رسالة النجف

رسالة الإمام العسكري (ع) إلى ابن بابويه

 

رسالة الإمام العسكري (ع) إلى ابن بابويه

تحت المجهر

الشيخ أمين ترمس

 تمهيد

كنت في مقتبل العمر، وبُعيد بلوغي سنّ التكليف، عندما كنت سمعتُ لأول مرّة برسالةٍ تنسب للإمام أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، أرسلها إلى علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وأذكر جيدًا أنها كانت تطبع على أوراق كبيرة، وتعلّق على جدران بيوت جماعة من محبي أهل البيت (عليهم السلام)، لاعتقادهم أنها وصية من الإمام (عليه السلام) إلى الشيعة بواسطة ابن بابويه، ولما اشتملت عليه من مضامين مهمة، فهذه الأسباب الثلاثة اجتمعت في هذه الرسالة لتُولِّد في نفوس الشيعة احترامًا خاصًا لها، حيث إن المرسل هو الإمام الحادي عشر (عليه السلام) والمُرسَل إليه أحد كبار علماء زمانه، والمضمون للرسالة.

وكنت وقتها أعتقد - كغيري ممن لا يملك معلومات تاريخية تفصيلية- أنها حقًا صادرة عن الإمام (عليه السلام)، وموجّهة إلى ابن بابويه (رحمه الله)، وعندما تشرّفت بالانتساب إلى حوزة قم المقدسة في أوساط العقد الثامن من القرن الماضي، طرق سمعي ولأول مرة كلام من أستاذي سماحة السيد أحمد المددي دام ظله فيه صحة هذه الرسالة، وقتها أصبت بالذهول لاعتقادي أن الرسالة ثابتة ولا مجال للشك فيها.

وأذكر أني عندما سألته عن سبب ذلك، أشار إلي بشكل مقتضب جدًا: أن ابن بابويه لم يكن بذلك السن في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) حتى يخاطبه بهذه الكلمات.

ومنذ ذلك الوقت وأنا أنظر إلى هذه الرسالة نظرة المشكك، حتى قرّرت أخيرًا أن أحسم الأمر فيها، إما إثباتًا أو نفيًا، مع رغبة وشوق أكيدين أن تجنح الأدلة نحو الإثبات.

الرسالة تاريخيًا

عندما نريد أن نحاكم مسألة أو واقعة علمية ما، فنحكم لها أو عليها، فإن أول خطوة يجب اتباعها هي البحث عن تاريخها، وفي أيّ مصدر وردت، ومن رواها، واعتمد عليها، وما شابه ذلك.

وما سأقوم به هو اتباع نفس الطريقة الآنفة الذكر، فأقول:

بداية لا بد من تحديد عصر الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) الذي يفترض أنه أرسل تلك الرسالة، وكذلك عصر ابن بابويه الذي يفترض أيضًا أن الرسالة أرسلت إليه.

أما عصر الإمام (عليه السلام) فإن ولادته كانت في العاشر من شهر ربيع الثاني لعام 232 هجرية، واستلم مقاليد الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) في الثالث من شهر رجب لعام 254هـ، وكانت شهادته (عليه السلام) في الثامن من شهر ربيع الأول لعام 260 هجرية، فكل ما يصدر من الإمام (عليه السلام) وله ارتباط بشأن من شؤون الإمامة، فلا بد أن يكون تاريخ صدوره في تلك الفترة ما بين عامي 254 هـ و260هـ.

وأما عصر ابن بابويه فلا بد من الإسهاب قليلاً فيه لتوقّف عدة استنتاجات في هذا البحث عليه، وتوضيح ذلك في نقاط ثلاث:

النقطة الأولى: أن ابن بابويه هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أبو الحسن القمي (والد الشيخ الصدوق)، المعروف بين المتأخرين بالصدوق الأول أو الصدوق الأب، ترجم له الشيخ النجاشي في كتابه فقال:

(... شيخ القميين في عصره، ومتقدَّمهم، وفقيههم، وثقتهم، كان قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله، وسأله مسائل، ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود، يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب (عليه السلام)، ويسأله فيها الولد، فكتب إليه: " قد دعونا الله لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيّرين" فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد... ومات علي بن الحسين سنة تسع وعشرون وثلاثمائة...)([1]).

وذكره الشيخ الطوسي في فهرسته بقوله:

(... كان فقيهًا جليلاً ثقة...)([2])، وكذلك في رجاله ([3])، وكل من جاء من بعده ذكره بكل احترام وتبجيل وثناء وتجليل.

النقطة الثانية: في الوقت الذي اتفق أكثر العلماء وأهل التحقيق على تاريخ وفاته وأنه سنة 329 هـ، لم يشر أحد منهم إلى زمن ولادته، شأنه شأن الكثير من الأصحاب، علمًا أن تحديد سنة ولادته مهم جدًا لتوقف إثبات هذه الرسالة على ذلك، فإذا فرض أنه كان من مواليد سنة 250 هجرية وما بعدها، فحينئذٍ لا يمكن قبول هذه الرسالة، بينما لو ثبت أنه من مواليد سنة 220 وما قاربها، يمكن حينئذٍ قبولها، اللهم إلا إذا كان هناك مانع آخر.

وعدم ذكر زمن ولادته في كتب التراجم والتاريخ لا يعني أنه مجهول العصر والطبقة، لأننا لا نعدم طرق أخرى نستطيع من خلالها أن نحدد عصره وطبقته.

وبنظرة سريعة على مشايخه، ومن روى عنهم يتبيّن أنه روى عمن عاش في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع، فقد روى عن جماعة، من أشهرهم:

1- أحمد بن إدريس أبو علي الأشعري القمي، توفي سنة 306هـ.

2- حميد بن زياد، توفي سنة 310 هـ.

3- سعد بن عبد الله الأشعري القمي، توفي سنة 299 أو 301 هـ.

4- علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، كان حيًا سنة 307 هـ.

5- عبد الله بن جعفر الحميري القمي، كان حيًا إلى ما بعد سنة 290 هـ.

6- محمد بن الحسن الصفار القمي، توفي سنة 290 هـ.

هذه نماذج من مشايخ ابن بابويه، وبحسب طريقة المحقق والمدقق الكبير في هذا الفن السيد البروجردي في ترتيب طبقات الأصحاب، فهؤلاء جميعًا من طبقة واحدة وهي الطبقة الثامنة، ويشاركهم فيها أيضًا:

7- محمد بن يحيى العطار القمي.

8- الحسين بن محمد بن عامر الأشعري.

ولم يثبت بطريق علمي أنه روى عمن كان قبل هذه الطبقة، اللهم إلا دعوى يتيمة ذكرها السيد أحمد الخوانساري في روضات الجنات ([4])، نقلاً عن بعض أفاضل المحققين، مفادها: أن ابن بابويه روى عن الحسين بن سعيد الأهوازي، وهذه دعوى لا حظّ لها من الصحة، ولا سبيل إلى إقامة الدليل عليها، ولا الطبقة تساعد على ذلك، والمعروف والمعهود أن ابن بابويه يروي عنه بواسطتين في عشرات الموارد.

ثم لو كان في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) قد بلغ مرتبة من العلم والمكانة بحيث يخاطبه الإمام (عليه السلام) بقوله "يا شيخي ومعتمدي وفقيهي" لكان من المفترض أن يروي عن عدد من أصحاب ومعاصري الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)، فضلاً عن أصحاب ومعاصري الإمام العسكري (عليه السلام)، وقد ثبت أنه لم يروِ مباشرة عن:

1- أحمد بن إسحاق الأشعري القمّي، الذي كان وافد القميين إلى الأئمة لأخذ المسائل والردود منهم، وتوفي بعد سنة 260 هـ.

2- أحمد بن محمد بن خالد البرقي القمّي، توفي سنة 274 أو 280 هـ.

3- أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي، كان حيًا عندما توفي البرقي المتقدم، وسار في جنازته.

4- إبراهيم بن محمد الثقفي، صاحب كتاب الغارات توفي 283هـ.

5- الحسن بن محمد بن سماعة الحضري، توفي سنة 263هـ.

6- الحسين ين سعيد الأهوازي، كان حيًا سنة 254هـ.

7- سهل بن زياد الآدمي، الذي كاتب الإمام العسكري (عليه السلام) سنة 255 هـ.

8- علي بن الحسن بن فضال، كان حيًا حدود سنة 270 هـ.

9- الفضل بن شاذان النيشابوري، توفي سنة 260هـ.

10- محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي، صاحب كتاب النوادر، توفي حدود سنة 280هـ.

11- محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، توفي سنة 262هـ.

12- محمد بن علي بن محبوب الأشعري القمي، كان حيًا قبل سنة 274هـ.

وغيرهم ممن كان في طبقتهم، فمن غير المعقول أن يكون ابن بابويه في زمن هؤلاء الأعلام الذين حملوا العلم ونشروه في الآفاق، وأكثرهم من مدينة قم، وجميعهم كانوا في زمن الإمام العسكري (عليه السلام)، ثم لا يروي عن أحد منهم.

والقائل بصحة هذه الرسالة لا بد وأن يلتزم أن ابن بابويه كان من مواليد سنة 220 هـ، وما قبلها حتى يُقبل مخاطبة الإمام عليه السلام له بـ" يا شيخي ومعتمدي وفقيهي" ولازم هذا القول أن ابن بابويه عاش 109 سنوات أو ما يزيد، وهذا وإن كان ممكنًا في نفسه، بيد أنه يفتقر إلى الدليل عليه، والسبب في ذلك هو أن عادة علماء التراجم والرجال الإشارة إلى من كان من المعمًرين، أو تجاوز عمره السن المتعارف عليه في الرواية، وبنظرة سريعة على كتاب النجاشي نستطيع الحكم على ديدنهم هذا بشكل واضح، فلاحظ ما قاله عند ترجمة كل من:

1- إسحاق بن الحسن العقرائي([5]).

2- أحمد بن عبد الواحد بن عبدون([6]).

3- جعفر بن محمد بن جعفر([7]).

4- حنَان بن سَدير الصيرفي([8]).

5- بكر بن محمد الأزدي([9]).

6- سُعدان بن مسلم([10]).

7- عبد الله بن سعيد الكناني([11]).

8- علي بن حسان الواسطي([12]).

9- علي بن علي بن رزين الخزاعي([13]).

10- محمد بن الحسن بن شمون البغدادي([14]).

11- محمد بن جمهور العمّي([15]).

12- محمد بن خالد الطيالسي([16]).

13- محمد بن الوليد البجلي الخزاز([17]).

14- محمد بن معروف الخزاز الهلالي([18]).

فهؤلاء جميعهم وصفهم النجاشي بأنهم من المعمّرين، وهذا فقط في كتاب النجاشي، وعند غيره كثير من هذا.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1]- رجال النجاشي ص261 رقم 684.

[2] - فهرست الطوسي، ص 273 رقم 393.

[3] - رجال الطوسي ص432 رقم 34 باب من لم يروِ عن واحد من الأئمة عليهم السلام.

[4] - روضات الجنات: 5/339 رقم 542.

[5]- رجال النجاشي، ص74، رقم 178.

[6]- المصدر السابق، ص87، رقم 211.

[7]- المصدر السابق، ص122، رقم 314.

[8]- المصدر السابق، ص146، رقم378.

[9]- المصدر السابق، ص108، رقم 273.

[10]- المصدر السابق، ص192، رقم 515.

[11]- المصدر السابق، ص217، رقم565.

[12]- المصدر السابق، ص276، رقم726.

[13]- المصدر السابق، ص276، رقم727.

[14]- المصدر السابق، ص335، رقم899.

[15]- المصدر السابق، ص337، رقم901.

[16]- المصدر السابق، ص340، رقم910.

[17]- المصدر السابق، ص345، رقم931.

[18]- المصدر السابق، ص362، رقم 975.

 

* مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

 

تتمة مقال = رسالة الإمام العسكري (ع) إلى ابن بابويه

وبناء عليه يصبح طرح السؤال التالي في هذا المقام وجيهًا، وهو:

إذا كان ابن بابويه من هؤلاء الذين عمّروا، فلماذا لم يُشر إلى ذلك أحد من علماء التراجم، ولم يروِ عن أحد من المشاركين له في الطبقة تؤيد أنه كان من المعمّرين؟!

وإذا لم يكن هناك جواب - كما هو حاصل فعلاً - فلا محيص عن الالتزام بعدم صحة دعوى كونه من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)، وإلا لو كان لبان، وعليه لم يبقَ أمامنا إلا الاعتراف بأن ولادته كانت في بداية النصف الثاني من القرن الثالث، أي في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) أو ما قارب عصره.

وبالتالي من كان عمره بضع سنين لا يخاطب عادةً بمثل هذه الكلمات التي وردت في تلك الرسالة، وأما القول بأنه من مواليد سنة 230هـ، وأنه عاش قرنًا من الزمن وعاصر ثلاثة من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)([19]) بل وكان سفيرًا للإمام العسكري (عليه السلام) بقم ([20])، وأن وصف الإمام (عليه السلام) له وهو في السن من الأحداث، دليل على مقامه العظيم ([21]). كل ذلك لا دليل عليه ولا الواقع يساعد على قبوله.

النقطة الثالثة: في ذكر المصادر التي وردت فيها هذه الرسالة.

إن أول مصدر نسبت([22]) إليه هذه الرسالة هو كتاب الاحتجاج للعلامة أبي منصور أحمد بن علي الطبرسي، وهو من أعلام القرن السادس، ولكن في المطبوع منه - قديمًا وحديثًا - لا يوجد أي أثر لهذه الرسالة فيه، مع أن طبعة دار أسوة في إيران قد حققت على أربع نسخ قديمة، وقد صرّح العلامة الطهراني - في حاشية له على ما ذكره أستاذه النوري في الخاتمة ([23]) - أنه لم يعثر عليها فيما وصله من نسخ الاحتجاج، وهذا كلام مهم من متتبع خبير في هذا الفن.

ثم صرّح ابن شهر آشوب المازندراني، المتوفى سنة 588هـ، بوجودها، ونقل منها جزءًا من بدايتها وجزءًا من نهايتها باختلاف يسير في كتابه مناقب آل أبي طالب([24]).

ونسب في رياض العلماء([25]) وجودها إلى كتاب الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة للشهيد الأول، ولكن ما هو مطبوع من الكتاب خال عن ذكرها البتة، مع أنها محققة على عدة نسخ،وقد صرًح العلامة النوري([26]) أنه لم يعثر عليها في الكتاب، وموضع الكتاب لا يناسب ذكر هكذا رسائل، قال العلامة المجلسي في بيانه لوثوق المصادر التي اعتمد عليها عند وصفه للدرة الباهرة:" وهو مقصور على إيراد كلمات وجيزة مأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وكل من الأئمة (عليهم السلام) ([27]).

والذي يظهر أن جميع من ذكر هذه الرسالة من المتأخرين اعتمد في النقل على من سبقه، وأقدم من ذكرها - كما هي عليه الآن - هو السيد القاضي نور الله المرعشي التستري، الذي استشهد سنة 1019هـ في كتابه مجالس المؤمنين([28]) وهو باللغة الفارسية، ولم يذكر السيد القاضي المصدر الذي اعتمد عليه في نقله لها.

وبعد هذا كيف يمكن لنا أن نعتمد على هذه الرسالة ؟!

ثم من حق أي باحث أو قارئ في هذا المقام أن يسال:

1- لماذا لم يروِ هذه الرسالة نفس ابن بابويه عن الإمام (عليه السلام) مباشرة في أي كتاب له على كثرة كتبه؟! ثم هذه منقبة ما بعدها منقبة، فمن حقه أن ينقلها ويفخر بها، ويُعَرِّفَها القاصي والداني، ولا وجه لكتمانها، خصوصًا أنها موجهة إلى شيعة الإمام (عليه السلام) من ورائه، وبعد اختفائها لعدة قرون تظهر ومن دون سند أو مصدر.

2- هب أن الصدوق الأب، لم ينقلها، فما هو المبرر للصدوق الابن أن لا ينقلها أو يشير إليها، وهو الراوي لتراث أبيه؟!

علمًا أن الصدوق الابن لطالما افتخر - ومن حقه ذلك - أنه ولد بدعاء الإمام الحجة (عليه السلام) عندما كتب أبوه إلى الإمام (عليه السلام) في زمن السفير الثالث يسأله الولد، وقد مرّت العبارة في ترجمة ابن بابويه من كتاب النجاشي.

3- لماذا لم ينقل أحد ممن ترجم لابن بابويه من القدماء على كثرتهم أيّة إشارة إلى هذه الرسالة ؟ مع أن من عادتهم أن لا يغفلوا من كاتب الإمام وكتب إليه جوابًا على مسألة شرعية خاصة، فكيف إذا كانت وصية من الإمام إلى أحد كبار العلماء، ومن ورائه إلى جميع الشيعة ؟

4- إن متن الرسالة - كما ستعرف - يتضمن عدّة مسائل تتعلق بعدة أبواب من الفقه والعقيدة والأخلاق والآداب بالإضافة إلى ثلاثة أحاديث تنسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله): الأول: يتعلق بصلاة الليل، والثاني: بانتظار الفرج. والثالث: بالإمام المهدي (عليه السلام)، فلماذا لم يستند إليها أحد من القدماء في أيّ حكم من الأحكام الشرعية أو العقائدية أو الأخلاقية ؟!

مع أن الشيخ الصدوق الابن أكثر في كتبه - خصوصًا من لا يحضره الفقيه - من النقل عن رسالة أبيه التي كتبها له، فلو كانت رسالة الإمام ثابتة عنده لكان النقل منها أولى وآكد.

وأخيرًا، يمكن أن يقال: إن هذه الرسالة أرسلها الإمام (عليه السلام) إلى شخص آخر يتفق مع ابن بابويه باسمه واسم أبيه وكنيته، وأنه من قم، فنسبت إلى ابن بابويه عن طريق الخطأ.

أقول: هذا ممكن وقد يكون هو شيخ ابن بابويه أبو الحسن علي بن الحسين السعدآبادي القمي، إلا أن الرجل لم يكن بهذه المنزلة الرفيعة حتى يخاطبه الإمام (عليه السلام) بهذه الكلمات، كيف ومن ذكره من قدماء علماء الرجال والتراجم لم يوثّقه أصلاً، بل لم يمدح مدحًا يعتدّ به.

هذا بالإضافة إلى عدة تساؤلات أخر تقدّمت حول أصل الرسالة لا يمكن الإجابة عنها.

متن الرسالة كما وردت في: رياض العلماء([29])، وروضات الجنات([30])ومعادن الحكمة ([31])، وخاتمة المستدرك([32]):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله أحسن الخالقين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين...

أما بعد...

 أوصيك يا شيخي ومعتمدي "وفقيهي([33])" أبا الحسن علي بن الحسين "ابن بابويه"([34]) القمي - وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولادًا صالحين برحمته، بتقوى الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنه لا تُقبل الصلاة من مانع الزكاة، وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والعلم "الحلم" ([35]) عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمور، والتعهد "والتعاهد"([36]) للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله عز وجل: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}([37]) واجتناب الفواحش كلها. وعليك بصلاة الليل، فإن النبي صلى الله عليه وآله أوصى عليًا عليه السلام فقال: يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، ومن استخف بصلاة الليل فليس منا.

فاعمل بوصيتي، وأمر جميع ([38]) شيعتي "بما أمرتك به" ([39]) حتى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، ولا يزال([40]) شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وآله حيث قال ([41]): إنه يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا.

فاصبر - يا شيخي "ومعتمدي يا أبا الحسن عليّ" ([42]) - وأمر جميع شيعتي بالصبر، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

والسلام عليك، "وعلى جميع شيعتنا" ([43])، ورحمة الله وبركاته، وحسبنا الله ونعم المعين "الوكيل" ([44])، نعم المولى ونعم النصير ([45]).

انتهى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[19] - لاحظ مقدمة محقق كتاب الإمامة والتبصرة، ص36، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)

[20] - لاحظ كتاب النقض للقزويني ص209.

[21] - لاحظ خاتمة المستدرك للنوري، ج3، الفائدة الثالثة، ص278.

[22] -لاحظ لؤلؤة البحرين، ص384، رقم 122 ؛ وروضات الجنات، ج4، ص265 رقم 397 ؛ وخاتمة المستدرك، ج3، ص276.

[23] - خاتمة المستدرك، ج3 ص276 من الهامش.

[24] - مناقب آل أبي طالب، ج 4 ص425.

[25] - رياض العلماء، ج4 ص7.

[26] - خاتمة المستدرك، ج3 ص 278.

[27] - بحار الأنوار، ج1، ص29.

[28] - مجالس المؤمنين، ج1، ص453.

[29] - رياض العلماء، ج4، ص7.

[30] - روضات الجنات، ج4، ص265.

[31] - معادن الحكم، ج2، ص265 رقم 109.

[32] - خاتمة المستدرك، ج3 ص276.

[33] - هذه الكلمة موجودة في كتابي روضات الجنات ومعادن الحكمة.

[34] - هذه الكلمة موجودة في كتاب معادن الحكمة.

[35] - هذه الكلمة موجودة في كتابي روضات الجنات ومعادن الحكمة،و"عند الجهل غير موجودة في معادن الحكمة"، وفيه أيضًا "الأمر" بدل "الأمور".

[36] - موجودة في الكتابين المتقدمين.

[37] - النساء: من الآية114.

[38] - كلمة "جميع" ليست في كتاب الروضات.

[39] - هذه العبارة موجودة في خاتمة مستدرك الوسائل.

[40] - في كتاب معادن الحكمة وخاتمة المستدرك: "تزال".

[41] - "حيث قال"، هذه العبارة غير موجودة في روضات الجنات ومعادن الحكمة.

[42] - هذه العبارة موجود منها جزء في الروضات وجزء في خاتمة المستدرك.

[43] - هذه العبارة موجودة في الروضات والمعادن والخاتمة.

[44] - هذه الكلمة في الروضات والخاتمة والواو بعدها غير موجودة في الروضات والخاتمة.

[45] - من عند "حسبنا".. إلى الأخير: غير موجودة في المعادن ويوجد عوض عنها قوله "وصلى الله على محمد وآله".

 

115%