رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}

بعد أن فرغنا من إعداد مادّة هذا العدد من المجلة، وخلال مرحلة الطباعة، فُجعنا بوفاة أستاذنا آية الله الشيخ محمد مفيد الفقيه (قدس سره)، ففقدنا برحيله الأب المربي، والعالم النحرير، وفقدت الأمة الإسلامية والحوزة العلمية، خصوصًا جبل عامل، قامة علمية شامخة، ومنارة دينية هادية، فتعزّينا بقوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}.

وكم كنّا نتمنى أن يطيل الله تعالى عمره الشريف ليستمر بالقيام بدوره الكبير، لا سيما رعاية حوزة "جامعة النجف الأشرف" التي تصدر عنها مجلتنا "رسالة النجف"، والتي أسسها (قدس سره) ورسم منهجها العلمي، ورعاها وأشرف عليها إلى أن وافته المنية.

وكان بودِّنا أن نترجم له (قدس سره) ترجمة وافية، ولكن اقتضتنا الضرورة أن نُصدر العدد الحالي كما كان مقررًا، على أن نتصدى في العدد القادم إن شاء الله للحديث عن سيرة الراحل الكبير، وعن مسيرته العلمية، وحياته الحافلة بالعطاء.

وفي الختام نرفع أسمى آيات العزاء بهذا المصاب الجلل إلى مقام صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)، وإلى الحوزة العلمية والمراجع العظام، وإلى أهله وذويه وسائر المؤمنين، سائلين المولى عز وجل أن يجعل الراحل الكبير في أعلى عليين، وأن يربط على قلوب أهله ومريديه ومحبيه، ويلهم الجميع الصبر والسلوان، إنه سميع مجيب.

 

 

السنة الحادية عشرة / العدد الثامن والعشرون / نيسان  2016م / رجب  1437هـ

 

دور الحسِّ في بناء الشخصية

الشيخ حاتم إسماعيل

 

 

تمهيد

إن مما لا شك فيه أن الإنسان كائن فاعل ومنفعل بما حوله من الموجودات، والفعل والانفعال يتطلبان إدراكًا لما حوله من كائنات مادية وغير مادية. وهذا يعني أنه لا بد وأن يكون مزوَّدًا بما تقتضيه معرفة كل كائن، وما يتناسب مع حقيقته، ليتمكن من التفاعل معه، والفعل فيه، والانفعال به.

من هنا اقتضت ضرورة الوجود، والعناية الإلهية بهذا الكائن، أن يتمتع ببُعدَين أساسيين، وهما البُعد العقلي والبُعد الحسي.

البُعد العقلي

أما البُعد العقلي فهو مما انفرد به هذا الكائن عما عداه من الكائنات، وهو الذي يمكِّنه من التطور والرقي والتقدم في وسائل العيش، والتغلب على مصاعب الحياة وتذليلها، والسعي إلى تحقيق السعادة والهناء. ولولا ذلك لما افترق الإنسان عن غيره من الكائنات الحيَّة.

ولكن ذلك لا يعني أن تلك الكائنات لا تتمتع بالبُعد العقلي أصلاً، فإن حبَّ البقاء، والمحافظة على الحياة، والهرب من الموت، غريزةٌ متأصلة في كل كائن حي، ولولا هذه الغريزة لما استقامت الحياة في هذا الكون لأي منها.

إن هذه الغريزة تدفع الكائنات الحية إلى المحافظة عليها، ولمَّا كانت مهدَّدة بالموت والفناء لزم أن تبحث عن مقتضيات بقائها، ودفع موجبات فنائها بكافة الوسائل المتاحة لها. وهو ما يستلزم لونًا من ألوان التفكير، وتطوير وسائل الدفاع عن النفس، سعيًا لتحقيق هذا الهدف.

غير أن هذه الكائنات كما تختلف في أجناسها وأنواعها، وفي مستوى تركيبها وتعقيداتها، كذلك تختلف في مستويات تفكيرها وبُعدِها العقلي، بما يؤمِّن لها أكبر قدر من الاستمرار والبقاء، والتفاعل في ما بينها.

وقد أكدَّ القرآن الكريم على هذه الحقيقة في جملة من الآيات المباركة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ}([1]).

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}([2]).

وقوله تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}([3]).

وفي هذه الآيات الشريفة دلالة واضحة على أنها تتمتع بمستوى من التفكير أكثر من مجرد البُعد الغريزي الذي يؤمِّن لها البقاء والتناسل والحفاظ على الحياة. بل إن الآيات([4]) التي جرى الحديث فيها عن سليمان والهدهد، صريحةٌ في أنه يتمتع بقدرٍ عالٍ من التفكير والاحتجاج والإدراك العقلي.

وقد أثبتت الدراسات الحديثة صحة هذه الحقيقة، ولا زال الباحثون يحاولون معرفة كيفية تطوير هذه الكائنات وسائلَ الدفاع عن نفسها ومحاربة المبيدات الفتاكة، التي يبتدعها الإنسان في مكافحتها.

إلا أن القدرة العقلية، أو التدبيرية، لدى الكائنات الأخرى تنحصر في ما يمكِّنها من بقائها والحفاظ على حياتها ووجودها، دون أن يكون لها أي أمل في التطوير المعنوي أو المادي، الذي يوسِّع دائرة التفكير لديها، من خلال تطوير وسائل العيش، والسعي نحو التطور والرقي، أو أن تُغيِّر في قدراتها المعرفية، مما يولِّد لديها طموحًا في السيطرة على الكون، أو الاستفادة من مقدراته، من قبيل إعماره وغير ذلك، مما لا يرتبط بمجرد تأمين الطعام والشراب الذي يُبقي على حياته، كما خُلِق في بدايات أمره.

موقع العقل لدى الإنسان

إن الإنسان يتربع على عرش الكائنات، من حيث البُعد العقلي، وإعمال القوة المفكِّرة لديه، ذلك أن غايته في الوجود لا تقتصر على بقاء النوع، والمحافظة على الحياة، والهرب من الموت، بل لقد خُلِق ليعمُر الأرض، ويطوِّر الحياة، ويحقِّق السيطرة على هذا الكون بإذن الله تعالى، وهذا يستلزم أن يكون مزوَّدًا بكل ما يمكِّنه من التعرف على ما حواه الكون، أو يمكن أن يحويه، من موجودات، مادية أو غير مادية، ولإدراك قوانينها التي تحكمها، بغية التعامل معها والسيطرة عليها، وهو ما أكَّدته الآيات القرآنية المباركة، التي صرَّحت بأن كل ما في هذا العالم، من كائنات أرضية وسماوية، مسخَّرة لخدمة هذا الإنسان، فكانت القوة العقلية والإدراكية لديه متكاملة ومتنامية، كلما ازدادت خبرته، وتوسَّعت معارفه، واتسعت آفاقه، وكلما ارتقى في مدارج الكمال في مختلف المجالات، ليحقق إنسانيته بقدر ما يمكنه ذلك.

إن العلم -كما عرَّفه المناطقة- عبارة عن حضور صورة الشيء، أو حضور نفس الشيء عند العقل، وهذا يعني أن كل العلاقات في هذا الكون قائمة على العلم والمعرفة. ذلك أن الانفعالات والتفاعلات الناتجة عن الإدراك متوقفة على إمكان تحقق الإدراك، وهو بدوره متوقِّف على قابلية هذه المدركات لتكون مدرَكة من قِبَل الإنسان بنحو أو بآخر، فلا بد أن يكون مزوَّدًا بكل مقوِّمات الإدراك المرتبطة بهذا العالم، وأهمها ما يرتبط بالعقل. ولمَّا كان الله تعالى مع كل الأشياء لكن من دون مماهاة، ومغاير لكل الأشياء لكن لا بمباينة، فهو حاضر مع كل وجود وموجود، ليس فيه تعالى أي بُعد أو غيبة، كان من صفاته الذاتية أنه عالم بكل شيء، بل هو تعالى عين العلم والمعرفة فالإدراك قادر على معرفته تعالى وإدراك وجوده، وان لم يكن قادرًا على معرفة كنهه وحقيقته.

وبناء عليه، فإن المعرفة البشرية هي اتصال به تعالى بشكل أو بآخر، سواء التُفِت إلى ذلك الاتصال أم لم يُلتفَت، بل ولو أنكر حقيقة وجوده تعالى. وذلك لأنه تعالى عين الكمال المطلق والحقيقة المطلقة. فالسعي إلى المعرفة سعي نحو الكمال، مما يعني أنه لا يمكن أن تتحقق المعرفة من دون الاتصال بالكمال المطلق، من خلال الكشف في مكامن الموجودات. وربما تشير إلى ذلك الآية الشريفة: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}([5])، حيث خاطبت الإنسان بما هو إنسان، أي أنه ساع تكوينيًا للاتصال به تعالى، لأن كل مطلوب للإنسان موجود عنده تعالى وحده.

ولازم ما تقدم، أن العلم والمعرفة يشكلان البعد الحقيقي في تحقق الذات الإنسانية، ولما كانت الأشياء أو الوجودات المعلومة باقية في حقيقتها وواقعها، بمعزل عن معرفة الإنسان بها وعدمها، فإن حضورها عند العقل حضور مجرد عن المادة، مُتَّحِد مع النفس العارفة بنحو اتحاد، فذات الإنسان مجردة عن المادة في الحقيقة، وهو عالم العقل. وإلا لزم انتفاء العلم والمعرفة عنه بالضرورة، ولهذا كان الخطاب الإلهي للإنسان، بل كل خطاب، يتوجَّه في الحقيقة إلى العقل الإنساني، الذي يتفاعل إيجابًا وسلبًا مع الموجودات الحاضرة عنده، ولا يمكن أن يكون متوجهًا إلى الحواس أو الأعضاء البدنية بذاتها، كما هو معلوم بالبداهة.

وهذا ما يفسّر عدم انفعال الإنسان في ما لا يعلمه من الأشياء، وعدم تأثره به، ولو كان حاضرًا بين يديه، ومؤثرًا فيه من الناحية الواقعية. كما يفسّر خوفه من المجهول، وقلقه على المصير.

بل إن نفس الخوف والقلق، والبحث عن الحلول الناجعة لكافة المشاكل التي يواجهها، تتمُّ بتوسط القوة العاقلة لدى الإنسان. وقد بيّن الحديث الشريف هذه الحقيقة، حيث يقول: [أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أحب إليَّ منك، بك أثيب وبك أعاقب إلخ..].

البُعد الحسي

إلا أن ما تقدم لا يعني عدم وجود البُعد الحسي فيه، كما زعمه بعض المثاليين من الفلاسفة الغربيين والسفسطائيين، فإن ذلك مخالف للبديهة العقلية، وأوليات الإدراك، حيث إن العقل خزان المعلومات ومحركها وموجهها، نحو التأثيرات الواقعية للوجودات على المستوى الإدراكي. إلا أنه لمَّا كان من الأمور المجردة عن المادة، ولا بد في تفاعله مع ما عداه من أن يكون بينهما نحو مسانخة، تمكِّنه من الاتصال بها، فهو بحاجة إلى واسطة وآلة من سنخ الموجودات المادية أيضًا، ومشابهة لطبائعها المحسوسة. ويمكن تحويلها في عملية نقل لها من عالم المادة إلى عالم العقل، فكانت الحواس هي الآلة والواسطة الضرورية لذلك.

من هنا اختار فلاسفة الحكمة المتعالية وجود ثلاثة عوالم، تشتمل عليها الطبيعة الإنسانية، وهي: عالم التجرد عن المادة، وهو عالم العقول، وعالم المادة، وهو العالم المحسوس، وتمثله الأعضاء البدنية في الإنسان، وعالم متوسط بينهما، يُعبَّر عنه بعالم البرزخ أو عالم المثال، الذي تصل من خلاله المعارف البشرية من عالم المادة إلى عالم التجرد وبالعكس، وتمثله النفس.

ولما كانت الموجودات المادية متنوعة في طبائعها، ومختلفة في حقائقها، كان من الطبيعي أن تتنوع الحواس المتفاعلة معها لدى الإنسان بتنوعها، فكانت الحواس خمسة، تتمكن بذلك من التفاعل مع جميع الطبائع المادية الموجودة في عالم المادة، وتنقلها إلى عالم العقل فيتحقق الإدراك والمعرفة.

موقع الحس في المعرفة

إن الحس يلعب دورًا محوريًا في بناء المعرفة، حيث إن الحواس وسيلتنا للتواصل مع العالم الخارجي، ولولا وجود الحواس لانسدَّ باب التواصل معه وإدراك ما فيه، بحسب ما تقتضيه طبائع الموجودات، من حيث ما يحتاجه إدراكها من وسيلة. فإن من الموجودات الخارجية ما يُدرَك بواسطة البصر، ومنها ما يُدرَك بواسطة السمع، وهكذا في سائر الحواس، ولهذا فإن من فقد حاسة فقد كل ما يرتبط بها من معارف وعلوم.

إن بداية الطريق لتحصيل المعارف تبدأ بالحواس، فإنَّا نلاحظ أن أول ما يبحث عنه الإنسان حين ولادته هو اللبن، الذي لا يعرف منه سوى الإحساس به وتذوقه. فيتفاعل مع الجوع والشبع من خلال حواسه، وهكذا نراه ينفعل بالأصوات التي تدور حوله وكذلك الطعوم التي ترد إلى فمه. ثم تترقى مداركه وتتوسع معارفه بتوسط الحواس كذلك. وبعد ذلك، وفي مرحلة لاحقة يبدأ إدراكه للأمور المعنوية بالتفتح شيئا فشيئا.

إلا أن هذه الإدراكات المادية ليست مستقلة في تحقيق مراداتها وتأمين حاجاتها، بل إن الحواس تنقلها إلى العقل الذي يتحد بها نحو اتحاد، يبدأ بتحليلها وترتيبها والتنسيق بينها وفرزها إلى مجموعات تمكنه من الاستفادة منها والبناء عليها في تطوير كل ما يحتاج إليه في مسيرته التكاملية على هذه الأرض.

وهذا ما ينعكس إيجابًا وسلبًا على تفكيره وتفسيره لما يحيط به، فإنه لما كان شديد الأنس بعالم المحسوسات، التي رافقته طيلة مسيرته الوجودية، نجده في كثير من الأحيان يذهل عن عالم العقل والحقيقة المطلقة، فلا يشعر بوجودها، بل لا يصدِّق به، وهذه بداية الضلال والانحراف عن جادة الصواب.

هذا مع أنه لا يستغني عن عالم المعقول هذا في بحثه عن الحقائق التي تؤمن له مستلزمات حياته ومعارفه، غاية الأمر أنه يحتاج إلى إعمال بصيرته، وترويض نفسه على العيش في آفاقه، لأن كل تأملاته وأبحاثه في عالم الطبيعة تمرُّ بالضرورة بالعقل، وكذلك استنتاجاته وأحكامه عبارة عن أحكام عقلية. ولولا ذلك لظلَّت المحسوسات لديه مجرد مفردات متناثرة، لا يربط بينها أي رابط، ولا يتحقق من خلالها، بمعزل عن أحكام العقل، أي انسجام أو تناسق يُبنى عليه في دائرة الوجود. 

أقسام المعرفة

وما دام العلم حضور صورة الشيء عند العقل، فلا بد من ملاحظة كيفية هذا الحضور والتأمل فيه. فإن الذهن البشري مزوَّد بالقدرة على تحصيل حقائق الأشياء والتصرف فيها، عبر مزج ما هو متأصل في النفس، وتنتجه الذات الإنسانية، وبين ما يرد إليها من العالم الخارجي.

فالمعارف الذاتية (التي تنتجها الذات) متأصلة في النفس الإنسانية، إلا أن إبرازها والكشف عنها يحتاج إلى المنبهات والمحفزات. وهذه المعارف ليس لها علاقة بالوجود المادي في الواقع الخارجي، ويُعبَّر عن العلم بها بـ[العلم الحضوري]، لأنها تحضر بنفسها عند الذهن، فلا يوجد بينهما مانع أو حائل أو اثنينية.

وأما المعارف الموضوعية (المستفادة من الاتصال بالعالم الخارجي الموضوعي، وإحضاره لدى الذهن) فإنها منحصرة بالعلم الحصولي أو الكسبي، وهو انعكاس صورة الواقع الموضوعي لدى الذهن، وهو ما يحتاج إلى عملية تحليل وتقويم للمعلوم الخارجي، ليحصل اتحادها بالعقل، أو تفاعلها معه.

ومن الظاهر أنه يغلب على هذا النوع من المعرفة كونها معرفة مادية، أي مستفادة من العالم المادي، عبر اتصال العقل بهذا العالم بتوسط الحواس.

فالمعرفة إذن على قسمين: معرفة مرتبطة بعالم المادة، وطريقها الحواس الخمسة، ومعرفة ترتبط بعالم ما وراء المادة، أعم من أن تكون غيبًا بالمعنى المصطلح، أو كان متعلقًا بالأمور المعنوية المنتزَعة من الواقع الخارجي، من قبيل الحب والبغض وما إلى ذلك.

كيفية حصول المعرفة

إن المعرفة بالموجود الخارجي تحصل من خلال الالتفات إلى هذا الموجود، وهو ما يُعبَّر عنه في لسان المنطقيين بمواجهة المشكل، ثم ينتقل إلى القوة المتخيِّلة، التي تحتفظ بصورته بعد غيابه عن الحاسة، بعد تجريدها عن المادة التي تشكل جزءًا من حقيقتها الخارجية وتقومها، وفي هذه الحالة يبقى الموجود محتفظًا ببعض ما يربطه بعالم المادة، من شخصية وجزئية وسائر الأعراض الثابتة له حين انتقاله إلى الحاسة.

وفي مرحلة لاحقة ينتقل إلى القوة العاقلة، التي تتصرف في هذه الخصائص وتعممها، وتصدر عليها الأحكام المناسبة لها إيجابًا أو سلبًا.

وتتم هذه العملية من خلال خلط هذه الصورة بالأمور الذهنية، التي تساعد العقل في تطبيق ما حصلت عليه من الخارج، بعد أن تزيدها تجريدًا، وتتخلى بذلك عن سائر الحدود الجزئية والشخصية التي تمثلها، كي تتمكن من الاتحاد مع العقل وصيرورتها جزءًا منه، عبر ما يسمى بالمعقولات الثانية، وهي منحوتات ذهنية، لا علاقة لها بالواقع الخارجي، وهي المعقولات الثانية المنطقية، أو لها علاقة بنحو ما معه، وهي المعقولات الثانية الفلسفية، في تحقيق المعرفة هذه، وتحصيل اليقين بمضمونها.

الأخطاء المعرفية

إلا أن هذه الأحكام ليست مطابقة للواقع دائمًا، فقد تصيبه وقد تخطئه، رغم اتصافها باليقين والجزم.

ومرد هذا الخطأ إما إلى عدم الدقة، أو عدم الالتفات في تنسيق المعلومات والوسائل التي يحتاجها في تحصيل اليقين، وإما إلى الخطأ في التقاط الصورة المعينة من الخارج، نتيجة لانحراف في الحاسة المرتبطة بالمعلوم، أو نقصان واختلال في الظروف المحيطة بها، من قبيل نقص النور عند مواجهتها، أو بعد المسافة بينها وبين الرائي أو السامع، أو اعتلال في الجو المحيط بها، مما يؤثر سلبًا على الرؤية، فيحصل الخطأ في الحكم، وتختلف النتائج التي يراد تثبيتها أو الوصول إليها.

بناء على ما تقدم فإن ما يُسمَّى بأخطاء الحواس مردّه في الحقيقة إلى العوامل الخارجة عن الحاسة نفسها، ولا يصح نسبته إليها، فيما إذا كانت سليمة لا تعاني من انحراف أو خلل في وظيفتها، التي لا تزيد عن نقل الصورة كما تراها وتظهر أمامها، وفقًا للشروط والظروف المحيطة بها.

فالحواس مجرد ناقل أمين لما تحصل عليه من صور وانعكاسات، تنقلها إلى الذهن، وليس لها قدرة على الحكم، أو التصرف في ما يرد إليها من صور.

الفلسفة الحسِّية والمثالية

ونظرًا للأهمية التي تنالها المعرفة الحسية، فقد نشأت مذاهب فلسفية في الغرب تزعم أن الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة، وأنكرت كل لون من ألوان المعرفة غير القائمة على أساس الحس. بل إنها عملت على تفسير البديهيات العقلية من قبيل استحالة اجتماع النقيضين على أساس الحس، وعلى فرض تحققها فإنها ليست بذات قيمة من الناحية المعرفية والفلسفية.

وقد ظهرت هذه المدرسة كرَدَّة فعلٍ على فلسفة ديكارت القائلة بالأفكار الفطرية، ومن أهم رجالات هذه المدرسة "جون لوك"، و"ديفيد هيوم"، وصرَّح هؤلاء بأن وظيفة الذهن والعقل مجرد التنسيق وتحليل المعلومات الوافدة إليه عن طريق الحواس، وليس له شأن آخر غير ذلك.

وأدّت هذه النزعة المتطرفة والحادة، في تجريد المعرفة عن كل بُعدٍ غير حسي، إلى نشوء مدرسة مضادة لها، وهي الفلسفة المثالية، التي وقفت معها موقف النقيض، فأنكرت كل معرفة تنشأ من الحس، وإن وجدت فهي بلا قيمة من الناحية الفلسفية، بل ذهب بعض أقطابها إلى إنكار الواقع الخارجي المحسوس من الأصل، ومن أهم رجالها "باركلي".

المعرفة الحقَّة

ولا نريد هنا مناقشة هاتين المدرستين المتطرفتين، فقد فندَّهما وأبطلهما فلاسفة المدرسة الواقعية، ومن بينهم الفلاسفة المسلمون، وأبرزوا ما فيهما من مجافاة للحقيقة والواقع، بما فيه الغنى والكفاية.

ولكن نريد أن نسلط الضوء عليهما في بيان حقيقة ثابتة من خلال التطرف نفسه الذي يؤكد ركنية كل منهما في تحقق المعرفة، الذي يكشف عنه إصرار كل فئة على أهمية العنصر الذي تمسكت به، فليست مجرد خيالات وأوهام، أو ترفٍ فكري ربما يراد منه مجرد إمتاع الذهن ودغدغة المشاعر.

ولما كانت المعرفة محور بناء الشخصية واكتمال إنسانية الإنسان، إن أحسن الاستفادة منها، وترتيب الآثار الناتجة عنها، في تحقيق الذات، وإصلاح المجتمع، وعمارة الأرض، وتقويم الحياة والأخلاق.

ولمَّا كان الحس ركنًًا أساسيًا لا غنى عنه في تحقيق كل ذلك، حيث إن الناس مختلفون في إدراكاتهم ومعارفهم، والاستفادة من كل ذلك، عبر تحويل المعارف الحسية إلى جزءٍ من الشخصية من خلال التصرف فيها وتجريدها من المادة، وهو ما يحتاج إليه كل إنسان في مسيرته التكاملية نحو الحقيقة المطلقة، وتقرّبه من الآخرين في تحقيق التواصل والتوازن بين الجماعة البشرية، الأمر الذي ينعكس على النوع الإنساني كله تكاملاً وسعيًا نحو الحقيقة المطلقة، وهي الله تعالى، كل واحد منهم بحسب طاقته واستعداداته.

نستنتج من كل ذلك أنه لا غنى عن الحس، كما لا غنى عن المدرَكات العقلية، وأنه يلعب دورًا أساسيًا في بناء الشخصية الإنسانية، وبدونه لا تقوم حياتهم، ولا يستقيم نظامهم، ولا تتحقق الغاية المنشودة من خلق الإنسان.

هل المادة مرتبة عقلية؟

إنه استنادًا إلى المعطيات العلمية الحديثة، والتي أثبتت تركب المادة من جزيئات متناهية في الصغر، والتي يُعبَّر عنها علميًا بـ "الكواك" أو "الكوارك"، والتي لم يلحظ منها حتى الآن إلا آثارها، دون الوصول إلى كنهها وحقيقتها، إلا أنها أقرب إلى الطاقة منها إلى المادة الكثيفة، فإنه يمكن دعوى كون المادة مرتبة من المراتب الدانية للعقل، ذلك أن العقول مترتبة ترتبًا طوليًا وعرضيًا، بمعنى أن كل عقل تام في مرتبته، فهو دون المرتبة الأعلى منه، وأعلى من المراتب الأدنى، وتتناسب سعته مع مرتبته التي هو فيها. وهكذا حتى نصل إلى أدنى المراتب التي يحصل فيها نوع من التكاثف، نتيجة لبعدها عن عالم النور المحض، وهو المرتبة الأعلى للوجود، أي مرتبة الواجب تعالى، حتى نصل إلى مرتبة الظلمة المحضة إلا من نور إفاضة الوجود عليها، وهذه المرتبة هي مرتبة الجوامد في عالم المادة.

وأما الإنسان فهو مُتشكِّل من مرتبتي النور والظلمة، أي العقل والجسد، وكل منهما يشدُّه إلى رتبته، من خلال سعيها إلى تحقيق كمالها، فإن كمالات العقل مغايرةٌ في سنخيتها لكمالات الجسد ومعاندةٌ لها، تقتضيها طبيعة كل منهما، ولهذا نجد الإنسان في حركة دائمة وتنقُّلٍ مستمر بين هاتين المرتبتين، وهو القلق والحيرة التي يعيشها الإنسان في دائرة وجوده، ويعمل على التخلص منها، فتشدُّه إلى الأرض، أو ترقى به في سلم الملكوت، وهو ما يُعبَّر عنه بجهاد النفس، الذي أطلق عليه رسول الله (صلى الله عله وآله) "الجهاد الأكبر"، فإذا غلبت عليه المرتبة العالية ارتقى إلى رتبة أسمى من رتبة الملائكة، وإلا انحط إلى رتبة الحيوانات بل أضل منها.

فإذا ثبت أن عالم المادة مرتبة دانية من المراتب العقلية، يتبيَّن أن المعرفة لا تقوم إلا بجناحيها العقلي والحسي، اللذين يلتقيان في النفس التي هي برزخ بينهما، ويقع الصلح بين الحسيين والمثاليين، وتتشكل الشخصية الواقعية، ويستغنى بذلك عن القول بالتجريد او الانتزاع، الذي قال به الفلاسفة المسلمون في تفسير المعرفة الحسية.

وبهذا التنافر والتعاند بين المرتبتين، وإمكان التكامل بين المراتب المختلفة، من خلال سيطرة المرتبة الأعلى على المرتبة الأدنى، وتسخيرها للسير بالإنسان إلى درجات الكمال، تنحلُّ إشكالية نسبة الإضلال إلى الله تعالى كما يظهر من بعض الآيات الشريفة، التي نسبت الإضلال إليه تعالى، فإن حقيقة الأمر أن تصارع هذه المراتب هو الذي أنتج ذلك الرقي أو السقوط، ولا دخل له تعالى في ذلك إلا من جهة حضوره وإشرافه على كل ما في الوجود من ظواهر وحقائق.

ولعل هذا هو السبب في أننا نجد أن القرآن الكريم قد أكَّد في مختلف الآيات الشريفة على الاستفادة من الظواهر الكونية الطبيعية، والتأمل فيها، ودراستها والبحث عن حقائقها، بما يؤمن له معرفة حقَّة، لتوصِلَه إلى الحقيقة المطلقة التي يبحث عنها منذ كينونته، كما ركَّز على الحواس التي تتفاعل وتنقل هذه الظواهر إلى عالم الذهن ليدرسها ويحللها، ويربط بين مراتبها المختلِفة ليوحِّد بينها في ذهنه، توحيدًا معرفيًا، بعدما كانت متحدة في الحقيقة والواقع.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النمل، آية: 16.

([2]) سورة النمل، آية: 17.

([3]) سورة النحل، آية:68-69.

([4]) الآيات: 20-28 من سورة النمل .

([5]) سورة البروج، آية: 6.

 

 

نقد الشعائر الحسينية

أخطاء في المنهج

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

تمهيد

تقدم في عدد سابق من هذه المجلة([1]) الكلام على عدد من الأخطاء المنهجيّة في نقد الشعائر الحسينيّة، ولمّا كانت هذه الأخطاء كثيرة ومتجددة، فقد رأينا أن نتناول هنا جملة أخرى مما يقع فيه بعض المتصدِّين لعمليّة النقد من خلال استمرار هجومهم على بعض المظاهر المرتبطة بإحياء الشعائر الحسينيّة، منها:

1- عدم مراعاة الضوابط الخُلُقيَّة للنقد

لا تقتصر أخطاء أدعياء النقد على مخالفتهم للشروط العلميّة للنقد فحسب، بل قد يتعدى بهم الأمر إلى مخالفة ضوابطه الخُلُقيَّة أيضًا، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنَّا سنكتفي بذكر اثنين منها، وسنخصِّص المثال الأول لبيان ما يقوم به هؤلاء الأدعياء من بَترِ النصوص لكي تجيء موافقة لأهوائهم ومقاصدهم، فتغدو بذلك صالحة للاستدلال على ما يرومونه من النتائج.

وأما المثال الثاني فسوف نخصِّصه للكشف عما يرتكبه هؤلاء الأدعياء من تزوير في النقل، لكي يتمكّنوا بذلك من البرهنة على مدّعياتهم الباطلة.

المثال الأول: ونستمدّه مما قام به بعضهم وهو يحاول تكثير أسماء العلماء القائلين بحرمة التطبير، حيث ذكر لأجل ذلك اسم أحد كبار مراجع التقليد، مدّعيًا أن هذا المرجع هو من القائلين بالحرمة.

واستدل على مدّعاه هذا بأن المرجع المذكور قد أجاب على استفتاء ورده عن التطبير بما يلي: [لم يرد نصّ بشعاريته، فلا طريق إلى الحكم باستحبابه].

ونحن لا نريد هنا أن نناقش ما إذا كان هذا الجواب يدل على الحرمة أم لا، وإنما يهمنا أن نكشف عن عملية البتر التي يمارسها أمثال هؤلاء، ولذلك نأتي بالجواب الكامل على الاستفتاء المذكور، وهو: [لم يرد نصٌّ بشعاريته، فلا طريق إلى الحكم باستحبابه، ولا يبعد أن يُثيبه الله تعالى على نيّة المواساة لأهل البيت الطاهرين إذا خلُصت النيّة].

وبهذا يتبيَّن أن نقل النص الكامل للجواب يدل على أن المرجع المذكور هو من القائلين بحلّية التطبير، وليس بحرمته، ولكنّ أدعياء النقد لم يتورعوا عن بتر الجواب، وذلك لكي يأتي الكلام موافقًا لما يحاولون الترويج له من أن هذا المرجع يفتي بحرمة التطبير.

المثال الثاني: وهو مثال نستقيه من حديث تلفزيوني لأحد منتقدي التطبير، حيث شاهدنا هذا المنتقد وهو يطلق دعوى مفادها أنّ التطبير أصله عائشي وليس زينبيًا. وقد استدل على دعواه هذه بقوله:

[وجدت في كتب إخواننا أهل السنّة أن أول من قام بفعل يشبه التطبير وينطبق عليه التطبير هو عائشة، عندما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) وسَمِعَتْ بالخبر لدمت، اللدم باللغة العربيّة: أنه أخذت حجرًا أو ما يشبه الحجر وضربت رأسها، طبعًا هذه الرواية هي رواية صحيحة عند إخواننا أهل السنّة والجماعة، لذلك أنا قلت أن التطبير ليس زينبيًا، التطبير إذا أردنا أن نرجع إلى أول من طبّر هي أم المؤمنين عائشة، بالرغم من ذلك الآن إخواننا أهل السنة والجماعة يرفضون هذا الأمر، ولو أنّه لم يعترض أحد على أم المؤمنين عائشة، فالتطبير ليس زينبيًا التطبير هو عائشي، ولكن بالرغم من ذلك، أهل السنة والجماعة رفضوا أو على الأقل لم يؤيدوا، لا أريد أن أقول رفضوا هذا العمل، ولكن لم يؤيدوا هذا التصرف].

ويحسن بنا هنا، وقبل الخوض في أيّ نقاش أن نورِدَ نموذجًا من الروايات التي اعتمد عليها المتحدث لكي يطلق دعواه السابقة. ولنقرأ لأجل ذلك الرواية الواردة في مسند أبي يعلى، وهي التالية([2]):

[حدثنا جعفر بن مهران، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: سمعت عائشة تقول: مات رسول الله (ص) بين سحري ونحري، وفي بيت لم أظلم فيه أحدًا، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله (ص) قُبِض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي]([3]).

لقد استند المتحدث المذكور إلى مثل هذه الرواية لكي يُقنع الجمهور بأن التطبير أصله عائشي. وقد توسل للتدليل على ادعائه هذا بزعمين:

أولهما: زعمُه بأن معنى اللدم في اللغة هو ضرب الرأس بحجر أو ما يشبه الحجر.

وثانيهما: زعمُه بأن الرواية تدل على أن أول من طبّر هي عائشة.

ولكن الحقّ هو أن المتحدث قد تجرّأ على الحقيقة في كِلا زعميه، وذلك لأنه نسب -من جهة- إلى اللغة غير ما تنصّ عليه كتبها ومعاجمها. كما أنّه -ومن جهة ثانية- قد تصرّف في نقله لمضمون الرواية، لكي يجعلها تدلّ على ما أرادها أن تدلّ عليه.

فلنرجع إذن إلى كتب اللغة، وإلى متن الرواية، لكي نرى ما الذي تنصان عليه. ولنبدأ باستعراض ما تقوله كتب اللغة عن معنى اللدم.

يقول ابن منظور في لسان العرب:

[لدم: اللدم ضرب المرأة صدرها. لدمت المرأة وجهها: ضربته. ولدمت خبز المَلَّة إذا ضربته. وفي حديث الزبير يوم أحد:  فخرجت أسعى إليها، يعني أمّه، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فلَدَمت في صدري وكانت امرأة جلدة، أي ضربت ودفعت.

ابن سيده: لدمت المرأة صدرها تلدمه لدمًا ضربته، والتدمت هي. واللدم: ضرب خبز الملة إذا أخرجته منها، وضرب غيره أيضًا. واللدم: صوت الشيء يقع في الأرض من الحجر ونحوه، وليس بالشديد; قال ابن مقبل:

وللفؤاد وجيب تحت أبهره

 

 

لدم الغلام وراء الغيب بالحجر

 

وقيل: اللدم اللطم والضرب بشيء ثقيل يسمع وقعه. والتدم النساء إذا ضربن وجوههن في المآتم. واللدم: الضرب; والتدام النساء من هذا; واللدم واللطم واحد. والالتدام: الاضطراب. والتدام النساء: ضربهن صدورهن ووجوههن في النياحة...].

ويقول ابن فارس في مقاييس اللغة:

[لدم: اللام والدال والميم أصل يدل على إلصاق شيء بشيء، ضربًا أو غيره، فاللدم: ضرب الحجر بالحجر (...)، والتدم النساء: ضربن وجوههن وصدورهن في المناحة. واللدم: ضربك خبز المَلَّة...].

ويقول الشيخ فخر الدين الطريحي في مجمع البحرين:

[...اللدم بسكون الدال: ضرب الحجر أو غيره على الأرض ليس بالقوي (...) واللدم: ضرب الوجه والصدر ونحوه].

ولا أجدني بحاجة هنا إلى نقل المزيد من نصوص معاجم اللغة العربيّة، سيما وأن جميع المعاجم التي تسنّى لنا مطالعتها تنصّ على مثل ما نصّت عليه المعاجم الثلاثة السابقة.

ولكن يبقى من المفيد الاطّلاع على ما تقوله بعض كتب فِقه اللغة والتي أخذت على عاتقها التمييز بين المعاني المتقاربة للألفاظ، ونقرأ منها ما يذكره أبو منصور الثعالبي في كتابه "فِقه اللغة" حيث راح يميّز بين الصنوف المختلفة لضرب الأعضاء. وهذا نص كلامه:

[الضرب بالراحة على مقدم الرأس صَقع، وعلى القفا صفع، وعلى الوجه صكّ وبه نطق القرآن، وعلى الخدّ ببسط الكفّ لطم، وبقبض الكفّ لكم، وبكلتا اليدين لدم...]([4]).

وبهذا يتبيَّن لنا جليًا أن المعنى اللغوي لـ"اللدم" الوارد في الرواية -أي لدم النساء- هو ضربهن وجوههن وصدورهن في المناحة، وإذا شئنا أن نميّزه بصورة أدقّ عمّا يقاربه من المعاني، أمكننا القول بأن معناه هو اللكم بِكلتا اليدين، كما نصّ عليه الثعالبي.

وأما معانيه الأخرى، من قبيل: ضرب الحجر بالحجر، أو ضربه بالأرض، أو صوت ما يقع على الأرض وليس بشديد..، فهي كلّها خارجة عمّا تتحدث عنه الرواية، وهو خصوص لدم النساء.

نعم، لقد ورد في لسان العرب ما ربما يوهم بوجود معنى آخر للدم النساء، وهو ما أشار إليه بقوله: [وقيل: اللدم اللطم والضرب بشيء ثقيل يسمع وقعه]. إلا أن هذه الإشارة منه لم تَرِد كنصٍ على المعنى المذكور، بل نقلها بصيغة (قيل)، ومن المعلوم أن النقل بهذه الصيغة إنما يراد به تضعيف القول المنقول. ولذلك فإنّ هذا المعنى الأخير لا يمكن التمسك به في مقابل المعنى الأول، والذي نصَّ عليه معجم لسان العرب مرارًا وتكرارًا، كما نصّت عليه الكتب والمعاجم الأخرى.

ويتبيَّن مما قدمناه أن المتحدث لم يتورع عن أن ينسب إلى اللغة خلاف ما تنصّ عليه كتبها، ليعلل بذلك ما يخدم رأيه وينسجم مع هواه.

ولقد كان يمكننا الاكتفاء بما تقدم، لو كان غرضنا من البحث هو إظهار وهن الاستدلال بالرواية على أن التطبير أصله عائشي. ولكن لما كان غرضنا هو الكشف عمّا يرتكبه أدعياء النقد من مخالفة الضوابط الخُلًقيّة للبحث العلمي، فقد رأينا أن نتعرّض أيضًا لما أقدم عليه المتحدث من التصرف بمضمون الرواية ليوهم الجمهور بدلالتها على مراده.

ولبيان ذلك نقول: إن الرواية تنقل عن عائشة قولها: [وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي].

وهنا نلاحظ أن الرواية تنصّ على وجود نساء أُخريات غير عائشة كنّ يقمن باللدم وضرب الوجوه. فلو سلّمنا مع المتحدث بأنّ اللدم معناه التطبير لغة، فإنَّ الذي يستفاد من الرواية -حينئذ- هو نسبة التطبير إلى نساء مدينة الرسول | ومنهن عائشة، ولا يقتصر الأمر على عائشة وحدها.

ولكن المتحدِّث عند نقله لمضمون الرواية أبى إلا أن يخصّ اللدم بعائشة وحدها، ويسكت عن ذكر لدم بقية النساء، لكي يبلغ بذلك النتيجة التي أرادها، وهي أن التطبير أصله عائشي.

وهنا يجدر بنا أن ننبّه إلى أنه لا يوجَد في الرواية أيّ إشارة إلى مسألة أصل اللدم، وإنما هي تنصُّ فقط على التدام عائشة مع النساء الأُخريات، وهذا لا يدلّ البتة على أن هؤلاء النساء ومعهن عائشة كنّ هنّ أول من اخترع اللدم. فمن أين جاء المتحدث -إذن- بحكاية أصل التطبير وإرجاعه إلى حادثة اللدم بعد وفاة النبي |؟!

هذا.. وقد يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك، فنقول: سواء أقلنا بأن النساء اللواتي تذكرهنّ الرواية كنّ هنّ أول من اخترع اللدم، كما يرى المتحدث، حيث نسب أصل اللدم إلى عائشة التي كانت تلدم معهن، أم قلنا بأنّ اللدم يرجع إلى زمان أسبق من ذلك، كما يقتضيه منطق الأمور، فإنّ النتيجة ستكون في كِلا الحالين واحدة، وهي أنّ اللدم كان يمارس في مجتمع مدينة رسول الله |. وهذا إنّما يقوِّي حجة القائلين بحليَّة التطبير -بناء على ما يراه المتحدث من أن اللدم معناه التطبير-، وعليه فتكون الرواية حجة على المتحدث لا حجة له.

ومما قدمناه يظهر لنا بجلاءٍ أنّ المتحدث المذكور لم يتورَع عن أن ينسب إلى اللغة خلاف ما تقوله وترتضيه، كما أنّه لم يتورَّع أيضًا عن التلاعب بمضمون الرواية. وهو يرتكب في الحالين كِليهما مخالفة صريحة لقِيَم العلم وضوابطه الخُلُقيّة.

2- الحكم على الموضوع استنادًا إلى مصدره

يحاول أدعياء النقد التوسّل بكل ما يتيسر لهم من الوسائل التي توافق أغراضهم وتمكّنهم من تسجيل الاعتراضات على بعض الشعائر الحسينيّة، حتى وصل بهم الأمر إلى الحكم على الظاهرة استنادًا إلى أصلها، أو إلى مصدرها الذي اسْتُقِيَت منه.

فهم -على سبيل المثال- عندما يريدون محاكمة ظاهرة كظاهرة التطبير، فإنّهم يتّخذون من أصل هذه الظاهرة، أو من مصدرها، دليلاً على حرمتها أو بطلانها. وخلاصة دليلهم هذا، هي أن التطبير لم يكن أمرًا معهودًا عند آل بيت النبوة ^، وإنما هو عادة اقتبسناها من بعض العادات المسيحيّة أو القوقازيّة أو الهندوسيّة، أو عن بعض عادات الأمم والملل الأخرى. وهذا ما يجعلها من العادات الباطلة عند المسلمين، ويفضي إلى القول بأنها بدعة من البدع([5]).

ونحن لسنا معنيين هنا بمناقشة أصل ظاهرة التطبير أو مصدرها([6])، إذ إنّ موضوع بحثنا في هذه المقالة يقتصر على النواحي المنهجيّة دون سواها. ولذلك فإنّنا -ومن الناحية المنهجيّة- نسأل: هل يصح في المنهج العلمي القويم أن نستند في حكمنا على أيّ سمة أو عنصر ثقافي مقتبس إلى الأصل أو المصدر الذي اقتُبِست منه تلك السِّمة أو هذا العنصر؟

يجيبنا المنهج العلمي على سؤالنا المتقدم بالنفي. ولكي نبيّن تفصيل هذا الجواب بصورة أوضح، دعنا نستنطق بعض العلوم ذات الصلة بالموضوع، ولننظر لأجل ذلك فيما يراه علم الاجتماع، وبالأخص ما يراه "علم الإنسان- الأنتروبولوجيا"، حيث إن هذا العلم هو العمدة في دراسة مسألة اقتباس السّمات والعناصر الثقافيّة وانتقالها بين المجتمعات. ولنوجّه اهتمامنا بعد ذلك إلى ما يراه علم الفقه، وهو العلم المختص باستنباط الأحكام الشرعيّة، وإليه يُرجع في معرفة صحة أمر ما أو بطلانه، وما إذا كان أمرًا مشروعًا، أو هو بدعة من البدع.

ولأجل معرفة ما يذهب إليه "علم الإنسان" دعنا نستشهد ببعض كلمات أصحاب الاختصاص في هذا العلم ونقتبس بعض ما عرضوه من الأمثلة.

يقول الدكتور حسن شحاته سعفان، في كتابه "علم الإنسان":

[نجد أن سِمَة معينة قد تلعب دورًا في البناء الاجتماعي لمجتمع ما غير الدور الذي تلعبه في بناء آخر، أو قد تقوم في مجتمع بوظيفة غير تلك التي تقوم بها في مجتمع آخر. فالقطع الرمزيّة التي يلبسها بعض الأفراد في المجتمعات المتطورة كالصليب أو الماشا الله تلعب وظيفة الزينة أو التبرك، ولكنها في بعض المجتمعات البدائيّة تلعب وظيفة هامة، فهي أولاً تلعب وظيفة بيان انتماء الفرد لقبيلة معيَّنة، ثم هي تحصّنه ضد بعض الأمراض وأعمال السحر وغيرها..] ([7]).

وهذا معناه أن السّمات أو العناصر الثقافيّة المقتبَسة لا تحتفظ بالدلالة أو الوظيفة نفسها، والتي كانت لها في المجتمع الأول، بل هي تتخذ دلالة ووظيفة جديدتين تنسجمان مع ثقافة المجتمع الثاني الذي قام بعملية الاقتباس، ومثال ذلك القلادة التي لها دلالة ووظيفة خاصّتين عند الوثنيين، ولكنها بعد أن انتقلت إلى المسلمين، وصار يُكتب اسم الله عليها، فقد أصبح لها دلالة ووظيفة مختلفتان، وما عادت تُعدّ من المظاهر الوثنية.

ويؤكّد على الأمر نفسه رالف لنتون في كتابه "دراسة الإنسان" حيث نجده يقول:

[وقد نقلت قبيلة "النفاجو" العديد من خصائص ديانة "البويبلو" نظرًا لأن هذه الخصائص كانت أشياء سَهُلَ عليها ملاحظتها وتقليدها. إلا أن القبيلة في الوقت ذاته لم تقبل المعاني التي حملتها هذه الشعائر والطقوس مع أنها قد اطلعت جزئيًا على خفايا هذه المعاني. فالطقوس عند قبيلة "البويبلو" تُعنى، على نحو رئيسي، بالنواحي المختلفة المتعلقة بالخصب والمطر وجمع الغذاء، أما عند قبيلة "النفاجو" فإن الطقوس التي اقتُبِست بصورة موضوعيّة وُجِّهت لتُعنى بالدرجة الأولى بالإبراء من الأمراض، إذ إن هذه المشكلة كانت موضع اهتمامٍ بالغ عند "النفاجو". وهكذا نرى أنّ المجتمع المقتبِس لم يكتفِ بتعديل الخاصّيات المقتَبسة، بل أكسبها معنى جديدًا يختلف تمامًا عن معناها السابق]([8]).

وهذا النص واضح الدلالة على المقصود، فلا يحتاج منّا إلى زيادة بيان. ولكن يبقى علينا أن نشير إلى أمر آخر قد أوضحه المؤلف المذكور نفسه، ومفاده هو أنّه حتى في الحالات التي يتمّ فيها الاقتباس ودون أن يُجري المجتمعُ المقتبِسُ أيّ تعديل على الشكل الظاهر للسّمات والعناصر المنقولة، فإن المجتمع المقتبِس يقوم -في مثل هذه الحالات- بإعادة تأويل تلك السّمات والعناصر ليدمجها من ثَمَّ في نسقه الثقافي القائم. ولذلك نجد مؤلِفنا يقول:

[.. رأينا كيف تمّ قبول عناصر ثقافيّة جديدة دون تعديل شكلها السطحي وكيف تمّ دمجها في النسق الثقافي القائم عن طريق إعادة تأويلها. وقد تحقق التكامل في هذه الحالة لا بتغيير العناصر التي تمّ قبولها بشكلها الموضوعي، وإنّما بانتقاء وظائف معينة وإسنادها إليها وإضافة قرينة جديدة تُوضِح صلتها بعناصر أخرى. أما احتمال إسناد وظائف جديدة فتحدّده إمكانات الاستعمال الكامنة في العنصر الجديد نفسه، ولكنّه يتوقف على عمليّة انتقائيّة يتمّ عن طريقها استخدام إمكانيات معيَّنة وإهمال أخرى]([9]).

وخلاصة القول هي أن "علم الإنسان-الأنتروبولوجيا" يرى أن الذي يحدِّد الدلالة والوظيفة للسمات والعناصر الثقافيّة المقتبَسة ليس هو المصدر الذي تمّ الاقتباس عنه، بل هو الثقافة القائمة للمجتمع الذي قام بعملية الاقتباس.

وبناء عليه يمكننا القول: إنّ ظاهرةً كظاهرة التطبير، حتى لو افترضنا أنها ظاهرة منقولة عن الآخرين، فإن الذي يحدد وظيفتها ومعناها، ويَصلُح بالتالي ليكون هو مناط الحكم عليها، ليس هو النسق الثقافي للمجتمع الذي اقتُبست عنه، وإنما هو نسقنا الثقافي القائم الذي اندمجت فيه هذه الظاهرة، فأعطاها وظيفة ومعنى جديدين يختلفان عن الوظيفة والمعنى اللذَين كانا لها قبل أن تَجري عمليّة الاقتباس.

والآن، وبعد أن بيَّنا أن "علم الإنسان" لا يُقِّر أدعياء النقد على طريقتهم، ننتقل إلى علم الفقه لكي نتعرف على منهجه في محاكمة العناصر والسِّمات الثقافيّة المقتبَسة، فنقول: إنّ الفقهاء يعتمدون في عملية استنباط الأحكام الشرعيّة على عدد من الأدلة المقررة في علم الأصول، وليس من منهجهم التنقيب في كتب التاريخ عن أصل الفعل أو مصدره بغية تعيين حكمه.

ولذلك فإنّنا لا نجدهم يستدلون على حرمة التدخين -مثلاً- بدليل أن هذه العادة قد نشأت أول الأمر عند الهنود الأميركيين([10])، فيتحتم لأجل ذلك الحكم بحرمتها.   

وقل مثل ذلك في حكم حلق اللحية، فهم لا يستدلون على حرمة هذه العادة بأنها عادة قد نشأت بدايةً في سومر، أو في مصر القديمة([11])

وكذلك هم لا يحرمون -على سبيل المثال- طباعة القرآن الكريم على الورق، بحجة أن الطباعة قد تمّ اختراعها أولاً في الصين، ثم مرت بعد ذلك بعدة مراحل، ومن جملتها اختراع الآلة الكاتبة على يد الألماني "يوهان غوتنبرغ"، حتى وصلت أخيرًا إلى الطباعة بواسطة الليزر...

وبناء على ما تقدّم يتبيَّن لنا أن المنهج الفقهي لا يتّخذ من أصل الفعل أو مصدره دليلاً معتبَرًا على حكمه الشرعي.

ولهذا فإننا نجد أن أدعياء النقد أنفسهم حين يريدون الحكم على بعض المواضيع الأخرى التي لا تتعلق بالشعائر الحسينيّة، فإنهم يتخلّون غالبًا عن طريقتهم هذه في الحكم على الفعل استنادًا إلى مصدره، ولذلك فإننا لا نكاد نسمعهم يحرّمون ظاهرةً كظاهرة إضاءة الشموع في بعض المناسبات الدينيّة، كمناسبة ذكرى مولد النبي الأكرم |، أو ذكرى مواليد أئمة آل البيت ^، كما أننا لا نكاد نسمعهم يصفونها بأنها بدعة، بل ربما نجد بعضهم يمارسونها، أو يشجعون عليها، وذلك على الرغم من أنها لم تكن من العادات التي قام بها النبي الأكرم |، ولا الأئمة الأطهار ^، بل هي قد جاءتنا من بعض أصحاب المِلل والديانات الأخرى!

وخلاصة القول هي أن الدخلاء على النقد حين يستندون في حكمهم على بعض الشعائر الحسينيّة إلى ما يظنون أنه أصلها أو مصدرها، فإنهم يضيفون إلى رصيد أخطائهم خطأً منهجيًا جديدًا، لا تقرّهم عليه المناهج العلميّة ذات الصلة بالموضوع، سواء في ذلك مناهج العلوم الإنسانيّة، أو منهج علم الفقه الذي تناط به عمليّة استنباط الأحكام الشرعيّة. 

3- التمسك بالعنوان الثانوي حتى لو ضخّم المشكلة 

قد يكون الحكم الأولي لفعل من الأفعال هو الحِلّ أو الوجوب -مثلاً-، ولكن قد يطرأ على هذا الفعل عنوان ثانوي، فيبدّل حكمه من الحِلّ أو الوجوب إلى الحرمة، أو ربما يحدث العكس، فيتبدّل الحكم من الحرمة إلى الإباحة أو الوجوب.

فالصدق -مثلاً- واجب بالعنوان الأولي، ولكن إذا كان الصدق سيؤدّّي إلى قتل المؤمن البريء، فإنْ لم تُمْكِن التورية، فإنّ حكم الصدق سيتبدّل -بالعنوان الثانوي- إلى الحرمة.

وقد استند البعض إلى العناوين الثانوية ليحرّم بعض الشعائر الحسينية، فذهب إلى أنّ التطبير -مثلاً- وإن كان محلَّلاً بعنوانه الأولي، إلا أنه محكوم بالحرمة بالعنوان الثانوي، وذلك لأنّه قد غدا موردًا لاستهزاء الآخرين بالشيعة، وهو أمر يؤدّي إلى إضعاف المذهب وتوهينه.

ولما كان بحثنا يقتصر على معالجة "الأخطاء المنهجيّة" فقط، دون غيرها من "الأخطاء المضمونيّة"، فلذلك سوف لن نناقش هنا أصحاب هذا الرأي فيما شخّصوه من أن الاستهزاء يؤدّي إلى توهين المذهب، وأنّ ذلك لا بدّ وأن يُفضي إلى تبدّل العناوين وتغيّر الأحكام([12]).

بل يكفينا في المقام -ومن الناحية المنهجيّة- أن نسأل: ماذا لو أدّى التمسّك بالعنوان الثانوي إلى مشكلة أهمّ وأخطر من المشكلة التي يُراد التخلص منها؟ فهل يبقى الحكم على طِبق هذا العنوان -حينئذ- مُسَوَّغًا؟

وبعبارة أخرى نقول: لو سلّمنا بأن سخرية الآخرين واستهزاءهم بالتطبير يؤدّيان فعلاً إلى توهين المذهب وإضعافه، وأنه لا بدّ لأجل ذلك من الإفتاء بحرمة التطبير بالعنوان الثانوي، أفلا يغدو من حقّنا حينئذ أن نسأل: ماذا لو أدّت فتوى تحريم التطبير إلى ما هو أشدّ وأعظم خطرًا من التوهين، وذلك كأن تؤدّي إلى هتك المذهب، وتمزيق وحدة أبنائه؟  

ولسنا نقول هذا على سبيل الفرض والاحتمال، وإنما هو أمر قد أصبح واقعًا مشهودًا، حيث باتت الساحة الشيعيّة تشهد حدوث معركة إعلاميّة ضارية بين فئات من الناس، ممن يؤيدون فتوى التحريم، ويسعون إلى ترويجها بكلّ ما يتيسر لهم من طاقات وجهود، وبين فئات أخرى، ممن يعارضون هذه الفتوى، ويناصرون القول بحليّة التطبير.

وقد غدت أحداث هذه المعركة تتكرر في كل عام، وبات يُستخدَم فيها جميعُ أنواع الوسائل والأسلحة الإعلاميّة، بما في ذلك المراكز الدينيّة، وقنوات التلفزة، ومواقع الإنترنت، والصحف، والإذاعات...، كما أُلقيَت فيها الخطب، وأُلّفت الكتب، ونُشرت المقالات، وأُنشِدت الأناشيد، وظهرت الرسوم الكاريكاتوريّة، وجرى تبادل التّهم والإهانات...

وكانت نتيجة ذلك كلّه، هي أن التمسك بالعنوان الثانوي للفرار من سخرية الآخرين، قد انتهى إلى مشكلة أهمّ وأعظم، حيث صرنا نمثِّلُ أضحوكة لهم، ولم نعدْ مجرد مورد لسخريتهم واستهزائهم. كما أنّ التمسك بهذا العنوان نفسه، بحجَّة درء خطر توهين المذهب، قد أفضى إلى هتك المذهب وتمزيق وحدة أبنائه. ولله در الشاعر حيث يقول:

المستجير بعمرو عند كربته

 

 

كالمستجير من الرمضاء بالنار

 

وهنا نعود لكي نسأل: إذا كان المنهج يقتضي تحريم التطبير بالعنوان الثانوي، وذلك لأنّه يستوجب السخرية وتوهين المذهب، فما هو حكم إصدار الفتوى بتحريم هذا الفعل، والتي تؤدّي إلى جعلنا أضحوكة عند الآخرين، وتُفضي إلى تمزيق المذهب وتفريق أبنائه؟

أفلا يقتضي المنهج نفسه -ومن باب أَولى- أن يقال بحرمة إصدار فتوى تُحرّم التطبير؟ سيما وأن التطبير هو فِعلٌ محلّل بالعنوان الأولي! وفي حال كانت هذه الفتوى قد صدرت قبلاً، ولم يكن من المتوقع أن تؤدّي إلى ما أدّت إليه من النتائج، أفلا يجب القول -حينئذ- بحرمة الإبقاء عليها -ولو بالعنوان الثانوي-؟ 

وخلاصة الأمر هي أنه إذا كان لا بدّ من مراعاة العنوان الثانوي فرارًا من توهين المذهب، فإن القواعد المنهجيّة تفرض علينا أن نراعي هذا العنوان نفسه، وبصورة أشدّ وآكد، عندما تصل النوبة إلى هتك المذهب وتمزيق وحدته.


 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) راجع مجلة رسالة النجف، العدد الرابع من السنة الثانية، 2006.

([2]) هنالك أكثر من رواية تنقل خبر التدام عائشة، ولكن مضمونها جميعها واحد، كما أن ألفاظها متقاربة، ولذلك اكتفينا بنقل رواية واحدة فقط.

([3]) مسند أبي يعلى الموصلي، ج8 ص63 ح 4586 الهامش2، (كما رواه أحمد في مسنده ج6 ص274).

([4]) أبو منصور الثعالبي: فقه اللغة وسرّ العربية، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، تحقيق ومراجعة عبد الرزاق المهدي، ط1، 1422هـ -2002م، ص142.

([5]) يبدو أن طريقة محاكمة الظاهرة استنادًا إلى أصلها هي طريقة وهّابية، وقد تسربت عن طريقهم إلى أدعياء النقد.

([6]) يذهب البعض إلى أن التطبير لم يأتِ من مصدر خارجي، بل له بعض المناشئ في أحداث تاريخنا الإسلامي، والتي يمكن أن نذكر من أمثلتها ما تعرّض له أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه، وكذلك ما يحكى عن السيدة زينب سلام الله عليها من أنها نطحت جبينها بمقدم المحمل، ومثل ذلك ما ينقل من أن صعصعة بن صوحان عليه الرحمة قد جرّد هو وصحبه سيوفهم وضربوا بها رؤوسهم عندما علموا بمقتل الحسين (عليه السلام).

([7]) د. حسن شحاته سعفان: علم الإنسان، منشورات مكتبة العرفان-بيروت، د.ت، د.ط، ص116.

([8]) رالف لنتون: دراسة الإنسان، ترجمة عبد الملك الناشف، منشورات المكتبة العصرية-صيدا-بيروت، بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر-بيروت-نيويورك، 1964، ص458.

([9]) نفسه ص481.

([10]) انظر المصدر نفسه ص431.

([11]) أنظر المصدر نفسه ص430.

([12]) تُعلِّمنا بعض آيات القرآن الكريم، وكذلك بعض الأحاديث الشريفة، بأن لا نهتمّ ولا نبالي باستهزاء المبطلين، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}. وقول رسول الله | للإمام علي (عليه السلام): [يا علي، من عَمَّر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبيك من النعيم وقرّة العين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكنّ حثالةً من الناس يُعيّرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر الزانية بزناها، أولئك شرار أُمّتي لا أنالهم الله شفاعتي ولا يََرِدون حوضي]. (وسائل الشيعة، ج10 باب 26 ص298 ح1).

 

 

 

الكوفة عاصمة الإمام علي (ع)

بين الولاء والغدر

د. طارق شمس

 

عُرِفَت مدينة الكوفة منذ فتح الجيوش الإسلامية للعراق، حيث تحوّلت بعض المعسكرات التي تجمَّعت فيها الجيوش الإسلامية إلى أماكن ثابتة للدفاع عن البلاد والذّود عنها من أيّ اعتداءات من قِبَل البيزنطيين والفُرُس، وهذه المعسكرات حَمَلت أسماء دخلت تاريخ العالم الإسلامي من بابه الواسع، ولعبت دورًا بارزًا في تاريخ الدولة العربية الإسلامية، فتحوّل بعضها إلى عواصم، وأصبحت مركزًا لانطلاق الثورات والجيوش، وتحطيم العروش ومنها العرش الأموي نفسه.

وقد أدرك الخلفاء المسلمون أهميتها، فحاولوا إخضاعَها وكسبَ رضى سكانها، كونَها تمثّل تجمُّعًا كبيرًا للقوى العربية في بلاد العراق. ومنها الكوفة التي هي محوَر بحثنا.

أبرز ما ذكره الجغرافيون عنها

- المقدسي: [قصبة جليلة خفيفة، حسنة البناء، جليلة الأسواق كثيرة الخيرات... مصّرها سعد بن أبي وقاص أيام عمر، وكلُّ رمل خالطه حصى فهو كوفة... وكان البلد في القديم الحيرة وقد خربت، وأول من نزلها من الصحابة علي بن أبي طالب (عليه السلام)...]([1]).

- ابن حوقل: [مدينة الكوفة قريبة من مدينة البصرة في الكبر، هواؤها أصحّ، وماؤها أعذب، وهي على الفرات، بناؤها كبناء البصرة، وهي خطط لقبائل العرب]([2]).

- القزويني: [هي التي مصّرها الإسلاميون بعد البصرة بسنتين، يأتيها الماء بعذوبة وبرودة... وزعموا أن مِنْ أصدقِ ما يقول الناس في أهل كل بلدة قولهم: (الكوفي لا يوفي)، ومما نُقِمَ على أهل الكوفة أنهم طَعَنوا الحسن بن علي (عليه السلام)، وقتلوا الحسين (عليه السلام)، بعد أن استدعوه]([3]).

- البلاذري: [... أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة وقيروانًا، وأن لا يجعل بينه وبينهم بحرًا، فأتى الأنبار وأراد أن يتخذها منزلاً فكثُر على الناس الذباب، فتحوَّل إلى موضع آخر فلم يصلح، فتحوّل إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل، وأنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها، وذلك في سنة 17هـ]([4]).

- الزبيدي: في تفسيره لمعنى اسم "الكوفة": [الرملة الحمراء المجتمعة، وقيل المستديرة، أو كل رملة تخالطها الحصباء، أو الرملة ما كانت... واختُلِفَ في سبب تسميتها، فقيل سُمِّيَتْ لاستدارتها، وقيل بسبب اجتماع الناس بها، وقيل لكونها كانت رملة حمراء، أو لاختلاط ترابها بالحصى.... وسميت بكوفان، وهو جبل صغير فسهَّلوه واختطوا عليه... وكوفان... أي في عزٍ ومنعة... أو لأن سعدًا (سعد بن أبي وقاص) لما أراد أن يبني الكوفة ارتاد هذه المنزلة للمسلمين، قال لهم: تكوَّفوا في هذا المكان، أي اجتمعوا فيه، أو لأنه قال: كوِّفوا هذه الرملة أي نحُّوها وانزلوا]([5]).

وفي التفاصيل يورد الطبري في تاريخه: [.... كتب عمر إلى سعد: أنبئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومَهم؟ فكتب إليه: إن العرب خدّدهم وكفى ألوانَهم وُخُومةُ المدائن ودجلة، فكتب إليه: إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان. وطلب الخليفة عمر بن الخطاب من سعد بأن يبعث كلاًّ من سلمان وحذيفة -وكانا رائدي الجيش- فيرتادا منزلاً بريًا بحريًا، ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر...، وسار كل من سلمان وحذيفة فوصلا الكوفة، وكتبوا إلى سعد بالخبر]([6]).

ومع وصول الخبر إلى سعد [ارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرم سنة 17هـ]([7]).

وهكذا ظهرت مستعمرات عسكرية جديدة، شُيّدت للمقاتلة من المسلمين كالفسطاط في مصر، والقيروان في أفريقيا، والكوفة والبصرة في العراق([8]).

ومع انتقال زعامة الدولة من المدينة المنورة، ظهرت مدن قوية ماديًا وعسكريًا، وكثيرة العدد، فانتقل الإمام علي (عليه السلام) في تشرين الأول من العام 656م إلى العراق، ودخل الكوفة التي كانت المستعمرة العسكرية الثانية في العراق([9]).

وهذه المدينة التي اختُطَّت لتكون معسكرًا للمسلمين، تكاثرت فيها الناس، ومع قدوم الإمام علي (عليه السلام) إليها وإقامته فيها، تحوَّلت إلى عاصمة للمسلمين ممن والى الإمام عليًا (عليه السلام) وبايعه بالخلافة، وفيها قتل (عليه السلام) ([10]).

أهمية الكوفة اقتصاديًا

نظرًا لأهمية الدور الاقتصادي في السياسة والحرب، فإن مدينة الكوفة لعبت دورًا تجاريًا بارزًا في عصرها الذهبي.

فالحيرة، والتي عُرِفت قبل الكوفة، وهي مدينة تاريخيّة، كانت قاعدة للمناذِرة وعاصمتهم، وتبعد عن الكوفة حوالى سبعة كيلومترات([11])، كانت محطة تجارية كبرى، ربطت بين بلاد الفرس والهند، وبين سوريا وبلاد الروم واليونان، حتى ازدهرت اقتصاديًا [وفاض المال حتى أن أهالي الحيرة من سعة ذات اليد، كانوا أولاً يتعاملون بالذهب وزنًا...]([12]).

ومع قيام الكوفة نشأت فيها "مدينة الرزق" أو "دار الرزق"، والتي ظهرت أيضًا في البصرة والفسطاط([13])، وهي عبارة عن مخزن وظيفته الحفاظ على أموال الصدقات والغنائم قبل أن توزع على الجند([14]).

تحوّلت هذه الدار إلى دار مضاربة اقتصادية فيما بعد، ولعبت دورًا مهمًا في حركة الاضطرابات والفتن التي عرفتها الكوفة. ومع تأسيس هذه الدار، نُصِبت سلسلة على رأس الجسر، لعبت دور "الكمرك" على عهد الساسانيين([15]).

إن قيام هذه الدار في مدينة الكوفة أظهر أهمية المدينة اقتصاديًا، كما ساهم في الرفع من شأنها عند السلطة الحاكمة المتواجدة في دمشق في العصر الأموي.

ومدينة الكوفة كانت غنيّة أيضًا بأسواقها، وتواجدت فيها محال الصيرفة والمسلِفون، ودكاك العبيد ومحلات المراهنين على الحيوانات العاملة...([16]).

وكان لحوانيت الصيرفة وأصحابها دور أساسي في المؤامرات والأحداث السياسية التي عرفتها المدينة، حيث إن عمل الصيرفة كان مربحًا، مما حوّل الصيارفة إلى قوة اقتصادية امتلكت زمام القدرة على التغيير السياسي، فعلى سبيل المثال، فإنّ الدعم الذي تلقاه الدعاة العباسيّون زمن حكم الأمويين كان من بعض صيارفة الكوفة، حتى أن أحد الصيارفة المدعو ابن مقارن تعهَّد للمنصور العباسي عام 145هـ [بالدّعة والطمأنينة في الكوفة]. مما يظهر قدرة هؤلاء في السيطرة على العامة من خلال شراء رؤوس القبائل([17]).

وأتقن الصيارفة في الكوفة عملهم حتى تحولوا إلى أشبه ما يكون ببنوك اليوم، وفي البداية كانت محال الصيرفة للنصارى الذين كانوا في الحيرة، وفي القرن العاشر للميلاد تلقّف فنَّ الصيرفة هذا جماعةٌ من يهود بغداد آخذين له من المدائن([18]).

وفي ذلك يقول المؤرخ لويس ماسينيون: [كانت الأقلية المسيحية هي التي تستطيع التحكيم بين الفُرُس ذوي المسكوكات الفضية والبيزنطيين أصحاب المسكوكات الذهبية، فعلى هذا كانت تجارة التبادل والصيرفة في أيديهم]([19]).

وبعدهم ظهر صيارفة من المسلمين كانوا على اتصال مع الصيارفة النصارى، ومن أبرز الصيارفة المسلمين:

- سدير بن الحكيم، كان من الشيعة الاثني عشرية، ومن أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

- معلى بن خنيس الأسدي، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد قتله صاحب الشرطة في مكة (في أيام داود بن علي والي بني العباس).

- بسام بن عبد الله، وقد قتل سنة 138هـ لتحزُّبه إلى إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ([20]).      

- المفضَّل الجعفي، وكان أحد الوكلاء للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ([21]).

الكناسة

كما عَرَفت الكوفةُ محلة أو سوقًا أو محطة تجارية، عُرِفت باسم الكناسة، وهي تقع في إحدى ضواحي الكوفة، حيث كانت تُرمى فيها أنقاض بني أسد، ومع مرور الزمن ازدادت أهمّيتها فتحوّلت إلى ميناء تجاري هام تجري فيها عمليات التصدير والاستيراد، وأصبحت ملتقى للأدباء والشعراء نظرًا للتجمع البشري الكبير فيها.

وفي هذا المكان نشأت سوق البزازين، التي كان يتم فيها شراءُ الحمير والبغال، والإبل والدواب، والعبيد، وإعادةُ بيعها.

وفي هذا المكان عَسْكَرَ الإمامُ علي (عليه السلام) قبل التوجه إلى صفين، وكذلك الإمام الحسن (عليه السلام) عند توجّهه لمحاربة معاوية، وكذلك فعل ابن زياد عند تجهيزه الجيش لحرب الإمام الحسين (عليه السلام)، وفيها عُرِض أيضًا جثمان زيد بن علي الشهيد([22]).

ومع الوقت تحوَّلت الكناسة إلى دُوْرِ سكنٍ عامرة للقبائل، وإلى منتدى أدبي في نفس الوقت([23]).

القبائل التي نزلت الكوفة بعد الإسلام

عند وصول جند المسلمين إلى العراق، ونزولهم في الكوفة، كانت مجرد أكوام وكتل من الأكواخ القصبية والخيام التي تمَّ نصبها مؤقتًا للجند والنساء اللاتي كنّ يرافقنهم. وظلت الكوفة على هذه الحال طيلة الخمسة أعوام الأولى، إلى أن بدأ المسلمون يشيدون مساكنهم من الآجر([24])، وعلى مدى ثلاثين عامًا بقيت تلك المخيمات والأكواخ مقسَّمة إلى سبع مناطق عسكرية، نسبة إلى المقاتِلة من القبائل، تبعًا للقيادات والتعبئة عند النفير والخروج للجهاد([25]).

وهذه القبائل هي:

1- كنانة وحلفاؤهم (الأحابيش) وجديلة، وكانوا أعوانًا للولاة من قريش أو الأمويين.

2- قضاعة وغسان وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والأزد. وهم من اليمانيين، يقول ماسينون في تعريفهم([26]): [كانت السيادة فيهم لطائفتين، أولاً: بجيلة التي كان رئيسها جرير صديقًا خاصًا للخليفة عمر الذي كان قد خصّص لأفرادها عطاءً سنويًا]، وكندة التي التزمتها أسرة الأشعت بن قيس.

3- مذحج وحِمْيَر وهمدان، وهم من اليمن.

4- تميم والرباب وبنو العصر، من المضر.

5- أسد، وغطفان، ومحارب، ونمير، وضبيعة، وتغلب، وهم من ربيعة.

6- إياد، وعك، وعبد القيس، والحمراء.

7- طيء

هذه الفيالق، التي كانت تحصل على حصة من الغنائم والفيء، كان يتغير تعدادها تبعًا للسلطة الحاكمة، وتبعًا لولائها لهذا الحاكم أو ذاك.

ويُورِد المؤرخ ماسينيون أن هذه القبائل، عدا الحجازية منها، كانت تضمّ عناصر شديدة البداوة، سكان الخيم وبيوت الشَّعر أصحاب الإبل (بنو دارم من تميم)، أو عناصر من اليمنيين القدماء، ونصف الرّحالة، أو مَن قَدِم من الجنوب الشرقي مع جموع الإيرانيين، أما العناصر التي نزحت من اليمن وحضرموت وهم عرب، كانوا أكثر حضارة من الآخرين، وهم:

1- كندة وبجيلة (نصف متحضّرة).

2- مذحج، حِمْيَر، همدان، متحضّرة من سكان المدن والقرى اليمنية.

وقد لعبت هذه العناصر المتحضرة دورًا في تحضّر بقية العناصر، بعكس البصرة التي كانت تلك العناصر المتحضّرة قليلة فيها([27]).

موقف الكوفة من آل البيت (عليهم السلام)

يقول الشهيد السيد نور الله التُّسْتَري في كتابه إحقاق الحق: [إن قريشًا كانت كارهة للإمام علي (عليه السلام)، إلا من كان مؤمنًا منهم، فهو الذي قتل أبطال قريش وفلق الهامات من شجعانهم في غزوات النبي (صلى الله عليه وآله)، لذا فإنهم كانوا قد عصبوه بتلك الدماء، وطالبوا بالثأر -مع ما كانوا يحملون في قلوبهم له من الحقد والبغضاء- وهم لم يكونوا قد أسلموا إلا يوم فتح مكة، وأُرغموا على ذلك وهم كارهون (عدا المهاجرين منهم)، وبالتالي فإنهم كانوا يترقّبون الفرص للانقضاض عليه والأخذ بثأرهم].

ومع موت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) انقلبوا وتآمروا على الإمام علي (عليه السلام)، وعندما بويع بالخلافة [صاروا يثيرون الفتن ويحدثون الخلاف، ثم تألَّبوا فجرّدوا السيوف في وجهه ووجه أبنائه...]([28])، وبالتالي فلم يكن مع الإمام علي (عليه السلام) في صِفِّين سوى خمسة من رؤساء قريش، بينما انضم الثلاثة عشر بطنًا من بطونها مع ألويتها إلى معاوية([29]).

أما أهل اليمن فإنّ موقعهم من الإمام علي (عليه السلام) كان مختلِفًا، وهذا يعود إلى كونهم أسلموا على يديه. وفي ذلك يقول ابن الأثير:

[في هذه السنة (العاشرة للهجرة) بعث رسول الله (ص) عليًا إلى اليمن، وكان قد أرسل قبله خالد بن الوليد إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأرسل عليًا وأمره أن يعقل خالدًا ومن شاء من أصحابه (أي يعيدهم)، ففعل، وقرأ عليٌّ كتاب رسول الله (ص) على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله (ص)، فقال: السلام على همدان، يقوله ثلاثًا، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وكتب بذلك إلى رسول الله (ص)، فسجد شكرًا لله تعالى]([30]).

بذلك نجد أن أهل الكوفة كانوا منقسمين إلى قسمين، أحدهما كان يكنّ الحقد والضغينة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والآخر وهم اليمانيون كانوا معه، وهذا ما يوضح النصوص التي صدرت عن آل البيت (عليهم السلام) ، من مدح وذم تجاه أهل الكوفة، والتي منها ما ورد في المديح:

1- عن الإمام علي (عليه السلام) قال: الكوفة جمجمة الإسلام وكنز الإيمان وسيف الله ورمحه يضعه الله حيث يشاء، وأَيْمُ الله لَيَنْصُرَنَّ اللهُ بأهلها في مشارق الأرض ومغاربها كما انتصر بالحجاز([31]).

2- عن الإمام علي (عليه السلام) أيضًا مخاطبًا أهل الكوفة عند مسيره إلى صفين: [يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوّي المحلين، بكم أضرب المُدبِر وأرجو تمام طاعة المُقْبِل]([32]).

وغيرها من نصوص المديح، وفي المقابل وردت نصوص أخرى تذمُّ الكوفة وأهل العراق، أبرزها:

1- ما ذكره اليعقوبي عن الإمام علي (عليه السلام) مخاطبًا أهل الكوفة يستحثهم للخروج لحرب معاوية بعد النهروان فتثاقلوا:

[أما بعد، يا أهل الكوفة أكُلَّما أقبل منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل امرئ بابه وانجحر في بيته انجحار الضب والضبع الذليل في وجاره؟ أفٍ لكم! لقد لقيت منكم يومًا أناجيكم ويومًا أناديكم، فلا إخوان عند النجاء، ولا أحرار عند النداء].

ويضيف اليعقوبي: [فلما دخل بيته قام عدي بن حاتم فقال: هذا والله الخذلان القبيح! ثم دخل إليه فقال: يا أمير المؤمنين، معي ألف رجل من طيء لا يعصونني، وإن شئتَ أن أسير بهم سرتَ؟ فقال علي: جزاك الله خيراً، يا أبا طريف، ما كنت لأعرض قبيلة واحدة لِحَدّ أهل الشام، ولكن اخرج إلى النخيلة! فخرج واتّبعه الناس، فسار عدي على شاطئ الفرات، فأغار على أدنى الشام]([33]).

ويقول في موضع آخر، وبعدما هاجم جيش معاوية أهل العراق وقتل منهم مقتلَة، قام الإمام علي (عليه السلام) خطيبًا فقال: [يا أهل الكوفة اخرجوا إلى جيش لكم قد أصيب منه طرف... فامنعوا حريمكم وقاتلوا عدوّكم. فردّوا ردًا ضعيفًا، فقال (عليه السلام): يا أهل العراق! وددت أن لي بكم بكل ثمانية منكم رجلاً من أهل الشام، وويل لهم، قاتلوا مع تصبرهم على جور، ويحكم! اخرجوا معي، ثم فرّوا عني إن بدا لكم، فوالله إني لأرجو شهادة، وإنها لتدور على رأسي مع ما لي من الروح العظيم في ترك مداراتكم كما تدارى البكار الغمرة، أو الثياب المتهتكة، كلما حيصت من جانب تهتكت من جانب]([34]).

ويضيف اليعقوبي: [فقام إليه حِجْرُ بن عدي الكندي فقال: يا أمير المؤمنين: لا قرَّب الله مني إلى الجنة من لا يحب قربَك... اندب معي الناس المناصحين... فتهلّل وأثنى على حِجر جميلاً...]([35]).

وفي موضع آخر، يخاطب الإمام علي (عليه السلام) أهل الكوفة قائلاً: [أيها الناس، إن أول نقصكم ذهاب أولي النهى والرأي منكم الذين يحدّثون فيصدقون، ويقولون فيفعلون، وإني قد دعوتكم عَودًا وبدءًا، وسرًا وجهرًا، وليلاً ونهارًا، فما يزيدكم دعائي إلا فرارًا، ما ينفعكم الموعظة ولا الدعاء إلى الهدى والحكمة، أما واللهِ إني لعالم بما يصلحكم، ولكن في ذلك فسادي، أمهلوني قليلاً، فوالله لقد جاءكم من يحزنكم ويعذّبكم ويعذّبه الله بكم، إن مِن ذُلِّ الإسلام وهلاك الدِّين أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجيبون، وأدعوكم، وانتم لا تصلحون، فتراعون...

فقام جارية بن قدامة السعدي فقال: يا أمير المؤمنين، لا عدمنا الله قربك، ولا أرانا فراقك، فنِعمَ الأدب أدبك، ونِعمَ الإمام واللهِ أنتَ، أنا لهؤلاء القوم فسرِّحني إليهم... ثم قام وهب بن مسعود الخثعمي....]([36]).

هكذا نلاحظ، أن أهل الكوفة لم يكن جميعهم ممن والى الإمام عليًا (عليه السلام) وشيعتُه، ففيهم المحبّ والمبغض، أي أنه لم يكن هناك إجماع في الكوفة على موالاة الإمام علي (عليه السلام).

وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد: [... بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره فإنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص شيعته]([37]).

وبالتالي فإنّ جيش الإمام علي (عليه السلام)، كانت فيه ولاءات متعددة، وعناصر معاندة ومشاغبة.

يقول ابن أبي الحديد في ذلك: [... وبهذا ونحوه استدل أصحابنا المتكلمون على حُسْنِ سياسته وصحة تدبيره، لأنَّ من مُنِيَ بهذه الرعية المختلِفة الأهواء وهذا الجيش العاصي له، المتمرِّد عليه، ثم كسر بهم الأعداء وقتل بهم الرؤساء فليس يبلغ أحد في حُسْنِ السياسة وصحة التبليغ مبلغه...]([38]).

يضيف أيضًا: [... ومن تأمل أحواله (عليه السلام) في خلافته عَلِمَ أنه كان كالمحجور عليه لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه، وذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين، وكان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه، ويرون تفضيل من تقدَّمه من الخلفاء عليه، ويظنون أن الأفضلية إنما هي الخلافة... ولا يرونه إلا بعين التبعيّة لمن سبقه، وأنه كان رعيّة لهم، وأكثرهم إنما يحارب معه بالحميّة وبنخوة العربيّة، لا بالدين والعقيدة، وكان (عليه السلام) مدفوعًا إلى مداراتهم ومقاربتهم ولم يكن قادرًا على إظهار ما عنده]([39]).

ويضيف: [فإنّ أصحابه كانوا فرقتين: إحداهما تذهب إلى أن عثمان قُتِلَ مظلومًا، وتتولاه وتبرأ من أعدائه، والأخرى -وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغَناء والبأس- يعتقدون أن عثمان قُتِلَ لأحداث أوجبت عليه القتل، وقد كان منهم من يصرِّح بتكفيره. وكل من هاتين الفرقتين يزعم أن عليًا (عليه السلام) موافق لها على رأيها وتطلبه في كل وقت بأن يُبدي مذهبه من عثمان، وتسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره، وكان (عليه السلام) يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى وأسلمته، وتولَّت عنه وخذلته، فأخذ يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها، فتارة يقول: "الله قَتَلَهُ وأنا معه". وتذهب الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن الله أماته وسَيُميتُني كما أماته.. وتذهب الطائفة الأخرى إلى أنه أراد أنه قَتَلَ عثمان مع قَتْلِ الله له أيضًا. وكذلك قوله تارة أخرى: "ما أمرتُ به ولا نهيتُ عنه:، وقوله (عليه السلام): "لو أمرتُ به لكنتُ قاتلاً، ولو نهيتُ عنه لكنتُ ناصرًا"، وأشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه، فلم يزل على هذه الوتيرة حتى قُبِضَ، وكل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها. فلو لم يكن له من السياسة([40]) إلا هذا القدر -مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان والحاجة إلى ذِكْرِهِ في كل مقام- لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها، وأحذقهم فيها، وأعلمهم بوجوه مخارج الكلام، وتدبير أحوال الرجال]([41]).

وبعد مقتل الإمام علي (عليه السلام) بايع أهل الكوفة وَلَدَهُ الإمام الحسن (عليه السلام)، وتبعهم في ذلك أهل البصرة والمدائن وباقي العراق والحجاز واليمن وفارس، وبعض كبار المهاجرين والأنصار، بينما رفض والي الشام معاوية ومَنْ معه مبايعته، كما لم يبايعه البعض، وهم من لُقِّبوا حينها "بالقعاد"([42]).

إلا أن الإمام الحسن (عليه السلام) وجد الناس قد تفرَّقوا عنه، وانقلب عليه معظم قادة جيشه، وكادوا أن يقتلوه([43]).

 فأُجبِر على القبول بالصلح مع معاوية، لينتقل بعدها الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المدينة المنورة مع أهل بيته، حيث ما لبث أن قُتِل مسمومًا هناك...

وعندما سُئِلَ الإمام الحسن (عليه السلام) عن السبب الذي دفعه إلى تسليم الخلافة إلى معاوية، قال: [كرهتُ الدنيا، ورأيتُ أهل الكوفة قومًا لا يثقُ بهم أحد أبدًا إلا غُلِبَ...]([44]).

وهكذا نفهم ما حصل مع الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن أرسل أهل الكوفة في طلبه ومن ثم انقلبوا عليه.

وهكذا تظهر مدينة الكوفة عاصمة للقبائل العربية المختلفة الأهواء، التي تجمَّعت وبسرعة لخوض الحروب الكبرى ضد الفرس من جهة والبيزنطيين من جهة أخرى.

هذه المدينة التي قصدها الإمام علي (عليه السلام)، فكانت عاصمة الدولة الإسلامية، ومََقَرًًّا لخليفة المسلمين الذي حاول إعادة بناء الدولة الإسلامية على أُسس صحيحة بعد أن تلاعبت الأهواء بالدولة الفتيّة، وتزاحم أصحاب المآرب السياسيّة بهدف السيطرة على الخلافة، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، لم تكن وفيَّة للإمام علي (عليه السلام)، بل انقلبت عليه وعلى أبنائه أحفاد الرسول (صلى الله عليه وآله).

هذا الغدر من قِبَل أهل الكوفة كان مضرب المثل حينها، حتى أن الأمويين أنفسهم تعاملوا مع الكوفيين على هذه الخلفية، فنجد معاوية يخاطبهم قائلاً: [والله إني ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وانتم له كارهون]([45]).

وأيضًا عندما خاطب الحجاج الثقفي أهل الكوفة قائلاً: [إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها] ([46]).

وهو ما ظهر حتى عند المنصور العباسي، الذي اتخذ من الكوفة العاصمة الأولى للدولة العباسية، إلا أنه سرعان ما نقل عاصمته إلى بغداد.

وهذا يدل على أن الحكّام أدركوا -أو أنهم كانوا يعلمون- أهواء أهل الكوفة وكيفيّة تشكّل قبائلهم وخلفيات زعمائهم، لذا تعاملوا معهم بالعنف والتهديد.

فالنتيجة أنه لا يصحّ الحكم على مدينة الكوفة حُكْمًا عامًا بالولاء أو الغدر، وإنما هم خليط متشعّب الأهواء والنزعات السياسية والقبلية، ومتعدّد المشارب، بين الموالين لآل البيت (عليهم السلام) كاليمانيين، والمعادين لهم كبعض القبائل الأخرى.

مضافًا إلى أنّ العالم الإسلامي -وفي بداية تشكّله- كان يتكوّن من السلطة الحاكمة التي كانت من قريش، والتي كان معادية أو تحمل الضغينة تجاه الإمام علي وأبنائه (عليهم السلام)، والعامة من القبائل التي كانت تسير وراء أهواء زعمائها وغاياتهم السياسيّة التي كانت تلتقي مع غايات ومصالح الحكّام بشكل عام.

هذا الواقع فرض نفسه مع استفراد معاوية بن أبي سفيان بالحكم وجعلها وراثة في صلبه، واستمرت مع بني مروان والعباسيين من بعدهم، حتى إن هذه الأُسر الحاكمة -من أمويّة وعباسيّة- كانت تسعى إلى السلطة فقط وبشكل كلي بعيدًا عن الدين، وهذا ما ظهر من خلال طريقة إدارتها للسلطة، فكانوا كالملوك لا كخلفاء الإسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

([1]) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1987، ص 105.

([2]) ابن حوقل، صورة الأرض، بيروت: دار مكتبة الحياة، 1992، ص 215.

([3]) القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، بيروت: دار صادر، د.ت، ج1، ص251.

([4]) البلاذري، فتوح البلدان، بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1988، ص270.

([5]) الزبيدي، تاج العروس، بيروت: دار الفكر، 1994، ج12، ص469.

([6]) الطبري، تاريخه، بيروت: دار الفكر، ط1، 1998، ج4، ص224-225.

([7]) الطبري، المصدر نفسه، ج4 ص225.

([8]) بروكلمن، تاريخ الشعوب الإسلامية، بيروت: دار العلم للملايين، ط15، 2002، ص108.

([9]) المرجع نفسه، ص116.

([10]) كي ليسترانج، بلدان الخلافة الشرقية، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1985، ص101-102.

([11]) القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، مصدر سابق، ج1: ص359.

([12]) حسين البراقي، تاريخ الكوفة، بيروت: دار الأضواء، ط4، 1987، ص147.

([13]) ماسينيون، خطط الكوفة، ترجمة تقي بن محمد المصعبي، لندن، دار الوراق، ط1، 2009، ص41.

([14]) المرجع نفسه.

([15]) عبد المحسن شلاش، آبار النجف ومجاريها، مطبعة الراعي/النجف الأشرف 1366هـ/1947م.

([16]) حسين البراقي، تاريخ الكوفة، مرجع سابق، ص 148.

([17]) حسين البراقي، تاريخ الكوفة، مرجع سابق ، ص 148.

([18]) المرجع نفسه، ص 168.

([19]) لويس ماسينيون، خطط الكوفة، مرجع سابق، ص 44.

([20]) لويس ماسينيون، خطط الكوفة، مرجع سابق، ص 45-46.

([21]) المرجع نفسه.

([22]) المرجع نفسه، ص 150-149.

([23]) تاريخ الكوفة، المرجع السابق، ص 148-149.

([24]) ياقوت، معجم البلدان، ج4، ص 491.

([25]) لويس ماسينيون، خطط الكوفة، مرجع سابق، ص 18.

([26]) ماسينون، المرجع نفسه، ص 19-20.

([27]) ماسينون، المرجع نفسه، ص23-24.

([28]) السيد نور الله الحسيني المرعشي التستري، إحقاق الحق، بحث الإجماع، مكتبة المرعشي النجفي، ج1، ص40 و42 و45.

([29]) المرجع نفسه، بحث الإجماع.

([30]) ابن الاثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ، 1994، ج1 ص651.

([31]) محمد بن سعد الزهري (ت230هـ)، كتاب الطبقات الكبيرة، تحقيق علي محمد عمر، القاهرة: مكتبة الخانجي، ط1، 2001، ج8 ص128-129.

([32]) الطبري، تاريخه، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1407هـ، ج3، ص 117.

([33]) اليعقوبي، تاريخه، بيروت: دار صادر، د.ت، ج2 ص 195.

([34]) اليعقوبي، المصدر نفسه، ج 2 ص 195- 196.

([35]) اليعقوبي، المصدر السابق.

([36]) اليعقوبي، المصدر نفسه، ج4 ص 198.

([37]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 15 ص 185.

([38]) المصدر نفسه.

([39]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ج 7 ص 72.

([40]) لا يخفى أن هذا ما يراه ابن أبي الحديد، وقد أوردناه بلفظه وليس المقام مقام تقصي الحق في المسألة، وإلا كان خروجًا عن موضوع البحث (التحرير).

([41]) ابن ابي الحديد، المصدر نفسه، ج 7 ص 74.

([42]) ابن الأثير الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج 2 ص 445.

([43]) المصدر نفسه ج 2 ص 445.

([44]) المصدر نفسه، ج 2 ص 447-448.

([45]) انظر: المصنّف، ابن أبي شيبة الكوفي، ج7 ص251 .

([46]) انظر: تاريخ الطبري، ج5 ص41 .

 

 

 

عالِم من جبل عامل

الشهيد الثاني 1506 ـ 1558 م

د. علي إبراهيم درويش

 

يُعتبَر القرن السادس عشر قرنًا مميزًا في تاريخ العالم الإسلامي، على حد تعبير "هودجسون" الذي يذكر أنه القرن الذي "يشير إلى ذروة القوة السياسية الإسلامية"، فإنه شهد قيام الإمبراطوريات الثلاث: الصفوية في بلاد فارس، والمغولية في الهند، والعثمانية في الأناضول والبلقان، وكذلك الأوزبك في حوض "أموداريا" (جيحون)، والإمبراطورية الشريفية في المغرب. ويتحدّث هودجسون عن قانون "دولي" محكوم بالشريعة والعرف بين البلاد الإسلامية المترامية الأطراف([1]) في هذا القرن.

ففي مطلعه، وفي خضم الصراع القائم بين الصفويين والعثمانيين، تجاذبت البلاد صراعات عسكرية وعقائدية، أدّت إلى بلورة أفكار سياسية ترتكز إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، ومن أهمها تبرير العمل لدى السلطان، وتسويغ حكمه قبل ظهور الإمام المهدي (عج)، والتي كانت بمثابة بذرة ممارسة (ولاية الفقيه) التي لم تفارق أتباع مذهب الإمامية منذ الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر (عج)، وحتى يومنا هذا.

شكَّلت هذه الفترة بداية ما تمَّ التعارف على تسميته بـ(العصر الحديث)، حيث ودّعت أوروبا فترة (العصور الوسطى)، وانطلقت تؤسس نهضتها. أما في المشرق، فقد أفل نجم دولة المماليك، وبرزت الدولة العثمانية التي سيطرت على القسطنطينية عام 1453م، واتخذتها عاصمة لها تحت اسم (إسلامبول) أو (الأستانة) التي تُعرف اليوم بـ(إستانبول).

انطلقت أوروبا بحملاتها الاستكشافية خارج البحر الأبيض المتوسط، باحثة عن طرق ومنافذ بحرية جديدة تصل بها إلى الهند. فخاضت عباب المحيط الأطلسي، فكان اكتشاف العالم الجديد (أميركا لاحقًا). ودار البرتغاليون حول إفريقيا ووصلوا الهند.

عاش العالم متغيراتٍ جغرافية-اقتصادية وسياسية متنوعة. وأدّى ذلك إلى قيام نمط عالمي جديد، حيث انتقلت الحركة الاقتصادية إلى خارج البحر المتوسط، وحلَّت مكانها موجات من الصراع، قادها الأسبان والبرتغاليون عبر الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط، وفي الخليج العربي والمحيط الهندي.

أفرز هذا الواقع الجديد قوى جديدة، حافظ فيها الحكام المسلمون الجدد على مؤسسة الخلافة عبر رمزها الباقي المتمثل بالخليفة العباسي المقيم في حمى المماليك. واستمر الولاة والحكام المسلمون أينما وجدوا، سواء في مصر أو الهند يحافظون على شرعنة حكمهم عبر الحصول على قرار التولية من هذا الخليفة.

أما الصفويون، الذين اتبعوا نهجًا مستقلاً عن الخليفة العباسي، فقد أظهروا التشيع واعتبروا حكمهم موافقًا للنهج الإمامي، واستقدموا العلماء الشيعة الإمامية من جبل عامل والنجف والبحرين، لتركيز أركان حكمهم ونشر المعتقدات الشيعية في مناطق نفوذهم.

شكَّل هذا الواقع تحديًا للعلماء المسلمين، لا سيما علماء الإمامية منهم، الذين كانوا قد أخذوا بمناقشة مسائل العمل مع السلطان في زمن غيبة الإمام المعصوم، منذ الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عج). وزادت وتيرة النقاش في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وذلك مع بروز سلطان اعتبر مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية مذهبًا رسميًا لدولته، مما شكل تحديًا عمليًا لعلماء الإمامية في تلك الفترة.

في هذه الفترة عاش الشهيد الثاني زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن صالح بن مشرف العاملي، حيث احتدم الصراع بين العثمانيين والصفويين. فكانت انطلاقة الإمبراطورية العثمانية وسيطرتها على بلاد ومناطق في آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا، وكذلك تأسست الدولة الصفوية عام 1501م([2]) على يد الشاه إسماعيل الأول، وركَّز ابنه طهماسب الذي حكم بين الأعوام 1524 و1576م، أُسسَ هذه الدولة. وخاطب الشاه طهماسب أحد علماء الإمامية الأفذاذ، وهو الشيخ علي بن عبد العالي الكركي الشهير بـ (المحقق الكركي)، بلقب (نائب الإمام) المعصوم. وذلك في فرمان بتاريخ 16 ذي الحجة عام 939هـ/9 تموز عام 1533م، واعتبره "صاحب رتبة خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيد المرسلين، وحارس دين أمير المؤمنين... مبيِّن الحلال والحرام، نائب الإمام (عليه السلام)"، وأمر الشاه السادات والأشراف والأمراء والوزراء وسائر أركان الدولة بالاقتداء به، والانقياد لأوامره، واعتبر معزولَ الشيخِ غيرَ مستخدمٍ، إلا إذا أعاد الشيخ توظيفه([3]).

وفي قراءة مفردات هذا الفرمان، نجد أن تعبير "نائب الإمام (عليه السلام)" والمقصود بـ(الإمام) الإمام المهدي، وهو الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية. وضمن هذا السياق يذكر الشيخ يوسف البحراني في كتابه "لؤلؤة البحرين" أن الشاه طهماسب "كتب رقيمًا إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ علي، وأن أصلَ الملك إنما هو له لأنه نائب الإمام (عليه السلام)"، ويذكر الشيخ نعمة الله الجزائري في كتابه "شرح غوالي اللآليء" حديثًا للشاه طهماسب أيضًا يخاطب فيه الشيخ الكركي عند قدومه إلى أصفهان وقزوين يقول فيه: [أنت أحق بالملك لأنك النائب عن الإمام، وإنما أكون من عمالك أقوم بأوامرك ونواهيك]([4]). وسلّم الشاه بذلك بخضوع السلطان السياسي لـ(نائب الإمام)، الذي سيُعرَف لاحقًا بـ(الولي الفقيه).

وفي المقلب العثماني، كان السلطان سليم الأول حاكمًا للإمبراطورية العثمانية، وخلفه ابنه سليمان المعروف بـ (القانوني)، واحتدم الصراع بين العثمانيين والصفويين، إلى أن تمَّ بينهما صلح "أماسيا" في 8 رجب عام 962هـ/29 أيار عام 1555م([5]).

وضعت معاهدة "أماسيا" حدًّا للصراعات الدموية بين الجارَين اللدودين. حيث تخلى الصفويون عن ولاية "قارص" وقلعتها للدولة العثمانية، واعتُبِرَت حدود ولاية "شهرزور" في عراق العرب حدًا فاصلاً بين الدولتين "منعًا لوقوع الحوادث المعكِّرة لصفو السلام بين الدولتين" على حد تعبير "نوار"، وتأمين سلامة الحجاج الصفويين المتوجهين لزيارة العتبات الشيعية المقدسة، أو لتأدية فريضة الحج في الحجاز. واعترف الصفويون بسيادة العثمانيين على عراق العرب والمناطق الواقعة إلى الشمال من أذربيجان مع بعض إقليم كردستان([6]).

وإذا عدنا إلى بنود معاهدة "أماسيا"، نرى تخلي الدولة الصفوية عن بعض الأراضي، مقابل تأمين سلامة الحجّاج الصفويين المتوجهين لزيارة العتبات المقدسة في الأراضي العراقية التي احتلها العثمانيون، وكذلك الذاهبين لتأدية فريضة الحج في الحجاز. هذا التنازل عن الأراضي، صاحَبَه اعترافٌ من أكبر قوة إسلامية في العالم الإسلامي السني بحرِّية ممارسة الشعائر الإسلامية الشيعية، أي بتعبير أوضح اعتراف رسمي سني بالجماعة الشيعية الإثني عشرية، وبالتعايش السلمي الودّي بين المذهبَين السني والشيعي. وهذا يؤكد تقديم الدعوة على مسألة الحدود الجغرافية، وهو ما قامت عليه كل الدول الإسلامية، ضمن مفهوم "دار الإسلام".

انسحب الاتفاق والمهادنة بين العثمانيين والصفويين على أتباع المذاهب التي اعتنقها حكام كِلا البلدين، فالشهيد الثاني الذي قُتِل في عام 1558م نتيجة التعصب المذهبي، تتحدث المصادر أن قاتله حوكم وقُتِل([7]). ويمكن أن تكون محاكمة القاتل وقتله من ذيول صلح "أماسيا" عام 1555م الذي ترك لأتباع المذهب الإمامي الإثني عشري -الذي يعتنقه الشاه طهماسب- حرِّية مزاولة مذهبهم بدون تعرُّض.

 كان الشهيد الثاني استمرارًا للنهج الذي اتبعه علماء الإمامية، حيث كان العلماء الإماميون بشكل عام يحافظون على استقلاليتهم عن السلطان. ويظهر ذلك جليًا في مواقف العلماء ومنهم عالم في النجف أصر على عدم الالتحاق بالشاه، وهو الشيخ أحمد بن محمد الأردبيلي (الذي يذكره الشهيد مرتضى مطهري بكثير من الإعجاب والتقدير، فيقول فيه: سكن في النجف الأشرف، وكان معاصرًا للشاه عباس الصفوي الكبير... وكلما أصرَّ الشاه على مجيئه إلى أصفهان لم يرض َ بذلك)([8])، وكان ذلك من أسباب استمرار الحوزة العلمية في النجف. ويربط مطهري بين هذا الموقف في النجف وسلسلة من المواقف المبدئية في الشام وجبل عامل، فيضيف: (كما أن امتناع الشهيد الثاني وابنه الشيخ حسن صاحب المعالم وسبطه السيد محمد صاحب المدارك عن الرواح من الشام وجبل عامل إلى أصفهان، كان هو السبب في دوام تلك الحوزة هناك وعدم انقراضها، وقد بلغ امتناعهم عن الانتقال عن الشام وجبل عامل إلى درجة أنهم انصرفوا عن زيارة حضرة الإمام الرضا (عليه السلام) مع شدة اشتياقهم إليها، مخافة أن يضطروا إلى الإجابة فيما إذا دعوا من قريب)([9]).

ولعل استقلالية علماء جبل عامل عن السلطة الحاكمة هي التي تفسر تعرض سكان جبل عامل، في العديد من أدواره، للاضطهاد والقهر والقمع الذي كانت السلطة الجائرة تمارسه بحق العامليين (لا سيما اتجاه علمائه البارزين، فمن الشهيد الأول إلى الشهيد الثاني يرتسم خط في الممارسة الفقهية مستقل عن الوصاية الرسمية والاحتواء السلطاني) ([10]).

هذه الاستقلالية أفادت العامليين في نواحٍ متعددة، حيث اندفع العلماء العامليون للمباشرة بأعمال التدريس والتحصيل العلمي دون انتظار هبات السلطان ومساعداته، مع تقديم الولاء للأرض والمجتمع أو الوطن الذي يقيمون فيه على ما عداه، ويقدِّمون ذلك على سائر المكاسب الآنية.

هذا الخط الذي هو امتداد لموقف الإمام علي (عليه السلام) والأئمة الأطهار، الذي استلهمه علماء الإمامية على مر العصور، حتى يومنا هذا، مرورًا بموقف الشهيد الأول في القرن الرابع عشر الميلادي، والشهيد الثاني في القرن السادس عشر الميلادي، هذا النهج الذي اتبعه علماء النجف في مطلع القرن العشرين، في وجه الدولة البريطانية الغازية، والخط الذي اعتمده علماء الإمامية في أماكن تواجدهم وعملهم.

اتبع الشهيد الثاني نهج أسلافه، فلم يغادر بلاد الشام، وبتحديد أكثر جبل عامل، بل درس وتعلم وبلغ المراتب الاجتهادية العليا، وأخذ بالتدريس في المدارس الشامية التابعة للدولة العثمانية، وعمل في سلكها (الوظيفي)، وخضع للواجبات المفروضة على الموظفين، كتقديم الأبحاث عندما أراد تولي وظيفة التدريس. كما أنه درس على علماء الشيعة والسنة، وشرح وعلَّق على كتابات من سبقه من العلماء، وفي مقدمهم الشهيد الأول.

وفي هذا السياق يشكِّل الشهيد الثاني، معلَمًا هامًا على طريق هذا المبدأ حيث سيقوم بشرح كتاب الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني، والذي يحمل عنوان (اللمعة الدمشقية) الذي أرسله للأمير علي بن المؤيد السربداري (763-783هـ/1361-1381م)، عندما طلب منه المجيء إلى بلاد السربداريين، فأرسل له كتابه هذا. هذا الشرح الذي يحمل عنوان (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)، حيث يضمّنه شروحًا وتعليقات على آراء الشهيد الأول. فلنتعرف على هذا الشهيد ونتاجه.

 

1 ـ نسبه وحياته:

هو الشيخ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن صالح بن مشرف العاملي([11]) الشامي الطلوسي، المعروف بابن الحجة النحاريري، الشهير بالشهيد الثاني، والطلوسي نسبة إلى طلوسة قرية عاملية، والظاهر أنه وصفٌ لجده([12]) لا له لأن وطنه الأصلي جبع، والنحاريري نسبة إلى (النحارير)، والظاهر أن النحارير اسم لقرية بني حيان، أو طلوسة، أو لأرض أو جهة واقعة بالقرب منهما([13]).

وكان بعض العلماء يقول إن النحارير هي المعروفة اليوم بوادي الشحارير وحرِّفت، أو أنها منسوبة إلى النحارير جمع نحرير لأن جماعة من العلماء النحارير كانوا يستغلونها فنُسبت إليهم([14])، وقال البعض التحارير (بالتاء) ولكن الذي وُجِد النحارير بالنون([15]).

وقد ترجم حياته تلميذه الشيخ محمد بن العودي الجزيني في كتاب أسماه (بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد وسوانحه وتواريخه من ولادته إلى شهادته)، ذكر فيه أحوال الشهيد الثاني عن رسالة كان الشهيد نفسه قد ألّفها في ذكر أحواله .

وذكر أن مولده ثالث عشر شوال سنة 911هـ/1506م، وختم القرآن وعمره تسع سنين، وقرأ على والده في فنون العربية والفقه إلى أن توفي والده سنة 925هـ/1519م ، فارتحل تلك السنة مهاجرًا في طلب العلم إلى ميس، واشتغل على الشيخ علي بن عبد العالي الميسي في مدرسة ميس إلى أواخر سنة 933هـ/1527. ثم ارتحل بعد ذلك إلى كرك نوح وقرأ بها على السيد حسن بن جعفر جملة من الفنون، ثم انتقل إلى جبع سنة 934هـ/1528م.

ثم ارتحل إلى دمشق واشتغل على الشيخ شمس الدين محمد بن مكي وعلى الشيخ أحمد بن جابر، ثم عاد إلى جبع.

ورحل إلى مصر سنة 942هـ/1535م لتحصيل ما أمكن من العلوم، وقرأ على جماعة من علماء العامة (السنة)، وذكر أنه قرأ بمصر على ستة عشر رجلاً من أكابر علمائهم، ثم ارتحل سنة 944هـ/1538م إلى الحج فحجّ ورجع إلى جبع.

ثم سافر إلى العراق لزيارة الأئمة عليهم السلام سنة 946هـ/1539م، ورجع تلك السنة إلى جبع أيضًا([16]).

ثم سافر إلى بلاد الروم (مقر السلطان العثماني) سنة 952هـ/1545م ودخل الأستانة في 17 ربيع الأول ولم يجتمع مع أحد من الأعيان إلى ثمانية عشر يومًا، كتب خلالها رسالة في عشرة مباحث من عشرة علوم أوصلها إلى قاضي العسكر محمد بن محمد بن قاضي زاده الرومي، فأعجبته هذه المباحث، ودارت بينهما مباحثات عدة.

ثم إن قاضي العسكر بعث إليه الدفتر المشتمل على الوظائف والمدارس وبذل له ما اختاره. فاختار المدرسة النورية ببعلبك التي وقفها السلطان نور الدين، ونال براءةً بذلك وجعل له في كل شهر ما شرطه واقف المدرسة.

وأقام في القسطنطينية بعد ذلك قليلاً واجتمع فيها بالسيد عبد الرحيم العباسي، وخرج من الآستانة في 11 رجب متوجهًا نحو العراق.

وبعد زيارة الأئمة رجع إلى جبع في صفر سنة 953هـ/1546م، وأقام في بعلبك يدرِّس في المذاهب الخمسة، واشتهر أمره وصار (مرجع الأنام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها) ثم انتقل بعد خمس سنين 958هـ/1551م إلى جبع وأقام فيها مشتغلاً بالتدريس والتصنيف، وبقي في جبع حتى سنة 965هـ/1557-1558م([17]) وفي هذه السنة كان استشهاده.

سبب شهادته

أما سبب قتله فهو أنه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الأخر، فغضب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا واسمه "معروف"، فأرسل في طلب الشيخ الذي كان مشغولاً في تلك الأيام بتأليف شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الأول. فقال له بعض أهل البلد: إنه مسافر. فخطر في بال الشيخ أن يسافر إلى مكة بقصد الاختباء، فسافر في محمل مغطى.

ثم كتب القاضي معروف إلى السلطان العثماني أنه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة. فأرسل السلطان رجلاً في طلب الشيخ وقال له: (ائتني به حيًا حتى أجمع بينه وبين علماء بلادي فيبحثوا معه ويطلعوا على مذهبه ويخبروني، فأحكم عليه بما يقتضي مذهبي).

فجاء الرجل فأُخبر أن الشيخ توجه إلى مكة، فذهب في طلبه إلى مكة. حيث صحبه من هناك واتجه به نحو بلاد الروم، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال: رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أن أوصله إلى السلطان. فقال: أما تخاف أن يُخبرَ السلطانَ بأنك قد قصرت في خدمته وآذيته، وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببًا لهلاكك، بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه إلى السلطان. فقتله في مكانه من ساحل البحر([18]) بالقرب من قرية تسمى "بايزيد" في طريق الآستانة يوم الجمعة من شهر رجب سنة 965 أو 966هـ/1557 أو 1558م([19]).

أما عن كيفية اقتياده ومقتله فهناك اختلاف في رواية الحادثة. ففي أمل الآمل أن الرجل أدركه في الطريق إلى مكة، فقال له: تكون معي حتى نحج بيت الله ثم أفعل ما تريد. فَرَضِيَ بذلك، ولما فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم إلى الموضع الذي قتله فيه. وكان هناك جماعة من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنوارًا تنزل من السماء وتصعد، فدفنوه هناك وبنوا عليه قبة. وأخذ الرجل رأسه إلى السلطان فأنكر عليه وقال: أمرتك أن تأتيني به حيًا فقتلته. وسعى السيد عبد الرحيم العباسي في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان([20]).

وفي رواية منقولة عن خط الشيخ بهاء الدين العاملي، ذُكرت في لؤلؤة البحرين([21])، أنه كان القبض عليه بالمسجد الحرام في 5 ربيع الأول سنة 965هـ/1557م، بعد فراغه من صلاة العصر وأخرجوه إلى بعض دور مكة، وبقي محبوسًا هناك شهرًا وعشرة أيام. ثم ساروا إلى طريق البحر إلى القسطنطينية وقتلوه بها في تلك السنة، وبقي مطروحًا ثلاثة أيام ثم ألقوا جسده الشريف في البحر([22]). والأرجح هو العام 1558م، كما يروي "النهروالي" في مخطوطه.

ولم يترك الشهيد الثاني من الأبناء الذكور إلا ولده الشيخ حسن صاحب المعالم. وقد أصيب الشهيد الثاني بفقد الأبناء، وكان ذلك سببًَا من أسباب تأليفه كتاب (مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد) ([23]). فرجا الله أن يرزقه ولدًا ويدفعه إلى أحد تلامذته السيد علي بن الحسين الصائغ الحسيني العاملي الجزيني -وكان له فيه اعتقاد- ليكون مربِّيه ومعلِّمه، فحقق الله رجاءه ورزقه ابنه حسنًا. وتولى السيد علي الصائغ تعليمه([24]). والشيخ حسن بن زين الدين هو الذي ألّف كتاب (معالم الدين) حتى اشتهر باسم "الشيخ حسن صاحب المعالم". ومن الشيخ حسن صاحب المعالم كان نسل الشهيد الثاني الذي أُطلق عليهم لقب (سلسلة الذهب)([25]).

2 ـ صفاته وأحواله:

أثنى العلماء -الذين ذكروا الشهيد الثاني- عليه وذكروه بأحسن الأوصاف والمزايا. ففي أمل الآمل ذكر في حقه: (أمرُه في الثقة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحر وجلالة القدر وعظم الشأن وجمع الفضائل والكمالات أشهر من أن يُذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تُحصى وتُحصر، ومصنفاته كثيرة ومشهورة)([26]).

وفي كتاب روضات الجنات: (لم ألقَ إلى هذا الزمن -الذي هو من حدود ثلاث وستين ومائتين بعد الألف [1263هـ/1847م]- أحدًا من العلماء الأجلّة يكون بجلالة قدره، وسعة صدره، وعظم شأنه، وارتفاع مكانه، وجودة فهمه، ومتانة عزمه، وحسن سليقته، واستواء طريقته ونظام تحصيله، وكثرة أساتيذه، وظرافة طبعه، ولطافة صنعه، ومعنوية كلامه، وتمامية تصنيفاته، وتأليفاته، بل كاد أن يكون في التخلق بأخلاق الله تبارك وتعالى تاليًا لتلو المعصوم)([27]).

وللشهيد الثاني أحوال وغرايب، فيُروى أنه مرَّ على الموضع الذي قُتل فيه وبصحبته الشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي العاملي، فقال: يوشك أن يقتل في هذا الموضع رجل له شأن، أو قال شيئًا قريبًا من هذا المعنى، ثم إنه استشهد هو نفسه في ذلك الموضع ولا ريب أن هذه من كراماته([28]).

ومن أحواله أيضًا عن بعض مؤلفات البهائي قال: أخبرني والدي، أنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا، فوجده متفكِرًا فسأله عن سبب تفكره، فقال: يا أخي، أظن أني أكون ثاني الشهيدين. وفي رواية (ثانية شيخنا الشهيد (الأول) في الشهادة)، لأني رأيت البارحة في المنام أن السيد المرتضى عمل ضيافة جمع فيها علماء الإمامية بأجمعهم في بيت. فلما دخلت، قام السيد المرتضى ورحّب بي، وقال لي: يا فلان إجلس بجنب الشيخ الشهيد فجلست بجنبه، فلما استوى بنا المجلس انتبهت من المنام. ومنامي هذا دليل على أني أكون تاليًا له في الشهادة([29]).

وقال عنه تلميذه ابن العودي (حاز من صفات الكمال ومحاسنها ومآثرها، وتروّى من أصنافها بأنواع مفاخرها، كانت له نفس علَِيَّة تزهو بها الجوانح والضلوع، وسجية سَنِيَّة يفوح منها الفضل ويضوع، كان شيخ الأمة وفتاها، ومبدأ الفضائل ومنتهاها، لم يصرف لحظة من عمره إلا في اكتساب فضيلة، ووزع أوقاته على ما يعود نفعه في اليوم والليلة)([30]). وكان يقوم بمهام التدريس والتأليف، وقضاء حوائج المحتاجين، وتلقّي الأضياف بوجه مُسفِر وكرم وبشاشة، ومع ذلك كان ينقل الحطب بالليل على حمار لعياله([31]). وكان يحرس الكرم ليلاً ويطالع الدروس، وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة، وكان يشتغل بالتجارة أحيانًا، فيتاجر بالشريط ويحمله إلى البلاد النائية، وكان يباشر بناء داره ومسجده الذي يقع إلى جانب داره في قرية جبع([32]). وذكر أنه: (خلَّف أكثر من ألفَي كتاب، منها مائتا كتاب بخطه من مؤلفاته وغيرها) ([33]).

 

3 ـ طلبه للعلم، أساتذته وتلاميذه:

أ ـ طلبه للعلم:

ابتدأ الشهيد الثاني تلمذته على والده، فحفظ القرآن الكريم وعمره تسع سنين 920هـ/1514م، وقرأ على والده العربية، ولما توفي والده سنة 625هـ/1519م ارتحل إلى ميس، فقرأ على الشيخ علي بن عبد العالي الميسي "الشرايع والإرشاد وأكثر القواعد" -وكان الشيخ علي زوج خالته- وتزوج الشهيد من ابنته. ثم ارتحل إلى كرك نوح وقرأ على السيد حسن بن جعفر الكركي "قواعدَ ميثم البحراني والتهذيب والعمدة"، وكلاهما في أصول الفقه ومن مصنفات السيد المذكور، والكافية في النحو وغير ذلك.

ثم ارتحل إلى جبع سنة 935هـ/1528م وأقام فيها مشتغلاً بمطالعة العلم والمذاكرة حتى سنة 937هـ/1531م. ثم ارتحل إلى دمشق وقرأ على الشيخ شمس الدين بن محمد بن مكي من كتب الطب (الموجز النفيسي) (وغاية القصد في معرفة الفصد) من تصانيفه، وفصول الفرغاني والهيئة وبعض حكمة الإشراق، وقرأ على الشيخ أحمد بن جابر "الشاطبية" في علم القراءات، ثم رجع إلى جبع سنة 938هـ/1532م. ثم ارتحل إلى دمشق يريد مصر واجتمع بالشيخ شمس الدين بن طولون حيث قرأ عليه جملة من الصحيحين في الصالحية بالمدرسة السليمية وأجيز منه روايتهما. وسافر من دمشق إلى مصر يوم الأحد منتصف ربيع الأول سنة 942هـ/1535م واشتغل على جماعة من العلماء، منهم الشيخ أبو الحسن البكري صاحب كتاب الأنوار في مولد النبي (ص). ثم ارتحل إلى الحجاز 943هـ/1537م، ومنها عاد إلى جبع سنة 944هـ/1537 م. ثم سافر سنة 946هـ/1540م إلى العراق لزيارة الأئمة ورجع إلى جبع([34]). ثم سافر إلى بيت المقدس في ذي الحجة سنة 949هـ/1542م، واجتمع بالشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي وقرأ عليه بعض صحيح البخاري، وبعض صحيح مسلم، وأجازه إجازة عامة، ثم رجع إلى جبع واشتغل بمطالعة العلوم ومذاكراته. وفي سنة 952هـ/1545م قصد الآستانة لينال وظيفة التدريس، وعاد منها سنة 953هـ/1546 م بعدما نال مهمة التدريس في المدرسة النورية ببعلبك([35]).

وهكذا نرى أن الشهيد الثاني قد درس على علماء الشيعة في جبل عامل وكرك نوح والعراق، ولم يكتفِ بذلك، بل درس على علماء السُنّة في دمشق ومصر وبيت المقدس. أي أنه لم يكن في تعلمه مقتصرًا على علماء الشيعة. بل تعلّم ونهل من تعاليم المذاهب الإسلامية الأخرى، إذ درس على علماء من المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي والمالكي بالإضافة إلى علماء المذهب الإمامي الإثنى عشري.

لذلك اعتُبر الشهيد الثاني علمًا مهمًا من أعلام الشيعة في القرن السادس عشر الميلادي، ويُرى ذلك في كثرة مؤلفاته وتنوّع الموضوعات التي تناولها. ويذكر السيد محسن الأمين أن الشهيد الثاني أول من صنَّف من الإمامية في دراية الحديث([36])، ونقل الاصطلاحات من كتب العامة ([37]).

ب ـ أساتذته وشيوخه:

تتلمذ الشهيد الثاني على عدد من العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية.

ومن هؤلاء المشايخ:

- والده الشيخ علي بن أحمد العاملي الجبعي.

- الشيخ علي بن عبد العالي الميسي.

- السيد بدر الدين حسن بن جعفر الأعرجي الكركي.

- الشيخ الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي.

- الشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي.

- الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي.

- الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي.

- الشيخ المحقق ناصر الدين الملقاني المالكي. وغيرهم([38]).

ج ـ تلامذته والراوون عنه:

تتلمذ على الشهيد الثاني عدد كبير من الأعلام، نذكر بعضهم:

1- الشيخ أحمد بن سليمان العاملي النباطي.

2- الشيخ أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي.

3- السيد حسين بن نور الدين الحسيني الشقطي العاملي.

4- الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي.

5- الشيخ حسين بن مشرف العاملي العيناتي.

6- أخوه الشيخ عبد النبي بن علي بن أحمد بن محمد العاملي (أخو الشهيد الثاني).

7- السيد علي بن الحسين الصائغ الحسيني العاملي الجزيني، وهو الذي كان يعتقد فيه، ونذر إن رُزِقَ بولدٍ ذكرٍ سيدفعه للسيد الصائغ فيعلّمه، فرُزِقَ بولده حسن.

8- الشيخ علي بن زهرة العاملي الجبعي.

9- الشيخ محمد بن علي بن الحسن العودي العاملي الجزيني.

10- السيد محمد بن ناصر الدين العاملي الكركي.

11- الشيخ محي الدين بن أحمد بن تاج الدين العاملي الكركي.

12- الشيخ مكي الجبيلي.

13- السيد نور الدين بن فخر الدين بن عبد الحميد العاملي الكركي([39]). وغيرهم من العلماء العامليين.

كما تتلمذ على الشهيد الثاني جماعة من غير العامليين ومنهم:

1- الشيخ حسين بن سالم.

2- الشيخ محمد بن علي بن هارون الأسدي الجزائري.

3- المولى محمود بن محمد بن علي اللاهجي الكيلاني([40]). وغيرهم العديد من العلماء([41]).

إجازات الشهيد الثاني:

 1- (إجازته) للشيخ ظهير الدين إبراهيم بن علي بن عبد العالي الميسي، وهي إجازة متوسطة، تاريخها سنة 957هـ/1550م.

2- (إجازته) للشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري، متوسطة، تاريخها ذي الحجة 964هـ/1557م.

3- (إجازته) للشيخ محي الدين أحمد بن عبد العالي الميسي.

4- (إجازته) للشيخ حسين بن زمعة المدني، مختصرة، تاريخها شوال 948هـ/1541م.

5- (إجازته) للشيخ حسين بن عبد الصمد والد البهائي، تاريخها جمادى الآخرة 941هـ/1535م.

6- (إجازته) للشيخ سلمان بن محمد بن محمد الجبعي العاملي، مختصرة، تاريخها ذي القعدة 954هـ/1547م.

7- (إجازته) للسيد عطاء الله بن بدر الدين حسن الحسيني الموسوي، متوسطة، تاريخها جمادى الأولى 950هـ/1543م.

8- (إجازته) للسيد نور الدين علي بن حسين الشهير بابن الصائغ، تاريخها جمادى الأولى 958هـ/1551م.

9- (إجازته) للشيخ محمود بن محمد اللاهجي، مختصرة، تاريخها رجب 953هـ/1546م.

 مؤلفاته:

ترك الشهيد الثاني عددًا كبيرًا من المؤلفات، تضمنت الإجازات والرسائل والحواشي والفتاوى، وهي كما ذكرها الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة):

1- (آداب الصلاة) وهو غير أسرار الصلاة للشهيد نفسه.

2- (وظائف يوم الجمعة) طبع مع رسالته أعمال الجمعة([42]).

3- (الأربعون حديثًا) في الفضائل([43]).

4- (أسرار الزكاة والصوم والحج).

5- (الأسطنبولية في الواجبات العينية).

6- (الاعتقادية).

7- (أعمال الجمعة) مختصرة مطبوع.

8- (الاقتصاد) في معرفة المبدأ والمعاد وأحكام أفعال العباد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد.

9- (أنوار الهدى) في مسألة البَداء([44]).

10- (بداية الدراية) وشرحه طبع ضمن شرحه بطهران سنة 1310هـ/1892-1893م.

11- (البداية في سبيل الهداية) ذكرها الحر العاملي في أمل الآمل بعد ذكره بداية الدراية([45]).

12- (تخفيف العباد في بيان أحوال الاجتهاد)، مختصر يقرب من مائتي بيت.

13- (ترجمة الشيخ زين الدين) الشهيد الثاني.

14- (تفسير آية البسملة) يقرب من ماية وخمسين بيتًا.

15- (تفسير آية والسابقون الأولون) من سورة التوبة آية 101.

16- (تقليد الميت).

17- (تمهيد القواعد الأصوليّة والعربية لتفريع الأحكام الشرعية). طبع بإيران مع "الذكرى" سنة 1272هـ/1856م.

18- (التنبيهات العلِيَّة) على وظائف الصلاة القلبية وأسرارها. وهو الموسوم أيضًا باسم أسرار الصلاة. طبع بإيران عدة مرات منها سنة 1305هـ/1888م و1325هـ/1907م([46]).

19- (جوابات ابن فرّوج)، وابن فرّوج هو الشيخ زين الدين بن إدريس.

20- (جوابات الشيخ أحمد العاملي) الشهير بالمازحي.

21- (جوابات بعض الأفاضل)، وهي جوابات عن ثلاث مسائل سئل عنها.

22- (جوابات سبع مسائل) مختصرة تقرب من خمسين بيتًا.

23- (جوابات ستين مسألة).

24- (جوابات المسائل الخراسانية).

25- (جوابات المسائل الشامية).

26- (جوابات المسائل النجفية).

27- (جوابات المسائل الهندية).

28- (جواز الحكومة الشرعية) لغير المجتهد عند تعذّر المجتهد الجامع للشرائط، حكى عنه الشيخ سليمان الماحوزي في (الفوائد النجفية)، ونقل عنه الشيخ يوسف في كشكوله.

29- (جواهر الكلمات في صيغ العقود والإيقاعات) ([47]).

30- (الحاشية على إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان)، المتن للعلاّمة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر (ت 726 هـ/1326م).

31- (الحاشية على ألفية الشهيد الأول) (ت 786 هـ/1384 م).

32- (الحاشية على خلاصة الأقوال في علم الرجال) تأليف العلاّمة الحلي.

33- (الحاشية على الروضة البهية من شرح اللمعة الدمشقية)، اللمعة في الفقه للشهيد الأول والشرح للشهيد الثاني.

34- (الحاشية على شرايع الإسلام)، المتن تأليف المحقق نجم الدين جعفر بن سعيد الحلي (ت 676 هـ/1277م). يوجد نسخة منها في المكتبة الرضوية.

35- (الحاشية على قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام) في قواعد الفقه الكلية للعلاّمة الحلي.

36- (الحاشية على المختصر النافع) أي كتاب النافع في مختصر الشرايع. الأصل ومختصره كلاهما للمحقق الحلي.

37- (الحاشية على مسالك الأفهام في شرح شرايع الإسلام). الشرايع للمحقق الحلي والشرح للشهيد الثاني والحاشية للشهيد الثاني أيضًا.

38- (الحبوة).

39- (الحث على صلاة الجمعة) طبعت مع رسالته في وجوب الجمعة.

40- (حجية الإجماع) ([48]).

41- (حقايق الإيمان) في بيان حقيقة الإيمان والإسلام وأجزائهما وشروطهما، ويعرف هذا الكتاب أيضًا بعنوان (الإيمان والإسلام)، أو (تحقيق الإسلام والإيمان). طبع مع (كشف الفوائد) للعلاّمة سنة 1305هـ/1888م.

42- (خصايص يوم الجمعة) طُبِع مستقلاً في صيدا كما طُبِع منضمًا إلى بعض رسائله في طهران([49]).

43- (ذم التقليد واتباع الآباء وترك الاستدلال). يقرب من مائتين وثلاثين بيتًا.

44- (رجال الشيخ زين الدين الشهيد) ([50]).

45- (رسالة في الاجتهاد).

46- (رسالة في إرث الزوجة).

47- (رسالة في البئر وعدم انفعاله).

48- (رسالة في بطلان الصلاة بلا ولاية).

49- (رسالة في تيقن الطهارة والحدث، والشك في المتأخر منهما) طبعت ضمن مجموعة إفاداته سنة 1313هـ/1896م.

50- (رسالة في الحدث أثناء الغسل) طبعت ضمن مجموعة من رسائله سنة 1313هـ/1896م.

51- (رسالة في خروج المقيم عن محل الإقامة).

52- (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) طبع مرارًا.

53- (روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان) طبع بإيران ومعه منية المريد 1307هـ/1890م([51]).

54- (شرح بداية الدراية) الشرح والمتن للشهيد الثاني، طبع بإيران.

55- (شرح حديث الدنيا مزرعة الآخرة) ([52]).

56- (شرح المنظومة في النحو) لناظمها الشهيد الثاني([53]).

57- (رسالة في صلاة الجمعة).

58- (رسالة في صلة الرحم) وأنها تزيد العمر.

59- (رسالة في طلاق الحائض الحاضر زوجها وتحريمه).

60- (رسالة في طلاق الحامل الحاضر زوجها المدخول بها).

61- (رسالة في طلاق الغائب)، طبعت ضمن مجموعة عشر رسائل له في 1312هـ/1895م.

62- (رسالة في العدالة).

63- (رسالة في عدم انفعال البئر بملاقاة النجاسة).

64- (عشرة مباحث مشكلة في عشرة العلوم)، ألفها في أستانبول([54]).

65- (غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين).

66- (فتاوى الإرشاد).

67- (فتاوى الشرايع).

68- (فتاوى المختصر النافع).

69- (فتوى الخلاف من اللمعة).

70- (فوائد في الدراية).

71- (الفوائد الملية في شرح الرسالة النقلية)، طبع مع المقاصد العلية بطهران سنة 1312هـ/1895م.

72- (فهرست تمهيد القواعد) طبع سنة 1272هـ/1856م([55]).

73- (القصر في السفر) رسالة موجزة في صلاة المسافر([56]).

74- (كشف الريبة في أحكام الغيبة والنميمة)، مطبوع بإيران([57]).

75- (ما خالف شيخ الطائفة إجماعات نفسه) وشيخ الطائفة هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ/1068 م، طبعت مع (الألفية) و(النفلية).

76- (ما لا يسع المكلف جهله من الأصول والفروع) موجود في مكتبة الطهراني بسامراء([58]).

77- (مختصر خلاصة الأقوال).

78- (مختصر مسكِّن الفؤاد في فقد الأحبة والأولاد)، المختصر والأصل للشهيد الثاني.

79- (مختصر منية المريد) كأصله للشهيد الثاني.

80- (مسالك الأفهام في شرح شرايع الإسلام).

81- (مستثنيات الغيبة).

82- (مسكِّن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد) طبع بإيران.

83- (المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية الشهيدية) طبع بإيران سنة 1312هـ/1895م.

84- (مقالة في الحث على صلاة الجمعة) طبعت مع رسالته في صلاة الجمعة.

85- (مقالة في قبلة الشامات) وميلها عن الجنوب، مختصر في 25 بيتًا.

86- (منار القاصدين في أسرار معالم الدين).

87- (مناسك الحج الكبير).

88- (مناسك الحج الصغير).

89- (منتخب مشيخة الحسن بن محبوب) ([59]).

90- (منظومة في النحو).

91- (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد) طبع مكررًا في النجف وغيرها.

92- (رسالة في ميراث الزوجة غير ذات الولد) ([60]).

93- (نتايج الأفكار في حكم المقيمين في الأسفار) في حكم المسافر إذا نوى الإقامة في غير وطنه.

94- (النية) وهي غير التي تليها.

95- (نية الحج والعمرة) وهي غير مناسكه مختصرة تزيد على مائة بيت([61]).

 

وفي الختام نقول إن الشهيد الثاني انخرط في مجتمعه فكان عالمًا ومرجعًا، وقدم نموذجًا للعالم العامل، وكان مثالاً. ونقول مع الخوانساري إنه كاد أن يكون (تاليًا لتلو المعصوم).

مراجع البحث

باللغة العربية:

- الأصبهاني، الميرزا عبد الله أفندي (1066-1130هـ/1655-1718م): رياض العلماء وحياض الفضلاء. باهتمام محمود المرعشي. تحقيق احمد الحسيني. قم مطبعة الخيام. د.ط -1980. 5ج.

- الأمين، محسن: أعيان الشيعة. بيروت: دار التعارف، 1960-1963، 56ج. والطبعة الجديدة، بيروت: دار التعارف، 1986-1987، 12ج.

- الأمين، محسن: خطط جبل عامل. حققه وأخرجه حسن الأمين ط1. بيروت الدار العالمية، 1983.

- الأميني، عبد الحسين: شهداء الفضيلة. ط2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983.

- الحر العاملي، محمد بن الحسن: أمل الآمل تحقيق أحمد الحسيني ط2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983: 2ج.

الخوانساري، محمد باقر الموسوي: روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات. د.ط. طهران، قم، مكتبة إسماعيليان 1390هـ/1970م. 8ج

- الطهراني، آقا بزرك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة. ط3. بيروت: دار الأضواء، 25ج.

- القمي، عباس: الكنى والألقاب. ط2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1981: 3ج.

- المطهري، مرتضى: الإسلام وإيران. ترجمة محمد هادي اليوسفي. بيروت: دار التعارف للمطبوعات ودار التبليغ الإسلامي. د.ط ـ د.ت.

- كوثراني، وجيه: المجتمع والسلطة والعالم، مجلة الثقافة الإسلامية، ع5 - 1406هـ/1986م.

- نوار، عبد العزيز سليمان: الشعوب الإسلامية. بيروت: دار النهضة العربية. د.ط ـ 1973.

 

باللغة الفارسية:

- بيرنيا، حسن (مشير الدولة) وعباس اقبال اشتيانى: تاريخ إيران از آغاز تا انقراض قاجاريه ]تاريخ إيران منذ أقدم العصور حتى سقوط الدولة القاجارية[. تهران: كتابفروشى خيام. د.ط ـ د.ت. تاريخ المقدمة 1364هـ.ش/1985. (جزءان في مجلد واحد).

- پارسادوست، منوچهر: شاه تهماسب أول. شركت سهامى انتشار. جاب1- 1377 هـ.ش/ط1 -1998.

 

باللغة الإنكليزية:

- Hodgson, Marshall. G.S: The Venture of Islam: the Gunpowder Empires and Modern Times, Chicago, London: University of Chicago press, 1974. Volume 3.

- Roemer, H.R: The Early Safavid Empire, in (CHI). volume 6

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش


([1])Hodgson, Marshall. G.S: The Venture of Islam: the Gunpowder Empires and Modern Times, Chicago, London: University of Chicago press, 1974. Volume 3 p.47

([2]) إقبال عباس:: تاريخ إيران از آغاز تا انقراض قاجاريه ]تاريخ إيران منذ أقدم العصور حتى سقوط الدولة القاجارية[. تهران: كتابفروشى خيام. د.ط ـ د.ت. تاريخ المقدمة 1364هـ.ش /1985. (جزءان في مجلد واحد).. ص 663.

([3]) الأصبهاني: رياض العلماء وحياض الفضلاء، باهتمام محمود المرعشي، تحقيق أحمد الحسيني، قم مطبعة الخيام، د.ط ـ 1980،5ج، ج3/456 و460.

([4]) الخوانساري: روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات تهران، قم: مكتبة إسماعيليان، د.ط، د.ت. 8ج، ج4/360-361.

([5]) منوچهر پارسادوست: شاه تهماسب أول، شركت سهامى انتشار، جاب1-1377هـ.ش/ط1-1998، ص236؛ حول هذه المعاهدة راجع الفصل الثالث: العلاقات الصفوية العثمانية. من دراستنا: السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية 1501-1576م. (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة وبيروت، ط1، 2013م).

([6]) پارسادوست: المرجع السابق ص 227-237؛ وعبد العزيز سليمان نوار، تاريخ الشعوب الإسلامية، (بيروت: دار النهضة العربية، د.ط-1973) ص240؛ وRoemer, H.R: The Early Safavid Empire, in (Cambridge History of Islam). volume 6 pp., 240 -241.

([7]) الحر العاملي: أمل الآمل، تحقيق أحمد الحسيني بيروت، مؤسسة الوفاء، ط2-1983، جزءان، ج1 ص91.

([8]) وجيه كوثراني: العصر العثماني: المجتمع والسلطة والعالم، مجلة الثقافة الإسلامية ع5، ص118؛ ومرتضى المطهري: الإسلام وإيران، ص339.

([9]) مرتضى مطهري: الإسلام وإيران، ترجمة محمد هادي اليوسفي، بيروت، دار التعارف للمطبوعات ودار التبليغ الإسلامي، د.ط -د.ت، ص339.

([10]) كوثراني: المرجع السابق ص 115.

([11]) عباس القمي: الكنى والألقاب. ط2، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1981: 3 ج. ج 2/381.

([12]) محسن الأمين: خطط جبل عامل، حققه وأخرجه حسن الأمين ط1. بيروت الدار العالمية، 1983. ص318.

([13]) نفس المرجع ص366.

([14]) محسن الأمين: أعيان الشيعة. بيروت، دار التعارف، 1960-1963، 56 ج. ج 44/309.

([15]) الأمين: خطط جبل عامل ص366.

([16]) الحر العاملي: المصدر نفسه. ج 1 / 88 ـ 89.

([17]) القمي: نفس المرجع ج 2 / 383.

([18]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج 1 /90 ـ 91.

([19]) محسن الأمين: أعيان الشيعة، ط جديدة (بيروت: دار التعارف، 1986ـ 87) 12 ج. مج 7/ 143.

([20]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج1/ 91.

([21]) آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط 3، بيروت: دار الأضواء، 1983. 25ج. ج 18 / 379. والكتاب هو (لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتَي العين) تأليف الشيخ يوسف البحراني ت 1186هـ/ 1772م.

([22]) عبد الحسين الأميني: شهداء الفضيلة، ط 2. بيروت: مؤسسة الوفاء، 1983.ص 142 ـ 143.

([23]) الطهراني: المرجع نفسه ج 21/ 20.

([24]) الأمين: أعيان الشيعة ج 41/ 167.

([25]) الأمين: خطط جبل عامل ص 256.

([26]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج 1/ 85.

([27]) محمد باقر الموسوي الخوانساري: المصدر نفسه. ج 3/ 352.

([28]) الأميني: المرجع نفسه ص 143.

([29]) المرجع نفسه ص 144. والقمي: الكنى والألقاب ج 2/ 384 ـ 385.

([30]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج 1/ 88.

([31]) المصدر نفسه، المكان نفسه.

([32]) الأمين: أعيان الشيعة مج 7/ 147.

([33]) الحر العاملي: أمل الآمل ج1/ 90.

([34]) الحر العاملي: المصدر نفسه ج1 / 88 ـ 89. الكنى والألقاب ج2/ 381 ـ 382.

([35]) الأميني: الكنى والألقاب ج2/ 382 ـ 383.

([36]) ويعرِّف صاحب الذريعة دراية الحديث كالآتي: هو العلم الباحث فيه عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث، أي الطريق إلى متنه المتألف ذلك الطريق عن عدة أشخاص مرتبين في التناقل. يتلقى الأول منهم متن الحديث عمن يرويه له، ثم ينقله عنه لمن بعده حتى يصل المتن إلينا بذلك الطريق. فإن نفس السند المتألف عن هؤلاء المتناقلين تعرضه حالات مختلفة مؤثرة في اعتبار السند وعدمه مثل كونه متصلاً أو منقطعًا، مسندًا أومرسلاً، معنعنًا أو مسلسلاً، عاليًا قريبًا صحيحًا حسنًا موثقًا ضعيفًا، إلى غير ذلك من العوارض التي لها مدخلية في اعتبار السند وعدمه. فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض. الطهراني: الذريعة ج8/ 54.

([37]) راجع أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين ج 7/ 145.

([38]) الأمين: أعيان الشيعة مج 7/ 153 ـ 154.

([39]) الحر العاملي: أمل الآمل ج 1/ 33 و40 و68 و74 و80 و 116 و119 و 120 و166 و 184 و185 و189.

([40]) المصدر نفسه ج 2/ 93 و291 و317.

([41]) للمزيد راجع إجازات الشهيد الثاني في هذه الدراسة.

([42]) المرجع نفسه ج 25/ 114.

([43]) الطهراني: الذريعة ج 1/ 22 و193 و194 و416.

([44]) الذريعة ج 2/ 45 و59 و228 و244 و268 و448.

([45]) المرجع نفسه ج 3/ 58.

([46]) المرجع نفسه ج 4/ 4 و 325 و326 و327 و392 و433 و452.

([47]) الذريعة ج 5/ 196 و199 و201 و205 و206 و219 و224 و239 و240 و243 و278.

([48]) الذريعة ج 6/ 15 و23 و82 و94 و106 و171 و193 و198 و243 و248 و268.

([49]) المرجع نفسه ج 7/ 30 و175.

([50]) الذريعة ج 10/ 42 و117.

([51]) المرجع نفسه ج 11/ 30 و55 و126 و130 و159 و170 و180 و290 و275.

([52]) المرجع نفسه ج 13/ 124 و198.

([53]) الذريعة ج 14/ 92.

([54]) المرجع نفسه ج 15/ 71 و87 و175 و176 و225 و234 و268.

([55]) الذريعة ج 16/ 68 و101 و102 و103 و121 و355 و360 و381.

([56]) المرجع نفسه ج 17/ 100.

([57]) المرجع نفسه ج 18/ 36.

([58]) الذريعة: ج 20/ 195 و209 و212 و 378.

([59]) الذريعة: ج 21/ 20 و382 و400 و403.

([60]) المرجع نفسه ج 23/ 141 و209 و303.

([61]) المرجع نفسه ج 24/ 45 و439 و441.

 

 

 

العلامة الشيخ حسن صادق (ره)

شاعر العربية وجبل عامل

د. حسن جعفر نور الدين

 

يندرُ ألا يكون أحد مشايخ "آل صادق" شاعرًا أو أديبًا أو عالمًا، فقد أصبحت هذه المقومِّات من صميم شخصياتهم، يتوارثونها أبًا عن جد، وهي في أساس جبلّتهم الفكرية والإبداعية، ولو كان علماؤهم -وهكذا سائر العلماء العامليين- يجيزون طباعة ما يبدِعون من قصائد، لكان لهم اليوم ثروة شعرية نقف عندها باعتزاز، ونِعمَ ما فعل ويفعل الأديب الأستاذ حبيب صادق -نجل المقدس الشيخ عبد الحسين صادق- في جمعِ هذه النتاجات وطباعتها، متعاونًا مع آل صادق الكرام، حتى لا تبقى هذه الدرر خبيئة في الأدراج أو الذاكرة، لأنها عندما تخرج من بين يدي صاحبها تصبح ملكًا للتاريخ وللأجيال.

ومن بين هؤلاء الشعراء المشهورين العلامة الشيخ حسن صادق المولود في النجف الأشرف سنة 1889م، عندما كان والده الشيخ عبد الحسين صادق من طلاب حوزة النجف آنذاك، ثم التحق بالحوزة الدينية التي أنشأها والده في الخيام عام 1901م بعد عودته من النجف سنة 1900م، ثم انتقل عام 1906م إلى النبطية مع والده وأفراد الأسرة بعد استجابة والده الشيخ عبد الحسين لدعوة أعيان النبطية وفي مقدمتهم الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر، وذلك بعد وفاة إمامها السيد حسن يوسف مكي (ره).

وفي النبطية التحق الشيخ حسن بالمدرسة العلمية التي أنشأها إمام النبطية الراحل السيد حسن يوسف مكي، ثم جدّدها وتولى أمرها الشيخ عبد الحسين صادق فور إقامته واستقراره في النبطية، وفي سنة 1910م رحل الشيخ حسن صادق إلى النجف الأشرف لمتابعة دراساته الدينية، فدرس هناك على كبار المراجع والعلماء، منهم شيخ الشريعة الأصفهاني والسيد محمد كاظم اليزدي، وأخيرًا عاد إلى لبنان سنة 1927م، وعُقِدَ له أمرُ الإفتاء الجعفري في صيدا، جاعلاً من النبطية والخيام مركزَي نشاطه الديني والاجتماعي والأدبي حتى توفي سنة 1967م، ودُفِن إلى جانب والده في حجرة خاصة من مبنى الحسينية في النبطية.

العلامة الشاعر

اشتهر الشيخ حسن صادق بميزتَين طبعتا حياته وهما: الدِّين والشعر، فهو علاّمة بارز، ومن أبرز وأهم شعراء جبل عامل بل لبنان، وهذا ما تنطق به قصائد ديوانه الرائع "سفينة الحق"، وهو ما تبقّى مما كان للشيخ، حيث ضاعت وتلِفَت قصائد كثيرة، ولو لم يسارع الأديب الشاعر الأستاذ حبيب صادق بالتعاون مع أنسبائه، وخاصة الشيخ علي نجل الشاعر الراحل، لمَا كنّا اليوم أمام هذه التحفة الشعرية الجميلة.

يقع ديوان "سفينة الحق" في مِائتين وخمس وعشرين صفحة من القطع الكبير، مقسّمة على ستة أبواب، كل باب يتعلق بفنٍ من فنون الشعر، وقد افتُتِح بمقدمة للعلامة السيد محمد حسن الأمين، وتقديم للأستاذ حبيب صادق تضمَّن حياة الشاعر ودراسته الدينية ومكانته الشعرية.

والديوان درّة ثمينة حافلة بشتّى ألوان الشعر، وهي تكشف عن شاعرية مرهفة فذّة، فيها حسٌّ اجتماعي وإنساني عميق.

وكان الشيخ منذ يفاعته يحفل بالشعر ويهتم به، لذلك عُدَّ أحد أعلام الدين والأدب في جبل عامل منذ أن كان في الثلاثينات وحتى وفاته سنة 1967م يغرِّد أشعاره على منبر النادي الحسيني في النبطية في مناسبات شتى، خاصة في عاشوراء وأعياد المولد النبوي الشريف أو في خلواته الشخصية، مستجيبًا لقصائد تأتيه عفوَ الخاطر، ولا يجد نفسه إلا وهو يخطُّها بيدٍ تجيدُ صقل الحروف وصناعة الأشعار منها.

والواقع أن الدين والأدب حليفان تحملهما هذه العائلة العلمية، يدفعها حسٌّ اجتماعي وواجب ديني وأخلاقي لإقامة النشاطات، وأنا شاهد -على الأقل في العصر الراهن- على انعقاد كثير من حلقات التواصل والتعاضد بين جناحَي الوطن، مسلميه ومسيحييه.

ولعل الفترة التي نعيشها شهدت أكثر مراحل هذا التواصل الروحي الرائع، فغدَت النبطية اليوم في ظل علاَّمتها الحُجَّة الشيخ عبد الحسين صادق مدينة التسامح والتعايش الديني، وكان يقول لي الأديبان الراحل جورج جرداق وجورج شكور: أَحبُّ سويعاتنا عندما نكون في النبطية، حاملَين جروح الحسين وعلي، قصائد قلب ومحبة، صلة تعايش ونضال بين مكوِّنات الشعب اللبناني.

و"سفينة الحق" ديوان العلاّمة الشيخ حسن صادق أحد الإبداعات الرائعة الوطنية اللافتة، وساعة وقع بين يديَّ هذا الكتاب قررت أن أقرأه بصمت ووعي، إذ لم يصدف أن أقبلت على دراسة هذه الشخصية من جوانبها الأدبية، وهذا قصور مني أعترف به.

ساعة قرأت أول قصيدة من الديوان وعنوانها "يا نشء لبنان" أحسست بدافع قوي للمتابعة، فالشيخ (ره) كان يحترف الشعر وينهض عن قصائد للوطن والتاريخ والقيَم والدين، في لغة شائقة متينة وأداء جاذب، وصور موحية راقية، هكذا بدأ:

لا تبتئس حيث القِسِيُّ تحطم

 

 

ما في الكِنانة ما يروقك أسهم

 

ثم يندلق العطر من خوابي الزهر حتى آخر سهم في الكنانة، تمرُّ رهوًا هيّنًا على عناوين كمطالع النهارات، تنبلج عن صباحات مشرِقة تتحدث عن الذات والوطن والنبوة والحب والناس موتى وأحياء.

هو الشعر في ماضيه وحاضره، سِجِلُّ أحداثٍ تعتصر في الفكر والعقل والذاكرة والأحاسيس، ثم تنفتح على العالم كله بأشكال ونماذج وأنساق متجانسة تطرب وتحزن، تموت وتحيا، تحيي الروح وتُميتُها، تبعث على الأمل أو اليأس، تجرح وتضمِّد، هكذا أرى الشعر حتى في حديثه الجديد، وهكذا قصائد العلاّمة الصادق.

استوقفتني قصيدته العملاقة "سفينة الحق" وهي اسم على مسمى، وثيقة في الدعوة إلى التسامح الديني، وأمور الخلق، والقدر والقضاء، والسلم والحرب، وقضايا الوجود والحياة، والشرك والإيمان، والشرق والغرب، والبشر والملائكة، والحرية والعبودية، بل لعلها نادرة في الجرأة ووضوح الموقف، وهذه بعض من أبياتها([1]):

لا نعلم اليوم أين الغــــــد مرسـانـــــا
سفينة الحق حيث الشعب يخفرها
فكن لها أنت ربانًا يــســيّــرهــــــــــــــا
وما رميت ولكن الإله رمى
يا سيد الرسل ما للرسل مثلك من
فما لعيسى حواريون مثلهم
أما الإمام (عليٌّ) فهو أفضلهم
لولاه ما قام للإسلام قائمة
ولا بدت شجرات العلم وارفـ
خلائف لرسول الله ما طلعت
جاؤوا ثمانية من بعد أربعة
فهم أولو الأمر في تبيانه وهم الأنــ
يا ربّ صلِّ على المختـ
واحفظ سراة العلى والعرب قاطبة

 

 

لكن نسير وباسم الله مسرانا
هيهات يهدم منا الدهر بنيانا
بحكمة ويدين الأمر إن دانا
لولا يد الله ما كان الذي كانا
صحبٍ رجاح مقاديرًا وأوزانا
أشاوسٌ حلّقت للمجد عقبانا
طرًا وأسبقهم بالله إيمانا
ولا سمعت به دينًا ودَيّانا
ـة الظلال باسقة طلعًا وقنوانا
شمس على مثلهم في عصر أولانا
أئمة نصبوا للعدل ميزانا
ـوار ضاءت بساق العرش أزمانا
ـار والصحب زدهم منك رضوانا
واحفظ لنا الوطن المحبوب لبنانا


 

هكذا يتجلّى إيمانه العميق بالرسل وأئمة آل البيت ^، والأمة العربية ولبنان في أبيات تمتاز بالقوة وهيبة الرويّ وسلطان القافية، وهو إذ يشير إلى ذلك في أجواء بلاغية موحية، إذ تحتشد في القصيدة ألوان الطباق والجناس والرموز والكنايات التي تحدّد وجهة القصيدة وسمتها المعنوي والبلاغي، هكذا في هذه اللغة العذبة تتجلى عبقرية التسامح والإخاء في أداء شعري خلاب وانسيابي وارف، هي سجيّة هذا الشيخ الزاهد.

ويعبق في أنفي أريج "جزين" وصليبها الخلاق وشلالها المتوثب اللؤلؤي وشاعرها الملهَم "بولس سلامة" في قصيدة شيخ الزاهدين العلاّمة الشيخ حسن صادق "الصراط المستقيم" مكرِّمًا فيها شاعر الألم والكبرياء بعد أن نشر ملحمته الرائعة "عيد الغدير":

بسمة الصبح في معالم لبنان

 

 

انفحيني نسيمك العنبريا([2])

 

جميع ألفاظ هذا البيت ترمز إلى الحب والحنان والرواء والإجلال، وهي قيم أصيلة في شخصية الشاعر الفذ، ثم يهلُّ الطيب من قارورة العطر في عالم موسيقي ماتع، وإنساني محض، وتاريخي موثق، ووجداني صميم، من خلال قصيدة من أبياتها:

ضمّخي وفرةَ الزمان بأنفا
وأْذَني للهزارة في سرحة الـ
بولسُ الهاشميُّ إنَّ سريرًا
تصطفي أنت هاشمًا من قريشٍ
كل ندبٍ([3]) منهم إمامٌ من الـ
إيهِ يا ناسخَ القريض بمدح الآ
ما ترنمتَ فيه إلا أماط البَـ
إن قلبًا آثرْتَهُ عيسويًا

 

 

سِ الخُزامى تضوع نشرًا ذكيا
وادي طليقًا يُطارح القمريّا
صرت منه إخاله أمويا
وتوالي من وِلدِه العَلويّا
ـلّه على الخلق هاديًا مهديا
لِ بوركتَ شاعرًا عبقريا
ـسَماتِ العِذابَ من شفتيا
إِي وعيسى آثرْتَهُ أحمديّا

 

لعلها توأم قصيدة "سلامة"، تشيع منها الفخامة والريادة والجمالية، روي شائق، وهكذا قصائد الرسول وآل البيت تتسابق فيها ألفاظ الفخامة لتأخذ مكانها في سجل الخالدين، ثم يشير علاّمتنا إلى محبة "سلامة" للرسول وآل بيته المكرمين.

فما أجلَّ هذه النداءات تطلقها شفتا وقلب شاعر عشقَ آل البيت وكان أكثر الناس قربًا من واحة الحسين في النبطية قلبًا وجغرافيا، وهو في ما ورد شاعر الأريحية الخصبة والحجة القاطعة والمنطق السليم والسر الجهير، في أعماقه حنين إلى أمة موحدة.

وما أشد ما تنطق قصائده القومية موازاة بما نعانيه اليوم، ففي القصيدة التي ألقاها الشاعر سنة 1946م في حسينية النبطية في ذكرى المولد النبوي الشريف، وذلك بعد جلاء الجيوش الأجنبية عن أرض لبنان، ومطلعها([4]):

حاضر الأمر وماضيه سواء
نجتلي عيد جلاء رائعًا
تعزف الأنغام من أوتارنا

 

 

ما الأهازيج وهذي الخيلاء
فمتى عن صدأ القلب الجلاء
لحَّنتها بلغاها السفراء

 

يقول:

لم نقم بالقسط مما ساهمت
أرخصتها مُهَجًا غالية

 

 

فيه بالأرواح منا الشهداءُ
ولها منا الأكاليل جزاءُ

 

وتختلط الحكمة بالموعظة الوطنية الصادقة في حديثه عن جلاء الجيوش الأجنبية عن لبنان، رغم قناعة الشيخ الشاعر أن الجلاء كان اسمًا فارغًا من محتواه، وأن المستعمرين خرجوا من الباب ليدخلوا من الشباك مكرّسين استعمارهم البغيض، وهذا ما نجد تصويره في أبيات القصيدة، ومنها قوله:

لم تنلْ منَّا أمانيها فهل

 

 

هوّن الخطب عليها الخطباء

 

وقوله أيضًا:

فاغنموا ما طاب من دنيا المنى

 

 

لكم الشعب عبيد وإماء

 

أرأيت هذا الألم العميق مما آل إليه أمر الأمة والوطن من ذل وهوان.

وهو في هذا السياق يتمسك بخاتم الأنبياء الذي لم يؤذَ أحدٌ مثلُه من بني قومه:

يا نبيًّا مثله ما أُوذِيَتْ
حسبُكَ الله وما أودعته
كم تحمَّلتَ الأذى في نشرِها

 

 

أنبياءٌ بالهدى من قبل جاؤوا
سمحة غرًا معانيها قِواءُ
حيث لم يعرفْكَ صبحٌ أو مساءُ

 

الله الله يا شيخنا، وكأنك تدري حال أمتك، سيّان أمرها في الماضي والحاضر، وكم تحمل هذه الأبيات من وصف دقيق لحالها وحال الوطن عندما يعزف ألحاننا السفراء كما يعزفون اليوم تمامًا، مصادرة القرار والحرية، وأي جلاء هذا الجلاء.

وتجيش الروح القومية في نفس لا تقبل الهوان، ويا بلاد الشام اسعدي بشاعرك الأثيل، ألستِ ولبنان توأمَي روح وجسد، ينبضان في قلب واحد، وكأن "برَدى" من روافد "الليطاني" شيخ الأنهار([5]):

ما زرتُ "جِلَّقَ" واجتازت ركائبُنا
إلا وجاشت بي الأشجانُ صاخبةً
يشيم طرفي قبورًا أم نجوم سما

 

 

في ميسلونَ سقاها الغيثُ هتّانا
واستوحت الأملَ المنشودَ ذِكرانا
ضاءت بها أم لهذا الملك تيجانا

 

يكفيكِ محبةً لكِ قوله في قصيدة أخرى([6]):

مشت على ما قلت أزمان

 

 

يفديك يا جلق لبنانُ

 

 

إنها النخوة العربية يعضدها وقوفه إلى جانب مصر في معركة القناة سنة 1956م، مشيدًا بزعميها الخالد جمال عبد الناصر في معانٍ راقية موحية([7]):

جمال العروبة يا مشــحذ الْـ
وملهبَ فينا الحمية تغلي الْـ
وملقحها غارة بوركت
إذا ما يجسُّ العرين حما
وخضها بيعرب حربًا عوانًا
ألست من القادة الذائديـ
ألا إن تأميم مصر القنا
به يتقلص ظل الربيـ
فتمسي ولا من ظهيرٍ لها

 

 

ـعَزائم مرهفة الـمُـنْصُلِ
ـصدور بها غلية المرجل
شعوا أغامت سما الكرمل
كَ فَصُلْ صولة الأسد المشبل
إذا الوقت حان ولا تمهل
ـنَ عن حوضها بالقنا الذبَّل
ة بساعد قائدها الأمثل
ـبةِ صهيون عن شرقنا المعتلي
وتنساق في ذلة المثل

 

كان هذا حلمًا وما زال، أن يزول السرطان الصهيوني عن أمتنا ولكن..

أمنيات وأمانٍ كنا نحلم بها، ونتوقع حصولها، أمنيات بحجم الكرة الأرضية كانت تدغدغ نفوسنا، ثم تلاشت على صخور التمزق والهوان العربي عندما أَوْكَل العرب أمورهم إلى المستعمِر الأميركي وأصبحوا خدام أعتابه:

عَمِيَ العاهلُ الأميرِكي عن الـ

 

 

ـحقِّ فما بالُ شعبِهِ يتعامى

 

وأميركا الماضي هي أميركا الحاضر عدوة الشعوب والحرية.

وفي قصيدته "الشعر" التي ألقاها في الاحتفال الكبير الذي أقيم في الكلية العاملية تكريمًا للشاعر بولس سلامة إثر صدور ملحمته "عيد الغدير" ينتقد سماحة الشيخ ما نشكو منه نحن اليوم، من انصراف الساسة إلى أمورهم الشخصية وسعيهم وراء المناصب ليس إلا:

هذي ولاة الأمر حقًا لا الأولى
يروم سلطانًا ولو بسبيله

 

 

كلٌّ يحوك لرأسه إكليلا
محوَ العروبة كان ذاك قليلا([8])

 

وفي قصيدة ألقاها في ذكرى المولد النبوي الشريف سنة 1947م، يؤكد على موقفه، غياب العدل والقناعة وشيوع ظاهرة الطمع وحب السلطة لدى السياسيين، ويقارن بين أزمنة يصبو إليها وواقع يعيشه([9]):

أَزْمانُ أعلاق الفؤا
لم تُخْلِقِ الأيامُ جِدْ
وشجَتْ عروشًا بالصميـ
وكذا جذور الصيف يز

 

 

د كما علمتِ بها بواقِ
دَتها ولا جفو الفراقِ
ـم وما تعاهدها سواقِ
هو نبتُها من غير ساقِ

 

***

أَزْمانَ أنتِ مُناي من
ذا يحتسي معسولها

 

 

دنيا ملوَّنة الخِلاقِ
شهدًا وذا صابَ المذاقِ

 

ويعمُر الديوان بالقصائد الإيمانية المتعلقة بالله عز وجل وتعاليمه، أقتطعها من القصيدة السابقة نفسها، وعنوانها "ولاة الأمر" وما أكثر القصائد التي تلهج بمحبة الله والتوكل عليه والسير وفق تعاليمه([10]):

يا من إليه الأمر ير
أنت الذخيرة لي إذا
والمفزع المأمول إن
أظمًا، وحوضُك منهلٌ
وولاءُ آلك والوصيْـ

 

 

جع كله يوم المساق
ما التفّ بي ساقٌ بساق
ما حشرجت عند السياق
للواردين وأنت ساق
ـيِ مزيج لحمي والعَُراق([11])

 

وفي حياته المفعمة بالتقوى والوعي الوطني والإنساني، يخاطب شبيبة لبنان والنشء الذي سيتسلم السلطة والأمر فيما بعد، يخاطبه واعظًا موجّهًا محذّرًا من التفتت والانقسام، منبِهًا من الحسّ الطائفي محذّرًا منه، وكأنه كان يعلم ما سيصبح عليه الأمر فيما بعد، وجاء هذا في قصيدة ألقاها سنة 1942م في حسينية النبطية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف([12]):

يا نشءَ لبنانٍ ونورَ بطاحِه الـ
لكَ يا فداكَ أبٌ وأم في الغد الـ
فلتبنِ لكن من جديدٍ لا على
لا تلحظِ الماضي وما عاثت به

 

 

ـفيّاح يأرج بالرجاء ويبسم
آتي مقادير الأمور تُسلَّم
أسس الزعانفة الذين تقدموا
أيدي التفرّق أنت عنها تُكرَم

 

تلك هي وصاياه للشباب الناهض، أن يتحرك ويبني من جديد متجاوزًا الماضي ومسؤوليه، إنها الإرادة والرغبة في التجديد وتجاوز الماضي المترهّل.

ومن قصائده الدينية في ذكرى عاشوراء، يستعيد فيها تاريخ كربلاء ونضال الحسين (عليه السلام) في نونيةٍ بحرها الكامل([13]):

يا آل بيت محمد أنا عبدكم
بل إني عبد عبدكم وكل مشايع
إني فطرت على محبتكم وقد
ما إن ذكرت مصابكم وذكرت تنـ
وترنّم الطاغي يزيد وقوله:
إلا تخبَّطني الأسى وتقرّحت
أتعاقب الأيام تنسيني وقو
حسرى كما شاء العدو قد ارتدت

 

 

قرّّت بذلك إن قبِلت عيوني
لكم تولاكم ولاء يقين
شابت بحمد الله فيه قروني
ـعاب الغراب على ربى جيرون
"فلقد قضيت من النبي ديوني"
مني العيون وجنَّ فيه جنوني
ف عقائل للوحي عند لعين
ثوب المذلة ضافيا والهونِ

 

أما موشحاته فإنها أندلسية عربية كأنك مع ابن زيدون، فاسمعه في هذا النسيج من الموشّح المتنوّع الغني الموحي([14]):

طائر القبْج متى كان يصيدْ
قد قصصنا إثره بيدًا فبيدْ
جوهري الذات يأبى وردها
فهو مفطور على شاكلةٍ

 

 

ونسبناه وليدًا عن وليدْ
فوجدناه صريعًا بالوصيدْ
ولو انجرّ إلى حزّ الوريدْ
قد قضى الخالق فيها ما يريدْ

 

ومنه إلى باب الغزل، وما أكثر قصائده في هذا المضمار، قصائد فيها من البوح الشفّاف المتّزن، ومن الصوفية الظاهرة([15]):

إذا ما الليل مدّ رواق سجف
وأسفرت الكواكب زاهراتٍ
عطفت بناظري لبنات نعشٍ
بعيشك يا كواكب خبرينا

 

 

من الظلماء والتحف السكونا
فيُبهج حسن منظرها العيونا
أُمَثِّل حالة فيها وفينا
بما هو عندك الخبر اليقينا

 

غزلٌ راقٍ جميل، كغزل أجداده الشعراء الأقدمين، وهو من النوع التخيُّلي.

ونبقى مقصّرين في استقصاء مظاهر شعر علامتنا، فهي أكبر من أن تختصرها صفحات، أو تختزل بعرض مجتزأ قصير، إلا أني حاولت الإضاءة على ألوان من شعره، مكتفيًا بالقليل لعله يغني عن الكثير، أو يعبّر عن الشاعر وأنماط شعره وعالمه الأدبي، وهو في كل ما نظم شاعرٌ فذّ، بل من أبرز شعراء الوطن، وليس الجنوب فقط.

وهو يلفت أنظار القرّاء والمجتمع بشكل عام أنّ قسمًا كبيرًا من رجال الدين عندنا شعراء، بل منهم شعراء يشار إليهم بالبنان وتُحنى لهم الهامات، وفي طليعتهم هذا الشيخ الزاهد، وما ورد في ديوانه قليل من كثير مما كان لهم. إذ فُقد قسم كبير من قصائده وذلك ناتج عن موقف معظم رجال الدين الذين كانوا يتمنّعون عن طبع قصائدهم لظنّهم أن هذا يتناقض مع الوظيفة الدينية ورصانتها ودورها في التوجيه الديني والأخلاقي.

تلك هي الرحلة مع شيخ عاملة، حاولتُ قدرَ الإمكان الإضاءة على جانب من شخصيته الشعرية، وأرجو أن أكون قد وفّقت، وما توفيقي إلا بالله العزيز الحكيم.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الديوان ص33.

([2]) الديوان ص111.

([3]) رَجُلٌ نَدْبٌ : سَرِيعٌ إِلَى الفَضَائِل.

([4]) الديوان ص47-51.

([5]) الديوان ص33.

([6]) الديوان ص66.

([7]) الديوان ص84.

([8]) المصدر نفسه ص115.

([9]) الديوان ص55.

([10]) الديوان ص55.

([11]) العراق: العظم أو ما جرّد عنه اللحم.

([12]) الديوان ص27 و32.

([13]) الديوان ص72.

([14]) الديوان ص140.

([15]) م50 ص101.

 

 

115%