رسالة النجف

قبسات من نور الإمام الهادي (ع)

 

قبسات من نور الإمام الهادي (ع)

الشيخ نعيم نعمة

مقدمة

بعد وفاة الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) انقلب الناس على أهل بيته (عليهم السلام)، وغصبوهم المقام الذي جعله الله لهم، وأقصوهم عن حقهم، وعلّلوا ذلك في حينه بأنهم إنما فعلوا ما فعلوا كراهة أن تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد من العرب([1]).

ثم انبرى بعد ذلك من جاء من أتباعهم وحاول أن يبرّر لهم فعلتهم تلك، وأن يصطنع الأدلة والبراهين والحجج على شرعية ما قام به القوم في تلك المرحلة، متذرعين بالنص تارة وبالشورى أخرى، بالرغم مما ورد عن عمر بن الخطاب في معرض تقييمه لبيعة أبي بكر بقوله: إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرَّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه([2]).

وتعاقب الغاصبون الأدوار وتلاقفوا الخلافة بينهم وتصارعوا عليها، فانتقلت من بني تيم وعدي إلى بني أمية بدءًا ببيت أبي سفيان، ثم بيت مروان بن الحكم إلى أن غلبهم عليها بنو العباس بن عبد المطلب.

ولئن اختلفت أنساب هؤلاء وأسماؤهم إلا أن أفعالهم كلها كانت تنبع من المعين ذاته، وتنحو نحو هدف واحد، وتصبّ في جهة واحدة، هو محاصرة أهل البيت (عليهم السلام) والتضييق عليهم، وصولاً إلى إلغاء دورهم في المجتمع وطمس آثارهم، بل وحتى اغتيالهم.

وسيرة الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) تعتبر نموذجًا لما كان يرتكبه أعداء أهل البيت  في حقهم، وتعبّر عن تلك المرحلة التاريخية الصعبة التي عاشها.

من هو الإمام الهادي (ع)؟

الهادي هو لقب الإمام العاشر علي بن الإمام محمد الجواد(عليهما السلام)، وكان يطلق عليه أيضًا وعلى ابنه الإمام الحادي عشر الحسن بن علي (عليه السلام) لقب العسكري، لأنهما سكنا مدينة سامراء، بل إن هذا اللقب كان يطلق على كل من يسكن في مدينة سامراء، إذ كانت هذه المدينة في تلك المرحلة مدينة للعسكر وأشبه بثكنة عسكرية.

وقد نسب السمعاني جماعة إلى عسكر سامراء ومنهم الإمام الهادي (عليه السلام)، حيث قال: فمن عسكر سامراء أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى ين جعفر العلوي المعروف بالعسكري من عسكر سر من رأى، أشخصه جعفر المتوكل من مدينة رسول الله إلى بغداد ثم إلى سر من رأى، فقدِمها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر([3]).

ويقول العلوي في كتابه المجدي في أنساب الطالبين: وإنما سُمّي العسكري، لأن سامراء كانت تُسمى مدينة العسكر، وأقام هو وابنه (عليهما السلام) بها ([4]).

وقال السيد إبراهيم الزنجاني في كتابه حياة الإمام العسكري (عليه السلام): ومن الجدير بالذكر أن هذا اللقب إذا أطلق فإنه ينصرف إلى الإمام الحسن لا إلى أبيه حسب ما نص عليه بعض المؤرخين([5]).

ولد الإمام علي الهادي (عليه السلام) في بلدة صُريا في المدينة المنورة، وهي قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) على مسافة ثلاثة أميال من المدينة([6]).

وقد اختلف في سنة ولادته على قولين، فقال الكليني في الكافي([7]) والشيخ المفيد في الإرشاد([8]) والإربلي في كشف الغمة([9]) والطبرسي في أعلام الورى([10]) والنيسابوري في روضة الواعظين([11]) وغيرهم أنه ولد في سنة 212هـ.

وقال ابن الصباغ المالكي ([12])وسبط ابن الجوزي([13]) والبغدادي([14])  وغيرهم أنه ولد في سنة 214هـ.

واختلف أيضًا في شهر ولادته على قولين:

قول بأنه ولد في شهر رجب، واستدل العلامة المجلسي عليه بالدعاء الوارد في أعمال شهر رجب: "اللهم إني أسألك بالمولودَين في رجب محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب"([15]).

وهناك قول آخر بأنه ولد في ذي الحجة وذهب إليه ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب([16]).

سبب انتقال الإمام الهادي (ع)  إلى سامراء([17])

كان الإمام الهادي (عليه السلام) يسكن المدينة المنورة إلى سنة 236 هجرية، وكان معظمًا فيها ومكرمًا، تهوي إليه قلوب المؤمنين العاشقين، حتى حسده بريحة - وكان من مقدمي الأتراك الذين قربهم الخلفاء وجعلوه إمام الحرب والمحراب في مدينة الرسول- على مكانته ومقامه الرفيع، وبما أن المتوكل العباسي كان معروفًا بالحقد على أهل البيت (عليهم السلام) فكتب إليه بريحة: إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منهما فإنه قد دعا الناس إلى نفسه واتّبعه خلق كثير وتابع إليه.

فوجّه المتوكل بيحيى بن هرثمة وكتب معه إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابًا جميلاً يعرِّفه أنه قد اشتاقه وسأله القدوم عليه، وأمر يحيى بالمسير إليه، وكتب في نفس الوقت إلى بريحة يعرّفه ذلك، فقدم يحيى بن هرثمة المدينة وبدأ ببريحة وأوصل الكتاب إليه، ثم ركبا جميعا إلى أبي الحسن (عليه السلام) وأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلهما ثلاثة أيام، فلما كان بعد ثلاث عادا إلى داره فوجدا الدواب مسرجة والأثقال مشدودة قد فرغ منها، فخرج (عليه السلام) متوجهًا نحو العراق ومعه يحيى بن هرثمة([18]).

موقف أهل المدينة من إخراج الإمام الهادي (ع) منها

كان أهل المدينة يلتفون حول الإمام الهادي (عليه السلام) ويرون فيه استمرارًا لآل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانوا يخشون عليه من المتوكل، ولذلك ضجّ أهل المدينة لما وصل هرثمة بن يحيى إلى المدينة المنوّرة وشاع الخبر أنه يريد انتزاع الإمام من بين أظهرهم وإشخاصه إلى المتوكل، فخافوا على حياة الإمام. وحاولوا منع هرثمة من إخراج الإمام الهادي (عليه السلام).

قال سبط بن الجوزي: قال يحيى فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضجً أهلها ضجيجًا عظيمًا ما سمع الناس بمثله خوفًا على علي وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم ملازمًا للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا، قال يحيى: فجعلت أسكتهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتوليت خدمته بنفسي وأحسنت عشرته ([19]).

حلم الإمام الهادي (ع) وسعة صدره

تقدم الكلام أن بريحة العباسي كان هو السبب في استدعاء المتوكل للإمام الهادي من المدينة، وكأنه بعد إخراج الإمام (عليه السلام) من المدينة خاف أن ينكشف كذبه وافتراؤه عليه،لذلك اقترب من الإمام الهادي (عليه السلام) في الطريق وقال له: قد علمتُ وقوفَك على أني كنت السبب في حملك، وعليّ حلف بإيمان مغلّظة لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو إلى أحد من خاصته، لأجمرن نخلك، ولأقتلن مواليك، ولأغورن عيون ضيعتك ولأفعلن ولأصنعن.

فالتفت إليه أبو الحسن (عليه السلام) وقال له: إن أقربَ عَرضي إياك على الله البارحة وما كنت لأعرضك عليه ثم لأشكونك إلى غيره من خلقه.

فانكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه فقال له: قد عفوت عنك([20]).

كرامة الإمام الهادي (ع) عند خروجه من المدينة

جعل الله لأنبيائه معجزات تدل على صدقهم وتؤيد دعوتهم وتلقي الحجة على خصومهم، وأوصياء الأنبياء ليسوا بعيدين عن هذا التأييد الإلهي فقد جعل لهم كرامات تدل على قربهم من الله وتربط قلوب المؤمنين بالله.

والأئمة (عليهم السلام) هم من أهل الكرامات الإلهية، ولكنهم كانوا يظهرونها في المواقف التي تستدعي نصرة الدين ودفع الباطل، وإليك نموذجًا من هذه الكرامات على يد إمامنا الهادي (عليه السلام):

يقول يحيى بن هرثمة دعاني المتوكل وقال: اختر ثلاثمائة ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة، وخلّفوا أثقالكم فيها، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة، وأحضروا علي بن محمد النقي إلى عندي مكرمًا معظمًا مبجلاً.

قال: فقمت وخرجنا، وكان في أصحابي قائد من الشراة ([21])، وكان لي كاتب متشيع، وأنا على مذهب الحشوية، وكان ذلك الشاري يناظر الكاتب، وكنت أسمع إلى مناظرتهما لقطع الطريق. فلما صرنا وسط الطريق قال الشاري للكاتب: أليس من قول صاحبكم علي بن أبي طالب "ليس في الأرض بقعة إلا وهي قبر، أو سيكون قبرًا"؟ فانظر إلى هذه البرية أين من يموت فيها حتى يملأها الله قبورًا كما تزعمون؟

قال: فقلت للكاتب: أهذا من قولكم؟ قال: نعم.

قلت: صدق، أين من يموت في هذه البرية العظيمة حتى تمتلئ قبورًا؟

وتضاحكنا ساعة إذ انخذل الكاتب في أيدينا، قال: وسرنا حتى دخلنا المدينة، فقصدت بيت أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا، فدخلت عليه فقرأ كتاب المتوكل فقال: انزلوا، وليس من جهتي خلاف.

قال: فلما حضرت إليه من الغد، وكنّا في تموز أشد ما يكون من الحرّ، فإذا بين يديه خياط وهو يقطع من ثياب غلاظ - خفاتين([22]) - له ولغلمانه، ثم قال للخياط: إجمع عليها جماعة من الخياطين، واعمد على الفراغ منها يومك هذا وبكر بها إلي في هذا الوقت.

ثم نظر إليّ وقال: يا يحيى، اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم، واعمل على الرحيل غدًا في هذا الوقت.

قال: فخرجنا وإنما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيام، فما يصنع بهذه الثياب؟! ثم قلت في نفسي: هذا رجل لم يسافر، وهو يقدِّر ويظن أن كل سفر يحتاج فيه إلى هذه الثياب، والعجب من الرافضة حيث يقولون بإمامة هذا مع فهمه هذا.

فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت، فإذا الثياب قد أحضرت، فقال لغلمانه: ادخلوا، وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس، ثم قال: ارحل يا يحيى.

فقلت في نفسي: هذا أعجب من الأول، أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتى يأخذ معه اللبابيد والبرانس.

فخرجت وأنا أستصغر فهمه حتى إذا وصلنا إلى مواضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة، واسودت وأرعدت وأبرقت حتى إذا صارت على رؤوسنا أرسلت بردا مثل الصخور، وقد شدّ على نفسه وغلمانه الخفاتين، ولبسوا اللبابيد والبرانس وقال لغلمانه: ارفعوا إلى يحيى لبادة، وإلى الكاتب برنسًا.

وتجمعنا والبرد يأخذنا حتى قتل من أصحابي ثمانون رجلاً، وزالت، ورجع الحر كما كان.

فقال لي: يا يحيى، أنزل من بقي من أصحابك ليدفن من مات، فهكذا يملأ الله هذه البرية قبورًا.

قال: فرميت نفسي عن الدابة واعتذرت إليه، وقبلت ركابه ورجله، وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنكم خلفاء الله في أرضه، وقد كنت كافرًا، وإني الآن أسلمت على يديك يا مولاي. قال: فتشيعت، ولزمت خدمته إلى أن مضى ([23]).

موقف المتوكل من الإمام الهادي (ع)

 لم تكن دعوة المتوكل للإمام الهادي للحضور إلى سامراء بريئة، وسرعان ما تكشفت أوراقه وظهر خبثه، فما أن وصل الإمام الهادي (عليه السلام) إلى سامراء حتى احتجب المتوكل عنه، ولم يعين في يومه دارًا لنزوله حتى اضطر الإمام إلى النزول في خان الصعاليك وهو محل نزول الفقراء الغرباء، بقصد إذلال الإمام وإظهاره أمام الناس أنه لا يليق بأن يكون ضيفًا في قصر الخليفة.

يقول صالح بن سعيد: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده بسر من رأى فقلت له: جعلت فداك في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع، خان الصعاليك؟

فقال: ههنا أنت يا ابن سعيد؟

ثم أومأ بيده وقال: انظر، فنظرت، فإذا أنا بروضات آنقات وروضات باسرات، فيهن خيرات عطرات وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون وأطيار وظباء وأنهار تفور، فحار بصري وحسرت عيني، فقال: حيث كنا فهذا لنا عتيد، لسنا في خان الصعاليك([24]).

  ثم افرد المتوكل بعدئذ دارًا للإمام (عليه السلام) فانتقل إليها، وأجبره المتوكل على الإقامة في سامراء ومنعه من الرجوع إلى المدينة، وكذلك فعل من جاء بعده فبقي فيها عشرين سنة إلى حين وفاته.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] - نهج الإيمان، ابن جبر ، دار ستارة - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1418هـ، ص465.

[2] - مسند أحمد، دار صادر، بيروت - لبنان، ج1 ص55.

[3] - الأنساب، عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني، دار الجنان، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1408هـ، ج9 ص303.

[4] - المجدي في أنساب الطالبيين، على بن محمد العلوي، مكتبة سيد الشهداء (ع)، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1409هـ، ص 130.

[5] - حياة الإمام العسكري، السيد إبراهيم الزنجاني، دار الأضواء، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1988،  ص 20.

[6] - مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، طبعة سنة 1376هـ، ج4 ص401.

[7] - الكافي، الكليني، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة 1388هـ،  ج1 ص497.

[8] - الإرشاد، الشيخ المفيد، دار المفيد، تحقيق مؤسسة أهل البيت لتحقيق التراث، ص307.

[9] - كشف الغمة، الإربلي، دار الأضواء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 1985، ج2 ص375.

[10] - إعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ أبي علي الطبرسي، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، قم المشرفة، الطبعة الأولى 1417هـ، ص339.

[11] - روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، منشورات الرضا، قم المقدسة، ج1 ص246.

[12] - الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي، دار الحديث، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1422هـ، ص259.

[13] - تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، مؤسسة أهل البيت، بيروت - لبنان، طبعة سنة 1401هـ ، ص323.

[14] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1417هـ، ج12 ص57.

[15] - بحار الأنوار، المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 1983، ج50 ص14.

[16] - مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، طبعة سنة 1376هـ، ج4 ص401.

[17] - تعددت الأقوال في معنى كلمة سامراء، وفي أصل تسميتها، وفي تحديد أول من بناها، فذهب بعضهم إلى أن أصل الكلمة عربي وهو (سُرَّ من رأى)، وقد سماها به المعتصم عندما بناها وجعلها مدينة للعسكر، فلما خربت فيما بعد سُميت (ساء من رأى)، ثم ثقل هذا الاسم على الناس فغيروه إلى عكسه، فحذفوا الهمزة من ساء  ومن رأى فصار (سا من رى)، ثم قالوا (سامرى)، ومن قال (سامراء) أخّر همزة رأى وجعلها بعد الألف فصارت (سا من رأى) ثم أدغمت النون في الراء فصارت (سامراء)، راجع: لسان العرب، ابن منظور، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1405هـ، ج14 ص303.

وقيل أنها مدينة بنيت لسام بن نوح في الألف الخامس قبل الميلاد فنسبت إليه بالفارسية، فقيل (سام راه أي) طريق سام، وقيل بل إن أصلها بالفارسية (ساء مره أي)، ومعناها موضع الخراج والإتاوة التي كان يقبضها الفرس من الروم في هذا المكان. راجع: معجم البلدان ، ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ج3 ص173.

[18] - بحار الأنوار، المجلسي، ج50 ص209.

[19] - تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، ص322.

[20] - أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف، بيروت - لبنان، طبعة سنة 1986،  ج2 ص38.

[21] - الشراة: الخوارج " مجمع البحرين - شرا - ج1 ص245.

[22] - الخفاتين: جمع خفتان وهو الدرع من اللبد.

[23] - الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي، مطبعة الصدر، قم المقدسة، الطبعة الثانية 1412هـ، ص551.

[24] - مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج4 ص411؛ وشرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني،  ج 7   ص 298.

 

 

تتمة مقال = قبسات من نور الإمام الهادي (ع)

علم الإمام الهادي (ع) واحتجاجه على خصومه

وبالرغم من ظهور كرامات الإمام الهادي (عليه السلام) لم يتوقف المتوكل عن تكرار محاولات إحراج الإمام (عليه السلام) لذلك طلب من العالم الكبير يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت أن يمتحن الإمام (عليه السلام) بمسائل غامضة معقدة، لعله لا يهتدي لجوابها، فيتخذها وسيلة للتشهير به (عليه السلام) والحط من شأنه، ولكن لم يتم له ما أراد، فقد فوت الإمام بعلمه الذي لا يحد ومعرفته التي لا تحاط، على المتوكل الفرصة للنيل منه، فقد أملى الإمام (عليه السلام) على ابن السكيت أجوبة تلك المسائل الدقيقة بمجرد النظر إليها، فدلل بذلك على طاقاته العلمية الهائلة التي هي إحدى العناصر البارزة في معالم شخصية الإمام العظيمة.

يقول ابن شهرآشوب: قال المتوكل لابن السكيت: اسأل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي، فسأله فقال: لم بعث الله موسى (عليه السلام) بالعصا، وبعث عيسى (عليه السلام) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالقرآن والسيف؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): بعث الله موسى (عليه السلام) بالعصا واليد البيضاء في زمانٍ الغالب على أهله السحر، فأتاهم من ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم وأثبت الحجة عليهم، وبعث عيسى (عليه السلام) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله في زمانٍ الغالب على أهله الطب، فأتاهم من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله فقهرهم وبهرهم، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالقرآن والسيف في زمانٍ الغالب على أهله السيف والشعر، فأتاهم من القرآن الزاهر والسيف القاهر ما بهر به شعرهم، وقهر سيفهم، وأثبت الحجة عليهم.

فقال ابن السكيت: فما الحجة الآن؟ قال: العقل، يعرف به الكاذب على الله فيكذب.

فقال يحيى بن أكثم: ما لابن السكيت ومناظراته، وإنما هو صاحب نحو وشعر ولغة([25]).

من مواقف الإمام (ع) مع طاغية زمانه

كان الإمام الهادي (عليه السلام) يتجنب التعاطي مع حكام الجور عملاً بسيرة آبائه، وكان إذا أحوجته الظروف للقاء هؤلاء الطغاة يستغل هذا اللقاء من أجل وعظهم وإلقاء الحجة عليهم.

يروى أنه سُعي إلى المتوكل بالإمام علي الهادي (عليه السلام) أن في منزله كتبًا وسلاحًا من شيعته من أهل قم وانه عازم على الوثوب بالدولة فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا على داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئًا ووجدوه في بيت مغلق عليه، وهو جالس على الرمل والحصا وعليه مدرعة من صوف، متوجه إلى الله تعالى بالصلاة وتلاوة القرآن.

فحُمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئًا ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة.

وكان المتوكل في مجلس الشرب فأُدخل عليه الإمام الهادي (عليه السلام) والكأس في يد المتوكل، فلما رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده.

فقال (عليه السلام): والله ما يخامر لحمي ودمي قط فأعفني فأعفاه، فقال أنشدني شعرًا.

فقال (عليه السلام): إني قليل الرواية للشعر فقال: لا بد، فأنشده (عليه السلام) وهو جالس عنده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم
ناداهم صارخٌ من بعد دفنهم
أين الوجوه التي كانت منعمة
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
قد طالما أكلوا دهرًا وقد شربوا
وطالما عمَّروا دوراً لتحصنهم
وطالما كنزوا الأموال وادَّخروا
أضحت منازلهم قفرًا معطلة

 

غُلبُ الرجال فلم تنفعهم القلل
وأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا
أين الأساور والتيجان والحلل؟
من دونها تضرب الأستار والكلل؟
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
فأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
ففرقوها على الأعداء وارتحلوا
وساكنوها إلى الأجداث قد نزلوا

 

فبكى المتوكل حتى بلّت لحيتَه دموعُ عينيه وبكى الحاضرون ودفع إلى علي (عليه السلام) أربعة آلاف دينار ثم رده إلى منزله مكرما([26]).

سِمَة عصر الإمام الهادي (ع)

يلاحظ المتتبع لتلك الفترة الزمنية أن الأئمة كانوا يبتعدون تدريجيًا عن الناس بسبب التضييق الذي كان يمارسه الحكًام من جهة، ومن جهة أخرى لعله كان هناك سبب آخر هو أن الأئمة كانوا يُعدون الأمة لتقبل فكرة غيبة الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، فنجد في تلك الفترة أن المراسلات كثرت بين الأئمة والموالين بل لعلها كانت الوسيلة الوحيدة في بعض الأوقات.

وقد ابتلي الإمام الهادي (عليه السلام) في عصره بأصحاب البدع والانحرافات الفكرية، وظهرت مذاهب كثيرة مخترعة وأرست قواعدها في ظل تلك الحكومات الجائرة، فاستفادوا من دعم السلطان لنشر عقائدهم الفاسدة، ومن جملة هذه التيارات ظاهرتي الغلو والوقف.

ومما لا شك فيه أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحرصون بكل ما لديهم من قوة وبيان على أن يجعلوا من أصحابهم وشيعتهم ومن يتصل بهم دعاة حق وخير، وأن يمثلوا الإسلام ويجسدوا تعاليمه بأفعالهم قبل أقوالهم، كما كانوا يحرصون على تنزيه تعاليم الإسلام من التشويه والتحريف والافتراء، لذا كانوا يؤكدون لهم أنهم عبيد الله لا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم ضرًا، ولا أن يجلبوا لها خيرًا إلا بمشيئة الله.

وقد تعرضوا في حياتهم لظلم الحكام واضطهادهم، ولكل ما يمكن أن يتعرض له أي إنسان من البلاء وأنواع التقلبات، وعاشوا مع الناس كغيرهم من الناس، ولعنوا من قال فيهم ما لم يقولوه في أنفسهم، ومن نسب إليهم علم الغيب والخلق والرزق وكل ما هو من خصائص الخالق وصفاته.

ومع ذلك فقد أضاف إليهم بعض المحبين والمبغضين ما ليس بهم، وأظهر الغلو فيهم أناس عن سوء نية، ولكنهم وقفوا للجميع بالمرصاد، فلعنوا المغالين وتبرأوا منهم، وأعلنوا للناس ضلالهم وجحودهم، وأمروا محبيهم بالاعتدال، ومبغضيهم بالرجوع إلى وصايا نبيهم (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته وعترته (عليهم السلام)، وخرجوا من هذه الدنيا وهم من أنصح خلق الله لخلقه، وأحرصهم على دينه وشريعته، وأصبرهم على بلائه، وأخوفهم من سخطه وعقابه ([27]).

ومن جملة الفتن التي أخذت دورًا أساسيًا في عصر الإمام الهادي (عليه السلام) وشغلت الكثير من المسلمين هي مسألة خلق القرآن الكريم، بحيث فقدت مكانتها بين المتكلمين واستغلها الحكّام لقمع من خالفهم بحجة الانحراف، وممن ابتلي بذلك إمام مذهب الحنابلة أحمد بن حنبل الذي امتحنه المعتصم في هذه المسألة وأمر بضربه سياطًا إلى أن أقرّ بخلق القرآن الكريم([28]).

لذلك وجه الإمام الهادي (عليه السلام) رسالة إلى بعض شيعته في بغداد يعالج فيها هذه المسألة وهذا نصها كما في أمالي الصدوق:

عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) إلى بعض شيعته ببغداد:

بسم الله الرحمن الرحيم

عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة! وإلا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسمًا من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ([29]).

موقف الإمام الهادي (ع) من الصوفية

من جملة الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني وأخذت تغري الناس بسبب زهدها الكاذب هي الصوفية، فحذّر الإمام (عليه السلام) أصحابه وسائر المسلمين من الاتصال بالصوفية والاختلاط بهم، كما دل على زيفهم بإظهار التقشف والزهد لإغراء عامة الناس وبسطائهم وغوايتهم، ووصفهم بأنهم حلفاء الشياطين في خداع الناس، وأن زهدهم لم يكن حقيقيًا وإنما لإراحة أبدانهم، وأن تهجدهم في الليل لم يكن نسكًا وإخلاصا في طاعة الله تعالى، وإنما هو وسيلة لصيد أموال الناس وإغوائهم، وأن أورادهم ليست عبادة خالصة لله بل هي رقص وغناء، وأن الذي يتبعهم الحمقى والسفهاء.

فقد روى الحسين بن أبي الخطاب، قال: كنت مع أبي الحسن الهادي (عليه السلام) في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان بليغًا وله منزلة مرموقة عند الإمام (عليه السلام)، وبينما نحن وقوف إذ دخل جماعة من الصوفية المسجد فجلسوا في جانب منه، وأخذوا بالتهليل، فالتفت الإمام (عليه السلام) إلى أصحابه وقال لهم: لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين، فإنهم حلفاء الشياطين، ومخربو قواعد الدين، يتزهدون لإراحة الأجسام، ويتهجدون لصيد الأنعام، يتجوعون عمرًا حتى يديخوا للإيكاف ([30]) حمرًا، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقللون الغذاء إلا لملأ العساس([31]) واختلاف قلب الدفناس ([32])، يتكلمون (يكلِّمون) الناس بإملائهم في الحب، ويطرحونهم بإدلائهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم إلا الحمقى، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيًا أو ميتًا، فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان واحدًا منهم فكأنما أعان معاوية ويزيد وأبا سفيان.

فقال له رجل من أصحابه: وإن كان معترفًا بحقوقكم؟

قال: فنظر إليه شبه المغضب وقال: دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري أنهم أخس طوائف الصوفية؟ والصوفية كلهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة، أولئك الذين يجتهدون في إطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون([33]).

ميزان الإمام (ع) في تكريم الناس

كان الإمام الهادي (عليه السلام) يحثّ شيعته على التصدي لنصرة الحق من خلال الحوار الهادئ والحجج الدامغة، وكان مقياسه في تكريم الناس هو مقدار علمهم وإنجازاتهم التي تشيد معالم هذا الدين وتدفع عنه الشبهات والفتن، لذلك يروي الطبرسي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال: اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) أن رجلاً من فقهاء شيعته كلَّم بعض النصَّاب، فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته، فدخل إلى علي بن محمد (عليه السلام) وفي صدر مجلسه دست عظيم منصوب، وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، وأقبل عليه، فاشتد ذلك على أولئك الأشراف، فأما العلويون فأجلَّوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا بن رسول الله، هكذا تُؤثر عاميًا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟!

فقال (عليه السلام): إياكم أن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ}([34])، أترضون بكتاب الله حكمًا؟قالوا: بلى.

قال: أليس الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ([35])، فلم يرضَ للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير العالم، كما لم يرضَ للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن، أخبروني عنه قال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أو قال: " يرفع الذين أوتوا شرف النسب درجات "؟ أو ليس قال الله: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}([36])، فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي علّمه إياها، لأفضل له من كل شرف في النسب.

فقال العباسي: يا بن رسول الله، قد أشرفت علينا، هو ذا تقصير بنا عمن ليس له نسب كنسبنا، وما زال منذ أول الإسلام يُقدم الأفضل في الشرف على من دونه فيه.

فقال (عليه السلام): سبحان الله! أليس العباس بايع أبا بكر وهو تيمي، والعباس هاشمي؟ أو ليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب، وهو هاشمي أبو الخلفاء، وعمر عدوي؟! وما بال عمر أدخل البُعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرًا فأنكروا على العباس بيعته لأبي بكر، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته، فإن كان ذلك جائزًا فهذا جائز، فكأنما ألقم الهاشمي حجرا ([37]).

شهادة الإمام الهادي (ع)

استشهد الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) مسمومًا على يد المعتز العباسي، والمعتز هو محمد بن المتوكل، وكان كالذين سبقوه من الحكّام الغاصبين للخلافة كثير اللهو، وقيل إنه لما قتل المستعين بأمر منه، وحُمل رأسه إليه فدُخل به عليه وهو يلعب الشطرنج، قيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست -أي اللعب-([38]).

وكان المعتز كأبيه حاقدًا على العلويين فضيّق عليهم حتى مات كثير منهم في سجونه، ومن دلائل حقده على العلويين وخصوصًا على الإمام الهادي (عليه السلام) أنه لم يخفف الضغط عنه، بل شدّد عليه رغم وقوعه تحت رحمة الأتراك، ولكنه كان يخشى من وثوب الأتراك عليه، لذا أشخص من كان بسر من رأى من الهاشميين من أولاد الخلفاء وغيرهم إلى بغداد لئلا يُجلس الأتراك أحدًا منهم، وخوفًا من بيعتهم للإمام الهادي (عليه السلام)، لذلك أبعد كل الهاشميين إلى بغداد وأبقى الإمام (عليه السلام) في سامراء مُراقَبًا من قِبله كما يقول اليعقوبي في تاريخه([39]).

ولما استشهد الإمام الهادي (عليه السلام) بعد سنتين من تولي المعتز، خاف المعتز من حضور جنازته لمّا رأى كثرة الضجيج والبكاء على رحيله، لذا أمر برد النعش وأن يدفن في بيته.

وكانت شهادته في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وقيل في الثالث من شهر رجب سنة 253هـ، عن عمر بلغ أربعين سنة، ودفن في بيته في مدينة سر من رأى بعد أن أقام فيها إقامة جبرية عشرين سنة متوالية، وكانت مدة إمامته ستة وثلاثين سنة تقريبًا.

ولكن للأسف أن هذا المقام الذي كان يناطح السحاب شرفًا وافتخارًأ بما ضمَّ من مراقد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) نالت منه الأيدي الآثمة، في 12- 2-2005 الموافق 22 محرم سنة 1426هـ، حيث قد قامت مجموعة من الحاقدين بتفجير قبة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء، وتهاوت تلك القبة الشامخة، وكأن هؤلاء القوم أتباع الشجرة الملعونة لا يملّون ولا يتعبون من نصرة الباطل على مرّ السنين، لذا أرادوا إعادة إحياء هذه السنّة السيئة التي سار عليها المتوكل، وظنوا أنهم بفعلتهم هذه يسيئون إلى أهل البيت (عليهم السلام) وما عرفوا أن المعدن الثمين كلما زاد تأجج النار حوله زاد تألقًا.

ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بتفجير المنارتين الموجودتين في الصحن الشريف صبيحة يوم الأربعاء الواقع في 13 حزيران 2007م الموافق 23 جمادى الأولى 1428هجرية.

نعم، لقد ابتلي أهل البيت (عليهم السلام) بأعداء لا يخافون الله، ولا يرقبون فيهم إلّاً ولا ذمة، وقلَّ من الحكام من لم يضيّق عليهم وعلى شيعتهم، فقد هبت عليهم في أيام المتوكل رياح حقد عاتية، فحاول في سنة 236 هجرية إزالة قبر الحسين وحرثه حتى لا يزار([40])، وحوّل الماء إليه حتى يغرقه ولا يبقى له أثر، فحار الماء واستدار حول قبر الحسين (عليه السلام)، وسُمّيَ ما حوله بالحائر الحسيني، وشتت شمل شيعته وفرقهم في النواحي، فمنهم من حبسوا ومنهم من تواروا، وتناقل الناس أشعارًا منسوبة إلى ابن السكيت عالم النحو الكبير، الذي كان يعلّم ولدي المتوكل. يقول فيها:

تالله إن كانت أمية قد أتت * * * قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * * * هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على ألا يكونوا شاركوا * * * في قتله فتتبعوه رميما([41])

 انتهى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[25] - مناقب آل أبي طالب، ج4 ص404.

[26] - أعيان الشيعة، ج2 ص38.

[27] - سيرة الأئمة الاثني عشر، السيد هاشم معروف الحسيني، دار القلم، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة 1981،  ج2 ص465.

[28] - تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت - لبنان، ج2 ص472.

[29] - الأمالي، الشيخ الصدوق، مؤسسة البعثة، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1417هـ، ص 639.

[30] - يديخوا: يذلوا ويقهروا. والإيكاف: الإيقاع في الإثم، ويقال: وضع الوكاف على الحمار، والوكاف: البرذعة.

[31] - العساس جمع ومفرده العس وهو القدح العظيم.

[32] - أي الأغبياء والحمقى.

[33] - إكليل المنهج في تحقيق المطلب، محمد جعفر بن محمد طاهر الخراساني الكرباسي، دار الحديث، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1424هـ، ص 128 - 129.

[34] - سورة آل عمران الآية 23.

[35] - سورة المجادلة الآية 11.

[36] - سورة الزمر الآية 9.

[37] - الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، طبعة سنة 1966، ص 455.

[38] - الكامل في التاريخ، ابن الأثير، دار صادر، بيروت - لبنان، طبعة سنة 1966،  ص359.

[39] - تاريخ اليعقوبي ج2 ص502.

[40] - مرقد الإمام الحسين (ع)/ السيد تحسين آل شبيب، مطبعة شريعت، قم المقدسة، الطبعة الأولى 1420هـ، ص21.

[41] - سير أعلام النبلاء، الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة التاسعة 1413هـ، ص35.

 

115%