رسالة النجف

- الافتتاحية

 

الافتتاحية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في محكم كتابه الكريم {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يرتجع إليه نَفْسَ العالِم الرباني آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)، والذي لم يظهر منه سوى الثبات على العهد دون أي تغيير أو تبديل.

وها قد مضى اليوم عام على رحيل هذا العالم الكبير، فاقتضى حقه علينا أن نخصّص هذا العدد من مجلتنا لإحياء ذكراه المباركة، سيما وأن حقه علينا لا يقتصر على حق واحد من الحقوق المفروضة، بل حقوقه متعددة وعطاءاته متنوعة. فهو (قدس سره) الأستاذ، وهو المربي والمرشد والموجّه، وهو الملجأ والمأوى.

وما الحوزة التي ننتسب إليها -عنيت جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية (حاريص)- سوى ثمرة من ثمرات جهوده (قدس سره)، وليست مجلة رسالة النجف إلا واحدة من عطاءاته، فهو الذي أسسها، ورعاها، وعمل جاهدًا على استمرارها وارتقائها. فجزاه الله عنّا خير الجزاء، وجعل ثمرات جهوده صدقة جارية ينتفع بها في آخرته.

وأما الكلام عن باقي ثمراته وإنجازاته فيطول ثم يطول، مما تضيق عنه هذه الافتتاحية، ولكن عسى أن يجد القارئ الكريم بعض التعويض عن هذا القصور على صفحات هذا العدد.

وأخيرًا نسأل المولى تعالى أن يتغمد فقيدنا الكبير بواسع رحمته، وأن يوفّق أبناءه وتلامذته ومريديه لإكمال المسيرة. فهو حسبنا ونعم الوكيل.

التحرير

 

 

 

شيخنا الأستاذ

حجة الإسلام آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)

بقلم : الشيخ يوسف الشيخ محمد تقي الفقيه

 

ولادته ونشأته

الشيخ مفيد ابن الشيخ علي الفقيه ابن الشيخ يوسف بن علي بن (أبي إبراهيم) محمد عبد الله بنْ عبد الله بنْ علي الفقيه العاملي الحاريصي، ويرجع أصل آل الفقيه إلى (العوادل) وهم فخذ من أفخاذ قبيلة شمر([1]).

نشأ شيخنا في بيت علمي كريم، فجدّه: المغفور له الشيخ يوسف من العلماء الأفذاذ، كان له شهرة واسعة في العلم والفضل، وكان له مواقف عادت على الطائفة الشيعية وأبنائها بالخير، من جملتها اهتمامه بجعل المذهب الجعفري مذهبًا رسميًا في لبنان ونجاحه في ذلك.

ووالده: حجة الإسلام المغفور له المقدّس الشيخ علي الفقيه، أحد علماء جبل عامل البارزين، كان له مكانة علمية ودينية، وشهرة واسعة بين الناس وفي البلاد.

وعمه الذي نشأ في كنفه وتربى على يديه هو المرجع الديني المقدس الشيخ محمد تقي الفقيه.

ولد شيخنا سنة 1355 هجرية الموافق لسنة 1937 ميلادية، في النجف الأشرف، وبعد أقل من سنة على ولادته، عاد والده المغفور له الشيخ علي إلى لبنان وصحب معه جميع عائلته، تاركًا النجف، بعدما أقام فيها -طلبًا للعلم- نحوًا من اثنتي عشرة سنة.

فنشأ شيخنا في حاريص والتحق بمدرستها العصرية الابتدائية، ثم انتقل إلى مدارس الجعفرية في صور التي أنشأها المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين، حيث تابع الدراسة إلى سنة 1952، حيث تَقَرّر الرحيل إلى النجف الأشرف.

 

الهجرة إلى النجف الأشرف

في سنة 1952م سافر إلى النجف الأشرف، فعرّج إلى بيروت لوداع جدّه المغفور له الشيخ يوسف، يقول شيخنا:

(لما أردنا التحرك والشروع في السفر، استوقفني جدي الشيخ يوسف (قدس سره) ووضع يده على كتفي وتوجّه إلى الله سبحانه بكلمات في سرّه، ولا أحسبه إلا تقرّب إلى الله بإرسالي للنجف، وكان لذلك في نفسي كل الأثر، حيث إنه (قدس سره) كان عزم -إن استطاع- أن يرسل كل أولاده وأحفاده إلى النجف الأشرف لطلب العلم، خدمةً للعلم الشريف).

تولى رعايته في النجف الأشرف عمه المغفور له الشيخ محمد تقي الفقيه (قدس سره)، وأقام في داره إلى سنة 1957م، ففي هذه السنة تزوج من كريمة عمّه الشيخ.

قلة الطلاب العامليين في النجف قبيل هجرته

كان عدد العامليين عند وصوله النجف في تزايد وكثرة، سبق ذلك ظرف عصيب قلّ فيه العامليّون في النجف، فكانوا يشكون من ذلك ومن حاجة بلادنا لأهل العلم.

يقول الشيخ محمد تقي الفقيه في كتابه حجر وطين المخطوط في ترجمة الشيخ زين العابدين شمس الدين: (وقل عدد العامليين في النجف حتى أصبح نحوًا من عشرين طالبًا، وكانوا كلهم يحضرون دروس الخارج)، أحدهم هو، والسيد حسين مكي، والسيد هاشم معروف الحسني، والسيد عبد الرؤوف فضل الله، والشيخ حسين معتوق، والشيخ سليمان سليمان، والشيخ إبراهيم سليمان، والشيخ رضا فرحات، والشيخ بشير حمود، والشيخ خليل ياسين، والشيخ زين الدين شمس الدين، وغيرهم.

ومعظمهم ممن نال المراتب العالية في الفضل والكمال، إلا أن أكثرهم ترك النجف في وقت مبكر، لحاجة بلادنا إليهم من جهة، ولاشتداد المحنة عليهم بسبب الظروف التي رافقت الحرب العالمية الثانية وما رافقها من غلاء وفقر، حيث كان اعتمادهم على الفُتات الذي كان يصلهم من بلادنا مع انقطاع ذلك بسبب تلك الحرب.

وقد كان لوجهاء العامليين من العلماء، المقيمين في النجف الأشرف، مساعٍ لتشجيع العامليين على الهجرة إليها، وربما كان ذلك في سنة 1363هـ، فاجتمعوا وكتبوا إلى السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) أيام مرجعيته، يطلبون إليه أن يجعل للعامليين رواتب حتى لا يضطروا إلى ترك النجف من الجوع والفقر، ولكي يُقبِل أهل بلادنا على طلب العلم، فأجابهم بقوله: (وبالجملة.. جوزوا عن هذا التكليف فإنه تكليف بالمحال!!)، لعدم قدرته على ذلك، بل كان أقصى ما يتمكن منه هو تأمين الخبز للطلبة، ويُعرف عنه رحمه الله أنه كان في بعض الشهور يستدين ويرهن بيته لهذه الغاية، وقيل إنه توفي وعليه دين سبعة عشر ألف دينار.

* * *

كان شيخنا (قدس سره) يقول:

(كان عمي الشيخ محمد تقي (قدس سره) يقول: نحن مثل الدول، يلزمنا وزارة للتربية تقرّر المناهج للطلبة، فالطالب الذي تخرّج من المدارس العصرية بنجاح ونال الشهادة الأولى أو الشهادة المتوسطة، واعتاد على دراسة مواد متعددة في النهار الواحد، واعتاد دراسة المواد المعقّدة كالرياضيات والفيزياء أو الكيمياء بالإضافة إلى غيرها من المواد، سيكون من السهل عليه دراسة "ألفية ابن الناظم" و"حاشية ملا عبد الله" و"المطول" و"كفاية الأصول"، ولو ألزمناه بدراسة مثل "الأجرومية" وما شاكلها من المقدمات، أو أعطيناه درسًا واحدًا أو اثنين في اليوم، لكان جريمة بحقّ ذلك الطالب، وتضييعًا لمستقبله، لأنه سيرى ذلك هيّنًا عليه فيعتاد على الكسل وتضعُف همّته، فيخسر هذا الطالب نفسه، ونكون قد خسرناه أيضًا).

وكان يقول (قدس سره) أيضا:

(وعلى هذا الأساس شرعت بدراسة الألفية دون الكتب التي تسبقها، فلم أقرأ الأجرومية أو قطر الندى، وشرعت بدراسة الألفية عند عمي الشيخ، وقرأت شطرًا منها على السيد مهدي الحكيم (رحمه الله) نجل آية الله السيد محسن الحكيم الذي كان متوجّها للدرس والتدريس في أول الأمر، ثم انصرف إلى شؤون المرجعية).

* * *

أساتذته

- آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه:

شرع عنده بدراسة جلّ الكتب الدراسية، التي منها الألفية والحاشية، والمطوّل.

وحدثنا شيخنا (قدس سره):

أنه عندما فرغ من الألفية والحاشية، أراد عمّه الشيخ (قدس سره) أن يشرع له في "المطول" فعارضه جماعة من العامليين، لأن "المطوَّل" من الكتب التي يعسر على المبتدئ هضمها عادةً، لكنه (قدس سره) اختار له أن يقرأها لما فيها من الفوائد المهمّة، ولأنها ممهّدة لغيرها من الكتب الأصولية، فقرأ منها علم المعاني فقط.

يقول شيخنا: (فلما قرأنا "المعالم" و"الكفاية" بعد المطوَّل، وجدناهما سهلَين لأننا تدرّبنا على النقاش العلمي من المطوَّل)!

وشرع عنده أيضًا بدراسة الجزء الأول من الكفاية، ورسائل الشيخ الأعظم إلى مبحث الاستصحاب، ومقدارٍ من مكاسب الشيخ الأعظم، وكذلك سائر الكتب الدراسية، حيث اعتاد أن يشرع لهم بها ثم يكملونها عند أستاذ آخر.

- الشيخ علي الحلي سماكة: أتم عليه دراسة الجزء الأول من الكفاية.

- السيد إسماعيل الصدر: حضر عنده مبحث الاستصحاب من رسائل الشيخ الأعظم.

- الشيخ علي الحلي: حضر عنده مكاسب الشيخ الأعظم.

- الشهيد السيد محمد باقر الصدر:

حدثنا شيخنا: أن عمه الشيخ أشار عليه -قبل أن يُنهي الكفاية- أن يختار أستاذًا لنفسه، لانشغاله بالتبليغ في "قلعة سكَر" ونواحيها ثلاثة أشهر في السنة، قال:

(فالتقيت بالسيد محمد باقر الصدر ولم أكن أعرفه بعد، وطلبت منه درسًا فاعتذر بعدم سعة الوقت، فشرعت في الجزء الثاني من الكفاية عند السيد يوسف الحكيم، وحضر معي هذا الدرس السيد علي مكي والشيخ عبد الكريم الفقيه، لكنه أيضًا كان مبتلى بشؤون المرجعية فلم يتم لنا ما أردناه).

يقول:

(ثم صادف أن أخبرنا السيد باقر الحكيم أن السيد محمد باقر الصدر يُباحث في الجزء الثاني من الكفاية، ورجّح لنا ترك درس السيد يوسف وحضور درسه... فحضرنا درسه للتجربة فأعجبنا به فانتقلنا إليه.

وكان يباحث في الاستصحاب، فيشرع في مطلب الكفاية من دون أن يفتح الكتاب خلافاً للمتعارف، فيلقيه علينا غيبًا ويبيّنه فلا يفوته منه شيء، ولا يحتاج إلى مراجعة الكتاب وإن اتفق له ذلك مرة، فأعود إلى البيت وأكتب الدرس تفصيلاً لأن أداءه في الدرس لا يُعلى عليه توضيحًا إلا درس السيد الخوئي، فإذا انتهيت من الكتابة أفتح الكفاية فإذا المطلب بتمامه لم ينقص منه شيء.

أنهينا الجزء الثاني ابتداء من مبحث الاستصحاب إلى آخر الكفاية.

ثم بدأ يباحث الأصول اللفظية بالنحو المسمى (خارج)، وكان ذلك حوالي سنة 1380هـ، فحضرناها عليه من أولها إلى آخرها لم يَفُتني منها شيء لأني لم أتغيب عن درسه يومًا أبدًا، وكان السيد الصدر (رحمه الله) يبتهج لذلك، وكنت أكتب الدرس وأعرضه عليه (رحمه الله) فيعلق عليه، وأحيانا يكتب عبارة (أحسنتم كثيرًا).

ثم حضرت عليه شطرًا من الأصول العملية.

وكنت الوحيد من بين طلاب السيد الصدر الذي كتب الأصول اللفظية، وانفرد أخي الشيخ يوسف رحمه الله بكتابة الأصول العملية كاملة).

وحضر عليه في الفقه أيضًا، وهو يحتفظ بكتابات على مباحث المياه، التي شرع بحضورها على السيد الصدر في أوائل ربيع الثاني سنة 1380هـ.

 

- السيد الحكيم والسيد الخوئي قدس سرهما:

يقول شيخنا:

(توقّفت عن حضور درس السيد الصدر (رحمه الله) أيام الاضطرابات التي ناله (رحمه الله) منها بعد ذلك أذى كبيرٌ انتهت بشهادته رضوان الله عليه. والتحقت بدورة السيد الخوئي الفقهية والأصولية، كان قد بدأ بدورة في الفقه على العروة الوثقى بعد أن أنهى دورة في المكاسب، فحضرت عليه من مباحث المياه، أما الاجتهاد والتقليد فقد كنّا حضرناهما على السيد الخوئي في درس الأصول).

قال:

(في هذا الوقت كنت أحضر بحث سيدنا الأعظم آية الله السيد محسن الحكيم، وكان يباحث في أواخر العروة الوثقى، فحضرت عليه "كتاب الضمان" من أوله إلى آخره، وكان الشروع فيه في 28 ربيع الأول 1381هـ).

وحضر دورة الأصول كاملة على السيد الخوئي (قدس سره)، وكذلك حضر عليه جميع أبحاثه في الفقه على العروة، وبعضًا من مباحثه الأخرى، وكتب جميع ذلك.

 

التبليغ في قلعة سكر ونواحيها

سنة 1962م ترك عمه الشيخ محمد تقي العراق وعاد إلى لبنان بعد غياب أربعين سنة في طلب العلم، قضى شطرًا وافرًا منها في خدمة أستاذه السيد الحكيم، وفي التبليغ في قلعة سكر ونواحيها.

وفي سنة 1963م أرسله عمه الشيخ إلى قلعة سكر لينوب عنه فيها، فسافر إليها وكيلاً عن السيد محسن الحكيم، فأحبه أهلها كثيرًا وأقبلوا عليه يأخذون عنه معالم دينهم، فأقام بينهم وبقي يتردد عليهم إلى حين عودته إلى لبنان سنة 1990م، ورجع إليه أهل تلك المنطقة في أمور دينهم، وحلِّ مشكلاتهم والصلاة وإقامة الشعائر.

وبعد وفاة السيد الحكيم أصبح وكيلاً عن السيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي، وبقي فيها إلى سنة 1990م.

في تلك الفترة، رجع إليه أهل تلك المنطقة المسماة بمنطقة الغراف من نهر دجلة، وقد دخل تلك المنطقة علماء متميزون بالعلم والفضل، فأقام فيها -قبل الشيخ محمد تقي- الشيخ حسن دخيل وهو من مجاهدي ثورة العشرين، وأقام فيها أيضًا السيد علي الجصاني وكيلاً عن السيد أبو الحسن الأصفهاني، ثم بعدهم الشيخ مفيد الفقيه، فكان رواد تلك المنطقة من العلماء المجتهدين المؤهلين للفتيا وفض الخصومات، لا مجرد وكلاء.

أسفاره

سافر إلى أفريقيا سنة 1969م لمدة شهر تقريبًا، كانت المحطة الأولى سيراليون، ثم زار بعض البلدان المجاورة، عقدت خلالها جلسات وعظ وإرشاد.

سافر إلى الحج سنة 1391هـ الموافق سنة 1970م.

وقام برحلة ثانية إلى مكة المكرمة برفقة والده وعمه، المقدسَين الشيخ علي والشيخ محمد تقي، وذلك في سنة 1392هـ الموافق لشهر كانون الثاني سنة 1973م.

 

عودته إلى لبنان وتأسيس جامعة النجف الأشرف

كانت فكرة إنشاء جامعة دينية في جبل عامل تراود ذهن والده الشيخ علي الفقيه وعمّه الشيخ محمد تقي الفقيه (قدس سرهما)، وغيرهما من العلماء في زمن السيد محسن الحكيم، لِما كانوا يتوقعونه من مصير حوزة النجف بعد سنة 1958م.

ففي سنة 1955م تقريبًا سعى والده للقيام بهذا المشروع وبذل غاية الجهد لإتمامه، ونال تأييد العلماء وخصوصًا المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم، ولكن المشروع لم يتم.

وشاء الله سبحانه أن تكون ولادة المشروع على يد نجله الحجة الشيخ مفيد.

ففي سنة 1411هـ الموافق لسنة 1990م حضر إلى لبنان عقيب وفاة والده الشيخ علي الفقيه، ولم يتمكن من العودة إلى النجف الأشرف نتيجة الفوضى التي حصلت في أواخر أيام السيد الخوئي (قدس سره)، وفي خضم تلك الأحداث فقدَ ولديه (الشيخ مهدي والشيخ هادي)، وصهره -وهو ابن أخته- (الشيخ صادق ابن الشيخ محمد رضا الفقيه)، وللآن لم يُعرف شيء عن مصيرهم ومصير إخوانهم اللبنانيين الذين فقدوا معهم، فيئس من الرجوع إلى النجف.

وفي لبنان توجهت إليه الأنظار فوطد العزم على مباشرة تأسيس حوزة دينية.

فأنشأها أول الأمر في محل سكنه الفعلي في منطقة صور - الحوش في جنوب لبنان، وسماها (جامعة النجف الشرف للعلوم الدينية).

وكان نمو هذه الحوزة في لبنان سريعًا بروّادها، وبشمولها لجميع الدروس الحوزوية، من المقدمات والسطوح ودرس الخارج، وقد ارتادها الذين بلغوا مراحل علمية لا بأس بها من طلبة الحوزات الأخرى في لبنان، وممن عادوا من حوزة قم المقدسة.

وقد استمر نمو الحوزة، فبلغ عدد طلابها وأساتذتها ما يقارب السبعين طالبًا وأستاذًا، فاقتضى ذلك بناء حوزة متكاملة، فأوقف لها بناء مؤلفًا من خمس طوابق في بلدته حاريص -باعتبارها منطقة متوسطة بين مدن وقرى الجنوب- على نفقة المحسن الكريم الحاج سعيد علي أحمد وأولاده.

فكانت ولادة هذه الحوزة المباركة ثمرة جهود ومساعٍ حثيثة، مهّد لها العَلَمان الشيخ علي الفقيه والشيخ محمد تقي الفقيه، حيث جاهدا بكل صبر وبذلا كل وُسع في سبيل تحقيقها، فاهتما (قدس سرهما)، معًا تارة، ومنفردين أخرى، بإنشاء معهد علمي ديني في جبل عامل يُعنى بتعليم كل من العلمين الديني والعصري حسب الاصطلاح، بترتيب وامتحان، وتكون المدرسة تحت إشراف العلماء وأهل الدين.

ولئن لم يتسنَّ لهما بناء حوزة للتدريس على النحو المتعارف، لعدم توفر الإمكانات المادية، وللظروف العصيبة التي مرّت بها البلاد، إلا أنهما استطاعا تحقيق بعض أهدافهما، كتأسيس أو تعزيز هذه الفكرة لدى العلماء والمؤمنين الذين طالما رغبوا بمثل ذلك، ولعل هذا السعي المبارك، هو الذي عزز فكرة إنشاء مشاريع مماثلة بعد ذلك.

بل كان لدى الكثير من العلماء في ذلك الوقت توجهٌ إلى تنشيط الحركة العلمية في لبنان، وقد كثر حديثهم عنها وإظهار رغبتهم بهذا الأمر، وقد كان الشيخ محمد تقي (قدس سره) يحدّثنا أن السيد محسن الحكيم (قدس سره) كان يرى أن الحوزة الدينية سيكون لها شأن في جبل عامل.

وقد كان الشيخ محمد تقي الفقيه يباحث فعلاً دروس الخارج في منزله في بيروت، ثم اتخذ دارًا فيها لهذه الغاية، ثم انتقل إلى حاريص ثم إلى صور، وبقي مستمرًا بالتدريس إلى آخر أيام عمره الشريف.

ولعل أهم ما أنتجه هذا السعي المبارك، "جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية" القائمة فعلاً في حاريص التي أسسها الحجة الشيخ مفيد حفظه الله، وقد أشار حفظه الله في وقفية الجامعة إلى رغبة والده في إنشائها وتأييد العلماء.

وقد كان لسماحة آية الله السيد علي السيد حسين مكي حفظه الله اليد الطولى، والمساعدة البنّاءة في وضع نواة هذه الحوزة منذ تأسيسها في (صور)، وكذلك بعد أن صارت الحوزة المركزية في (حاريص)، والتي تمَّ إنشاؤها على نفقة ابن عمتنا المحسن الكريم الحاج سعيد علي أحمد وأولاده.

 وفاته

كان (قدس سره) قد ابتلي سنة 1990م بفقد ولدَين من أولاده، بالإضافة إلى صهره على كريمته، الذين اعتقلهم الحكم الظالم في العراق عُنوةً مع ثلّة من العامليين، حتى انقطعت أخبارهم.. وبُذِلت جهود كبيرة لمعرفة مصيرهم، لكن الحكم الظالم في العراق لم يقدّم أيّ بصيص أمل على وجودهم فضلاً عن حياتهم.. وقد تلقّى الشيخ (قدس سره) كل ذلك بالصبر، مسلِّما أمره إلى الله تعالى، محتسبًا، متأسيًا بآل البيت (عليهم السلام)، ومتمسكًا -مع ذلك- بالأمل في العثور عليهم، واستمرّ في العطاء والعمل، فأكمل اشتغاله بالعلم، وبقيت حلقات درسه عامرة، بروح عالية في العطاء مع حيوية ونشاط، مع أنه كان قد ذَرَّفَ على السبعين.. فمر عقدان من الزمن، اختزن قلبه خلالها مرارةً أضعفت بدنه، إلى أن ابتلي بمرض أنهك بدنه الضعيف، عانى منه سنواتٍ، أسلم بعدها روحه إلى باريها، فوفد على ربه نهار الأحد، الواقع فيه 3 نيسان سنة 2016م، الموافق 25 جمادى الثانية 1437هـ.

وتوافد المعزّون من كل حدب وصوب، حُزنًا على فقد ركن من أركان عاملة، وخسارة علَمٍ من كبار أعلامها، حيث إنه (قدس سره) كان قد ملأ الفراغ الذي خلفه خسارة جبل عامل للجيل السابق عليه من كبار العلماء..

وفي لبنان أقيم له تشييع حاشد، ففي حاريص أَمَّ الصلاة عليه سماحة آية الله السيد محمد علي الأمين، في لفيف من العلماء وحشد من المؤمنين.. ثم كان له تشييع آخر من بلدته إلى بيروت، وفي بيروت أيضًا أَمَّ الصلاة عليه سماحة آية الله السيد علي مكي، ثم نُقِلت الجنازة جوًا إلى النجف الأشرف، إلى جوار مَن تشرّفت تلك الأرض به، أمير المؤمنين (عليه السلام)، تلك الأرض الطاهرة التي عاش فيها جلّ عمره، وكان تفتُّحُ روحه وعقله بجواره (عليه السلام)، مكتسبًا خلال تلك المدة الطويلة العلوم والمعارف والتخلّق بأخلاق آل البيت (عليهم السلام).. لذلك كان قد اتخذ لنفسه قبرًا في "وادي السلام" في مقبرة ابن عمته المرحوم الحاج علي شعبان -والتي تبرع بها بعض أولاده وجعلها وقفًا لهم ولآل الفقيه خصوصًا-، فأوصى أن يُدفَن فيه إلى جنب والده المقدس آية الله الشيخ علي الفقيه، وعمه المقدس آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه، رحمهم الله تعالى...

وصل جثمانه الشريف إلى النجف الأشرف يوم الثلاثاء 5 نيسان 2016م، وطيف به على مراقد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، ثم توافد العلماء والمؤمنون لتقديم العزاء.. وفي اليوم التالي -الأربعاء 6 نيسان-، أقام الصلاة عليه آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)، وشيَّعَه جمع غفير من المؤمنين والعلماء إلى مثواه الأخير..

وختامًا نسأل الله سبحانه أن يتغمّده بواسع رحمته، ويكتبه عنده في عليين، ويجعله في مصافّ العلماء العاملين ممن سبقوه، ويحشره مع محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، ويجمع بينه وبينهم صلوات الله عليهم في دار خلده في جنته، وأن يوفقنا وسائر إخواننا لأن نكون خير خلف لخير سلف، إنه سميع مجيب.

***
مؤلفاته

لسماحة الشيخ (قدس سره) كتابات في العقائد والأصول وجل أبواب الفقه، وقد التزم بعد تأسيس الحوزة الدينية في لبنان بطباعة ما يباحثه في الفقه، فطبع من الكتب ما يلي:

1- كتاب المواريث وكتاب الوصايا:

كتابان في مجلد واحد:

- كتاب المواريث كتبه أوائل سنة 1392هـ.

- وأما كتاب الوصايا فكتبه تقريرًا لأبحاث السيد الخوئي (قدس سره) سنة 1403هـ، وطبعا سنة 1414هـ/1993م.

2- كتاب الطلاق (على متن الشرائع):

فرغ من كتابته سنة 1396هـ/1976م في النجف الأشرف، وطبع سنة 1415هـ/1994م. وهو أول المباحث الفقهية التي باشر بتدريسها في لبنان في (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية).

3- المكاسب من كتاب التجارة:

فرغ من كتابته سنة 1400هـ في النجف الأشرف، وطبع سنة 1414هـ/ 1994م.

4 و5- كتاب النكاح (على متن العروة الوثقى):

يقع في جزئين: كتب الجزئين سنة 1973م في النجف الأشرف، ولكن الجزء الأول تعرض للضياع وفُقد، فأعاد كتابته سنة 1418هـ/1997م.

وطبع الجزء الأول سنة 1419هـ/1999م.

وطبع الجزء الثاني قبل الجزء الأول سنة 1415هـ/1994م.

6- الخيارات من كتاب التجارة:

أنجزه سنة 1415هـ/1995م، وطبع بعد ذلك بأشهر يسيرة.

7- العقل في أصول الدين:

طبع سنة 1412هـ/1992م.

8- مباحث القبلة والستر والساتر (على متن العروة الوثقى):

تقريرًا لأبحاث السيد الخوئي، طبع سنة 2002م-1422هـ.

وهذان الكتابان كانا -حتى تاريخ طباعتهما- مفقودَين في سلسة التقريرات المطبوعة للسيد الخوئي (قدس سره).

9- قواعد فقهية:

كتاب يشتمل على مهمات القواعد الفقهية، طبع سنة 2003-1424هـ.

10- ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت (عليهم السلام):

وهو يشتمل على عرض استدلالي موضوعي لمهمات المسائل المتعلقة بولاية الفقيه، وقد لاقى ترحيبًا واسعًا، وقد اقتضت المناسبة العلمية تضمينه جملة من مسائل كتاب القضاء. طبع سنة 2005-1425هـ.

كتبه المخطوطة

- كتاب القضاء وأحكام الدعاوى والشهادات:

انتهى من تدريسه وكتابته في الحوزة الدينية جامعة النجف الأشرف سنة 1422هـ/2001م. ولم يطبع، إلا أن شيخنا أدرج بعض مسائله في طي كتابه [ولاية الفقيه] كما أشرنا.

- العقل في فروع الدين:

وهو عرض وافر -على طريقة الأصوليين- لجملة من المسائل الأصولية التي للعقل دخالة فيها.

- هذا بالإضافة إلى كتب كثيرة في جلّ أبواب الفقه الشريف، لا تزال مخطوطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) انظر: حجر وطين، تأليف الشيخ محمد تقي الفقيه، ج4، ترجمة الشيخ يوسف الحاريصي (قدس سره).

 

 

 

(الشيخ مفيد الفقيه، عَلَم من أعلام جبل عامل)(*)

سماحة آية الله السيد علي السيد حسين يوسف مكي

 

 

أهمية العلم والعلماء

العلم من أهم ما جعله الله وأمر به في الحياة، بالعلم قامت السماوات والأرض، وبالعلم صلحت أمور الحياة واستقرت أمور الإنسان وانتظمت، ولأهمية العلم ولأنه يجب أن لا يكون بعيدًا عن عالم الإنسان ورد الحثّ على طلبه والتأكيد على السعي إليه، حتى لو كلفهم ما كلفهم من الجهد والطاقة والتعب والنَّصَب.

وقد ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): (اطلب العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم)([1])، وورد عن الصادق  (عليه السلام): (لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج)([2]).

وأكّد القرآن الكريم هذه المكانة والمنزلة للعلم والعلماء، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}([3])، وقال تعالى: {قُـــلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}([4]).

فالعلم في الحياة الإنسانية وواقع هذا الوجود هو الأساس والمحرّك في تنمية وتطوير الحياة والوجود وقضايا الإنسان، ويبقى هو القوّة الفاعلة التي يُعتمد عليها في خَلْق الأجواء المناسبة في البناء والتكامل الإنساني والارتقاء في عالم الاستخلاف الذي جعله الله للإنسان بقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}([5])، فإنه يزوّد الإنسان بالطاقة الكاملة وبالمناهج والأسباب التي توصله إلى ذلك، ليستمر في هذا الوجود، ويعيش كريمًا سعيدًا مرتاحًا مطمئنًا معافىً في نفسه وأهله وماله ومتعلقاته وغيره مما حوله.

هذا مضافًا إلى أنه يرتقي في عالم القدس والأخلاق والروحانية والجلال والطاعة والخدمة لله سبحانه، كلّ ذلك منطلقُه العلم، ولقد أشارت السُّنة الشريفة مؤكدة هذه الحقائق، قال أمير المؤمنين  (عليه السلام): (العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى وقوّة الأبدان من الضعف، بالعلم يُطاع الله ويُعبد، وبالعلم يُعرف الله ويوَحّد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، والعلم أمام العقل، والعقل تابعه)([6]).

هذا هو العلم في واقعه وآثاره، بل جعله الله الحياة الحقيقية في الوجود الإنساني، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}([7])، ولم يدعُ إلى شيء كدعوته إلى العلم وإلى حكم الله وإطاعته، وقد ورد عن أمير المؤمنين  (عليه السلام) أنه قال: (يا مؤمن، إن هذا العلم والأدب ثمن نفسك، فاجتهد في تعلّمها، فما يزيد في علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك، فإن بالعلم تهتدي إلى ربك، وبالأدب تحسن خدمة ربك، وبأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه، فاقبل النصيحة كي تنجو من العذاب)([8]).

ومن هذا البيان لفضل العلم وأهميته، يمكن أن يقرأ الإنسان فضل العلماء وأهميتهم في الحياة والوجود الإنساني، فإنه أعظم منّة يمنّها الله على عباده أن جعل لهم الوسائل والأسباب التي توصلهم إلى العلم النافع والهدى الواضح، وهي القرآن والسُّنة الشريفة، وجعل من خلالها الشريعة السهلة السمحاء التي فيها الحكم لجميع ما يحتاج إليه الناس في كل شؤونهم وأمورهم وقضاياهم، في عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقياتهم واجتماعياتهم، وفي علاقاتهم بعضهم مع بعض على اختلافها، وأكّد على ضرورة العلم بها وتطبيقها في كل هذه الشؤون والأمور والوقائع، لأن لله تعالى في كل واقعة حكمًا، فالدعوة إلى العلم دعوة إلى جميع العلوم، وأشرفها هو العلم الموصل إلى السعادة الأبدية.

وقد انتهل العلماء من معين مدرسة أهل البيت  (عليهم السلام) وفيوضات علومهم الواسعة، مما جعل لهم أهميةً ومقامًا في إيصال هذه الأحكام وغالب أمور الدين والشريعة إلى الناس، وإحيائها في قلوبهم وعقولهم ونفوسهم وفي أعمالهم، وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والحق والهدى.

لذلك كان العلماء هم الحصن الحصين للدين والشريعة بعد أهل البيت (عليهم السلام)، وهم قوام هذا الدين وعماده في زمان الغيبة، خصوصًا وهم يرتقون في معارفهم وعلومهم بالتقوى، والورع والخوف من الله سبحانه وفي خدمة الله تعالى.

وقد أكّد الأئمة  (عليهم السلام) على صلاحيات هؤلاء بما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة وصحيحة أبي خديجة([9])، وبما ورد في تفسير العسكري  (عليه السلام): (.. فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا على هواه، مطيعًا لأَمْر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه..)([10]).

وقد أكدوا  (عليهم السلام) أيضًا على مراتبهم ومنازلهم، ويستفاد ذلك من الأحاديث الكثيرة الواردة في حق آحاد من أصحابهم  (عليهم السلام):

مثل: بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، الذين ورد فيهم عن الصادق  (عليه السلام): (أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست)([11]).

ومثل: زكريا بن آدم القمي، ويونس بن عبد الرحمن، والحارث بن المغيرة النضري، وأبان بن تغلب([12]).

ومثل: العمري وابنه، فعن أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن  (عليه السلام) قال: (سألته وقلت: من أعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال  (عليه السلام): العمري ثقتي، فما أدّى إليك عني فعنّي يؤدي، وما قال لك عني فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون، قال: وسألت أبا محمد  (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان، فما أديا لك عني فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك عني فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان)([13]).

ففي التأكيد على مثل هذه الصفات التي كانت عنوانًا لأصحاب الأئمة  (عليهم السلام) نقرأ أنه ينبغي أن يكون العلماء على صفة خاصّة من العلم، وحسن الرواية والفهم والثقة والصلاح، لأن هذا الدين أمانة كبرى من الله لعباده وعند عباده، ولذلك يجب أن يؤدّى بما هو وبشكل صحيح.

وإذا كان مقام العلماء في زمان حضور الأئمة الأطهار  (عليهم السلام)  بهذا الشكل وبهذه المرتبة والمنزلة، فما ينبغي أن يكون عليه العلماء في زمن الغيبة إما بهذا الشكل أو أكثر، فإنهم إن لم يكونوا كذلك وقعوا في الشبهات، وخاصة عند توارد الأمور وتشاكلها، وعند اختلاف الآراء وتضاربها، وعند اعتماد الاعتبارات والمقامات والدعايات والإعلام المشوّش والمشبوه.

فمقام العلماء ودورهم مهمّ وخطير جدًّا في حياة الناس، وصلاحياتهم كبيرة واسعة لا يسعها العلم فقط، بل العلم والحلم والحزم والتقوى والورع، والخوف من الله في السرّ والعلن، والخشية الدائمة، والحضور الدائم بين يدي الله تعالى، فما استؤمن العالم على أمور الدين وأحكام الله ووَلِيَ أمور الناس إلا لأنه متمحض خالص لله، مراقب لله، يعمل بما علم عن الله بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين  (عليهم السلام)، ولا بدّ له من هذه الصلاحيات لحفْظ النظام والصلاح العام والوقوف في وجه الظلم والشرّ والفساد والشبهات.

 علاقتي بالأخ الشيخ مفيد

الأخ الشيخ مفيد الفقيه، عَلَم من أعلام جبل عامل، من عائلة كريمة كانت ولا تزال تواصل مسيرتها في العطاء والتوجيه العلمي، وإثراء الفكر الشيعي بمختلف العلوم والمعارف، والتحقيق والتدقيق في الآثار العلمية التي وضعها العلماء والفقهاء رضوان الله عليهم.

عرَفْتُه من أيام النجف الأشرف، وَصِلَتي به لم تكن صِلَة زمالة وصداقة فقط، بل كانت صلة أبعد وأعمق من أن توصف بالصداقة، إنها الأخوّة في الله، والأخوَّة في الله لا يمكن أن يحويها الحديث أو تقيّمها الكلمات، ولا داعي لكثرة الحديث عنها.

نشأَتْ هذه الأخوّة أيام النجف المباركة التي عشناها بجوار سيد الأوصياء أمير المؤمنين  (عليه السلام)، وفي رعاية العلماء الأتقياء الأبرار، وتمكّنت في العقل والقلب في حلقات الدروس الأخلاقية والسلوكية مع بعض الأساتذة رضوان الله عليهم، والتي كان يباركها ويمكّنها أكثر وأكثر المقدّس المعظّم السيد الحكيم (قدس سره) بتوجيهاته، والسيد الوالد والعمّ الشيخ محمد تقي الفقيه رضوان الله عليهما كذلك.

هذا مضافًا إلى الرفقة والزمالة في الدروس الأصولية والفقهية التي كنّا نستقي أصولها وتحقيقاتها على يد الأستاذ المقدّس المعظّم السيد الخوئي (قدس سره) وغيره من الأساتذة.

فالأخ الشيخ مفيد الفقيه عالم فاضل جليل، ومن البقية الباقية من آل الفقيه في حاريص، والمعروفين بالفضل والعلم والخدمات الجليلة والعطاء العلمي والإصلاحي.

ومنذ أن حطّ الرحال في جبل عامل بعد إقامة طويلة في النجف الأشرف تواصَل اللقاء فيما بيننا، ولولا المسافة بين جبل عامل والشام حيث أقيم لكانت لقاءات لا تنقطع كما كانت عليه الحال في النجف.

وقد قام في فترة وجوده في جبل عامل بتأسيس حوزة "جامعة النجف الأشرف" في مدينة (صور) لتدريس السطوح وتدريس الدروس التخصّصية وما يسمى بعرفنا (دروس الخارج)، وتابعْتُ العمل معه والمشاركة في شؤون الحوزة، لأني كنت أرى ضرورة عودة الدراسة الدينية إلى جبل عامل بشكل منظم وواسع، وخاصة في دروس الخارج التي كانت ولا تزال قليلة جدًا.

فكان قيام الأخ الشيخ مفيد بتدريس الخارج خطوةً مباركة، وبدايةً مهمّة في إعادة الحركة الفكرية والعلمية إلى هذا البلد والجبل الأشم، الذي أثرى الفكر الشيعي بعلماء يُعتبرون القاعدة والأساس في الحركة العلمية في هذا البلد، حتى امتدّ نشاطهم إلى غيره من البلاد، بل إن ما ألّفه علماء جبل عامل من الموسوعات الفقهية وغيرها، والتي لا يستغني عنها فقيه من فقهاء الشيعة في أي مكانٍ كان، دليلٌ كبير على النشاط والسعة في الآفاق العلمية والبُعْد الفكري النيّر والدقيق، ولذلك كان علماء جبل عامل يشكّلون النسبة الجيدة والعالية بين علماء الشيعة عمومًا.

أقول هذا مع المحافظة والتأكيد على دور الآخرين من علماء الشيعة العظام والمحقّقين والمدقّقين، والذين لا يُستغنى عن آرائهم وتحقيقاتهم وفوائدهم، التي أملوها وسجلوها كأساس يحتاج إليه الفقيه والعالم والأديب والفيلسوف، وكل مفكر في نشاطه وحركته العلمية.

وضَعْفُ الحركة العلمية في جبل عامل في العقود المتأخرة وإن كانت له أسبابه العديدة، إلا أنها ما كانت لتصل إلى هذا المستوى من الضعف لولا العامل السياسي الذي لعب دورًا مهمًا في ذلك، لأن رجل الدين والعالم الروحاني، في جبل عامل وغيره، كانت له السلطة وكانت له المركزية في الأوضاع العامة وفي حياة الناس، وكانت له الكلمة المؤثرة في الوسط الاجتماعي حتى على السياسيين، فكانت المحاولات المختلفة لتغيير هذا المعنى، وهذا ما حصل فعلاً تحت عناوين مختلفة، ولست بصدد الحديث عنها وبيانها في هذه المقالة، وما أنا الآن بصدده هو الحديث عن ضرورة إعادة الحركة العلمية إلى هذا الجبل، وإعادة المركزية العلمية، وتنشيط الوضع العلمي الذي يجب أن يكون من الأولويات عند كل عالم وطالب علم.

وحوزة (جامعة النجف الأشرف) التي تبنّاها الأخ الشيخ المفيد محاولة مباركة إن شاء الله، وآمل أن تستمر على النهج الذي هي عليه الآن، وأن يزداد نشاطها بجهود الشيخ المفيد والأخوة الطلاب الآخرين حفظهم الله جميعًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([*]) هذه المقالة، كان قد كتبها سماحة السيد علي مكي، كمقدمة لكتاب الشيخ مفيد الفقيه (الولاية في مذهب البيت  (عليهم السلام))، تحدّث فيها سماحته عن أمرين: الأول "علاقته بالشيخ مفيد". والثاني "في أهمية العلم والعلماء". وقد رأينا من المناسب تقديم الأمر الثاني على الأول.

([1]) الوسائل ب4 من أبواب صفات القاضي ح20.

([2]) بحار الأنوار ج1 ص177 ب1 من أبواب كتاب العلم ح53.

([3]) المجادلة من الآية 11.

([4]) الزمر من الآية 9.

([5]) البقرة من الآية 30.

([6]) بحار الأنوار ج1 ص166 ح7.

([7]) الأنفال من الآية 24.

([8]) بحار الأنوار ج1 ص180 ح64.

([9]) الوسائل ب11 من أبواب صفات القاضي ح1 ؛ وب1 منه ح5.

([10]) الوسائل ب10 من أبواب صفات القاضي ح20.

([11]) الوسائل ب11 من أبواب صفات القاضي ح14، لاحظ أيضًا حديث 20-21-22.

([12]) راجع الوسائل ب11 من أبواب صفات القاضي ح27-34-24-3.

([13]) الوسائل ب11 من أبواب صفات القاضي ح4.

 

الشيخ مفيد الفقيه.. العالم العامل

السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين..

وبعد.. فقد حَفَل القرآن الكريم بالآيات الكثيرة التي أظهرت فضيلة العلم، وفضل العلماء، بالإضافة إلى الكثير من الآيات الآمرة بالتدبر، والتأمل، والتفكر، والاستفادة من كل ما فيه فكرة وعبرة، مما يساهم في صلاح الفرد والجماعة، ويحد من طغيان الفساد والفاسدين، وهيمنة الجهل والجاهلين.

والأوامر التي تحث على طلب العلم ومجالسة العلماء لا يجهلها أحد.. حتى لقد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم.

وكل ذلك يدل:

أولاً: على لزوم طلب العلم على الرجل والمرأة، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير والصغير.. وسائر شرائح المجتمع المسلم..

ويؤيده ويؤكده قولهم «عليهم السلام»: «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»، فإنه يشمل حتى الأطفال في أول مراحل إدراكهم للأمور.. ويشمل أيضًا المسلم وغير المسلم، والمرأة والرجل..

ثانيًا: إنه يدل أيضًا على أن الإسلام ليس فقط لا يخشى نور العلم، بل هو يريده، ويحث عليه، لثقته بأن العلم يؤيده ويؤكده، ويزيد من الإقبال عليه، والتعلق به، ويدل على عظمته، ويكشف عن حقائقه ودقائقه، ويُطِلُّ على آفاقه الرحبة، ويحصِّنه من الشبهات والأضاليل، وفنون الأباطيل.

وإظهار حقّانية الإسلام هو من أهم أهداف الأنبياء، والأئمة، والعلماء.. لأنهم يدركون أن الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة لا تُنال إلا بهذا الدين، الذي سلاحه العلم، وغذاؤه المعرفة، وقوامه العمل والإخلاص فيه، وبهذا يتنامى، ومن خلاله يتكامل ويتسامى.

ثالثًا: إن هذا هو السبب في أن الإسلام قد أثار دفائن العقول، وأفسح المجال أمام الفكر والعلم، ليسبر غور حقائق الدين، ولم يغلق أي باب أو نافذة، أو كوة -مهما صغرت- بوجه البحث العلمي الصحيح، في أية قضية دينية.

ويكفي أن نذكر: أنه جعل أخطر القضايا وأقدسها وعلى رأسها قضايا التوحيد، وصفاته تعالى، وعدله، ونبوَّة الأنبياء، والبعث والحساب، والإمامة.. -وهذه هي أركان الاعتقاد- جعل الاعتقاد بها مرتكزًا على الفكر والعقل، والاستدلال القاطع، والبرهان الساطع، فلا يقبل من أحد الاعتقاد بهذه الأمور التي هي أهم الاعتقادات التي تقوم عليها سائر حقائق الدين، -لا يقبلها- إلا عن دليل وبرهان وحجة، يفرض اليقين بها..

ولم يرضَ من أحد أن يعتقد بهذه الأمور الخطيرة بالاستناد إلى تقليد الأشخاص أيًا كانوا، علماء أو جهلاء، أجدادًا أو آباء، أو غير ذلك.

ولكنه رضي بتقليد الفقهاء، والأخذ من العلماء في الشرائع والأحكام، وسائر حقائق الدين الأخرى باستثناء الضروريات منها.

وهذا أمر تفرّد به الإسلام، ولم نجد له نظيرًا في أية دعوة، وأي دين أو مذهب، بل نجد أن ما عدا أهل الإسلام يسعون لإبعاد اعتقاداتهم، وسائر مفردات أديانهم أو مذاهبهم عن نور العلم والمعرفة، وإبقائها في منأى عن تعرض العقول لها بنفي أو إثبات.

بل بعضهم جعلها أسرارًا، لا يحق لأحد من غير مذاهبهم الاطلاع عليها، بل منعوا حتى أتباع مذهبهم من ذلك أيضًا، إلا لأشخاص بأعيانهم.

وبعض من رضي على مضض بإعطاء العقل بعض الحق بالتأمل في حقائق الدين، قد فرض على هذا العقل قيودًا وحدودًا تفرغه من مضمونه، وتجعل من تعاطي العقل بالشأن الديني أمرًا شكليًا، وغير ذي جدوى، ومن دون ثمرة صالحة للاعتزاز، أو التنويه بها.

وما دمنا في أجواء ذكرى رحيل أحد العلماء الأعلام، وهو العلامة الجليل آية الله الشيخ مفيد الفقيه، فإننا نقول:

لقد كان «رحمه الله» -كما عرفته عن قرب في النجف، وكانت تربطني به علاقة مودة ومحبة، وقرابة أيضًا- الرجل الوفي، والعالم الألمعي، والورِع التقي.. والصديق الصادق، والأخ الرضي، الذي علم فعمل في حياته، وسيبقى بعد وفاته عَلَمًا، ومنارًا، وأسوة، وقدوة للذين عرفوه، وأحبوه وألفوه.

وبعد أن فُجِع بولديه في العراق على يد أعداء الحق واضطراره للعودة إلى لبنان، لم يخلّ ذلك بعزيمته على مواصلة مسيرته في نشر العلم والدين والإيمان.

ولقد جَسَّد فقدُه المصداق الواضح والصريح لقول أمير المؤمنين «عليه السلام»: «إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه»([1]).

وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: «إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء»([2]).

نعم، لقد كان الشيخ مفيد الفقيه منارةَ عِلمٍ، ما أحوج المؤمنين إلى ما كانت تبثه من ضياء، يهدي السالك في الظلام الحالك، إلى خير المسالك، وينجيه من المهالك.

وقد عرفته الرجل القريب إلى القلوب، لما يلمسه الناس فيه من أخلاق فاضلة، ومن رزانة وأمانة، وطهر وصفاء، وأدب ووفاء، وعلم نافع، وإخلاص رائع..

ثم إنه الرجل الحكيم الذي ينطق بالحق، ويقول الصدق.

فرحم الله هذا العَلَم العلامة، وأسكنه من جناته أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفًا، وحشره مع النبي وأهل بيته الطاهرين «صلوات الله عليهم أجمعين».

والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) بحار الأنوار ج2 ص43.

([2]) بحار الأنوار ج1 ص220 وج2 ص17 و 45.

 

 

لقاء مع سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه (قده)([*])

الأستاذ أحمد الموسوي

 

 شكّلت الحوزات الدينية منذ فجر ولادتها حصنًا منيعًا بوجه كل الحملات والتحدّيات التي استهدفت الإسلام في وجوده ودوره، ووفّرت في الوقت نفسه حصنًا آمنًا لبروز قيادات إسلامية ومراجع عظام، انساقت إليهم المهمّة المقدّسة في حفظ الدين والعقيدة، والإبقاء على مشعل الرسالة الإسلامية الأصيلة منيرًا دروب الإنسانية من جيل إلى جيل، على مرّ العصور والى يوم الدين. 

ولأن للدور الحوزوي هذا الشأن الخطير في حياة الأمة الإسلامية، تفتح "رسالة النجف" ملف الحوزات العلمية في لبنان، بما له وما عليه، وتنشره على حلقات بدءًا من هذا العدد الذي يتضمن تحقيقًا عن "حوزة النجف الأشرف" في حاريص التي أسّسها سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه.

التأسيس

تاريخ "حوزة النجف الأشرف" في حاريص، هو في وجه من وجوهه قراءة في سيرة حياة مؤسّسها الحجة الشيخ مفيد الفقيه بدءًا من العام 1989م.

في ذلك العام اضطر سماحته إلى مغادرة النجف الأشرف بعد أن اشتدّت حملات الاضطهاد من النظام العراقي السابق على العلماء والمراجع، فعاد الشيخ إلى لبنان بعد 38 عامًا أمضاها في النجف دارسًا ومدرّسًا.

من مدرسة الإمام الخوئي

حيث وصل الحجة الشيخ مفيد إلى لبنان، وعلى طبيعة العلماء، لم يستطع إلا أن يستمر في دوره كحاملٍ لرسالة مقدّسة تستوجب التبليغ، ففتح منزله في صور لكل راغب بالعلم، وبدأ بالتدريس، وحيث شاع الخبر في المنطقة ونواحيها كثُر الطلاب الساعون إلى التعلّم بين يديه وتكاثر عددهم، وبقدر ما كان يتّسع صدره لطلاب جدد، كانت مساحة المنزل المتواضع تضيق، فقضت الحاجة التوسع ، فتمّ استئجار إحدى الشقق القريبة التي ما لبثت أن ضاقت بدورها أمام تزايد الطلاب، واستمر هذا الضيق إلى أن ساق الله خيرًا حمله رجل الأعمال الحاج سعيد علي أحمد الذي أخذ على عاتقه بناء حوزة للطلاب، والذي سارع إلى بناء الحوزة، وإلى شراء شقة واسعة ينتقل إليها الطلاب ريثما ينجز بناء الحوزة، فتأمّن بعمل الخير هذا الحدّ الأدنى لمواصلة التدريس حتى العام 1998م تاريخ إنجاز بناء الحوزة في حاريص بشكل تام، والتي بدأ التدريس فيها بدءًا من العام 1999، فانضمت إلى سائر الحوزات العلمية الكبرى في لبنان والعالم الإسلامي، لتأخذ موقعًا متقدّمًا في ميدان نشر الرسالة الإسلامية وتبليغ أحكامها وفقًا للمذهب الإسلامي الجعفري الأصيل.

رعاية شؤون الأمة

المرتجى من تأسيس هذه الحوزة، والطموح كما يقول مؤسّسها الحجة الشيخ الفقيه، هو الحفاظ على العقيدة والمساهمة في رعاية شؤون الأمة والإبقاء على باب الاجتهاد مفتوحًا.

وعن مرجعية التقليد التي تستظل بها الحوزة يقول سماحته:

"في النجف لازمنا المرجع السيد محسن الحكيم وكان لنا تفويض منه، ثم انتقلنا بعد رحيله إلى مرجعية السيد الخوئي (قدس سره) الذي تلمّذنا على يديه ما يقرب من 31 عامًا أصولاً وفقهًا، والآن مع آية الله العظمى السيد علي السيستاني، ولنا تواصل مستمر مع بقية المراجع العظام الآخرين سواء في النجف الأشرف أو في مدينة قمّ المقدسة".

وفي الحديث عن الدين والسياسة وفي أي موقع تقف حوزة النجف الأشرف، يشير سماحته إلى أن الحوزة تتميز بأنها تجمع تحت سقفها كل الأطراف في المناسبات الدينية العامّة من كل الجهات والأحزاب، والى أن الانتماء الحزبي أو السياسي لا يُشكل مانعًا من الالتحاق بالحوزة والدراسة فيها بشرط واحد وهو عدم ممارسة أيّ نشاط ذي طابع حزبي داخل الحوزة.

وعن المنهجية الدراسية المتبّعة في الحوزة يقول الشيخ المفيد: "إنها المنهجية المتبّعة في النجف الأشرف".

تطوير المناهج والأساليب

وحيث تسأله عن الجدل أو النقاش الدائر في أوساط حوزوية وبين علماء وفقهاء عن ضرورة تطوير المناهج في الحوزات وتطوير أساليب التعليم الموروثة، ليستطيع العمل الحوزوي الارتقاء إلى مستوى العصر الحديث ومتطلباته في مواصلة التحدّيات المطروحة أمام الفكر الإسلامي، يقدّم الشيخ المفيد إجابة علمية مكثّفة يقول فيها:

لا يوجد من المناهج ما يخضع للتطوير في المقدمات التي لا بد منها في كل علم تُبنى نتائجه على الاستدلال، وكذلك لا معنى للتحدث عن التطوير في النتائج الفقهية، كما لا معنى للتطوير في كيفية الاستدلال المبني على أسسٍ منطقية ثابتة، ولا في نفس الأدلة من حيث ما تنطوي عليه من العناصر الموصلة للنتيجة المطلوبة، وكذلك علم الأصول، فإنه عبارة عن قواعد عقلية ونقلية ثابتة، تختلف الآراء في توثيقها وتقعيدها إيجابًا أو سلبًا، سعةً أو ضيقًا.

لذلك لا نصف بالجهل المركب من يتساءل  عما هو المقصود بتطوير المناهج غير التوضيح والتبسيط بنحو يصبح المطلب سهل التناول لكل أحد، حيث تكثر الشكوى من صعوبة المطالب وتعقيدها، وهذا غير موجود إلا في علم الأصول.

والرد على ذلك، أن صعوبة المطالب ودقتها، أمرٌ واقع لا بديل عنه، وأما التعقيد في العبارة فهو مسلم، ولكن طبيعة المطالب في كثير من الأحيان هي التي تعطي صفة التعقيد للعبارات المغلقة، وأساليب الطرح غير المألوفة عند من يدخل ابتداءً في علم الأصول، وأما المتدرج، فلا يحتاج إلى أكثر من أستاذ مستوعب للمطالب، وعنده ثروة من ألفاظ اللغة العلمية، وقدرة بيانية.

وأما إضافة علوم أخرى إلى مقدمات العلم التصورية والتصديقية، فهذا يعني علمًا آخر غير علم الأصول والفقه، مع أن ما يحتاج إليه علم الأصول والفقه من العلوم الأخرى مأخوذ بعين الاعتبار.

ولذلك دخلت كثير من مسائل العلوم الأخرى في هذا العلم بمقدار الحاجة، كإحدى المقدمات التي يحتاجها الباحث للتوصل إلى النتيجة القطعية، حيث يأخذ الأصولي الفقيه منها حاجته، ويستعين بها حسب المورد الذي يريد الاستدلال عليه، لأنه سيحتاج إلى نتائج من أكثر العلوم، لأن الشريعة مستوعبة لكل ما في هذا الوجود، فهو محتاج إلى مسائل من علم الهيئة والفلك، والفلسفة والرياضيات والطب والهندسة، لا بمعنى أن يكون طبيبًا وفيلسوفًا، بل بالمعنى الذي أشرنا إليه.

فالعقيدة تحتاج إلى علم الفلسفة، والمصلي والصائم يحتاج إلى علم الفلك والأهلّة في قبلته ومواقيته، ولا تخفى الحاجة إلى الرياضيات في المواريث والوصايا والمعاملات التي تقع بين الناس، كما لا تخفى الحاجة إلى بعض النتائج الطبية في علم الأجنة والتوليد، لتُعطى لها صفة الشرعية أو تُسلب عنها، وأما تغيير الكتاب أو تبديله بأسلوب وبآخر، فهذا ليس من تطوير المنهج، بل هو من التوضيح الذي لا بد منه.

ونضيف إلى ذلك، أن أساطين العلماء توصلوا إلى أعلى المراتب في سبر أغوار هذا العلم بالمنهج الموجود في الحوزات، وكل ما ذكروه هو تطوير وتبسيط كامل للمسألة من جميع جهاتها التي لها أدنى صلة بأي علم من العلوم، فقد تدرجوا في علم الأصول بقسميه (اللفظية والعملية) إلى أن استوعبوا كل مسائله التي لا بد من الاحتياج إليها أو يحتمل الحاجة إليها ولو من ناحية علمية، حتى وصل الأمر إلى كتابَي الكفاية والرسائل.

أما كتاب الكفاية للمحقق الخراساني (قدس سره)، فهي السبب الأساسي في طرح مسألة التطور والتوضيح، نظرًا للتعقيد في صياغة عبائرها، وهذا الذي ذكرنا أنه طرح وجيه.

ولكن المسؤولية تقع على المدّرسين، وليس عيبًا في الكتاب ومطالبه أن تكون عباراته مغلقة لدقة مطالبها، لأنه كتاب وضع للتدريس.

وكان ينقل لنا عن تلامذته (قدس الله أسرارهم جميعًا)، ومن جملتهم  المرجع الراحل الحكيم، وجدّنا الشيخ يوسف الفقيه (قدس سره)، أن درس الآخوند صاحب الكفاية ربما كان يستمر الساعة والساعات لتحقيق المطلب وتوضيحه، بالأخذ والرد والتحقيق، ثم وضع هذا الكتاب للتدريس، مع أن درسه كان درس الخارج، أي من الدروس العالية النهائية التي يمكن لطلابه أن يكون لهم الرأي في هذه المطالب.

وهو على كل حال من الناحية المنهجية يتضمن التسلسل الدقيق لعملية التدرج في إعطاء رأيه في المطالب الأصولية التي يحتاجها المجتهد في مقام الاستنباط، خصوصًا الجزء الأول بما تضمنه من المقدّمات التي ليست لها صلة مباشرة بقواعد الأصول، ولكنه لا يُستغنى عنها في علم الأصول لتكون قواعده متكاملة من جميع الجهات، كمسألة القطع والاشتراك والمشتق ونحوها.

وأما الجزء الثاني من كتاب الكفاية، فهو على نفس الطريقة، ولكنه لا يخرج عن مطالب الرسائل لأستاذه الشيخ الأعظم الأنصاري الذي كان عبارة عن نفس درسه الذي يلقيه في بحث الخارج العالي الموصل إلى النتيجة، فكانت مدرسة صاحب الكفاية على عكس مدرسة الشيخ الأنصاري، فقد طبع في كتاب الرسائل نفس الدروس التي كان يلقيها الشيخ الأنصاري، وقد كان تلامذته يدرّسون هذا الكتاب لمن كان وقتهم ملكًا لهم، ويعطونهم بعد إكمالها ونجاحهم في فهمها إجازة الاجتهاد في هذه القواعد.

ثم حصل تطور في طلاب العلوم وليس في المناهج، فكانت الكفاية للاطّلاع على أصل المطلب وفهمه ليمارس في دروس الخارج مناقشته على ضوء آراء الآخرين من الأساتذة.

كما صارت الرسائل لفهم جميع ما فيها فهمًا تصوريًا حتى يصل إلى أستاذ بحث الخارج ليضع النقاط على الحروف بعد استعراض مطلب الرسائل ومناقشته، علمًا بأن المطلب الذي يتبناه الشيخ الأنصاري في الرسائل قليل، بل هو دائمًا يناقش ويؤيد المطلب ويخدشه، فكان هذا الكتاب بالمنهج التربوي العلمي الذي لم يوجد مثله في علم الأصول، وحتى المطالب الأصولية التي جعلها الآخوند وغيره من تلامذته، وتلامذة تلامذته، محور البحث لا تزال هي المطالب المركزية في علم الأصول العملية، بحيث لم نجد ولا نعلم من وجد أو ادعى أنه وجد مطلبًا في الأصول العملية له دخل فيها، إلا وهو مذكور في الرسائل تصريحًا أو عرَضًا، إشكالاً أو جوابًا، سواء ممن تقدمه من الأصوليين أو تأخر عنه، بل لم توجد، مع أن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه عند الشيعة.

وبالعبارة المختصرة: قد طوّر هذا الشيخ الأعظم وتلميذه الخراساني علم الأصول بنحو لم يُسبق، ولن يُلحق، وكانت بعدهما، لعشرات العظماء المحققين مدراس أصولية مختلفة في أساليبها، ولكن الكل كانوا عيالاً على هذين العلمين، حيث كانت مطالبهما وآراؤهما هي المحور والمسألة المركزية.

وخلاصة القول: هي أن علم الأصول في الحوزات الدينية غير الأكاديمية في أعلى مراتب التطوير، خصوصًا وأن هذا المنهج هو الذي دفع بمدرسة الفقه الشيعي إلى هذا التطور الهائل الذي ربما يسبق عصره من كثير من الجهات، كما يظهر لمن سبر المسائل الفقهية التي كانت مطروحة قبل هذا العصر.

نعم ربما يؤخذ على الحوزات المعاصرة عدم الالتزام بالعلوم الأخرى إلا من خلال جهد الطالب الشخصي، هذا صحيح، ولكن على مرّ العصور كان هناك أشخاص عظماء ينصرفون إلى العلوم الأخرى كعلم الفلسفة والكلام وعلوم الهيئة وغيرها من العلوم التي تعطي لصاحبها صفة الموسوعية، وهذا أمر في غاية الأهمية، ولا نعرف مرجعًا لم تكن عنده هذه الصفة، ولذلك وصلوا إلى هذه المرتبة، ويرجع الناس إليهم في كل هذه العلوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([*]) نشر هذا التحقيق في (العدد صفر) من هذه المجلة، أول تأسيسها، سنة 2005م/1425هـ، وتضمن لقاءً صحفيًا أجراه الإعلامي السيد أحمد الموسوي مع سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)، لذلك نعيد نشره.

 

 

نص وقفية

حوزة "جامعة النجف الأشرف / حاريص"

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الواقف على الضمائر، المطلع على مكنونات السرائر، شاهد كل نجوى، وسامع كل شكوى، وعالم كل خفية، ودافع كل بليّة، ونعوذ به من شر الدنيا ونكال الآخرة، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطاهرين المعصومين، سادات البريّة، وخير خلق الله أجمعين.

ثم إنني بعد أن أكملت بناء هذه المؤسسة على قطعة الأرض التي كنت أملكها، وأملك ما أقيمَ عليها من الطوابق الخمسة، وبعد أن دُفِعَت كامل نفقاتها من قِبل ابن عمتنا الحاج سعيد علي أحمد وأولاده، وفَّقهم الله لكل خير، فقد أوقفتُ هذا المبنى مع الأرض التي قام عليها وقفًا دائميًا مؤبدًا، لا يُباع ولا يُشترى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بظهور شمس الهداية وبقية الله في الأرض، الولي الحقيقي الحجة ابن الحسن المنتظر عجل الله تعالى بالحق فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين في سبيل دعوته، ولا حرمنا الله من عطفه وبركته ودعائه، متوكلاً على الله، متمسكًا بقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا} وهو حسبي ونعم الوكيل .

لقد أنشأنا هذه المؤسسة [جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية] طلبًا لرضى الله وخدمة لدينه، لا نريد أجرًا إلا من الله تعالى، ومن أجل أن تكون نافعة في العلم والعمل، وتسهيلاً على العالِم والمتعلم والمستفيد من المؤمنين الذين يأخذون منهم معالم دينهم ويستفيدون بمواعظهم، فقد أوقفناها على أن تكون مؤسسة دينية جامعة للدارس والمدرس، والواعظ والمتعظ، ولمن يريد السكن من طلاب العلوم الدينية ولسائر المناسبات الدينية التي تنفع المؤمنين وتروّج الشّرع المقدّس.

وقد جعلتُ الولاية الشرعية على الوقف المذكور لنفسي ما دمت حيًا، ومن بعدي تكون الولاية على النحو المثبَت في وصيتي المتعلق بخصوص الوقف المذكور.

والهدف من إنشاء هذه الجامعة -التي كانت تراود فكر سيدي الوالد الشيخ علي الفقيه (قدس سره) بتأييد ومباركة المراجع المعاصرين العظام (قدّس الله أسرارهم) وكان يسعى ويشجعني على إنشائها قبل وفاته- أن تكون استمرارًا لتدريس ودراسة العلوم الدينية، على النهج المتصل بعشرة قرون من الزمن، حوزة علمية دينية على غرار المدارس التي أُسست في النجف الأشرف وقم المقدسة وجبل عامل والمناطق الأخرى في لبنان من قِبل الفقهاء السابقين، قدّس الله أسرارهم ونفعنا بعلومهم وهَديهم، لصيانة الشريعة الإسلامية التي أسسها وأرسى قواعدها رسول الله والأئمة الأطهار من أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين، وسلّموها من بعدهم للفقهاء من أصحابهم ومواليهم، الأمناء على الدين والدنيا، وتناولها العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار، جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى عصرنا الحاضر، حيث بدأت في هذا العصر، وتحديدًا قبل بداية القرن الخامس عشر الهجري، وفي النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي.

نقول: حيث بدأت تظهر آثار الرصد والترقب من قِبل أعداء الإسلام والمسلمين مباشرة، أو على أيدي المسلمين الذين آثروا النعيم العاجل الزائل في هذه الدنيا على رضوان الله ونعيم الآخرة الذي لا يزول، فصار المسلمون بين مفرِط يقول: [ لقد انتهى عمر الدنيا وقَرُب الفرج]، ومفرّط يرى بأن الله قد أوكل لفقهاء هذا العصر أن يتصرفوا بأحكامه حسب مصالحهم في معاشهم وتعاملهم، ولم ينسَ هؤلاء جميعًا، ولكنهم غفلوا أو تناسوا قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ.. الْكَافِرُونَ.. الظَّالِمُونَ}. وقوله تبارك وتعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} ، {قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}. فلا بد من الاستمرار في دراسة وتدريس نهجهم وسلوكهم لصيانة هذه الشريعة من الانحراف والتحريف، حتى لا نقف عندما يقول الله تبارك وتعالى يوم الحشر: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}. عندما يسأل الله تعالى: ماذا قدمتم لهذا الدين، بما فيه ولاية أهل النبي  (صلى الله عليه وآله) يسأل عن صيانته كمبدأ وشريعة، العلماءَ المسؤولين عن تبليغ أحكام الله تعالى، ويسأل جميع الخلق عن الطاعة والعصيان.

وإنني أوصي أولادي وإخوتي وأرحامي وإخواني المؤمنين والقيّمين من بعدي، برعاية هذه المؤسسة، والعمل على إفادتها والاستفادة منها، فإن العلم الديني عند الله تعالى هو أشرف العلوم على الإطلاق، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.

وروى الكليني (قدس سره) عن أبي عبد الله (عليه السلام)  قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً به، وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظٍ وافر).

وأسأل الله تعالى وأدعوه متوسلاً إليه بمحمد وآله الطاهرين أن يصلي على محمد وآله، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ويعصمنا من الخطأ والزلل، ويعيذنا من شرور الشياطين وشهوات النفوس المهلكة، وأن يدفع عنا المكر والمكروه، ويرعانا بعينه التي لا تنام، ويكنفنا بركنه الذي لا يرام، وأن يشملنا برحمته الواسعة في عباده الصالحين يوم لا ظل إلا ظله بشفاعة محمد وآله الطاهرين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والحمد لله رب العالمين وبه الثقة وهو المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

تم إنشاء هذه الوقفية في شهر شعبان المعظم -مولد سيد الشهداء الإمام الحسين  (عليه السلام) ومولد سلطان الدنيا وإمام العصر الحجة ابن الحسن المنتظر (جل الله فرجه الشريف) الذي يملأ الدنيا قسطًا وعدلاً بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، عجّل الله تعالى بالحق فرجه وسهل مخرجه-. الواقع في سنة 1418 هجرية، الموافق 1997 ميلادية.

(توقيع وختم الشيخ مفيد الفقيه) 

 

 

توجيهات

في وصية المغفور له سماحة الشيخ مفيد الفقيه (قده)

تتعلق بالحوزة التي أنشأها

(جامعة النجف الأشرف)

 

.. ثم إنه حيث قد مرّت فترة معتدّ بها في مسيرة هذه الحوزة، فإن النهج الذي ينبغي أن تسير عليه أصبح واضحًا، مع تلافي التقصير الذي لا يخلو منه غير المعصوم.

وإنني أؤكد على شرطيّة المزيد من النشاط العلمي، وشرطيّة التركيز على الدقّة في الأهداف، وعلى التديّن والتقوى في الراعي والرعيّة، فإن من ينصب نفسه للهداية والإرشاد ونشر مبادئ الشريعة المقدسة على ضوء سيرة أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، يجب أن يكون عنده الحدّ الأدنى من المعرفة والعلم الذي يؤهّله لذلك مع توفّر التقوى كحدّ أدنى، وإلا فإن المطلوب من المرشد أن يكون من أولياء الله الذين نطق بوصفهم سيد الأنبياء والمرسلين في الحديث المعروف:

(إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتُهم فكرًا، ونطقوا فكان نطقهم ذكرًا، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة).

لذلك نوصي استحبابًا -لأنه لا يحتاج إلى الوصية- بأن يُلغى عنصر الرغبة والرهبة، كما المجاملة والتجمّل، للقريب والبعيد، والكبير والصغير، فإن الخلاص والنجاح في الدنيا والآخرة بالإخلاص، وما كان لله تعالى لا يخبو ولا ينطفئ، لأنه منه وإليه، والله متمّ نوره ولو كره الكارهون.

وإنني أدعو الله تعالى أن تستمرّ هذه المؤسسة مشاركة في نشر الشريعة، وإعلاء كلمة الحق.

كما أتوسّل إليه أن يبقى هذا النهج في سلالة جدنا المقدس المؤسّس "الشيخ يوسف الفقيه"، وسلالة نَجلَيه العلَمَين المقدَّسَين "الشيخ علي" و"الشيخ محمد تقي" -قدس الله أسرارهم وألحقنا الله بهم-، ومن تلاهم في عصرنا، ومن يلينا إلى قيام القائم عجل الله تعالى فرجه، ليكون لنا في ديوان الحسنات سجل مضيء دائم من الصدقات الجارية، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فالمال الذي يُنفَق في سبيل الله، والبنون الذين تستمر بهم حياة الآباء والأجداد، هؤلاء من أفضل الصدقات الجارية، لأنهم باقون ما بقي الدهر.

والقلب السليم الذي يكون به الخلاص هو المخلص لله تعالى الذي أُشيرَ إليه في الحديث القدسي:

(ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن).

وإننا بأمسّ الحاجة إلى الصدقات الجارية لأن ذنوبنا وتقصيرنا في جنب الله لا تحصى، ورحمته أوسع ما بين السماء والأرض.

اللهم اجعلنا ممن ترضى به، وتنتصر به لدينك، ولا تستبدل بنا غيرنا.

اللهم إنا نسألك خير ما نرجو وما لا نعلم، ونعوذ بك من كل شر ومن شرور أنفسنا وشهواتها المهلكة.

اللهم ارزقنا طاعة وشفاعة ودعاء مولانا صاحب العصر وإمام الدهر الحجة ابن الحسن المنتظر (عجل الله فرجه الشريف).

 

 

كلمة

سماحة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

الشيخ عبد الأمير قبلان

ألقاها نجله المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان

 

مقدمة الكلمة للمفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان

لا شيء يعطي هذا الفقيه المهاجر حقَّه سوى قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ} (البقرة/247)، ولأن العلم مَربط العزّة التي لا تموت، فقد سمّاه الله بالحكمة ثم قال: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} (البقرة/169).

بهذا يمكننا أن نطلّ على فقيهٍ قرأ الوجود بعمق، وسبَر العلم من ينابيعه الأصيلة، لا لأنه يريد عرش سلطان، بل لأنه مذ تعمّد حبّ الحقيقة طلب ربّ السلاطين، فوجد الطريق إليه ممهورةً بالعلم والتقوى، فتحوَّل راهب النجف الذي فكَّك الألغاز وغاص في أعماق العلوم، فأسّس للمدرك العقلي كتابًا، وتعرّض للمنقول فأثبت أن الفقاهة خبز الفقيه، وأن المفيد مفيد، وأن النجف -وباقي مراكز حوزات الأرض- له تتعطش ومنه تستفيد.

كلمة سماحة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

الشيخ عبد الأمير قبلان

وإني لأعيشه رحّالة في طلب العلم، صديقًا طيلة الدهر، عشنا معًا، قصدنا النجف معًا، قلّبتنا الذكرى والأحزان معًا، فرحنا معًا، بكينا معًا، أكلنا خبز النجف، وشربنا ماء علمه معًا، تذاكرنا طيلة الليل، وصلينا المحاريب، مرت علينا الظروف القاسية، وعركتنا الأيام، ولاحقتنا المآسي.

حضرنا معًا على السيد إسماعيل الصدر، والسيد محسن الحكيم، ثم بمجلس السيد الخوئي.

ثم انتُدِبنا من قبل مرجعياتنا لإحياء كلمة الله في نواحي العراق، فإذا التقينا من جديد، تحوّل كل شيء ذكرى، ذكرى يوم شيّعَنا الناسُ مراهقَين في أول سفراتنا نحو النجف الأشرف، ذكرى أيامنا الأولى مرابع طفولتنا البعيدة، أحضان أمانينا القديمة، فنجول بين الكتاب والعاطفة، لنقرأ أنفسنا بين لبنان والنجف، بشيء من عصارة الدموع، ولهفة ما يجب أن نكون عليه.

كنا نقرأ لبنان في ظلّ مأساة جبل عامل، الذي عركته طعنات العثمانيين ثم الفرنسيين، ثم فشل السلطة وتركيبتها الدستورية، الأقرب للصفقة والأبعد عن شراكة وطن، كنا نعيش العلم محرابًا، والصلاة لهفة إلى الله، والتفكير أساسًا للآتي من الزمان، كنا نبكي رغبة في الماضي، ونتوجّس مما هو آت، فإذا دخلنا محراب أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) تحوّلت قلوبنا إلى فردوس عظيم.

أذكره يافعًا يتقلّب بين أكناف وجوه الدين والعلم، أمثال الشيخ علي الفقيه، وجدّه الشيخ يوسف، وعمّه الشيخ محمد تقي، وإنه قرأ ففهم، وطلب فتمكّن، وتعبّد فزهد، وكان يقرأ لا ليحفظ بل لينبش سرّ ما يقرأ، لدرجة أن بعض رفاق الدرب قال: [كان الشيخ مفيد يقرأ على السيد محسن الحكيم، ثم يعيد نبش النص من جديد ليقرأ النص بروحه وكأنه يراه].

وعلى المحور الآخر كان شيخ العمل، دؤوبًا على مصالح أمّته، ناظرًا بأسباب وهنها، قارئا لمشروع قيامها، لذا كان يرى أن فقه الطهارة لا يجوز أن يمنع عن فقه مصالح الجماعة وحفظ نظامها وإدارة أمورها.

كان مشروعه الإعداد للأمة بأجيالها، وللأجيال بالعلم والبيئة الحاضنة، وطالما اعتقد أن قوة الأمة بالعلم، وليس بتكديس الجيوش وتكثير السجون.

ولأنه الشيخ مفيد والقدوة الصالحة، فقد قدّم فلذات كبده الشيخ مهدي والشيخ هادي، وصهره الشيخ صادق، قربانًا للحقيقة، وزيتًا في عالم العطاء، وكان يردد: إن روحًا تتلهف لله ستجد الله حاضرها، وإن قريبًا من الله بعيدٌ عن الدنيا، وإن آنسًا بمحضر الأزل لن يستوحش، وإن مخمورًا بحضرة الحق سيزهو بالعبودية، وإن من كان من الله لن يكون من إبليس، وإن معشر الحقيقة أكبر من كل شهوات العالم.

وهو ما مارسه عقلاً وفكرًا وسلوكًا بعد عودته من النجف، فأسّس نجفًا آخر في حاريص، ودلّ على الأستذة حيًا رغم موته، حاضرًا بكل شيء، لأن فقيهًا كالشيخ مفيد سيبقى حيًا مدى الدهور إن شاء الله تعالى.

لذا في محضره .. نؤكد زهو جبل عامل بقامته، وهو باب للتمسك بالقِيَم، والإصرار على نهج الأنبياء والأولياء. 

 

 

كلمة

رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله

السيد هاشم صفي الدين

 

{أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ

أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم/24-25)

نُحيي ذكرى عالم من علمائنا الأجلاء، سماحة العلامة الحجة آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)، وهو الذي ولد وتربّى ودرج ونمَا شابًا وكهلاً وإلى آخر لحظة من حياته الشريفة في رحاب العلم والمعرفة، تلميذًا وأستاذًا ومربيًا ومؤسسًا في الحوزات العلمية التي شرّفه الله بخدمتها قناعةً والتزامًا ووفاءً، فزاده الله شرفًا بأن أصبح من كبار أساتذتها وعَلَمًا ظاهرًا من أعلامها وفقيهًا متبحِّرًا من فقهائها، ووفّقه الله تعالى للتأليف والتصنيف في أبواب عديدة بأسلوب علمي مُتقَن وعبارة متينة ومُيسّرة.

وأضاف إلى ذلك في شخصيته تواضعًا، وأخلاقًا حسنة، وصدرًا رحبًا، وقلبًا عطوفًا مع خصال حميدة عطفها على يقين وصبر واحتساب ومقدرة على مواجهة النوائب .

ومن أصعبها عليه فقدان ولدَيه وصهره (الشيخ مهدي، الشيخ هادي، والشيخ صادق)، على أيدي نظام الطاغية المقبور في العراق، وعلى الأرجح هم شهداء، والله العالم.

لكنه احتبس مرارته وكتم غُصصه بهدوء وسكينة ووقار وتسليم، وتتالت عليه الفوادح التي استقبلها بطمأنينة وثباتٍ.

وشاء القدر أن تُختَتَم بفقد ولده إبراهيم  (رحمه الله)، وهو في أوضاع قاسية كان يُكابدها مع المرض، وكان الجميع يعيش معه الأمل الذي لا ينقطع طالما هناك إيمان، إلى أن توفّاه الله تعالى ليلتحق بآبائه من أهل العلم والقداسة، مؤدّيًا أمانتهم، وحافظًا لنهجهم، ومثبِّتًا لتعاليمهم في بذل المهج وخوض اللجج وصرف الأعمار وإهلاك الأبدان في سبيل علوم آل محمد  (صلى الله عليه وآله)، لتبقى حقائق النبوة حاضرة بأريج الولاية وعَبَق أنوارها، وليبقى الإسلام أصيلاً وسالمًا كما نزل على قلب رسول الله  (صلى الله عليه وآله)، بعيدًا عن الشطط والانحراف والتأويل الفاسد الذي أفسد على المسلمين عقائدهم وتاريخهم وحياتهم، وهو بذلك سلك نفس الطريق الذي اختطّه الأئمة الأطهار  (عليهم السلام) وبذلوا فيه أرواحهم وخيرة أصحابهم من أجل نقاوة التأويل وصفائه واستقامته.

إن الله تعالى اختص منطقتنا بنِعَمٍ وافرة من جواهر العقول والعلوم ومن مخزون الإيمان والإخلاص والتقوى، فامتاز جبل عامل بأشرف الغنى، وهو العلم الذي نبت في الأودية والجبال والقرى التي كابدت قرونًا من الفقر والظلم والتشريد، وكان العوَض فيها هذا النتاج الفاخر من المصنَّفات والحوزات وأهل العلم والعوائل الكريمة بأصولها وأدبها وعلومها، وتوارث الفضل فيها أجيال ما انقطع عنها حبّ العلم والفقه وحمل راية علوم آل البيت  (عليهم السلام).

وكان منهم رجال شدّوا الرحال، لا تلهيهم تجارة ولا بيع ولا فقر ولا غربة، إلى بلاد العلم وحواضره في النجف الأشرف وقم، وصولاً إلى بلاد خراسان وأصفهان ومصر ومكة، وكانوا حيثما حلّوا علماء وسادة، تُسنَد إليهم مشيخة الإسلام تارة، وتصدر عنهم لآلئ الفقه والحديث ومصنَّفات زُيّنت بأحرف من نور لا يُطفأ تارة أخرى.

وكان همّهم دائمًا الحفاظ على هذا الدور الفريد والخصوصية التي تُبقي العلم في ثنايا حياتهم كلمةً طيبةً مشعّة تُؤتي أُكُلَها كلّ حين بإذن ربها.

وأثبتوا في كل عصر أنهم جديرون بالانتماء الصادق لمدرسة أهل البيت  (عليهم السلام)، التي أخذت على عاتقها مهمة الحفاظ على الإسلام، وخاضت من أجل ذلك أقسى التحديات، بدءًا من القتال على التأويل على يد إمام المتقين أمير المؤمنين  (عليه السلام)، إلى كل المراحل التالية في مواجهة التضليل، ثم التنكيل، ثم التجهيل، على مدى قرون مليئة بالعذاب والآلام والغربة، وكان أشدها وطأً على الأمة غيبة الإمام المعصوم  (عليه السلام)، وبذلك كبرت المسؤولية وتعاظمت وتفاقمت النوائب.

فانبرى العلماء من أهل الزهد والتمحيص والتدقيق، وانتشروا في أصقاع الأرض، فشيَّدوا الحوزات التي بقيت إلى أيامنا هذه منارات مضيئة، وحججًا قائمة ومرجعيات هادية، فنهجوا نهج الإسلام الأصيل، وأبطلوا الشبهات، وأثبتوا المحكَمات، وفرّعوا في العلوم، ما أثرى حوزاتنا متونًا لا تبلى وقواعد لا تُمحى، والأهم أنهم ركزوا طريقة حوزوية مجبولة بالتواضع والزهد، والإِحكام والمتانة، والقدرة على مواكبة كل عصر بما يناسب من تبليغٍ وإرشادٍ، وترويجٍ للدين والشريعة .

فحُفِظت الأمة بالحوزات التي يقوم عليها علماء عدول وأساتذة وطلبة، وانبثقت من كل هذا قاعدة مبنيّة على أصل، وهي "صلاح الأمة بصلاح حوزاتها وعلمائها".

إن أغلى وأعظم ما نملكه في واقعنا الديني هو هذه [الحوزات]، فهي منبع الأصالة والفرادة، وموئل العلم والزهادة، وجامعة المعرفة، ومهبط الملائكة وفراش أجنحتها، ومصدر الاعتزاز والفخر، ومدرج الرقي للأنفس التوّاقة للصعود بالكلم الطيب حيث يرفعه العمل الصالح، وهي ملتقى أهل الخشية والعرفان {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر/28).

وفوق كل هذا هي محل نظر وعناية إمامنا ومعشوقنا صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وبقيت هذه الحوزات راسخة تقاوم الأعاصير، ومنيرة تمحو الظلام، وتُخرِّج العلماء والقادة الشهداء، الذين يكتب الله على أيديهم فتوحات وانتصارات في شتى الميادين.

إننا في يوم وَدَاع رجل الحوزة وأحدِ كبارها، نشعر أن المسؤولية تزداد وتشتد في الأعناق طوقًا، وفي الهمّة دفعًا، وفي السعي وجوبًا وتوفيقًا، لنحافظ على كل قِيَم العلم والتقوى والصلاح فيها، وهي مسؤولية نشترك جميعًا في حملها، ولا يملك أحد منا أن يتهاون فيها، أو يتساهل في مقتضياتها، أو يجامل على حساب متانتها وفرادتها، أو يُسايس على أولوياتها، فإنها أصلٌ وجميعُنا فرع، ولا يرقى الفرعُ على الأصل مهما علا شأنه أو طغى حضوره.

إننا اليوم بأمسّ الحاجة للحفاظ على هوية الحوزة ودورها، ولكلمةِ الفصل بين صحيحها وسقيمها، والمشكلة لم تكن يومًا في كثرتها، وهي نعمة لا يجوز إنكارها، ويكفينا لذلك اتباع خطى السلف الصالح ليكون البقاء والميزان في العلم والتقوى والصلاح والاستقامة.

 

 

كلمة

الشيخ محمد صالح الفقيه

في (أسبوع) آية الله المقدس الشيخ مفيد الفقيه - وفي ذكرى (الأربعين)

 

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}

من هنا كانت بداية المسيرة، مسيرة الدعوة إلى الله تعالى، حيث توالت طوائف النافرين المهاجرين إلى الله ورسوله  (صلى الله عليه وآله) للتفقّه في الدين، ثم إلى أهل بيته الأئمة المعصومين  (عليهم السلام) من بعده، يسمعون منهم الأحاديث يتلقَّونها في صدورهم، ويدوِّنونها في كتبهم، وينقلونها إلى أقرانهم، ويبثونها في الناس، يعلّمونهم ما تضمّنته من العقائد الحقّة والتشريعات المحقّة، وينشرون من السيرة العطرة ما حكته من فضائل النبيّ  (صلى الله عليه وآله) والعترة الطاهرة.

إلى زمن الغيبة حيث أوكل هذا الأمر إلى من صرف عمره من الفقهاء في إعمال نظره في هذا التراث المبارك لأهل البيت  (عليهم السلام)، لا يأنسون إلا بكتبهم، يتدارسون الأحاديث، يغوصون في بحارها، يستنبطون الأحكام، ويعلّمون الناس عقيدة الحق، ويبيّنون لهم الحلال والحرام، ويدفعون عن هذا المذهب الشبهات، ويواجهون الانحرافات، ويفضحون أهل البدع..

فكانت الحواضر العلمية، وأشهرها قم المقدسة من زمن الأئمة  (عليهم السلام)، والنجف الأشرف من لدن ورود الشيخ الطوسي إليها، ثم من هذا الجبل -جبل عامل- خَرَج أكابرُ من الفقهاء، أغنوا فقه الإمامية بعمدةٍ من الكتب التي لا تخلو منها مكتبة فقيه، ولا تستغني حوزة علمية عن تدريسها.

وتوارث علماء هذا الجبل، جيلاً بعد جيل، شرف حمل هذا العلم، الذي به يُحفظ هذا المذهب، فكانوا يهجرون الأوطان ويجوبون البلدان، طالبين للعلم، وناشرين له.

وعاد جدُّنا المقدَّس الشيخ يوسف الفقيه من مهاجره في النجف الأشرف، فقيهًا مجتهدًا، ليقوم بواجبه الرسالي، إلى جنب معاصريه من العلماء، فحقَّق حقائق الإيمان في العقيدة، وأنار مصابيح الفقيه على الشذرات العاملية في الفقه، وحطّ رحاله بعد ذلك في بيروت، فاجتذب -بشخصيته الفذّة، وبعلمه، وأدبه، وحكمته- النُّخَب من أهل العلم والفكر والأدب، بل أهل الزعامة والسياسة من مختلف طوائف لبنان ومذاهبه، فأعمل وجاهته بينهم، فأسّس المحاكم الشرعية الجعفرية -مستقّلةً عن غيرها- في دولة لبنان الذي كان حديث عهد بالاستقلال.

ولم يكتفِ بأن نذر نفسه وصرف عمره في خدمة المذهب، بل نذر أولاده وذريته، يحثّهم ليكونوا من أهل العلم، وليرابطوا في الثغر الذي يلي إبليس.

فكان وَلَداه، المقدس الشيخ علي، والمقدس الشيخ محمد تقي، من عيون علماء عاملة، ثم بعد ذلك توالى ثلة من أحفاده للالتحاق بذلك الركب المبارك، وكان منهم وأبرزهم الفقيد الراحل، الشيخ مفيد.

فجاء لدى سفره إلى النجف، يعود جدّنا المقدس الشيخ يوسف، وهو على فراش مرضه، مودّعًا، فيرمقه بطرفِه دامعًا، ويرفع إحدى يديه مُتمتمًا، داعيًا، ويضع يده الأخرى على ظهره، دافعًا له، متقربًا إلى الله بهجرته، حامدًا له على توفيقه، راجيًا إليه أن يتقبله.

فورد شيخنا، الفقيد المفيد، النجف الأشرف، وحطّ رحاله بفناء باب مدينة العلم، أمير المؤمنين  (عليه السلام)، ونزل عند عمّه، والدنا المقدس الشيخ محمد تقي، الذي تولى رعايته علميًا وروحانيًا، كما إخوته من قبله ومن بعده.

بل كانت هذه الرعاية والأبوّة العلمية والتربية الروحانية، لكل من يَفِدُ إلى النجف من العامليين طالبًا للعلم آنذاك.

ثم ورث شيخنا المفيد بعد ذلك من عمّه هذه الأبوة الروحية والأستذة العلمية، فتتلمذ عليه كثير منهم، واستشعر أبوّتَه جلُّهم، وأكنَّ له الاحترام والتقدير  كلُّهم، وكان ذلك من خلال تولّيه على المدرسة اللبنانية التي كان والدي المقدس الشيخ محمد تقي يجعل إدارتها والإشراف على طلابها مداولةّ بين جملة من فضلاء العامليين.

ثم بقيت هذه المدرسة تحت إشراف الشيخ مفيد وولايته في العقود الأخيرة، إلى أن اشتد الأمر على الحوزة العلمية في النجف عامة من قِبَل الحكم البعثي الظالم، الذي أخذ يُضيّق الخناق، فصمد أهل العلم في وجهه، مستظلين بزعيمهم، زعيم الحوزة العلمية، سيدنا الأستاذ الخوئي (قدس سره)، الذي رفض أن ينجوَ بنفسه ومن معه، ورفض أن يترك النجف للطاغية، فلم يُمَكِّنه من إفراغها من ذلك التراث العظيم الذي توالى على حفظه أجيال من عظماء علمائنا، قرابة ألف سنة، منذ حط رحاله فيها الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه.

وكان شيخنا الراحل، الشيخ مفيد، في هذه المرحلة الصعبة، يواظب على عمله في التبليغ الديني في مناطق جنوب العراق، التي خلت تقريبًا من العلماء المعتمدين لدى المرجعية، فكان يقسم وقته بين النجف وقلعة سكر، التي كان يرتادها للتبليغ بعد عمّه المقدس الشيخ محمد تقي، منذ زمن مرجعية السيد الحكيم، فكان المؤمنون في تلك الناحية ومحيطها لا يجدون ملاذًا غيره، فيرجعون إليه في أمور دينهم.

ثم في صيف 1990م، جاء الشيخ إلى لبنان مع عياله زائرًا، بُعَيْدَ وفاة والده المقدس الشيخ علي، وبعد طول انقطاع بسبب الحرب في لبنان، وأثناء ذلك أعلنت حرب الخليج في العراق، فأيس رحمه الله من الرجوع إلى النجف.

فعمل على مواصلة نشاطه العلمي بعدما رأى تكاثر الطلبة وأهل العلم عنده، يرغبون إليه في تدريسهم والنهل من معين علمه، والاستفادة من فرصة وجوده بينهم، فشرع في إلقاء الدروس في منزله في الحوش، ثم بادر إلى إعلان تأسيس هذه الحوزة التي طالما رغب إليه وشجعه على إنشائها والده المقدس الشيخ علي وعمه المقدس الشيخ محمد تقي.

وسمّاها (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية).

وتعرّض لذكر الهدف من تأسيسها في نصّ وقفيتها، فقال:

(والهدف من إنشاء هذه الجامعة .. أن تكون استمرارًا لتدريس ودراسة العلوم الدينية، على النهج المتصل بعشرة قرون من الزمن، حوزة علمية دينية على غرار المدارس التي أُسست في النجف الأشرف وقم المقدسة وجبل عامل.. إلى أن وصلت إلى عصرنا الحاضر..).

وقد أمر بنقش نصّ هذه الوقفية على صخرةٍ مثبتةٍ على حائط القاعة الكبرى في المبنى، لا تُمحى كتابتها، ليكون الهدف ثابتًا كذلك.

فكان يريد للطالب المنتسب لهذه الحوزة أن يؤسَّسَ فيها علميًا ليقتدر على سلوك طريق الفقاهة والاجتهاد، وأن تزرع فيه الهمّة لذلك، بعدما صار الكثير من الحوزات والمعاهد الدينية تكتفي -حتى في برامجها التعليمية- بما لا يقوم إلا بتخريج مثقفين، بل تشجّعهم على أن يكونوا مبلِّغين فحسب.

وها هم الطلبة العامليّون، المجدّون من حوزتنا هذه وأمثالها، يعاودون الهجرة إلى النجف الأشرف، عاقدين العزم على استكمال علومهم وبلوغ المراتب العلميّة العالية، بالحضور على مراجع النجف وأساطين علمائها، ليعود الوجود العاملي في حوزة النجف إلى سابق عهده في حضوره العلمي، بعدما خلت منهم إبان الحكم الظالم البائد.

يتزامن هذا مع العمل على تجديد بناء الحجر في المدرسة اللبنانيّة في النجف الأشرف، الذي أنهكه مرور الزمن.

وهكذا.. تكون هذه الحوزة (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية) في لبنان رديفًا متكاملاً مع المدرسة اللبنانيّة والطلبة العامليين في النجف.

ونرجو من الله أن نوفَّق مع الفضلاء من أبناء المقدس الراحل والمشايخ الأفاضل من المدرِّسين، للسير في إدارة هذه الحوزة على الخُطى التي رسمها لنا المقدس الشيخ مفيد، ونرجو من السادة أهل العلم، والمؤمنين، الدعاء لنا بالتسديد والعون، والله ولي التوفيق.

وختامًا أتوجه باسمي وباسم العائلة، وباسم إدارة الحوزة، أساتذةً وطلابًا، وباسم سائر أهل العلم، إذ كلهم معزَّون .. أتوجه بالشكر لكل من شاركنا في العزاء، حضورًا واتصالاً وتشييعًا وغير ذلك، في لبنان والنجف وقم وغيرها، سائلين المولى عزّ وجلّ أن لا يريكم فيمن تحبون مكروهًا، وأن يوفِّق الجميع لتعظيم العلم والعلماء، وأن يتغمده وولديه المظلومين الشهيدين الشيخ مهدي والشيخ هادي، وصهره الشيخ صادق الفقيه، وولده إبراهيم المتوفّى قُبيل أيام، وأن يجمع بينهم في دار خلده بجوار النبي  (صلى الله عليه وآله).

  

ومما جاء في كلمة له أيضًا

في ذكرى أربعين الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره):

... فإن ميراث المال حكر على أولي الأرحام، ليس لأحد من الناس أن يَنتهبه من أيديهم، بل إن أولي الأرحام أنفسهم بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، على أن المال محدود ومعدود، تُنقِصه النفقة، وهو في مَعرِض الزّوال أو الانتقال.

وأما ميراثُ العلم، فهو حِلٌّ لكلّ من يريد أن يَحُوزه ويختزنه، ولا ينحصر ورثته بعدد، ولا تحول كثرتهم بينه وبين أحد، ولا ينتُج عن إنفاقه إلا بقاؤه وزيادته، ومن هنا كان صاحب هذا العلم باقيًا ما بقي الدهر، وإنما يفنى منه ويُفتقد الجسد.

وها نحن نجتمع في ذكرى أربعينك أيها العالم الفقيه، وأستاذنا المعلّم، ومربّينا الحنون، نجتمع لنجدّد الولاء لك ولمسيرتك التي نذرت عمرك لها، وهي التفقّه ونشر علوم محمد وآل محمد  (عليهم السلام)، وتشييدُ ما أخذنا منهم من العقيدة، وتدارس ما وصلنا عنهم من الفقه والأحكام.

هذه المسيرة، التي لم تكتفِ بأن تكون فردًا من أفرادها، وإنما أردتَ أن تكون قائدًا في أجنادها.

فبعد أن تعلّمت في النجف الأشرف في أول أوانك، وأخذتَ الفقه والأصول عن أربابه من عظماء فقهاء عصرك، ودرّستَ وربَّيتَ أجيالاً من الطلبة هناك، جئتَ إلى بلاد عاملة ثانيةً لتؤسّس جامعةً تجمع أهل العلم تحت لوائها، فوطّدت دعائمها بانتهاج المنهج الأصيل لعلماء المذهب، ورفعتَ قواعدها بإلقاء الدروس العلميّة والعمليّة والأخلاقيّة في الشطر الأخير من عمرك المبارك، قرابة ربع قرن من السنين في لبنان، تعمل على الإصلاح ما استطعت في هذا السبيل، فكان لك نصيبٌ في فضح أهل البدع والانحراف، والحث على ردّ الشبهات.

وشاركت مع ثلّة من الأجلّة تحت عنوان "هيئة أمناء الحوزة العلمية الدينية في لبنان"، تنظرون فيما يمكن عمله لتنشيط العمل الحوزوي علميًا، وتزيينه أخلاقيًا، وحفظه من الوهن، ومواجهة الانحرافات العقائدية والشبهات، والتصدّي لمن يستغلّ لباس أهل العلم من ضعاف النفوس من الطلبة أو من المنتحلين للصفة.

فكان أن تمّ -بإشرافكم- وضع ميثاق الحوزة العلميّة الدينيّة في لبنان الذي يُعرِّفُ بالحوزة، وغايتها، ومواصفاتِ طلابها، وأساتذتها المشرفين على تأسيسها، والمواد التي لا بد من تدريسها فيها، وضوابط التزيّي بلباس أهل العلم، وغير ذلك مما يؤدي الغاية المنشودة.

ثم بعد أن كانت الانطلاقة الجديدة للتبليغ الديني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، باركتَ للعاملين في نطاقِه نشاطَهم، وما تمّ وضعه على أيديهم من النظام العام للحوزة العلمية الدينية في لبنان، الذي هو مساوق في مضمونه الآنف الذكر، إلا أنه صيغ كقانون يُعمل به من خلال المجلس رسميًا، وذلك بعد أن عُرض على جملة من أجلاء أهل العلم في لبنان.

وقد أردتَ أن يُلتزم في جامعتك هذا الميثاق الذي أنشأته، وأن يُحفظ هذا النظام الذي ارتضيت.

ثم لمّا كتبتَ وصيّتك -التي دأبت على مراجعتها وتنقيحها حينًا بعد حين-، جعلت وصيّتك الأهم، وتِلادك الأعظم، ما تركته بين أيدينا من الأمانة، وهي هذه الجامعة التي جعلتها تركةً يتوارثها أبناؤك الرّوحيّون، النسبيون وغير النسبيين، تريد منّا أن نسير بها على ما نَهَجْتَ لنا خلال إقامتك فينا، وتوصينا بالحفاظ عليها.

وها نحن، أبناؤك، وتلامذتك، ومريدوك.. باسمهم أقف بينكم، وبلسانهم أتكلّم، مُعلنًا: إننا باقون بعدك على العهد الذي فارقتنا عليه، نتبع خطاك، وننتهج نهجك، ونقتفي أثرك، ونستهدي بهديك، ونحفظ وصيتك، ونَفِي بعهدك إن شاء الله.

وإني لتحضرني عبارةٌ تركت في نفسي أثرًا بالغًا، سمعتها قبل قرابة سنتين، من ابن عمتنا الفاضل الكريم الحاج أبي محمد سعيد علي أحمد، وقد زرناه وفدًا من أساتذة وطلاب الحوزة، معزّين له بمناسبة وفاة أحد إخوانه رحمه الله.

زرناه باسم الحوزة، عرفانًا له بالجميل، لما له ولأبنائه الكرام حفظهم الله من أيَادٍ بيضاء، مشكورة منا، مذكورة عند الخالق، حيث تمّ على أيديهم الإنفاق على هذه الجامعة منذ كانت في صور-الحوش، إلى أن تمّ تشييد بناء هذا الصرح في حاريص، ويستمرّ منهم -منذ ذلك الحين- تمويلها بما يلزم لإقامتها وإدامتها، بل وإحياء الشعائر فيها في عاشوراء ونحوها من المناسبات.

فكان أن شارك بذلك أهلَ العلم في شطر وافر مما لهم من الأجر، فاستبدلوا المال الفاني بالعلم الذي يبقى أجرُه ولا يبيد.

وقد ورد في الحديث: (أنه يجيء الرجل يوم القيامة، وله من الحسنات كالسحاب الرّكام، أو كالجبال الرواسي، فيقول: يا ربّ! أنّى لي هذه ولم أعملها؟ فيقول: هذا عِلمُك الذي علّمته الناس، يُعمل به من بعدك).

أعود لأذكُرَ العبارة التي سمعتها منه، وتمثّلتُ بها غير مرّة، أحثُّ بها نفسي وسائر إخواني، أساتذةَ وطلابَ الحوزة، حيث قال مخاطبًا لنا في ذلك المجلس -ما مضمونه-:

(إني من ناحيتي قد هيّأتُ من أولادي من يستمرّ بواجب الإنفاق من بعدي على هذه المؤسسة -ويعني به ولده الحاج ناظم-.. وأطالبكم أن تتهيّأوا من ناحيتكم ليكون منكم من تقوم به الحوزة وتستمرّ في عطائها العلمي ليستمر هذا المشروع).

وختامًا أتوجّه بالدعاء أن يرزقنا الله الإخلاص في النية، والتسديد في العمل، والعصمة من الزلل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مكتب

المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى

السيد علي السيستاني دام ظله

 

 تلقّى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) ببالغ الأسى والأسف، نبأ وفاة العالم الجليل، حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مفيد الفقيه العاملي طاب ثراه، بعد عمر حافل بالعطاء في سبيل ترويج الدين والمذهب وخدمة المؤمنين.

وسماحته (دام ظله) إذ يعزي ذوي الفقيد السعيد وأسرة آل الفقيد الكرام والعلماء الأعلام وسائر المؤمنين في لبنان في هذا المصاب الجلل، يسأل الله العلي القدير أن يتغمد الراحل العزيز بواسع رحمته ورضوانه ويحشره مع أوليائه محمد وآله الأطهار، ويُلهِم أهله وسائر محبيه الصبر والسلوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

24 جمادى الثانية  1437

 

* * *

مكتب سماحة آية الله العظمى

السيد محمد سعيد الحكيم الطباطبائي دام ظله

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

بمزيد من الأسى، تلقينا نبأ رحيل فقيد العلم، سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مفيد الفقيه، تغمده الله برحمته، الذي قضى عمره الشريف في خدمة الدين الحنيف وتربية العلماء العاملين.

وإننا إذ نتقدم من أبنائه وذويه الأعزاء وأسرة آل الفقيه العلميّة وعموم الحوزات العلميّة، سيما في لبنان، بخالص العزاء والمواساة بهذا المصاب الجلل، نبتهل إلى الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد السعيد بواسع الرحمة والرضوان، وأن يجزيه عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين، وأن يرفعه في عليين، ويحشره مع ساداته الأبرار محمد وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 * * *

كلمة مكتب سماحة آية الله العظمى

الشيخ بشير حسين النجفي دام ظله

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

الحمد لله على ما ألهم وأَبلى، والصلاة على رسوله هادي الأُمم، وعلى آله الهداة المهديين، واللعنة على شانئيهم إِلى يوم الدين.

قال الله سبحانه: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} صدق الله العلي العظيم.

ببالغ الحزن والأَسى والأسف تلقينا نبأ رحيل العلامة آية الله الشيخ مفيد الفقيه العاملي، من هذه الدنيا الفانية، نحن إذ نقدِّم التعازي إِلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) وإِلى ولي الله الأَعظم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإِلى أُسرته الكريمة، وعموم المؤمنين في لبنان.

ندعو الله سبحانه أن يمنَّ على أُسرته ومتعلقيه بالصبر والسلوان، وأَن ينزله في جوار رسول الله  (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين  (عليهم السلام)، وأن يتقبَّل منه الجهود العلمية التي بذلها خدمة للحوزة العلمية، تغمده الله بعطفه، إنه سميع مجيب..

* * *

بيان سماحة المرجع الديني آية الله العظمى

الشيخ لطف الله الصافي دام ظله

في تقديم العزاء بوفاة آية الله الشيخ محمد مفيد الفقيه قدس سره

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين.

"إذا مات المؤمن الفقيه ثُلِمَ في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء".

تلقَّينا ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة العلامة الحُجّة الشيخ محمد مفيد الفقيه (قدس سره)، مسلِّمين لمشيئة الله تعالى، وسائلين المولى عزّ وجلّ أن يتغمَّده بواسع رحمته، وأن يلقي الصّبر على أسرته وطلابه وعموم الإخوة المؤمنين اللبنانيين، وأن يوفّقهم للمحافظة على إنجازاته الثقافية والعلمية الحوزوية، وسائر خدماته الدينية التي نذر الفقيد نفسه في سبيلها، وعاش في ظلالها خادمًا للإسلام والمؤمنين من خلالها، وعظم الله أجوركم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

27 جمادى الآخرة 1437

لطف الله الصافي - قم المقدّسة

* * *

مكتب آية الله العظمى

السيد صادق الشيرازي (دام ظله)

يعزي العالم الإسلامي برحيل العالم الجليل الشيخ المفيد العاملي

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى تلقى المرجع الديني الكبير السيد صادق الحسيني الشيرازي نبأ رحيل العالم الجليل حجة الإسلام والمسلمين الشيخ مفيد الشيخ علي الفقيه طاب ثراهما الذي التحق بالرفيق الأعلى.

إذ نتقدم لمقام الإمامة الكبرى ولي العصر والزمان الحجة ابن الحسن العسكري عجل الله فرجه الشريف، ومراجعنا العظام والحوزات العلمية بخالص التعازي، ولذوي الفقيد طاب ثراه وعائلته الكريمة على وجه الخصوص الدعاء بأن يلهمهم البارئ عز وجل الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل، ونقول: هذا الرحيل خسارة للساحة العلمية والفقهية، سيما أن الفقيد كرّس جلَّ عمره في خدمة الإسلام الحنيف ونشر معارفه وتعاليمه الحقة في الأوساط الدراسية والاجتماعية كافة.

اللهم اغفر للفقيد، وارفع درجاته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، إنك سميع مجيب.

مكتب المرجع الديني  - السيد صادق الحسيني الشيرازي

٢٤ جمادى الثانية ١٤٣٧- بيروت - لبنان

* * *

نصّ البيان الذي أصدره سماحة آية الله

السيد محمـّد علي الموسوي الشيرازي (دام ظلّه)

بمناسبة وفاة سماحة آية الله الشيخ مفيد الفقيه العاملي (ره) في لبنان

25/06/1437هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

(إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء)

تلقّينا ببالغ الحزن والأسف نبأ رحيل العالم الجليل سماحة آية الله الشيخ مفيد الفقيه العاملي (تغمّده الله برحمته الواسعة)، الذي قضى عمره المبارك في خدمة الدين ومدرسة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ونشر أفكارها الجليلة القيّمة، وإعداد الطلبة الأفاضل وروّاد العلم والفضيلة وتربية العلماء العاملين.

وإننا إذ نعزّي أصحاب السماحة والفضيلة علماء لبنان والحوزات العلمية وعامة المؤمنين الأعزّاء والأهالي الكرام، وخاصّة أسرة سماحة الشيخ الفقيه وأنجاله الكرام بهذه المصيبة العظمى، من جوار الإمام الرؤوف أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (صلوات الله وسلامه عليه)، نسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمّد الفقيد الراحل برحمته الواسعة، ويُسكنه الفسيح من جناته، ويرفع في الخلد مقامه، ويحشره مع الأئمة الهداة المهديّين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ويمنّ على ذويه بالمزيد من الصبر الجميل والأجر الجزيل، ويمنّ على أنجاله الكرام تحت رعاية صاحب العصر والزمان (أرواحنا له الفداء) بالمزيد من التأييد والسداد للاستمرار على نهج والدهم المعظّم في خدمة المجتمع وإرشاد المؤمنين وهداية الضالّين وخدمة العلم وأهله.

         مشهد المقدسة / 25جمادى الآخرة 1437 هـ

محمـّد علي الموسوي الشيـرازي

* * *

سماحة آية الله الشيخ عبد الأمير قبلان حفظه الله

نعى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، إلى اللبنانيين والمسلمين، فقيد العلم والعلماء سماحة آية الله الشيخ مفيد الفقيه، عن عمر ناهز 79 عامًا، قضى معظمه في خدمة الدين الحنيف وتبليغ أحكامه وتعاليمه.

واعتبر أنه برحيل الفقيه "خسرت الحوزات العلمية والمراكز الدينية، عالمًا مجتهدًا وفقيهًا ورعاً وأستاذًا فاضلاً وباحثًا متعمِّقًا في الأصول والفقه، ترك أنصع البصمات في مسيرته العلمية والتربوية، وأغنت مؤلفاتُه وأبحاثُه مكتباتنا الإسلامية والعربية".

وقال قبلان: "لقد افتقدنا برحيل العلامة الشيخ مفيد الفقيه أخًا عزيزًا وصديقًا كبيرًا، عرفنا فيه الفضل والورع والعلم، إذ كان الراحل الكبير مثال العالم الجليل من أهل الفضل والعلم الذين تفانوا في خدمة الدين وإرشاد المؤمنين وتحصين عقيدة المسلمين، فالراحل نذر حياته لتعليم أحكام الدين وتحصين المجتمع بالقيم الدينية والأخلاقية، مستلهمًا العزيمة والإخلاص من مدرسة أهل البيت  (عليهم السلام)، فساهم في تأسيس الحوزات والمراكز والمدارس الدينية في لبنان والعراق وغيرهما، وحرص على إعداد العلماء الأفاضل ليكونوا معلمين ينشرون العلم والمعرفة ويبلغون أحكام الدين".

وختم: "إذ نعزي أنفسنا وكل المؤمنين بفقد العلامة الجليل، فإننا نبتهل إلى الباري عز وجل أن يتغمد الراحل برحمته الواسعة ويسكنه الفسيح من جنانه ويحشره مع الأنبياء والصدّيقين، إنه سميع مجيب".

 * * *

 بيان صادر عن المفتي الجعفري الممتاز

الشيخ أحمد قبلان

 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد للهِ ربِّ العالمين وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا ونبيِّنا محمَّد، وعلى آله الطَّيِّبين الطاهرين

(اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّد وعجِّل الفرج لِوَليّك واجعلنَا مِن أنصَارِه وأعوانِهِ والمستَشهَدِيْن بين يديه)

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}.

مع العلامة آية الله الشَّيخ مُفيد الفقيه يتحوَّل العِلْمُ كعبَةَ مَطَاف، ورُوحَ مَلَكُوت، وثقافةَ وُجُود، وزهدًا رَبَّانيًّا يبتزَّ العظَمَة، وأخلاقًا أكبر  مِن مدح، وتقوى مشهودة، وأستَذَةً تَليق بقامةِ فقيه كبير كالشَّيخ مفيد الفقيه، وبه نفهم قول الإمام علي  (عليه السلام): (إنَّ المؤمن العالَم لأعظم أجراً مِن الصَّائم القَائم الغَازِي في سبيل الله، فإذا مات انثلَمَت في الإسلام ثلمة لا يسدُّها شيء إلى يوم القيامة).

إنَّنا وإذ ننعاه ونُفَاخِر بهِ، وهو العالم المرِّبِي، والأستاذ المشرِف الذي سَخَّرَ حياتَهُ وحياة أولادِه ومَن وسعتْهُ رعايتُهُ في سبيل كلمة السَّماء والمشروطة الضَّروريَّة لكمالات الإنسان.

وإنَّا إذ نفتقدهُ نرفع آيات العزاء للنَّبي الأعظم والأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، ومراكز الحوزات العلميَّة والمجاميع الفقهيَّة والفكريَّة والقامات المرجعيَّة، سائلين المولى عزَّ وجل شموله بأعظم الوفادة وأحسن القبول، دَاعِينَ اللهَ أن يعيننا للاستفادة مِن كنزِ علمِهِ وجواهِر تُراثِهِ وأبحاثِهِ، لأنَّ العالِمَ يعيش مدى الدَّهر، وكلَّما مرَّت الأيَّام عليه تجدَّد.

وبهذه المناسبة الأليمة ندعو إلى إقامة مراسم العزاء تلبيةً لذخرهِ الوافِر وحفظاً لإرثِهِ العظيم.. لأنَّ أمثال هؤلاء الأكابر رَمزٌ في العلم والعمل والتُّقى والتَّجديد.

كتبَ الله لأهلِه الصّبر والسّلوان، وجمعَ اللهُ للعلماء والمراجع والحوزات بإرثه وعلومه مزيدًا مِن أبواب العلم وكنوز التُّقوى والإيمان.

 * * *

 

 

 

بعض تأريخات

رحيل سماحة آية الله الشيخ محمد مفيد الفقيه العاملي  طاب ثراه

الذي توفاه الله تعالى نهار الأحد

الواقع فيه 3 نيسان سنة 2016م - الموافق 25 جمادى الثانية 1437هـ

 

بقلم : الشيخ حسن خشيش العاملي/ النجف الأشرف 1437هـ :  

انشرْ سوادَك فالإسلامُ قد ثُلِما
وابكِ الفقيهَ الذي ربّى أفاضلَنا
يا لَهْفَ عامِلةٍ مِنْ صَوْبِها غُصَصاً
قدْ أَيْتمَ الجبلَ العالي بحوزتنا
راح الكبير الذي قد كان يجمعنا
هنا استراح فأرّخْ: سِرَّه نجفاً
 

 

مات المفيدُ فأبكى السّطرَ والقلَما
كان الحكيمَ الرّؤوفَ الصّالحَ العَلَما
لو يعلمُ الصّخرُ ما في قلبها صُدِما
مَن أنْقصَ الأرضَ مِن أطرافِها ألما
ركنٌ وثيقٌ أبو الأيتامِ والعُلَما
أنْتَ المُعَزّى إمامي فالمفيدُ سما
 

 * * *

 بقلم : سماحة العلامة القاضي الشيخ علاء شرارة:

مِن بعده غَدَتْ الديار العامرة
تبدو على قربٍ بعيدةُ هيكلٍ
هو نقطةٌ بقيت بغير تكثُّرٍ
قُطْبُ الفقاهة في روابي عامل
هو لم يملّ من العطاءِ وإنما
هذي عِراصُ العلم بعد رحيله
لكنّ فروعُ الروّضِ تحفظه ليبـ
لله منها ثلمة تاريخها:

 

 

قفرى كرسمٍ للطلول الداثرة
فكأنما روحُ المكانِ مغادرة
ولدى تحرُّكها تتمّ الدائرة
عينُ الهدى ترعى اليتامى ساهرة
الجناتُ تشتاق النفوسَ الطاهرة
بقيت خواءً مثل آلِ الهاجرة
ـبقى حاضرًا رُغم المدى في الذاكرة
هي ثلمة تبقى ليوم الآخرة

 

سنة 2016م

 وله أيضًا : 

الله كرّم مادحًا أوصافها
في الذكر لا يخشاه حصرًا غيرهم
يَحْيَون في الدنيا لنشرِ هدايةٍ
لا يبتغون الأجرَ ممن يهتدي
أوتادُ هذي الأرض بعد أئمةٍ
لكنّما خطبٌ دهانا مُصْمِيًا
بخسارةِ العَلَمِ المفيد فقيهِنَا
طأطِئ وأرِّخْ: ماجدًا فلفقده

 

 

أهل التقى والعلم من أشرافِها
لهم الجنانُ توطّأت أكنافُها
لتزولَ من أرجائها أسدافُها
والله يجزيهم بها أضعافَها
والله يحفظُ فيهم أعطافَها
هزَّ الرواسيَ وقعُه وأجافَها
روحٌ سمت كي تلتقي أسلافَها
نَقْصٌ بَدَا بالأرض من أطرافها

 

سنة 2016م

* * *

الشاعر علي عسيلي :

وقد أنشأ الشاعر علي عسيلي العاملي، هذا البيت من الشعر في نعي الفقيد:

فلتنعَ عاملة العلوم مفيدها

 

 

اليوم ترجعه السماء إلى النجف

 

وقد شطّره العلامة القاضي الشيخ علاء شرارة ، فصار تأريخًا :

فلتنعَ عاملة العلوم مفيدها
للحق قول أرِّخوه: مراقب

 

 

من قد رقا أعلى المراتب في الشرف
اليوم ترجعه السماء إلى النجف

 

المجموع: ١٤٣٧

* * *

بقلم : الشيخ أحمد الدرُّ العاملي :

دمعي رثاكَ وكم في الدمعِ من كلِمَهْ
يا فخرَ عاملةٍ علماً ومعرفةً
أكبرتُ فيكَ ولاءً راسخاً صلباً
يا شيخَ آلِ الفقيهِ اهنأْ بعاقبةٍ
والدينُ حينَ قضيتَ اليومَ أرَّخَهُ

 

 

سكِّينُ فقدِكَ غالَ القلبَ واهتضمَهْ
خلَّفتها بجيوشِ الحزنِ مزدحِمَهْ
حاربتَ دهراً به النُّصَّابَ والظَّلمَهْ
مضيتَ يكسوكَ ثوبُ المجدِ والعظَمَهْ
(نادى مماتُكَ للإسلامِ قدْ ثَلَمَهْ)

 

المجموع: ١٤٣٧

* * *

 بقلم السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي سنة 1437هـ.ق :

إن بان في الدين ثلم
يُقال ما ذاك إلا
هل غيرُ شيخ مفيد
لفقده قلبُ طه
ومن له الدين يأسى

 

 

في يوم حزن كريه
لعالم مات فيه
عند الإله وجيه
يُدمى وقلب أخيه
أرخ: (أغير الفقيه؟!)

 

* * *

بقلم : الشاعر السيد عبد الستار الحسني :

أي خطب قد عَرَا دين الهدى
ذاك من في طاعة الله قضى
 وهو في آل الفقيه العَلَم الـ
قد فقدناه مثالاً للتقى
وفقيهاً مجد حاريص به
عام نحس حلَّ أرخ: (وبه

 

 

برحيل العالم الحبر السديد
عمرًا يدعو إلى النهج الرشيد
حُجَّة المفضال والندب العميد
منه لم يلوِ لغير الله جيد
وصل الطارف منه بالتليد
فُجِعَ الإسلامُ بالشيخ المفيد)

 

سنة 1437 هجرية 

* * *

 للشاعر : السيد علي السيد حسن هاشم :

هزَّةٌ في عامل قُلْ في النجف
لا تسلْ فهو الفقيهُ نسبًا
شيخنُا قد كان من أهل الحِجى
عالمًا مجتهدًا، لله، ُقلْ
حوزةٌ علميةٌ أسّسها
فاندبيه حسرةً يا أحرُفي
قد ثُكِلنا إذ فقدنا علمًا
وبتسليمٍ يوافي ربَّهُ
في جِنانِ الله تاريخي: يدٌ

 

 

وبقمٍ فجأة نجم خُسِفْ
عالمٌ قد كان من طُهرِ النُّطَفْ
وهو بين العُلما شمسًا عُرفْ
خدمةً للدين عمرًا قد صَرَفْ
منهلٌ طالبُها الدينَ رَشَفْ
فهو بحرٌ من علوم لا يَجُفْ
وعليه الدمعُ دمًا قد نَزَفْ
بجوار المرتضى حلَّ النَّجفْ
لمفيدٍ هيَّأت أعلى الغرفُ

 

سنة 2016م

* * *

ولبعضهم([1]): 

جبال العلم في حزن تميدُ
نعى الإسلام ثلماً لا يوارى

 

 

وفكّت من أبالسة القيودُ
ألا فابكوا لقد رحل المفيدُ

 

ـــــــــــــ

[1] وصلَنا هذان البيتان، وفاتَنا معرفةُ اسم الشاعر.

 

 

الشيخ مفيد الفقيه.. من النجفِ وإلى النجف(*)

بقلم نادر المتروك

 

المكوِّن الجوهري في شخصية الراحل الشيخ مفيد الفقيه (1937-2016)، هي النجف الأشرف، بوصفها مكاناً ومنهجاً ورؤية للدين والعقيدة. وُلد فيها، ودرسَ عند كبار مراجعها، ولم يغادرها إلا في العام 1990 قسراً، وبعد أن فقدَ فيها اثنين من أبنائه مع أحداث الانتفاضة الشعبانية.

حملَ الفقيه النجفَ معه في لبنان

نشأته الدينية في كبرى حوزات العراق ظلَّت مقاسه ومقياسه. عصارةُ عقله، وقلبه، تظلّ هناك، ولكن قهْر الأوضاع حمله على الرجوع إلى مسقط أهله والبقاء هنا، فيما وجدَ التصبُّر على البُعد في صُنْعِ وهجِ النجف في (صور) جنوب لبنان، وبعدها في حاريص، حيث شيّد حوزته التي اختار اسم "النجف" لها، تأكيداً على تمسُّكه بالمكان والمنهج وبالرعيل الأبرز من الفقهاء والمراجع الذين حضرَ درْسهم، وكتبَ تقريرات بحوثهم، وليكون الأبرزَ من الطلبةِ الذين لم يقطعوا درساً، إلا ليكملوه بدورة أخرى، وطيلة 30 عاماً.

السيد الخوئي هو الأكثر حضورًا في الشيخ الفقيه

ملازمةُ العقود الثلاثة كانت كافيةً لأن يكون اللبناني الأكثرَ إيماناً بمنهجِ أستاذ الفقهاء، وليحافظ على سيرته وأثره، ولو اضطرّه ذلك لأن ينحني انحناءَ المتواضع الذي لا يريد لاسمه أن يكون في الواجهة، وعلى قاعدةِ "سعيدٌ منْ اكتفى بغيره". وعلى منوال هذا التعلق بإرثِ النجف/الخوئي، كان ترويجه لمرجعية السيد السيستاني، وسعيه المُبكر، لأن الأخيرَ هو امتدادُ النموذج المرجعيّ الذي تربّى عليه وآمن. كان وفاءً للنجفِ، وللمنهج، وليس تمسُّكاً بالأسماء والرموز.

تطويرُ المناهج لم يشغله

وفْرةُ النجفِ كانت كافية بالنسبةِ إليه. يرى في ولايةِ الفقيه ما يراه في الدين من فائدةٍ كاملةٍ ووافيةٍ للحياة، دون انشغالٍ بالمصطلح أو انهماكٍ في دهاليزِ السياسة. المفاهيمُ عنده لم تتغير. ومنظارُه لإدارةِ الإنسان والكون، هو ذاته الذي جعله يؤمنُ بالسيرةِ الأولى لفقهاء النجف. إيمانٌ لم يتحول إلى متراسٍ أو ثكنة أو منصّةٍ للمواجهةِ وصناعة الاحتراب. نافحَ عن رؤيته في الفقهِ والعقيدةِ والمنهج التقليدي، ولكنه حرّم على نفسِه وغيره الانجرارَ في لعبةِ الطعن بالأشخاص، والدخولَ في معارك الطواحين. درْسٌ تعلمه من النجفِ نفسِها حين كان يأخذ من السيد الخوئي، والسيد الحكيم، كما أخذ من السيد محمد باقر الصدر وتعلّم..

زاملَ السيد فضل الله، والشيخ شمس الدّين، ولكنّه لم يتشابه معهما. لم يُصبح في قلْب صراعِ الأفكار وزلزلةِ الأحداث. لم يكن حاضراً في المؤسّسةِ وفي المناصبِ الرّسميّة.

هو إخلاصٌ كاملٌ للنّجفِ، وعلى نحوٍ يكاد يكون المثال الأخير له، وكما تُخبرنا سيرته التي انتهت، كما ابتدأت، بالنجفِ..

حين ارتحلَ إلى ابنيه الفقيدين، وبعد فقْد الثالثِ في غربةِ أفريقيا. حلّ الفقيه، كما كان دائماً، في بقعةِ الفقهاء التي أحبَّ، وكأنّها إرث الأنبياء الأعظم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نشرت في مجلة النور الجديد بتاريخ ٠٧/٠٤/٢٠١٦. 

 

همسات في رحاب الشوق

العلاَّمة الأستاذ آية الله

الشيخ مفيد آل الفقيه العاملي (قده) عَلَم وعِلْم

الشيخ ناجي نجيب فرحات

  

إن كان لكل شيء ذكرى تُرافَقُ والنفس، أو يهوى المرءُ استمرارها -لا سيما إن حملت في طيّاتها السرور- فحريٌّ بذكرى صاحب الفضل أن تحملك إلى تجلّيات بقاء وخلود، في كنهها أخلاقٌ وأدبٌ وثقافةٌ وعِلْم وتديُّن، فتحكي علاقة، أو تشفي غليلاً، أو توافق الشغف الذي لا يتبدد على حين غرةٍ أو ينتهي عند لمحةٍ من سكون؛ وعند ذكريات الحبيب المرجع المقدّس المفيد تستقر الرؤى، لأن المفيد عنوان همة من تحصيل علمي، أنتجتها تجلياتُ النبوغ، فكانت اجتهادًا يسنى بفكره المستنير، ويحاكي لطافة أهل العصمة، محمد وآله (صلوات الله عليهم)؛ إذ تجلَّى بدرًا ساطعًا على مدى ردح من الزمن، أنار طريقنا فكان ذاكرةً تمتلئ بالقيَم، وساعة استراحة تتراخى على أريكة العلم كي تنكشف عندنا عوالم المجهول، وإما أنها تبتكر طريقة تحمل عطر الانجذاب، فتقود إلى الهداية من خلال انتشار عبيرها حين اندلق الإناء نهجًا فسال فهمًا، انتقى منها ذلك الزمن ما هو الأروع، أغدقها المفيد (قدس سره) فكان نورُ العلم بعضَ فيضه، وكان الحبُّ كلَّ عطائه.

فسلام عليك أيها المفيد المفيد!!!.

* * *

تعرَّفْته ذات يوم -والذاكرة لا تميل عن الحبيب- فتعالقتني تلك الشخصية الفذّة الرصينة الهادئة، وتسمَّرت نظراتي أرنو إليه، فأخذتني الدهشة، وأوجفني جليل الرّهبة التي تملّكتني بين يديه -وهو حال من يعرف سيرة العلماء أو يسترق سرّهم، حيث كانت سابقة سيرته العلمية قد تواردت إليَّ من طريق أقرانه وزملائه والأتراب، سواء في دراسته أم تدريسه ما بين النجف ولبنان- وفي خلَدي يجول سؤال وسؤال!! وكنت آنذاك يشغفني اسم المرجع الأول للشيعة الشيخ المفيد([1]) (قدس سره)، الذي طالما كان يتطرّق إلى سيرته أهلُ الحوزة العلمية وعلماؤها، مما يصرف النظر والتفكير إلى ذلك الاسم العظيم.

ولا أكتم سرًا إنني أمام عِظَم الوقار، ورغم معرفتي اليقينية به، فقد طارت بي الظنون -للوهلة الأولى- أن يكون وريثَ ذلك الحَبْر أو أحد أبنائه المسمّى باسمه؛ وقد بقيت تلك الصورة راسخة عندي مدة من الوقت، حتى بدَّدها التلمُّذ على يديه، والاغتراف من معين علمه، رغم بلوغي من السن ما لم يُعَذِّرني في ذلك التفكير.

أسعدني اللقاء، وقد أسعفني الحظ لأكون فيما بعدُ أحدَ روَّاد علمه أو بعض جلساء درسه وحواراته العلمية مدة تجاوزت حدود السنين وسوانح الوقت؛ وسابقتُ فيها عند حلبات الفهم ما بين التحصيل والتهذيب والبحث والتقليب في صفحاته المضيئة، أو التوجيه والترشيد حين يعترينا شجون الهم، وتجهيل العشير، وتهكُّم الجاهلين، وتجهُّم الموجفين؛ ما يجعله قبلة عاشقيه -وأنا واحد منهم- وهو الذي يألف ويؤلَف، فيسكن القلب منذ الوهلة الأولى وصورته مشعل وضَّاء؛ حفيٌ بمن يقصده، رفيقٌ بمن يلوذ به؛ سهلُ العريكة عند عارفيه؛ ثاقب البصيرة حين تدهمه المسائل، فيسكبها في قالب التطبيق بلا تكلّف عناء، لأنه خبيرُ صناعتها وصائنُ جودتها، كي يركنها موقع الانبعاث، والمعنى حقيقٌ به أن يصان، بلا مناعة بيان ولا مناقشة ذي لسان، والفهم ركين بين فوديه.

الهيبة نعمة إلهية لا تكون لغير ذوي الانبعاث بها، كي تحدث إصلاحًا أو تفصح عن شخصية صاحبها عزةً في مجتمعه، فيرقى احترامًا بين ظهرانيها، أو يشمخ رفعة في مراقي الوقار، يسمو بها إلى البارئ، فهي بعض عبادته، لأن التواضع لله جعل من أهل الإيمان نموذج الرقي، والعلماء أرقى أهل الفهم، وأولى بهم من كل داهم، لا سيما حين يدهم العلم أهل المروءة، فتستدعي الإنسانية طريق نجاح وإنجاح، كي تدفع بأهلها صعودًا وتوطنهم سعودًا.

فحبذا علمٌ يجود به الفضلاء على عتبة الفكر الناهض حين يستقي المعين صافيًا، ليستقر خفايا الذهن رؤية صائبة المرمى، واضحة الأفق، ثاقبة البصيرة، لا تخالف الإمكان، بل إنها من العسر أبعد، وأنت ذيّاك المعين الذي لا يزغل حيث تعوَّد أن يجافي الغش والبهتان، ولم يرضَ موافقة أن يكدَّر لأنك الواثق بطهر المنتقى الذي استقيتَهُ من بيت النبوة  (صلى الله عليه وآله)، فجمعَت بين الهيبتين: هيبة العلم، وهيبة الإيمان بالله!!

وأخلاق حسنة تستهويك، رفدها الذات. وقلبك الممتلىء حبًا لا يموت فيه الاشتياق، والهوى حب الإله؛ وفي مستنير صدرك القرآن، حبّذا نور الرحمن يحمل قيمة الإنسان وحقيقة الوجود، كما أرادها الله!!   

ذاتٌ ترفّعت فانساقت إلى رضى ربِّها حين يشغفُها الركونُ إلى رَوح الله، إلى كُنهِ الأسرار الإلهية السامية في ملكوت السناء الرباني، فتسمو وخيالُها اللانهاية الذي ألِفَتْ معه اللقاءَ روحًا ومعرفة؛ فإذا الأنوارُ على سرادقِ العرش انبهارٌ يشغفُ الوالهَ كي يألفَ بالحبِّ الضياءَ، أو تلهمَ المشتاقَ كي يلاحقَها فيختزلَ المسافات، والروحُ حلولٌ عندهم يوافقُها ائتلافٌ، والهوى ما بينهما صبوةٌ تهدي الرفيقَ إلى الرفيقِ، وتلمسُ الوعيَ بلا إدراكِ بُعدِ الزمن؛ فتحلو المناجاةُ في سكونِ الرهبِ المؤْنِس، يهمسُ بها القلبُ أو ينطقُها المناجي حبًا. فيا لذةَ النجوى والأنينُ انتظار؛ ويا حلاوة المكابدة بالشوق عند العارفين، فهي مفتاحُ الفرج بعد طول اللهف.

أترانا نحمل من خيالنا طيف ذكرى؟؟ أم هي حقيقة عهد ترسَّخ بالماضي دمغةً على جبين الزمن، فغفا يطبق جفنيه على أجمل لحظات عبرت أفق ذراه تحت قبة علم الدين الحنيف، وما استقوت لتربك أهلها، إنما استمرت إلى حاضر نور لا يضيع في متاهات تشعبت، فهي تلاقي النور الغابر في معاني الواثقين؛ ثم إلى رؤية تسمو فوق الوهم لتحكي ما ارتأت أن تحاكيه فتنتشي بغير صناعة الانتشاء، أو ترتقي فوق علياء السماك، والروح معراج النجاح حين يتوافق النظر بالوفاء، وما بينهما سناء الروح النائر السرمدي؟!

* * *

لله در أيامنا الغابرة، مضت تحملنا ذكرياتُها إلى سالف عهد من لقاء وعلم، إلفها منادمة على لذيذ سلوى، نؤمِّل بها أهل الأنس، ولئن تفرَّق الجمعُ فقد بقي أثر التربية مودة هي بعض ثمالة شرب، تحلو بقطرها فتستمر حبًا، ولا يُفَلُّ العقدُ بعد أهلها؛ بل ولا انفرط سبك نضيدها عند حدود الابتعاد الجسدي، إنما تعالقت الأرواح بخيط نور تحيك منه جميل دثار، أحبكته يد الحكمة فالتفَّ على مواثيق قلوب، تزدحم على رحبها المواعيد إلى جديد، وفي كنهها طيف يخلِّد الذكرى، أو كرى عاشق أغفى على همهمات حنين وفي النفس منه لهفٌ اختصر كل تلك العلاقة بين الأمس والنديم، أو بين المودة والرهبة!! .

ومن تجليات العلم بين يديك مناغاة الحبيب إلى الحبيب، أو مرقاة سادر إلى عالم المستحيل، فتنتحي الكلمات جانب المعرفة المرتبطة بوحي رباني، وتستحلي الانحناء مطواعة أو تتجلى نور هداية ورشاد في قنَّة مجد الكلمة. وما أن تستقر قلب المتلقي إلاَّ وفي رشدها المعرفة تهوى الانعتاق من ربقة التحجر، وتسعى إلى الانقياد في رحمة العاطفة التي يسبغها على أبنائه، وهو المدنف المرتقب لقاء أحبة ليحضنهم حبًا، فيهيبهم أن يوسعهم الفشل، ليرغمهم الانحطاط عن الإكمال، أو يُحجِم بهم عن التحصيل العلمي فلا هم براحة بعدها، ولا يقوِّمهم انبعاث من سقوط، وتلك هي حالة من طلب العلم اجتهادًا لا سيما بين يدي العلماء -والمفيد أهلها-.

وقرآن ربك لا تنتهي عندك أسرارُه الموثقات حين تهيم به إلفًا، تجلو غامض السر ومكامن العلم، وأنت الفهيم في رحاب العلم تستجلي غامض الحياة، أو تضع صورة الرؤيا لتجسدها طريقة عبور إلى الآت؛ تغوص في المفاهيم بلا غامض يعتري المعنى أو يغشّي الواضحات حين يُشكِلُ الاستنباط في رؤى الآخرين، فيغدو المدرك الإلهي صندوق الأسرار وموضح الشك بعد الارتياب؛ وليخرج جوهر الكلمة من صميم المنتقى أو من روح الآية مفاهيم لا يجتاحها الجهل والتشكيك.

كنه التفسير رأيك، لا يخيب كي يظهر الحكم صوابًا، ولا يشوبه نزوع أو عصبية أو رياء، ولا يدخل في أتون الاستهجان والاستحلاء؛ بل رابط الفهم وسيلته.

أقلِّبُ الآراء فأجدك باحثًا في الآراء والاجتهادات، مستقرئًا ألوانها وخفايا النوايا التي قد يمتطيها أصحابُها ليقودوا المعنى إلى الانحراف، وأنت المصوِّبُ المتنقل على سفح الرؤى كي تنتقي السر الصويب؛ وسبيل البقاء منتهى البحث الخالد، وعندها تستحلي المكوث في رحب السكون كي يحلو مع جلالك السكون.

لقد آنسني البيان حين قاربتُ اليراع فغزوتُ ثاقب الفكر، ونظرتي تخترق قذال المعرفة المزدان بتجربة السنين ابيضاضًا، كناصع القلب الرؤوف الذي ألفناه رحمة؛ وليس من الغرابة هواية التلميذ أن يوجه تحية ثناء لأستاذه والمرشد الموجِّه -وما دأبُ التلميذ أن يتجرأ بين يدي أستاذه- لكن دافعي كان مزيجًا من شوق وذكرى من ناحية، ولهفة إلى الاستزادة من فيوض علم معلمي من ناحية ثانية؛ رغم توالي الأيام على تحصيلي العلمي بين يديه؛ فطفقت أنظر في تراثه مدقِّقًا، لأجده (قدس سره) قد غلب على كتابته التنوع الفقهي، يكتب مدققًا في جوانب شتى، مستعينًا بمصادر وثيقة ومراجع ثابتة، استوفى حججها فاستوعب مكامنها؛ يميزها لغة، ويقلِّبها في فنون تنوّعت وأفكار استحسنها، فصاغها دون تردد وقد شحذ الهمة، مثبتًا أن النسغ من نوع الأصل (آل البيت  (عليهم السلام))، فأمسك بزمام عقالها كي لا تفلت من تقليب وتمحيص ولكي تكون نبراسًا، زيتُهُ قريحةُ عالم، ومنارتُه فوق عقل العاقلين. فلا قيمة للعنوان ما لم يَصفُ روح الباحث بلا رياء ولا عُجب؛ فكان النتاج من كوم الكتب فقهًا، ومن تراكم العلم تنظيمًا، ومن تنوع العناوين مكتبة سائرة لا تتوقف بالعطاء، تميِّز السمين وتنبذ الغث الرديء؛ ولم يكتفِ عندها إلا ليدرسها مدرِّسًا مدققًا هاديًا مرشدًا؛ فقد نوَّعها ما بين الأصول الفقهية والعقيدة والبحوث العبادية، كما المعاملات، إلى أن سبر بحر القواعد بما فيه من استدلال واستنتاج؛ فجعلَنا نقتطف النتاجَ ثمرًا طيبًا يزكو بنا حين يزكو بالإنفاق.

قرآنك الآل الكرام  (عليهم السلام) نائر بالمعجزات، ناطق بالمكرمات والخلق النبيل، تهواه مرفدًا وتحمله أمانة إلى يوم الورود، فهو رايتك في محضر الحب المدرك قدر الأئمة  (عليهم السلام)، واعيًا علمهم اللَّدُني حيث الحقيقة الراسخة؛ ويكفيك أن يكون هذا القرآن الناطق هو رأيك في عالم هذا الناس، حسبُك فيه الصدق لا يرضيك غير استكانة على متن الخُلُق، تزكيك لتروم منها الخلود في رحاب الفردوس الممدود؛ وما بين الذكرى والذكر ترقد نفسك الهانئة بالركون إلى عقيدة الذاكرين الأصفياء  (عليهم السلام).

ما بين دمعة حرَّى للمصاب الجليل وكلمة حق ترسم طريق العبور أو توسم نهج المستمسك الركين، تلك هي صورة كربلاء في ضميرك الحر، بل هي صورة الإمامة في عقيدتك المثلى، يشجيك من المأساة حرارة في الحنايا كي تظهر في حشرجات الآه، أو تختفي في سر صدرك الملتاع ضيقًا، تتنفس النعي بعضًا من حياة، وتخرج اللوعة تعبيرًا عن رفيق الشعور بالمأساة، فهي درسك المستمر مع توارد الأحداث، يغرس حرقة الاستكانة بعدما استعار ملايين التعابير، فتنطلق الصرخة من صمت اعتبار، لتجاذب أطراف اللهف الحارق من غير جمر الغضا، أو كيَّةٍ من محمَّى الصفيح المجمَّر نارًا، أو تحاكي نور الهداية من فيض ضياء، فحمرته حسرة في عين الأمناء عند الطريقة المثلى لا تغشِّيها الشبهات!!

يا للكلمة، لو تستطيع أن تجري بنا ثباتًا لعله يكفينا بها البيِّنات حين ننطق بها، وهي شجرة طيبة ثابتة الأصل فرعها في السماء، لا تقبل التدليس والتعمية. بل لو تستساغ معها المواقف حيث تصبح سيفًا عندما تصرخ بالحق فيجيبها وتهدر بالعدل فتنازِل الباطل بلا غموض. وليتها تعبِّر عن مراقي الحنين هناءة بأوقاتنا الرافهة، لتصوغ من ذلك العلم منهجًا يستقيم بالكفاءة، إذ أهلها أَكْفاء يرويهم الحق، ويعينهم حافظ العهد حسيني الوفاء، لا يعفيه سغب الحاقدين للدماء؛ ولا يرديه فكر الشانئين، فهو المصفى من رحيق الطهر، وسرُّ الواثق أن يبقى الأمين، وعلى هدي النبوة سائرًا. فلذا أجدك أيها المعلم المفيد (قدس سره) صخرة من ثبات لا ترتجف للعاتيات؛ فكنت العالم الفقيه الغارس نبتَهُ في مهب الريح كي يواجه الانبهار، ومنك ينهج المتعلمون في مدرسة الآل  (عليهم السلام).

حبذا طريقتك المثلى وصفاء سريرتك العليا؛ ترقى وسرُك الميمون راقٍ بروح من صفاء؛ تحاكي النوايا وطرفك الساكن لا يغفو عن رؤية من سناء، لتعبر خلف سحاب الوجد أو وراء منتقى الهمس، فتجعل من همس الوشوشات مقيسًا على مستوى الجد، وتُلبِسُهُ ثوب الأدب أو تسوقه خُلُقًا، وفي كل ذلك يصبح حكمًا أو عملاً من طريقة الإنسان.

صابرٌ والبلاء حُسنُ اختيار إلهيٍ للأمثل فالأمثل؛ يحملك إلى السكون مرتقبًا -والانتظار نهج المؤمن حين يلوذ بسيد الخلق بعد آبائه وإمام زمانه الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)-، بل هي سيرة وميثاق لا يبعدك عن ذاتك، ولا ينفصم عن عقيدتك؛ فيجعل من شوقك للقاء حرارةً لا يبرد أوارها، وشاغلاً يتحول ميثاقًا إلى جنة لا يعرفها إلاَّ أمثالك، ولا يستحقها إلا المؤمنون بربهم ثقة؛ وأنت الهادف من ثقتك ما تبلغ بها رضى الرحمن، أو تقارب منهجك الصويب، لتعلِّمنا أن صبرك رضىً بقضاء الله لا ينفصم عن شخصك المستكين طاعة، فيغدو الاستسلام لقضاء الله كبرًا بعين الجليل سبحانه، حين يمس الأذى صاحبه المحتسب أمره في جنب الله، وكله أمل في مستقبل آت على مسرح الآهات، ومرارة الأنات، وزفراتٍ تلهب المشتاق للمشتاق، وتقرب الروح بالروح، وأنت قريب من كل روح؛ وهذه صورة أحبابك الغابرين لن تفارق عينيك الحالمتين، وتأبى المنية إلاَّ الصفوة التي أحببت حتى اجتباك للبلاء، وحاشا لربك أن يستند في اختياره لغلطة تسرُّع، أو يستبد برأي اندفاع أو عاطفة هوى.

فكنتَ أهلاً للبلاء، وكان المحك نجاحَك عند مناظرة المحال!!.

* * *

تسامرني الذكريات وعندي منك أجمل أحاديث الأنس، يجذبني الحنين فأغفو على مطارحاتٍ من علوم شتى، وقائدي دافع من ذُكاءِ طيِّب النشر؛ يحفزني عقلك العظيم؛ ترأف بي يداك أن أزل عند أول نزال؛ أو تلقَّاني بتربيت على كتفي عاطفة تنساب كالطلِّ عذوبةً، فآنس من نسم رَوْحك العليل نسمة واعدة، تطمئن عندها الروح، ترفع من مقام العلم، تتناغم مع تلك الأحلام الوردية، ويبقى لذيذُ الحلم طيفَ السمر اللامتناه.

تسامرني الذكريات فأسري على نغم الآه، يجهدني الحنين، أغفو فيؤنس مقلتيَّ حُلُمُ الآه، ويقلقني طيفُك المتشبث بمخيلتي كي لا يفارقني فيوحشني الطريق؛ آه من وحشة هذا العمر يقلبني الأسى إلى كل اتجاه، والأيام تُجرِّعُني كؤوسَ الفرقة ما بين نفسي ونفسي، أو بين ذاتي والذات، وأنت الذات يا ذاتي؛ يحرقني من بعادك الجفاء، وهذا الروح المكلوم لا يلتئم، وسناك من وميض الشعور آياتٌ ماثلاتٌ على رحب الخلود.

فطوباك يشغلك الذكر ولا يثنيك البلاء؛ وطوبى لمأواك النعيم.

ــــــــــــــــــــ

([1]) المقصود به شيخ الطائفة محمد بن محمد بن النعمان (338 هـ -413 ه‍).

 

 

بـدايــــة التـشـيّـع(*) (**)

سماحة آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قده)

 

مقدمة

الشيعة في اللغة: الأتباع والأنصار([1]).

قال تعالى: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}([2])، {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ}([3]).

وفي الاصطلاح: أصبح اسمًا للمذهب المخصوص الذي امتاز بولاية علي بن أبي طالب  (عليه السلام) وأولاده الأحد عشر  (عليهم السلام) من بعده، والقول بأحقيّتهم بالخلافة بالنَّص، على خلاف بين الشيعة أنفسهم في ذلك، بسبب اختلاف الفِرَق المسمّاة بالشيعة، ونحن عندما نطلق لفظ [الشيعة]، وننسب إليهم شيئًا فإنّنا نعني الإمامية الاثني عشرية.

آراء حول بداية التشيع

قال الأشعري: [وإنما قيل لهم شيعة لأنهم شايعوا عليًا رضوان الله عليه، ويقدِّمونه على سائر أصحاب رسول الله (ص)]([4]).

قال الشهرستاني: [الشيعة هم الذين شايعوا عليًا  (عليه السلام) على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نَصًّا ووصيّةً.. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأئمة..]([5])، وذكر ابن حزم نحو ذلك([6]).

قال الشيخ المفيد (رحمه الله) بعد بيان المعنى اللغوي: [.. فأما ما دخل فيه علامة التعريف فهو على التخصيص لا محالة لأتْباع أمير المؤمنين  (عليه السلام) على سبيل الولاء، والاعتقاد بإمامته بعد الرسول  (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، ونفي الإمامة عمّن تقدمه في مقام الخلافة..]([7]).

هذا هو معنى الشيعة بغض النظر عن الفِرَق المتعدّدة والباقية من الشيعة.

وأما وقت بدء إطلاق الاسم فهو بطبيعة الحال لا يرتبط ببداية المذهب وتاريخ تكوّنه، لأن المضمون شيء والاصطلاح شيء آخر، وإن كانت الشهرة والانصراف إليه بدون تقييد بحيث صار عَلَمًا، فإنّها جاءت متأخّرة عن بداية نشوء المذهب.

وأما وقت تأسيس المذهب فالشيعة أصحاب المذهب لهم في ذلك رأي، ولسائر الناس من غير الشيعة آراء أخرى وإن كان بعضها يرجع إلى ما تقوله الشيعة.

فالشيعة يقولون بأن بداية مذهب التشيع كانت في زمان الرسول  (صلى الله عليه وآله) حيث نَصّ على خلافة علي بن أبي طالب  (عليه السلام) بنظرهم، وأُطلِق عليهم هذا الاسم في زمانه لا على النحو الذي يكون به عَلَمًا.

وهناك من يرى بأنه ابتدأ بعد وفاة النبي الأكرم  (صلى الله عليه وآله) مباشرة باجتماع السقيفة، وتخلُّف علي وجماعة آخرين عن البيعة([8])، وهذا يؤكّد القول الأول، لأنّه ما كانت لتنشأ الفكرة عشوائيـًا بعد وفاة الرسول  (صلى الله عليه وآله) لولا أن عليًا  (عليه السلام) ومن تخلّف عن البيعة كانوا يرون أنها حقٌ لعلي  (عليه السلام).

ومنهم من يرى أن المذهب ابتدأ في عهد عثمان وبلغ ذروته بمقتله، وأن سبب الفتن التي أدّت إلى ذلك كله هو "عبد الله بن سبأ".

ومنهم من يرى أنه ابتدأ في وقعة صفين بعد التحكيم.

ومنهم من يرى أنه: [كان تكتلاً إسلاميًا ظهرت نزعته أيام النبي  (صلى الله عليه وآله)، وتبلور اتجاهه السياسي بعد قتل عثمان، واستقل الاصطلاح الدال عليه بعد قتل الحسين]([9]).

ومنهم من يرى أنه ابتدأ بحركة التوابين بعد استشهاد الإمام الحسين  (عليه السلام)([10]).

ومنهم من يرى أنه ابتدأ في القرن الأول الهجري لأحد الأسباب الآنفة أو غيرها.

مناقشة الآراء

أما القائلون بأنه بدأ في عهد عثمان فمنهم ابن حزم وغيره من المؤرخين([11])، والشهرستاني الذي قال عن عبد الله بن سبأ: [السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي كرم الله وجهه‏:‏ أنت أنت يعني‏:‏ أنت الإله فنفاه إلى المدائن.. وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصيِّ موسى مثلَ ما قال في علي، وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه، ومنه انشعبت أصناف الغلاة..]([12]).

وذكر البغدادي([13]) نحو ذلك في ابن السوداء وابن سبأ، ما يظهر منه أنهما شخصان، بينما يظهر من بقية المؤرخين أنهما اسم لشخص واحد، وذكروا غلوَّه وقوله بألوهية علي  (عليه السلام) وتبعه جماعة، وأن عليًا  (عليه السلام) أحرق جماعة منهم، ثم نفى هذين الرجلين إلى المدائن لمّا خاف الفتنة من قتلهما بإرشاد ابن عباس، فافتتن الناس بهما.

ونكتفي في ردّ روايات الشهرستاني والبغدادي بما ذكره بعضهم([14])، قال:

[ونودّ أن نشير إلى أن روايات الشهرستاني عن مقالات المعتزلة إنما هي متحاملة.. والشبه بين ما يقوله البغدادي والشهرستاني وبين ما يقوله ابن الراوندي مما يدعو إلى الشك في قيمة روايتهما.. كما يقول الفخر الرازي عن الملل والنحل وصاحبه أنّه: كتاب حكى فيه مذاهب أهل العلم بزعمه، إلا أنه غير مُعتمَد عليه، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى بـ[الفَرْقُ بين الفِرَق] من تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين]([15]).

وقال ابن حزم بعد الحديث عن الكيسانية: [وقالت السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي مثل ذلك في علي بن أبي طالب، وزادوا أنه في السحاب]، ثم قال: [فصار هؤلاء في سبيل اليهود القائلين..]([16]).

وابن حزم هذا أسوأ حالاً من البغدادي والشهرستاني من هذه الجهة، وهو أشهر من أن يُعرّف في التشنيع عليه من فقهاء عصره وغيرهم، ومن الحُكْم بضلاله وعدم الاقتراب منه، لاختلاقه الأحاديث وكذبه على العلماء، وتهجّمه على الناس حتى وُصف لسانه بأنه شقيق سيف الحجاج، فحكموا بإحراق تآليفه([17])، مضافًا إلى أنه صوّب ما فعله عبد الرحمن بن ملجم -لعنه الله- من ضَرْبه أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) بالسيف أثناء صلاته، بحجة أنه اجتهد فيكون بذلك -والعياذ بالله- مُثابًا، قال([18]): [إنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليًا -رضي اللّه عنه- إلاّ متأوّلاً مجتهدًا مقدِّرًا أنّه على صواب، وفي ذلك يقول "عمران بن حطان" شاعر الصفرية:

يـا ضربــةً مـن تقيّ مـا أرادَ بهــا

 

 

إلاّ ليبلغَ من ذي العرشِ رضوانًا

 

وقد كان محبًّا لبني أمية، معتقدًا بصحة خلافتهم، وله من الخرافات ما لا يُحصى]([19]).

ويقول بعض الكتّاب المعاصرين: [إنّ الخلاف السياسي الذي صاحبَ مشكلة الخلافة قد أخذ ينقلب إلى صورة دينية عقائدية، وانتهز هذه الفرصة رجالٌ من أمثال سلمان الفارسي وعبد الله بن سبأ، لكي يتفرق المسلمون في اتجاه خطير وجد فيه الغلاة مآربهم في المروق عن الإسلام..]([20]).

وهذا الكاتب لم يُحسن الاجترار لأقوال السلف، لأنه لم يَطْعَنْ أحدٌ منهم في سلمان فيما نعلم، ومع أنه لا يستحق الردّ فيظهر الردّ عليه بعد نَقْل بقية أقواله.

ومثله في ذلك ما قاله الآخر([21])، حيث لخّص شرور عبد الله بن سبأ في أنه أول من أحدث القول في رجْعة علي إلى الدنيا بعد موته، وبأن عليًا لم يُقتل، وذكر أن من تعاليمه تفرّعتْ آراء كثير من الفِرَق التي منها قول الإمامية بأن الإمامة محصورة في الأئمة الاثني عشر  (عليهم السلام).

ويقول آخر: [وتكاد تُجمِِع كتبُ العقائد الإسلامية على أن عبد الله بن سبأ هو أول من دعا إلى فكرة القداسة التي نُسِبت إلى علي، وكان يهوديًا قبل الإسلام..]([22]).

ولو سلمنا صحة هذه الدعوى، نقول: إنه نسي إجماعهم على شِرْك كثير من الصحابة قبل الإسلام، غافلاً عن أنّ إسلامه ويهوديته لا علاقة لها بالشيعة، وأما قداسة علي بن أبي طالب  (عليه السلام) فأوّل من دعا إليها هو الرسول الأعظم  (صلى الله عليه وآله)، لا عبد الله بن سبأ الموهوم.

ومثله في هذه الأقوال مؤلِّف كتاب المذاهب الإسلامية، وأحمد أمين أحد مؤسسي هذه البدع في هذا العصر، ولا يخفى بأن أقوالهم هذه لا تخرج عن كونها اجتهادًا ووجهات نظر في تخريج بعض الحوادث المنقولة وتفسيرها، وهذا النوع من الاجتهاد في خصوص هذه المسألة لا مسرح له، وذلك لعدة أسباب، نجملها بالقول:

إن عقائد المذهب ينبغي أن تؤخذ من أصحابه في جميع شؤونه، حتى الناحية التاريخية، لا لأنّ التاريخ وقْفٌ على فئة مخصوصة في تفسير حوادثه كما تريد حسبما يظهر من أقوالهم الجزافية، بل لأن البداية التاريخية للمذهب ترتبط بمضمون العقيدة وجوهرها، وفرْقٌ واضح بين شيعي أخذ مذهبه من سلسلة تنتهي إلى عبد الله بن سبأ، وبين شيعي أخذه من سلسلة تنتهي إلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) ولا يوجد في حلقاتها عبد الله بن سبأ، أو غيره من الأشخاص الذين لا وجود لهم إلا في مخيلة الكتّاب المذكورين -إذا أحْسَنّا الظنّ بهم-، وإلا فلا وجود له حتى في تصورهم، ولم يكن ذلك مجرد فرضية ساقوها على نحو القضية الحقيقية التي يصح الحكم عليها بمجرد افتراض الموضوع، ظنًا منهم بأن هذا يوجب الشك في البداية الحقيقية للمذهب، وبالتالي إنكاره لمجرّد أنهم لا يعتنقون هذا المذهب، أو لا يحبون أهل البيت  (عليهم السلام).

عبد الله بن سبأ وهمٌ أم حقيقة؟

والواقع أنه لا وجود لشخص اسمه عبد الله بن سبأ كما حققه جملة من الشيعة والسّنة([23])، ولو وُجد فلا يصح أن يكون هو البداية تاريخيـًا وفكريـًا.

قال الدكتور طه حسين: [والغريب أن هؤلاء المؤرخين قد نسوا ابن سبأ والسبئية نسيانًا تامًّا، أو أهملوها إهمالاً كاملاً، حين روَوْا حرب صفين، فابن السوداء لم يَخْرُجْ مع الإمام علي إلى الشام، وأصحاب ابن السوداء خرجوا معه، ولكنّهم كانوا أنْصَحَ له، وأوْفى الناس بعهده، وأطْوَع الناس لأمْرِه، لم يأتمروا ولم يسعَوْا إلى الفساد بين الخصمَيْن، وإنما سمعوا وأطاعوا، وأخلصوا الإخلاص كلَّه، حتى إذا رُفِعَت المصاحف خرج بعضهم مع الحَكَمَة الذين أنكروا الصحيفة وما فيها، كحرقوص بن زهير، وأقام بعضهم على طاعة الإمام علي، وإن أنكر الصحيفة وكره الحكومة كالأشتر.

وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية، وعن ابن السوداء في حرب صفين، أنّ أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء، إنما كان مُتكلَّفًا منحولاً قد اخْتُرِع بالأحرى حين كان الجدل بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يُدخِلوا في أصول هذا المذهب عنصرًا يهوديـًا، إمعانـًا في الكيد لهم، والنيل منهم، ولو قد كان أمر ابن السوداء مستندًا إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح، لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت في صفين، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب الإمام علي في أمر الحكومة، ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب الجديد الذي كان يكره الصلح وينفر منه، ويكَفِّر من مال إليه، أو شارك فيه.

ولكنّنا لا نرى لابن السوداء ذكرًا في أمر الخوارج، فكيف يمكن تعليل هذا الإهمال أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن وقعة صفين، وعن نشأة حزب المحكمة]، ثم يقول:

[أمّا أنا فلا أعلّل الأمرَيْن إلا بِعِلّة واحدة، وهي أنّ ابن السوداء لم يكن إلا وَهْمًا.. إنّ عبد الله بن سبأ شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة، ولا وجود له في الخارج]([24]).

ويضيف صاحب كتاب نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية سببًا آخر لمبالغة المؤرخين في ابن سبأ، وهو أنه حدثت في الإسلام أحداث سياسية ضخمة كمقتل عثمان وحرب الجمل شارك فيها كبار الصحابة، الذين حاربوا مع الرسول  (صلى الله عليه وآله) وشاركوا معه في وضع أسس الإسلام، وشاركت زوجة الرسول  (صلى الله عليه وآله) فيها، وهذه الأحداث تصدم وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي، فكان لا بد من إلقاء مسؤولية هذه الأحداث الجِسام على كاهل أحد.. فكان هذا عبد الله بن سبأ، الذي أثار الفتن من الناحية السياسية، ومن الناحية الفكرية بظهور الشيعة.

ثم قال: [ولكن أليس عجبًا أيضًا أن يعبث دخيل في الإسلام كل هذا العبث، فيحرك تاريخ الإسلام السياسي والعقائدي على النحو الذي تمّ عليه، وكبار الصحابة شهود]([25])

ثم ذكر أن موقف الذين أَرْجعوا كل فِرَق الشيعة إلى آراء ابن سبأ يدعو إلى بعض الشك في حيادهم في الرأي، فمعظمهم إما من كتّاب الفرق الذين أخرجوا فرق الشيعة برمتها عن حدود الإسلام.. أو أنهم من السلفيين الذي يقفون من الشيعة على طرفَي نقيض؛ من أمثال ابن تيمية قديمًا، وعبد الله القصيمي الذي يعتبر ابن سبأ أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه([26]).

والمصدر الرئيسي لقصة [عبد الله بن سبأ] هو ابن جرير الطبري في تاريخه، حيث أورد روايتين:

قال في الأولى: [.. فأسلم ابن سبأ زمن عثمان، ثم تنقّل في بلاد المسلمين يحاول إضلالهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمد فيهم..]([27]).

ويقول في الرواية الثانية أنّ عبد الله بن عامر والي البصرة علم بعد مضي ثلاث سنوات من إمارته بوجود رجل حكيم اسمه ابن جبلة، كان يسكن البصرة ويترأس عصابة من اللصوص، كانت تُغير في المناسبات على أطراف بلاد فارس، فكتب في أمره إلى عثمان، فأمر الخليفة بحجزه، وجماعته في البصرة، فكان حكيم بن جبلة لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل على البصرة سنة 29هـ([28]).

وقد حُبس حكيم بعد ثلاث سنين من بدايتها، فيكون قدوم ابن السوداء للبصرة بين سنة 32 إلى 33 هـ، بينما الرواية الأولى يظهر منها أنه في السنوات الأخيرة من حكم عثمان.

ويروي الطبري رواية أخرى في لقاء ابن سبأ مع أبي ذر([29])، مع العلم بأنّ أبا ذر توفي بعد ذلك في الربذة بين سنة (31-32هـ).

وبالإضافة إلى هذه التناقضات فإن المصدر الوحيد لقصته هو الطبري، ولم يذكر المصادر المهمة التي روت بقية الحوادث المهمة كما أشير إليه سابقًا.

ومصدر الطبري هو [سيف بن عمر التميمي] المتوفى سنة170هـ، المعروف بتزوير التاريخ واختلاق الحوادث، ووَضْع الأحاديث والضعف والزندقة، وقد اتّفق أهل الجرح والتعديل على أنّه من أكذب الناس([30]).

وعلى كل حال، فأكثر المتأخرين من الكتّاب العرب وغيرهم([31])عندما يمرون بأسطورة ابن سبأ ينكرون هذه الشخصية بعد تقديم تحقيق وتمحيص للنصوص، وبعضهم يضع حولها علامات الاستفهام مُشكِّكًا([32]).

ويرى بعضهم أن ابن سبأ هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر، لأنه كان يُسمَّى ابن السوداء([33]) أيضًا الذي كانت تشتمه قريش سرًّا أيام عثمان، وعندما يسمع الرواة بـ[ابن السوداء] يظنون أنه غير عمار، فتراكمت حوله الأساطير بالتدرج، وكما سمّوا ابن سبأ بابن السوداء -كما رأيْتَ- فكذلك كانوا يكنّون عمار بـ[ابن السوداء]، وكانت هذه طريقتهم فيمن يريدون تحقيره، حتى أطلقوا على سيد الرسل  (صلى الله عليه وآله) في بدء الدعوة [ابن أبي كبشة]، وسموا عمارًا أيضًا [ابن سميّة]، وحيث إنه كان يمانيّ الأصل فهو من سبأ، وكان شديد الحب لعلي بن أبي طالب  (عليه السلام)، وكان يقول بالرجعة، ويحرّض الناس على عثمان بمصر -كما قيل-، تمامًا كما ينسبون لابن سبأ غير ذلك مما يشهد له تاريخ عمّار.

ويؤيد ذلك عداوة عثمان لعمار، حيث يروي أكثر المؤرخين والمفسرين في تفسير قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}([34]): [أنّ المسلمين عندما بنوا المسجد كان عمار يجهد نفسه أكثر من غيره، وقد مرّ عثمان وأثار الغبار في وجهه، فوضع كمّه على أنفه، فاعترضه عمار برجز قال فيه:

لا يستوي من يبتني المساجدا
ومنْ يُـرى عن الغبار حـائــدا

 

 

يظل فيها راكعًـا وساجـدا
يُعرض عنها جاحدًا معاندا

 

فقال له عثمان: يا ابن السوداء، إياي تعني؟

ثم أتى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) وقال له: لم ندخل معك لسبِّ أعراضنا.

فقال له النبي  (صلى الله عليه وآله): قد أقَلْتُك إسلامَك، فاذْهَبْ.

وبعدها قال النبي  (صلى الله عليه وآله): "ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار!؟"]([35]).

بالإضافة إلى أقواله  (صلى الله عليه وآله) المعروفة في حقه.

التشيع ليس إرثًا يهوديًا

وإذا كان كُتّاب الفِرَق ينسبون التشيعَ إلى عبد الله بن سبأ ليَحْكموا عليه بالأصل اليهودي على طريقة اللف والدوران، فإنّ بعض كُتّاب التفريق ينفي دَوْرَ عبد الله بن سبأ في ظهور التشيع ليُثْبِت الأصل اليهودي مباشرة، فإنّه بعدما افترض أن التشيّع تأخّر عن صدر الإسلام وظهر في زمن الإمام الصادق  (عليه السلام)، يذكر دليلاً آخر يتمثل على حدّ تعبيره في احتواء عقيدة الشيعة على تأثيرات ومواريث إسرائيلية ومانوية([36]) وفارسية، قد خلا منها الفكر الإسلامي البسيط في عصر صدر الإسلام، حيث لم يكن قد تَمَّ التفاعل بعدُ بين الفكر القرآني والنبوي وبين فكر الفرس، ولم تكن قد قامَتْ أبنية وعقائد نظرية تتيح فرص التفاعل والامتزاج وبعض مواريث الإسرائيليين.

ثم نقل عن المسعودي في كتاب "إثبات الوصية" قَوْلَ أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) حين دنا أجَلُه بعد كلام: [إنّ الله أحب أن يجعل فيَّ سُنّة نبيّه يعقوب  (عليه السلام) إذ جمع بَنِيه وهم اثنا عشر ذكرًا وقال: إني أوصي إلى يوسف فاستمعوا له وأطيعوا أمره.. وإنّي أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا أمرهما..]، ثم عقَّب الكاتب المذكور: [وهذا ميراث إسرائيلي دخل إلى عقائدهم السياسية].

وقد نسي أو تناسى أنّه {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}([37])، والنبي يعقوب  (عليه السلام) من أولاد خليل الله إبراهيم  (عليه السلام) وذريته هم الذين وعد الله -تعالى- بأن ينالهم عهده إلا الظالمين منهم: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}([38]).

ثم يذكر ما روي عن الإمام الصادق  (عليه السلام) حين سئل: (بِمَ تحكمون إذا حُكّمْتُم؟ فقال  (عليه السلام): بحكم الله وحكم داوود..).

ثم يقول الكاتب: [إنّ الرسول (ص) قد قطع بأنّ الحكم من بعده غير الحكم في تاريخ بني إسرائيل.. ولكنّنا نطالع هذا الميراث الإسرائيلي في عقيدة الشيعة عن الوصية والحكم].

ونقول: ماذا عن بقية الأحكام الإلهية العامة -التي لا تخلو منها شريعة سماوية- لو وُجِدَتْ في شريعتنا؟ فهل يكون المسلمون كلهم يهودًا؟!!

وليس الاستشهاد بقول أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) أو بقول صادق أهل البيت  (عليه السلام) -إذا صحت الروايات المذكورة- عَيْبًا في عقيدة الإسلام، فإن العقيدة لا تؤخذ من الله-تعالى- مباشرة، ولا بواسطة الأصنام؛ التي كان جملة من الصحابة يتقربون بها إلى الله-تعالى- زُلْفى قبل الإسلام، بل تؤخذ العقيدة من العقل في ظل الوحي والسنّة الصحيحة الثابتة عن الذي لا ينطق عن الهوى  (صلى الله عليه وآله)، وأشرفُ الحلقات وأوثقُها في سلسلة الرواة بين جميع المسلمين هي هذه الحلقة -التي يُشَنَّع بها على الشيعة- التي تتضمن الإمام الصادق  (عليه السلام)، وتنتهي إلى الإمام علي  (عليه السلام) إلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) الذي علّمه ألف باب من العلم، ينفتح من كل باب ألفُ باب.

ثم يذكر عقيدة الرجعة وأن الشيعة يعترفون بأخْذِها من اليهود، ناسبًا ذلك إلى بعض علماء الشيعة المعاصرين([39])في رده على أحمد أمين يقول الشيخ المظفر (رحمه الله):

[والحقيقة أنّه لابد أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية لأنّ النبي الأكرم  (صلى الله عليه وآله) جاء مصدِّقًا لما بين يديه من الشرائع السماوية، وإنْ نسخ بعض أحكامها، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليس عَـيـْـبًا في الإسلام على تقدير أنّ الرجْعة من الآراء اليهودية].

ثم قال الكاتب عمارة:

[وهم ينسون في ردّهم هذا أنّ الإسلام قد جاء مُصَدِّقًا لما بين يديه فيما يتعلّق بالألوهية والتوحيد والرسالات، لا مُصَدِّقًا للعقائد الدخيلة على الفكر الإلهي في صورته النقيّة التي نزل بها].

ولنا هنا ملاحظات:

الملاحظة الأولى: يظهر وكأنّ الصورة النقيّة في نظر هذا الكاتب هي اتبّاع الأهواء، وإبعاد أهل البيت  (عليهم السلام)، والإعراض عما جاء في حقهم في القرآن والسّنة!

ثم إن مفروض كلام الكاتب المذكور أنه حين الأمر بالتصديق في الآية الشريفة، كان هناك عقائد أصيلة وأخرى دخيلة، فما هو الميزان بين الدخيل والأصيل؟!

وهل كانت الإمامة -التي يقول السنة والشيعة بوجوبها واستمرارها- من العقائد اليهودية الدخيلة!؟ أم أن سيد الموحدين عليًا  (عليه السلام) وحدَه هو الدخيل واليهودي-حاشاه-؟! أم أنّ المسلمين كلَّهم يهود؟! أم الكاتب؟ أم القائلون بالجبر والقدر الذي يقول به اليهود -ومنهم كعب الأحبار الذي يستقي منه البخاري العديد من أحاديثه!؟

إلى غير ذلك من التساؤلات الكثيرة التي ينبغي الإجابة عليها من صاحب الفكرة.

الملاحظة الثانية: أن بداية التصنيف والاحتجاج لا تُعيّن بداية المذهب، وقد تبلورت عقائد الشيعة واتّخذت الصورة الواضحة في الأصول والتشريع في عصر الإمام الصادق  (عليه السلام) لأجل ما امتاز به ذلك العصر وعلماؤه من علم ودراية تامّة بالكلام، بل مما امتاز به العصر بأكمله، عصر سقوط الدولة الأموية الطاغية -التي استعبدت الناس وكادت أن تمسخ الدين لولا الإمام الحسين  (عليه السلام)-، واعتلاء الدولة العباسية، فلا يصح الخلْط بين هذه المنهجية وبين بداية العقيدة في خطوطها الرئيسية.

وعلى أي حال فالشيعة لا يقولون بشيء مما نسب إلى عبد الله بن سبأ أو غيره، سواء أكان له وجود أم لم يكن، بل يقولون بالنص على أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) من الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة.

الملاحظة الثالثة: أن الرجعة التي نقلوها عن اليهود لا نعرفها من اليهود قبل ردّهم علينا بها، ولكنّها على أي حال تختلف عن الرَّجْعة التي يقول بها الشيعة، والتي تتمثّل بظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في آخر الزمان بعد غيبته الكبرى، كَقَدْر مُتَيَقَّن من رجوع الأئمة  (عليهم السلام)، أي رجوع مبادئهم على أقل التقادير.

التشيُّع ليس حركة فارسية

ذُكر لبداية التشيُّع احتمالات أخرى، لا نرى لذكرها داعيًا لأنّها اقتراحات مَحْضة. وأهمُّها أنّ بداية التشيع هو الحركة الفارسية لأنّ [الفرس لما امتُحِنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، تعاظَمهم الأمر، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، فرأوا أن كيْده على الحيلة أنْجَحُ، فأظهر قوْمٌ منهم الإسلامَ، واستمالوا أهل التشيُّع بإظهار محبة أهل البيت  (عليهم السلام) واستبشاع ظلْم علي  (عليه السلام)، ثم سلكوا بهم مسالك شتّى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى]([40]).

وهذا غير صحيح، لأنّ بلاد فارس كانت منذ الفتح على المذهب السني وظلّتْ كذلك حتّى انتشر فيها التشيُّع فيما بعد([41]). مع أن هذه الدعوى تدل على سبق وجود التشيع الذي ادُّعِيَ أن الفرس قد استمالوه.

وهذه هي النظرة التي أشرنا إليها سابقًا والتي تمثّلَتْ بطَعْن المتأخرين في سلمان المحمدي الذي قال عنه الرسول  (صلى الله عليه وآله): "سلمانُ منّا أهلَ البيت"([42])، وهي تتنافى مع مبادئ الإسلام من نَبْذ العنصرية والعرقية وعدم كَوْن الإسلام وَقْفًا على أُمّة دون أخرى، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}([43]).

والحاصل: أنّ بعض الحوادث دَعَتْ بعض الكتّاب إلى اعتبارها مبدأ لمذهب التشيُّع، فبعضهم نظر إلى عقيدة الولاء لعلي  (عليه السلام) فأرّخ المذهب بعد السقيفة، وبعضهم نظر إلى عقيدة النَّصّ فأرّخ بفترة اشتهار النص بنَظَرِه، وبعضهم نظر إلى الأسلوب المنهجي فأرّخ به.. وهكذا.

البداية الحقيقية للتشيع

وأما الشيعة فينظرون إلى التشيع من ناحية النص والتعيين، ولذا فإنّ بدايته الحقيقية كانت من زمن الرسول الأعظم  (صلى الله عليه وآله)، وظهَرَتْ هذه العقيدة كمذهب يَحْتَجُّ له أصحابُه يوم السقيفة وبعدها، ويدلُّ على ذلك أمور دَلَّتْ على بداية المذهب وعقيدة النص، وقد تضمّن بعضُها إطلاقَ كلمة التشيع على علي  (عليه السلام) وأتْباعه بهذا المعنى، ونشير هنا إلى بعضها:

منها: ما ورد في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}([44]):

ففي تفسير ابن جرير الطبري بسنده عن أبي الجارود عن محمد بن علي، {أولئك خير البرية}: فقال النبي (ص): "أنت يا علي وشيعتك"([45]).

بالإضافة إلى ما في تاريخ ابن عساكر: عن علي  قال: قال لي رسول الله (ص): أنت وشيعتك في الجنة([46]).

وما ورد في النهاية لابن الأثير -عن النبي (ص) أنه قال لعلي-: ستقدم أنت وشيعتك راضين مرضيين..([47]).

ونحن لا نفهم من هذه النصوص وغيرها الطعْنَ بغيرهم، لأنّ التفضيل لا يعني ذلك.

وقال السيوطي في الدر المنثور في ذيل الآية، قال: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: [كنّا عند النبي (ص) فأقبل عليٌ فقال النبي (ص): والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة]([48]).

وقال أيضًا: أخرج ابن عدي عن ابن عباس أنه لما نزلَتْ الآية قال  (صلى الله عليه وآله): [هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين].

وقال أيضًا: أخرج ابن مردويه عن علي  (عليه السلام).. وذكر نحوه.

وقال ابن حجر عند ذكر الآية:

[أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس: وذكر مثله وأنه (ص) قال لعلي (ع): [تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضابًا مقمحين، قال: ومن عدوي؟ قال (ص): من تبرّأ منك ولَعَنَكَ]([49]).

ونحوه: ما روي في كنوز الحقائق([50]).

ومنها ما روي عنه  (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ما تريدون من علي؟ إنّ عليًا مني وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي([51]).

وقد ورَدَتْ الولاية في روايات أخرى، مثل ما روي عنه  (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لوهب بن حمزة لمّا أراد الوقيعة بعلي  (عليه السلام) في صُحْبته من المدينة إلى مكة: [لا تقل هذا، فهو أوْلى الناس بعدي]([52]).

وروى الخطيب البغدادي([53]) مثل ذلك بِسَنَدٍ واصِلٍ إلى عليٍّ  (عليه السلام) نَفْسِه.

ومنها حديث الدار والثقلين والمنزلة والغدير وغيرها، والتي أوْجَبَتْ أنْ تكونَ المشايعة لعلي  (عليه السلام) لدى كثير من الصحابة المميزين في زمن الرسول العظيم  (صلى الله عليه وآله) وبعده مباشرة، بحيث جعلوه إمامًا لهم، وإذا لم يصبح كلّ أصحاب الرسول الكريم  (صلى الله عليه وآله) كذلك فهذا لأنه كان قد ظهر في المرحلة الأولى من حياة الأُمّة الإسلامية في عصر النبي  (صلى الله عليه وآله) اتجاهان رئيسيان مختلفان، أوْجبا انقسامًا عقائديًا بعد وفاة الرسول الأكرم  (صلى الله عليه وآله):

الاتجاه الأول: الذي يؤمن بالتعبد بالدين والتسليم المطلق لحكمه في كل جوانب الحياة حتى السياسية منها.

الاتجاه الثاني: الذي يؤمن بالدين في نطاق خاص، ويرى إمكانية التصرُّف على أساس الدين في سائر شؤون الحياة الأخرى التي منها شؤون السياسة والحكم، وفقًا للمصالح التي يدركها، وكان يمثل هذا الاتجاه أشخاصٌ من كبار الصحابة مثل الخليفة عمر بن الخطاب، الذي ناقش الرسول  (صلى الله عليه وآله) في حياته في مواضع عديدة إيمانًا منه بجواز ذلك ما دام يرى أنه لم يخطئ المصلحة بنظره، ولذا جاهر الرسول  (صلى الله عليه وآله) في هذه الموارد، كمَوْقفه في صلح الحديبية ومتعة الحج وغيرهما من الموارد، وقد انعكس كِلا الاتجاهين بصورة عملية، وظهرت آثارهما في موارد في حياة الرسول  (صلى الله عليه وآله) وبعد رحيله مباشرة، منها:

أنه جهز في مرضه الذي مات فيه جيش أسامة ولعن من تخلف عنه، واختلفوا فيما بينهم في تنفيذه، بين امتثال أمره أو تأخيره لأن قلوبهم لا تسع مفارقة رسول الله  (صلى الله عليه وآله) والحال هذه ليروا ماذا سيحدث، والغرض من هذا الاختلاف هو إقامة مراسم الشرع([54]).

وتفصيل القصة([55]) أنه لما مرض رسول الله  (صلى الله عليه وآله) دعا أسامة بن زيد إلى مؤتة حيث قتل أبوه زيد بن حارث فيها، وقال له: قد ولَّيتك على هذا الجيش، فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش، منهم أبو بكر وعمر، فتكلم القوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على جلّة المهاجرين والأنصار، فغضب رسول الله  (صلى الله عليه وآله) وخرج عاصبًا رأسه فصعد المنبر وعليه قطيفة فقال: ما مقالة بلغتني عنكم بطعنكم في تأميري أسامة؟ لئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبل، وأيمُ الله، إنه كان لَخليقًا بالإمارة، وابنه من بعده لخليق بها، وإنهما لَمِن أحب الناس إليّ.

وجاء المسلمون يودّعون رسول الله  (صلى الله عليه وآله) وينضمّون إلى عسكر أسامة، وبقي التثاقل والتردد حتى مات الرسول  (صلى الله عليه وآله) فرجع أسامة ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله  (صلى الله عليه وآله) وقد مات، وركّز اللواء عند باب الرسول  (صلى الله عليه وآله) وهو مغلق، وعلي وبعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغسله  (صلى الله عليه وآله)، فقال العباس لعلي  (عليه السلام) وهما في الدار: امدد يدك أبايعك، فتقول الناس: عمُّ رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان، فقال له: أَوَيَطمعُ فيها يا عمّ طامع غيري؟ قال: ستعلم.

فلم يلبثا أن جاءتهما الأخبار بما جرى في السقيفة.

وذكر ابن هشام في بعث جيش أسامة أنه  (صلى الله عليه وآله) خرج عاصبًا رأسه ثم قال: أيها الناس إني أوشك أن أُدعى فأُجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما([56]).

وهذه الحادثة كافية للتدليل على الاتجاهين المذكورين.

وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج تعليقًا على الحادثة([57])، بأن الشيعة تزعم أن الرسول  (صلى الله عليه وآله) كان يعلم موته، وأنه سيّر عمر وأبا بكر في بَعْث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما، فيصفو الأمر لعلي  (عليه السلام) ويبايعه من تخلّف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة فلا تكون منهما منازعة وخلاف، لأن العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيعة وتحتاج في نقضها إلى حروب شديدة.

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو أنّه: إذا كان يعلم أو يظن بدنوِّ أجله فلماذا أصرّ على تسريح الجيش إلى ما وراء حدود الحجاز مع وجود المنافقين في المدينة؟ ولماذا ضمّ إليه أبا بكر وعمر وحرص على اشتراكهما، مع أن التاريخ لا يشهد لهما بالبطولة في حرب؟ ولماذا كان أمير الجيش هو أسامة؟

والجواب عن هذا السؤال:

أما بالنسبة لوجود المنافقين، فلاطمئنانه ببقية الصحابة وبني هاشم.

وأما تأمير أسامة فلأنه كما قال  (صلى الله عليه وآله): "هو حَريٌّ بها"، بالإضافة إلى رفع شأن الموالي تمشيًا مع مبادئ الإسلام، وردًّا على البقية الباقية مما كان عالقًا بأذهان المسلمين.

وأما بالنسبة لإرسال الجيش فلعله للسبب الذي ذكره ابن أبي الحديد وغيره.

الحادثة الثانية: في حياته، ما ذكره المؤرخون وأصحاب الفرق من أنه عندما مرض رسول الله  (صلى الله عليه وآله) واشتدّ به المرض الذي مات فيه، قال: [ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابًا لا تضلّوا بعدي]، فقال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، حَسْبُنا كتاب الله.

وكثر اللغط فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبي كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر.

فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال لهم النبي  (صلى الله عليه وآله): قوموا عنّي، لا ينبغي عندي التنازع.

قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله  (صلى الله عليه وآله)([58]).

وفي رواية الطبري: "إن النبي ليهجر"([59]).

ومثله ما رواه المفيد، وذكر أنه قال: [ائتوني بدواة وكتف، ثم أغمي عليه فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفًا، فقال له عمر: ارجع فإنه يهجر، فرجع، وأضاف: ندموا وتلاوموا وقالوا: لقد أشفقنا من خلاف رسول الله  (صلى الله عليه وآله) فلما أفاق قال بعضهم: ألا نأتيك بدواة وكتف؟ فقال: أبَعْد الذي قلتم لا! ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرًا، وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا]([60]).

وهذا أيضًا يدل على الاتجاه المذكور في زمانه  (صلى الله عليه وآله)، ولم يعلق عليه أحد فيما نعلم إلا ابن أبي الحديد حيث قال: [وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد، ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرًا ما لم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله. ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفظ منها. وكان الأحسن أن يقول: "مغمور" أو "مغلوب بالمرض"، وحاشاه أن يعنى بها غير ذلك!]([61]).

واستشهد بكلام له مع خالد بن الوليد بعد مقتل مالك بن نويرة، وبكلامه مع الرسول  (صلى الله عليه وآله) في صلح الحديبية، وبتحريمه للمتعتين اللتين كانتا على عهد رسول الله  (صلى الله عليه وآله).

فالمبرر لهذا الكلام -بنظرهم- إذًا هو عمق الاتجاه الآخر، لأنه لم يكن المانع من استجابة طلبه  (صلى الله عليه وآله) إلا أنهم كانوا يعرفون ماذا يريد أن يكتب، بعد أن تكرر منه هذا الكلام مقرونًا بالكتاب والعترة الطاهرة  (عليهم السلام)، خصوصًا بعد أن كملت الشريعة، ولم يقصد بصيانتهم عن الضلال إلا في السلوك ومخالفة النص الذي يدعيه الشيعة وتأويله.

ومما يدل على وجود التشيع في عهد الرسول  (صلى الله عليه وآله) حادثة السقيفة، كما ذكرها المؤرخون وكتّاب الفِرَق([62]).

ونشير هنا إلى ما قاله الأشعري مما يدل على وجود التشيع في عهد الرسول  (صلى الله عليه وآله)، قال: [وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم اختلافهم في الإمامة وكان الاختلاف بعد الرسول (ص) في الإمامة، ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر وعمر، إلى أن وُلّيَ عثمان] ثم ساق خبر السقيفة.

فإن هذا لا يدل على استحداث مذهب التشيع في زمن الإمام الصادق  (عليه السلام) أو على بقية الاحتمالات الآنفة، لأنه لولا وجود هذه العقيدة في زمن الرسول  (صلى الله عليه وآله) من النص لما حدث هذا الذي حدث، عند أصحاب الاتجاه الثاني ومن يقابلهم، ولما تخلف علي  (عليه السلام) عن البيعة وناقشهم واحتج عليهم.

وإذا لم تكن هذه الجماعة من الشيعة منظَّمة كما هي عليه في العصور المتأخرة فذلك لا يعني نشوء المذهب بعد ذلك العصر، لأن كل المذاهب بهذا الاعتبار قد نشأت في العصور المتأخرة، بعضها في قِبال الآخر، وكَرَدٍّ عليه، وكان أسبق هذه المذاهب من حيث العقيدة بالمضمون هو المذهب الشيعي، لأن الكل مجمعون على أن الخلاف في الإمامة كمنهج سياسي منظم، نشأ بعد مقتل عثمان أو بعد واقعة التحكيم أو غيرهما من الأسباب، ولم يحدث مذهب المعتزلة أو الأشاعرة أو مذهب المحدثين "السّنة"، إلا بعد تلك العصور، فأين كان الاعتزال والأشعرية وأين كان الرأي والقياس والاستحسان؟

لقد حدثت كل هذه المذاهب بعدما اتضح لهم مذهب الإمامية، ووقع هذا الخلاف بين المسلمين فاعتنق كل فريق الاتجاه الذي اقتنع به، أو فُرض عليه حتى صار مذهبًا للأجيال المتأخرة، وكل هذه المذاهب ما عدا مذهب الشيعة مبنية على التسليم بحوادث تاريخية عن وجه صحيح، ليكون قاعدة للمذهب على النحو الذي صدرت عليه تلك الحادثة، كل ذلك مع أنهم لا يؤمنون بالعصمة.

أما مذهب التشيع فهو منذ اليوم الأول مبدأ وعقيدة، يتمثل في تفضيل علي  (عليه السلام) وأحقيته بالخلافة، للنص عليه بنظر الشيعة، ولكنه مرّ بأدوار يعتبر كل منها نقطة تحول في تطور المذهب وتوسعه حسب تطور المسائل التي كانت تطرح على الساحة الإسلامية، وكان أحد هذه الأدوار بعد الرسول  (صلى الله عليه وآله) حادثة السقيفة، وهي حادثة تاريخية يعتبرها الشيعة خروجًا على النص، وعلى كل القواعد الثابتة التي آمن بها المسلمون، لأنهم يرون أن الله ورسوله  (صلى الله عليه وآله) قد قضوا في هذا الأمر، وإذا قضى الله ورسوله أمرًا فما كان لهم الخِيَرة، بينما يرى الآخرون أن لهم الحق في الاستفادة من هذا الدين من الناحية الدنيوية، فلو فسحوا المجال لعلي  (عليه السلام) لما خرجت منه، كما صرحوا بذلك في ما نعرفه، ولمَا عادت إليهم، كما يرون بأن لهم الحق في أن يتصرفوا كواحد من الاتجاهين اللذَيْن عرفتهما، ولقد وقعوا في كثير من التناقضات، ولم يكونوا ملزمين بالإجابة عنها، لأنها كانت ضمن اتجاههم المذكور، والعصمة غير لازمة بنظرهم، ولكن المتأخرين بعدهم أخذوا يبرمجون الوقائع وينهجون على أساس القواعد الدينية فلم يتم منها شيء، لأنها مليئة بالتناقضات.

فإذا لم تكن الخلافة نصًّا من الله سبحانه وتعالى أو رسوله  (صلى الله عليه وآله)، فلماذا نصَّ الأول على الثاني والسابق على اللاحق؟ وإذا ثبت حق الوصية بها عند الموت، فلماذا لم يكن لرسول الله  (صلى الله عليه وآله) هذا الحق!؟

ولماذا كان رسول الله  (صلى الله عليه وآله) يهجر دون أبي بكر وعمر وسائر الخلافات التي جاءت فيما بعد!؟ ولماذا تُقبَل وصاياهم ولا تُقبَل وصايا الرسول  (صلى الله عليه وآله)؟! وما هو الصحيح في نظام الخلافة: هل هو النص أم الشورى أم الإجماع، أم الاستعجال في الأمر والارتجال فيه قبل دفن الرسول  (صلى الله عليه وآله)؟! أم القوة؟ أم الفَلْتة [التي وقى الله المسلمين شرها، حسب تعبير الحاكم الثاني عمر]؟

من أجل ذلك كله حاول المتأخرون تصحيح التصرفات المذكورة فلم يفلحوا لأنها تصطدم بنصوص القرآن وبالقواعد الثابتة عند المسلمين، فاتخذوا مسارًا آخر في توجيه تلك التصرفات، وهو سلخ الصفة الدينية والشرعية عن الخلافة الإسلامية، وإعطاؤها صفة الشأن الدنيوي الذي يتصرف فيه كل إنسان مسلم بحسب حاجته ومصالحه الإسلامية، ثم يغورون في الماضي ليفسروا تصرفات الرسول  (صلى الله عليه وآله) على هذا الأساس، كمحاولة أخرى لإعطاء صفة الشرعية مع الوقوع في التناقض مرة أخرى، فإما شرعية أو دنيوية في ظل الشريعة أو دنيوية محضة.

قال بعضهم: [بدأت الجماعة المسلمة تكوين الدولة العربية الإسلامية منذ أن تمّت بيعة العقبة بين الرسول (ص) وبين ممثلي الأوس والخزرج، ولكن نظام الخلافة الذي قام عقب وفاة الرسول (ص) قد اختلف جوهريًا عن نظام حكم هذه الدولة على عهد الرسول (ص)، فلقد كانت للرسول سلطات الدولة إلى جانب سلطان الدين، ثم اختتمت بوفاته حصة الوحي الذي يصل السماء بالأرض، وترك الناس وعقولهم يديرون بها شؤونهم، وخاصة شؤون الدنيا في ضوء الوصايا والإرشادات والقواعد الكلية للدين، فلم تكن ملكية وراثية ولم تكن قائمة على نظرية الحق الإلهي، بل لقد أخرج قادتها بوعي (الوعي في كيفية مخالفة رسول الله مع عدم إعلان الحرب عليه) الخلافة من بيت النبوة في البداية (هذه الكلمة جاءت لتبرير مواقفهم فيما بعد من خلافة علي) حتى لا تجتمع النبوة والخلافة لا في شخص واحد، بل ولا في بيت واحد فتتأبد فيه بفعل عوامل الدين وقداسته]([63]).

ولكننا نسأل: هل كان ذلك منهم لأنه شأن من شؤون دنياهم فلذلك خافوا أن تتأبد في علي  (عليه السلام) وبنيه؟ أو أنه أمر ديني غفل عنه رسول الله  (صلى الله عليه وآله) ولم يغفلوا هم عنه؟ أو أنه لم يغفل عنه ولكن لا تجب إطاعته؟ فلماذا تجب إطاعة غيره إذًا في عدم جمع النبوة والرسالة في بيت واحد؟ بينما يرى الشيعة أن الخلافة هي حق إلهي ووصية من الله -تعالى- على لسان رسوله  (صلى الله عليه وآله)، وقد حصل ذلك فعلاً في نصوص الكتاب، والسُّنّة اعتقدوا بذلك، وسار عليه جملة من المسلمين في زمن الرسول  (صلى الله عليه وآله) وبعد موته مباشرة، وقد دلَّت على ذلك الوقائع التاريخية وكثير من النصوص. فلماذا التمحّل؟ وما هي الفائدة من هذا الخبط حتى في بداية المذهب؟

وإنني لا أرى لذلك سببًا وجيهًا إلا محاولة إبعاده عن صفة الشرعية أصالةً، أسوة بالمذاهب السنية الأخرى "المعتزلة والأشاعرة والمحدثين"، ولكن في ضوء الوصايا والإرشادات والقواعد الكلية للدين، كما عرفت من الكلام الآنف، على أحسن التقادير لتصحيح الشيء الواقع، فلذلك صاغوا النزاع على هذا النحو فقالوا:

[إن المسلمين انقسموا إلى معسكرين، يقول أحدهما بأن السبيل لأداء واجب الإمامة هو أن يختار جماعة من المسلمين إمامهم ويبايعونه، لأنهم يثقون بمجموع الأمة، ولذلك حمّلوها الأمانة لعصمة جماعة المؤمنين من أن تجتمع على ضلالة، والإمامة شأن من شؤون البشر، يقررون فيها ما يتفق ومصلحتهم في هذه الدنيا، التي على صلاحها يترتب صلاح الدين، بينما يرى أهل المعسكر الآخر أهل النص أن السبيل هو التعيين من الله تعالى لشخص الإمام، فهو حق إلهي وبذلك يكون الشيعة قد جرَّدوا مجموع الأمة من الثقة التي تؤهلها لحمل أمانة اختيار الإمام]([64]).

ولسنا الآن بصدد الاستدلال على أحد الرأيين، ولكن لبيان تعليل هذا الانقسام وهذا الخلاف أشرنا إلى ذلك، ليظهر بوضوح أن المحاولة ترمي إلى التركيز على استحداث مذهب التشيع، بينما تدل مجموع الكلمات والاستدلالات التي يذكرونها، كما سيأتي وأشرنا إليها، على أن هذا النزاع كان منذ اليوم الأول في زمن الرسول  (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته، ولا أدري كيف يحاولون الاستدلال بالإجماع ويرمون الشيعة برد الإجماع!؟ مع أن الأمة مع هذا الخلاف لم تجتمع على شيء لحد الآن، لا في اليوم الأول لأن خلاف السقيفة قد شمل جميع المسلمين، ولا فيما بعده لأن الخلافة كانت بعد ذلك بالنص الذي يشنعون به على الشيعة.

وإن أردنا أن نتعامل مع هؤلاء على أساس حسن الظن الذي أمرت به الشريعة الإسلامية، فالذي دعاهم إلى ذلك هو قلة العدد الذي كان يمثل مذهب الشيعة عمليًا في الصدر الأول، نسبةً إلى بقية المسلمين الذين تناحروا يوم السقيفة وبعده في ما جرى من الحروب على هذا المنصب، فلقد كان هؤلاء المسلمون بسلوكهم يرفضون فكرة النص، فكان يدّعيها كل لنفسه، أو لصنفه، فاعتبر الكتَّاب هؤلاء كلهم على اختلاف مذاهبهم اتجاهًا واحدًا في قبال فكرة النص.

وإذا نظرنا إلى الحكومة الدنيوية التي يدّعون أنها من الحق الطبيعي للمسلمين، على أنها هي السبب في اعتبار هذا الاتجاه أكثرية، نقول: بأن هذا النوع من الانقسام خصوصًا لا يصح جعله الأساس في تمييز مذهب عن آخر، في خصوص الانقسامات العقائدية المتكافئة في الأصالة، والمختلفة في تحديد معالم الرسالة، خصوصًا إذا ابتدأنا من نقطة الصفر ولم نفترض شيئًا مسلَّمًا ومفروغًا عنه على أساس أنه وقع فلا بد من تصحيحه، وبالأخص إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلاً كان يجرّ النار إلى قرصه، فلا يصح جعله واحدًا من اتجاهٍ مقابلٍ للاتجاه الآخر، بل إن الاتجاهات على هذا كانت متعددة، فلا أقلية ولا أكثرية.

وبعد إجماع المسلمين على وجوب نصب الإمام، ونضوج هذه الفكرة في تصورهم في حياة الرسول  (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته مباشرة، فليس من الممكن عزل الرسول  (صلى الله عليه وآله) عن التفكير بهذا الواجب كلية -كما أشرنا إلى ذلك-، بل كان أهم القواعد التي يجب أن يفكر بها  (صلى الله عليه وآله) لصيانة الدعوة كدعوة خالدة من الناحية التشريعية، لأنه لم يكن يخفى عليه سواء عن طريق الوحي أو عن طريق التفكير المنطقي كصاحب رسالة وقائد، أنّ هذا الترك سوف يؤثر على مستقبل الدعوة، مع علمه بالأخطار التي سوف تواجهها من الداخل بسبب الصدمة بوفاته ومواجهة الأمة مسؤولية كبرى بدون مفهوم مسبق عن هذه المسؤولية، مما يجعلهم يتصرفون تصرفًا سريعًا يبعث على الاضطراب كما ظهر في السقيفة، ولم يكن هناك ما يقنع الرسول  (صلى الله عليه وآله) بترك هذا الأمر، بل كان يعلم بالتناقضات الموجودة في خبايا النفوس على أساس الانقسامات إلى مهاجرين وأنصار، وقرشيين وغيرهم، موالي وأحرار، مما برز قبل موته وعند مرضه كما حصل في جيش أسامة، وفي النزاع على موضع دفنه، وفي حوار السقيفة بالذات الذي مثّل كل هذه التناقضات، بالإضافة إلى المخاطر الخارجية من الأمم المحيطة بهم ومن المنافقين الذي كانوا يكيدون له  (صلى الله عليه وآله) ولرسالته في حياته.

فكيف يمكن، والحال هذه، أن يقتنع الرسول  (صلى الله عليه وآله) كصاحب رسالة -بِغَضّ النظر عن الرعاية الإلهية للرسالة من الناحية التشريعية لا من الناحية الدنيوية كما يقولون- بموضوعية التفرق الذي يحدث بعده، وبسلامته؟ ولماذا نقبل افتراض أن الصحابة أعرف منه وأحرص حتى بادروا إلى ذلك فور وفاته!؟

لذلك كان اللازم أن يحسب  (صلى الله عليه وآله) لذلك حسابه، وقد حسبه ولكن على ضوء المجتمع الإسلامي الذي لا تزال تعيش في زوايا نفسه ظلال من المجتمع الجاهلي، لا تؤثر على واقعه وجوهره كمسلم، ولكنها تؤثر على هذا المجتمع كقائد وحافظ لهذا الإسلام، فمعنى الترك من قِبَله هو جعل قيادة الأمة بيد هذا المجتمع، وهو خلاف المفروض الذي هو أن يحسب لهذا الأمر حسابه ويمهد له في هذا النوع من المجتمع، فكان مكلفًا بصقل هذه النفوس، وعملية الصقل هذه تتنافى مع المفاجأة بتنصيب شخص يخلفه مباشرة وبدون مقدمات، لأنها من صميم مشاكلها النفسية، فلذلك لم يبادر إليها إلا بمقدار ما يغرس البذرة لتكون متدرجة وبعيدة عن المفاجأة، لذلك غرسها على مراحل.

لا نقول ذلك كنظرية وافتراض، بل نفهمه صراحة من مجموعة الأحاديث في مختلف المناسبات، بالعبارات المختلفة التي أوصلتهم تلقائيًا إلى النتيجة التي كان يقصدها، وقد ظهر جليًا في موقفهم من بعْث أسامة، ومن طلبه الكتف والدواة حتى لا يضلوا، ومن حديث الغدير وغيره من الأحاديث التي سبقت ذلك بنفس العبارات، فقد كانوا من مجموعة هذه الأحاديث يتوقعون صدور مثل هذا الأمر منه، بشكل من الأشكال، وقد صدر في حجة الوداع، ولذلك فعلوا ما فعلوه في جيش أسامة، وفي مرضه  (صلى الله عليه وآله) وعند موته.

ويدل على فهمهم لهذا الأمر أنّ أبا بكر نفسه لم يشأ أن يترك الأمر بدون التدخل، لذلك كان يستقيلها في حياته ويعتذر عن تسرّعه بقبولها بأنه شعر بخطورة الموقف، فيقول بأن [رسول الله  (صلى الله عليه وآله) قُبِض والناس حديثو عهد بالجاهلية، فخشيت أن يفتتنوا، وأن أصحابي حمَّلونيها]([65])، ثم أوصى بعده إلى عمر لعدم ثقته بالأمة، بموجب الكلام الآنف.

 وكذلك عمر، وقد بلغت الأمة درجة من التركيز السياسي والاجتماعي، نراه يوصي إلى ستة، بعدما شعر بخطورة التسرع يوم السقيفة في قوله المعروف: [كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها! فمَنْ عاد إلى مثلها فاقتلوه!]([66]).

فإذا كان الشيخان كذلك، فالرسول  (صلى الله عليه وآله) أولى منهما بمعرفة هذه المخاطر، ولذلك يقول الشيعة ويسندون قولهم بأقوال الرسول  (صلى الله عليه وآله)، بأنه اتخذ من موضوع الخلافة موقفًا إيجابيًا من خلال ما تواتر عنه من الأحاديث والوقائع.

ومما يدل على إعداده وتهيئة النفوس لهذا الإعداد: النصوصُ التي لا تقلّ عن هذه المقدمات وعن هذا الإعداد، والتي صرّح فيها بإسناد إمامة الأمة إلى علي بن أبي طالب  (عليه السلام)، كما لا تقل الآيات المفسرة به عن ذلك، بِغَضِّ النظر عن كون بعضها غير دالٍّ على الخلافة، بل على الفضل، وإنْ كان البعض الآخر صريحًا بنظر الشيعة في خلافته.

ولكن وقع الكلام بين المسلمين في تفسيرها وتأويلها، مع أنه لم تكن حاجة لهذا التأويل لولا سياسة الأمر الواقع الذي لا بد من تصحيحه وتخريجه، حَمْلاً لتصرفات المسلمين على الصحة -بنظرهم-.

وأما سبب رفض الصحابة لهذه الوصايا وإهمالها فلما ذكرناه من وجود الاتجاه الآخر الذي يؤمن بالحق الطبيعي، والذي ظهر في حياة الرسول  (صلى الله عليه وآله) نفسه، بالرغم مما كان عليه الصحابة من النبل والطهارة والإخلاص للدعوة، وبقطع النظر عن الحب للحكم، فإن هذا ينسجم مع ميل الإنسان بطبيعته إلى التصرف وفقًا لما يدركه من المصالح، على أننا غير ملزمين بالدفاع ونحن في مقام الاستدلال، ولكن هذا في شؤون الدنيا، وأما في التشريع وفي تطبيق نصوص الشريعة فلا يمكن أن يعطي الإسلام هذا الحق للأمة، بل هو من خصوصيات النبي  (صلى الله عليه وآله) أو مَنْ علّمه، وإلا لم تكن هناك أمة ولم تكن للرسول أمة، ولذلك برز اتجاه الحق الطبيعي في السقيفة، كما برز اتجاه النص بإنكار ما وقع في السقيفة، فكان هذا أول مصداق لظهور التشيع الذي غُرِست بذرته في زمن الرسول كما يقول الشيعة، ظهر بموقف أمير المؤمنين علي  (عليه السلام) وبني هاشم وجملة من المسلمين أمثال خالد بن سعيد بن العاص، وسلمان المحمدي وأبي ذر والمقداد وعمار وبريد الأسلمي وغيرهم من الأنصار، كأبي الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان بن حنيف وخزيمة بن ثابت (ذي الشهادتين) وأبي أيوب الأنصاري، فإنهم لما فاتهم ما طلبوا قالوا أو قال بعضهم: [لا نبايع إلا عليًا]([67]).

الخلاصة

هذه هي بداية التشيع وهكذا بدأ، فإذًا لم يكن مجرد اتجاه روحي كما يصوّره بعضهم، أو كما يظهر من التفسير في الحق الإلهي والنص الشرعي، فإن ذلك في قبال الحق الطبيعي والشأن الدنيوي الذي وصفوا به الخلافة، بل كان التشيع أكمل مصداق من مصاديق الدعوة الإسلامية باعتبار مواصلة علي  (عليه السلام) للقيادة الفكرية والسياسية والتشريعية، حتى قال عمر قولته المشهورة [لولا علي لهلك عمر]([68])، و[لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن]([69])، فكان الحاكمُ أبا بكر وعمر وعثمان، وكان المشرعُ وصيَّ الرسول عليًا  (عليه السلام)، لأنهم لم يردوا له حكمًا، ابتدأ به أو صححه، من الأحكام التي كانت تصدر عنهم ويعترض عليها، إلا بعض الاجتهادات في بعض الأحكام .

ومن أجل ذلك كان له ولاء واسع بين المسلمين باعتباره الجدير بمواصلة دور الرسول  (صلى الله عليه وآله) أو تناوله لهذا الدور من الخلفاء الذين سبقوه زمانًا، فكان التشيع منذ ولادته واستمر مصداقًا كاملاً للرسالة الإسلامية، لا مجرد اتجاه روحي.

 ولكن بعد أن مُنيَ الشيعة بالواقع والحكم المفروض بمقتل الإمام الحسين سيد الشهداء  (عليه السلام) وما جرى بعده من الأحداث، بدا وكأن الأئمة  (عليهم السلام) اعتزلوا السياسة الدينية، وتنازلوا عن القيادة، وليس الأمر كذلك، لأن القيادة بمعنى -العمل المسلح- مفهوم ضيق للقيادة، وأما بمعناه الواسع الشامل الكامل فهي لا تعني ذلك، بل تعني [عملية التغيير الإسلامي] وتأسيس القاعدة الصالحة لممارسة جميع الصلاحيات الدينية بتحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها الشرعية ضد التنازل للحكام الدنيويين المنحرفين، كما فعل الإمام الحسين  (عليه السلام) الذي هزّ مشاعر العالم الإسلامي، ولذلك حاول الثائرون العلويّون تحريك مثل هذه المشاعر للمحافظة على الضمير الإسلامي حيًا في ظل حكم بني أمية، في نفس الوقت الذي مارس فيه الأئمة  (عليهم السلام) عملية التغيير النفسية.

ولو كان الأئمة  (عليهم السلام) بغاة سلطة فلماذا لم يقبلوا عروض القيِّمين على الدولة عند انهيار الدولة الأموية، حتى يجيب الإمام الصادق  (عليه السلام): [إنَّ أبا مسلم ليس مِن رجالي ولا الزمان زماني]([70])

وبسبب هذه الحركات تعددت الفرق المنسوبة إلى الشيعة، باختلاف الطروحات التي كان يطرحها صاحب كل حركة، ولقد أنهى كتّابُ الفِرَق فرق الشيعة إلى ذكر عشرين فرقة أو أكثر([71]).

وعلى ذلك فَفِرَق الشيعة الرئيسية -بنظر كتّاب الفِرَق- أربعة: الكيسانية، والزيدية، والإسماعيلية، والإمامية.

وأما الغلاة فهم خارجون عن الإسلام أصلاً بإجماع المسلمين، فلا يمكن عدّهم من الشيعة، وليس كل من أحب عليًا  (عليه السلام) مهما كانت عقيدته يعتبر شيعيًا، لأن أهل السنة عمومًا يحبون عليًا  (عليه السلام) أو يجب أن يحبوه مع أنهم ليسوا من الشيعة.


 

(*) نشر هذا المقال في (العدد السادس والعشرين - 2014م / 1436هـ) من هذه المجلة.

(**) هذه المقالة مأخوذة من كتاب (العقل في أصول الدين) لسماحة الحجة آية الله الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)، الطبعة الأولى، الدار العالمية، بيروت 1412هـ - 1992م، مع بعض التصرف بما يقتضيه نشرها كمقالة.

([1]) صحاح الجوهري: ج3 ص156؛ وتاج العروس، ولسان الميزان، مادة شيع.

([2]) القصص: من الآية 15.

([3]) الصافات: 83.

([4]) مقالات إسلامية: ص65.

([5]) الملل والنحل: ج1 ص234 و235.

([6]) الفصل في الملل والنحل: ج2 ص113.

([7]) أوائل المقالات: ص35.

([8]) الأشعري: مقالات إسلامية ص39؛ البغدادي: الفَرْقُ بين الفِرَق ص15؛ ابن هشام: السيرة النبوية ج4 ص306 وما بعدها؛ الشهرستاني: الملل والنحل ج1 ص22؛ تاريخ ابن خلدون ج1 ص162.

([9]) د. مصطفى كامل الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع: ص23.

([10]) الصلة بين التصوف والتشيع: ص23.

([11]) يحيى هاشم فرغل، عوامل وأهداف نشأة علم الكلام: ج1 ص105.

([12]) الملل والنحل ج1 ص290.

([13]) الفَرْقُ بين الفِرَق ص235، وتعرض لابن سبأ في أكثر من موضع.

([14]) د. محمد عمارة، رسائل العدل والتوحيد: ج1 ص66.

([15]) وكنموذج من تعصب أبي منصور البغدادي (المتوفّى عام 429 هـ)، يكفي أن ترجع إلى كتابه «الفَرقُ بين الفِرَق»، (ص232 طبع دار المعرفة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد)، لتلمس منه التعصّب في بيان عقائد الفِرَق عند بيانه أصناف فرق السنّة والجماعة، فإنه قال: [ولم يكن بحمد اللّه ومنّه في الروافض و... إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ ولا إمام في الوعظ والتذكير ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة].

هذا مع أن البغدادي كان معاصرًا للشيخ المفيد (رحمه الله) الذي قال في حقه اليافعي في كتابه "مرآة الجنان وعبرة اليقظان": [كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضًا، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية]. (انظر: الغدير، الأميني ج3 ص277).

وقال فيه ابن كثير في تاريخه: ج12 ص15: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف. (انظر: الغدير، الأميني، ج3 ص278).

ومع أن البغدادي أيضًا كان معاصرًا للشريف المرتضى الذي كان مقيمًا في بغداد، والذي قال في ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان ج3 ص313: [كان إمامًا في علم الكلام والأدب والشعر] (انظر: كتاب الغدير ج4 ص267).

هذا مضافًا إلى أنه نسب إلى الشيعة القولَ بالتناسخ والحلول والتشبيه وغير ذلك، محاوِلاً إبطال عقائد الشيعة بذلك! (انظر: الملل والنحل: ج1 ص166،وص184 و 185).

([16]) الفصل بين الملل والنحل ج4 ص181.

([17]) راجع في تفصيل أحواله ما ينقله الأميني في كتاب الغدير: ج1 ص323 ط 38، بيروت.

([18]) المحلى: ج10 ص484.

([19]) راجع ما كُتب عنه في: وفيات الأعيان: ج1 ص369؛ شذرات الذهب: ج3 ص299.

([20]) تاريخ الفكر الإسلامي ص126.

([21]) محمد محيي الدين عبد الحميد في تعليقه على مقالات الأشعري ص11.

([22]) د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي، ويُرجع في ذلك إلى كتاب نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمد صبحي.

([23]) راجع الأقوال في كتاب عبد الله بن سبأ، السيد مرتضى العسكري: ج1 ص74.

([24]) نظرية الإمامة لدى الشيعة، الفتنة الكبرى: فصل ابن سبأ تحت عنوان: ابن السوداء: ج1 ص13، علي وبنوه- القاهرة 1982 ص90-91، والمجلد الرابع من المجموعة الكاملة ص518.

([25]) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، القاهرة 1969، ص 39-40.

([26]) نقلاً عن كتاب نظرية الإمامة (الفتنة الكبرى-طه حسين) الذي نقله بدوره عن كتاب الصراع بين الإسلام والوثنية.

([27]) تاريخ الطبري: ج3 ص378.

([28]) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 368، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات -بيروت- لبنان.

([29]) تاريخ الطبري: ج4 ص283 ط4، دار التعارف؛ الكنى والألقاب للقمي: ج1 ص75.

([30]) راجع الأقوال في كتاب: عبد الله بن سبأ: ج1 ص74-75؛ خمسون ومائة صحابي مُختلَق: الأول والثاني ط بيروت للسيد مرتضى العسكري؛ الذهبي: ميزان الاعتدال ج2 ص255؛ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي المتوفى 597هـ ؛ آفة أصحاب الحديث: ص85 و89 و91؛ تهذيب التهذيب لابن حجر ج4 ص259، والغدير للأميني ج8 ص84.

([31]) أمثال: د. برنارد لويس، فلهوزن، فريد ليندر، كايتاني.

([32]) راجع آراء غير الكتّاب العرب في نظرية الإمامة لأحمد محمود صبحي ص37.

([33]) راجع: وعّاظ السلاطين د. علي الوردي: ص273؛ الإمامية وأسلافهم: ص98؛ ويقول علي سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: ج2 ص28: [من المحتمل أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة، أو أنها رمزت إلى شخصية ابن ياسر كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين، ومن المحتمل أن يكون عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لاسم عمار بن ياسر].

([34]) الحجرات: 17.

([35]) بحار الأنوار ج31 ص196.

([36]) قال في الملل والنحل ج2 ص72 و74: [المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمن شابور بن أزدشير، وقتله بهرام.. وذلك بعد نبي الله عيسى  (عليه السلام)، أخَذ دِينًا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة عيسى  (عليه السلام) ولا يقول بنبوة موسى  (عليه السلام).. إلخ].

وقال ابن النديم في الفهرست: ص397 عن المانوية: [... لما ارتفع ماني إلى جنان النور، أقام قبل ارتفاعه سيس الإمام بعده... وكانت الأئمة يتناولون الدين واحدًا عن واحد ولا اختلاف بينهم..إلخ]، والسيساء: منتظم فقار الظهر.

([37]) آل عمران: 67.

([38]) البقرة: من الآية 124.

([39]) وهو الشيخ المظفر في كتابه "عقائد الإمامية".

([40]) الخطط للمقريزي: ج1 ص362، والفصل 2/91.

([41]) معجم البلدان، مادة (قم) ج4 ص397 دار الكتاب العربي؛ الحضارة الإسلامية: آدم متز.

([42]) بحار الأنوار ج18 ص19.

([43]) الحجرات: من الآية 13.

([44]) البينة: 7.

([45]) تفسير الطبري ج3 ص171؛ راجع أيضًا: فضائل الخمسة من الصحاح الستة: ج1 ص277.

([46]) ابن عساكر لابن منظور: ج17 ص384، وفي ج 18 ص14 منه رواية أخرى عن جابر.

([47]) النهاية لابن الأثير/ مادة قمح: ج4 ص106.

([48]) الدر المنثور: ج6 ص379 دار المعرفة؛ راجع أيضًا فضائل الخمسة: ج1 ص277 وما بعدها.

([49]) الصواعق المحرقة ص96؛ راجع أيضًا فضائل الخمسة ج1 ص278.

([50]) ص43 للمناوي؛ راجع فضائل الخمسة: ج2 ص96.

([51]) الفضائل2/3 ومابعدها؛ سنن الترمذي ج2 ص297؛ أحمد بن حنبل في مسنده ج4 ص437، وج5 ص356؛ وابن داوود الطياليسي في مسنده ج3 ص111، وج11 ص360؛ أبو نعيم في حليته ج6 ص294؛ والنسائي في خصائصه ص19 وص23؛ وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة ج2 ص171؛ المتقي في كنز العمال ج6 ص154 بطريقين وقال: أخرجه مجموعة، وذكرهم.

([52]) ابن الأثير: أسد الغابة ج5 ص457 ط دار الشعب، وغيره.

([53]) تاريخ الخطيب البغدادي ج4 ص339، ط دار الكتاب العربي.

([54]) مضمون ما ذكره الشهرستاني الملل والنحل ج1 ص14.

([55]) شرح النهج ج1 ص159؛ تاريخ الطبري ج3 ص184، ط4.

([56]) نقلاً عن كتاب سيرة المصطفى  (صلى الله عليه وآله) ص707 عن ابن هشام في ج4 ص300.

([57]) شرح النهج ج1 ص161.

([58]) مضمون ما في الملل والنحل ج1 ص14.

([59]) تاريخ الطبري ج3 ص193.

([60]) الإرشاد ص107.

([61]) شرح النهج ج1 ص183.

([62]) مقالات الإسلاميين ص39؛ الفرق بين الفرق ص15؛ السيرة لابن هشام ج4 ص306؛ الملل والنحل ج1 ص26؛ تاريخ ابن خلدون ج1 ص162، وغيرها.

([63]) محمد عمارة: الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص43 وما بعدها.

([64]) محمد عمارة، الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية.

([65]) شرح النهج ج1 ص169، وغيره من كتب التاريخ.

([66]) شرح النهج ج1 ص23 وتاريخ الطبري، وغيرها من كتب التاريخ.

([67]) شرح النهج نقلاً عن الطبري ج3 ص203 ؛ والكامل ج2 ص220.

([68]) شرح النهج ج1 ص18.

([69]) مناقب ابن شهراشوب ج1 ص311.

([70]) الملل والنحل، الشهرستاني، ج1 ص154؛ ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي، ج3 ص161؛ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3 ص 356.

([71]) الفرق بين الفرق ص 21؛ مقالات الإسلاميين ص88، وغيرها.

 

تاريخ المرجعية وتأسيس الحوزات(*)

سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه (قده)

 

 بعدما آمن المسلمون بشريعة الإسلام الذي هو دِين الله تعالى في الأرض، وَجَبَ عليهم بحُكْم العقل الذي يدرك ضرورة جَلْب النفع ودَفْع الضرر من الجزاء الأُخْروي أن يطيـعوا أوامـر الله تعالى، بتطبيق هذه الشريعة، والانقياد لما يفرض عليهم في جميـع شؤون حياتهم، لأنّ الله تعالى العالم بكلّ شيء، وبجميع المصالح والمفاسد والمستجدات، قد شرّع الأحكام لكلّ أفعال الإنسان على طبق تلك المِلاكات والمصالح التي يعلمها.

ولا يمكن أن نفترض أو نقبل أي افتراض بخلُوّ حالة من حالات الإنسان أو أفعاله الاختيارية عن الحكم الشرعي، إما بنحو النص والظهور، وإما بالقواعد العامة -المنطبقة على ذلك المورد- الراجعة بالنتيجة إلى النص على هذا المورد، ولكن لا بخصوصه، بل بالقانون العام الذي يشمله ويشمل غيره من الموارد.

وقـد أكمل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بلسانه ولسان أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، وسلوكهم، وإقرارهم لما أقرّوه من الأوضـاع القائمة قبلهم، والتي تقوم بعدهم.

أكملوا هذه الشريعة المقدّسة من الناحية التشريعية، وبقي على المسلمين أن يدركوا أبعادها ومضامينها ليطبّقوها.

بداية الاختلاف ودور الأئمة (ع)

وقد بدأ الخلاف والاختلاف في فَهْم الشريعة، كما بـدأ الاختلاف في تطبيقها، بعد رحيـل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى مباشرة، فبدأَتْ الأحكام التي جاء بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تخفى تدريجيًا.

ومع مرور الزمن تعاظَمَتْ هذه الفتنةُ، فتنةُ خفاء الحكم الحق، بسبب الاختلاف في الفهم من جهة، ومحاولة طَمْس معالم الشريعة التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) من قِبَل المنافقين من جهة أخرى.

ولم يكن هؤلاء الدسّاسون ليستعملوا الأساليب المكشوفة التي من شأنها الطعن وتضييع الحق، بل أخذوا يضعون الأحاديث المكذوبة على الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعلى أصحابه، ثم على أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، بعدما عرفوا قداسة هؤلاء عند المسلمين.

فكانت أصعب مرحلة لصيانة الشريعة في أُولى ممارستها الممتدة إلى جميع بلدان المسلمين وعلى طول الزمان.

ولكنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام)تجاوزوا هذه المرحلة أثناء وجودهم، إذ كانت عليهم المسؤولية الأولى بحكم تنصيبهم لذلك من قِبَل الله تعالى، لأنهم خُلقوا لهذا المنصب وليس للدنيا بما فيها من الحُكم والسلطة والترف والملذات.

صانوا التشريع الذي جاء به سيد المرسلين (عليهم السلام) من خلال المؤمنين المخلصين من أصحابهم وتابعيهم الذين امتحن الله تعالى قلوبهم للإيمان.

فصانوا هذا التشريع المقدّس ووضعوا بأيدي هؤلاء المخلصين النصوص والقواعد التي يحتاجها المسلمون في حضورهم (عليهم السلام) مع عدم إمكان الوصول إليهم وبعد غيابهم، والتي توصلهم إلى مضمون الشريعة وجوهرها، لأنهم كلما بعدوا عن عصر النصوص فستكون الأحكام أقل وضوحًا، وسيكون الحق أكثر خفاء.

وضعوا هذه النصوص والقواعد التي ترفع الغموض في مستقبل الأيام عن الأحكام الشرعية والمواقف العملية الواجب اتّباعها إلى يوم القيامة، وضعوها عند أصحابهم من المتكلمين والرواة والفقهاء لينقلوها إلى الأجيال؛ جيلاً بعد جيل.

ولما اكتملت الصيانة من قِبلهم (عليهم السلام)، وتكامَل الفقـه الإسلامي عند أصحابهم، كانت عملية التطبيق في عَهْد الغَـيْبة الصغرى من قِبَل الإمام المنتظر الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف وجعلنا من أنصاره في غيبته وحضوره، على يد نوّابه الأربعة رضوان الله عليهم، فكان هؤلاء هم مراجع الشيعة.

ولما انتهَتْ فترة الغَـيْبة الصغرى بوفاة آخر نوّاب الإمام الأربعة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو علي بن محمد السمري رضوان الله عليه، سنة 329 هـ، وَقَعَتْ الغَيْـبة الكبرى.

وحيث أنَّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو وليُّ الأَمْر والمسؤول الأخير عن هذه الشريعة إلى قيام الساعة في عقيدة الشيعة الإماميـة، لم يكن ليترك هذا الأمر سدًى ويدعه هملاً، فقد كان هؤلاء الأربعة وُكَلاء خاصّين، يعني أنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) نصّ عليهم بالخصوص.

النص على مقام المرجعية

فلما انتهى عصرهم، ووقعَتْ الغَـيْبة الكبرى، نصب نيابة عنه لتبليغ الشريعة وصيانتها على ضوء القواعد والأحكام الشرعية المعروفة، أشخاصًا آخرين.

لكن لا بأشخاصهم وأسمائهم بل بأوصافٍ وعناوينَ واضحة؛ مَنْ تحقَّـقَتْ فيـه هذه العناوين والشروط فهو الولي والنـائب والوكيل من قِبَـله (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في استخراج تلك الأحكام وتبليغها والقيام على تنفيذها.

فكان هؤلاء العلماء والفقهاء والرواة هم الأمناء على دِين الله تعالى، وعلى حقوق المسلمين، من دمائهم، وأموالهم، وأنسابهم، وأعراضهم، وتوجيههم كما أراد لهم الله تعالى..

هؤلاء هـم المراجـع..

يمكننا أنْ نقول: بأنّ المرجعية بهذا العنوان بَدَأَتْ من هذا الزمان، حيث يمكن أخْذه من الروايات والمكاتبات التي وردَتْ عن الإمام (عليه السلام) إلى هؤلاء بأشخاصهم مَرّةً، وبعناوينهم أخرى، سواء منه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أو من الأئمة قبله.

وفي جملة من الروايات: الرواية المشهورة بمقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في جواب السؤال عن رجلَيْن بينهما منازعة في دَيْن أو ميراث، إلى أن يقول: (فكيف يصنعان؟ فقال (عليه السلام): ينظران مَنْ كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكمًا، فإني قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادُّ علينا الرادّ على الله هو على حدِّ الشِّرْك بالله)([1]).

(ومنها): رواية إسحاق بن يعقوب، قال: (سأَلْتُ محمدَ بن عثمان العمريّ -وهو أحد نواب الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)- أن يوصل لي كتابًا قد سألتُ فيه عن مسائل أَشْكَلَتْ عليّ، فورد التوقيعُ بخطِّ مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف): أمّا ما سأَلْتَ عنه أَرْشَدك الله وثبّتك).. إلى أن قال: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رُواة حديثنا فإنَّهم حُجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله، وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل -أبوه أيضًا أحد النواب الأربعة- فإنه ثقتي، وكتابه كتابي)([2]).

فهذه الرواية عبّرَتْ بالرجوع إلى هؤلاء، فهم المرجع في أمور الدين بعد الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لِنَصِّ الإمام لهم في التوقيع الصحيح للقاسم بن علاء.

صفات المرجع في سلوكه وعلمه

أما من حيث السلوك فبالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي تعدد صفاته النفسية والسلوكية، نستفيد من الرواية المتقدمة كيف يتعامل الناس مع المرجع بقوله (عليه السلام): (فإنَّهم حجَّتي عليكم).

فإنه بعد الأمْر بالرجوع إليهم في كل أمْر يحتاجون فيه إلى الرجوع إلى الإمام، فالواجب عليهم أن يأخذوا بكل ما يأمرونهم به، ولا يردّوه، لأنّ الرادّ عليهم رادّ على الإمام (عليه السلام) بعد تنصيبه لهم، والرادّ على الإمام رادّ على الله تعالى.

وحيث إنهم لا يملكون درجة العصمة التي يجب توفُّرها في الإمام، فالإمام حجّة الله عليهم إذا خالفوا أحكام الله تعالى.

ولكنهم لا يخالفونها عن عمد، فإذا لم يصيبوا الواقع فلهم عُذرهم وحجتهم في تطبيق هذه القواعد.

وأما المخالفة في العمل والسلوك لا سمح الله، فهذه مما لم يثبت عند الشيعة لحدّ الآن مَنْ صدرَتْ منه المعاصي في مرجعية من المراجع والأعلام العظام.

بل الثابت عنهم أنهم يجسّدون التقوى والروحانية والقداسة، ويتمتعون بصفات الكمال العالية، ويتعبون أنفسهم في نشر الأحكام وتطبيقها، حتى لو كان الثمن هو التضحية بأرواحهم الطاهرة، كما حدث ويحدث في كل العصور.

وقد وَرَدَتْ في صفات المرجع والمفتي روايات كثيرة، تدل على أنهم المأمونون على الدِّين والدنيـا:

ففي بعضها: أنه ورد على القاسم بن العلاء توقيع شريف يقول فيه: (فإنّه لا عُذْر لأَحَدٍ من مَوَالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثِقاتُنا، وقد عرفوا بأنّا نفاوضهم سـرَّنا ونحملهم إياه إليهم)([3]).

وفي بعضها: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يحملُ هذا الدِّين في كلِّ قَرْن عُدُولٌ يَنْفُون عنه تَأْويلَ المُبْطلين، وتَحْريفَ الغَالِين، وانْتحالَ الجاهلين..)([4]).

وفي بعض الروايات: (..فأمّا مَنْ كان مِن الفقهاء صائنـًا لنفسه، حافظًا لدينـه، مُخالفًا لهواه، مُطيعًا لأَمْرِ مَوْلاه، فَلِلْعوام أنْ يُقَلِّدوه..)([5]).

الناحية العلمية في المرجع

أمّا من الناحية العلمية، فلابد للمرجع من الوصول إلى تلك المرتبة العلمية التي أشارَتْ إليها هذه الروايات وغيرها.

فلابد أن يصل إلى أعلى مرتبة من القدرة على الاستنباط الفعلي للأحكام الشرعية ليكون نائبـًا عن الإمام (عليه السلام) في تبليغ الأحكام الشرعية.

من أجل ذلك اهتمّ نَفَرٌ من المؤمنين -امتثالاً للآية الكريمة {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}([6])- بدراسة علم الفقه، وتدوينه وترتيب أبوابه وفروعه،وإقامة الأدلة على كل حكم لم يكن بديهيًا أو مما هو ضروري عند المسلمين، حيث لم تكن الأحكام كلُّها واضحة أو بديهية، نظرًا للبُـعْد عن عَهْد النَّص من جهة، ولكثرة الدّسّ والاختلاف من جهة أخرى.

فكان لا بدّ لكل واحد منهم، ليكون فقيهًا وعالمًا ومرجعًا في الفتوى، مِنْ أنْ يبذل الجهد ليصل إلى النتيجة بالأدلة القاطعة، على ضوء القواعد المنصوصة من قبلهم (عليهم السلام)، التي رواها الأصحاب وكتبوها امتثالاً لأمْر الأئمة (عليهم السلام) بكتابتها، وعلّلوا أوامرهم هذه على ما ورد في كثير من الروايات بـ (إنكم لا تحفظون حتى تكتبوا)، فكانت هذه الكتابة الحكمة البالغة في حفْظ الشريعة ودفْعها إلى الأجيال.

الحاجة إلى تأسيس الحوزات:

ولما كان التوصل إلى الحكم الشرعي في علم الفقه يحتاج إلى مقدمات كثيرة من العلوم الأخرى، أُسِّسَتْ الحوزات العلمية في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

فكانت جامعات على أعلى المستويات المطلوبة، لأنّ الفقيه الذي يريد أن يتصدى للفتوى وللدعوة إلى الله تعالى ولتفسير الآيات والسنة النبوية، مع تخلّقه بالأخلاق الإسلامية المأخوذة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الميامين (عليهم السلام) وأصحابه المنتجَبين (رضوان الله عليهم)، يحتاج إلى علم اللغة، والنحو، وعلم البلاغة، والمنطق، وعلم الرجال، والتفسير، والفلسفة بالمقدار الذي يستفيد به لاستعمال الأدلة العقلية.

ولا بد له لأجل أن يكون علم الفقه عنده متكاملاً من الإلمام بهذه العلوم؛ بعضها بالتفصيل وبعضها على سبيل الإجمال بالمقدار الذي يحتاجه.

فالأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنة، مع دخالة العقل في بعض بعض مقدمات الاستدلال، فلا بد من الاطّلاع على كل ما له دخْل في هذه اللغة من كيفية التفهّم والتفهيم والاستفادة من الكلام على الوجه الدقيق، لأنّ ألفاظ الكتاب والسنة هي الأساس الأخير لتقعيد قواعد اللغة العربية، لصرفها، ونحوها، وحقيقتها ومجازها، فكان الأمر يحتاج إلى علم اللغة والصرف والنحو والبلاغة، بالإضافة إلى العلم بتفسير القرآن الكريم.

ولأنّ المنطق هو الذي يُنظّم عملية الاستدلال والاستنتاج في كلّ عِلْم، لذا يحتاج الفقيه إلى علم المنطق الذي يَصُون الفكر عن الخطأ في كيفية ترتيب الأمور المعلومة للتوصل إلى النتيجة المطلوبة.

ولا تخفى أهمية علمَي الحديث والرجال في الفقه، لأنّ الفقيه ينبغي له يكون عالمًا بأقسام الحديث ولغته، وعالمًا بنَقْد الحديث من خلال علم الرجال الذي هو الوسيلة لمعرفة مدى صحة الأحاديث، لأنّ مجموعة من الأحاديث في بعض كتب الحديث لا يمكن أن تُقبل، ولابدّ من نقدها.

والعلم الأساسي والأخير في عملية الاستنباط هو علم الأصول، الذي يبتني في أكثر مباحثه على القضايا العقلية النظرية والعملية، يُعتبر من المبادئ التصديقية لعلم الفقه.

وكلٌّ من علم الأصول وعلم الفقه يوصل إلى الحكم الشرعي، مباشرة أو بتعيين الوظيفة العملية عند غياب الحكم الواقعي بسب عدم الوصول إليه من النصوص.

ويرتكز الاستدلال في هذين العِلمَين على الكتاب والسنة والإجماع وعلى الدليل العقلي عند طائفة من المسلمين -الشيعة- والقياس عند آخرين.

والسبب في الاحتياج إلى العلوم العقلية، بالإضافة إلى أن العقل هو الأصل في العقائد الأساسية، أنه وقع الخلاف بين الصحابة في الفتوى بسب اختلافهم في فهم نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، فأضافوا الإجماع لأنه كاشف قطعي عن الحكم، وأضافوا دليل العقل لأنه الأصل في وجوب الإطاعة وكيفيّتها، ولأنه لا يُستغنى عنه في كثير من الأحكام التي نسميها غير المستقلات العقلية، فعند عدم النص مع بذل الجهد وعدم انطباق قاعدة من القواعد العامة يكون الدليل العقلي هو الدليل عند طائفة الشيعة، بينما يكون القياس ونحوه هو المتَّبعَ عند طائفة أخرى.

وقد وضع نواة "القياس" بنظر هذه الطائفة الحاكم الثاني عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري (اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها عند الله تعالى وأشبهها بالحق)([7])، وممن أخذ بالقياس بعد ذلك وأرسى قواعده أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة 150هـ.

تاريخ بداية المرجعية المصطلحة:

وبقي علماء الحديث، بين حِفْظه وروايته، والمنع من تدوينه وروايته، حتى أيام الحكم الأموي الذي لم يكن من جميع الجهات حُكْمًا إسلاميًا، حيث حصَلَتْ في هذه الفترة فَجْوة مهمّة بعد خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الفقه والحديث، وبقي أهل المدينة هم المرجع في الفتيا، إلى أن جاء العصر العباسي الأول سنة 132هـ، حيث شجع الحكام العباسيون الحركة العلمية لسبب ولآخر، فانتعشت العلوم الدينية ونهضت نهوضًا سريعًا ببركة وجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وفي العصر العباسي الثاني سنة 332 هـ، وبعد غياب آخر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كثر المجتهدون من فقهاء الإسلام وكوّنوا لهم مذاهب كثيرة، ولكنها انحصرت بعد فترة من الزمن في عهد القادر العباسي في أربعة مذاهب([8]).

وذكر الملّا عبد الله تلميذ المجلسي في رياض العلماء: أنه في زمن علم الهدى الشريف المرتضى (رحمه الله)، اتفق رؤساء الأمة على تقليل الآراء في الأحكام، حتى لا توجِب كثرةُ الخلاف قلّةَ الوثوق بالشريعة كما حدث للأناجيل المبتدعة.

واتفقوا على أنْ تدفع كل طائفة مبلغًا من المال ليُقرّ مذهبها رسميًا.

فاستطاع أهل المذاهب الأربعة أن يدفعوا، ولم تدفع المذاهب الأخرى، ومن جملتها الإمامية من الشيعة، بالإضافة إلى عدم موافقتهم على هذا الأمر من أصله، لأنه لا ينسجم مع عقيدتهم في الفقه وفي غيره من الأحكام الإسلامية العامة.

فانسدَّ باب الاجتهاد عند المذاهب الإسلامية المذكورة، وبقي عند الشيعة مفتوحًا بما احتفظوا به من النصوص التي حملوها عن الأئمـة (عليهم السلام)، حيث لم يكن عندهم بُعْد عن عصر النص.

ولما وقعَتْ الغَـيْبة الكبرى بوفاة علي بن محمد السّمري آخر نوّاب الحجة المنتظر سنة 329، ودوّنت فروع الفقه الجعفري، بدأت المرجعية الشيعية في مراحلها الأولى.

وأَوّل مَنْ فتح باب استنباط الفروع من أدلتها وهذّبها ونظّمها، كعلمٍ له اسم، هو الشيخ الجليل محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي المتوفى سنة 381 هـ، وكان من مشايخ الشيخ المفيد (رحمه الله)، ومعاصرًا للعماني، والمُعِزّ البويهي، والكليني، والصدوق، أرباب الأصول الأساسية للفقه الشيعي.

ونبّه هذا الشيخ الجليل على أصول المسائل، مع الإشارة إلى تعليل المسألة المشكلة، وبيان دليلها، ونبّه على اختلاف الأقوال فيها.

وتبعه على ذلك العماني بن أبي عقيل، وكان من الفقهاء العظام.

وتابعهم على ذلك: ابن قولويه، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن ادريس، والمحقق الحّلي، والعلامة الحلّي، والشهيدان، وغيرهم رحمهم الله، واستمر ذلك على هذا النحو إلى عصرنا الحاضر.

وكان العشرات والمئات من هؤلاء العظماء في كل العصور بشكل متواصل مستمر، لم تنقطع ولن ينقطع إن شاء الله إلى قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وفي زمن الشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة، وقعت المحنة المعروفة في بغداد سنة 448 هـ([9])، فهاجر إلى النجف الأشرف.

وقد ذكر المؤرِّخون: أنه كان يوجد قبل هجرته إلى النجف العشرات من العلماء الكبار، المقيمين فيها منذ قـرن من الزمـن، وأنه لذلك ولسبب جوار أمير المؤمنين (عليه السلام)، اختار النجف دارًا لهجرته، واستقراراً للحوزة المركزية للطائفـة الشيعيـة، وبقيَتْ مستمرَّة إلى وقتـنا الحاضر، فأصبحت هي مركز المرجعية الرئيسي للعالم الشيعي منذ ذلك الوقت.

ملخص ما سبق:

وقد تبيَّن لنا من جميع ما سبق: أنّ الأئمة (عليهم السلام) قد نشروا مبادئ الشريعة وأحكامها في حياتهم، بمواقفهم، وأفعالهم، وبالروايات التي نقلها الثِّقاة من أصحابهم.

وقد ركّزوا على هؤلاء الرواة، ودَعوا شيعتهم وسائر المسلمين إلى الأَخْذ منهم والاستفادة من فتاواهم، نصبوهم في حياتهم في سائر الأقطار، وحيث لا يتيسر للأئمة (عليهم السلام) مباشَرة الدعوة إلى تلك المبادئ.

وكان خاتم الأئمة هو الحجة بن الحسن المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقد استناب عنه النوّاب الأربعة المعروفين، تَرِد عليهم الأسئلة ويرجعون إليه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فيما يرد عليهم.

ثم أخبر آخرَهم بأنه يتوفّى بعد أيام، وبوفاته تقع الغيبة الكبرى، وأَمَر الشيعة بالرجوع إلى الفقهاء الذين كانوا يطلق عليهم "رواة الأحاديث"، لأنهم الأصل في الفقاهة ونشر الفقه الإسلامي من خلال هذه الأحاديث، واستمرار تدارس العلوم الدينية في الحوزات العلمية على امتداد الزمان إلى عصرنا الحاضر.


 


(*) نشر هذا المقال في (العدد صفر) من هذه المجلة، أول تأسيسها، سنة 2005م/1425هـ.

([1]) الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي ح1.

([2]) الوسائل باب11 من أبواب صفات القاضي ح9.

([3]) الوسائل باب 11 من أبواب الصفات القاضي ح 40.

([4]) الوسائل باب 11 من أبواب الصفات القاضي ح 43.

([5]) الوسائل باب 10 أبواب صفات القاضي ح29.

([6]) التوبة آية 122.

([7]) عن صبح الأعشى: ج10 ص194: راجع كتاب الاجتهاد والتقليد، السيد الخوئي قده، المقدمة ص7.

([8]) تاريخ الإسلام السياسي: ج3 ص338.

([9]) كامل ابن الأثير: ج9 ص61، وص71 و222 و238.

 

 

صلاحيات الفقيه(*)

سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه(قدس سره)

 

 (ولاية الفقيه) موضوع علمي يحتاج إلى البحث الفقهي الاستدلالي، لأنه موضوع اجتهادي فيه آراء متعددة متفاوتة ومتكافئة من حيث نسبتها إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

وحيث إننا نقول بولاية الفقيه في الجملة -بالنص أو بدليل الحسبة-، فإن هناك مواضيع كثيرة يجب أن تبحث على ضوء هذه الولاية، ونقتصر في هذا البحث على موضوع واحدٍ أخذناه عن كتابنا "ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)" الذي صدر حديثًا، وهو "صلاحيات الفقيه":

ولا بدَّ لأجل التوصل إلى معرفة صلاحيات الفقيه مِن أن نعرف (أولاً) صلاحيات النبي الأعظم والأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في ولايتهم، (ثم) ننطلق إلى بيان ما نستفيده من جَعْـلهم الولايةَ للفقيه.

صلاحيات المعصومين (ع)

فنقول: لا إشكال ولا خلاف عند جميع المسلمين أن من جملة الأدلة على الحكم الشرعي بعد القرآن هي السُّـنَّة الشريفة.

والسُّنة عند الشيعة: منحصرة في قَوْل المعصوم وفِعْله وتقريره.

والمعصومون هم حَمَلة الشريعة ومبلِّغوها وحُماتها إلى قيام الساعة، حيث أودع الله تعالى أحكامه عند رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعندهم لعصمتهم (عليهم السلام)، ومعرفته تعالى بأهليَّتهم الكاملة، وبلوغهم منتهى الكمال البشري الذي لا يناله غيرهم

فالولاية على الأفراد والمجتمعات والشؤون العامة ثابتة لهم من قِبل الله تعالى، كما كانت ثابتة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن إمامتهم مستمرة إلى نهاية الدنيا.

ولاية المعصومين (ع)

وهذه الولاية من الأحكام الشرعية الأولية العقائدية، بمعنى أنه يجب على المؤمنين أن يعتقدوا بذلك، أي بإمامتهم، ويجب عليهم من الناحية العملية أن ينقادوا لأوامرهم في التشريع، وفي التطبيق.

 والمقصود بالتطبيق الذي أُمِر الناس به، هو تنفيذ الأحكام وإقامة الفرائض، ونَشْر الشريعة التي كملت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتمَّ التشريع فيها بانقطاع الوحي بعد رحيله (صلى الله عليه وآله).

ونعني بالاكتمال والكمال: أن أصل التشريع الذي أراده الله تعالى للبشرية في خاتمة النبوات، قد أودعه الله سبحانه عند رسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وأمره بتبليغ الشريعة بعد اكتمالها إلى جميع الناس، بنَصْب أول حافظ ومبلِّغ ومفصِّل لهذه الشريعة، وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولو لم يفعل لم يبلغ الرسالة، ولكنه فعل، ويستحيل أن لا يفعل بعدما أمره الله عزّ وجلَّ، لأنه لا ينطق عن الهوى، لذلك بادر إلى تنصيبه، ثم التركيز على أهل البيت من ذريته (عليهم السلام)، لأجل أن يعلِّموا هذه الشريعة للأجيال وللعالمين على مرِّ العصور، ويفصِّلوها ويوضحوا غوامضها على النحو الذي أذن الله تعالى لهم به وأودعه عندهم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فالولاية التي جعلها الله تعالى لهم هي حكم شرعي أوليّ، فكما هي حكم شرعي في تبليغ الأحكام، فهي حكم شرعي في تطبيق الأحكام، لأنهم أول الناس وأولى الناس بتطبيق هذا الحكم الشرعي الذي يُشرِف على كل الأحكام الشرعية والفرائض، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالطريقة التي لا تحيد عن واقع الأمر ورضى الله سبحانه قَيْد شعرة.

خضوع الولاية لسقف الأحكام الشرعية والدليل عليه

ليس بإمكان هذا الوليِّ من خلال ولايته أن ينسخ حُكْمًا موجودًا، أو يحدِث حُكْمًا غير موجود في الشريعة.

فإذا حصل ما يُوهِم ذلك عند من لم يطَّلع على الشريعة، وعلى كيفية استكشاف الشريعة، فهو تشريع من قِبلهم، من الذي أودعه الله تعالى عند رسوله (صلى الله عليه وآله) وعندهم، إلى أن يحين وقت الحاجة إليه، أو أنه حدث في موضوع ذلك الحكم عنوان، يجعل هذا الموضوع موضوعًا لحكم آخر، وليس كل عنوان مما يستوجب ذلك.

ويدلّنا على هذا -بالإضافة إلى ما ذكرنا-، قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}([1]).

وقد خاطب الله تعالى رسوله الأكرم وأفضلَ الخلق بهذا الخطاب، حتى لا يتجرأ أحد، أو يخطر بباله، أن يجتهد بجَعْل الأحكام التي توافق أذواق الناس وأهواءهم، بحجة المصلحة والاقتناع بإسلام مزيَّف، ومبادئ هدامة.

فالولاية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، المجعولة في القرآن الكريم، ولاية مطلقة، فلهم الحكم والحكومة والتصرف في شؤون المؤمنين وغيرهم، حتى في شؤونهم الخاصة.

ولا إشكال في أن هذه الولاية والحكومة، محكومة وخاضعة لسقف الأحكام الشرعية التي حملوها وبلَّغوها، وبذلوا دماءهم الزكية في سبيلها، فهم الذين صنّفوها وفصّلوها، وبـيَّنوا الغامض منها على النحو الذي أذن الله تعالى به.

وقد وردت على لسانهم الروايات العديدة الدالة على ذلك، وأنهم لا يقولون بغير قول الله سبحانه، وما خالف قول ربِّنا لم نَقُـلْه، أو هو زخرف، أو باطل، أو اضربوه عرض الحائط.

فإن هذه المضامين من الروايات تدل بوضوح أنهم لا يحق لهم أن يفتوا أو يحكموا بغير ما أمرهم الله تعالى أن يحكموا به:

مثل: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز وجلّ، ممن له سوط أو عصا، فهو كافر بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله))([2]).

وقريب منه ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز وجلّ، فهو كافر بالله العظيم)([3])

وفي رواية الخثعمي: قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من عرف أنّا لا نقول إلا حقـًّا فليكتفِ بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم، فليعلم أن ذلك دفاع منّا عنه)([4]).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)([5]).

وعنه (عليه السلام): (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)([6]).

ولا توجد سُنـَّة مخالفة للسنَّة، حتى السنَّة التي نصب فيها الفقيه وليـًّا، (من خالف كتاب الله وسُـنَّة نبـيِّه (صلى الله عليه وآله) فقد كفر)([7]).

وفي حديث عن الرضا عن آبائه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (.. ومن دان بسماع من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك، والباب المأمون على وحي الله محمد (صلى الله عليه وآله))([8]).

فلم يخصِّصوا عامًّا ولم يقيِّدوا مطلقًا، ولا أوضحوا مبهمًا أو متشابهًا جزافًا، إلا بإذن الله تعالى وبمقتضى الوديعة والأمانة العظيمة التي حمّلهم الله تعالى إياها.

ولا يجوز لنا أن نقول نعلم أو لا نعلم، بأنهم استعملوا هذه الولاية بما يتنافى مع الحكم الشرعي الذي جاؤوا به وأمروا بتطبيقه.

وإذا ورد في بعض الروايات ما يوهِم ذلك، فهو تشريع صادر من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أودعه الله والرسول (صلى الله عليه وآله) عندهم، ليظهروه وقت الحاجة لدوام الشريعة إلى يوم القيامة.

ولذلك يتعامل فقهاء الشيعة مع الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) بما يوهم أنهم حذفوا أو أضافوا، على أنها تشريع من قِبلهم أو نَقْل للتشريع الذي أُودع عندهم.

لذلك لا يجوز لنا أن نفترض أنهم عطّلوا حكمًا أو جاؤوا بحكم جديد غير ما شرع، لأن كل ما يصدر منهم من قول أو فعل هو تشريع.

وهذا معنى حجية السُّنة التي تعني قولهم وفعلهم وتقريرهم.

ونقول من باب المثال الذي لا يخفى على أحد: أنه لو ورد في القرآن الكريم حرمة الربا، ثم قالوا: لا ربا بين الوالد وولده، فهذا لا يعني أنهم أنكروا حرمة الربا بينهما، ورأوا أن المصلحة أن لا يكون بينهما ربا محرم، بل يعني بيان ما هو الربا المحرم في القرآن، لأنهم (عليهم السلام) عدل القرآن، وهم القرآن الناطق.

وكما لو ورد في القرآن الكريم طهارة الماء وطهوريته، وأنه يحرُم شرب الماء النجس، وتحرم الصلاة في النجاسة، ثم صلى الإنسان في ثوب يعتقد طهارته، وبعد ذلك تبيَّن أنه نجس، فإذا سأل الإمام وأجابه: إن صلاتك صحيحة، ولم تأثم بشرب الماء، فليس معنى ذلك أنهم بدلوا حكم الماء الطاهر، بل قد فصّلوا الأحكام الشرعية الكلية على هذا النحو من الموارد الفقهية.

فلا أحد يدّعي، ولا يجوز أن يدّعي أحد: أنه وجَد فتوى مخالفة للشريعة صادرة من قِبلهم، أو أنه وجد حكمًا من أحكام ولايتهم ليس محكومًا بسقف الشريعة التي حملوها هم وتلقّوها ونشروها.

وفي أي مرتبة نضعهم إذا ادعينا عليهم التناقض في الأقوال والأفعال واختراع حكومة لا تخضع لشريعة الإسلام، ولا تستظل بسقفه الرفيع الواصل إلى حدود العرش.

الوجه في تأخير بيان أحكام النبي (ص) إلى عهد الأئمة (ع)

وعلى هذا الأساس نستضيء بهَدْيهم، ونستنبط الحكم من رواياتهم، وهكذا نفعل ونتعامل مع عمومات الكتاب والسنة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) التي وردت مخصِّصاتها في زمن الأئمة (عليهم السلام)، وبعد حضور وقت العمل بتلك العمومات.

فهل نلتزم بنسخها! فإن ذلك نسخ للقرآن.

أم نقول بأنها مخصِّصات وجِدت من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وظرفها الشريعة الكاملة، وقد أَوْكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى بيانها إليهم (عليهم السلام)!

وقد ورد في بعض الروايات: أن أحكامًا من تلك الأحكام التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بقيت عند صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو يبيَّنها بعد ظهوره، لأنها لذلك الزمان، كما أن العمومات التي لم تخصَّص في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لزمان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم تخصّص، لأنه دَوْر تأسيس، ولم تحصل حاجة لهم بهذه المخصِّصات في علم الله ورسوله (صلى الله عليه وآله).

فإن هذا التأخير إلى زمانهم (عليهم السلام) لا يعني أن تشريعهم هذا تشريع، فضلاً على أن يكون تشريعهم مقدَّما على التشريع الإلهي.

كما لا يعني أن ولايتهم حكَمَتْ على كل الأحكام الأولية، بل ولايتهم كانت محكومة بسقف الأحكام الفرعية الكلية وخاضعة لها، وإلا فهي لَغْو ولا داعي لهذه الولاية، لأنها لو كانت فوق سقف الأحكام الشرعية، لكانت تأسيس دِين جديد غير الدِّين الذي بلّغوه ونشروه.

فلماذا لا تكون ولايتهم خاضعة لسقف الأحكام ما داموا هم أصحاب تلك الشريعة ولا يزالون موجودين إلى يوم القيامة!

لذلك لا يعني بيان الأحكام المتأخرة من قِبلهم، تقدُّمَها على الأحكام الأولية، وإنما تأخرت لمصلحة في التأخير، أو مفسدة في البيان المتقدم.

والوجه في ذلك: أن الأحكام الشرعية بأجمعها -بما فيها الولاية التي تعتبر الخادم الأمين لتلك الأحكام-، نقول: هذه الأحكام التي شرعها الله على لسان نبـيِّه الأكرم (صلى الله عليه وآله) ثابتة في الشريعة الإسلامية المقدسة من أول تشريعها، فظرفها الزماني هو ظرف الشريعة الذي انتهى بانقطاع الوحي ورحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ربه -تبارك وتعالى-.

ففي هذه المساحة الزمنية، لا تقدُّم ولا تأخُّر لحكم على حكم في هذا الظرف، وإنما التقدم والتأخر بين الأحكام في مراحل البيان والتبليغ، وكما قلنا بأن هناك أحكامًا مؤجلة إلى أن تظهر شمس الهداية بظهور الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

لسان المعصومين (ع) واحد

فلو ورد خاص، وورد بعده العام، وبعد أن عُمل بالخاص، نستكشف أن مضمون العام ثابت في الشريعة من حين زمان الخاص المتقدم، ولكن بيانه من قبلهم (عليهم السلام) تأخّر.

ولا نقول بأنهم قد عمَّموا الحكم لغير مورد الخاص، بل نقول أن الخاص المتقدم مخصِّص للعام المتأخر من الآن، ولكن بيانه قد تأخر.

فالعمومات والمخصِّصات، تقدمت أو تأخرت، فإن مضمونها ثابت، ومشرّع في ظرف واحد، وهو ظرف واحد، سواء أَكان الالتزام بالتخصيص أم بالنسخ، أي نسخ العام للخاص، أو العكس مثلاً، فإن ذلك مشرَّع من أول الأمر، وقد تأخر بيان بعضها عن بعض.

بل حتى لو التزمنا بأنهم هم شرّعوها متأخرًا إذا كان هذا الحق ثابتًا لهم، ولسنا بصدد بيان هذا الأمر، فهو على أي حال تشريع ثابت من الأول، أو قد أذن الله لهم به.

ولأجل ذلك يصح لنا أن ننسب مضمون حديث صادر عن إمام متأخر إلى الإمام المتقدم وإن لم يصدر منه هذا الحديث.

 نعم، ننسب المضمون الشرعي لألفاظ الحديث.

والسرّ في ذلك: أنهم جميعًا كمشرعين أو ناقلين للتشريع، بمنزلة متكلم واحد، لأن لسانهم وكلامهم جميعًا، لسان دين وحكاية شرع وشريعة.

ففي بعض الروايات عن أبي بصير قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الحديث أسمعه منك، أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك، أرويه عنك قال: سواء، إلا أنك ترويه عن أبي أحب إليَّ، وقال أبو عبد الله (عليه السلام) لجميل: ما سمعته مني فارْوِه عن أبي)([9]).

وفي رواية حماد بن عثمان وغيره قالوا: (سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل)([10]).

وفي رواية عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال: (أخبرني أبي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس.. إلى أن قال: يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يمينًا وشمالًا فالزم طريقنا، فإنه من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه، فإن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه، يا ابن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة)([11]).

 وغير ذلك من الروايات المتواترة التي يصعب إحصاؤها لكثرتها.

فالعموم الصادر عن الصادق (عليه السلام)، مقارن في تشريعه مع العموم الصادر عن أمير المؤمنين، بل عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، فهو مخصص وإن تقدم بيان الخاص وتأخر بيان العام لمصلحة في التقديم أو مفسدة في التأخير، وكذلك العكس.

وهذه هي طريقة فقهاء الشيعة في كيفية الاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية، ولم يخترعوا هذه القواعد وغيرها من القواعد الفقهية أو الأصولية كقانون وضعي استحسنوه، وإنما أخذوها جميعًا من روايات أهل البيت، معتمدين في ذلك على سائر العلوم النظرية التي لها مساس وتنفع في الوصول إلى النتيجة.

ليس للفقيه ولاية التصرف في حكم الله تعالى

وبعدما اكتمل دورهم (عليهم السلام) في هذا النحو من التشريع، وانتهى عصر التشريع، وتكاملت الشريعة في آخر مراحلها قبل غياب الحجة، أصبحت أحكام الشريعة واضحة عند الذين حملوها وسائر التابعين لهم والذين يأخذون منهم، وأصبحت المهمة مهمة التطبيق، بالإضافة إلى التبليغ المتواصل لما حملوه.

وكانت المسؤولية من قبل إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يغيب إلى أن يأذن الله له بالخروج، وأن يجعل من قبله أولياء ونوابًا بأوصافهم، كما جعل في حضوره بأشخاصهم، فكان جعل الولاية من قبله.

كان هذا الجعل -الذي هو مأذون فيه من قبل الله تعالى- آخر حكم شرعي يصدر من المعصومين، فكانت هذه الولاية خدمة لأحكام الشريعة، وتحت سقفها، وقد جعلوا هذه الولاية للفقهاء، كما جعلوا لهم ولاية الإفتاء، ليصونوا الشريعة، ويقيموا حدودها ويؤدوا فرائضها.

فهي ولاية في التطبيق والتنفيذ، ورعاية مبادئ الإسلام، وشؤون الأمة، ليرجع الموالون إلى هؤلاء الفقهاء في كل ما يحتاجون فيه إلى الإمام، وفي كل ما من شأنه أن يكون له وليّ وكانت الولاية فيه للإمام حال حضوره.

فالفقهاء يتولون شؤونهم على ضوء الشريعة، لأنهم فقهاء وعارفون بالشريعة وكيفية تطبيقها، وعارفون بالإسلام كدين اجتماعي، هدفه البشرية جمعاء، ورحمة للعالمين.

فلا بد وأن ينظروا إلى الأفراد والمجتمعات الإسلامية، لتنظيم أمورهم على هدي الشريعة، لا على رؤيتهم ونظرهم في تغيير الأحكام بحسب الظروف إيجاباً ونفيًا.

ولذلك أمروا مواليهم بالرجوع إلى من يثقـون بدينهم وعلمهم، وحرصهم على الدِّين، وأمانتهم في توجيـه الناس لرضى الله تعالى، وصلاح شأنهم من خلال تطبيق الشريعة التي آمنوا بها.

وإذا احتاجوا في شأن من شؤونهم الدنيوية التي لها في الشريعة حكم شرعي يحتاج إلى وليّ، فالفقيه هو الولي.

حتى لو لم يكن هناك فقيه، فالمؤمنون -بعد فرض عدالتهم- لا ينقصون في الأمانة عن الفقهاء، بعد فرض معرفتهم بالحكم.

والمقصود بذلك أن الفقهاء لا يشرّعون، ولا يزيدون في الأحكام، شأنهم في ذلك شأن العدول عندما ينحصر الأمر بهم.

ولا نعني أن "عدول المؤمنين" لهم سعة ولاية الفقهاء، بل هناك موارد ثبت في الشريعة أنهم يتولونها، وذلك لا يعني أن الولاية مقدمة على هذا الحكم الذي يتولونه، بل معناه أنهم مع ولايتهم، لهم كرامة من الله في الدنيا والآخرة، بأن يكونوا خدمًا لهذا الحكم وتطبيقه.

فإذا لم تكن للأئمة (عليهم السلام) ولاية التشريع بعد اكتمال الشريعة من قبلهم، فكيف يمكن أن تكون الولاية التي يعطونها للفقهاء لها هذه السعة والصلاحية التي تتقدم على الأحكام الكلية الإلهية أو تعطلها مع أنها جعلت لأجلها!!

وليست الحكومة بذاتها هدفًا للشريعة حتى تكون الولاية بهذا الشكل، بل الحكومة جعلت في التشريع الإسلامي لتحكم بالإسلام وأحكامه، لا باسم الإسلام فقط وإن عطّلت بعض أحكامه أو جلّها، فإن تفسير الولاية بالعناوين التي تؤهلها للحكم والحكومة بمعنى الدولة، سوف تتلاشى معها بشكل تدريجي الأحكام، وتضيع الفرائض بنسبة من الضياع، فتفقد تلك الأحكام قداستها وقيمتها، وتصبح القيمة لعنوان الدولة مهما كانت أحكامها ما دامت تحكم باسم الإسلام.

ونقول عوداً على بدء:

إذا لم تكن للولي المعصوم ولاية التصرف في تغيير وتبديل الحكم الذي حمله من قبل الله، فكيف يمكن أن يعطي هذه الصلاحية لإنسان يخطئ ويصيب، ويتأثر بالمؤثرات الخارجية، يتأثر بقناعاته التي يعذر فيها إن كانت مخالفة، ولكن هذه القناعات عندما تكون في صميم الأحكام الشرعية، فلا يكون معذوراً عندما تكون نتيجة الأخطاء هو خفاء الأحكام، أو اضمحلالها وتلاشيها على مر العصور.

إذا كان المعصوم، الذي يعلم الغيب، ويعلم ما يريده الله وما لا يريده، لا يملك الصلاحية المدعاة في سعة ولاية الفقيه من التقدم على سائر الأحكام، مع أن ولاية المعصوم لو تقدّمت فهو معصوم، فكيف تكون ولاية الفقيه مقدّمة!

وكيف يمكن للأحكام أن تعطي الفقيه ولاية ليعطل أحكام الله إذا اقتضت المصلحة المفروضة غير مصلحة تطبيق الشريعة!

وكيف يكون في تعطيل الحكم الشرعي مصلحة للإسـلام والمسلمين!

وهل مصلحتهم إلا في تطبيق الدين الإسلامي الذي يضمن جميع مصالحهم!

وكيف يمكن أن يعطي الإمام الولاية، للفقيه ويضعه موضعًا قابلاً لأن يحكم بغير ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله ولسانهم (عليهم السلام)! فيكون بذلك مصداقًا لكثير من الآيات والروايات التي تلعن من يغِّير أحكام الله ويحكم أو يفتي بغيرها.

فقد ورد -بالإضافة إلى آيات {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} المتعددة-: الروايات الدالة على ذلك من قبلهم (عليهم السلام).

ونتيجة المسألة:

أن الفقيه له الولاية في الفتوى والقضاء، وفي سائر الشؤون العامة والخاصة التي تحتاج إلى الوليِّ وليس من يقوم بها، ومنها تنظيم أمور المجتمع المسلم، حتى بإقامة حكومة إذا كان الظرف مؤاتيًا لذلك، على أنَ تكون هذه الحكومة خاضعة بشكل كليِّ لأحكام الشريعة الإسلامية، حتى إذا كان ذلك أرش الخدش.

وبناء على هذا: فإنَّ حكم الحاكم حينئذٍ نافذ، ولا تجوز مخالفته، ولا يجوز نقضه من المجتهد الآخر، حتى لو كان هذا المجتهد الآخر هو المحكوم عليه.

وقد دلَّنـا على ذلك قوله (عليه السلام) فيما تقدم من الروايات: (فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنما استخفَّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرادُّ علينا كالرادِّ على الله وهو على حدِّ الشرك بالله).

فإن هذه الروايات صريحة في أنه إذا حكم الحاكم بحكم تجب إطاعته، ولا تجوز مخالفته لأنه حكم الله.

والمراد بحكمهم (عليهم السلام): هو الأحكام الواصلة إلينا من قبلهم (عليهم السلام) بالطرق المعروفة، وهي أحكام ظاهرية.

فحُكْم الحاكم: حُكْم ظاهري يجب العمل به، ويحرم نقضه، وهو نافذ على المجتهد الآخر أيضًا، فيما إذا كان حكمه مبنيَّـًا على وجود حق ثابت، أو حقيقة ثابتة يريد تنجيزها، فيحكم حينئذٍ، حتى تبلَّغ هذه الحقيقة لمن لا يعرفها، كالحاكم بالهلال.

فحُكْمه حكم ظاهري ينظر إلى تنفيذ الواقع، فيكون حجة ما لم يقطع بخلافه.

 

الحكم الولائي

وأما الحكم الولائي الذي عليه عمل الملتزِمين بولاية الفقيه في وقتنا الحاضر، فقد فسروه: بأنه لا يجب أن يكون هناك واقع ثابت مُسبقًا، أو حقيقة ثابتة يريد الحاكم أن ينجزّها، بل يكون المقصود بحكمه: هو تنجيز حكم واقعي على الأمّة لم يكن موجودًا في الشريعة، ولَم يكن هناك إلزام بحسب التشريع الأولي، ولا ملاك الإلزام، وحتى لو كان فيه ملاك الإلزام، فإن مصلحة عدم الإلزام تزاحمه.

ومثلوا له: بما لو رأى الحاكم ضرورة تحديد الأسعار، فحكم بذلك.

وذكروا أن هذا ليس حكمًا ظاهريًا حتى يمكن افتراض الخطأ فيه، بل كان حكمًا واقعيًا على أساس إعمال الولاية، إذا لم يكن فيه ملاك، أو كان له ملاك ولا يمكن إيصاله عن طريق الشريعة إلا من خلال ولاية الوليِّ.

نقـول: إذا كان المقصود بهذا الكلام: أن حكم الحاكم يكشف عن وجود مِلاك للحكم الشرعي، وهو وجوب الالتزام بحكمه.

فبالإضافة إلى أن هذا دور واضح، فإنا لا نظن أحدًا يلتزم بذلك، لأن الملاكات لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يمكن استكشافها إلا عن طريق الحكم الثابت في الشريعة.

وأما أن نستكشف مِلاك الوجوب الشرعي الواقعي من حُكْم الحاكم، فهذا من أوضح أنحاء التشريع المحرَّم بالكتاب والسنة والضرورة.

 وإذا كان المقصود: أن المصلحة التي نظر إليها في حكمه، هي قوية إلى درجة تصحّ أن تكون مِلاكًا للحكم الشرعي:

فإن كان المقصود بذلك: أن هذه "المصلحة" تكون من العناوين الثانوية، التي يعلم برجحانها الشرعي إلى درجة الإلزام.

فهذا صحيح، ولكنّ حُكْم الحاكم حينئذٍ يكون تطبيقًا للحكم الشرعي على مورده غير المنصوص عليه بخصوصه.

وبعبارة أوضح: يكون حكمًا للعنوان حيثما وُجِد، وقد طـبَّقه الحاكم بنظره الاجتهادي على هذا المورد، فهو حُكْم أوليّ، ولكن على عنوان آخر، وبعنوان آخر، غير العنوان الذي كان ثابتًا له أولاً، فهو حكم كاشف أيضًا، ويصحّ تسميته حكمًا ولائـيًا، لأن الوليَّ هو الذي طـبَّقه على مورده، وهذا موجود في كثير من أبواب الفقه -إن لم يكن كلها-، كما لو ثبتت الحرمة لموضوع، ثم طرأ على هذا الموضوع عنوان الضرر، أو الاضطرار، أو الإكراه، أو نحو ذلك، فإن الحرمة ترتفع لا محالة.

وهناك موارد خاصة في الشؤون العامة، لا يستكشف الضرر الاجتماعي فيها إلا الفقيه الخبير، فيفتي برفع الحرمة، أي يخبر بها، ويحكم على ذلك الموضوع بحكم العنوان الذي يراه بحسب اجتهاده منطبقًا على هذا المورد.

وكذلك رفع الوجوب، والحكم بحكم آخر بمقتضى عنوانه في موارد الضرر والحرج.. إلى غير ذلك من العناوين المسوِّغة لإعطاء الأحكام لموضوعاتها حسب عناوينها التي توجِب اشتمالها على عنوان المصلحة أو المفسدة، اللتين إن وجِدتا ترتَّب الحكم لا محالة.

وفي هذه الموارد، فالحكم أيضًا حكم كاشف، وهو حكم أولي ظاهري قابل للخطأ وانكشاف الخلاف.

بل إن أحكام الشريعة كلّها أحكام أولية، حتى هذه الأحكام الولائية.

ولا يسمى الحكم ثانويًا إلا بلحاظ أنه حكم آخر، أو حكم ثانٍ لنفس الموضوع، لتبدُّل عنوانه الذي يستوجب انتفاء المفسدة أو المصلحة منه.

فلا نقول أن هناك أحكامًا أولية وأحكامًا ثانوية، بل الأحكام كلها أوليه صادرة عن الشارع بنصّ خاص أو عام.

نعم، نقول: إن الحكم:

(تارة): يكون للموضوع نفسه بعنوانه الأولي الطبيعي.

(وأخرى): يكون للموضوع نفسه بعنوان آخر.

وأوضح مثالٍ له: الكذب، فإن موضوع الكذب هو الكلام الذي لا يطابق واقعًا ولا اعتقادًا للمتكلم، فهذا الموضوع محكوم بالحرمة.

فإذا كان هذا الكلام -مع كونه غير مطابق للواقع والاعتقاد- مما يترتَّب عليه مصلحة يجب تحققها في الشريعة، يصبح واجبًا، وكذا إذا ترتَّبَتْ على تركه مفسدة.

وأما إذا كان المراد بحكم الحاكم الولائي: هو نفس الحكم الواقعي الذي يراه الحاكم إلزامًا.

فهذا -بهذا المقدار- لا معنى له، لأن الحكم الواقعي حكم أُنشِئ على نحو القضيه الحقيقة، فإذا رآه الحاكم فعليًا لفعلية موضوعه، فهذا مثل القضاء، يكون حكمه فيه نافذًا، لأن رؤية الحاكم مقدَّمة على رؤية الآخر، فهو كحكم القاضي، إلا إذا اعتقد المكلَّف أن حكم الولي خاطئ ويحرم عليه الالتزام به، فهنا حيث إن نفوذ حكم الحاكم إنما هو في دائرة حفظ الأحكام الشرعية الإلزامية، فمن اعتقد بخروج حكم عن هذه الدائرة لخطأ الحاكم، وأنَّ الموضوع فيه حرمة لا وجوب، فلا يجب عليه الامتثال.

وما قد يقال: بأن قطع الحاكم موضوعي، فالحكم واقعي فعلي.

ففيه: أن قطع الحاكم طريقيّ إلى نفس الحكم الذي قطع به، فهو حجة عليه، ويجب عليه الإفتاء، ولا علاقة للمكلَّف به، ومثّلوا لذلك: بالجهاد، والتمثيل صحيح.

والنتيجة ما ذكرنا: تجب الإطاعة إلا مع الاعتقاد بالخلاف.

وعلى أية حال: فإن حكم الحاكم على جميع التقادير حكم ظاهري كاشف عن حكم واقعي مفروض الثبوت قبل حكمه، فإذا شك في صحته يجب تنفيذه، وإذا شك في خطأ مستنده يجب تنفيذه أيضًا.

وأما إذا عُلِم بخطأ المستند: فلا يجب التنفيذ، خصوصًا إذا كان المستند حسيًا، كما في البينة التي تقوم عند الحاكم على الهلال، وكان المكلف يعلم بكذبها، أو عدم صحة شهادتها، سواء أكان حكم الحاكم على أساس أن البينة أمارة أم على أساس الولاية، لأن الحاكم على كل حال لا يحكم بمقتضى هذه الولاية إلا لتنفيذ الواقع، وحكمه في الحقيقة إخبار عن حجية البينة.

وأما حكم القاضي في المرافعات: فإنما هو للحكم بالعدل والحق، وليس حكمًا ولائيـًا، كما في سائر الأمور.

حتى لو سلمنا تفسير الحكم الولائي بما ذكر، فهو لا يريد إيجاد حق، بل يريد الكشف عن الحق، ولكنّ حكمه نافذ حتى لو علم المظلوم أن الحكم مخالف للواقع.

نعم، لا يجوز للآخر الظالم أن يستفيد من هذا الحكم وهو يعلم بأن الحق عليه لا له.

والسبب في نفوذ حكمه تعـبُّدًا: هو الدليل الخاص الذي دلَّ على نفوذ حكمه حسمًا لمادة النزاع، ولا تُحسم إلا بنفوذ حكمه، مع بقاء حرمة الأخذ على المحكوم له، لعـلمه بالخلاف.

هذا كله من حيث المبدأ في أصل صلاحيات الوليِّ.

وأما من حيث الأمثلة: فلا ينبغي جَعْلها مَوْضعًا للنزاع والنقاش، إذا خضعت للموازين المذكورة بدقة وإتقان.

ويستثنى من ذلك: الموارد التي هي ضرورية الثبوت، أو ضرورية الانعدام في الشريعة من قبل الشارع.

فإن مثل هذه الموارد، لا يمكن من الناحية الشرعية البحث عن عناوين لها لإخراجها عن أحكامها الثابتة، لأجل محاولة تعنونها بعناوين أخرى توجِب لها حُكْمًا آخر إثباتـًا أو نفيـًا:

وهي الموارد التي يعلم من مذاق الشارع، ومن مجموع فقه الشريعة: أنه لا يرضى بوجودها وصدورها حتى عمَّن لم يوضع عليه قلم التكليف، كالأموال والأنفس والأعراض، وقَـتْل النفس المحترمة بغير الحق الذي نص عليه القرآن الكريم أو السنة النبوية.

وكذا سائر المحرمات الأخلاقية الاجتماعية: كالزنى، واللواط، والسرقة، وغيرها، مما رتَّب عليه الشارع الحدود الرادعة القاسية.

فإن مثل هذه الأمور لا يصح التلاعب بها لإقناع الحاكم، كما لا يصح للحاكم أن يعنون مواردها بالعناوين التي تخرجها عن أحكامها.

وكذلك الحال في المباحات التي لم يجعل لها الشارع أحكامًا إلزامية تسهيلاً ومنَّـةً، فإنه لا يجوز إلتماس العناوين الملزمة لها، فإن الله تعالى رفع التسعة في حديث الرفع وإن كان في مواردها أحكام واقعية، تسهيلاً على العباد ومنَّـةً منه عليهم، ورفع الحرج عن الواجبات إلا ما استثني مِنَّـةً وتسهيلاً على العباد، وجعل المباحات لأنها مباحة بالأصل، إلا ما دلّ الدليل عليه.

فلا يجوز أن نعاند الله تعالى أو نشاركه في حكمه، ونتدخل في شؤون خَلْق الله سبحانه إلا من خلال الأحكام الشرعية.

والحكومة الإسلامية شرعية، ويعترف الشارع بها، وأَمَر بإقامتها لأجل صيانة تلك الأحكام وتطبيقها، فلا يمكن أن نتصور: أن مصلحة الدولة أو أشخاص الدولة، تستوجب جَعْل حكم أو إلغاء حكم، فإن هذا النحو من تحرّي المصالح، إن لم يكن شراكة مع الله تعالى في حكمه، فهو ردّ على أحكامه من حيث نعلم أو لا نعلم، والله العاصم والهادي إلى سبيل الحق والرشاد.

ونسأل الله عزَّتْ أسماؤه، أن يوفِّق علماءنا الأعلام في سائر الدول الإسلامية، وفي خصوص الجمهورية الإسلامية، للسير على كتاب الله تعالى وسنـَّة نبـيِّه (صلى الله عليه وآله)، والسعي باستمرار لرَفْع راية الإسلام، وخدمة المسلمين.


 

(*) نشر هذا المقال في (العدد الأول - 2005م / 1426هـ) من هذه المجلة.

([1]): الحاقة: 44-45-46.

([2]): الوسائل ب5 أبواب صفات القاضي ح1.

([3]): الوسائل ب5 أبواب صفات القاضي ح2.

([4]): الوسائل ب9 أبواب صفات القاضي ح3.

([5]): الباب السابق ح13.

([6]): الباب السابق ح14.

([7]): الباب السابق ح16.

([8]): الوسائل ب10 أبواب صفات القاضي ح14.

([9]): الوسائل ب8 أبواب صفات القاضي ح11.

([10]): الباب السابق ح26.

([11]): الوسائل ب10 أبواب صفات القاضي ح13.

 

 

التقليد

سيرة العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم(*)

سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)

 

التقليد هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل، بمعنى أن العامل يستند في عمله إلى قول الغير، ويجعله مسؤولاً عنه، وكأنه قلادة في رقبته، وهذا المعنى هو المفهوم من التقليد لغةً وعرفًا، ولذلك يقال في العرف العام: قلّدتك الدعاء والزيارة، فهو كذلك في العرف الخاص، وعلى هذا المعنى وردت الروايات في التقليد الشرعي.

مسألة التقليد لا تقليد فيها

ومسألة التقليد ليست من المسائل التي يجب التقليد فيها، فإذا قيل بأنه يجب على المسلم أن يُقلّد، فمن الذي حكم عليه بهذا الوجوب ؟ ومن الذي قال له يجب أن يقلد ؟

لا يصح أن يقال: إن هناك شخصًا آمرًا، لأن هذا أيضًا تقليد يحتاج إلى تقليد آخر ليحقّ له الرجوع إليه، وهكذا، فيلزم التسلسل !!

بل الصحيح: أن المكلف المعتقد بالله ورسوله واليوم الآخر وما جاء به الرسول، يعلم بأنه مكلّف بأحكام الشريعة الإسلامية المقدّسة، ويجب عليه الخروج عن عهدة هذه التكاليف بإطاعة أوامر الله تعالى والإقلاع عن المعاصي، لأن الأحكام التي جاءت بها الشريعة منجّزة على كل مكلف، حيث إنه يعلم إجمالاً بوجود كثير من هذه الأحكام في الشريعة، إلا أن أكثر هذه الأحكام مجهولة عنده، عدا ما هو بديهي ضروري كالصلاة وسائر الفرائض، ولكن تفاصيلها مجهولة عند المكلف، ولذلك يُدرك عقله بأنه لا بد من الخروج عن عهدتها، لأن غير العاقل لا يُكلَّف، وحيث إنه لا يعرفها، فلا بد له من معرفتها وتعلُّم تفاصيلها.

فما يعرفه بالوجدان والضرورة لا كلام فيه، وأما سائر الأحكام -وهي كثيرة جدًا تشمل جميع تقلّبات الإنسان وتصرّفاته وأعماله- فلا بد له من معرفتها وتعلّمها ممن يعرفها، ولا بد أن يكون قول هذا الغير حجة عليه، لأن العمل بلا حجة لا يُبرئ الذمة، فلا بد له من التقليد والرجوع إلى من يعلم بهذه الأحكام.

الأدلة

وأما ما هو الدليل على حجية قول هذا العالم في حق الجاهل بالأحكام، فالكلام فيه: (تارة) فيما يستفيده العالم الذي يفتي بوجوب التقليد من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة. (وأخرى) فيما يدعو المكلف - الجاهل بالحكم - للرجوع إلى العالم.

أ - أدلة المجتهد على مشروعية التقليد

أما بالنسبة للعالم، فعمدة ما يمكن ذكره من الأدلة على نحو الاختصار: كتاب الله وسُنّة نبيه  (صلى الله عليه وآله) بالإضافة إلى حكم العقل، وسيرة العقلاء الراجعة إلى السنّة كما سنذكر.

( أما الكتاب العزيز ): فعمدة ما يدل على ذلك من الآيات، آية النفر، وهي قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}([1]).

حيث دلّت الآية الكريمة على وجوب النفر بمقتضى (لولا) التي هي أداة تحضيضية تبعث إلى الفعل، والغاية من النفر الواجب هو التفقّه، فتدل على وجوبه، والغاية من التفقه - بالإضافة إلى عمل الشخص المتعلّم - هي الإنذار بما تفقّه به وتعلّمه من الأحكام.

والإنذار لا موضوعية له، ولا هو واجب في نفسه، بل هو نفس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يجب لأجل ترتّب الحذر عليه والابتعاد عن المعاصي من قِبل من بلَغه هذا الإنذار.

فتدل الآية على وجوب الأخذ بأقوال هؤلاء الذين نفروا وتفقّهوا، ورجعوا فأنذروا، وهذا معناه التقليد، لأن الحذر الذي هو غاية الإنذار لا يراد به مجرد الخوف النفساني، بل هو التحفظ عن الوقوع فيما لا يريده الإنسان من المهالك لإحراز ما يراد الوصول إليه من المنافع.

فتدل على وجوب الحذر بالعمل على طبق ما أنذر به، وإن لم يكن واضحًا عند السامع، ما دام هو قد تفقّه لأجل ذلك، مع وثاقته وعدالته، فلو كان المفروض أن يتيقن السامع بعد الإنذار، لكان الأولى أن يعبّر بالفعل أو بالترك دون أن يعبّر بالحذر.

فتدل الآية على وجوب الإفتاء على من تفقه، كما تدل على وجوب التقليد، لأنه يجب الحذر والتحفّظ عند الإنذار والتعلّم.

( وأما السنّة ): فهي الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة، الذين أمر الله والرسول  (صلى الله عليه وآله) بالرجوع إليهم مع القرآن.

فقد دلت روايات كثيرة على حجية فتوى المفتي، كالتي دلّت على إرجاع الناس إلى أشخاص مخصوصين، أو إلى عناوين تنطبق على الفقهاء.

كقوله  (عليه السلام) لأبان بن تغلب: (اجلس في مسجد المدينة، وأفتِ الناس، فإني أحب أن أرى في شيعتي مثلك)([2]).

وقوله  (عليه السلام) في رواية أخرى لمعاذ بن مسلم: (بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت: نعم. وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودتكم، فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه، ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك. قال: فقال لي: اصنع كذا، فإني كذا أصنع)([3]).

وأظهر من الكل ما ورد عن إمام العصر الحجة بن الحسن المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في رواية إسحاق بن يعقوب: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)([4]).

فإن الحوادث الواقعة قد لا تكون منصوصة بخصوصها، فلا يمكن معرفة حكمها إلا بالاجتهاد من قبل المفتي، بإعمال نظره، وتطبيق ما تعلّمه من الفقه على ضوء الكتاب والسنة.

والتعبير بـرواة الحديث في هذه الرواية إنما هو لأن الرواة في ذلك العصر هم الفقهاء، حيث إنهم اطّلعوا على الأحكام من مصادرها الأصيلة، فعرفوا ظواهرها وعامّها وخاصّها، وسائر ما يحتاج إليه فقهاء عصرنا للتوصّل إلى الحكم، فإنهم بالنظر إلى قرب عهدهم وكونهم من أهل اللسان لا يحتاجون إلى المقدمات التي احتاجها المتأخرون عنهم، هذا مع أن القرآن الكريم قد عبّر عن مثلهم بالتفقه في الدين في قوله تعالى {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}.

بالإضافة إلى أن مصدر الفقاهة عند علماء الشيعة هو الأدلة والروايات التي وصلتهم عن أهل البيت  (عليهم السلام)، وليس لهم رأي من قبل أنفسهم إلا بمقدار ما يستفيدونه من الروايات والكتاب العزيز بما يوافق العقل.

هذا فيما يرجع إلى استدلال المجتهد بشكل مختصر..

وأما ما يتبعه العامي فهو الارتكاز، وتوضيح المسألة:

ب - أدلة العامي على وجوب التقليد

( الارتكاز ): ومما يدل على لزوم التقليد ووجوبه، هو الارتكاز الثابت عند عقلاء البشر قاطبةً، وسيرة العقلاء المبنية على هذا الارتكاز من رجوع الجاهل إلى العالم والعارف في كل ما يحتاج إليه الإنسان من سائر شؤون الحياة، من المعاش والمعاد وحفظ نظام حياتهم من جميع الجهات، فيرجعون في كل شيء إلى أهل الخبرة في ذلك الشيء، في كل حرفة وصنعة وعلم من العلوم، وسائر شؤون الحياة.

فالناس بفطرتهم وطبيعتهم التي تعوّدوا عليها وتلقّوها ممن كان قبلهم، يفعلون ذلك، فيرجع المريض إلى الطبيب لا إلى النجار، وهكذا سائر الأمثلة، يعني يرجعون إلى كل عالم بعنوانه الخاص، فالذي يريد السؤال عن مسألة شرعية من قبل الشريعة، يرجع إلى العالم بتلك الأحكام.

اتصال السيرة بزمن المعصوم

وهذه السيرة مستمرّة بين العقلاء، وهي حجة شرعية، لأن الشريعة قد أقرّتها في كل الشؤون، إلا إذا ورد نهي شرعي في بعض الموارد، كما ورد النهي عن كثير من تصرّفات الناس فيما تعارفوا عليه مما لم يرتضه الشارع، وهذا الوضع يعرفه كل الناس وإن لم يلتفتوا إلى الاستدلال به في الأحكام الشرعية، إلا أنه مرتكز في أذهانهم. لأنه بعدما أدرك عقل الإنسان وجوب الطاعة وحرمة المعصية، واعتقد بالعقاب على المخالفة، صار لزامًا عليه أن يبحث ويسأل ويرجع إلى الخبير !!

وأيضًا لا بد من معرفة الخبير بالشريعة، ويتم ذلك عن طريق الرجوع إلى أهل الخبرة أنفسهم أيضًا.

وهذه السيرة حجة شرعية إذا أقرّها الشارع وأمضاها، أو لم يردع عنها، فإن عدم الردع في قوة إمضائها وإقرارها.

فلا بد من بيان معنى الإقرار والإمضاء، ومعنى الردع الذي يمنع الأخذ بها أو بغيرها، ثم بيان الوجه في حجية السيرة ثانيًا، فنقول:

إقرار السيرة وإمضاؤها يعني حجيتها

بعد الفراغ عن أن الشريعة الإسلامية لم تترك وضعًا وحالة وفعلاً من أفعال الإنسان بدون حكم، لأنها جاءت لتنظيم حياة الإنسان في جميع شؤونه، ولذا قلنا بأنه لا تخلو واقعة عن حكم شرعي على نحو الاقتضاء أو التخيير.

وهذه الأحكام -المُلزِم منها بالفعل أو الترك وكذلك غير المُلزم- على نوعين:

النوع الأول: ما هو أحكام تأسيسية، كالعبادات وغيرها مما لا يكون موجودًا عند الأعراف الاجتماعية ولا علاقة لهم به كأفراد وجماعات، لأنهم إنما يتعاملون مع ما يرون أنه لا بد منه في تنظيم شؤونهم دون ما أسّسته الشريعة وفرضته.

النوع الثاني: ما هو أحكام إمضائية، وهو المعاملات المتداولة بن الناس من سائر التقلبات كالمعاشرات والعقود والإيقاعات والصناعات والزراعات، حسبما يتطلبه نظام حياتهم من الناحية الاجتماعية والمعاشية وسائر الشؤون.

فكل حكم في الشريعة حول هذه الأمور يوافق ما تبانى عليه الناس وساروا عليه قبل الشريعة أو بغضّ النظر عنها، فهو حكم إمضائي بمعنى أن دور الشريعة بالنسبة إليه هو إمضاء وإقرار هذا الوضع المُعين، مثل قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}([5])، و{أوْفُوا بِالْعُقُودِ}([6])، ونحوهما.

عدم الردع عن السيرة وأثره

ففي مثل هذه الأمور قد نصّ الشارع على الإمضاء، ولكن لا يجب أن ينصّ على كل وضع موجود ليكون إمضاءً وشريعة، بل يكفي أن يكون الوضع معلومًا عند الشارع ولا يردع عنه، بل يسكت عنه، فإن هذا إمضاء وموافقة عليه ما دام بمرأى ومسمع منه، لأنه في مقام التشريع والبيان، فإذا حكم بحكم مخالف لسيرة الناس العقلاء وسلوكهم في أيّ شأن من شؤون تعايشهم وتعاملهم، فهذا ردع ونهي عن ذلك السلوك مطلقًا، فهو إبطال لذلك الوضع من الأساس، وأما في بعض الخصوصيات، فهو إمضاء لأصل الوضع مع تعديله في بعض خصوصياته إيجابًا أو سلبًا.

فالعقود كالبيع والإجارات والزواج، والإيقاعات كالطلاق والهبة والإبراء والصدقات، وكذلك الحال في القصاص والديات في الجنايات، وغيرها، فهذه الأمور لها قواعد مقرّرة في المجتمع الإنساني، أمضاها الشارع إجمالاً من حيث الاعتراف بأصل مشروعيتها ولكنه أدخل عليها بعض التعديلات، فنهى في هذه المعاملات عن الربا والغشّ والعبث وسائر ما هو محرّم بنظر الشريعة وجعل المعاملة حينئذٍ أكلاً للمال بالباطل.

هذا الإمضاء في مقابل الأحكام التأسيسية التي لا يتداولها الناس في مقام التعايش بينهم كالعبادات، لأنهم من الناحية الاجتماعية والمعاشية لا يتبانون على هذا النوع من الممارسات التي هي علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، لأنهم إنما يتبانون ويؤسّسون في الشؤون التي يتوقّف عليها نظام حياتهم كمجتمع يريد أن يعيش بحرية وأمان، والعبادات لا دخل لها بهذا الشأن من وجهة نظرهم، ولذلك استمرت حياتهم من هذه الناحية.

بينما تنظر الشريعة إلى الإنسان بجميع شؤونه العامة والخاصة في روحه وبدنه ومعنوياته ليعطي لكل حالة الحكم - المناسب - الذي يعلم الله بأنه يُصلح الإنسان، ولذلك لا تخلو واقعة فعلية أو مُفترضة عن حكم، إما بالنص على ذلك الحكم، أو بإمضائه، بالنص على خصوص الواقعة، أو بالنص على قاعدة عامة ينسحب حكمها على كل جزئياتها ومصاديقها.

وأما لماذا تكون هذه السيرة حجة، فلأنها تكشف عن رأي المعصوم كشفًا قطعيًا إذا علمنا باطلاعه عليها ووجودها في زمانه، حيث إن فعل المعصوم حجة، وإقراره وإمضاؤه حجة كقوله ونصّه على الشيء.

والسر في ذلك:

أن أصحاب الأئمة  (عليهم السلام) وأصحاب الرسول  (صلى الله عليه وآله) قبلهم، من الرواة ونقلة الحديث، وسائر المسلمين، كانوا مكلفين من الناحية الشرعية بالالتزام بأحكام الشريعة والسؤال عنها، والمطّلع منهم على الحكم كان مكلفًا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كذلك كانوا مكلفين - بمقتضى تنصيب الأئمة للرواة والحافظين منهم - بحفظ الشريعة ونقلها إلى المسلمين المعاصرين والقادمين بعدهم، وهم بحكم سلوكهم وتديّنهم ووثاقتهم كانوا ملتزمين بالشريعة، وحيث إنهم من جملة العقلاء الملتزمين بالعرف العقلائي القائم في كل شأن من شؤون الحياة الاجتماعية عند العقلاء، فإنهم كانوا يسألون ويستفهمون، وكان من واجب الأئمة  (عليهم السلام) أن يبلّغوا الشريعة، لذلك لم يكونوا ليسكتوا عن وضع سائد إذا كان مخالفًا للشريعة.

فإذا لم ينقل هؤلاء الرواة العقلاء ردعًا، لأن الأئمة لم يبلّغوهم الردع، كشف ذلك بصورة قاطعة عن كون هذا السلوك سلوكًا مشروعًا وغير مرفوض من قبل الشريعة، اقتضاءً أو تخييرًا، لأن السيرة المخالفة تُوثّر سلبًا على أحكام الشريعة، وتؤدّي إلى ضياعها، فلا يجوز إهمالها من قِبل صاحب الشريعة، وهو المعصوم، بل لا بد له من صيانتها مباشرة، أو من قبل أصحابه، لأنهم كما قلنا أُمناء وملتزمون بواجباتهم تجاه هذه الشريعة.

فإذا أقرّ وضعًا عقلائيًا عامًا، كرجوع الجاهل إلى أهل الخبرة في اختصاصهم أو إلى تشخيص ظهورات الكلام ومعانيه، كان ذلك نصًا في الإمضاء والإقرار على هذا الوضع، وإذا أحال الشارع المقدس المكلفين في أحكامهم الشرعية على الرواة والفقهاء، لأنهم أهل خبرة في الأحكام الشرعية، فهذا إمضاء للسيرة في هذا الأمر، وكذا في غير الفقه من الموارد التي أُمروا فيها بالرجوع إلى أهل الخبرة، وهذا إمضاء صريح، وهو من السنّة التي هي أحد الأدلة، لأن تقرير المعصوم وإقراره سنّة، بالإضافة إلى قوله وفعله  (عليه السلام).

وإذا لم يكن هناك إقرار وإمضاء صريح، بل سكت عن وضع عقلائي عام سائد ولم يردع عنه، فإن ذلك يدل على إمضائه وإن لم يصرّح بالإمضاء، إذ مع الاهتمام الشديد بحفظ الشريعة، فإن عدم وجدان الردع يكشف عن عدم وجوده، خصوصًا مع وجود الدواعي لذلك، فإن الأصحاب كانوا يسألون عن الصغيرة والكبيرة، ونقلوا الأحكام التي يقلّ الابتلاء بها حتى بالنسبة للأفراد، بل ربما لم يبتلِ بها أحد من المسلمين مع أنه لم يكن هناك وضع عام يتعلّق بهذه الأحكام، فكيف يمكن السكوت عن وضع عام يبتلي به عامّة الناس ؟! ولا يصدر حكم ولا سؤال عنه مع الاطلاع عليه!! فإن ذلك السكوت من الإمام، سواء كان تصرفًا عامًا أو تصرّفَ شخص مع شخص آخر، هو إمضاء، وإقرار لهذا الوضع، أو لهذا التصرّف، فإن هذا السكوت إمضاء وسنّة، لأن السنّة - كما قلنا - هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره وإمضاؤه، والإمضاء قد يكون في مورد خاص مع الأشخاص وتصرّفاتهم الخاصة في عباداتهم أو في تعاملهم الخاص، وقد يكون إمضاء لوضع عام.

فالسنّة الممضاة وغير المردوع عنها، هي سنّة وحجّة شرعية.

هذا من حيث الكبرى، أعني أصل الحكم بحجيتها!!

وأما من حيث الصغرى، وهي تَحَقُّق هذه السيرة في زمن المعصومين، أو في زمن أصحابهم الذين عاصروهم، أو الذين عاصروا من عاصروهم من الفقهاء والرواة، فهذا يَثبت بالوجدان والنقل، ومع بُعد العهد -كما في عصرنا- فإننا ننظر إلى الأوضاع السائدة ونطّلع على ما أقرّوه في زمانهم وما لم يقرّوه.

الشك في اتصالها بزمانهم

فإذا لم نطلّع على وجود هذا الوضع في زمانهم أو الزمن القريب منهم، يحصل عندنا شك في حكم الشريعة في هذا الوضع، والمتّبع هو استمراره من ذلك الوقت، حيث إننا نشك في أنه وضع قديم، أو أنه مستحدَث وقد غيّر المجتمع الوضع القديم، فنُجري أصالة عدم النقل، بمعنى أنه عندما نشك في أنهم هل تلقّوا هذا الوضع ممن سبقهم، أو أنهم أحدثوه في زمن ما بعد زمن المعصومين، فإن القاعدة الشرعية التي تثبت حجيتها بالنص الشرعي تقتضي عدم الاستحداث، وهي أصالة عدم النقل، فإن أصالة عدم وجود الردع مع الاحتياج إليه في كل العصور، يكشف عن الإمضاء حتى لو لم يكن موجودًا في زمانهم، لأنهم لم يشيروا إليه في مجموع الروايات التي كانوا يسألون فيها عن جزئياتٍ ومصاديقَ من عناوين عامة.

وأما إذا لم يكن وضع معين في عصرنا، فلا دليل عندنا على المسألة، والحكم هو ما تقتضيه القواعد الشرعية، ولا علاقة للسيرة في هذا الأمر. كأن يرد النهي عن مصداق من عنوان عام، ولم يرد النهي عن مصاديقه الأخرى، فهذا يدلّ على عدم الردع عن هذا الوضع إلا في هذا المصداق، فقد ورد - من باب المثال - النهي عن بيع الغرَر، وبيع النجس، والبيع الربوي، والسفهي، وأما مطلق البيع بعنوانه في باقي المصاديق فلم يرد نهي عنه، بل أمضاه الشارع بنص القرآن الكريم، وبعنوانه العام {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}([7])، وكذا بقية العقود التي نصّ القرآن الكريم على حلّيتها مع النهي عن بعض مصاديقها، وأما بقية المصاديق فلم يرد نهي عنها، وهي بالعنوان العام وضع سائد أمضاه الشارع، وهكذا...

والحاصل: أن رجوع الجاهل إلى العالم في كل اختصاص، هو وضع لا يحتاج إلى أصل يُثبت وجوده في العصور السابقة، إن لم نقل بأنه موجود منذ بدء البشرية، فلا يحتاج إلى مزيد مؤونة، ولا تصل النوبة إلى الشك .

لذلك كان رجوع الجاهل إلى العالم -ومنه رجوع العامي إلى الفقيه- وضعاً مستمرًا لا يحتاج إلى وجدان خارجي أو أصل يُثبت عدم النقل إليه، ولذلك قلنا بأنه يجب على كل مسلم مكلّف أن يسأل الفقهاء، وهذا هو التقليد، هذا مضافًا إلى النصوص التي دلّت على ذلك من الكتاب والسنة.

صفات العالم

يبقى الكلام في صفات المجتهد الذي يكون تقليده مبرئًا للذمة، وفي كيفية الوصول إلى معرفته، فنقول:

أما من حيث صفاته العامة، فقد وردت بعض الراويات التي تدل على صفات من يُرجع إليه في عصر الغيبة -تلك الفترة التي كان الفقهاء نوّابًا ووكلاء من قِبل صاحب الأمر الحجة ابن الحسن المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)-:

منها: ما ورد عنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (.. وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)([8]).

ومنها: قول أبي جعفر  (عليه السلام): (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه)([9]).

ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله  (عليه السلام): (.. ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكمًا، فإني قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخفّ بحكم الله، وعليه ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله..الحديث)([10]).

وقد أشرنا فيما سبق إلى أن المقصود بالرواة هم الفقهاء.

ومنها: ما دل على أن الثقة المأمون يؤدّي عن الإمام ويقول عنه، وأنه يجب إطاعته والاستماع لنقله وفتواه([11]).

ومنها: قوله  (عليه السلام) في حديث: (فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه.. الحديث)([12]).

وقد وردت بهذا المضمون روايات كثيرة، ومعنى الإطاعة لأمر مولاه أن لا ينظر في كل أقواله وأفعاله وتصرّفاته إلا من خلال الشريعة الإسلامية، فيكون ممثلاً ومجسّدًا لجوهر الشريعة بأعلى مرتبة مطلوبة من غير المعصوم، لأن مرتبة العصمة لا يصل إليها أحد من البشر،و هذا تختلف فيه مراتب العلماء، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}([13]).

تقليد الأعلم

فلو تعددوا يختار واحدًا منهم، وأما لو اختلفوا، وكان واحد منهم أعلم من الآخر، فالواجب هو الرجوع إلى الأعلم .

وتدل على ذلك السيرة المستمرّة، عند سائر البشر، عندما يختلف أهل الاختصاص، ويكون واحد منهم أكثر كفاءة ومعرفة من الآخر.

وأما كيف يعرف المجتهد والأعلم، فمرجعه إلى أهل الخبرة في هذا الاختصاص أيضًا، ويستدل عليه بنفس الدليل بتفاصيله، لأن الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص - بعد حجية السيرة - هو أمر من الإمام  (عليه السلام)، فلا نعيد تكرار الاستدلال.

نعم يشترط التعدد في أهل الخبرة، وأقلّه اثنان من العلماء المجتهدين ولو بدرجة جزئية، ليميّزوا بين مراجع التقليد، فلو اختلف أهل الخبرة يرجع إلى الشهرة بين أهل العلم.

فالذي يرجع في التقليد إلى شخص لأنه يحبّه، أو لأنه من أرحامه وذويه أو لأن آراءه تعجبه، فإن تقليده لا يبرئ الذمة، ويكون مسؤولاً عن أعماله عند الله سبحانه.

 

(*) نشر هذا المقال في (العدد التاسع - 2007م / 1428هـ) من هذه المجلة.

([1]) سورة التوبة: من الآية122 .

([2]) الوسائل (آل البيت): ج30 ص291 ؛ مستدرك الوسائل: ج17 ص315، ب11 من أبواب صفات القاضي ح14 .

([3]) وسائل الشيعة (آل البيت): ج16 ص233، ب30 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ح2.

([4]) وسائل الشيعة (آل البيت): ج27 ص140، ب11 من أبواب صفات القاضي ح9.

([5]) سورة البقرة، من الآية275.

([6]) سورة المائدة: من الآية1.

([7]) سورة البقرة من الآية275.

([8]) وهي مكاتبة إسحاق بن يعقوب إلى الناحية المقدسة، انظر: وسائل الشيعة (آل البيت): ج27 ص14، ب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.

([9]) وسائل الشيعة (آل البيت): ج27 ص20، ب4 من أبواب صفات القاضي ح4.

([10]) وسائل الشيعة (آل البيت): ب11 من أبواب صفات القاضي ح1.

([11]) وسائل الشيعة (آل البيت): الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 4 - 5 - 8 - 15، وغيرها، فإنها تضمنت الإرجاع إلى عبد الملك بن جريح وأبان بن تغلب ومحمد بن عثمان العمري وأبي بصير، وغيرهم من الرواة والفقهاء، فإن الإرجاع إلى هؤلاء الأشخاص بعناوينهم لا بأشخاصهم، ويفهم ذلك من مثل التعليل بقوله  (عليه السلام): (فإنه الثقة المأمون) ونحوها.

([12]) وسائل الشيعة (آل البيت): ب10 من أبواب صفات القاضي ح20 .

([13]) سورة المجادلة، من الآية11.

 

 

دخالة العقل في الدلالة على الحكم الشرعي(*)

سماحة الحجة الشيخ مفيد الفقيه (قدس سره)

 

 بعد إيماننا بالله -تعالى- وبشريعته وصلاحها، وجب علينا بحكم العقل إطاعته -سبحانه- بتطبيق أحكام هذه الشريعة، لأن الله -تعالى- العالم بكل شيء وبجميع المصالح والمفاسد قد وضع أحكامًا لكل أفعال الإنسان على طِبْق الملاكات والمصالح التي يعلمها، ولذلك لا يمكن افتراض خلوّ واقعةٍ أو فعلٍ من أفعال الإنسان عن حُكْم من قِبَل الشارع، إما بنحو النص وإما بالقواعد العامّة المنطبقة على مواردها، اقتضاءً أو تخييرًا.

وحيث إن هذه الأحكام لم تكن كلّها واضحةً بالنسبة إلينا وضوحًا بديهيًا، للبُعْد عن عصر النصوص من جهة، ولكثرة الدسّ والاختلاف من جهة أخرى، كان لا بد من اتّباع طريق لرَفْع الغموض عن الموقف العملي للإنسان، وهو [علم الفقه] الذي يحدّد الوظيفة العملية للمكلف بالدليل، إما بتعيين الحكم الشرعي بالدليل المحرز له من الكتاب والسنّة، وإما بتعيين الوظيفة العملية بعد غيابِ العلم بالحكم الشرعي، والشكِ فيه مع تعذّر رَفْع هذا الشك بدليل قطعي، والذي يحدد الوظيفة يسمى بـ[الأصول العملية]، وهي أيضًا مأخوذة من الأدلة الشرعية.

وهناك قواعد عامّة يحتاجها الفقيه في علم الفقه، تساعد في عمليات الاستنباط بشكل أساسي، ولا بد من دراستها في علم الأصول، مثل حجيّة خبر الواحد، والإجماع، وحجية الظواهر، وحجيّة الدليل العقلي، ومقدار الحجية في كل من هذه الأدلة وموارد تطبيقها، والتعارض فيما بينها.

وبدون معرفة هذه القواعد لا يمكن التوصّل بواسطة النصوص إلى نفس الحكم الشرعي، ولا إلى نفس الوظيفة العملية، لأن علم الأصول بالنسبة لعلم الفقه كعلم المنطق بالنسبة لسائر العلوم، حيث يستخدم لتنظيم عملية التفكير في استنباط الأحكام.

ولذا كانت الحاجة إلى علم الأصول ناشئة عن الحاجة إلى علم الفقه.

مرافقة الشيعة للنص الشرعي إلى زمن الغَيْبة الكبرى

علم الفقه بدوره نشأ في أحضان علم الحديث، فلم يكن علم الأصول منفصلاً عن علم الفقه منذ البداية، لكن تطور علم الفقه ونموّه كعِلْمٍ، واتّساع أُفُقِه، وتوسُّع بحوث التطبيق لكثرة الفروع والابتلاءات، وانفتاح المسلمين على مختلف الأمم وسائر شؤون الحياة، كلّ ذلك أدّى بشكل طبيعي إلى توسّع المباحث الأصولية وتوسّع النظريات لأجل حلّ تلك الإشكالات بالخصوص، والبحث عمّا ينطبق عليها من أصلٍ أو قاعدةٍ عامّة، فكلما بَعُدَ المسلمون عن عصر النصّ تكبر الحاجة لدى الفقيه إلى القواعد التي يعالج بها جوانب الخطأ الناتج عن البُعد الروائي.

ولذلك كان علم الأصول في الفقه السنّي كعلم يبحث عن الحكم المجهول أسبق منه في الفقه الشيعي، لأن المذاهب السنيّة افترضت انتهاء عصر النصّ برحيل الرسول الأكرم  (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، مع ما عُلِم عنهم من النهي عن تدوين أحاديث الرسول  (صلى الله عليه وآله) في البداية.

وبعد القرن الثاني الهجري، ابتعدت المذاهب السنية عن النص النبويّ وعصره بمسافة زمنية كبيرة، خصوصًا مع ما اشتهر من نقل الحديث بالمعنى الذي يخضع لاجتهاد الناقل من جهة، ولذاكرته من جهة أخرى، بعد فرض الناقل خلو نفسه من الميول والأهواء الشخصية.

وأما الشيعة فقد كانوا يعيشون عصر النص الشرعي المباشر إلى نهاية القرن الثالث الهجري تقريبًا، لأن الإمام  (عليه السلام) بالإضافة إلى أنه يحكي عن الرسول الأعظم  (صلى الله عليه وآله) بسلسلة ثابتة، فهو عند الشيعة امتداد للنبي الأكرم  (صلى الله عليه وآله)، فلم تكن عندهم الفراغات التشريعية إلا ببدء الغَيْبة الكبرى لآخر أئمة أهل البيت  (عليهم السلام) -الحجة بن الحسن المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)-، مع أن أُسُس الفكر الأصولي وجذوره كانت - كما أشرنا- من جملة النصوص التي أخذوا منها قواعد علم الأصول وحفظوها ودوّنوها من زمن الإمام الباقر  (عليه السلام)، وأخذوا يمارسون تطبيقها عندما لا يجدون الإمام  (عليه السلام) أو تبعد بينه وبينهم الشقّة.

وهكذا نشأ علم الأصول، وأخذ يتوسّع بنسبة الحاجة الناشئة عن بُعْد العهد عن النصّ المعتبر عندهم، أو عن غياب النص بسبب المستجدّات التي لا بدّ من إدراجها في إحدى القواعد الأصولية.

دخالة العقل في الدلالة على الحكم الشرعي:

وكل القواعد والأدلة في علم الأصول والفقه تبتني على الجزم بالنتيجة، لأن المقصود هو تحصيل [العلم] بالحكم أو بالوظيفة، إذ بدون حصول العلم تكون عملية الاستنباط ودراسة العلم لَغْوًا، لأن {الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}([1]).

فلا بدّ من تحصيل العلم، ومن القول بحجيته بالبرهان القاطع.

أما حصول القطع: فهو بحث صُغْروي محض، لأن قوة الدليل والمدلول هي التي تورث القطع، كنصوص القرآن الكريم وظواهره المسلّمة، بعد الفراغ عن حجية الظواهر بالسيرة القطعية المتصلة بعصر الرسول  (صلى الله عليه وآله) والمعمول بها من قِبَله  (صلى الله عليه وآله) ومن قِبل المعصومين  (عليهم السلام) ومَن بَعْدَهم.

وأما حجية القطع ووجوب العمل على طبقه: فهي أيضًا ثابتة بحكم العقل، لأنه هو المتّبع والمُحكّم في شؤون الإطاعة والامتثال، حيث يُدرِك بأنّ الله تعالى له حق الطاعة على العبد في كل ما علمه وقام عليه الدليل من باب شُكْر المنعم.

فالعقل يتدخل في جميع الأحكام الشرعية ويواكب أدلّتها بهذا المعنى الذي ذكرناه كقاعدة عامة.

ولكن هذا لا يعطينا الحقّ في أن نُسمِّي هذه الأحكام بالأحكام العقلية، لأن دخالة العقل بهذا المقدار عبارة أخرى عن تكليف العاقل وسقوط التكليف عن فاقد العقل لجنون أو صِغرٍ أو عجزٍ مُسقطٍ للتكليف.

كما أنها تعني أن يعمل العالم بالحكم بعلمه ويبحث الجاهل عن حكمه ويتعلّمه.

نعم قد يتدخل العقل في الدلالة على الحكم الشرعي والكشف عنه:

(إما) بنحو الاستقلال، ويسمى البحث عن ذلك بـ[المستقلات العقلية] ويبحث فيه عن التحسين والتقبيح العقليين.

(وإما) بمعونة دليل آخر في غير المستقلات العقلية، أي الدليل العقلي الذي يساعد على استنتاج الحكم الشرعي لا على نحو الاستقلال.

فالكبرى هي حجية إدراك العقل المفروغ منها، وأما الصغرى فهي أنه هل يُدرِك العقل ذلك الحكم ويستكشفه أو لا؟

وهذه الصغرى هي المسألة الأصولية التي تقع نتيجتها كبرى في طريق استنباط الحكم الشرعي في الفقه.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: إذا وجب شيء في الشريعة الإسلامية بدليله الشرعي، وكان امتثاله يتوقف على مقدّمات لم تُذكر في دليل الوجوب، فهل يُدرِك العقل بأنّه كلما وجب شيء وجبت مقدّمته وإن لم تكن منصوصًا عليها؟ فإذا أدرك العقل ذلك نقطع بوجوب المقدّمة شرعًا بمعونة الدليل العقلي منضمًا إلى صغرى الدليل الدالّ على أصل الحكم، ونسميه [وجوبًا غيريًا] مقابل [الوجوب الأصلي النفسي] الذي وجبت لأجله هذه المقدمة.

وعكس المثال المذكور: ما إذا وجب شيء، وكان هناك ما يمنع من امتثاله شرعًا -ويسمى هذا المانع بالضدّ-، فهل يُدرِك العقل بأن وجوب هذا الشيء يعني حرمة هذا الضّد المانع من امتثاله؟ فإذا ثبت ذلك كانت الحرمة غيرية ناشئة من الدليل العقلي أيضًا.

وتُسمَّى هذه المباحث بـ[الملازمات العقلية].

فالحاجة إلى معرفة أحكام مثل هذه الأمور من مقدمة الواجب والضّد ونحوهما هي التي تدعو لذلك، وإنما يُستعان لمعرفتها بالمباحث العقلية لأن العقل كما يُدرِك العلاقات بين الأمور التكوينية إيجابًا وسلبًا كوجوب اجتماع المتلازمين واستحالة اجتماع النقيضين، كذلك يُدرِك العلاقات التكوينية القائمة بين الأحكام بلحاظ متعلقاتها التي يجب الإتيان بها، لأنها بعد تشريعها من قِبَل الحكيم تصبح أمورًا واقعية، فيستفيد العقل من هذا الإدراك وجود الأحكام في بعض الموارد وانتفاءها في البعض الآخر بنفس الملاك الذي تُدرَك به في الأمور الواقعية، مع خضوعه في هذا الإدراك للحكم الشرعي الثابت كمًّا وكيفًا.

وهذه العلاقات المُدرَكة للعقل في عالم التشريع على أقسام:

فمنها: ما هو قائم بين نفس الأحكام الشرعية، كمسألة اجتماع الأمر والنهي، واقتضاء النهي للفساد في العبادة أو المعاملة -بمعنى عدم إجزاء العمل المنهي عنه أو عدم ترتب الأثر على المعاملة وعدمه-، واقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده وعدمه.

ومنها: ما هو قائم بين الواجب ومقدّماته، سواء الداخلية منها كأجزاء الواجب الارتباطي، أو الخارجية، سواء كانت هذه الأخيرة مقدّمات للواجب، أو مقدّمات للعلم بالواجب كموارد العلم الإجمالي.

ومنها: ما يقوم بين الحكم الشرعي وغيره مما هو خارج عن نطاق التشريع، كالتَّلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي على أساس قاعدة [أن كل ما يحكم به الشرع يحكم به العقل].

كموارد الشك في أصل التكليف، فإنّ البحث عن حكم العقل فيها بالبراءة أو الاحتياط إنما هو لأجل أن يُستكشف منه حكم الشرع.

وكموارد الاستكشاف الظنيّ الذي يحتاج إلى البحث عن حجية هذا الإدراك بعد حصوله، مثل البحث عن حجية القياس والاستقراء، وهذا ليس من مباحث علم الأصول، لأنه لا يشارك في عملية الاستنباط كبرىً أو صغرىً، بل هو قضية عقلية ظنيّة ترتبط بحكم شرعي معيّن استقراءً أو قياسًا، ولا تتجاوزه إلى حكم آخر، ولا بد من الاستدلال على حجية هذا النحو من الاستكشاف الظني العقلي لإثبات ذلك الحكم.

فالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الحكم الواقعي الثابت بدليله الشرعي المتعلق بالواقعة من حيث هي، وبقطع النظر عن أية حالة تُفرض على تلك الواقعة.

القسم الثاني: حكم ظاهريّ، وهو عبارة عن الوظيفة التي شرّعها الله تعالى لمن شكّ في الحكم الواقعي للواقعة المعيّنة، وهذا الحكم الظاهري قسمان:

الأول: منحصر بالأمارات، كخبر الواحد.

الثاني: الأصول، والأصول قسمان:

- أصول شرعية، كالاستصحاب والبراءة الشرعية.

- أصول عقلية.

و[الأصول العقلية] هي القواعد والإدراكات العقلية التي يُستكشف منها حكم شرعي قطعيّ أو ظنيّ، فهي وظائف عمليّة عقليّة مُنبثقة عن حكم العقل بالإطاعة إثباتًا ونفيًا، ومرجعها إلى مدركات العقل العملي فيما يرتبط بحقّ الطاعة، فالقطعيّة منها حجّة بلا إشكال، والظنيّة تحتاج إلى دليل.

وهذه المُدرَكات موجودة في كل مورد في نفسه بقطع النظر عن وجود الدليل الشرعي والأصل العملي، إذ مع وجود واحد من هذه الأمور لا يبقى موضوع لهذه المُدرَكات، ومع عدمه فالمورد موردها، ولذلك لا يُتصور معارضتها للأدلة أو الأصول الشرعية، كما لا يُتصور معارضتها في ما بينها، لأن العقل لا يُدرِك أمرَيْن متنافيين.

وبناءً على ما ذكرنا، وقع البحث في الملازمات العقلية عن أمور:

منها: مسألة اجتماع الأمر والنهي وما يتبعهما من صحة العبادة وفسادها، وكذا في المعاملة.

ومنها: مسألة الضِّد.

ومنها: مقدّمة الواجب.

ومنها: الواجبات الضمنية للواجب المركَّب.

ومنها: مبحث الإجزاء، حيث إن البحث فيه عقلي على بعض الوجوه.

ومنها: المداليل الالتزامية للأدلة الدالّة على الحكم الواقعي الظاهري.

ومنها: الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

ومنها: حجية الإدراكات العقلية غير القطعية، كالقياس والاستقراء.

ومنها: مباحث العلم الإجمالي.

ومنها: التخيير العقلي.


(*) نشر هذا المقال في (العدد الثاني - 2005م /  1426هـ) من هذه المجلة.

([1]) يونس: من الآية36.

 

السنة الثانية عشرة / العدد التاسع والعشرون / كانون ثاني  2017م / ربيع ثاني  1438هـ

السنة الثانية عشرة / العدد التاسع والعشرون / كانون ثاني  2017م / ربيع ثاني  1438هـ

       رجوع     أرشيف المجلة     الرئيسية

 

     
     

     
115%