موضوع أزمات الإحساس بالوجود، وغير ذلك من المواضيع التي ذكرناها وفصَّلنا الكلام فيها في ثنايا البحث.

ويضاف إلى هذا تلك الكثرة الكاثرة من المواضيع والأغراض التي لم تقع موردًا لبحثنا، ولكننا أشرنا إليها سابقًا عند الحديث عن فرضية النقص الكمي في أدب الدعاء، وكان مما أشرنا إليه هناك: أدعية الأيام، وأدعية المناسبات الدينية، وأدعية التسليم على الملائكة والأنبياء والرسل، وكذلك الأدعية المخصصة للتوبة وسؤال المغفرة، أو لاستنزال الرزق وطلب الشفاء، إضافة إلى ما يُدْعى به لأهل الثغور، أو للجيران والأقارب، وكذلك ما يدعى به للأمة جمعاء. 

ويتجلّى لنا من هذا كله أن المواضيع والأغراض المذكورة وما يماثلها، إنما هي مستمَدّة من العقيدة الجديدة، وملائمة كل الملائمة لمقتضياتها، ولم تكن بحاجة إلى فترة حضانة لكي تتبلور تبلورًا فنيًا، وتصبح صالحة للتعبير عن المعطيات الجديدة.

السبب الثالث: يرى "قطب" أن السبب الثالث من أسباب التوقف عن الإنتاج الأدبي هو أن العرب قد تلقَّوا القرآن مبهورين، فشغَلَهم جمال التلقي والانفعال عن جمال التعبير والأداء.

ونقول في الرد على هذا الكلام: إن نصوص أدب الدعاء قد تسنَّمت الذروة العليا من جمال التعبير وحسن الأداء، فلم يشغلها جمالٌ عن جمالٍ، بل اتخذت من جمال التلقي والانفعال مَعْلَمًا هاديًا لجمال الإبداع والعطاء.

السبب الرابع: يذهب "قطب" في تقريره للسبب الرابع إلى أن وجود الأزمات كأزمة الضياع وعدم الإحساس بالوجود يشكِّل خير محفِّز على التعبير الفني، بينما وفي المقابل، فإن غياب الأزمة وشعور المرء بالرضى بالوجود، يولِّد عقبةً تعيق عملية الخلق والإبداع، وذلك لأن الإحساس بالوجود والشعور بالرضى تجاهه، يحتاج إلى طاقة فنية ضخمة لا توهَب لكل إنسان.

والحال -كما يرى "قطب"- أن المسلمين الأوائل لم يكونوا يمتلكون مثل هذه الطاقة المطلوبة، فآل بهم المطاف نتيجة لذلك إلى ترك التعبير والانصراف عن الإنتاج.

وللتدليل على بطلان ما يقرره "قطب" في المقام، نعود لنكرر بعض ما عقّبنا به على النصوص الحاكية عن صورة الوجود في أدب الدعاء، حيث ذكرنا في بعض تلك الموارد أن مبدعي نصوص أدب الدعاء قد امتلكوا كل ما يلزم من الأسباب المعرفية، ومن الطاقة الفنية والقدرة الإبداعية، لكي يُعبٍّروا عن إحساسهم العميق بالوجود، وعن ارتباطهم الوثيق به، وعن محبتهم اللامتناهية له. وهذا ما هيّأ لهم أن يكونوا هم -دون سواهم- رواد الكشف عن تلك الأزمات الخاصة التي يثيرها الإحساس بالوجود والتعمق في معرفته.

وبهذا نكون قد أتممنا الكلام في بيان بطلان دعوى القطيعة، وبطلان ما افترض لها من أسباب، ومنه نصل إلى بيان بطلان الدعوى الثانية، وهي دعوى عودة العرب إلى الجاهلية ومقاييسها الفنية.

بطلان دعوى العودة إلى الجاهلية ومقاييسها

بعد أن يقرر "قطب" الدعوى المذكورة، فإنه يفترض وجود سببين لها، ويذهب  إلى أن السياسة كانت هي المسؤولة عن وجود السبب الأول، وذلك لأن السياسة كانت قد ارتدَّت -منذ العهد الأموي أو قُبَيله- إلى العصبية الجاهلية، وجرفت معها الشعراء([23]) الذين ارتدّوا هم أيضًا -وبتأثير تلك السياسة- فراحوا يحاكون فنون الأدب الجاهلي في إنتاجهم، ويتخذون من طرائقه وأغراضه طرائق وأغراضًا لهم. وأما السبب الثاني فالمسؤول عنه -برأي "قطب"- هم النقّاد الأوائل، والذين جمدوا في نقدهم على ما كان موجودًا من قواعد النقد الجاهلي، وعلى ما كان يَتَمسَّك به هذا النقد من شروط ومقاييس، الأمر الذي ترك أثره البيّن على الشعراء وعلى اتجاهاتهم الفنية، وعلى طبيعة ما خلّفوه من إنتاجهم الشعري.

وقبل أن نبادر إلى مناقشة ما أفاده "قطب" في المقام، فإنه يتوجب علينا أن نسأل أولاً عن حدود دعواه، فهل هو يقصد في دعواه هذه أن الشعراء هم وحدهم الذين عادوا إلى الجاهلية وأحكامها دون سواهم من الأدباء؟ أم أنه يرى أن الأدباء عمومًا قد ذهبوا هذا المذهب، ولكنه ذكر في حديثه الشعراء وحدهم من باب المثال؟

فإذا كان مراده هو الأول، فهو أمر خارج عن موضوع بحثنا، ولا داعي للتعليق عليه في حدود هذا البحث.

وأما إذا كان مراده هو الثاني -وهو ما يظهر من جملة بحثه وكلماته- فيمكننا حينها أن نواجهه مرة أخرى بأدب الدعاء، فنكرر القول بأن نصوص هذا الأدب -وكما بات واضحًا- تُعدّ خير شاهد على وجود نصوص أدبية رفيعة، تستمد تصوراتها من الرؤية الكونية للإسلام، وتستلهم مقاييسها وخصائصها الفنية من المقاييس والخصائص الفنية للقرآن، ولم تضطرها السياسة ولا النقّاد لكي ترتد إلى روح الجاهلية ومشاعرها القبلية، بل العكس هو الصحيح، والشاهد على ذلك هو ما جاء منّا بيانه على امتداد هذا البحث، والذي دلّلنا فيه على أن أدب الدعاء قد امتلك زمام المبادرة، فكانت له الريادة في بعث أدب ينطلق من منطلقات الإسلام، ويعكس مفاهيمه وتصوراته، ويجسد خصائصه وإيحاءاته.

ونتيجة لمناقشاتنا المتقدمة كلها نستطيع القول: إن حكاية الانقطاع عن الإنتاج الأدبي، والعودة من ثَمَّ إلى الروح الجاهلية، ما هي سوى خرافة يأنس لها الغافلون -أو المتغافلون- عن أدب الدعاء، وأما أهل اليقظة والعارفون بهذا الأدب، فهم بمنجى عن تبنّي مثل هذه الأوهام أو تصديق مثل هذه الخرافات.

خاتمة

أثرنا في القسم الأول من البحث مشكلة نفي أدب الدعاء، وبيّنا بطلان ما يمكن أن يُتمسَّك به من الأسباب لإهمال هذا الأدب.

ثم استعرضنا في الأقسام التالية منه نماذج من نصوص الأدب المذكور، فدلَّلنا بها على سموِّ هذا الأدب ورفعة شأنه، وأظهرنا من خلالها فساد دعوى القطيعة وزيف أدلتها، لنثبت بالمقابل استمرار عملية الإنتاج الأدبي لدى العرب، حتى بلغوا ببعض أنواع هذا الإنتاج صورته المثلى، ووصلوا به إلى غايته القصوى.

 ونتيجة لذلك كلّه يمكننا القول: إنه لم يعد من الجائز إغفال أدب الدعاء، لا في المناهج التعليمية، ولا في الدراسات الأدبية، بل بات من الواجب على جميع المعنيين أن يسعوا لإعادة الاعتبار إلى هذا الأدب، وذلك استجابة منهم لما يفرضه عليهم المنهج العلمي، ويلزمهم به الواجب الأخلاقي، وتدعوهم إليه المسؤولية الإنسانية، خصوصًا وأن إعادة استحضار هذا الأدب تنطوي على الكثير من الفوائد، والتي  تشمل عددًا من الميادين المختلفة والمتنوعة.

ونحن كنّا قد أشرنا في سياق البحث إلى بعض أمثلة هذه الفوائد، وذلك من قبيل ما ذكرناه من أن غنى نصوص أدب الدعاء يمكنه أن يضفي غنى على الأدب العربي عمومًا، فيرفع بذلك من قيمته، ويعلي تاليًا من شأنه بين آداب الشعوب الأخرى، مما يهيئ له الفرصة للحلول في المرتبة التي يستحقها بين الآداب العالمية.

ومن تلك الفوائد أيضًا ما يرتبط بالمجتمع العربي وبالأحكام التي يمكن إصدارها عليه، ولذلك نجد أن الباحثين الذين أغفلوا أدب الدعاء واستبعدوا نصوصه قد تسالموا على القول بأن المجتمع العربي لم يستطع أن يُنجِب مبدعين قادرين على استلهام القرآن الكريم والاستمداد من خصائصه الفنية، لكن -المقابل- نجد أن الاعتراف بأدب الدعاء يؤدي إلى حكم مناقض لحكمهم المزبور، حيث يمكن أن يقال حينها بأن المجتمع المذكور قد تسنّى له إنجاب مبدعين من الطراز الأول -هم أصحاب أدب الدعاء- وأن هؤلاء المبدعين قد استطاعوا أن يستلهموا أسمى المعاني من كتابهم المقدس، وأن يستمدّوا منه خصائصه الفنية على أكمل وجه ممكن.

وثمة فائدة أخرى يمكننا ذكرها في المقام، وهي ترتبط بالحكم على طبيعة الأدب العربي وحركة تطوره، وهنا نلاحظ أن استبعاد أدب الدعاء قد أدّى إلى القول بأن الأدب العربي عمومًا قد بقي جاهليًا في الكثير من معطياته وخصائصه، بينما يؤدي استحضار أدب الدعاء إلى نتيجة معاكسة تمامًا، وهي أن قافلة الأدب العربي قد انطلقت مع أدب الدعاء نحو آفاق جديدة، حيث اتخذ هذا الأدب من القرآن الكريم أنموذجًا يُحتذى، فاستلهم منه ما جاء به من المعاني الجديدة ومن الخصائص والمقاييس الفنية المبتكرة.

ويضاف إلى الفوائد السابقة فائدة تختص بحكمنا على القرآن الكريم وقدرته على التأثير، وهنا تتناقض الأحكام أيضًا، وتنعكس النتائج، إذ يضطر النافون لأدب الدعاء لأن يذهبوا إلى القول بأنه لم يتسنَّ للقرآن الكريم أن يكون ذا فعالية وتأثير من الناحية الفنية، بل ظل هذا الكتاب -وبكل ما اتسم به من إعجاز بياني وجدة فنية- صوتًا صادحًا في الآفاق، ودون أن يتردد له أي صدى في الميدان الأدبي، بينما يمكن لهذا الحكم أن ينقلب رأسًا على عقب عند أخذنا أدب الدعاء بعين الاعتبار، فيقال حينئذ بأن الكتاب العزيز قد استطاع أن يؤثر أبلغ تأثير على الأدب من الناحية الفنية، بل إن هذا التأثير قد بدأ في فترة مبكرة جدًا، وهو ما نجد مصداقه الواضح في نصوص أدب الدعاء نفسه.

ونشير أخيرًا إلى ما يمكن أن يعود به أدب الدعاء من فوائد على الفرد وعلى المجتمع، إذ بمقدور هذا الأدب أن يطوِّر من فهم الإنسان لنفسه وللوجود وللمجتمع، فهو يبصِّره بحقيقة نفسه، كما يبصِّره بحقيقة الوجود والمجتمع، ثم يرشده إلى ما يربطه بهما من علاقات إيجابية، فيبدل بذلك من نظرة الإنسان لنفسه وللعالم، ولما يجري حوله من الأحداث والوقائع، وهذا ما يجعله يواجه الكون والحياة بحكمة وبصيرة، ويزوِّده في مواقفه كلها بالقوة والثبات.

فهل يعقل بعد هذا كله أن نظل غارقين في سباتنا العميق؟! أم أنه قد آن الأوان لكي نستيقظ، ونفتح أبصارنا وبصائرنا لتلقّي فيوضات أنوار أدب الدعاء؟!

وبعد ذكر هذه الجملة من الفوائد، أود أن أشير أخيرًا إلى عدد من النقاط المرتبطة بأدب الدعاء، والتي لم يسمح لنا سياق البحث بالتعرض لها.

النقطة الأولى

وأود أن أشير في هذه النقطة إلى أن تركيز اهتمامنا في البحث على بعض جوانب الدعاء لم يكن القصد منه هو قصر الاهتمام على تلك الجوانب، وإنما كان مرادنا من ذلك هو التذكير بوجود هذا الأدب، والإلماح إلى علو مضامينه، والإضاءة على رفعة أدائه الفني، وذلك لكي نمهد السبيل لإعادة الاعتبار إليه، والعمل على وضعه بين أيدي الطلبة والباحثين مما يوسع دائرة الاهتمام به، ويفضي تاليًا إلى مشاركة أوسع في دراسة جوانبه المختلفة، خصوصًا وأن نصوص أدبنا هذا تشكِّل دائرة معارف واسعة، تشمل الكثير من القضايا الإسلامية والإنسانية، وهي قضايا لم يخلُ بحثنا من الإلمام ببعضها، وذلك من قبيل ما ذكرناه من الموقف الفلسفي لأدب الدعاء حول صورة الوجود، وكذلك ما أشرنا إليه من الجوانب التربوية في هذا الأدب، والتي يمكن أن نذكر من أمثلتها ما بيَّناه من تجديد لقائنا بالوجود المحسوس، أو ما عقَّبنا به على دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) إذا مرض، وكذلك ما تحدّثنا به عن واجب الشكر، ومثل ذلك ما ذكرناه من مقاصد دعاء الجوشن الصغير.

ويبقى وراء هذا الكثير من القضايا التي لم نتعرض لها، والتي تتسع دائرتها للعديد من الدراسات النفسية والخلقية والاجتماعية..، ناهيك عن الدراسات الأدبية والفنية، وما يدور في فلكها.

النقطة الثانية

ويهمنا أن نشير في نقطتنا الثانية إلى أن دراسة أدب الدعاء من ناحية مضامينه وخصائصه الفنية، لا تمثل نهاية المطاف، وإنما يمكن لهذا النوع من الدراسة أن يشكل منطلقًا نحو أنواع أخرى من الدراسات، وذلك من قبيل دراسته دراسة مقارنة، أو دراسته من جهة كونه ممثلاً حيًا لمنهج الفن الإسلامي، وغير ذلك من الدراسات.

ولأجل إيضاح هذا الأمر -ولو بصورة سريعة ومختصرة- نقول: إن دراسة أدب الدعاء من ناحية مضامينه وخصائصه الفنية تمهد لنا السبيل نحو الدراسات المقارنة بين أدبنا هذا وبين أدب الدعاء لدى الأديان والشعوب الأخرى، ومن ذلك مثلاً المقارنة بين الصحيفة السجادية وبين مزامير داود (عليه السلام) الواردة في العهد القديم.

ولا يخفى ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الدراسات المقارنة من فوائد معرفية وفنية، وكذلك ما قد يترتب عليها من تقدير للذات، أو ما يمكن أن ينتج عنها من تلاقح للأفكار، وتفاعل بين الثقافات، ومن تقاربٍ بين الأديان والشعوب المختلفة.

هذا فيما يتعلق بالجهة الأولى. وأما الجهة الثانية، والتي ترتبط بمنهج الفن الإسلامي، فخلاصة القول فيها هي أن أدب الدعاء -وكما اتضح جليًا من خلال البحث- يجسِّد الرؤية الكونية للإسلام، ويستمد خصائصه الفنية من القرآن، ولذلك فإن من شأنه أن يعكس صورة بيِّنة عن معالم منهج الفن الإسلامي. وبناء عليه، فإنه يمكننا عن طريق دراسة أدب الدعاء أن نستنبط خصائص المنهج المذكور، ونتعرّف على بعض تطبيقاته، وهو ما يمكننا التمثيل له بالقضية التي باتت تشكل إحدى مسائل علم الجمال المهمة، وهي القضية التي يدور الكلام فيها حول موضوع العلاقة بين الفن والمنفعة، أو قل بين الوسيلي والجميل.

وقد أدّى اختلاف المواقف من هذه القضية إلى ظهور مذاهب فنية متعارضة، نذكر منها مذهبين، هما: مذهب الفن للفن، والذي يتبنَّى القول بالانفصال بين الفن والمنفعة، ومذهب الأدب الملتزم، والذي تبنَّى موقفًا مقابلاً للموقف السابق.

وأما موقف منهج الفن الإسلامي، فيمكننا الاهتداء إليه عن طريق أدب الدعاء، وذلك لأن هذا الأدب يمثل الإنتاج الإنساني الذي تجلَّت فيه التطبيقات الحية للمنهج المزبور، وهو المنهج الذي وضع أُسُسَه القرآن الكريم.

وهنا يمكننا القول بأن منهج الفن الإسلامي يذهب إلى عدم وجود انفصال بين الجمال والمنفعة، ويكفينا للتدليل على ذلك أن نرجع إلى بعض ما بيناه في سياق البحث، وذلك عند حديثنا عن الوظائف الثلاث التي تراعيها نصوص أدب الدعاء التي تستعرض مشاهد الوجود المحسوس، فقد لاحظنا هناك أن هذه النصوص قد صوَّرت تلك المشاهد بطريقة فنية جميلة وموحية، ولكنها لم تقصد من تصوريها الجميل ذاك إثارة المتعة الفنية فحسب، بل إنها علاوة على ذلك، قد اتخذت من جمال التصوير وسيلة لبلوغ غايات أخرى، كالتدليل على ما في الكون من الدقة والنظام، وأيضًا على ما تستلزمه هذه الدقة وهذا النظام من وجود خالق مدبر، عاقل وحكيم..

 وقياسًا على هذا المثال يمكن لأدب الدعاء أن يرشدنا إلى معالم وخصائص أخرى من معالم منهج الفن الإسلامي وخصائصه.

النقطة الثالثة

وفي ختام نقاطنا هذه يجمل بنا أن نذكر بعض الملاحظات المرتبطة بمبدعي أدب الدعاء ومنشئي نصوصه، ونود أن نسجل في المقام ملاحظتين:

ونشير في أولى هاتين الملاحظتين إلى أن دراسة أدب الدعاء دراسة مُعَمَّقَة، وإدراك ما ينطوي عليه من قِيَمٍ فكرية ودينية وإنسانية، ثم معرفة ما يختص به هذا الأدب من أداء فني رفيع، إنما يكشف ذلك كله عن بعض ما يمتلكه مبدعوه من المعارف الفكرية والدينية والإنسانية، وكذلك عما يمتلكونه من القدرات البيانية والفنية الخاصة.

وهذا كله يؤكد لنا على ما لآل بيت النبوة (عليهم السلام) من مقام عال ومجيد، حيث كانوا هم الرواد الأوائل لإبداع نصوص أدب الدعاء، وعلى أيديهم ظهرت أسمى هذه النصوص التي تجلَّت فيها حقائق الإسلام، وترددت أصداء المقاييس الفنية للقرآن. فكانوا هم الحمَلَة الفنيين الذين يبلغون رسالة القرآن الفنية، كما كانوا هم الحملة الرساليين الذين يبلغون رسالاته الدينية والفكرية والاجتماعية...

وهذه قضية شديدة الأهمية، يجب الاستفادة منها في علم الكلام، كما يستفاد منها في مختلف البحوث الأدبية، وباقي دراسات العلوم الإنسانية.

وأما الملاحظة الثانية، فنخصِّصها لوقفة سريعة مع الرأي القائل بأن الدافع الذي دعا الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) للاهتمام بأدب الدعاء والتوسع في إنتاج نصوصه، إنما يرجع إلى طبيعة الظروف السياسية التي عايشها الإمام (عليه السلام).

وكمثال على ذلك نقرأ كلام العلامة الشيخ محمد رضا المظفر (ره) في كتابه عقائد الإمامية حيث يقول: [بعد واقعة الطف الأليمة، التي أوغل فيها بنو أمية في الاستبداد وولغوا في الدماء واستهتروا بكل القيم، بقي الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (عليه السلام) جليس داره ثاكلاً، لا يتصل به أحد ولا يستطيع أن يفضي إلى الناس بما يجب عليهم وما ينبغي لهم. فاضطر أن يتّخذ من أسلوب الدعاء (الذي قلنا أنه أحد الطرق التعليمية لتهذيب النفوس) ذريعة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وطريقة آل البيت، ولتلقين الناس روحية الدين والزهد، وما يجب من تهذيب النفوس والأخلاق، وهذه طريقة مبتكرة له في التلقين لا تحوم حولها شبهة المطاردين له، ولا تقوم بها عليه الحجة لهم، فلذلك أكثر من هذه الأدعية البليغة] ([24]).

ولكن يبدو أنه لا يمكن التسليم بصحة ما يوحي به هذا النص، من أن الظروف السياسية القاهرة التي أحاطت بالإمام السجاد(عليه السلام) كانت هي التي ألجأته مضطرًا إلى التوسع في إبداع ما أبدعه من نصوص أدب الدعاء، وأنه لولا وجود تلك الظروف وتأثيرها الضاغط لكان مصير الكثير من هذه النصوص- أو ربما أكثرها- هو الإهمال والبقاء في طيات العدم، ولَما تسنَّى لها أن تبصر النور وتظهر إلى ساحة الوجود.

ولأجل بيان السبب الذي يمنعنا من التسليم بالفرض المذكور، دعنا نمهد بإيراد نص آخر للعلامة المظفر نفسه، يقول فيه: [وفي الحقيقة أن الأدعية الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام خير منهج للمسلم -إذا تدبَّرها- تبعث في نفسه قوة الإيمان، والعقيدة وروح التضحية في سبيل الحق، وتعرِّفه سرَّ العبادة، ولذة مناجاة الله تعالى والانقطاع إليه، وتلقِّنه ما يجب على الإنسان أن يعلمه لدينه وما يقرِّبه إلى الله تعالى زلفى. ويبعده عن المفاسد والأهواء والبدع الباطلة. وبالاختصار إن هذه الأدعية قد أُودِعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخُلقية والتهذيبية للنفوس، ومن ناحية العقيدة الإسلامية، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية والمباحث العلمية في الإلهيات والأخلاقيات]([25]).

يعدِّدُ هذا النص جملة من الفوائد المتنوعة والجليلة التي ينهض بها أدب الدعاء، ولا ريب في أن مثل هذه الفوائد المذكورة تضفي على أدب الدعاء أهمية ذاتية، وتجعل منه حاجة إنسانية دائمة، وضرورة دينية ملحة.

وعليه، أفلا يقتضي منطق الأمور أن يكون الداعي الحقيقي الذي يقف وراء عملية التوسع في إبداع نصوص أدب الدعاء هو تلك الأهمية الذاتية التي يتصف بها هذا الأدب، وما يترتب عليه من الفوائد المهمة التي تعتبر من الحاجات الدائمة والضرورات الملحة؟! سيما وأنه يستحيل السعي إلى تحقيق تلك الفوائد جميعها إلا من خلال التوسع في إنتاج النصوص، بغية مراعاة تنوع المواضيع، وتعدد الأغراض، واختلاف الغايات؟!

وبهذا يتبيَّن أن التوسع في إبداع روائع أدب الدعاء لم يكن مجرد ذريعة اضطر الإمام السجاد (عليه السلام) إلى التوسل بها كبديل عن وسائل العمل الأخرى التي حالت بينه وبينها ظروف السياسة وملابساتها، بل كان هذا التوسع أمرًا مقصودًا بالذات، أريد منه جعل أدب الدعاء يتصف بصفة الشمول، ويبلغ درجة الاكتمال، وهو أمر تقع مسؤولية تحقيقه على عاتق أئمة آل البيت (عليهم السلام)، وذلك لما يتميزون به من الخصائص الدينية والعلمية، ولما يمتلكونه من القدرات الفنية والأدبية، ولذا فقد كان لا بد لهم من إنجاز هذا الأمر عاجلاً أو آجلاً. ومن ثَمَّ فقد شاءت العناية الإلهية أن يتولى الإمام السجاد (عليه السلام) مسؤولية القيام بهذا الدور، وتأدية هذه الوظيفة.

ونحن سواء استطعنا أن ندرك السبب الذي يقف وراء تولي الإمام السجاد (عليه السلام) بالخصوص لهذه المسؤولية، أم لم نستطع إدراكه. إلا أنه يمكننا الجزم على كل حال -وبناءً على ما بيَّناه- بأن الداعي الأصيل الذي أدّى إلى اكتمال مدرسة الدعاء لم يكن مجرد أمر عارض، لو لم يتفق حدوثه، لبقيت معظم روائع أدب الدعاء مطوية في ظلمات العدم، بل كان الداعي الحقيقي لذلك هو ما ينطوي عليه هذا الأدب من الخصائص الفريدة، والقيم الرفيعة، والغايات المتنوعة، مما يجعله أمرًا مقصودًا بالذات، وذلك لما يترتب عليه من الفوائد المهمة والآثار العظيمة.

ويجب أن لا يفهم من كلامنا هذا أننا ننفي كل تأثير للظروف السياسية وبقول مطلق، وإنما أردنا أن نؤكد فقط على أنه لا يمكن اعتبار مثل هذه الظروف هي المقتضي الحقيقي والداعي الأصيل لعملية الإبداع، وإن كان يمكنها التأثير من نواحٍ أخرى. حيث يمكن -مثلاً- لبعض الظروف السياسية أن تشغل الإمام بمواجهتها، فتصرفه عن التوجه إلى عملية الإبداع، أو ربما تؤدي ظروف سياسية أخرى إلى محاصرة الإمام (عليه السلام) والتضييق عليه، فيمنعه ذلك من ممارسة العمل السياسي، ويفتح أمامه المجال لكي ينصرف إلى العمل الإبداعي وينجز ما أُلقي على عاتقه من مسؤولية هذا العمل.

ولو فرضنا أن الإمام السجاد (عليه السلام) قد عايش مثل هذا النوع الأخير من الظروف، الأمر الذي أفسح أمامه المجال لكي يبدع ما أبدعه من روائع أدب الدعاء، إلا أن ذلك لا يؤدّي بنا إلى اعتبار تلك الظروف هي المقتضي الحقيقي لعملية الإبداع، بل يظل المقتضي هو ما أشرنا إليه من الخصائص الذاتية لهذا الأدب، ويبقى للظروف المحيطة دور العوامل المعيقة التي تعرقل عميلة الإنتاج الفني، أو دور العوامل المساعِدة التي تفسح المجال أمام هذه العملية وتُعِين على إنجازها.

وأخيرًا.. ومهما يكن من أمر، فإن المهم في البَيْن هو أن روائع أدب الدعاء قد تم إنجازها على أيدي أئمة آل البيت (عليهم السلام)، فوضعوا بين أيدينا بذلك فنًا من أعظم الفنون وأجلّها.

فهل نرقى نحن بدورنا إلى مستوى حمل هذه الأمانة، فنقدِّر تلك الروائع حق قدرها، ونسعى إلى تدبرها، والتعمق في مضامينها، والاستفادة من مختلف معطياتها.. ثم نعمل بعد هذا على نشرها، وإيصالها إلى الأمم الأخرى، علَّنا نتيح بذلك فرصة الانتفاع بها أمام الناس كافة، وعلَّنا نساهم أيضًا في تعريفهم على الصورة الحقيقية لتلامذة مدرسة القرآن، وعلى ما يمكن أن يقدِّموه للإنسانية جمعاء من آيات الفكر وروائع الجمال، فَنُعلي بذلك كله من شأن أدبنا وصورة ثقافتنا وقيم حضارتنا؟

أم نتخلى عن المسؤولية المُلقاة على عاتقنا، لنغدو عندها مصداقًا صريحًا للمثل القائل: على من تقرأ مزاميرك يا داود؟!


 

([1]) أي عين الباطن.

([2]) الصحيفة السجادية: مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) مُتَفَزِّعًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

([3]) أي لم تكن موجودًا بعد العدم كما هو حال الموجودات الأخرى.

([4]) الصحيفة السجادية: مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) فِي يَوْمِ عَرَفَةَ.

([5]) لا تُحس: أي لا تُحسّ بالحواس الخمس. ولا تُجسّ: أي لا تُعلم أخبارك. ولا تُمسّ: أي لا تُمس بحاسة اللمس، لأنه تعالى ليس بجسم.

([6]) المجلسي: بحار الأنوار، دار إحياء التراث-لبنان، ط2، 1403هـ-1983، ج84، ص339.

([7]) يظهر جليًا من النصوص التي استشهدنا بها أنها جاءت مبيّنة لتفصيل مضمون الكلمة القرآنية الجامعة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} غير أنها عبّرت عن هذا المضمون بألوان إبداعية مختلفة، وبأساليب بيانية متنوعة.

([8]) الصحيفة السجادية: مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) فِي يَوْمِ عَرَفَةَ.

([9]) المناجاة الخمس عشرة: مناجاة العارفين.

([10]) الصحيفة السجادية: مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) بعد الفراغ من صلاة الليل.

([11]) مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) في يوم عرفة.

([12]) المجلسي: بحار الأنوار، دار إحياء التراث-لبنان، ط2، 1403هـ-1983، ج92، ص395.

([13]) إن المعرفة المستحيلة على الإنسان هي الإحاطة المعرفية الكاملة بحقيقة الباري تعالى، وأما ما دون ذلك فقد يكون من الأمور الممكنة، والتي يؤتى كل امرئ منها بحسبه، ويختصُّ أكملَها بالكمَّل من بني آدم (عليه السلام).

([14]) الصحيفة السجادية، من دعائه (عليه السلام) لنفسه وخاصته.

([15]) مناجاة الشاكرين، للإمام السجاد (عليه السلام).

([16]) مناجاة الشاكرين، الإمام السجاد (عليه السلام).

([17]) النساء: من الآية 28.

([18]) دعاء السحر للإمام السجاد (عليه السلام)، المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي.

([19]) دعاء السحر للإمام السجاد (عليه السلام)، المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي.

([20]) وقريب من هذا المعنى ما نجده في الجزء الأخير الملحق بدعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) حيث يقول: [إلهي إنك تعلم أني وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً وجزمًا، فقد دامت محبة وعزمًا].

([21]) دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) في قسمه الأخير. وقد علّقنا على نسبة هذا القسم إلى الإمام (عليه السلام) في هامش الصفحة التي تحدّثنا فيها عن موضوع الحقيقة الإلهية في أدب الدعاء، وذلك عند استشهادنا بالنموذج الأول والذي أوردناه تحت عنوان: (جـ-دعاء عرفة). راجع العدد 25 من مجلة رسالة النجف ص27.

([22]) الكليني: الكافي. ج1 ص160 ح13.

([23]) يجدر بنا أن ننبه هنا على أن كلام "قطب" وإن كان يدور في المقام حول الشعر والشعراء، إلا أن الدعاوى التي يسعى إلى إثباتها في بحثه لا تقتصر على الشعر وحده، بل تعمّ الفنون الأدبية الأخرى أيضًا، وهو ما يمكن تلمّسه بالرجوع إلى ما بيّناه من آرائه في موضع سابق من البحث، حيث استعرضنا كلامه حول كلا دعوييه، كما استعرضنا الأسباب التي يعلل بها هاتين الدعويين، راجع العدد 25 من مجلة رسالة النجف.

([24]) الشيخ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، دار الحوراء، بيروت-لبنان، ط8، 1409هـ 1988م، ص 119.

([25]) الشيخ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية، دار الحوراء، بيروت-لبنان، ط8، 1409هـ 1988م، ص 113.

 

 

النبوة المشترَكة بين موسى وهارون (ع)

الشيخ حاتم إسماعيل

 

 تمهيد

لا شك في أن مقام النبوة من أهم المقامات في حياة الناس، بل هو أهمها على الإطلاق، لأنها تعمل على تحقيق الكمال البشري لهذا الكائن، سواء على المستوى الذاتي وإصلاح النفس، أم على المستوى الاجتماعي ونَظْمِ علاقات الجماعة، أم على المستوى السياسي وإقامة العدل فيهم، أم على المستوى الاقتصادي وتحقيق الراحة ومستوى العيش الكريم بينهم.

وبكلمة موجزة، تسعى النبوة إلى تحقيق الخلافة الإلهية في الأرض، وجعل الإنسان كائنًا إلهيًا لا تحكمه الغرائز والشهوات، بل تحرِّكه المصلحة العامة والخاصة من خلال مدركاته العقلية، من أجل انتظام حياته في الدنيا والآخرة، فإن تحصيل السعادة الأخروية موقوف على الاستقامة في الحياة الدنيا، وتحصيل الكمالات فيها.

سنَّة الله في النبوات

وما دامت غاية الأنبياء إصلاح الإنسان وتقويم سلوكه في كافة المجالات، فالأمر الطبيعي أن تنحصر النبوة في شخص واحد في كل زمان أو مكان، لأن المفروض أن يبدأ الإصلاح من النفس الإنسانية، فإذا أريد لكل إنسان أن يكون كائنًا إلهيًا، جامعًا لصفات الكمال، فلا بد أن يكون النبي مستجمِعًا لصفات الكمال التي يدعو الناس إليها، حتى لا يعاب عليه دعوته إلى ما يفتقده من كمالات. وهذا من الأمور البديهية، ليس في النبوة فقط، بل هو شامل لكل دعوة إصلاحية، وإن لم تكن دعوة دينية.

فإذا كان النبي أكمل الخلق وأفضلهم، فلا يبقى أي معنى للشراكة في النبوة، ما دام يجب على كل إنسان أن يحقق الكمال في ذاته، لأن الشراكة في النبوة لا تخلو من أن تكون لتكميل مهمة بعضهما الدعوية، ولازمه أن لا يكون كل منهما كاملاً في نفسه فكيف يطلب الكمال من الآخرين.

وإما أن تكون الشراكة لإعانة أحدهما الآخر من الناحية الإجرائية وتنفيذ المهام المرتبطة بتنظيم حياتهم الدنيا، فهذا لا يتوقف على نبوة كليهما، بل يكفي فيها مجرد تعليم بعضهم وتوجيهه، خصوصًا وأن الناس مفطورون على السعي إلى الكمال وتنظيم الحياة، وهذا يعني أن تكون النبوة الثانية بلا معنى، وبالتالي تكون أمرًا عبثيًا، والله تعالى منزّه عن مثل ذلك.

ولهذا فقد جرت السِنَّة الإلهية بأن يرسل تعالى في كل زمان نبيًا واحدًا لقومه، وتعدُّد النبوات في عرض واحد إنما يكون عند تعدُّد الجماعات أو المجتمعات التي بعث الأنبياء لدعوتهم، بما يتناسب مع طبيعة كل مجتمع وعاداته وتقاليده وثقافته، بغية تصحيح مساراتهم، ولا يخدش مشاعرهم، ولا يصطدم بما تربّوا عليه، مما لا يمسُّ البُعد الإنساني فيهم، فإن حركة الإصلاح تدريجية بالضرورة، ولا تُتَصوَّر الطفرة فيها، لأن ذلك يؤدِّي إلى صدِّهم عن استماع الحق واتِّباعه.

موسى وهارون (ع) مشتركان

وهنا يرد تساؤل مهم وخطير حول نبوة موسى وهارون (عليهما السلام)، ومفاده:

إنه ما دامت النبوة تعني كمال المبعوث، خصوصًا وأن المبعوث إليهم جهة واحدة مدعوة إلى الكمال والاستقامة، فإن فرض الشراكة بينهما يستلزم تحقق النقص فيهما (عليهما السلام)، وعلى الأخص بالنسبة إلى موسى (عليه السلام)، وهو الذي طلب معونة أخيه هارون (عليه السلام)، وذلك أنه لو لم يكن فيه جهة نقص لما كان بحاجة إلى إعانة أخيه في هذه المهمة. ومعنى ذلك أنه لا يمكنه أن يدعو الناس إلى تحصيل الكمال، فإن فاقد الشيء لا يمكنه أن يأمر به. والأولى له أن يكمل نفسه قبل أن يدعو الناس.

وأما على فرض كونه كاملاً، فلا يبقى أي معنى لطلب الشراكة، لأنه سيكون أمرًا عبثيًا لا يصدر من العقلاء.

وعلى كلا التقديرين فلا يكون جديرًا بحمل الرسالة والنبوة.

ويتعزَّز الإشكال بملاحظة ما عبَّر به موسى نفسه، من أن هارون أفصح منه لسانًا، وأن لقوم فرعون عليه ذنبًا، وذلك من خلال قتل القبطي، بعدما استغاثه الإسرائيلي على عدوه.

وكل ذلك يستلزم عدم قدرته ليكون نبيًا مبعوثًا إلى فرعون، فضلاً عن إدارة بني إسرائيل. أو عدم صحة الأصل المذكور من أنه لا بد للنبي أن يكون أكمل الخلق، أو أكمل بني قومه على الأقل وأفضلهم.

ومما يؤكد بطلان الأصل المذكور ما جرى له مع العبد الصالح، فهي تدل على عدم قدرته على تحمّل ما كان يحمِله العبد الصالح، وذلك يعني أن العبد الصالح أحقّ بحمل الرسالة منه (عليه السلام).

مضافًا إلى أنه طلب من العبد الصالح أن يعلِّمه بعض ما عنده من العلم([1])، الأمر الذي يكشف عن عدم كونه أفضل أهل زمانه، فإن وصفه بالعجز والجهل، وهما من الصفات غير المحمودة في أي شخص كان، فضلاً عن أن يكون قدوة ومثلاً أعلى لهم، فكيف إذا كان نبيًا داعيًا إلى الله تعالى.

تعدد النبوات ووحدة الهدف

ولا بد للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها من التعرض لجملة مسائل تضيء عليها، وتبيّن وجه الحكمة فيها.

وأول هذه الإشكالات مسألة تعدد النبوات في عرض واحد، فقد ذكرنا أنه لا محذور في تعدد النبوات عند تعدد الأقوام المبعوث إليهم، مع التوافق في الكليات الاعتقادية والاختلاف في التشريعات القانونية بما يتوافق مع طبيعة كل جماعة. وهذا ما نراه بوضوح في زمان موسى (عليه السلام)، حيث بُعِث إلى فرعون وقومه، في نفس الفترة التي أُرسِل فيها شعيب (عليه السلام) إلى أهل مدين.

ومما يدل على أن دعوتهما كانت واحدة، في أصولها وربط الناس بالله تعالى، وإن اختلفت في الفروع والتشريعات بما يناسب طبيعة كل مجتمع وظروفه، نفس تزويج شعيب (عليه السلام) ابنته لموسى (عليه السلام)، إذ لو لم ينتميا إلى عقيدة واحدة لم يكن لهذا الزواج أن يتم، وهذا واضح في مختلف الأمم والشعوب والديانات في التاريخ، خصوصًا وأن المبادر لاقتراح هذا الزواج والد الفتاة([2])، فإن من غير المنطقي أن يبادر إلى تزويج ابنته من رجل غريب، لو لم يكن متوافقًا معه في الأصول الدينية، فكيف إذا كان نبيًا، يعمل وِفْقَ ما يقتضيه الوحي الإلهي، إذ من المحتمل أن يكون طلبه هذا بأمر الله تعالى، وإن لم تكشفه الآيات الشريفة صراحة.

يضاف إلى ذلك توصيفهما لقوم فرعون بالظالمين، حيث إن موسى (عليه السلام)، بعدما قتل القبطي وجاءه رجل من أقصى المدينة، وقال له { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}([3]).

وهو نفس التوصيف الذي أطلقه شعيب (عليه السلام) عليهم، حين قال له: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}([4]).

ولا إشكال في أن المرادَ بظلمهم في المقام ظلمُهم لأنفسهم بعدم اتِّباع الحق، وبُعْدُهم عن الله تعالى، ولولا ذلك لم يصح توصيفهم بالظلم، لأن المفروض أنه هو الذي قتل منهم رجلاً، فسعيهم إلى محاكمته وقتله به لا يُعدّ ظلمًا في نفسه.

ولو لم يكن المراد بظلمهم ظلمُهم لأنفسهم، فإن الظلم يكون حينئذ بمعنى سلب الغير حقه، وهذا يعني ثبوت الحق في المرتبة السابقة. وهو يقتضي وحدة الملاك بينهما، والمستند الذي استندا إليه في توصيفهم بالظالمين، مما يدل على وحدته عندهما، وليس ذلك إلا القانون الإلهي الواحد، مع أن من المحتمل قويًا أن يكون مستندهما هو شريعة إبراهيم (عليه السلام)، فإنهما معا من نسله وذريته.

كما أن تعبير شعيب بأنه سيستأجره ثماني حجج([5])، يدل على وحدة المعتقد بينهما، فإن التعبير بالحجج دليل على أنهما يؤمنان معًا بالحج إلى بيت الله الحرام، وهذا أمر مرسوم في كل عام بين العرب والإبراهيميين، بل وحتى لدى الفرس وغيرهم، كما يحدِّثنا التاريخ. فتعبيره بالحجج كاشف عن معرفتهما بهذا الأمر للدلالة على وحدة الهدف والمعتقد.

وقبلهما إبراهيم ولوط

وقد سبق نبوّة موسى وشعيب (عليهما السلام) المتعاصرتين، نبوّة إبراهيم ولوط (عليهما السلام) فإنهما كانا متعاصرَين كذلك، وقد أُرسِل كل منهما إلى قومٍ مخصوصين، وحين جاءت إبراهيمَ البشرى بإسحاق (عليه السلام) وأخبروه بأمر قوم لوط (عليه السلام) قال إن فيه لوطًا {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً..}([6]).

ولم يكن هذا الكلام عابرًا منه (عليه السلام)، بل كان إصرارًا ومجادلة وحوارًا مع الملائكة، حيث يقول تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}([7]).

ومما يدل على وحدة الهدف توافُقُهما في النفور عن عبادة الأوثان، والدعوةُ إلى الله تعالى، فإنه بعدما جرى الكثير من الحوار بين إبراهيم (عليه السلام) وقومه، ورمْيهم له بالنار ونجاته منها، وبيان الأدلة على كافة العقائد الحقَّة، يقول تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}([8]).

نبوة موسى وهارون

إلا أن الأمر في نبوة موسى وهارون (عليهما السلام) يختلف عما تقدم، فإن رسالتهما واحدة، وشريعتهما واحدة، وكذلك الجهة التي أرسلا إليها واحدة، وهي فرعون وقومه {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى}([9]).

وفي هذا المجال لا بد من الالتفات إلى جملة أمور تؤدِّي بنا إلى اليقين بعدم انخرام ما تقدم من كونه أكمل الخلق وأفضلهم في زمانه، والحكمة من إرسال هارون (عليه السلام) معه.

الأمر الأول: نجاته وتربيته

من المعلوم أن الآيات القرآنية الكريمة، وكذلك رواية التوراة، قد بيَّنت استضعاف فرعون لبني إسرائيل وإذلالَهم. وقد قرع سمعَه كلامُ المنجمين وانتشارُ خبر رجل من بني إسرائيل ليقوِّض عرشه ويُنهي مملكته، فعَمِلَ على التنكيل بهم، بقتل المواليد الجدد الذكور، واستحياء النساء منهم، إمعانًا في إذلالهم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}([10]).

في هذا الجو الضاغط والمشحون شاءت العناية الإلهية أن يُنقَذ موسى من القتل بيد فرعون نفسه، {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}([11]).

وهكذا اقتضت الحكمة الإلهية أن ينشأ ويتربى في بيت عدوه، ويعرفَ كلَّ ما يرتبط بحالهم، ويشهدَ مدى استكبارهم، عبر الطرق الطبيعية، وكذلك ليعرفوا كل ما يمكنهم معرفته عنه، فإن كل ذلك أوقعُ في الحجة، وأدلُّ في جهة الإعجاز والآيات التي سوف يظهرها لهم فيما بعد.

الأمر الثاني: قتل القبطي

وصادف أن حصل خلاف بين إسرائيلي وقبطي أمامه، فاستغاثه الإسرائيلي على خصمه، وقد وصفه تعالى بأنه العدو، قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}([12]).

والملاحظ أن هذه الآية الشريفة قد اشتملت على عدة مسائل، هي:

أولاً: إن هذه الواقعة قد حدثت بعدما صار موسى (عليه السلام) أهلاً للحُكم والحِكمة، حيث قد سبقها مباشرة قولُه تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}([13]).

إن وصفه بالإحسان المُشعِرَ بكونه علةً لإتيانه الحكمَ والعلمَ، يدل على أن فِعله بالقبطي لم يكن خطأً وإنما كان مستحقًا لذلك، رغم أن موته لم يكن مستندًا إلى وكزه، الذي هو عبارة عن دفعه عن صاحبه، وإن كان موته مقارنًا له، ولذلك وصفه بأنه من عمل الشيطان، وإلا فإن الشيطان ليس له سبيل على المحسنين، خصوصًا وأنه تعالى قد ألقى عليه محبةً منه وليُصنَع على عينه.

ثانيًا: إن سياق الحادثة لا يدل على أنه قد انتصر للإسرائيلي فعلاً، فإن استغاثته بموسى تكشف عن أنه كان في موقع الضعف والانهزام. وإلا لم يكن للاستغاثة من مبرر كما هو ظاهر. ولو كان الأمر انتصارًا للإسرائيلي لما اقتصر الأمر على وَكْزِه ودفعه، فإن التعبير بالوكز ظاهر في أنه كان يريد فضَّ النزاع لا أكثر، فوَكْزُه له يكشف عن أن القبطي كان في موقع القوة والبغي، إما من جهة قوته البدنية واستعلائه وغلبته، أو من جهة انتسابه إلى قوم فرعون، الذي يجعله يحسّ بالقوة والبطش من دون رادع، خصوصًا وأن خصمه من القوم المستعبَدين لهم.

كما أنه لم يكن من مبرر لقوله إنه من عمل الشيطان، إذ ليس من المنطقي أن يفعل الفِعلة ثم ينسبها إلى غيره، خصوصًا وأنه ليس للشيطان عليه من سبيل.

ثالثًا: إن توصيفه (عليه السلام) لمقتل القبطي بأنه من عمل الشيطان، يدل بحسب الظاهر على أن إماتته كانت من عمل الشيطان لإلقاء الفتنة، وترافق ذلك مع دفع موسى (عليه السلام) له، وإلا فلا يترتب الموت على مجرد دفعه له.

ولو كان قاصدًا قتله لم يكتفِ بوكزه كما هو واضح، خصوصًا وأنه ينتسب -تبنيًا وتربية- إلى الأسرة الحاكمة، الأمر الذي يقلِّل من عامل الخوف عنده بحسب العادة.

وقد يُقال بأن هذا التوجيه منافٍ لقوله تعالى له: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}([14]). وكذلك اتهام الإسرائيلي له بقتله حين قال له: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ}([15]). بل إن موسى (عليه السلام) نفسه قد أقرَّ بقتله، فإنه حين أرسله الله تعالى إلى فرعون {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}([16]).

وبناء عليه فلا يتم التوجيه المذكور بعد كل هذه التوصيفات القرآنية، وهو يستلزم أن يكون عمله بتأثير من الشيطان، نعوذ بالله تعالى من ذلك.

والجواب: أن هذه التوصيفات ناظرةٌ -بحسب الظاهر- إلى ما تقتضيه ظواهر الأمور، فإنه حين الاقتتال لم يتبيَّن أنه كان معهما في المكان أحدٌ غيرُهما، مما يعني أنه لو قُدِّرَت محاكمته فلا يوجد من يشهد لصالحه في ادعائه عدم القتل العمدي. خصوصًا وأن الخصم كان من قومه، مما يُضْعِفُ حجّتَه، مع أنه كان من المستعبَدين الذين لا يؤخذ بشهادتهم عند مخاصمة الأسياد.

يضاف إلى ذلك أن نفس الخصم الإسرائيلي قد انقلب ضده في اليوم التالي، واتهمه بقتل القبطي، {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ} ([17])، مما يشكِّل قرينة على أنه سيشهد ضدَّه لو جرت المحاكمة.

والقرينة على هذا المعنى هي قوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}، حيث نسب الفتنة، وهي الامتحان والابتلاء، إليه تعالى، إذ القرائن القرآنية الدالة على أنه ليس للشيطان على المحسنين من سبيل، كثيرةٌ، خصوصًا أنه تعالى قد مَنَّ على موسى (عليه السلام) نفسه بقوله {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}([18])، وكذلك قوله تعالى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}([19]).

فمن غير الممكن أن يكون من يتَّصِف بهذه الصفات، ويختص بالله تعالى، متصفًا بصفة الظلم والانحياز إلى بني قومه لمجرد التعصب القبلي، ما لم يكن بغي في البين، فإن صفة الظلم من أقبح الصفات التي يوصف بها الإنسان، فكيف إذا كان هذا التوصيف راجعًا إليه سبحانه؟!.

هارون أفصح منه

إلا أن كل ذلك لا يفيد في بيان حقيقة الأمر، وإثبات براءته من القتل كما ذكرنا، فإن ظواهر الأمور كانت كلّها تسير بعكس الحقيقة والواقع المفترض.

من هنا يتبيّن أنه ليس المراد بأن هارون (عليه السلام) أفصح منه أنه لم يكن فصيحًا، أو أنه كان أقل فصاحة منه، سواء على مستوى بيان الحجة والقدرة على المحاورة، فإن ذلك مخالف لما تقدم من اشتراط الأكملية في النبي والداعية، إذ لو صح ذلك لكان هارون أولى بحمل الرسالة منه، فإن العقل حاكم بأن الأفضل إمام الفاضل دون العكس.

بل المراد، والله العالم، أنه لم يكن لآل فرعون على هارون أي فضل يجعلهم في معرض المِنَّة عليه، ويضعه أمام ضرورة الشكر، كما حصل مع موسى (عليه السلام)، وهو ما احتج به فرعون على موسى، فقال له: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}([20]).

هذا بالإضافة إلى أن تربيتهم له ومعرفتهم بكل أحواله تجعلهم أرقَّ قلبًا عند مخالفته لهم، مما يجعل العاطفة المتولدة لديهم تمنعهم من أذيَّته الخطيرة، فإذا فعلوا ذلك مع ربيبهم كان أدل على القسوة التي يتمتعون بها، وشدة الجبروت الذي يتملَّكهم. بخلاف ما إذا كان الداعي شخص آخر، فإن من الممكن أن تُكال له التهم الباطلة، مما يجعله أكثر عرضة للتنكيل والقتل.

ولا إشكال في أن ذلك يؤثر بشكل مباشر على مواجهته لهم، لأن مقتضى تربيتهم له أن يشكر لهم ذلك، وهو ما كانوا يتوقعونه منه. وقد أفصحت امرأة فرعون عن ذلك حين التقطوه من اليمّ، قال تعالى: {وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}([21])، وهي كلها موارد إحسان تستحق الشكر وعرفان الجميل.

يضاف إلى ذلك أنه قد قتل القبطي من قبل، الأمر الذي جعله مُعرَّضًا للملاحقة والعقاب، مما قد يؤثر على مسار الدعوة وتحقيق الحق، ولذلك قال له فرعون عند مواجهته ودعوته إلى الحق {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ}([22]).

ولا يخفى ما في قوله {وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ} من الذم والتوهين لشخصه الكريم (عليه السلام)، لأن وقوعها في سياق المَنِّ عليه وبيان إحسانهم إليه أوقعُ في الذم، وأظهرُ في نكران الجميل، وهي صفة لا تليق بالعقلاء.

وهذا كله لم يحصل مع هارون (عليه السلام)، فلا هم ربّوه صغيرًا، ولا لهم عليه ذنب ربما عاقبوه عليه، فهو أقدر على بيان الحجة والمحاورة كما أسلفنا.

فالمراد بالأفصحية إذن هو هذا المعنى، أي من جهة عدم الإحساس بالضعف والحرج أمامهم، وليس كون موسى (عليه السلام) أقل فصاحة أو أضعف منطقًا ونحو ذلك.

وأما قصة العبد الصالح

فقد ذكرتم أنه لا بد أن يكون النبي أكمل الخلق وأفضلهم، وهو يتنافى مع توصيف العبد الصالح لموسى (عليه السلام) بعدم القدرة وعدم العلم.

والحقيقة أن ذلك لا ينافي ما ذكرناه.

أولاً: إنه قد ورد في بعض الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الخضر كان نبيًا من الأنبياء، ولا مانع من تفاضل الأنبياء فيما بينهم. فإن الكمال والفضل لا بد وأن يتناسب مع الحاجة والوظيفة التي بُعِثَ بها كل واحد منهم، ولا يلزم أن يكون أفضلهم على الإطلاق من جميع الجهات، وإلا لم تتعدد النبوات.

ثانيًا: إن الروايات صريحة في أن موسى (عليه السلام) كان أعلم من العبد الصالح الذي تبعه، فتكون أعلمية العبد الصالح بلحاظ المهمة الموكَلة إليه بالخصوص، ولا يلزم أن يكون أعلم من موسى (عليه السلام) من جميع الجهات، بل لقد صرح العبد الصالح في بعضها قائلاً لموسى: [إني وكِّلتُ بأمرٍ لا تطيقُه ووكِّلتَ بأمرٍ لا أطيقُه]. وهذا كاشفٌ عن أن التفاضل بينهما ناشئ من اختلاف الوظيفة الملقاة على عاتقهما، فمقتضى كل وظيفة ومهمة أن يكون كل منهما الأفضل والأكمل في ما عُهِدَ إليه.

ومما يدل على هذا الأمر ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: [لو كنتُ بين موسى وخضر لأخبرتُهما أني أعلم منهما وأنبأتُهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر (عليهما السلام) أُعطِيا علم ما كان، ولم يُعطَيا علم ما يكون وما هو كائن إلى حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة]([23]).

فإن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) إنما كان أفضل الخلق على الإطلاق لشمول دعوته لكافة شؤون الحياة، وعمومها لجميع الناس، مما يحقِّق الكمال الإنساني فيهم، بخلاف دعوات الأنبياء السابقين الذين اقتصرت دعواتهم على ما يناسب أقوامهم فقط.

ثالثًا: إنه لو فرض أن الخضر لم يكن من الأنبياء كما تدل عليه بعض الروايات، فإن ذلك لا يدل على أنه كان أعلم وأقدر من موسى (عليه السلام)، فإن بعضها يدل على أن موسى كان أعلم منه كما تقدم، فيكون علمه منحصرًا في خصوص المهمة الموكَلة إليه، وهي علم الباطن المرتبط بعالم التكوين وخفايا الأمور، وهي لا ترتبط بالمهمة الملقاة على عاتق موسى (عليه السلام)، ولا برسالته، بل هي من المنظور القانوني مخالفة لمقتضيات الدعوة، كخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار في بلد لم يعرهما أية أهمية، ولم يطيعوهما. فمن واجب موسى (عليه السلام) والحال هذه أن يعترض على فعله الذي يستحق المحاسبة والسؤال، وعليه فإنه لو لم يسأله عن ذلك ولم يعترض عليه لكان تقصيرًا منه (عليه السلام).

وبعبارة موجزة: إن موسى (عليه السلام) كان مأمورًا باتِّباع ظواهر الأمور، فإنها هي التي تقوم عليها حياة الناس، وانتظام أمورهم. وأما مهمة العبد الصالح فكانت التعامل مع الباطن الذي ليس له علاقة مباشرة بحياتهم ونظامهم وإن كان لها أثر غير مباشر فيها.

وهذا كله لا دلالة فيه على أفضلية الخضر (عليه السلام) وأعلميته، وبالتالي فلا ينتقض المِلاك المذكور للنبوة.

لماذا اختار هارون

وربما يُثار تساؤل في المقام، وهو أنه لِمَ كان اقتراحه من قبل موسى (عليه السلام)، ولم يرسله الله تعالى مباشرة، من دون حاجة إلى اقتراح موسى (عليه السلام)، فإنه لا داعي له، ما دام الله تعالى مطلعًا على كل شيء. ولماذا أوقع الاختيار على هارون دون سواه.

وفي مقام الإجابة نقول:

إن اختيار الله تعالى لموسى (عليه السلام) للنبوة يكشف عن أنه كان يتمتع بالكمال الإنساني الذي يؤهله لحمل الأمانة الإلهية. ومن جملة مواصفات الكمال حسن التقدير، والقدرة على التدبير، خصوصًا وأن المهمة الملقاة على عاتقه ليست مجرد التبليغ والدعوة، وإنما بالإضافة إلى ذلك قيادة بني إسرائيل، وتدبير شؤونهم على كافة المستويات، لأنهم نتيجة استعبادهم وإذلالهم مدة طويلة من الزمان امتدت لأكثر من ثلاثة قرون، فإن من الطبيعي أن تكون إعادة تشكيلهم كمجتمع وكيان، وتنظيم شؤونهم، عملاً شاقًا وصعبًا على مستوى التنفيذ والتطبيق.

وهنا تتجلى أهمية اقتراح موسى (عليه السلام) ببعث أخيه هارون (عليه السلام)، فهي تدل على دقة الاختيار وحسن التدبير، ولهذا صدر الأمر الإلهي بتأييد هذا الاقتراح وبعثهما معًا. ولا بد من الإشارة إلى أن الله تعالى قد قدَّر ذلك من قبل، إلا أن الآيات الشريفة، أبرزت الأمر على أنه طلب واقتراح من موسى (عليه السلام) لبيان النكتة المشار إليها، وهي بيان حسن التقدير لديه (عليه السلام)، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى تكشف عن أن هارون (عليه السلام) قد بلغ مرتبة من الكمال تؤهله لأن يكون شريكًا في النبوة والدعوة، وهو ما لم يتحقق لدى غيره من بني إسرائيل، ولهذا وقع الاختيار عليه دون سواه، فإن حمل أعباء الرسالة والدعوة لا تتيسَّر لكل إنسان، إذ إن أعباء النبوة، خصوصًا إذا كان لها بُعدٌ إجرائي، لا بد لها من مواصفات خاصة، قال تعالى مخاطبًا نبيه الأعظم (صلى الله عليه وآله): {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}([24])، ومن الواضح أنه لا يستطيع كل إنسان على حمله.

موقع نبوة هارون (ع)

إن مواصفات الكمال، وإن أمكن أن يصل إليها أكثر من شخص، إلا أن هذه الكمالات ذات مراتب أيضًا، يعني أنهم وإن اشتركوا في أصل الكمال الإنساني، إلا أنه يمكن أن تتفاوت درجاتهم الكمالية في أصل تحقيق هذا المعنى.

ويمكن تقريب ذلك باعتصام الماء بالكرية، فإنّا نجد أن عنوان الكرية يعصم الماء عن الانفعال بالنجاسة، ولكنه ينطبق على الكر والحوض والبئر والنهر والبحر وهكذا. ومن الظاهر وجود التفاوت بينها في درجة الاعتصام بعد الفراغ عن تحقق أصله.

وهكذا الحال في الأمور المعنوية والكمالات النفسية فإنها تتفاوت من شخص إلى آخر رغم اتصافهما بأصل تحقيق الكمال، ومن هنا كان حكم العقل بتقديم الأفضل على الفاضل.

بل إنهما لو فُرِضَ تساويهما في الفضل فلا بد من تفاوتهما في ما يترتب عليه من أمور وسلوكيات، يفرضُ ذلك تعدُّدُهما، وتمتعُ كلٍ منهما بذات خاصة لا يشاركه فيها سواه. بل إن مقتضى تنظيم الأمور الحياتية وشؤون الدعوة أن تكون القيادة بيد أحدهما بالضرورة، وإلا أدّى ذلك إلى الاختلاف والفرقة، إن لم يكن بينهما فإنه يكون بين أتباعهما من عامة الناس، وهو ما نراه مستشريًا في الحياة اليومية.

ومن هنا كانت القيادة والرئاسة لموسى (عليه السلام)، وهو الذي اجترح المعجزات على اختلافها، وكانت نبوة هارون (عليه السلام) نبوة خلافة له وتدبير، ومعونة على تنظيم شؤون بني إسرائيل، الخارجين حديثًا إلى الحرية، من التشتت والاستعباد، والنشوء الطويل على أخلاقيات واعتقادات أسيادهم المختلفة.

ولهذا نرى أن الوحي الإلهي، كان متوجِهًا إلى موسى (عليه السلام)، ولم يتحدث القرآن الكريم عن وحي لهارون (عليه السلام) بمعزل عن موسى (عليه السلام).

وأخيرًا:

وهكذا يتبيَّن أنه لا محذور عقليًا في الشراكة في النبوة، فيما إذا كانتا طوليتين، إن لم تكن ضرورية، تقتضيها طبيعة الأحداث والمرسَل إليهم، مما يحتاج إلى مثابرة ومتابعة، وقد ظهرت الحكمة في ذلك من خلال ما حصل معهم، بعدما رأوا من المعجزات التي لا تُبقي مجالاً للشك والريب، فإنهم: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}([25]).

كما أنهم بعدما بيّن تعالى كل ما حصل معهم من بداية رحلتهم وما حصل معهم عند فرعون، وبعد خروجهم، حتى وصولهم إلى جانب الطور وإنزال المَنِّ والسلوى عليهم، فما كان منهم عندما غاب موسى (عليه السلام) عنهم أربعين ليلة إلاّ أن توجَّهوا إلى عبادة العجل([26]). وكل ما تقدّم يؤدّي إلى الجزم بالحاجة إلى نبوة هارون (عليه السلام)، بالشراكة مع نبوة موسى (عليه السلام)، إلا أنها شراكة طولية كما تقدم، تحكُمُها القيادة والخلافة وسدّ الفراغ الطارئ، مما يعني أنها ليست فقط لا محذور فيها وإنما هي ضرورية أيضًا.

وغير خفي أن هذه القضية تسلِّط الضوء على مسألة غاية في الأهمية، وهي التي أظهرها حديث المنزلة، حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): [أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي].

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) تلاحظ سورة الكهف: آية: 65-68.

([2]) لاحظ الآيات في سورة القصص:22-28.

([3]) سورة القصص، آية:21.

([4]) سورة القصص، آية:25.

([5]) سورة القصص، آية:27.

([6]) سورة العنكبوت، آية:31-32.

([7]) سورة هود، آية: 74-75.

([8]) سورة العنكبوت، آية:26.

([9]) سورة طه، آية: 47.

([10]) سورة إبراهيم، آية: 6.

([11]) سورة القصص، آية: 7-8.

([12]) سورة القصص، آية: 15.

([13]) سورة قصص، آية: 14.

([14]) سورة طه، آية: 40.

([15]) سورة القصص، آية: 19.

([16]) سورة القصص، آية: 33.

([17]) سورة القصص، آية: 19.

([18]) سورة طه، آية: 39.

([19]) سورة طه، آية: 41.

([20]) سورة الشعراء، آية: 18.

([21]) سورة القصص، آية: 9.

([22]) سورة الشعراء، آية: 19.

([23]) تفسير نور الثقلين ج3 ص275.

([24]) سورة المزمل، آية:5.

([25]) سورة الأعراف، آية: 138.

([26]) تلاحظ سورة طه، الآيات: 77-97.

 

 

مشروعيَّةُ الاستغاثة

على ضوء العقل والكتاب والسنَّة

الشيخ أحمد الدر

 

 

تمهيد

حفلت المذاهب الإسلامية بالمسائل الخلافيَّة، لاختلاف منابع علومها، وتباين مصادر معارفها، نتيجةَ بُعد معظمِهم عن المنهل العذب الذي شرّعه الله سبحانه لهم، وتنكبِّهم الصراط السويَّ الذي أمرهم بسلوكه، وتركِهِم تركَةَ نبيِّهم التي أمرهم بالتمسُّك بها، حينَ قال لهم -والحديث متواترٌ-: "إنِّي تاركٌ فيكم الثِّقلينِ، كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، ما إنْ تمسَّكتُم بهما لن تضلُّوا بعدي أبدًا"([1]).

وبقيت هذه المسائلُ تتجاذبُها طاولاتُ النِّقاش عبر مرور الأعوام، وتبدُّل الأيام، تشتدُّ تارةً، وتضعُفُ أخرى، بحسب البيئةِ التي تحتضنُها، والسياسة التي تحكمُها.

وليس لأحدٍ أن يُنكرَ تفرُّدَ الشِّيعةِ الإماميَّةِ بالتمسُّكِ بكتابِ اللهِ وعترةِ نبيِّهِ (صلى الله عليه وآله)، ورفضِهِم أيَّ دليلٍ يخالفُهُما، سواءٌ كان قولَ صحابيٍّ أو تابعيٍّ، أو رأيَ عالمٍ من علماء المسلمين.

فلا ترى في عقيدة الشِّيعة الإماميَّة مفردةً إلا ولها دليلٌ في كلام الله وكلام النبيِّ وآله الطاهرين (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين)، فضلاً عن عدم معارضتها لهما.

ومن المسائلِ الخلافيَّة التي دام الاختلافُ فيها إلى يومنا هذا مسألةُ الاستغاثة بغير الله سبحانه، حيثُ عدَّها بعضُ المسلمين ضربًا من ضروب الشرك بقولٍ مطلق!! وبعضٌ جوَّزها بالحيِّ ومنعها بالميت، والبعضُ الآخر رآها سبيلاً من سُبُلِ التقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ.

ومنعًا من الخلطِ بين مسألةِ التوسُّل ومسألة الاستغاثة يحسنُ بنا بيان الفرقِ بينهما، ثمَّ نشرعُ بعرض الأدلَّةِ تِباعًا لنخرجَ بالنتيجةِ التي تصدِّقُ عنوانَ البحث، وهو: مشروعيةُ الاستغاثة على ضوء العقل والكتابِ والسُّنة.

الفرقُ بين التوسُّل والاستغاثة

إنَّ خفاء الفرق بين المسألتين والجهل بمعنى كلٍّ منها دفعَ بعضَهم إلى إصدار حكمٍ موحَّدٍ للمتوسُّلِ والمستغيثِ على حدٍّ سواء، فرماهما بالشِّركِ والضَّلالة جهلاً وجهالة.

والحالُ أنَّ التوسُّل لا يُتصوَّرُ الشركُ فيه عقلاً، فضلاً عن تحقُّقِهِ خارجًا، وهذا ممَّا لا يكادُ يخفى على عاقلٍ انتفع بنعمةِ العقلِ، وقليلٌ ما هم!!

وقبلَ أن نُعَرِّفَ التوسُّلَ والاستغاثةَ، لا بدَّ من تعريفِ الشِّركِ أوَّلاً، لنرى كيفيَّة استحالةِ تصوَّرَ الشِّركِ في التَّوسُّل، لنُثبِتَ لاحقًا استحالةَ تحقُّق الشركِ في الاستغاثةِ بناءً على تعريفِ الإماميَّةِ لها، واعتقادِهم بها.

تعريفُ الشِّرك

 الشركُ: هو أن يُجعلَ مع الله شريكٌ، يشاركهُ في أمرِهِ؛ وبما أنَّ الشركَ يضادُّ التَّوحيدَ، لزمَ انقسامُ الشركِ بحسبِ أقسامِ التَّوحيد.

فقد يكونُ الشركُ في الذَّات الإلهيَّة، كمن يعتقدُ بأنَّ ذاتَ الله مركبَّةً، أو يعتقدُ بمغايرةِ الصِّفات للذات وتأثيرِها مع الذَّات.

وقد يكونُ في العبوديَّة، كمن يعبدُ مع الله سواه، وهو الذي جعلَ مع الله إلهًا آخر.

وقد يكونُ في الفاعليَّةِ والتَّأثيرِ، كمن يعتقِدُ بعدمِ مؤثِّريَّةِ اللهِ وحدَهُ ويضمُّ إليه غيرَهُ، كالَّذين قالوا أنَّ يدَ اللهِ مغلولةٌ، أو الذينَ قالوا بتأثير الكواكب تأثيرًا مستقلَّاً عن الله؛ إلى غير ذلك.

والجامعُ لأقسام الشركِ كلِّها هو الاعتقادُ بأنَّ مع الله سواه، والعياذ بالله سبحانه وتعالى عمَّا يُشركون.

ولذلكَ نجدُ القرآنَ الكريمَ حرِصَ على استخدام كلمة (مع) في الآيات التي تعرَّض فيها للشركِ والمشركين، ومنها:

{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}([2]).

{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً}([3]).

{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}([4]).

{وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}([5]).

إلى غيرها من الآيات الكريمة، هذا؛ وقد تكرَّرَ قوله سبحانه {أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ} في خمسِ آياتٍ متتاليةٍ من سورة النَّمل([6]).

إذن اتَّضح بما قدَّمناهُ أنَّ الشِّركَ من المقولةِ العرْضيَّةِ لا الطُّوليَّة، لأنَّ المعيَّة هي جعلُ غير الله في عرْضِ الله سبحانه، أمَّا جعلُ غير الله إلى الله فلا يُتصوَّرُ فيه الشركُ إلا على القولِ باجتماع النَّقيضين، ولا يقولُ به عاقلٌ مطلقًا، لحكمِ العقلِ باستحالة اجتماعِهما.

وبعد أنْ بيَّنا معنى الشرك، ننتقلُ لبيان معنى التوسُّل والفرقِ بينه وبين الاستغاثة، واستحالة اتِّصاف التَّوسُّل بالشرك كما أسلفنا.

التَّوسُّل

(هو اتخاذُ الوسيلةِ والواسطةِ بينَ المتوسِّلِ والمتوسَّلِ إليه).

فعندما نتوسُّلُ إلى الله، إنَّما نتَّخذُ وسيلةً تقرِّبُنا إلى الله، وتحقِّقُ مُرادنا من الله بشرفِ تلك الوسيلة وجاهِها عند الله سبحانه.

فالتوسُّلُ طلبٌ من الله لا من سواه، لكنَّهُ طلبٌ مشفوعٌ بوسيلةٍ، يعتقدُ الطالبُ أنَّ لها عند الله جاهًا ومقامًا، فإذا قدَّمها بين يدي طلبِهِ وحاجتِهِ من الله كان الطلبُ أكثرَ قَبولاً، والحاجةُ أسرعَ قضاءً.

وذلك ظاهرٌ في أدعية التوسُّل وعبارات المتوسِّلين، كالدُّعاء الوارد في حديث صلاة يوم الغدير: "اللهمَّ إنِّي أسألك بحقِّ محمدِ نبيِّكَ، وعليٍّ وليِّكَ، وبالشَّأنِ والقَدر الذي خَصَصْتَهما به دونَ خلقِكَ، أن تُصلِّيَ عليهما وعلى ذُرِّيتِهما"([7]).

والدعاء المشهور، الذي علَّمه الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) للجعفي، وهو ما رواه الكليني بسند صحيح، عن محمد الجعفي، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنتُ كثيرًا ما أشتكي عيني، فشكوتُ ذلكَ إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: "ألا أعلِّمُكَ دعاءً لِدُنياكَ وآخِرَتِكَ، وَبَلاغًا لِوَجعِ عينيك"؟ قلت: بلى.

قال: تقول في دُبُرِ الفَجر ودُبُر المغرب: "اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بحقِّ محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ عليك صَلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمَّد، واجعل النُّورَ في بَصَري، والبصيرةَ في دِيني، واليقينَ في قلبي، والإخلاصَ في عَمَلي، والسَّلامةَ في نفسي، والسَّعَةَ في رِزقي، والشُّكرَ لك أبدًا ما أبقيتني"([8]).

ودعاءِ باقرِ علومِ الأنبياء والأوصياء (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين)، المروي في الكافي بسندٍ صحيحٍ، عن أبي عبيدة الحذَّاء، قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول -وهو ساجد-: "أسألكَ بحَقِّ حبيبِكَ محمِّدٍ إلا بدَّلتَ سيِّئاتي حسنات، وحاسَبْتَني حِسابًا يسيرًا".

ثمَّ قال في الثَّانية: "أسألُكَ بحقِّ حبيبِكَ محمَّدٍ إلا كَفَيتني مَؤُونةَ الدُّنيا، وكلَّ هولٍ دونَ الجَنَّة".

وقال في الثالثة: "أسألُكَ بحقِّ حبيبِكَ محمَّدٍ لَمَّا غَفَرْت لي الكثيرَ من الذُّنوبِ والقليل، وقبلتَ منِّي عملي اليسير".

ثمَّ قال في الرَّابعة: "أسألُكَ بحقِّ حبيبِكَ محمَّدٍ لَمَّا أدخلتني الجَنَّة، وجعلتني من سُكَّانها، ولَمَّا نَجَّيتني من سَفَعَات النَّار برحمتك، وصلى اللهُ على مُحَمَّدٍ وآلِهِ"([9]).

 ومن هنا قلنا: لا يُمكنُ تصوُّرُ الشِّركَ في التوسُّل، لكون الشركِ اتخاذَ غيرِ الله مع الله، أمَّا التوسُّلُ فهو اتخاذُ غيرِ الله إلى الله.

ونكتفي بهذا المقدار في التوسُّلِ لوضوح حاله من جهةٍ، ولكون موضوعِنا هو الاستغاثةُ من جهة أخرى.

الاستغاثة في اللغة:

الغوثُ: مِنَ الإعانةِ والنُّصرةِ عند الشِّدَّة([10]).

وغَوَّثَ الرجلُ، واسْتَغاثَ، صاحَ: وا غَوْثاه. والاسمُ: الغَوْث، والغُواثُ، والغَواثُ.

واسْتغاثَني فلانٌ فأَغَثْتُه، والاسم الغِياثُ، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها([11]).

الاستغاثة في الاصطلاح:

عُرِّفَت الاستغاثة بتعاريفَ عدَّةٍ، بحسبِ اختلافِ المشارب والمذاهب، ولا يهمُّنا التَّحقيقِ في تلك التَّعاريف، ولا تمييز صحيحِها من سقيمِها، بل المهمُّ تعريفُ الاستغاثة على ضوء عقيدةِ الشِّيعةِ الإماميَّة (أعزهم الله سبحانه)، لنُثبتَ أنَّها موافقةٌ للكتابِ والعترةِ الطاهرة، مؤيَّدةً بالعقلِ وسيرةِ العقلاء.

ومن هنا كان تعريف الاستغاثة عندنا:

"هي طلبُ الغوثِ ممَّن يُعتقَدُ بقدرتِهِ على الإغاثةِ، بإقدارٍ من الله سبحانه".

وبناءً على التعريف المذكور:

أولاً: لا يُتصوَّرُ الشركُ في الاستغاثة بغير الله سبحانه، لأنها -كما تبيَّن من خلالِ تعريفها- هي استغاثةٌ طوليَّةٌ، وليست في عَرْض الله تعالى، حيث اشترطنا الاعتقاد بكون المُقدْرِ على الإغاثة هو الله لا سواه.

ثانيًا: لا تصحُّ الاستغاثةُ بمن لم يُقدْرهُ الله عزَّ وجلَّ على الإغاثة، فلا يصح الاستغاثة من نار جهنم بشخصٍ لم يُقدره الله تعالى على ذلك، وإلاّ كانت لغوًا محضًا، وإن لم تكن شركًا كما لا يخفى.

ثالثًا: لا فرق في تحقُّق الاستغاثة بين أن يكون المستغاثُ به حيًَّا أو ميتًا، بشرط أن تَثبُتَ له القدرة على الإغاثة بعد موته، وهذا ما سنبيِّنه لاحقًا.

ولازمُ التَّعريفِ أنَّ تصوَّرَ الشِّركِ في الاستغاثةِ ممكنٌ إنْ أخلَّ المستغيثُ بالشرط الثاني، وهو الاعتقاد بأنَّ إغاثةَ الغيرِ إنَّما كانت بإقدارٍ من الله سبحانه.

فلو كان المستغيثُ يعتقدُ بأنَّ المستغاثَ به قادرٌ على إغاثتِهِ بقدرةٍ مستقلَّةٍ عن قدرة الله تعالى لكان مشركًا بلا خلاف.

وعدمُ التفريقِ بين المقامين أوقع بعضَ المسلمين بالظلمِ والبهتان، فرموا كلَّ مستغيثٍ بغير الله بالشرك، دون تمييزٍ بين من يعتقدُ بأنَّ القدرة المطلقة لله سبحانه لا لسواه، ومن يعتقدُ بقدرة غير الله مستقِلاً عن الله.

تنبيه

لا يخفى أنَّنا بملاحظة تعريف الاستغاثة استغنينا عن استعراض ومناقشة أدلَّة المانعين من الاستغاثة القائلين بحُرمتها، كابن تيمية وأضرابه، لكون جميع أدلَّتهم قائمةً على إرجاع الاستغاثة إلى الشرك!!

وأنت خبيرٌ بأنَّنا بعدما قدَّمناه -من تعريف الشرك والتوسل والاستغاثة- عادت أدلَّتهم خاويةً بالية، لا تعدو كونها مصادراتٍ وتحريفًا للكَلِمِ عن مواضعِهِ.

أدلَّةُ مشروعيَّة الاستغاثة

امتازَ مذهب أهل البيت (سلامُ اللهِ عليهم) بتعدُّد الأدلَّة والبراهين على مسائله، فترى القرآن والحديثَ معتضدَيْن بالعقل حاضرين في جميع المسائل الاعتقاديَّة عند الشيعة الإماميَّة.

ولا سيَّما الخلافيَّة منها، مع إضافةٍ فيها، وهي جعلُ أدلَّةَ المخالفين دليلاً عليهم لا لهم، مبالغةً في إظهار الحقِّ، وإسداءِ النُّصح، طلبًا لمرضاة الله ومرضاة أوليائه الطاهرين (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).

ومسألتُنا التي نحن فيها من هذا القبيل، وسنستعرضُ أدلَّتها تباعًا، مقدِّمينَ الدليلَ الأعم على غيره، بالترتيبَ التالي:

الأول: الدليل العقلي

الثَّاني: سيرةُ العقلاء

الثالث: الدليل النقلي

القرآن

روايات الإمامية

روايات المخالفين

الدَّليلُ العقلي

لَمَّا كانت الإستغاثة من المسلَّمات عندَ العقل والعُقلاء، لم نحتج لبسط الكلام في بيان الدليل العقلي والعُقلائي عليها، فنكتفي بمختصرٍ في كلٍّ منهما، يُثبتُ المرادَ ويُحقِّقُ الغاية.

يحكمُ العقلُ بقبح العقاب بلا بيان، أي يقبحُ من المولى معاقبةُ عبدِهِ على ارتكاب فعلٍ لم يُبَيِّن له النَّهي عنه، أو على ترك فعلٍ لم يُبيِّن لهُ الأمرَ به.

وعليه، فما لم يرد نهيٌّ -من الشرع المقدَّس- عن فعلٍ ما، نستكشفُ إباحةَ هذا الفعل وعدمَ حرمته بمقتضى القاعدة العقليَّة المذكورة.

نعم، لا إشكال في وجوب البحث والفحص عن الحكم في المسألة قبل اللجوء إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإذا كانت نتيجة البحث سلبيَّةً جرت القاعدة، وإلا انتفت بانتفاء موضوعها.

وستعلم قريبًا أنَّ ما استُدلَّ به على حرمةِ الاستغاثة أجنبيٌّ بعيدٌ كلَّ البعد عن الاستغاثة التي نعتقد بها.

ممَّا يحقِّقُ لنا موضوع القاعدة العقلية، وهو انتفاءُ البيان، لعدمِ وجودِ دليلٍ شرعيٍّ ينهى عن الاستغاثة، فيُطبِّقُ العقلُ حكمَهُ: يقبحُ العقابُ بلا بيان؛ وتثبُتُ مشروعيَّةُ الاستغاثة بالدليل العقلي.

الدليل العقلائي

لقد جَرَت سيرةُ العقلاء على استغاثة النَّاس ببعضهم البعض، فالجاهل يستغيث بالعالم، والمريضُ يستغيثُ بالطبيب، والضعيف يستغيثُ بالقوي، ونحو ذلك.

ولا يستغيثون بهم اعتقادًا بأنَّهم آلهةٌ! أو في عَرْض الله سبحانه!! بل بما هم يملكون ما يفقده المستغيث.

ونفسُ هذه السيرة جاريةٌ بين الموحِّدين والمسلمين والمؤمنين إلى يومنا هذا، فترى الجاهلَ يقصدُ العالمَ ويطلبُ منه تعليمه؛ والمريضَ يقصدُ الطَّبيبَ ويطلبُ منه معالجتَه؛ والضعيفَ يلجأُ إلى القويِّ ويطلبُ منه الانتصار له؛ وهكذا.

ولم يردْ في أيِّ شريعة من الشرائع السماويَّة نهيٌ عن هذه السيرة، كما سننبِّهُ عليه في مناقشة ما زعموه من أدلةٍ على المنع.

وجريان هذه السيرةِ على مرأىً ومسمعٍ من المعصوم (عليه السلام) مع عدم صدور الردع عنها، كافٍ في إثبات مشروعيَّتها، إذ لو لم تكن ممضاةً عندهم (عليهم السلام) لردعوا عنها ومنعوا منها.

بل ستعرف قريبًا أنَّهم (سلامُ اللهِ عليهم) أدَّبوا المسلمين على هذه السيرة، وحثُّوهم عليها، كما في الأدعية التي كانوا يعلمونهم إيَّاها.

الدليل النقلي

وهو منحصرٌ بالقرآن والعترة الطاهرة عندنا، لكونهما الناطقَين عن الله سبحانه، كما تفيدهُ الأدلةُ المتواترة، من قبيل حديث الثقلين، وغيره.

وأمَّا عند المخالفين فالدليل النَّقليُّ عندهم سنَّةُ النبيِّ (صلى الله عليه وآله) وقولُ الصَّحابي، على اختلاف بينهم في وجوه حجية قول الصحابي، كما يظهر لمن راجع المطوَّلات من مصنَّفاتهم الفقهية ونحوها.

وها نحنُ نستعرضُ الأدلَّة النقليَّةَ مبتدئين بأشرفها، وهو القرآن الكريم.

القرآن يُقرُّ الاستغاثةَ المذكورة

إنَّ القرآن الكريم هو المرجعُ الأولُ الذي أُمرنا بالرجوع إليه في أمور ديننا، واتفقَ المسلمون على ذلك رغم اختلاف فِرَقهم، وتعدُّد مذاهبهم، ومن هنا كان الواجبُ على كلِّ مسلمٍ التسليمَ بما جاء في الكتاب العزيز، وعدم ردِّه مطلقًا، إلا في المتشابه فيُرجعُ فيه إلى من كان القرآنُ آياتٍ بيِّناتٍ في صدورهم.

ومن ردَّ شيئًا منه فقد حكم على نفسه بالكفرِ والجحود -والعياذ بالله سبحانه- بدليل نصِّ القرآن والسنِّة المتواترةِ وإجماع المسلمين كافَّة.

ونحنُ إذا رجعنا إلى كتاب الله تعالى نجدُهُ صريحًا في إمضاء الاستغاثة، كما في الآيات التي تحكي قصَّة نبي الله موسى (على نبيِّنا وآله وعليه السلام) مع الرجلِ الذي استغاث به.

يقولُ الله سبحانه: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}([12]).

وتقريبُ الاستدلال بهذه الآية الكريمة:

أولاً: لقد نصَّ القرآن الكريم على أنَّ الرجل استغاث بموسى (عليه السلام)، ولم يستغث بالله تعالى.

ثانيًا: لم ينقل القرآنَ اعتراض موسى (عليه السلام) على الرجل، بأنَّه كيف تستغيثُ بي دون الله سبحانه؟!! وسكوتُ نبي الله عن ذلك إمضاءٌ لفعل الرجل.

ثالثًا: لقد أخبرنا الله سبحانه بأنَّ موسى استجاب لاستغاثة الرجل، مما يعني أنَّه أقرَّهُ عملاً، فضلاً عن الإمضاء كما تقدم.

رابعًا: لم يُسجل القرآنُ اعتراضَ الله سبحانه على استغاثة الرجل بغير الله، ولو كانت شركًا أو ضلالاً لكان ينبغي أن ينبِّه عليه، لأنَّ القرآن لا يقرُّ باطلاً والعياذُ بالله.

خامسًا: لم ترد أيُّ آيةٍ في القرآن -في موضعٍ آخر- تصرِّحُ أو تلْمِحُ إلى الاعتراض على هذه الاستغاثة، أو تنهى عنها، كما جاء النهيُ عن الصلاة على المنافقين.

النتيجة: أقرَّ القرآن الكريمُ الاستغاثةَ بغير الله سبحانه، ولا بدَّ لنا من إضافة قيدٍ لهذا الإقرار وهو أن تكون الاستغاثةُ جاريةً على السيرة العقلائية، فلا يدخلُ فيها الاستغاثةُ بغير الله اعتقادًا بأنَّ غير الله له قدرةٌ مستقلَّةٌ عن الله تعالى، لكونِ ذلك شركًا بلا خلاف.

وعليه، فمن منع الاستغاثةَ بغير الله مطلقًا فقد ردَّ على القرآن، والرادُّ على القرآن رادٌّ على الله سبحانه، وهو الكفرُ بعينه.

وهناك آياتٌ أُخَرُ تدلُّ على العنوان، كآيات معجزة نبيِّ الله عيسى (على نبيِّنا وآله وعليه السلام)، حيث كانوا يستغيثون بنبي الله لإحياء موتاهم وشفاء مرضاهم، فكان يغيثهم بإذن الله، واستعراض تلك الآيات وتفصيل الكلام فيها يُطلبُ من مظانِّه.

ففيما ذكرنا الكفاية لمن كان طالبًا للهداية، مجانبًا لسُبُل أهل الغِواية.

السُّنَةُ النبويَّةُ تُقرُّ الاستغاثةَ بل وتأمر بها

كثيرةٌ جدًا هي الروايات الشَّريفةُ الواردةُ عن عِدل الكتاب، وهم النبيُّ وآله (صلى الله عليه وآله) في إقرار الاستغاثة، بل الأمر بها، الدالِّ على استحبابها للشارعِ المقدَّس.

بل كذلك الروايات الواردة عن الصَّحابة الأجلَّاء وغيرهم.

وفيما يلي عرضٌ لِباقةٍ روائيَّةٍ من رياض التراث الرِّوائيِّ الإمامي الشريف، وإنْ كانت مسألة الاستغاثةِ عندنا من بديهيَّات التشيُّع، قولاً وعملاً.

روايات الإستغاثة في التراث الإماميِّ

لا خلاف بين أحدٍ من فقهاء الطَّائفة الحَقَّة في جواز الاستغاثة بالنبيِّ وآله (صلى الله عليه وآله)، بل وبغيرهم بالشرط المتقدِّم في تعريف الاستغاثة.

وقد حفلت كتبهم ومصنَّفاتهم بذكر روايات الاستغاثة، أدعيةً وزياراتٍ ونحوها، بدءًا بأهمِّ كتبها وهو كتاب الكافي وصولاً إلى المؤلَّفات المعاصرة.

ودعونا نتبرَّكُ بذِكر خمس رواياتٍ منها تيمُّنًا بالخمسة أصحاب الكساء (سلامُ اللهِ عليهم)، يثبتُ بها العنوان، ويتحققُ المطلوب.

الروايةُ الأولى: نقشُ خاتم الإمام العسكري (سلامُ اللهِ عليه)

روى الشيخُ الصَّدوق (رضوانُ اللهِ عليه) بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مهزيار -وهو من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)- حديثَ لقائِهِ بالإمام الحجَّةِ #، وصدرُ الحديث يحكي كيفية لقاء ابن مهزيار برسول الإمام الحجَّة (أرواحنا له الفدا)، وسؤال الرسول عن العلامة التي مع ابن مهزيار، فقال له إبراهيم بن مهزيار: "لعلَّكَ تُريدُ الخاتم الذي آثَرَني اللهُ به من الطَّيِّبِ أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)؟

فقال: ما أردتُّ سواه، فأخرجتُهُ إليه، فلمَّا نَظَرَ إليه استعبر وقَبَّله، ثمَّ قرأَ كتابَتَهُ، فكانت: يا اللهُ يا محمَّدُ يا علِيُّ.

ثم قال: بأبي يدًا طالما جِلْتَ فيها..."([13]).

محلُّ الشاهد: جعلُ الإمام المعصوم (عليه السلام) نقشَ خاتَمِهِ استغاثةً بالله ونبيِّه ووليِّه.

الروايةُ الثانية: زيارة المعصومة (عليها السلام)

وهي السيِّدةُ الطاهرةُ العالمةُ فاطمة بنتُ موسى بن جعفر، أختُ الإمام السلطان عليِّ الرضا (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين)، التي شرَّفت مدينةَ قم مُذْ نزلت فيها، وبها أصبحت حرمًا لآل محمد (صلى الله عليه وآله).

شَرُفَت فكانت في الحديثِ المُسنَدِ
ودَنَت لتلثمَها السَّما مُذ ضُمِّنت
هي بنتُ موسى لا الكليمُ بل الذي

 

 

حرمًا لآل البيتِ آلِ محمَّدِ
ريحانةً تُنمى لِعِترةِ أحمدِ
خرَّ الكليمُ لنورِهِ المتوقَّدِ([14])

 

أوردَ زيارتها العلَّامةُ المجلسي (رضوانُ اللهِ عليه) بسندٍ صحيحٍ أعلائيٍّ عن الرضا (سلامُ اللهِ عليه)، قال: "يا سعدُ! عندكم لنا قبرٌ".

قلت: جُعِلْتُ فداك، قبرُ فاطمةَ بنتِ موسى (عليهما السلام)؟

قال: "نعم، من زارها عارفا بحقها فله الجَنَّة، فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها، مستقبلَ القِبلة، وكبِّر أربعًا وثلاثين تكبيرةً، وسبِّح ثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، واحْمَدِ ثلاثًا وثلاثين تحميدةً، ثمَّ قل: السلام على آدم صفوة الله... [إلى قوله]: يا فاطمةُ اشفعي لي في الجنَّة..."الزيارة([15]).

وزيارتُها هذه (صلوات الله عليها) عاليةُ المضامين، محكمةُ المباني، مُتقنةُ المعاني، سطورُها تدلُّ على صدورِها، ولنا شرحٌ بليغٌ عليها نسألُ الله التَّوفيقَ لإتمامه.

محلُّ الشاهد: الاستغاثةُ بمولاتنا المعصومة فاطمةَ بنتِ موسى (سلامُ اللهِ عليهما).

الروايةُ الثالثة: دعاء التَّوسُّل

وهو دعاءٌ جليل في التوسُّل والاستغاثة، مرويٌّ عن أئمَّتنا (صلواتُ اللهِ عليهم)، أورده العلَّامة المجلسيُّ (رضوانُ اللهِ عليه) في بحاره([16])، قائلاً:

وجدت في نسخة قديمة من مؤلفات بعض أصحابنا (رضي الله عنهم) ما هذا لفظه:

هذا الدُّعاءُ رواه محمدُ بنُ بابويه([17]) (رحمه الله) عن الأئمة (عليهم السلام)([18])، وقال: ما دعوتُ في أمرٍ إلا رأيتُ سرعةَ الإجابة، وهو:

"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد ((صلى الله عليه وآله))، يا أبا القاسم! يا رسول الله! يا إمام الرحمة! يا سيدنا ومولانا! إنَّا توجَّهنا، واستشفعنا، وتوسَّلنا بك إلى الله، وقدَّمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهًا عند الله! اشفع لنا عند الله..."الدعاء.

وهو يعدِّدُ المعصومين الأربعةَ عشرَ واحدًا تلو الآخر، بدءًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتهاءً بخاتم الأئمَّة المهدي (عجَّل الله اليُمنَ بلقائه)، ويتوسُّل بهم فردًا فردًا، ثم يتوسَّل بهم جمعًا.

وهذا الدُّعاءُ له قداستُهُ عند المسلمينَ الشيعةِ (أعزَّهم الله)، يدمنون تلاوتَهُ في بيوتهم ومساجدهم وحسينيَّاتهم، ولَكَم فرَّجَ الله به عنهم، وقضى حاجاتهم، ببركةِ محمدٍ وآلِ محمدٍ (صلى الله عليه وآله).

الروايةُ الرَّابعة: يا مولاتي فاطمةُ أغيثيني

روى الفقيهُ الجليلُ الشيخ سليمان بن الحسن الصهرشتي -وهو من تلامذة السيد المرتضى وشيخ الطائفة (رضوانُ اللهِ عليهم)- في كتابه: قبس المصباح، عن المحدِّث الجليل المفَضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إذا كانت لك حاجةٌ إلى الله، وضِقتَ بها ذَرْعًا، فَصَلِّ ركعتين، فإذا سلَّمت كَبِّر اللهَ ثلاثًا، وسَبِّحْ تسبيحَ فاطمةَ (عليها السلام).

ثمَّ اسجد وقل مائة مرة: يا مولاتي فاطمةُ أغيثيني([19]).

ثمَّ ضعْ خدَّكَ الأيمنَ على الأرض، وقل مثل ذلك، ثم عُدْ إلى السجود، وقل ذلكَ مائةَ مرةٍ وعشرَ مرَّات، واذكر حاجتَكَ، فإنَّ الله يقضيها"([20]).

الروايةُ الخامسة: استغاثةُ الأئمَّة بأمَّهم الزهراء (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين)

روى ثِقةُ الإسلام الكليني (رضوانُ اللهِ عليه) بسندٍ صحيحٍ عن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ([21])، قال: قال لي: "إنِّي لموعوكٌ منذ سبعةِ أشهر، ولقد وعكَ ابني اثني عَشَرَ شهرًا، وهي تَضاعفُ علينا، أشْعَرتُ أنَّها لا تأخذُ في الجسد كلِّهِ، وربما أخذت في أعلى الجسدِ ولم تأخذْ في أسفَلِهِ، وربَّما أخَذَت في أسفَلِهِ ولم تأخذْ في أعلى الجسدِ كلِّهِ".

قلت: جُعِلتُ فداك، إنْ أذنتَ لي حدَّثتُكَ بحديثٍ عن أبي بصير، عن جدِّكَ أنَّهُ كان إذا وعكَ استعانَ بالماء البارد، فيكونُ له ثوبان، ثوبٌ على جسده، وثوبٌ في الماء، يُراوِحُ بينهما، ثمَّ ينادي -حتى يُسمَعَ صوتُهُ على بابِ الدار-: "يا فاطمةُ بنتَ محمَّد"؟!

فقال: "صَدَقَ".

فقلت: جُعلتُ فداك، فما وجدتُّم للحُمَّى عندَكُم دواءً؟!

فقال: "ما وجدنا لها عندنا دواءً إلا الدُّعاءَ والماءَ البارد.

إنِّي اشتكيتُ، فأرسل إليَّ محمدُ بنُ إبراهيمَ بطبيبٍ له، فجاءَني بدواءٍ فيه قَيٌ، فأبيتُ أن أشرَبَهُ، لأنِّي إذا قييتُ زالَ كلُّ مِفصَلٍ عنِّي"([22]).

والمرادُ بالدعاء استغاثتهم (عليهم السلام) بأمِّهم فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو محلُّ الشاهد.

ونكتفي بهذا المقدار من الرِّوايات الشريفة في باب الاستغاثة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتب الأدعية والزيارات فهي عابقة برياحينها، فوَّاحةٌ بشذاها.

رواياتُ الاستغاثة في التراث المخالف

يتعجَّب المتتبِّعُ لأقوال المخالفين وآرائهم في الاستغاثة، فقولٌ حرَّم الاستغاثة بغير الله مطلقًا، وقولٌ خصَّ الحرمةَ بالاستغاثة بالميت دون الحي، وقولٌ جوَّز الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وآله) دون غيره، إلى غيرها من الأقوال التي تكشف عن الأهوائيَّة التي عبثت بدين الله وشرعه!!

ويزدادُ المرءُ تعجُّبًا عندما يجدُ أنَّ مصادرَهم حافلةٌ بالأدلَّة النافيةِ لأقوالهم، المثبتة لنقيضِها، فيثبت التناقض بين الدليل المفترض والنتيجة المعتمدة.

وها نحنُ نستعرضُ شطرًا من رواياتهم الدالَّة على مشروعيَّة الاستغاثة مطلقًا، بالنبي (صلى الله عليه وآله) وغيره، حيًا كان أم ميِّتًا، مع الالتفات لتعريف الاستغاثة الآنف الذكر.

الرواية الأولى: استغاثة الصحابي بالنبي في قبره!

روى ابن أبي شيبة الكوفي (المتوفى سنة 235هـ) في مصنَّفه قائلاً: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار -وكان خازنَ عمر- قال: أصاب النَّاسَ قحطٌ في زمن عُمَر، فجاء رجلٌ إلى قبر النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال: يا رسول الله! استسق لأمَّتك، فإنَّهم قد هلكوا.

فأتى الرجلَ في المنام، فقال له ائت عمر... الحديث([23]).

ومحلُّ الشاهد في الحديث هو الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وآله) في قبره، على مرأى ومسمعٍ من الصَّحابة!! فيدلُّ على مشروعيَّة الاستغاثة عندهم جزمًا، مع الالتفات لكونها استغاثة بالميت، وهي غايةُ هذا الباب.

غير أنَّ الاستدلال بهذا الحديث يتوقَّفُ على أمرين:

الأول: إثباتُ صحة السند

والثاني: معرفةُ هوية الرجل المستغيث

أمَّا السند: فلا إشكال في صحَّته بناءً على مبانيهم، بل نصَّ إمامهم ابن حجر على صحَّته بقوله: وروى ابن أبي شبية بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمَّان عن مالك الدار...ثم ذكَرَ هذا الحديث([24]).

ومالكُ الدَّار: هو مالك بن عياض، له إدراك، أي كان صغيرًا يوم أدرك النبي ((صلى الله عليه وآله))([25])، روى عن أبي بكر وعمر([26])، وروى عنه أربعةٌ من ثقاتهم([27])، بل ذكرهُ ابن حبَّان في الثِّقات([28]).

هذا، ولا مجالَ للطعن فيه عندهم، لأنَّ الطعنَ فيه طعنٌ في عمر وعثمان، فمالك الدار هذا كان ثقة عمر وعثمان، ولذلكَ ولَّياه بعضَ أمورهما([29])، بل كان عمر يعدُّ مالكًا من آلِه([30])!!

ومن أراد تفصيلاً أكثر حولَ حجيَّة سند هذا الحديث عندهم فليرجع إلى كتاب (رفع المنارة)، فلقد بحث الرواية سندًا بحثًا وافيًا([31]).

وامَّا هوية الرجل المستغيث، فهو الصحابي بلال بن الحرث المزَنِي، ذكر ذلك إمامهم ابن حجر في شرحه([32]).

ولو فرضنا جهالتَهُ فهي لا تقدح في الاستدلال بالرواية، حيثُ أقرَّه سيِّدُهم عمر - كما جاء في الحديث- ولم يعترض عليه، بل لم يُنقل اعتراضُ أحدٍ من الصحابة عليه، وهذا إقرار لا يتطرَّقُ إليه الإنكار.

أقول: ولو لم يرد في كتبهم غير صحيحتهم هذه لكانت فيها الكفاية وحصول الغاية بثبوت مشروعيَّة الاستغاثة بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله) بعد موته، فضلاً عن حياته.

الرواية الثانية:

روى إمامهم البخاري في صحيحه، بإسناده عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "ما يزالُ الرجلُ يسألُ الناسَ حتى يأتي يومَ القيامة ليس في وجهه مزعة لحم".

وقال: "إنَّ الشمسَ تدنو يومَ القيامة، حتَّى يبلغَ العَرَقُ نصفَ الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثمَّ بموسى، ثمَّ بمحمَّد (صلى الله عليه [وآله] وسلم)".

وزاد عبد الله: حدثني الليث، قال: حدثني ابن أبي جعفر: "فيشفع، ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذٍ يبعثُهُ الله مقامًا محمودًا، يحمَدُهُ أهلُ الجمع كلُّهم ([33]).

وهذا الحديث من أبلغ أحاديثهم في مشروعيَّة الاستغاثة، حيثُ إنَّه يخبرُ بأنَّ الناس يوم المحشر، يوم {لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}([34])، يوم {لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}([35])، يستغيثون بغير الله، بآدم فلا يؤذنُ له بإغاثتهم، ثمَّ بموسى فلا يؤذنُ له كذلك، ثم بمحمد (صلى الله عليه وآله) فيؤذنُ له.

الرواية الثالثة: استغاثة هاجر (رضوانُ اللهِ عليها)

روى إمامهم البخاري في صحيحه، بإسناده عن ابن عباس، قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيِّها حتى قدم مكة، فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله...

[إلى أن قال]: فذهبَتْ فصعَدَتْ الصَّفا، فنظَرَت ونظَرَت، فلم تحسَّ أحدًا، حتى أتمَّت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما فعل، فإذا هي بصوتٍ! فقالت: أغثْ إن كان عندكَ خير.

فإذا جبريل، قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض، قال: فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفر.

قال: فقال أبو القاسم (صلى الله عليه [وآله] وسلم: لو تركته كان الماء ظاهرًا...الحديث"([36]).

ومحلُّ الشاهد استغاثتُها بصاحب الصوت الذي سمعَتْه، مع نقل النبيِّ (صلى الله عليه وآله) لاستغاثتها دون الاعتراض عليها.

وتوهُّمُ أنَّها استغاثت بالله سبحانه ظاهرُ الفساد، لكونها استغاثت بمن أصدر صوتًا، مضافًا لقولها: إن كان عندك خير!!

الرِّواية الرابعة: أعينوا عبادَ الله

روى الطبراني عن الثِّقات، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: "إنَّ لله ملائكةً في الأرض سوى الحفظة، يكتبونَ ما يسقطُ من ورَقِ الشَّجرِ، فإذا أصاب أحدَكُم عُرجةً([37]) بأرض فلاة، فليُنادِ: أعينوا عباد الله"([38]).

وأخرجَهُ البيهقي في شُعب الإيمان، وفيه: "فإذا أصابَ أحدَكُم عُرجةٌ في الأرض، لا يقدرُ فيها على الأعوان، فليَصحْ فليَقُلْ: عبادَ الله أغيثونا! أو: أعينونا رحمكم الله، فإنه سَيُعانُ"([39]).

وروى الطبراني نحوه، وقال بعده: وقد جُرِّبَ ذلك([40]).

وقال الحافظ ابن حجر -في حاشيته على إيضاح المناسك-: وهو مجرَّبٌ كما قاله الراوي للحديث([41]).

والحديث صريحٌ في مشروعيَّة الاستغاثة بالملائكة، وطلب العون منهم، بل يدلُّ على أنَّ الاستغاثةَ بغير الله قد تكون أدبًا من آداب الله، فالنبي (صلى الله عليه وآله) علَّمَ أصحابه هذه الاستغاثة، ووعدهم بالإغاثة.

وسنَدُهُ كما أفدنا، لا غبار عليه، ولو أمكن النقاش في بعض رجال السَّنَد فإنَّ عملَ أئمَّتهم وفقهائهم -كالطبراني وابن حجر وغيرهم- كاشفٌ عن اعتبار الحديث عندهم، وهذا أبلغُ من تصحيح السند بتوثيق الرواة.

بل رووا بالإسناد الصحيح([42]) عن إمامهم أحمد بن حنبل أنَّه قال: (حَجَجْتُ خمسَ حِجَجٍ منها ثنتين راكبًا وثلاثة ماشيًا، أو ثنتين ماشيًا وثلاثة راكبًا.

فَضَلَلْتُ الطريقَ في حِجَّةٍ، وكنتُ ماشيًا، فجعلتُ أقول: يا عبادَ الله دلُّونا على الطَّريق، فلم أزلْ أقولُ ذلك حتى وقعْتُ على الطَّريق) ([43]).

الرواية الخامسة: استغاثة عائشة، وعام الفتق!

روى الدَّارمي في سُنَنِهِ، بإسناده عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله، قال: قُحطَ أهلُ المدينة قحطًا شديدًا، فشَكَوْا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبرَ النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلم)، فاجعلوا منه كوى إلى السماء، حتى لا يكونَ بينَهُ وبينَ السَّماءِ سقُفٌ.

قال: ففعلوا، فمُطِرنا مَطَرًا، حتَّى نبتَ العُشبُ، وسمنت الإبلُ، حتَّى تفتَّقت من الشحم، فسُمِّيَ عام الفَتْق([44]).

وسند الحديث صحيح كما يظهرُ لمن راجع رجاله، ومن شاء الوقوف على تفصيل رجال السند وتعديلهم، والجواب على جهالات الألباني فليراجع كتاب رفع المنارة([45]).

أمَّا محلُّ الشاهد في الحديث فهو أمرُ عائشة لأهل المدينة بالاستغاثة بقبر النبيِّ (صلى الله عليه وآله)!!

والقدرُ المتيقَّنُ منه أنَّه استغاثةٌ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في قبره، مع أنَّ الظاهر كونه استغاثةً بقبر النبي فضلاً عن الاستغاثة به (صلى الله عليه وآله).

وهو صريح بمشروعية الاستغاثة بل بكونها من بديهيَّات المسلمين منذ ذلك الزمن كما لا يخفى، حيث ساراعوا لامتثال أمرها، وعاينوا أثر الاستغاثة بأعينهم، وتناقلوها كرامةً للنبيِّ (صلى الله عليه وآله).

وبما استعرضناه من روايات الاستغاثة من الطُرُق المعتبرة لدى الشيعة والسنة ثبَتَ العنوان وتحقَّقَ المراد، وبانَ أنَّ الاستغاثةَ سيرةُ المسلمين منذ عهد النبيِّ (صلى الله عليه وآله) وإلى يومنا هذا، لم يردع عنها أحدٌ، بل جاء التأييدُ لها، بل الأمر بها.

نعم، بقي علينا أن نُنبِّهَ على إشكاليَّةٍ أثارها بعضهم، جهلاً بالواقع أو تجاهلاً له وجهالة، وهي إشكالية الاستغاثة بالميت.

مشروعيَّة الاستغاثة بالميِّت والحيِّ سيَّان

لا يكادُ ينقضي التَّعَجُّب ممَّن فرَّق بين الاستغاثة بالحيِّ والاستغاثة بالميت، فأجازها في الأول وحرَّمها في الثاني، وهو تحكُّمٌ محضٌ، وترجيحٌ بدون مرجِّح.

لأنَّ منشأَ حرمةِ الاستغاثة بغير الله -عند القائلين بالحرمة- رجوع الاستغاثة إلى الشرك، وليس ثمَّةَ وجهٌ للتفريق بين الشرك بالحيِّ والشرك بالميت!! فالشركُ حرامٌ مطلقًا.

ولو سلَّمنا بوجود الشبهة لديهم، أفلم يجدوا في الأحاديث الصحيحة التي أوردنا بعضها ما ينفي توهَّمَهم ويرفعُ جهلهم؟!

فصحيحة مالك الدَّار التي تقدَّم ذكرها صريحةٌ في جواز الاستغاثة بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله) بعد موته، بل ظاهرةٌ في كون ذلك من المسلَّمات عند الصحابة والتابعين، إذ لم يُنقل اعتراض أحدٍ منهم على الصحابي بلال المزَني، حتى سيدُهُم عمر!

بل نقول: حتى لو لم ترد الرواية بمشروعية الاستغاثة بالميت فلا مجال لدعوى الحرمة، إذ الأصل يقتضي الإباحة ما لم يرد النهي.

والجهل بكيفيَّة إغاثته لنا لا يستلزم انتفاءها، فقد يكون بدعائِهِ لنا، وقد يكون بغير ذلك، والمهم في المقام أن يكون قادرًا على إغاثتنا بإقدارٍ من الله سبحانه، لا لنُثبتَ مشروعيَّة الاستغاثة بالميت، بل لننفي لَغْوِيَّتَها، وقد نبَّهنا على هذه النكتة عند تعريف الاستغاثة.

توهمٌ فاسد

وأمَّا التمسُّك للحرمةِ بكون الميِّت لا يسمع كما زعمَهُ ابن تيمية وأضرابه فهو -مضافًا لكونه لو ثبتَ فلا يُثبِتُ حرمةً، وإنما يثبتُ لغويَّة الاستغاثة- بيِّنُ الفساد واضحُ البطلان لمنافاته للصحيح من أحاديث الفريقين، بل لمعارضته لظاهر القرآن.

ولنبسطُ الكلام قليلاً في بيان هذه المسألة تعميمًا للفائدة وتشييدًا للبرهان، فنقول:

إدراك الميت بعد موته

إنَّ عالمَ ما بعد الموت عالمٌ غيبيٌّ بالنسبة لنا، لكونه محجوبًا عنَّا، إلا بالمقدار الذي وصلنا من جهة السمع والنقل على لسان الوحي وتراجمته.

ولا خلاف في أنَّ الموت عبارةٌ عن خروج الرُّوح من الجسد، لا فناء الروح.

قال العالم النحرير ابن ميثم البحراني (رضوانُ اللهِ عليه): أمّا حقيقة الموت: فاعلم أنّ الَّذي نطقت به الأخبار، وشهِدَ به الاعتبار، أنّ الموتَ ليس إلاّ عبارة عن تغيّر حالٍ، وهو مفارقة الروح لهذا البدن الجاري مجرى الآلة لذي الصنعة.

وأنّ الروحَ باقيةٌ بعده، كما شهدت به البراهين العقليّة في مظانّها، والآثار النبويّة المتواترة.

ومعنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه، لخروجه عن حدّ الانتفاع به، فما كان من الأمور المدرَكَة لها تحتاجُ في إدراكه إلى آلة فهي متعطَّلةٌ عنه بعد مفارقة البدن، إلى أن تعاد إليه في القبر، أو يوم القيامة.

وما كان مدرَكًا لها لِنَفسها من غير آلةٍ فهو باقٍ معها، يتنعَّم به، ويفرح أو يحزن، من غير حاجة إلى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم والإدراكات الكلَّيّة لها هناك([46]).

ومع بقاء الروح لا يمكنُ أن نشخِّص كيفيَّةَ إدراكها، فضلاً عن دعوى انتفاء الإدراك، ما لم ينطق الوحيُ ويزيل الشكَّ باليقين، وإلاّ يبقى إدراك الروح وعدمه في بقعة الإمكان.

فكيفَ والوحيُ قد نطقَ في محكمات آيات الكتاب مصرِّحًا بإدراك الميِّت بعد موتِهِ، وذلك قوله سبحانه: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ}([47]).

فالله سبحانه ينهانا عن وصف الشهيد بأنه ميتٌ! ويؤكِّد لنا حياتَه، ثمَّ ينفي عنا الشعورَ بحياة الشهيد لانحجابنا عن عالم ما بعد الموت.

وحياةُ النَّفس ملازمةٌ لإدراكِها، بل فسَّروا الحياةَ بالإدراك؛ وقد يُستفادُ من الآية معنىً زائدٌ على أصل الإدراك، فيكون إدراكه أقوى وأسمى من إدراكنا للأشياء.

حيث إنَّه بملاحظة الروايات التي ستأتي يظهرُ أنَّ جميع الأموات لديهم القابلية والقدرة على سماع الأحياء، فيكون تخصيص الشهداء في هذه الآية بالحياة مفيدًا لكونهم أكثرَ من مدرِكين بالنحو المعروف، فيثبت لهم إدراكٌ خاص، يميِّزهم عن سائر الأموات.

وهناك آياتٌ أُخَر تفيدُ في هذا الباب، لكنَّنا فضَّلنا عدم نقلها احترازًا من الإطناب، واكتفاءً بهذه الآية حيثُ فيها لبُّ اللباب.

أما الرِّوايات من طُرُق الفريقين فصحيحةٌ صريحةٌ في سماع الميت لكلام الحي، ومن تلك الروايات روايات تلقين الميت، وهي محلُّ وفاق.

وعندنا أحاديث هذا الباب أكثر من أن تُحصى، إذ جميعُ أحاديث الزِّيارات ومجاميعها قائمةٌ على عقيدة سماع النبيِّ وأهل بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين) ومن أُلحِقَ بهم لسلام الزَّائر كما لا يخفى.

بل نصَّت بعض الرِّوايات على أنهم (عليهم السلام) يرون ويسمعون ويردُّون سلام الزَّائر، كما في حديث الاستئذان عند زيارة المعصوم (سلامُ اللهِ عليه)، على ما رواه الشيخ المفيد والسيد ابن طاووس والشهيد الأول وابن المشهدي([48]) والكفعمي (رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين)، واللفظُ للكفعمي:

"اللّهُمَّ إِنِّي أَعْتَقِدُ حُرْمَةَ صاحِبِ هذا المَشْهَدِ الشَّرِيفِ فِي غَيْبَتِهِ كَما أَعْتَقِدُها فِي حَضْرَتِهِ، وَأَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَكَ وَخُلَفاءَكَ عَلَيْهِمْ السَّلامُ أَحْياءٌ عِنْدَكَ يُرْزَقُونَ يَرَوْنَ مَقامِي وَيَسْمَعُونَ كَلامِي وَيَرُدُّونَ سَلامِي، وَأَنَّكَ حَجَبْتَ عَنْ سَمْعِي كَلامَهُمْ وَفَتَحْتَ بابَ فَهْمِي بِلَذِيذِ مُناجاتِهِمْ"([49]).

وروينا بسندٍ صحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: "إنَّ المؤمنَ لَيَزُورُ أهلَهُ فَيَرى ما يُحِبُّ، ويُستَرُ عنه ما يَكرَهُ، وإنَّ الكافرَ لَيَزُورُ أهلَهُ، فَيَرَى ما يكرَهُ، وَيُستَرُ عنه ما يُحبُّ".

قال: "ومنهم من يزورُ كلَّ جُمُعةٍ، ومنهم من يَزورُ على قَدرِ عَمَلِهِ"([50]).

ومن طرُقِ المخالفين ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما -واللفظ للأول- قال: اطَّلعَ النَّبيُّ (صلى الله عليه [وآله] وسلَّم) على أهل القليب، فقال:"وجدتُّم ما وعَدَ ربُّكُم حقًَّا؟

فقيل له: أتدعو أمواتًا؟

فقال: ما أنتم بأسمعَ منهم! ولكن لا يُجِيبون"([51]).

والمستنكر على النبيِّ (صلى الله عليه وآله) هو عمر بن الخطاب، كما صرَّح بذلك البخاري لاحقًا عندما روى الحديث بشيءٍ من التفصيل([52]).

وروى البخاري أيضا بإسناده، عن أنس بن مالك، قال: "إن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبره، وتولَّى عنه أصحابه -وإنَّه لَيَسمَعُ قَرْعَ نعالهم- أتاه ملكان فيقعدانه..." ([53]).

فتلخَّص مما تقدَّم أنَّ الميتَ يُدرك، يسمع ويرى ويتكلَّم، وإن كانت الكيفية عندنا مجهولة، لفقدانه آلة السمع المعهودة وكذا غيرها.

وبختام هذه المسألة نكون قد أتممنا ما أردنا بيانه، فأثبتنا -بالدليل العقلي والنقلي قرآنا وسنَّةً، والسنَّة من طريق الفريقين- مشروعيَّة الاستغاثة بغير الله سبحانه ما دام المستغيثُ معتقدًا بأن القادر بالذات المُقْدِر للغير هو الله لا سواه.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) الكافي للكليني ج2 ص415؛ وبصائر الدرجات للصفار ص433؛ وكمال الدين وتمام النعمة للصدوق ص240 باب: اتصال الوصية، وقد أورد فيه حديث الثقلين بطرقٍ كثيرة من مصادرنا وغيرها.

ومن مصادر العامة: صحيح مسلم ج7 ص123؛ وصحيح ابن خزيمة ج4 ص63؛ ومسند أحمد ج3 ص14 و17 و26 وج4 ص371؛ وسنن الدارمي ج2 ص432؛ وفضائل الصحابة للنسائي ص15 و22؛ والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج3 ص109 وقال في ذيله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بِطُوله، وج3 ص148؛ والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص30 وج10 ص114، وغيرها.

 ([2]) سورة الأنعام 19.

([3]) سورة الإسراء 42.

([4]) سورة المؤمنون 117.

([5]) سورة الذاريات 51.

([6]) سورة النمل الآيات 60 و61 و62 و63 و64.

([7]) المقنعة للمفيد ص205، وغيره.

([8]) الكافي للكليني ج2 ص549 ح11.

([9]) المصدر نفسه ج3 ص322 ح4.

([10]) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج4 ص400.

([11]) لسان العرب لابن منظور ج2 ص174.

([12]) القصص 16.

([13]) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق ص445.

([14]) مرآة الشعور ص، من قصيدة: هي بنتُ موسى.

([15]) بحار الأنوار ج99 ص267.

([16]) نفس المصدر ص247.

([17]) محمد بن بابويه: شيخُ الأجلَّاء الشَّيخُ الصَّدوق (رضوانُ اللهِ عليه)، صاحب المؤلَّفات الجليلة، والمصنَّفات الجميلة، وعلى رأسها كتاب: من لا يحضره الفقيه، وهو أحد الكتب الأربعة التي تدور عليها رحى استنباط الأحكام الشرعية عند فقهاء الإماميَّة الاثني عشرية، وتوفي (رحمه الله) سنة 381 هجرية.

([18]) فما ذهبَ إليه بعضُ المعاصرين من المشكِّكين زاعمًا أنَّ دعاء التَّوسُّل من تأليف بعض العلماء إنَّما هو محضُ كذبٍ وافتراء، أراد من خلاله ثنيَ المؤمنين عن التوسُّل إلى الله بسادة العالمين، فلم يزدد الدعاءُ إلا انتشارا، ولم يزدد أهل الريب إلا تَبارا.

([19]) استفزَّت هذه العبارة بعضَ أهل الريب والضَّلالة ممَّن يُظهِرونَ التشيُّع، فسارعوا لمحاربَتِها بمنهجيَّةٍ وهَّابيَّة، معطِّلينَ عقولَهُم، مستغشينَ ثيابَهم، واضعين أصابِعهم في آذانهم، مستكبرينَ استكبارًا!!

وأنتَ أيُّها العزيز! بعد أن تلونا عليكَ ما تلوناهُ من بيان معنى الاستغاثة وأدلَّتها، بات لك جليَّا بيِّنًا أنَّ محاربةَ هذه العبارةِ ونحوها من عبارات الاستغاثة لا يتصدَّى لها شيعيٌّ إماميٌّ إلا إذا كان جاهلاً، أو مبتدعًا!! أعاذنا الله من مُضلات الفتن.

([20]) عنهُ بحار الأنوار ج99 ص254.

([21]) الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام).

([22]) الكافي ج 8 ص109ح87.

([23]) المصنَّف لابن أبي شيبة الكوفي ج7 ص483 ح35؛ وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي خيثمة كما في الإصابة ج3 ص484؛ والبيهقي في الدلائل ج7 ص47؛ والخليلي في الإرشاد ج1 ص313-314؛ وابن عبد البر في الإستيعاب ج2 ص464.

([24]) فتح الباري، ابن حجر ج 2 ص 412.

([25]) الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم الرازي ج 8 ص 213.

([26]) الإصابة، ابن حجر ج 6 ص 216.

([27]) تاريخ الإسلام، الذهبي ج 5 ص 224.

([28]) الثقات، ابن حبان ج 5 ص 384.

([29]) الإصابة، ابن حجر ج 6 ص 216.

([30]) تاريخ المدينة، ابن شبة النميري ج 2 ص 751.

([31]) رفع المنارة، محمود سعيد ممدوح ص 211.

([32]) فتح الباري، ابن حجر ج 2 ص 412.

([33]) صحيح البخاري، البخاري ج 2 ص 130.

([34]) الانفطار 19.

([35]) الشعراء 88-89.

([36]) صحيح البخاري، البخاري ج 4 ص 116.

([37]) العُرجة: موضع العرَج من الرِّجل. انظر: العين للخليل الفراهيدي ج1 ص223.

([38]) عنه: مجمع الزوائد للهيثمي ج10 ص132، وذيَّله بقوله: رواه الطبراني البزار، ورجاله ثقات.

([39]) شعب الإيمان للبيهقي ج6 ص128 باب53.

([40]) المعجم الكبير للطبراني ج17 ص118.

([41]) الدرر السنية في الرد على الوهابية لزيني دحلان ص33.

([42]) حيث رواهُ إمامهم البيهقي، عن إمامهم الحاكم النيسابوري، عن إمامهم المحدث الفقيه أحمد بن سلمان، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه.

([43]) شعب الإيمان للبيهقي ج6 ص128، و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج5 ص298.

([44]) سنن الدارمي ج1 ص44.

([45]) رفع المنارة لمحمود ممدوح ص203.

([46]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج3 ص91.

([47]) سورة البقرة 154.

([48]) عنهم في بحار الأنوار للمجلسي ج97 ص160.

([49]) المصباح ص472.

([50]) الكافي للكليني ج3 ص230 باب: أنَّ الميت يزور أهله.

([51]) صحيح البخاري ج2 ص101.

([52]) المصدر نفسه ج5 ص8، وصحيح مسلم ج8 ص163.

([53]) صحيح البخاري ج2 ص92.

 

115%