رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

مهما بلغت الكلمات المكتوبة من العظمة والإبداع ، فإنها لن تزيد عن كونها مجرد خطوط أو علامات سوداء تقبع على الورق في حالة انتظار ، حتى تصادف عينًا تبث فيها الحياة ، ووعيًا يهبها المعنى .

يقول الشاعر  الإيراني ناصر خسرو واصفًا الكتاب :

يقولُ الكلامَ دون صوت

ولكن لا يتحدث  حتى يجد واعيًا

ولا يتحدث طالما لا أنظرُ في وجهه

ليس مثل الثرثارين الثقلاء

ولذلك فإنه لَمِمّا يُسعد المخلصين في نشر الفكر أن يلقى ما ينشرونه اهتمامًا لدى القراء ، لتغدو بذلك الخطوطُ والعلاماتُ التي يقومون بنشرها كياناتٍ حيةً ومعانٍ تستثير الوعي ، ولا تبقى مجرد حبر على ورق .

وإن أسرة مجلة رسالة النجف لتشعر بالفخر لما تتلقّاه من القرّاء من كلماتٍ مباركة ورسائلَ معبّرة تُعرِب عن الصدى الطيب الذي تتركه المجلة في نفوسهم . وهو أمر نقدّره كل التقدير ، ولذلك رأينا أن ننشر -تباعًا- نماذج من تلك الكلمات والرسائل ، وبحسب ما تسمح به الظروف .

وها نحن نضع بين يدي القراء الكرام واحدة من تلك الرسائل القيّمة خطتها يراع الأستاذ الفاضل الدكتور حسن عيسى الحكيم ، يقول فيها :

سماحة العلامة الجليل الشيخ مصطفى يحفوفي ، رئيس تحرير مجلة رسالة النجف المحترم . السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

لقد سررت كثيرًا بصدور مجلتكم العلمية الرائعة ، وقد اطلعت على بعض أعدادها،  وأرجو من الله تعالى التوفيق في المساهمة في مواضيعها وأبارك لكم (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية) في مسارها العلمي ، وإني يوم كنت رئيسًا لجامعة الكوفة قدّمت مذكرة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتأسيس (جامعة النجف الأشرف للفكر الإسلامي)، وبقيت أتابع الموضوع حتى بعد مغادرتي الرئاسة ، فالأمل وطيد بكم وأنتم تحملون رسالة النجف التي هي رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وإني الآن بصدد تأسيس (مركز التراث النجفي) ، وأملي أن تأخذ مجلة رسالة النجف مكانها في المركز . تحياتي للإخوة الأعزاء في مؤسساتكم ، ومن الله تعالى التوفيق.

الدكتور حسن عيسى الحكيم /أستاذ الدراسات العليا بكلية الآداب جامعة الكوفة

3 تموز 2006

التحرير

 

 

 

 

بيان المرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله

بمناسبة استشهاد الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

بسم‌ اللّه الرَّحمن الرَّحِيم، الحمد للّه رَبِّ العَالَمِين، وصلَّى ‌اللّه عَلَى سيِّدنا ونبيِّنا محمَّدٍ وآلِهِ، الطَّيبين الطَّاهرين لا سِيَّما بقية ‌اللّه في الأرضيين، واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين.

إنَّ الهدف من الخلقة هو معرفة اللّه سبحانه وتعالى وعبادته.. معرفة لا يمكن أن تتأتى من غير طريق الوحي، وتخمد أمام عظمته وكبريائه مشاعل العقول، وما تنسجه الأفكار وتحكيه الأوهام عن ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله ما هي إلا ظلمات بعضها فوق بعض: «كُلُّ ما مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهامِكُمْ في أَدَقِّ مَعانِيهِ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ مَرْدُودٌ إلَيْكُمْ»([1])، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيّار أمواج عظمته، وحصرت الألباب عند ذكر أزليته، وتحيّرت العقول في أفلاك ملكوته.

والمنار لبلوغ {نُورُ السَّمواتِ وَالأرض}([2]) منحصر في مشكاة قلبٍ أضاءه مصباح الوحي: {كِتابٌ أَنزَلْناهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور}([3])، والعبادة تليق ذاك السبّوح القدّوس الذي خلق الإنسان -الذي لم يكن شيئًا مذكوراً- من نطفة أمشاج، وجعله سميعًا كي يسمع آيات شريعته، وبصيرًا حتى يرى آيات حكمته، وخلق من الماء المهين خلقًا يرقى إلى مقام العقل واليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.. {فَتَبارَكَ اللّهُ أَحسَنُ الخالِقين}([4]).

إلا أنَّ عبادة اللّه الذي ليس كمثله شيء مثل معرفته لا تتيسر إلا بما شرَّعه العلي العظيم وأبلغه لنا بواسطة الأنبياء العظام كي يدعى "ذو الجلال والإكرام" بأسماء الجمال والكمال التي هي خزائن جواهر عرفانه عزّ وجلّ {وَلِلّهِ الأسماء الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها}([5]) وتلك المعرفة والعبادة التي هي الغرض من خلق الإنسان والخليقة، وحصيلة بعثة الأنبياء.. بلغت الغاية ببعثة الخاتم للنبيين الذي هو "الخاتِم لما سَبَق" و"الفاتِح لمَا استُقْبِل" وبذا بلغ حدّ الكمال.

وهذه الشجرة الطيبة التي غرسها ربُّ العزَّة بعين الحكمة ويد القدرة في أرض الفطرة البشريَّة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطْرَة‌َ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها}([6]) أينعت وتكاملت وأتت أُكلها بوجوده (صلى الله عليه وآله) في ذلك اليوم الذي قال: {اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينًا}([7]) فجمع ما أمكن أن يكون من معالم الهداية في‌ مدينة العلم والحكمة الخاتمية، و بحكمته البالغة، قد حصر تلك المدينة بحصن حصين لا ينفذ فيه الخطأ والهوى، كي لا تدنس العقول الناقصة والقلوب الفاسدة جواهر العلوم الربانيَّة والحِكَم الإلهية، ولم يترك لتلك المدينة منفذًا سوى الصراط المستقيم للولاية الكبرى، ولم يفتح بابًا للخلق والخليقة سوى باب الإمامة العظمى الملازمة للعصمة المطلقة من كل خطأ وسهوٍ وهوىً ونسيان.. «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيُّ بابُها»([8]).

ومن الضروري أن يُعلَم أنَّ الحلقة الرابطة لعرى الأمّة إلى يوم القيامة بتلك الرسالة العظمى والإمامة الكبرى ما هي إلا الإنسية الحوراء.. فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها.

تلك هي الوسيلة الوحيدة لامتداد الوجود الخاتم في هذا العالم.. إذ إنَّ نسلها سلام اللّه عليها يمثِّل البُعد المُلكي له (صلى الله عليه وآله)، كما وأنَّ البُعد الملكوتي لدينه (صلى الله عليه وآله) باقٍ بالأئمة من ولدها صلوات اللّه عليها.

تلك هي الوسيلة لبزوغ الكواكب السماويَّة للإمامة ؛ إذ مظهر أُفق وجودها مشرق الحلم الحسني، والشجاعة الحسينيَّة، والعبادة السجاديَّة، والمآثر الباقريَّة، والآثار الجعفريَّة، والعلوم الكاظميَّة، والحُجَج الرضويَّة، والجود التقويَّة، والنقاوة النقويَّة، والهيبة العسكريَّة، ومن الحسين -الذي هو مصباح الهدى وسفينة النجاة- إلى المهدي الموعود -الذي هو منتهى مواريث الأنبياء- و"بيُمنِهِ رُزِقَ الوَرى" و"بِوُجودِهِ ثَبَتَتِ الأرض وَالسَّماء" ثمرة تلك الشجرة الطيبة التي {أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماء تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها}([9]).

والحاصل: أنَّ الجواهر المكنونة في الخزائن الإلهية ما هي إلا من صدف عصمتها، والسراج المنير لنبوة الأنبياء -من آدم إلى الخاتم- والمشعل الوهَّاج لإمامة أئمَّة الهدى مستنير بنور وجودها..

وآخر هذا المكنون من هذا الصدف، والكوكب الدرِّي لهذا الفلك هو الذي «يَمْلأُ الأرض قِسْطًا وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»([10])، وبوجوده يصدق تأويل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}([11]) وبظهوره يعلم تفسير قوله عزَّ اسمه: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها}([12]) وليعلم أنَّ قدر (ليلة القدر) التي هي «مَنزِل كتاب اللّه الأعظم» مجهول، ودرك مقام تلك العطيَّة الكوثريَّة «عطيَّة ربِّ العرش العظيم» للرسول الكريم عن عقولنا محجوبٌ.

وما أقرّ بصدوره العامَّة والخاصة على لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي {ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى}([13]) واعترفت به نقَّاد الحديث الذين لا يُلوون جهدًا في تضعيف أسانيد الأحاديث الواردة في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة.. قد أعجزهم المسّ في سند هذا الحديث.. بل الكل أقرَّ بصحته وتماميَّته على جميع المباني والشروط عند المشائخ، وشهدوا على قول رسول ‌اللّه (صلى الله عليه وآله): «فَإنَّما هِيَ (فاطِمَةُ) بَضْعَةٌ مِنِّي يُريبُنِي ما أَرابَها وَيُؤذِينِي ما آذاها»([14]) وقوله (صلى الله عليه وآله): «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَها أَغْضَبَنِي» ([15])، إذ عبَّر عن فاطمة بأنَّها بضعة من وجوده وإنيَّته.. ذاك الذي كان «أوَّل ما خلق»([16]) و«أفصح من نطق»، واسم اللّه الأعظم في الأسماء الحسنى، ومثل اللّه الأعلى في الأمثال العليا.. قد عبّر عنها بأنها السبيكة المسبوكة من وجوده ؛ فعدَّ غضبها غضبه، الذي غضبه غضب اللّه..

وهذا مقام يحكي من تفرُّع فاطمة من مثَل نور اللّه وانعكاس غضب اللّه ورسوله ورضاهما في غضب الصديقة الكبرى ورضاها..

وقد نقل الفريقان أنَّه (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام): «إن اللّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضى لِرِضَاكِ»([17])، ومقام العصمة الذي هو أعلى مراتب الكمال الإنساني لا يكون إلا بدوران غضب العبد ورضاه مدار رضا اللّه وغضبه سبحانه..

وإذا كانت العصمة الكبرى تعني وصول الإنسان الكامل إلى مقام يرضى معه برضا اللّه ويغضب لغضب اللّه بقول مطلق، فإن فاطمة الزهراء (عليها السلام) وصلت إلى مرتبة يرضى اللّه لرضاها ويغضب لغضبها بقول مطلق، وهذا مقام يحار فيه الكمّل ! تلك هي مشرق الأنوار لنجوم سماء الولاية، ومخزن الإسرار لتخوم كتاب الهداية.

تلك هي زوجة وأُمُّ اثني عشر سيِّد من ولد إسماعيل الذين جاء ذكرهم في الباب السابع عشر من سِفر التكوين من التوراة، وخبَّر اللّه بهم إبراهيم الخليل(عليه السلام).

تلك هي العلامة العظمى في السماء التي ظهرت في مكاشفات يُوحنَّا.. امرأة قد احتضنت الشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها تاج من اثني عشر كوكبًا([18]).

تلك في سورة (حمّ) تأويل "الليلة المباركة" التي {فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}([19]).

تلك {نِسَاءنَا}([20]) في القرآن المجيد ؛ ذاك الجمع الذي انحصر بفرد واحد..

تلك وبعلها.. بحر النبوة والعلم الذي بهما أُوِّل قوله عزَّ من قائل: {مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقيانِ}([21]).

تلك المرأة الوحيدة التي عدَّ اللّه سبحانه دعاءها عِدل دعاء خاتم النبيين وسيد الوصيين في يوم المباهلة..

تلك وحيدة الدهر التي توَّجها اللّه بتاج: {إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورا}([22]).

تلك التي شاهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يوم المعراج مكتوبًا على باب الجنَّة: «فاطِمَةُ خِيرَةُ اللّهِ» ([23]) ؛ نعم تليق لأحمد المختار خيرة اللّه. تلك التي قال فيها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «وَأُبْعَثُ عَلَى البُراقِ خُطْوُها عِنْدَ أَقْصى طَرْفِها وَتُبْعَثُ فاطِمَةُ أَمامِي»([24]).

تلك كفاها أنَّها تحشر يوم لنشور قدَّام «إِمَام الأولين والآخرين» كي يتجلَّى معنى {يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْديهِمْ}([25]).. ذاك النور الذي يتقدَّم يوم الجزاء صاحبه الذي عبَّر عنه ربُّ العزَّة في كتابه المجيد بـ: «السراج المنير»، وجعله مثَل نوره في آية النور.

وكفى في شخصيتها أنَّها أوَّل من ترد على بساط‍ القرب الذي هو {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}([26])، «أَوَّلُ شَخْصٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فاطِمَةُ (عليها السلام)»([27]).

وحيث استقرَّت في مستقرِّ رحمته زارتها الأنبياء كلاًّ: «زارَكِ آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ مِنَ النَّبِيِّين»([28]).

تلك الجوهرة الفريدة الوحيدة التي منّ اللّه تعالى بوجودها -الذي صار سببًا لامتداد أشعة رسالة أبيها (صلى الله عليه وآله)- على النّبي الخاتم حيث قال: {إِنَّا أَعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأبتر} ومنّ اللّه ببعثة النّبي الخاتم على المؤمنين إذ قال: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ}([29]).

إنَّ خزائن علوم الأئمة المعصومين سلام اللّه عليهم أجمعين -بعد القرآن المبين- قد خزنت في ثلاث صحف مخزونة مكنونة عندهم، وهي: الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة (عليها السلام). إذ بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من هذه الدنيا الفانية، وابتلاء الصديقة الكبرى بالحزن الشديد لفراق أبيها، طبقًا للحديث الصحيح المروي عن الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): «.. كان جبرائيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيِّب نفسها، ويخبِّرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرِّيَّتها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك..»([30]).

فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام).. الحاوي علم ما يكون. والذي يلزم أن يعلم أية قدرة في تلك النفس القدسيَّة.. وأية جذبة في بضعة الحقيقة المحمديَّة التي جذبت بحقيقتها شديد القوى من الأفق الأعلى، وقهرت بقدرتها روح الأمين من سدرة المنتهى..

نعم ؛ السلام، والسلامة من أكدار العالم المادي في ليلة القدر التي هي مطلع الفجر لشموس سماء الولاية أوجبت أن تتنزل الملائكة والروح.

وفي الحديث الصحيح عن موسى بن القاسم أنَّه قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك. فقيل لي: إنَّ الأوصياء لا يُطاف عنهم !

فقال: «بلى، طف ما أمكنك، فإنّ ذلك جائز»، ثم قلت له -بعد ذلك- بثلاث سنين: إني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك، فأذنت لي في ذلك، فطفت عنكما ما شأ اللّه. ثم وقع في قلبي شي فعملت به.

قال: «وما هو؟» قلت: طفت يومًا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فقال ثلاث مرات: «صلى اللّه على رسول اللّه»، ثمَّ اليوم الثاني عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن (عليه السلام)، والرابع عن الحسين (عليه السلام) والخامس عن علي بن الحسين (عليه السلام)، واليوم السادس عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، واليوم السابع عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، واليوم الثامن عن أبيك موسى (عليه السلام)، واليوم التاسع عن أبيك علي (عليه السلام)، واليوم العاشر عنك يا سيدي ! وهؤلاء الذين أدين اللّه بولايتهم.

فقال: «إذًا واللّه تدين اللّه بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره». فقلت: وربَّما طفت عن أُمِّك فاطمة (عليها السلام)، وربَّما لم أطف.

فقال: «استكثر من هذا فإنَّه أفضل ما أنت عامله، إن شاء اللّه»([31]).

والتي إذا أُضيف لها طواف بيت اللّه الحرام صار ذلك الطواف أفضل الأعمال، كيف يمكن تحرير فضائلها أو تقدير قدرها.

إنَّ أضواء الكمال وأنوار الجلال الساطعة من تلك الشمس البازغة في سماء العصمة.. ممَّا لا تَسعُه العقول الجزئيَّة.. وما كان قصدنا هنا إلا الإشارة والتذكرة لأولي الألباب.

***

فما الذي حدث بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إلى الملأ الأعلى.. إنَّ مثل هذا الوجود الذي ملؤوا قلبه بالحزن والألم ارتضى أن يخلع قلبه من ولده كالحسن والحسين، وأن يغض طرفه عن بنات صغارٍ، وأن تنوح عند قبر أبيها قائلة:

«يا إِلهِي! عَجِّل وَفاتِي سَرِيعا»([32])، وأن تقول:

«صُبَّتْ عَلَىَّ مَصائِبُ لَوْ أَنَّها صُبَّتْ عَلَى الأيَّامِ صِرْنَ لَيالِيا»([33]).

ولذا عندما أُودعت التراب لم يبقَ من بدنها النحيف إلا شبح «وَصارَتْ كَالخَيَالِ»([34])!

فكان أن صار ذلك الرجل الذي بقدرته وإرادته أخضع الدنيا والآخرة.. قد هدَّه مصاب فاطمة وانهار حتى أنَّه خاطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بقوله: «أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ»([35]).

***

فما يلزمنا -يا ترى- أمام هذه الداهية الدهياء والمصيبة العظمى.. ؟ !حيث كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي هو مَنْ به وجودنا وكمالاته المفاضة ممّن منه الوجود، وهو الواسطة في تربيتنا التكوينيَّة والتشريعيَّة.. فله (صلى الله عليه وآله) على كل مسلم قد اهتدى في مبدأه ومعاده، وبـ:«مَنْ أَرْسَل‌َ اللّهُ» و «ما اَنْزَلَ اللّهُ» حقُّ الحياة الأبدية، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}([36]).

وبمقتضى إدراك العقل بوجوب شكر المنعم، وحكم الشرع بلزوم مودَّة ذي القربى {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا المَوَدَّةَ فِي القُربى}([37]) ؛ وأنّ فاطمة (عليها السلام) أقرب خلق اللّه وأحبّهم لرسول اللّه.. فيلزمنا القيام بتقديم مقدورنا في تعظيم -هذه الشعيرة- يوم شهادتها التي فيها دفن الناموس الإلهي وبضعة أشرف الأنبياء وكفؤ سيِّد الأوصياء وأُمُّ الأئمة النجباء.. وَارَوْهَا نصف الليل غريبةً ! وكان أن عُفِّي قبرها -الذي هو مخزن الأسرار الإلهية- وأُخفي، فكانت شهادتها سند إحقاق حق أول مظلومي العالم.. ولم أرَ مثله حقًا أضيعا([38]).

إنَّ تخليد يوم شهادة تلك البضعة الطاهرة بالشعائر الفاطميَّة ؛ إنَّما هو إحياء لأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) وإحياء أمره (عليه السلام) -الذي هو نفس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)- إحياء أمر خاتم الأنبياء، وإحياء أمر سيِّد الأنبياء إحياء أمر تمام الأنبياء والمرسلين.. وإحياء أمر أنبياء اللّه إحياء لأمر العبادة والمعرفة لربِّ العالمين.

**

فالمأمول ممَّن يأمل أن يحظى بشفاعة أبيها يوم القيامة، ويتمنى لقاء بعلها عند خروج الروح، وأن يأمن من وحشة القبر ووحدة ليلة الدفن بدعاء الصديقة الكبرى.. أن يجدَّ في إقامة مراسم العزاء -إلى حد الإمكان- بما يتناسب مع عظمتها سلام اللّه عليها، وأن تُرفَع أعلامُ العزاء من المواكب الدينيَّة في مصيبة (أُمِّ الأئمة النقباء) معزيَّةً لسبطها الأكبر وسيِّد الشهداء (عليهما السلام).. عسى أن يكون ذلك سلوى وعزاء من هذه الأمّة لأبيها وبعلها اللذان هما أول وثاني مَن في عالم الإمكان.. وأن يكون ذلك بلسمًا لجراح قلوب وُلْدها المعصومين، أئمة الإنس والجنِّ سلام اللّه عليهم أجمعين.. ونوع تقديم إخلاصٍ لمن هو الآن [بيُمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء]، وولي العصر وصاحب الزمان [أرواحنا لتراب مقدمه الفداء].

***

وعليه فمن المفروض اللازم على عامَّة المؤمنين الالتفات إلى هذه النكتة -التي لا تقال تعصبا وتعنتا-‍ بل بمقتضى الدليل والبرهان: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام}([39]).. وإنَّ هذا الإسلام بأُصوله وفروعه قائمٌ بالأئمة المعصومين: «بِنا عُرِف ‌َاللّهُ بِنا عُبِدَ اللّهُ نَحْنُ الأَدِلاءُ عَلَى اللّهِ وَلَوْلانا ما عُبِدَ اللّهُ»([40])، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل‌ بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض»([41]).

وثمّة أيدي مرموزة تعمل لتضعيف الروابط المستحكمة بين هذه الأُمَّة وأئمة الهدى -الذين هم مصابيح الهداية وسفن نجاة الأُمَّة-، وتبديل الهداية إلى هذا الصراط‍ المستقيم -الذي هو ثمرة حياة الأئمة المعصومين ونتيجة الجهاد العلمي والعملي للعلماء الربَّانِيِّين والفقهاء الراشدين- بالضلال المبين الذي هو الانحراف عن ولاية أولياء ربِّ العالمين والبراءة من أعداء اللّه المُضلِّين..

وعليه فإنَّ اللازم العقلي والشرعي يفرض علينا تعظيم شعائر الدين -الذي مصداقها الأتم والأكمل- إظهار الولاء لمقام الصديقة الكبرى وإبراز الاعتصام بحبل اللّه الذي هو القرآن والعترة وحفظ الشريعة الحقَّة التي هي سبيل اللّه الأعظم.. وصونها عن قطَّاع الطريق المستقيم.

طوبى لأولئك الذين يُوفَّقون لخدمة المقام المنيع لشفيعة يوم الجزاء، ويحظون برضاها الذي هو رضا الرب.. إذ إنَّ رضا اللّه سبحانه هو منتهى آمال الأنبياء والأولياء {ذلِكَ فَضْل‌ُاللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ}([42])، وبإقامة الشعائر يوم شهادتها تُحرَس وتُصَان هذه الطريقة الحقَّة من كيد المخالفين والمنافقين.

***

ولنختم الكلام متبرِّكين بذكر وصيَّتِها:

«بِسْم‌ِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: هذا ما أَوْصَتْ بِهِ فاطِمَةُ بِنْتُ رَسُول‌ِاللّهِ أَوْصَتْ وَهِيَ تَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلاّ اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقُّ وَالنَّارَ حَقُّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبورِ. يا عَليُّ! أَنَا فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، زَوَّجَنِيَ اللّهُ مِنْكَ لأََكُونَ لَكَ فِي الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ، أَنْتَ أَوْلى بِي مِنْ غَيْرِي.. وَأَسْتَوْدِعُكَ اللّهَ وَاقْرَأ عَلى وُلدِيَ السَّلامَ إِلى يَوْم ‌ِالقِيامَةِ»([43]).

هذه الوصية؛ أنشئت في حال شهود المبدأ والمعاد، والجنَّة والنار، والرسالة والرسول.. ولم تقم مثل هذه الشهادة من شهيد ولن تقوم من يوم نزول قوله تعالى:{شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكةُ وَاُولُوا العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}([44]) إلى اليوم المشهود.

شهادة أُدِّيت في محضر شاهدي صدق، الأول منهما ربِّ العزَّة والشاهد الثاني منهما وليُّ اللّه الأعظم: {قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ}([45]).

إنَّ معرفة هذه الشهادة وشاهدها ومشهودها تختص بأُولى العلم الواقفين على مراتب التوحيد ومقام الخاتميَّة وحقيقة الجنَّة والنار، وأسرار بعث مَن في القبور، وأحوال يوم النشور.

والغرض الإشارة إلى آخر ما جاء في الوصيَّة، إذ قالت: «وَاقْرأ عَلى وُلْدِيَ السَّلامَ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ»، الذي يظهر منها - لارتباطها بعالم الغيب وإحاطتها بعالم الشهود- علمها بعدم انقراض سلسلة أولادها إلى يوم القيامة، لذا طلبت من أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبلغ ولدها السلام إلى يوم القيامة.

وليعلم الفاطميُّون والفاطميَّات أي تاج فخر كلَّلتهم به.. وأي مسؤوليَّة كبرى حمَّلتهم.. أين تاج سلاطين الدنيا.. ؟ وأين فخر سلام ناموس اللّه على ذريَّة الزهراء ؟ سلام الصديقة الكبرى النابع من قلب القرآن وسورة يس، وهو سلامٌ متصل بـ: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}([46]) الذي هو قلب سورة يس.

إنَّ المسؤوليَّة العظمى المتأتاة في رد هذا السلام الواصل من تلك الناحية المقدسة التي خصَّها اللّه الّذي {لا إِلهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ}([47]) بصلاته وسلامه.

إنَّ جواب هذا السلام هو ما يلزم وُلدها إلى يوم القيامة من الدفاع عن حقِّ أُمِّهم بتمام وجودهم، ويلزم جواب هذا السلام من كلِّ سيِّدٍ من ولدها بما يتناسب ومقامهم.

ولا ينبغي لسيد من ولدها قد وصل إلى مقام أو منصب ثمّ يقصّر عن أداء حقِّها، أو إحقاق حقوقها..؟!

تلك التي كانت تقول -دفاعًا عن إمامة الأئمة المعصومين-: « وطاعَتَنا نِظاما لِلمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أَمانا مِنَ الفُرْقَةِ»([48]).. وذاك في مقام إحقاق حقها، وإحياء أمر إمامة أئمة الهدى.. مع ما كانت عليه من عظم المصاب الذي هدّ قوتها، وأنحل جسدها، حتى خاطبت أبيها بقولها: «رُفِعَتْ قُوَّتِي»([49]).. وكانت تنشد عند قبر أبيها بقلب حزين في فراق ذلك الأب الرحيم:

ماذا عَلى مَنْ  شَمَّ   تُرْبَةَ   أَحْمَد

 

أَنْ لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوالِيا([50])

والحذر من عدم رعاية شيعتها المحرومين والغفلة عنهم.. إذ قلبها تعلَّق بقلوبهم التي تحزن لحزنها وتفرح لفرحها..

فكان جواب هذا السَّلام من السادة البالغين مرتبة علميَّة هو التكفل لأيتام آل محمد: بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يَدَعُون هذه القلوب في غيبة صاحبها أن تقع في حبال شبهات المخالفين وأن يصادوا من قبل شياطين الجنِّ والإنس.

وجواب هذا السلام من قبل السادة الأغنياء هو البذل من مالهم في سبيل تحكيم مباني المذهب الذي من أجله ضحَّت واستُشهِدَت، ولا يبخلوا من الإنفاق في سبيل إحياء شعائر يوم شهادتها..

وعلى عموم السَّادة التأمل في هذه الكلمات المؤلمة التي جاءت في وصيَّة الصديقة الشهيدة لأمير المؤمنين (عليه السلام): «حَنِّطْنِي وَغَسِّلْنِي وَكَفِّنِّي بِاللَّيْلِ وَصَلِّ عَلَيَّ وَادْفِنِّي بِاللَيْلِ وَلا تُعْلِمْ أَحَدًا..».

إنَّ أقل ما يجاب عن هذا النداء ويجبر -وأنَّى له أن يجبر- أن يُقَام مواساةً لغربة تلك الجنازة المحاطة بأيتامها الذين لم يفارقوا صدرها.. أن يحملوا ليلة دفنها في كل بلدةٍ وقريةٍ أعلام المصاب، ويرتدوا ثياب العزاء، ويدوروا في الأزقَّة والطرق قائلين لجدتهم: لن ننساكِ أبدًا ولا الظلم الذي جرى عليكِ.. وإن ننسَ فلا ننسَ ذلك القلب المفعم بالحزن، والبدن المألوم، والقبر المجهول.. {حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ وَ ُهوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ}([51]).

***

اَللّهُمَّ بِحَقِّ فاطِمَةَ وَ أَبِيها وَ بَعْلِها وَ بَنِيها وَ السِّرِّ المُسْتَودَعِ فِيها صَلِّ عَلى فاطِمَةَ وَ أَبِيها وَبَعْلِها وَبَنِيها عَدَدَ ما فِي عِلْمِكَ صَلاةً دائِمَةً بِدوامِ مُلكِكَ وَسُلْطانِكَ وَعَجِّلْ فِي فَرَجِ وَلِيِّكَ وَأَصْلِحْ كُلَّ فاسِدٍ مِنْ أُمورِ المُسْلِمينَ وَاغْفِرْ لَنا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بالإيمان وَآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1]) بحار الأنوار ج 66ص 293.

([2]) سورة النور: 35.

([3]) سورة إبراهيم: 1.

([4]) سورة المؤمنون: 14.

([5]) سورة الأعراف: 180.

([6]) سورة الروم: 30.

([7]) سورة المائدة: 3.

([8]) انظر: عيون أخبار الرضا ج 2 ص66 باب 31 حديث 298 . التوحيد: 307 المستدرك على الصحيحين ج3 ص126، مجمع الزوائد ج9 ص111، ومصادر أخرى من العامة والخاصة.

([9]) سورة إبراهيم: 24-25.

([10]) أمالي الشيخ الصدوق: 87 مجلس 7 حديث 3، ومسند أحمد بن حنبل ج3 ص37.. وغيرهم.

([11]) سورة التوبة: 33.

([12]) سورة الزمر: 69.

([13]) سورة النجم: 3.

([14]) انظر: صحيح البخاري ج4 ص210 باب مناقب قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، باختلاف يسير بالإيضاح: 561 ، ومصادر أخرى من العامة.

([15]) انظر: صحيح البخاري ج4 ص210 باب مناقب قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والطرائف: 262.. ومصادر أخرى من العامة والخاصة.

([16]) إشارة إلى الحديث العاشر من أصول الكافي ج1 ص442.

([17]) أمالي الشيخ الطوسي: 427، المستدرك على الصحيحين ج3 ص154.

([18]) مكاشفات يوحنا الرسول باب 12.

([19]) سورة الدخان: 4، وانظر أصول الكافي ج1 ص479.

([20]) سورة آل عمران: 61.

([21]) سورة الرحمن: 19، وانظر الخصال 165.

([22]) سورة الإنسان: 9، وانظر: الإرشاد ج1 ص178.

([23]) تاريخ بغداد ج1 ص274.

([24]) المستدرك على الصحيحين ج3 ص153.

([25]) سورة الحديد: 12.

([26]) سورة القمر: 55.

([27]) ميزان الاعتدال ج2 ص131.

([28]) تفسير فرات الكوفي: 446.

([29]) سورة آل عمران: 164.

([30]) أصول الكافي ج1 ص241.

([31]) الكافي ج4 ص314 حديث 2، وعنه في وسائل الشيعة ج11 ص200، أبواب النيابة في الحج باب 26، ولاحظ: التهذيب ج5 ص450، حديث 1572.

([32]) بحار الأنوار ج43 ص177.

([33]) بحار الأنوار ج79 ص106.

([34]) دعائم الإسلام ج1 ص232.

([35]) خطب نهج البلاغة برقم 202.

([36]) سورة الأنفال: 24.

([37]) سورة الشورى: 23.

([38]) كنز الفوائد 154.

([39]) كنز الفوائد 154.

([40]) التوحيد للشيخ الصدوق 152.

([41]) المستدرك على الصحيحين ج3 ص148 و ج3 ص110، عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ج1 ص68، ومصادر أخرى للعامة والخاصة.

([42]) سورة المائدة: 54.

([43]) بحار الأنوار ج43 ص214.

([44]) سورة آل عمران: 18.

([45]) سورة الرعد 43.

([46]) سورة يس: 58.

([47]) سورة الحشر: 23.

([48]) الاحتجاج ج1 ص134.

([49]) بحار الأنوار ج43 ص175.

([50]) مناقب آل أبي طالب ج1 ص208.

([51]) سورة يونس  109.

 

 

 

دعاء المعصوم ... نظرة وتحليل

السيد علي السيد حسين يوسف مكي

ما هو الدعاء ؟

الدعاء كما قيل هو الرغبة إلى الله، وفي مجمع البحرين: دعوت الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ويقال دَعَا: أي استغاث([1]). فقولك يا ألله يا رحمن يا رحيم تشتمل على هذه المعاني.

وقيل أيضًا الدعاء هو العبادة كما قال تعالى {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}([2]).

أما الدعاء عند أهل المعرفة والأخلاق والروحانيين فهو من الأمور الواضحة المعروفة التي لا يتردد ولا يتوقف فيها أحد، وهو يعني المناجاة والتوجّه والارتباط بالله سبحانه.

فمرة تكون مناجاة العبد وتوجّهه إلى الله تعالى لمجرد الذكر والتمجيد والحمد والثناء والتعظيم بذكر محامده وصفاته والاعتراف بالربوبية والإقرار بالعبودية له تعالى.

وأخرى تكون المناجاة والدعاء من خلال التوسّل إلى الله والسؤال منه بطلب الرحمة والإحسان، والعون منه في أموره ومكاسبه وشؤونه.

وثالثة يكون التوسّل إليه بطلب العفو والصفح عن ذنوبه وآثامه ومعاصيه ومخالفاته التي ارتكبها نتيجة وسوسة الشيطان وتسويل النفس الأمارة بالسوء.

وفي كل هذه الأمور فالدعاء يُجسّد الاتجاه نحو الله سبحانه، ولذلك يشعر الإنسان وهو يمد يده بالدعاء متوسلاً أنه يسعى نحو إنسانيته وواقعه:

[إنسانيته] التي لا قيمة لها ولا وزن ولا اعتبار إلا بهذا الارتباط بالله سبحانه.

و[واقعه] الذي يحكي مفاهيمه من الفقر والضعف والعجز والحاجة إلى خالقه في تدبيره وتيسير أموره. ولذلك كان الدعاء رحلة واسعة في آفاق الإيمان والمعرفة والكمال، يستشعر معه الداعي بانعتاق الروح والعقل والفكر من كل الشبهات والمعوّقات التي تعكّر صفوها ونقاءها، وامتداد الوعي إلى آفاق أبعد وأوسع من حدوده، وكذلك يستشعر الطهارة والقدسية التي تجعله دائمًا في حالة الخضوع والخشوع والخشية والرهبة والخوف من الله سبحانه واللَّجَأ إليه والرجاء منه، وعندها ينتظم سلوكه ويستقيم عمله ويتدبّر قوله وفعله وكل شؤونه لتكون خالصة لله سبحانه ولا يخرج عما أُمِر به.

وما أعظم هذه الرحلة الروحية التي تنتهي بالإنسان إلى تلك الوقفة الرائعة بين يدي الله سبحانه، وما أعظم هيمنة الدعاء والتوسل والطلب منه جلّ اسمه حين يرجع العبد بذنب مغفور وعمل مقبول وسعي مشكور والله هو الغفور الشكور.

تساؤلات حول الدعاء

التساؤل الأول: هل ينبغي التقيّد بلفظ الدعاء ؟

الأدعية التي هي بين أيدينا أكثرها وأغلبها من إنشاء النبي والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، ولذلك علينا ونحن نأخذ بهذه الأدعية أن نتقيّد بالنص الوارد عنهم. وإن أيّ زيادة أو نقيصة تخلّ بالدعاء لعلمنا الأكيد بأنهم حتى في الدعاء يتكلّمون في إطار الواقع الذي يتعلّق بالعبد وفي إطار مصلحته وما يوصله إلى الحقيقة وإلى الرضا والقبول وقضاء الحوائج.

وقد ورد تأكيدًا لهذه الحقيقة: أن رجلاً جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له: جعلت فداك إني اخترعت دعاءً ! فقال له الإمام (عليه السلام): دعني من اختراعك، إذا نزل بك أمر.. الحديث ([3]).

وعن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علَم يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: كيف دعاء الغريق؟

قال: يقول: "يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك".

فقلت: "يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك".

قال: إن الله عز وجل مقلّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك"([4]).

الأمر الذي يؤكد بأن ما يرد عنهم (عليهم السلام) له موضوعيته وأهميته الدعائية وله تأثيره في تحقق الإجابة.

التساؤل الثاني: ماذا يعني إقرار المعصوم بالذنب وطلب المغفرة ؟

هناك ناحية مهمة جدًا في عالم الدعاء، وهي أن من جملة آداب الدعاء الإقرار بالذنوب والاعتراف بها بين يدي الله سبحانه وتعالى. وهذه الناحية الأدبية الدعائية تجسّد في واقعها الانقطاع إلى الله سبحانه، وتجسّد الواقع الإنساني المبني على الضعف وعلى الخِواء الروحي وإمكانية الانزلاق مع الأهواء والشهوات والوقوع في المعاصي وأنه لا ملجأ إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني أيضًا تجديد الانطلاقة مع الهدى والاعتصام بالله تعالى والعودة إليه وإلى رعايته وحمايته والتوبة والإنابة.

ويتساءل الإنسان: ما دمنا نعتقد أن العصمة من الضروريات الواجبة واللازمة للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) وبشكل مطلق واختياري لهم... فماذا يعني هذا الإقرار وهذا الاعتراف منهم في الأدعية، وهل ذنوب الإمام كذنوبنا، فيها المخالفة لأوامر الله سبحانه، وفيها المعصية، وفيها عدم السير على النهج الواضح المأمور به ؟! أم أن هذه الذنوب هي أمور أخرى ؟!

علمًا أنهم حين يتوجّهون بالدعاء ويدعون يكون الدعاء منهم حقيقيًا وواقعيًا، لأنه لا مجاز في الدعاء، فكل ما يدعون به يكون على نحو الحقيقة والطلب الحقيقي، وحتى لو قلنا إنهم في مقام التعليم للمسلمين والتربية للناس فهم يدعون ويقولون هذه الأدعية بمنطوق ومضمون واقعي.. فماذا يعني هذا الاعتراف ؟

المنطلق في الجواب عن الشبهة

وعلى ضوء ما مر قد يغلب على الظن أن هذا التساؤل وجيه، وهو يتردد في خاطر الكثيرين وفي نفس وعقل كل مؤمن.

إلا أن هذا التساؤل تتضح الإجابة عنه عندما نعود إلى واقعنا الإيماني وما نعتقده في الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) من وجوب العصمة وضرورتها لهم، لأنهم يتحدّثون إلى الخلق عن الله سبحانه وتعالى بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله) وبما أودعه النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم من علوم، ومن المستحيل أن يبعث الله سبحانه نبيًا أو رسولاً ويجعل له وصيًا على غير صفة العصمة، بل العصمة المطلقة أيضًا، وإلا لزم تأييد الكاذب والفاسق وغير الصادق في دعواهم، وهذا مستحيل في حق الله سبحانه.

ومن هذا المنطلق نقول إن هذه الأدعية التي وردت عنهم (عليهم السلام) والتي تضمنّت الاعتراف بالذنوب والخطايا، وتضمنّت الاستغفار وطلب التوبة والاستقالة منها، لا شك ولا ريب أنها تعني معنىً غير الذي نفهمه ونعرفه من أنفسنا حين نغرق في الذنوب والخطايا وحين نطلب العفو والاستقالة منها.

فحاصل الإشكال: أن طلبهم المغفرة من الذنوب والاستقالة منها عندما تصدر منهم تعني كلامًا وطلبًا واقعيًا.. ولكن هل إن ذنوبهم كذنوبنا ؟! بل هل يذنبون ويصدر منهم ذنب ؟!

حاشا لله سبحانه أن نقول إنهم يذنبون أو يصدر منهم ما يصدر منا أبدًا. ولكن لشدة كمالهم وانقطاعهم إلى الله يرون أنه يجب أن تكون أوقاتهم مستغرقة ومتمحّضة دائمًا وأبدًا في خدمة الله وطاعة الله، ففي أيّة لحظة من لحظات وجودهم وحياتهم كان أيّ انشغال منهم -في مأكل أو مشرب أو أيّ عمل غير العبادة من الأمور المباحة والضرورية الحياتية- يعتبرونه ذنبًا ويعدونه انشغالاً عن عبادة الله المحضة، وإن كانت الانشغالات المتعلقة بأمور المعاش ومصاحبة العباد عبادة وطاعة من جهة أخرى كما لا يخفى.

فإذا شربوا الماء أو أكلوا مثلاً يكون في حسابهم أنه انشغالٌ وتقصير في حقه تعالى. بل المشاغل الأخرى، برغم ضرورتها وكونها طاعة في نفسها، يعدونها مزاحمةً لحق الله سبحانه، لأن الواجب الذي يرونه على أنفسهم هو الاستغراق منهم في عظمته وجلاله وخدمته، وغير هذا يرونه ذنبًا، بل يرونه ذنبًا كبيرًا، يستغفرون منه، ويطلبون الرحمة والإحسان من المولى جلّ اسمه.

وهذا أهم ما أجيب به عن الشبهة، وهو من إفاضات العلامة الأربلي صاحب كشف الغمة -كما سيأتي نقله-، وهو أقربها إلى الحق وهو أهم التعليلات المذكورة في المقام حتى تلقّاه الأصحاب والعلماء بالقبول والرضا، ولهم في تقريره عبارات متفاوتة دقة وبيانًا، ونحن ننقل نص كلامه:

قال رحمه الله تعالى تحت عنوان "فائدة سَنيّة" ([5]):

(( كنت أرى الدعاء الذي كان يقوله أبو الحسن موسى (عليه السلام) في سجدة الشكر، وهو: [رب عصيتك بلساني، ولو شئتَ وعزتك لأخرستني. وعصيتك ببصري، ولو شئتَ وعزتك لأكْمَهتني. وعصيتك بسمعي، ولو شئتَ وعزتك لأصممتني. وعصيتك بيدي، ولو شئتَ وعزتك لكنعتني. وعصيتك بفرجي، ولو شئتَ وعزتك لأعقمتني([6]). وعصيتك برجلي، لو شئتَ وعزتك لجذمتني. وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها عليَّ، ولم يكن هذا جزاك مني ].

فكنت أفكر في معناه، وأقول: كيف يتنزل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة ؟ وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه.

فاجتمعت بالسيد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاووس العلوي الحسيني (ره) وألحقه بسلفه الطاهر، فذكرت له ذلك، فقال: إن الوزير السعيد مؤيد الدين العلقمي رحمه الله تعالى سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلّم الناس.

ثم إني فكّرت بعد ذلك، فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في الليل وليس عنده من يعلّمه.

ثم إنه سألني عنه السعيد الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي (ره)، فأخبرته بالسؤال الأول والذي قلت والذي أوردته عليه، وقلت: ما بقي إلا أن يكون يقوله على سبيل التواضع وما هذا معناه.

فلم تقع مني هذه الأقوال بموقع، ولا حلّت من قلبي في موضع.

ومات السيد رضي الدين (ره) فهداني الله إلى معناه ووفقني على فحواه، فكان الوقوف عليه والعلم به وكشف حجابه بعد السنين المتطاولة والأحوال المجرمة([7]) والأدوار المكررة من كرامات الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ومعجزاته، ولتصح نسبة العصمة إليه (عليه السلام)، وتصدق على آبائه وأبنائه البررة الكرام، وتزول الشبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام. وتقريره:

إن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) كون أوقاتهم مشغولة بالله تعالى، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى، وهم أبدًا في المراقبة كما قال (عليه السلام): [اعبد الله كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك]، فهم أبدًا متوجهون إليه، ومقبلون بِكُلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرّغ إلى النكاح وغيره من المباحات، عدّوه ذنبًا واعتقدوه خطيئة واستغفروا منـه. ألا ترى أن بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد وأكل وشرب ونكح وهو يعلم أنه بمرأى من سيده ومسمع لكان ملومًا عند الناس ومقصرًا فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه! فما ظنك بسيد السادات وملك الأملاك.

والى هذا أشار (عليه السلام): [إنه ليُرَان على قلبي، واني لأستغفر بالنهار سبعين مرة]، ولفظة "السبعين" إنما هي لعدّ الاستغفار لا إلى الرين. وقوله [حسنات الأبرار سيئات المقربين].

ونظيره إيضاحًا من لفظه ليكون أبلغ من التأويل ويظهر من قوله (عليه السلام): [أعقمتني]، والعقيم: الذي لا يولد له والذي يولد من السفاح لا يكون ولدًا، فقد بان بهذا أنه كان يَعد اشتغاله في وقتٍ ما بما هو ضرورة للأبدان معصيةً يستغفر الله منها.

وعلى هذا فقس البواقي، وكل ما يرد عليك من أمثالها.

وهذا معنى شريف، يكشف بمدلوله حجاب الشبهة، ويهدي به الله من حسر عن بصره وبصيرته رين العمى والعمه، وليت السيد كان حيا لأُهدي هذه العقيلة إليه، وأجلو عرايسها عليه، فما أظن أن هذا المعنى اتضح من لفظ الدعاء لغيري، ولا أن أحدًا سار في إيضاح مشكله وفتح مقفله مثل سيري، وقد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجايب، وقديمًا ما قيل: [مع الخواطئ سهم صايب]. )) انتهى كلامه.

تأييدات وتأكيدات لهذا الوجه

ويؤكد هذا الكلام الحديث الشريف: (التوبة حبل الله، ومدد عنايته ولا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال، وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السر، وتوبة الأصفياء من التنفس، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله، وتوبة العام من الذنوب) ([8]).

ويؤيده أيضًا: ما اشتهر من أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فماذا تكون حسنات المقربين بالنسبة للأنبياء والرسل والأوصياء، لأنه من المستحيل أن يبلغ أحد حدّ العبادة التي تليق بشأنه تعالى، وكما ورد عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أنه قال لبعض ولده: يا بني عليك بالجد، لا تخرجنّ نفسك عن حد التقصير في عبادة الله عز وجل وطاعته، فإن الله لا يُعبد حق عبادته([9]).

 وهذا ما يتجلّى واضحًا في كلمات مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):

(ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك) ([10]).

وأيضًا الاعتراف والإقرار بالذنوب من موجبات الشكر ومستلزماته التي توجب الارتقاء إلى درجة القرب الإلهي، لأن نعم الله سبحانه على إطلاقها لا يتمكّن أحد من شكرها حق الشكر.

وأيضًا إن الاعتراف والإقرار بالذنب والاستغفار منه مظهر من مظاهر العبودية المطلقة لله سبحانه، والعبودية المطلقة من أهم المنازل التي يرتقي بها الإنسان إلى منازل الصدّيقين والمقرّبين.

والمتأمل في أدعية الأئمة (عليهم السلام) على اختلافها يجد هذا المعنى واضحًا ومؤكدًا.

أما الأدعية الخاصة مثل دعاء كميل ودعاء أبي حمزة الثمالي، فشأنها شأن بقية الأدعية، أدعيةٌ تربوية وتهذيبية، ترقى بالإنسان إلى مراتب العلم والأدب والروحانية والأخلاق والتوجيه العقلي والروحي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي، بل حتى في مجالات أخرى فيما يتعلق بالأسرة وفيما يتعلّق بالأولاد وفيما يتعلق بالآباء والأمهات، والعلاقات مع الناس سواء كانت اجتماعية أو تربوية أو شرعية أو مالية أو غير ذلك، لأن الدعاء يستهدف في تعاليمه كل ما تستهدفه الشريعة، ويتضمن ما تضمنته من أحكام واعتبارات وقضايا.

بل إن الدعاء كان -ولا يزال- من جملة الوسائل لنشر الشريعة والأحكام في ظرف الخطر على أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كان المتوقّع منهم (عليهم السلام) حتى في مثل هذه الظروف القاسية إعطاء شيء من الأحكام وبيان متطلبات الناس الشرعية، من هنا لجأوا إلى الأدعية، وضمّنوها كل ما هو مطلوب للناس من أحكام وأخلاق واجتماعيات وأمور اقتصادية بل وحتى في علاقات الناس السياسية وهكذا.

من هنا كانت آفاق الدعاء آفاقًا واسعة وبعيدة من حيث مقاصدها ومراميها، فالإمام علي (عليه السلام) حين علّم كميل بن زياد هذا الدعاء وكان يلقيه عليه، علّمه إياه ليعلّم الأمة كيف تتعامل مع ربها وخالقها، وكيف تدعوه، وكيف تطلب منه، وكيف تسأله وتتذلل بين يديه، وكيف يكون الخضوع والخشوع لله سبحانه، وكيف يُخلّص الإنسان نفسه من الأوضاع التي تهيمن عليه وتضغط عليه بمؤثراتها.

إن لغة الدعاء لا تختلف كثيرًا عن لغة الخطابة والإلقاء على مسامع الناس، ولكنها تختلف في الحالات الروحية والنفسية والتوجّهات القلبية والأخلاقية والمقامات والمناسبات التي يكون فيها الداعي خالصًا لله ومع الله.

هذا ما تتبنّاه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلّق بالدعاء، لأن ضرورة التناسب بين الأقوال والأحوال من أهم الأمور التي يجب أن تكون واضحة ومتأكدة عند الداعي، لأن اللفظ والقول ترجمان القلب والعقل، فلا بد أن يكون التناسب والتناسق والترابط قائمًا.

هذا فضلاً عن الدعاء بالصحيح إعرابًا وأدبًا وفصاحة وبلاغة، وإن كان المولى سبحانه وتعالى يعرف ما يقصده العبد وما يريده حتى ولو كان بالإشارة، ولكن حتى يسمى دعاءً عليه أن يعتمد على المأثور الوارد عن الأئمة (عليهم السلام) في كل شؤون الدعاء فإن له خصوصية وميزة.

تأكيد وخلاصة

وأعود لأذكر مرة أخرى بأن هذه الأدعية التي وردت عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) التي تتضمن الاعتراف بالذنوب والتي تتضمن طلب العفو والصفح والمغفرة هي أدعية حقيقةً، ولكن الأئمة سلام الله عليهم ليس لهم ذنوب كما قد يتصور البعض أو يخطر على أفكاره المحدودة، وإنما هو من جهة أنهم (عليهم السلام) يرون أنه لا بد أن يكونوا دائمًا في خدمة الله ومنشغلين بطاعة الله وذكره، فيعدّون الانشغال بأيّ شيء مباح انشغالاً لهم عن التمحض لذكر الله، فيعتبرونه ذنبًا ومزاحمًا لمقام الخدمة التي يرون ضرورة كونهم عليها دائمًا وأبدًا.

لا أنهم يذنبون الذنب الذي يستوجب المخالفة والعقوبة من الله والعياذ بالله، فإنهم أطهر وأنزه وأطيب وأسمى من أن يخطر على بالهم هذا المعنى.

وكيف يخطر على بالهم المخالفة وهم يعلمون حقيقة الذنوب ما هي، ويعرفون مبغوضيتها لله ومخاطرها عند الله، وروائحها المنكرة.

ترى لو مرّ أحد منا على جيفةٍ منتنةٍ ألا يهرب منها؟ وهل يخطر بباله أن يمر عليها ثانية؟ وأيضًا لو علم إنسان منا بأن الإناء الذي أمامه أو بين يديه فيه سم قاتل أكان يقترب منه أو يتناول منه شيئًا؟ من المقطوع به أنه لا يفعل.

وعصمة الأنبياء والرسل والأوصياء ارتقاء في عالم النزاهة والفضيلة، والبعد عن كل ما هو مبغوض، وارتقاء في عالم النوارنية والقدسية، والتجرّد لله سبحانه وتعالى، وارتقاء في عالم الفناء في ذات الله سبحانه. فكيف يخطر على بالنا أو يتبادر إلى أذهاننا أو تتصور عقولنا أنهم يفعلون ما هو مبعّد عن خدمة الله، فضلاً عن فعل الذنوب والمعاصي!!

توجيهات أخرى ذكرها العلماء

هذا وقد ذكر العلماء توجيهات أخرى:

منها: أن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لما كانت معرفتهم بالله فوق كل معرفة، وإدراكهم لعظمة الله وجلاله فوق كل إدراك -ومن هنا كان قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا)([11])-، فهم (عليهم السلام) يرون أن العباد يجب أن يكونوا دائمًا وأبدًا في خدمة الله، وبما أن البشر لا ينقطعون عن المعاصي والآثام والخطايا، وتُرتكب هذه المعاصي منهم بحضور الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وحيث لا يمكنهم التغيير والتبديل برغم التوجيه والتعليم وإنكار المُنكر، يرون أن هذه الذنوب ذنوبهم، لأنها ترتكب بحضرتهم، ولذلك يستغفرون منها.

وهذا لا مانع منه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}([12]) أي من ذنوب أمّتك -ولو على بعض التفاسير-.

ومنها: أن النعم التي اُفيضت عليهم -صلوات الله عليهم أجمعين- كبيرة وجليلة، من النبوة والإمامة والعلوم والمعارف وإخدامهم الملائكة. وهم (عليهم السلام) في مقابل ذلك يرَون لله عليهم وجوب الشكر، فيريدون شكره على ما أنعم الله عليهم، وحيث إنهم (عليهم السلام) يرَون أن الشكر الذي يتلاءم ومقام العزة الإلهية صعب المنال فيعدّون ذلك تقصيرًا ويعتبرونه ذنبًا، ولذلك يستغفرون منه مع أنهم لم يفعلوا ذنبًا ولا ارتكبوا خطيئة، بل هم على العكس يتواصلون في العبادة والذكر والطاعة لله والبكاء خوفًا وشكرًا.

ومما يروى في ذلك تأييدًا لما ذكرنا، ما روي عن عطاء أنه قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله (صلى الله عليه وآله). قالت: وأيّ شأنه لم يكن عجبًا، إنه أتاني في ليلتي.. إلى أن قالت: ثم قال (صلى الله عليه وآله): ذريني أتعبّد لربي، فقام فتوضأ، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ألا أكون عبدًا شكورًا، ولم لا أفعل وقد أنزل الله عليّ هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ}([13]).

هذا واقع وحال الأنبياء والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في أدعيتهم واستغفارهم من الذنوب والاستقالة منها، فهي في الواقع ليست ذنوبًا، وبكاؤهم ليس بكاء خطيئة كما يصدر من الناس، وإنما هم -لمقامهم السامي ومعرفتهم بعظمة الله وجلاله وما يجب عليهم من الاستمرار دائمًا وأبدًا في خدمة الله تعالى وتمجيده وتسبيحه وتهليله- إذا انقطعوا عن ذلك بعمل مباح عدّوا ذلك ذنبًا.

وأين هذا مما يقال إنهم يفعلون الذنوب الصغيرة ويرتكبون الخطأ؟ وأيّ نسبة ينسبونها للأنبياء والأئمة وبالتالي ينسبونها لله تعالى، حيث أجازوا عليه أن يرسل أو يستخلف على الناس من يخطئ ويذنب ويرتكب ما يرتكبه الناس من موبقات وذنوب؟!

أهذا تهاون واستخفاف بالأنبياء والأوصياء والأئمة، أم هو تهاون واستخفاف بالله حيث ينسب إليه مثل هذه النسبة الباطلة؟! أم هو تشكيك للناس في الله وفي الأنبياء والأوصياء!؟

ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال:

الإمام منا لا يكون إلا معصومًا، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون إلا منصوصًا.

فقيل: يا ابن رسول الله، فما معنى العصمة؟

قال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة، والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}([14]).

وهذا ما يؤكده حديث الثقلين أيضًا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخلّف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض([15]).

وفي هذين الحديثين تأكيد على العصمة، كما يؤكده الاستشهاد بالقرآن وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم. فأين المعصية من الإمام (عليه السلام) ! كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيدًا.

وإذا كنتُ قد أطلت الحديث في هذا الجانب بالذات -وقد يكون هناك بعض التكرار- فما هو إلا للتأكيد على عظمة وجلالة مقام الأنبياء والأوصياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأنه يجب علينا ألا نقول فيهم إلا ما يليق بشأنهم (عليهم السلام) وأن لا ننتقص من قدرهم كما يفعله بعض المُدّعين للعلم المنحرفين عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين يدّعون الانتماء إليهم في حين أنهم يأكلون أموالهم ويتنعمون بعطاياهم وتراثهم!

تساؤلات أخرى:

من المعروف والثابت أن الإسلام يقرّ القوانين الطبيعية وأن مبدأ الأسباب والعلل قائم وثابت في هذا الكون، فلا شيء وجد أو يوجد إلا بسبب، وأن هذه الأسباب والقوانين مجعولة من قبل الله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه هو الذي جعلها علةً وسببًا لإمضاء الأمور وتسييرها وفق المصلحة والحكمة.

ولا بد لنا ونحن نقف عند هذه الحقيقة أن نشير إلى بعض الأمور التي قد يثار حولها تساؤلات:

أحدها: أن الدعاء في حال استجابته أو في حال عدم الاستجابة لا يكون منافيًا لمبدأ الأسباب والعلل ولا معارضًا لقوانين الطبيعة التي جعلها الله من ابتناء الأمور على العلل والأسباب.

ثانيها: أن الدعاء لا يعني الجمود والكسل عن الطلب والعمل والحركة التي يقوم عليها نظام الإنسان بل النظام العام للموجودات.

ثالثها: أن الدعاء لا يتعارض مع القضاء والقدر اللذين قدّرهما الله في حياة الإنسان.

1- الدُّعاء لا يتنافى مع العلل والأسباب

إذا وقفنا وقفة تأمل في آفاق الدعاء ومنهجيته وفي الآيات الواردة فيه وكذلك فيما ورد فيه عن أهل البيت (عليهم السلام) نجد أن الدعاء لا يتنافى أبدًا مع مبدأ الأسباب والعلل وليس فيه جمود ولا كسل ولا فيه تنافٍ مع القضاء والقدر.

وإذا ما تأملنا في آداب الدعاء التي سبق الحديث عنها لوجدنا التأكيد الكامل لما قلناه، فالله سبحانه وتعالى عندما قال في محكم كتابه المجيد {إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}([16])يشير إلى أن الدعاء المخالف لقوانين الطبيعة ولمبدأ الأسباب الذي جعله الله سبحانه لا يكون دعاءً، وكيف يكون طلب الهداية للكافر أن يصبح مؤمنًا دعاءً وهو لم يتعرّض لأسباب الهداية ولم يباشر الأسباب التي توصله إلى الهداية والإيمان.

صحيح أن أمر الله سبحانه أن يقول للشيء كن فيكون، ولكنه سبحانه مع ذلك هو الذي جعل الأسباب والعلل.

وقد ورد في الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن قومًا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ! وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}([17]) أغلقوا الأبواب على العبادة وقالوا: قد كُفينا، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله)، فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: يا رسول الله تكفّل الله لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال (صلى الله عليه وآله): إنه من يفعل ذلك لم يُستجب له، عليكم بالطلب([18]).

فكيف يمكن أن يكون الطلب للرزق وسعة الرزق والحصول على النعم الوفيرة من دون أن يكون هناك سعيٌّ مع ما ورد في هذا الحديث الذي نستفيد منه أن الدعاء وحده لا يكفي بل لا بد من العمل والسعي لطلب الرزق، وهكذا غيره من الأمور والأسباب.

وجعل الله سبحانه الشفاء من المرض بمراجعة الطبيب واستعمال الدواء.

إن الله لا يعجز أن يرزق ويشفي الإنسان ويعطيه الأسباب من الأموال وغيرها بالقدرة، ولكن الله يريد أن تكون الأمور بأسبابها، وهذا هو القانون الطبيعي في الحياة وللإنسان، وكل قراءة لأي نوع وأيّ أمر من الأمور التي تمر على الإنسان تجد وراءها سببًا.

هكذا أراد الله سبحانه وتعالى، وهذه هي كلمته، وهو سبحانه مسبب الأسباب وبيده الأسباب.

وأما دور الدعاء في هذه المجالات والأمور فهو العون من الله سبحانه وهداية الناس للوصول إلى الطريق الصحيح وإلى غاياتهم ومطالبهم وتسهّل عليهم المطالب في الزمان والمكان والوسائل، وهذا ما يؤكده الدعاء المأثور([19]):

يا من تُحلّ به عُقَد المكاره، ويا من يُفثأ به حدّ الشدائد، ويا من يُلتمس منه المخرج إلى رَوح الفرج، ذلّت لقدرتك الصِّعاب، وتسبّب بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيّتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة، اللهم أنت المدعوُّ للمهمّات، وأنت المفزع في المُلمّات.. إلى آخر الدعاء.

ويؤيده قول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر([20]).

وعن مولانا الصادق (عليه السلام): أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سببها لذلك وأمرهم بذلك([21]).

وقال تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ}([22]).

وقال في كيفية صلاة الخوف: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ}([23]).

وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}([24]).

وقال لموسى (عليه السلام): {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}([25]).

وقول النبي (صلى الله عليه وآله) للأعرابي الذي أهمل بعيره معتمدًا على التوكل على الله: اِعقلْ وتوكّلْ([26]). أي اِعقلْ البعير وتوكل على الله.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله جعل أرزاق المؤمنين من حيث لا يحتسبون، وذلك أن العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثُر دعاؤه([27]). أي يكثر دعاؤه ليعرف أين موضع رزقه وكيف هو من دون أن يترك السعي والجهد.

ومن دعاء مولانا زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) ([28]):

اللهم إنه لا علم لي بموضع رزقي، وإنما أطلبه بخطرات تخطر على قلبي، فأجول في طلبه في البلدان، وأنا مما أحاول وأطالب كالحيران لا أدري في سهل، أو في جبل، أو في أرض، أو في سماء، أو في بحر، أو في بر، وعلى يَدي من هو، ومِن قِبل مَن، وقد علمتُ أن علم ذلك كله عندك، وأن أسبابه بيدك، وأنت الذي تقسمه بلطفك، وتُسبّبه برحمتك. فاجعل رزقك لي واسعًا، ومطلبه سهلاً... إلى آخر الدعاء.

والخلاصة: أن الدعاء لا ينفك عن الأسباب الطبيعية وإنما هو معها وإلى جانبها، فالأسباب لها دورها والدعاء له دوره.

2- الدعاء لا يعني الكسل عن الطلب

وكذلك إن الدعاء لا يتنافى مع العمل أبدًا، لأن السعي مطلوب من الإنسان والأسباب بيد الله سبحانه.

وأيضًا يظهر من خلال ما ذكرنا أن الدعاء ليس جمودًا ولا كسلاً، وإنما هو حركة ضميرية إيمانية تُحرّك الإنسان ليعيش آفاق الهدى والإيمان في كل جوانب الحياة وآفاقها الذي هو الكون وآفاقه، والإنسان وآفاقه والشريعة وآفاقها، فالدعاء يدعو الإنسان ليتحرك مع كل هذه الأمور بالحركة الملائمة والمناسبة.. فأين الكسل وأين الجمود !؟

وكل كلام حول الدعاء خارج هذا الإطار لا يمكن الأخذ به لأنه مجرد عن الموضوعية والفهم الصحيح لواقع الدعاء كما أشرنا.

3- الدعاء لا يتنافى مع القضاء والقدر

ورد في الأحاديث الشريفة أن الدعاء يرد القضاء وقد أبرم إبرامًا([29]) ما يستشعر منه أو معه التنافي والتناقض، إذ هل يمكن أن يتعارض الدعاء مع القضاء والقدر اللذين قدرهما الله في حياة الإنسان؟

ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فإن ما يجري على الإنسان من قضاء وقدر، ومن موت، ومن مرض، أو حوادث، أو غنى أو فقر، أو أي شيء آخر، فهو مقدّر عليه وفي علم الله سبحانه.

وكذلك ما يجري من الإنسان من دعاء يتوجه به إلى الله لرفع البلاءات والامتحانات والعوائق والأمراض هو أيضًا ثابت في علم الله سبحانه وتعالى.

وحين تحصل الاستجابة للدعاء فليس معناه أن الله سبحانه غيّر علمه وغيّر إرادته وإمضاءه أو أن علمه وإرادته تبع لإرادة الإنسان فغيّرهما..

كلا ثم كلا، فإن هذا مستحيل في حقه تعالى، وإنما دعاء الإنسان هو أيضًا من جملة قضاء الله وقدره في الأشياء التي تمرّ عليه. فكما أن ما يمر على الإنسان من مرض أو بلاء هو بعلم الله سبحانه يمتحن به الإنسان ويقدّر أن يصاب به، كذلك يقدّر الله سبحانه أن هذا المرض وهذا البلاء سيكون نتيجة عدم الدعاء، وكذلك يقدّر تعالى أن عبده سيدعو وأن الدعاء يزيل هذا البلاء أو المرض. فلم يكن في علم الله تغيير ولا تبديل، ولا في إرادته ذلك أيضًا، ولا في قضائه، فلما قضى المرض على الإنسان قضى وقدّر أن يزول عنه المرض والبلاء بالدعاء، وبعبارة أخيرة: الدعاء من جملة الأسباب التي جعلها الله في هذا الكون ولكنه ليس سببًا مستقلاً([30]).

فلم يتنافَ الدعاء مع القضاء والقدر، لأن سببية الدعاء كانت مقدّرة ومجعولة من الله سبحانه فإن الأسباب كلها بيده سبحانه، فيمكن أن يزيل الدعاءُ البلاءَ والمحنَ بتقديره وقضائه وإمضائه. وأيّ تنافٍ بينهما ما داما في تقدير الله؟!

وقد أكّد القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}([31]) فلا يخرج عن الإرادة الإلهية.

وكذلك أكّد القرآن الكريم أن التغيير إنما يكون بمشيئة الله ووفق إرادته، قال تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}([32]).

فكل شيء إنما هو في إطار التقدير الإلهي وبعلم الله سبحانه، ولذلك لا تنافي بينهما ولا تبديل في علم الله عز وجل.

وبعد هذا نستعرض بعض الآيات الكريمة التي أكدت أن الدعاء يبدّل القضاء والبلاء ويزيله حتى بعد وقوعه، لأنه يكون من قبيل الدواء رافعًا للبلاء كما يكون الدواء رافعًا للمرض.

قال تعالى في قصة أيوب: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ! فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}([33]).

وقال تعالى في قصة يونس: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ! فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}([34]).

وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ! فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}([35]).

وقال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}([36]).

وكما يكون الدعاء دافعًا للقضاء وللبلاء بعد تحققه ونزوله، كذلك يكون الدعاء دافعًا للقضاء قبل نزوله، لأنه تعالى جعل نزوله مشروطًا بعدم الدعاء([37]). فأي منافاة بين الدعاء والقضاء والقدر؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الهوامش

([1]) في القاموس المحيط، مجمع البحرين مادة (د ع و).

([2]) غافر:60.

([3]) الكافي: 3/476.

([4]) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - ص 351 - 352.

([5]) علي بن عيسى ابن أبي الفتح الأربلي في كتابه كشف الغمة (ج 3 ص46-48).

([6]) قال الأربلي (ره) هنا: [بخط عميد الرؤساء لعقمتني، والمعروف عقمت المرأة وعقمت وأعقمها الله]

([7]) وفي نسخة (الأحوال المحرمة) . يقال : حول مجرم ، وسنة محرمة : أي تامة (صحاح الجوهري مادة ج ر م).

([8]) بحار الأنوار: 6/31.

([9]) تلخيص الرياض: 2/264 ؛ بحار الأنوار: 6/31.

قال الإمام زين العابدين وسيد الساجدين في مناجاته الثالثة عشر المسماة بمناجاة الذاكرين: (وأستغفرك من كل لذة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير أنسك، ومن كل سرور بغير قربك ومن كل شغل بغير طاعتك).

([10]) عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 2/11.

([11]) مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب: 1/317 ؛ مستدرك سفينة البحار، النمازي: 5/163.

([12]) الفتح: من الآية2.

([13]) وهي من روايات العامة. انظر: الدر المنثور، السيوطي: 2/111 ؛ والآية من سورة آل عمران: 190 ؛ وروي مثله بزيادة يسيرة عن ابن عمر، انظر: تفسير الثعلبي: 3/230.

([14]) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص132 ؛ والآية من سورة الإسراء: من الآية 9.

([15]) بحار الأنوار: 25/221 ؛ ورواه آخرون باختلاف في لفظه: السنن الكبرى، النسائي: 5/45 ؛ كنز العمال: 1/172 ؛ وغيرهما.

([16]) البقرة: من الآية 186.

([17]) الطلاق: من الآية 2 و3.

([18]) الكافي، الكليني: 5/84، ح5 باب الرزق من حيث لا يحتسب.

([19]) من أدعية الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) (إذا عرضت له مهمة أو نزلت به ملمة وعند الكرب).

([20]) خطب نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده: 4/79.

([21]) هذا مما تفرد بروايته النراقي في جامع السعادات: 3/183، ولم أعثر على لفظ الرواية في مجاميع الحديث.

([22]) النساء: من الآية71.

([23]) النساء: من الآية102.

([24]) الأنفال: من الآية60.

([25]) الدخان: 23.

([26]) عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 1/75.

([27]) الكافي، الكليني: 5/84.

([28]) من أدعية الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) (في طلب الرزق).

([29]) الكافي، الكليني: 2/469 (باب أن الدعاء يرد البلاء والقضاء).

([30]) فإن الله سبحانه ربما يقدر البلاء على العبد مع اجتهاده في الدعاء لمصلحة يعلمها الله سبحانه.

([31]) الطلاق: من الآية 3.

([32]) الرعد: 39.

([33]) الأنبياء: 83 -84.

([34]) الأنبياء: 87-88.

([35]) الأنبياء: 89-90.

([36]) الأنبياء: 76.

([37]) عن أبي عبد الله(عليه السلام): (من تخوّف بلاءً يُصيبه فتقدم فيه الدعاء لم يُره الله ذلك البلاء أبدًا). وعنه (عليه السلام): (تقدَّموا في الدعاء، فإن العبد إذا كان دعا فنزل به البلاء فدعَا قيل: صوت معروف، وإذا لم يكن دعا فنزل به البلاء فدعا قيل: أين كنت قبل اليوم). الوسائل: 7/42 ب9 أبواب الدعاء ح5 -6.

 

 

 

الفصل الرابع :

استقلال أسباب النزول .. بين مدرستين

الشيخ حسن حيدر

تمهيد: نحو استقلال أسباب النزول

مع انقضاء عصر التابعين، وعقب فترة حضور الأئمّة (عليهم السلام)، انتهت مرحلة من مراحل أسباب النزول، وهي مرحلة ازدهارها ورواجها في المجتمع الإسلاميّ([1])، ولكنَّ باب التوسّع فيها لم يُقفل عند هذه المرحلة، إذ عرفت أسباب النزول تطوّرًا هامًّا حوّلها إلى علم مستقلّ له مبادئه وخصائصه بعد فترة من عمر الزمن، أدّت إلى ما نحن عليه في يومنا هذا، حيث نتناولها في كتب مخصوصةٍ وبحوث متعدّدة..

ففي الفترة اللاحقة للتابعين وعصر الحضور، شهد المجتمع الإسلاميّ ازدهارًا في عالم التأليف وبدأت مرحلة هيكلة العلوم والأبواب الإسلاميّة.. لم تكن أسباب النزول بمنأى عن هذا الازدهار، حيث تبدّت معالم محدّدة لأسباب النزول، وظهر أنّ ثمة اتجاهًا لتستقلّ بباب خاصّ؛ له معالمه المحدّدة التي تميّزه عن بقيّة الروايات والآراء في التفسير.

كان هذا الاتجاه العامّ والرسميّ لدى المسلمين، أو قل لدى أهل السنّة، في المقابل برزت علامات استفهام حول دور علماء ومفسّري مدرسة أهل البيت وإسهاماتهم في هذا الموضوع؟! فضلاً عن تساؤلات كثيرة حول مدى مواكبتهم للتطورات فيه؟! ممّا حدا مجمل الباحثين المعاصرين إلى التسليم بالتقصير في هذا المجال، فمنهم من قام بتقليد علماء العامّة في هذا المجال، فيما وجّه باحثون آخرون الدعوة إلى العمل حاليًّا لرسم معالم هذا العلم واستقلاله في هذه المدرسة.

وفي هذا المقال سنرقب أولى مراحل استقرار باب النزول فالاستقلال، ثمّ نرى لاحقًا كيفيّة تعامل المدرستين مع هذا الموضوع، وذلك من خلال مسرد تاريخيّ يتابع أسباب النزول في الفترة التي تلت التابعين، والتي انتشرت فيها التفاسير.. فكيف تعامل العلماء مع أسباب النزول في هذه الفترة؟!

القسم الأوّل: استقرار أسباب النزول واستقلالها

أوّل الغيث (تفسير الطبريّ)

اختلف الباحثون في تحديد بدايات استقرار علم أسباب النزول؛ فبين من يرى أنّ التصنيفات الخاصّة بهذا الباب قد شرعت في القرن الثالث الهجريّ، وذلك مع كتاب التنزيل للمديني، وكتاب التنزيل للعيّاشي، وبين آخرين يرَون أنّه: "بعد أن كان [علم أسباب النزول] طيلة أكثر من قرن مندرجًا في أدبيّات التفسير القرآنيّ، انفصل عنها بدءًا من القرن الخامس، (...)، وقد جاء هذا الاستقلال متأخّرًا في الزمان مقارنةً بسائر علوم القرآن"([2]).

وبحسب ما توصّلنا إليه من خلال التتبّع التاريخيّ، فإنّ مبدأ استقلال أسباب النزول لم يظهر قبل القرن الخامس، ونقطة الانطلاق في استقلال هذا العلم كانت من خلال كتب التفاسير،حيث بدا ذلك كمفردات تسلّلت إلى كتب التفسير، يجمعها عنوان معيّن في أوّل الأمر، ثمّ تطوّرت لتكون في تصنيفات مختصّة ومستقلّة([3])، لتلج بحوث علوم القرآن فيما بعد وتستقرّ كباب ثابت ضمن أبوابه.

أمّا أوّل من فتح النافذة أمام أسباب النزول لتنتظم في باب مستقلّ، فهو الطبريّ في تفسيره، حيث أورد ما أمكن من أسباب نزولٍ مرتبطة بالآيات القرآنيّة، وخصّها بصيغ مختصّة بها، فتحت هذا الباب على مصراعيه.

فقد كانت أحاديث أسباب النزول قبل الطبريّ تُدرج في التفاسير -خاصّة التفاسير بالمأثور-مع بقيّة الروايات من غير أيّ إشارة تذكر، فعلى سبيل المثال يُعرف تفسير يحيى بن سلام (200هـ) بأنّه من التفاسير التي راجت فيها أسباب النزول بشكل كبير، إلا أنّه، رغم اعتماده الكبير على الأسباب، "تارةً يفسّر الآية بالسبب مع ذكر السند في أوّل الرواية، (...)، وتارة يورد سبب النزول في آخر الآية، (...)، وقد يذكر سبب نزول الآية دون إسناد ويكتفي بقوله "بلغنا"، (...)، ويجمع أحيانًا بين التفسير وأسباب النزول"([4])، وفي جميع الأحوال فإنّه يورد الأسباب مثلها مثل الأحاديث الأخرى التي تُنقل في هذا الكتاب، فلا تختلف الأسباب عن بقيّة روايات التفسير التي ترد في هذا الكتاب.. وهذا بخلاف العمل الذي قام به الطبري، حيث ميّز أسباب النزول بصيغ وعناوين خاصّة ترد تحتها، لتكون متفاوتة عن بقيّة روايات التفسير، بعد أن أشار إليها في مقدّمة تفسيره، فكانت هذه نقطة الانطلاق!

على أنّه لا بدّ من تسجيل عدّة ملاحظات ضمن هذا الإطار:

1- يلفتنا في تفسير الطبريّ تناوب صيغ وعناوين متعدّدة لأسباب النزول؛ فتارةً ترد تحت صيغة تعتمد مفردتي: "السبب" و"النزول"، من قبيل ما ورد تحت صيغ: "السبب الذي من أجله نزلت أو أنزل الله تعالى هذه الآية"([5])، أو "في السبب الذي أنزل أو نزل أو نزلت فيه"([6])، أو "نزلت أو أنزلت الآية في سبب"([7]).

وأخرى يورد الأسباب تحت صيغة لا تشتمل على أكثر من مفردة "سبب"([8]).

وثالثةً يكتفي بمفردة "النزول": إمّا تحت عبارة: "نزول الآية في"([9])، وإمّا بعد صيغة: "نزلت في كذا"([10])، كما قد ترد أحيانًا تحت عبارة: "كان نزول ذلك بعد"([11]).

2- أضف إلى ذلك أنّ هذه الصيغ تارة تتقدّم ما يرويه من أسباب، وأخرى تتأخّر عنها.

3- والأهمّ من ذلك كلّه يُلاحظ أنّ الطبريّ لم يستخدم مصطلح "سبب النزول" في أيٍّ من موارد ذكر هذه الأسباب!

هذه الحالة من التردّد التي تشوب تعامله مع هذا الباب، وعدم استقرار الصيغة التي تنتظمه، لهي دليل إضافيّ على أنّه فاتح هذا الباب بين الكاتبِين والمصنّفين، وهي تؤكّد أنّه لم يكن مسبوقًا بهذا الإقدام -خلافًا لرأي كثير من الباحثين-([12])، لذا كان أوّل الغيث في هذا المجال، لا أكثر ولا أقلّ!

نقطة التحوّل (كتاب الواحدي)

استمرّ تفاعل المفسّرين مع أسباب النزول، لا سيّما بعد أن فرض تفسير الطبريّ نفسه على الساحة بالمميزات التي تحلّى بها، فقد كان تفسيره: "موسوعة لم يعرف الناس لها مثيلاً، وبحرًا زخّارًا يغترف الباحثون منه..."([13])، وعُدّ: "من أمّهات التفاسير المعتمدة في النقل والتفسير بالمأثور"([14])، لذا حاكته التفاسير التي تلته، مع تطويرٍ لما شرع به شكلاً ومضمونًا، من ذلك استقرار نقل تلك الأحاديث تحت عنوان وصيغة واضحة، وهي مصطلح "أسباب النزول" في عدد لا بأس به من التفاسير.

بموازاة ذلك كانت أسباب النزول تنتشر بين العامّة بشكل كبير وعلى مدى سنين متطاولة، ممّا أغرقها في بحر من الأحاديث الموضوعة، فقد بقي باب الاجتهاد في رواية أسباب النزول مفتوحًا مذ رضِيَ العامّة بقبولها عن التابعين الذين لم يشهدوا الوحي، ممّا أدّى إلى تضخّمها بلا رقيب أو حسيب أو ضابطة واضحة([15]).

وإذا أردنا أن نتعرّف على الأوضاع التي آلت إليها أسباب النزول، سواء من حيث رواجها بكثرة، أم من ناحية تفشّي الوضع فيها، فيمكننا أن نقف عند وصف الواحدي لها، يقول بعد أن أشار إلى أهميّة أسباب النزول: "أمّا اليوم فكلّ أحد يخترع شيئًا ويختلق إفكًا وكذبًا، ملقيًا زمامَه إلى الجهالة، غير مفكّر في الوعيد للجاهل بسبب الآية"([16]).

أمام هذا الواقع كان لا بدّ من عمل يوقف هذا النزف، فكان للواحدي حركة شكّلت منعطفًا محوريًّا في هذا النطاق، وتمثّلت بمحاولة إقفال باب الاجتهاد في نقل أسباب نزول الآيات القرآنيّة، وذلك عبر جمع ما يُعتقد بأنّه قد نُقل فعلاً عن الصحابة أو التابعين، ضمن مصنّف خاصّ ومستقلّ، يقول الواحدي في مقدّمة كتابه "أسباب النزول": "وذلك -يعني كثرة ما رووه من الأسباب إفكًا وكذبًا- الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للأسباب، لينتهي إليه طالبو هذا الشأن، والمتكلّمون في نزول القرآن، فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب"([17]).

وبالفعل فقد تحوّل كتاب الواحديّ إلى المرجع الأبرز، بعد أن كان الكتاب الأوّل، في مجال أسباب النزول.

شجّع عمل الواحدي من تلاه على التحرّك في إطار أسباب النزول كبابٍ وفنٍّ خاصّ، فشاع التصنيف المستقلّ في أسباب النزول بعده، وقد ارتبطت أولى المحاولات اللاحقة له بكتابه هذا، حيث اختصره الجعبريّ، وعلّق عليه ابن حجر، ثمّ شذّبه السيوطيّ، كلٌّ في مصنّف مستقلّ يُعنى بخصوص باب أسباب النزول.

خطوات متقدّمة (بحوث دراية علم أسباب النزول)

شاع التأليف في مجال جمع أسباب النزول وراجت التصنيفات فيها، هذه المرويّات التي تحتاج إلى عناية وأحكام خاصّة لكونها مرويّة عن التابعين بل ربما بعدهم، هذان الأمران -شيوع التصنيف فيها واحتياجها إلى عناية وأحكام مستقلة- أدّى إلى إدراج علم أسباب النزول ضمن أبواب مباحث علوم القرآن.

وبمراجعة كتب علوم القرآن يظهر أنّ جمع أسباب النزول في تصنيفات وأبواب مستقلّة، جعل علماء القرآن يلتفتون إليه ويخصّونه ببحثٍ مستقلّ على مستوى النظريّة والدراية، بذلك حظي باب أسباب النزول ببحوثٍ على مستوى النظريّة والدراية.

والجدير ذكره أنّ هذا البحث قد تراوح محلّه بين كتاب في علوم القرآن وآخر، ففيما يجعله الزركشيّ النوع الأوّل من الأنواع السبعة والأربعين التي يضمّها كتابه "البرهان"، يؤخّره السيوطيّ إلى الفصل التاسع في كتابه "الإتقان"، وربما يعود ذلك إلى الجِدَّة التي كانت عليه أسباب النزول في زمان الزركشيّ، فإنّ لكلّ جديد بهجة، ثمّ خَفَتَ بريقه مع الزمن، ليحتلّ موقعه الطبيعيّ ضمن بحوث علوم القرآن.

بالإضافة إلى كتب علوم القرآن، فإنّ كتب التفسير، وهي بالدرجة الأولى ظرف الاستفادة من روايات الأسباب، لم تخلُ من إشارات في عالم دراية أسباب النزول، فقد ذكرنا أنّ بعض كتب التفسير -وكذلك كتب شروط التفسير- قد خصّته بالبحث على مستوى النظريّة والدراية، لكونه بابًا يهمّ أيّ مفسّر، حيث يتعرّض المفسّر للمعتبر منها وغير ذلك من جوانبها([18]).

هكذا يبدو باب أسباب النزول وقد احتلّ موقعًا متميّزًا على مستوى الدراية والنظريّة في مختلف مجالات ودراسات القرآن الكريم، إلا أنّ ما يدعو إلى التأمّل والقلق أنّ جمع روايات هذا الباب تحت عنوان مستقلّ بل في تصنيف خاصّ، قد سبق مرحلة التنظير والتأسيس لحدودها وأبحاثها المختلفة على مستوى الدراية، وهذا الأمر لا بدّ أن يترك أثرًا غير طيّب على مستوى اعتبار هذا الباب!

القسم الثاني: الحركة في المدرسة الشيعيّة

إذا كان الباحثون قد تحدّثوا عن حركة أسباب النزول في المدرسة السنيّة، فإنّ البحث في المدرسة الشيعيّة قد وقع في دائرة الإبهام، وهذا ما استدعى التساؤل عن إسهامات هذه المدرسة في إطار أسباب النزول، فكيف كانت حركة الأسباب في هذه المدرسة؟

1- الفترات الأولى

لا يمكن الحديث عن روايات أسباب النزول في المدرسة الشيعيّة بشكلٍ مستقلّ عن باقي روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ علماء هذه المدرسة لم ينقلوا أسباب النزول عن الصحابة أو التابعين، كما أنّهم لم يتركوا باب الاجتهاد في رواياتها مفتوحًا حتى تشكّل بابًا مستقلاً عن بقيّة الروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومنذ الخطوات الأولى في مجال تنظيم الروايات، والمجهود الذي تمّ في إطار المجامع والموسوعات الحديثيّة،حيث بُذلت مساعٍ جبّارة لترتيب روايات أهل البيت (عليهم السلام) تحت عناوين مستقلّة ومرتّبة،واعتنت شديد العناية بتبويبها،بدت هذه الموسوعات واضحة من حيث عدم فصل روايات أسباب النزول عن بقيّة الروايات([19]).

لم يقتصر هذا التوجّه -عدم فصل روايات أسباب النزول عن غيرها- على مصنّفي الموسوعات الحديثيّة بل سرى ذلك إلى مختلف العلماء على مختلف تنوّعات اهتماماتهم، فمن الملاحظ أنّه حتّى زمان الشيخ المفيد([20])، في القرن الخامس الهجريّ، لم تكن لدى المدرسة الشيعيّة أيّ بوادر اهتمام تُعنى بفصل روايات أهل البيت (عليهم السلام) في أسباب النزول عن بقيّة روايات التفسير، فالمراجِع لأعمال الشيخ المفيد المتنوّعة، يجد أنّه غير معنيٍّ بهذا الشكل من الفصل.

أبرز مظاهر ذلك يتجلّى في كتابه: "الإفصاح في الإمامة"، فإنّه كثيرًا ما يتعاطى في هذا الكتاب مع روايات أسباب النزول، ولو تتبّعناه في ذلك، فإنّنا لا نجده ينطلق في شيء من ذلك من كونها: "أسباب النزول" كنوعٍ مستقلّ، بل يعنونها بأنّها من: الأخبار([21])، أو الحديث([22])، أو الرواية([23])، كما أنّه يعاملها على هذا النحو من حيث الإسناد والحجيّة والتعارض وما شابه، وَوَضَعَها لاحقًا في خانة معاني الآيات والتنزيل([24])، أي روايات تفسير القرآن.

نعم ربما عبّر في بعضها عَرَضًا بأنّها سبب نزول الآية، ولكنّ ذلك في أثناء بحثه وليس مقدّمةً لإيراد هذه الأحاديث ولا بصيغةِ عَنْوَنَتِها بذلك([25]).

وفي كتابه "الإرشاد" لم يتجاوز الشيخ المفيد هذا المنهج، فقد تعرّض لمجموعة كبيرة من الأسباب في سياق حديثه عن سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومع ذلك لم يعبّر بما يجعلها منفصلة عن الروايات الأخرى([26]).

فالشيخ المفيد مع كامل التفاته إلى روايات أسباب النزول، كما يبدو واضحًا عند حديثه عن القرآن في كتابه "تصحيح الاعتقادات"([27])، وكما يبدو من طيّات حديثه في "الإفصاح" -كما مرّ- ، فإنّه تعامل مع أسباب النزول على أنّها من روايات التفسير، سواء من حيث الصيغة التي ترد تحتها، أم من حيث البحث فيها، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّه -لسبب ما- لم يرَ حاجة لفصل الأسباب عن الروايات الأخرى في التفسير ومعاني الآيات.

2- ماذا في تفاسير الشيعة؟

تعاطت التفاسير الشيعيّة الأولى مع روايات أسباب النزول كتعاطيها مع غير الأسباب من روايات التفسير المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام)، على هذا الأساس صُنّف تفسير العسكريّ، وفرات الكوفيّ، وعليّ بن إبراهيم، والعيّاشي.

فيما تبدو التفاسير التي تلت مرحلة الطبريّ، خاصّة تفسيري الطوسيّ والطبرسيّ، للوهلة الأولى منسجمة مع مطلب فصل روايات أسباب النزول عن بقيّة الروايات التفسيريّة، فقد تميّزت الأسباب في الكتابين المذكورين بعنوان يختصّ بها بحيث كان لها استقلاليّة تامّة عن بقيّة المباحث التفسيريّة في الكتابين -كما هو واضح عند مراجعة أيٍّ من الكتابين-، فما حقيقة استقلال باب أسباب النزول عن بقيّة الروايات المرويّة عن أهل البيت (عليهم السلام) لدى هذين العلمين؟!

يبدو أنّ العنوان المستقلّ لأسباب النزول في تفسيري الطبرسي والطوسيّ قد أعطى إشارات خاطئة؛ لأنّ ملاحظةَ وتحقيقَ عدّة نقاط يعكس مشهدًا آخر تمامًا.

فالجدير بالملاحظة أوّلاً أنّ كلاً من الشيخ الطوسيّ والشيخ الطبرسيّ، قد اكتفيا بإدراج خصوص الأسباب الرائجة -المنقولة عن بعض الصحابة والتابعين- تحت عنوان: "النزول"، أو "سبب النزول"([28])، من غير عناية لإيراد ما رُوي عن أهل البيت (عليهم السلام) من الأسباب تحته إلا ما ندر([29]).

لذلك نجد أنّ ما يرد من روايات النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) المرتبطة بما يُعرف بأسباب النزول، يتمّ درجه في تفسير الآيات كبقيّة الروايات والأخبار المعوَّل عليها في التفسير([30])، حتّى لو كانا قد أدرجا عددًا من الأسباب الرائجة تحت عنوان "أسباب النزول" قبل الشروع في تفسير ذلك المقطع([31]).

ولهذا عدّة دلالات، أقلّها أنّهما يعتقدان بأنّ العناية بروايات أهل البيت (عليهم السلام) لا تحتاج إلى إطار مستقلّ كعنوان "سبب النزول" حتّى ولو كانت مرويّة في مجال سبب نزول الآية القرآنيّة، وبالتالي فإنّها تُصنّف ضمن الروايات التفسيريّة بلا فرق بين ما يرتبط بسببِ نزولٍ وغيره، وأنّ محور عنوان "النزول" أو "سبب النزول" مخصوص بالأسباب الرائجة المنقولة في كتب العامّة، من باب نقل مادّة الأسباب كما تمّ عَنْوَنتها في مصادرهم أنفسهم.

ثانيًا، كثيرًا ما نجد الشيخ الطوسيّ والطبرسيّ يتجاوزان ما ورد تحت عنوان سبب النزول عند تعرّضهم للمعنى والتفسير، فهما حينما ينتقلان إلى تفسير الآيات، فإنهما يعتمدان على مقتضى ظهور الآية وسياقها والأحكام والروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) بغضّ النظر عن أسباب النزول الرائجة([32]).

وهذا يعني أنّ نقلهما للأسباب الرائجة المنقولة عن العامة تحت عنوان سبب النزول لم يتجاوز في أغلب الأحيان الإطار الشكليّ لا أكثر.

ويؤكّد كلّ ذلك ما ذكراه صراحة في مقدّمة التفسير، حيث أشارا إلى طريقة عملهما، فجعلا العبرة في التفسير بالأخبار المعتبرة المروية عن المعصومين (عليهم السلام) وما تمّ الإجماع عليه فحسب، وأمّا نقل أقوال الصحابة والتابعين، وما رُوي عنهم من أسباب، فهو استجابة للواقع القائم عند غيرهم لا أكثر، من باب الإشارة إلى ما نقلوه، ولا يُعتمد على ذلك في التفسير.

فالشيخ الطوسيّ، يُشير إلى الصحابة والتابعين من المفسّرين، الذين وردت أقوالهم وما نُقل عنهم من أسباب النزول في تفسيره، كابن عبّاس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي صالح والسدّي، ويُعلّق على ذلك قائلاً: "ولا يجوز لأحد أن يُقلّد أحدًا منهم، بل ينبغي أن يُرجع إلى الأدلّة الصحيحة؛ إمّا العقليّة أو الشرعيّة؛ من إجماع عليه، أو نقل متواتر به عمّن يجب اتّباع قوله..."([33]).

وأمّا الطبرسيّ، فقد أشار أيضًا إلى أنّه "لا يقلد أحدًا من المفسّرين"([34])، وأنّه لا يصحّ القول في اللفظ المشترك "إلا بقول نبيّ أو إمام مقطوع على صدقه"([35])، فضلاً عن أنّه اقتفى أثر ما قدّمه الشيخ الطوسيّ، وجعله الأسوة في هذا المجال، لذا نجده قد"نقل كثيرًا عن التبيان للشيخ الطوسيّ، بل تأثّر به كثيرًا"([36])، بعد أن أدخل عليه بعض التعديل والتشذيب والترتيب، وقد أشار في المقدّمة إلى اتّباعه الهيكليّةَ التي سار عليها الشيخ الطوسيّ في كتابه التبيان، حيث قال: "فإنّه [أي كتاب الشيخ الطوسيّ] الكتاب الذي يُقتبس منه ضياء الحقّ، ويلوح عليه رواء الصدق (...)، وهو القدوة أستضيء بأنواره، وأطأ مواقع أثره"([37]).

فالنتيجة، أنّه بعد أن راجت عن بعض الصحابة والتابعين مجموعةٌ من الأحاديث المرتبطة بالتفسير، والتي نقلها العامّة تحت عنوان أسباب النزول، فإنّ المفسرين في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قد قاموا بنقلها عنهم كما عنونها العامّة أنفسهم، من غير أن يعني ذلك أيّ تأثير على مستوى روايات التفسير في المدرسة الشيعيّة التي تشمل هي الأخرى روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) ترتبط بأسباب النزول، فهم لم يفصلوا هذه الروايات عن الروايات التفسيريّة الأخرى ولم يجعلوها تستقلّ بباب خاصّ، وعليه كان باب أسباب النزول كقسم مستقلّ عندهم يختصّ بما نقله العامّة تحت هذا العنوان فحسب([38]).

وهذا ربما يُفسّر، ما يقوم به مثل العلامة الطباطبائي في عصرنا الراهن، فهو عندما يُطلق مصطلح "أسباب النزول" فإنّه يقصد به بشكل أخصّ ما عند العامّة، أي الذي ذكرناه تحت عنوان الأسباب الرائجة، دون روايات أهل البيت (عليهم السلام) ويُحاكمه على هذا الأساس ولو لم يُشر إلى ذلك([39]).

وخلاصة القول، إنّ علماء ومفسّري الشيعة على اهتمامهم بروايات أسباب النزول، فإنّهم لم يجدوا داعيًا يدعوهم إلى فصلها عن بقيّة الروايات، نعم ما ورد عن العامّة من أسباب النزول، أوردوه كما ورد عندهم، أي بعنوانه المنفصل والمستقلّ عن الروايات.

جمع الأسباب في المدرسة الشيعيّة

قد تتبّعنا حركة التصنيف لدى مدرسة العامّة في مجال جمع روايات أسباب النزول، حيث تأخّر أمر جمعها إلى زمان الواحدي بعد أن امتلأت بالغثّ والسمين كما مرّ، وأمّا بالنسبة لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فالملاحظ أنّ حال أسباب النزول كان حال بقيّة الروايات التفسيريّة، حيث ضُبطت ضمن الكتب والأصول الحديثيّة منذ عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام).

فقد كان التدوين عند أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مرافقًا لعصر النصّ، وذلك في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله)([40]) بدءًا من الإمام عليّ (عليه السلام) الذي عُرف بتدوينه للمصحف الشريف مع تعليقات عليه، ولصحيفة في الديات([41])، بالإضافة إلى كتاب "السنن والقضايا والأحكام"([42])، وقد جمع فيه أبوابًا فقهيّة.

ثمّ تبعه على ذلك عدد من أصحابه أوّلهم: أبو رافع مولى رسول الله، فلا أحد أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه بالأبواب بالاتّفاق([43])، ثمّ تلاه ابناه عبيد الله وعليّ كاتِبَي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ ربيعة بن سميع، ثمّ سليم بن قيس الهلالي، ثمّ الأصبغ بن نباتة وهو من خواصّ أمير المؤمنين (عليه السلام).

واستمرّ التدوين طيلة القرون المعاصرة لحضور الأئمّة (عليهم السلام) وما بعدها، فقد كان للأئمّة (عليهم السلام) دور كبير في التشجيع على التدوين، ممّا أثّر ذلك نشاطًا لدى أصحابهم في تدوين الروايات التي سمعوها عنهم، وتمثّل ذلك بأصول وكتب خطّها أصحابهم (رضوان الله عليهم)، بحيث زاد ما كتبوه "على ستّة آلاف وستمائة كتاب"([44]).

والنتيجة أنّ أسباب النزول المرويّة عن أهل البيت (عليهم السلام) دُوّنت في حياتهم المباركة، ولم يتأخّر تدوينها، فلم تكن الحال كحال مدرسة العامّة بحيث يُحتاج إلى إقفال باب الاجتهاد فيها ضمن مصنّف خاصّ، لذا غابت مثل هذه المحاولات، وأُلحقت أسباب النزول بغيرها من روايات المعصومين (عليهم السلام) في مختلف مجالاتها، من تفسير وتاريخ وأحكام وعقائد.

نعم، نقلت بعض كتب التراجم أنّه في القرن السادس، ظهر كتابان في أسباب النزول لدى علماء الشيعة، والذي قام بهذا العمل كلّ من تلميذي الشيخ الطبرسيّ: الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن قطب الدين الراوندي (المتوفّى573هـ)، واسم كتابه: "أسباب النزول"([45])، والشيخ محمّد بن عليّ، ابن شهراشوب السروي الحافظ (المتوفّى588هـ)، واسم كتابه: "الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول"([46])، ولا شكّ بأنّ انتشار هذا الباب بشكل واسع عند مدرسة أهل السنّة قد دعتهم إلى مجاراتهم في ذلك، على أنّ إطار عملهما بقي غير معلوم ومبهم الحدود بالنسبة لنا، حيث لم يصل إلينا شيء منه، ولذا لا يمكن الجزم بما قاما به؛ هل هو في إطار نظم روايات أهل البيت (عليهم السلام) بإدراج أسباب النزول منها ضمن تصنيف مستقلّ؟! أو هو في مجال تحقيق ما ذكره العامّة تحت هذا العنوان وتنقيحه بما يتناسب ومذهب أهل البيت (عليهم السلام)؟! ولعلّ الأخير هو الأرجح، ليكون من قبيل ما قام به أستاذهما في التفسير، والذي سبقه إليه الشيخ الطوسيّ، فلا يكون عملهما بالتالي في إطار فصل أسباب النزول ضمن باب مستقلّ، بقدر ما هو محاكمة أسباب النزول لدى العامّة وإبداء الرأي الصحيح فيها.

في الدراية

تتوضّح صورة أسباب النزول لدى علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أكثر، عند البحث عن دراية هذا الباب، فإنّ من أبرز المظاهر والعلامات التي تشير إلى فقدان الحافز لدى علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لعمليّة فصل روايات أسباب النزول عن روايات التفسير، هو عدم تعرّض أيٍّ منهم لبحثها بشكل مستقلّ على مستوى الدراية.

فإلى ما قبل عصرنا الحاليّ، لا نجد لدى المدرسة الشيعيةّ أيّ بحثٍ في مجال دراية علمٍ أو بابٍ باسم أسباب النزول، أمّا المفسّرون فقد تقدّم أنّهم تعرّضوا لبحثها ضمن إطار البحث عن الخبر الذي يُعتمد عليه في التفسير، وذلك بناءً على أنّ أسباب النزول الحقيقيّة في المدرسة الشيعيّة هي عبارة عن روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فيصحّ فيها ما يصحّ في الخبر المرتبط بالقرآن وبالأحكام...

وفي عصرنا الحاليّ يظهر جليًّا تعمّد بعض العلماء حذف هذا المبحث من مباحث علوم القرآن، كما يلاحظ عند مثل السيّد الخوئيّ (قده) في كتابه البيان، والذي يحوي مجمل علوم القرآن التي ذُكرت في محلّها وفي كتب العامّة، إلا أنّه عمد إلى حذف بحث أسباب النزول، ولم يتعرّض له، مكتفيًا بالحديث عن الخبر المفسّر للقرآن.

ولذا فمن اللافت أنّ دراسات بعض الباحثين والكاتبين الشيعة المعاصرين ممّن اهتمّ ببحث أسباب النزول، إنّما هي دراسات تحذو حذو دراسات أهل السنّة ومنقولة بجلّها عنهم([47])، ولعلّ الأجدى اعتماد ما اعتمد عليه كبار علمائنا من عدم فصل هذا الباب في مجال الدراية عن باب الخبر المعتبر والمعتمد في تفسير القرآن.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
 

([1]) وقد تعرّفنا على تفصيل ذلك في مقال سابق، راجع: رسالة النجف، العدد: 16.

([2]) بسام الجمل: أسباب النزول، المركز الثقافيّ العربيّ ، 82-83.

([3]) إلى ما قبل عصرنا، كانت التصانيف المستقلّة -في أسباب النزول- مختصّة بجمع الروايات، ولم نعهد قبلاً وجود تصنيف مستقلّ يتعرّض إلى دراية هذا الباب أو بحثه التاريخيّ، أمّا في عصرنا فقد راج هذا النوع من البحث، وأكثر هذه التصنيفات هي في الأساس رسائل جامعيّة أو كتب تدريس.

([4]) خالد خليفة السعد: علم أسباب النزول وأهميّته في تفسير القرآن ، دار الحكمة ط1 ،101-103.

([5]) لاحظ: محمّد بن جرير الطبريّ : جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبريّ)، دار المعرفة: ج‏7/23، ج‏1/385، ج‏3/229، ج‏6/199، ج‏7/22، ج‏2/37.

([6]) م. س: ج‏11/32، ج‏26/9، ج‏3/155، ج‏9/146.

([7]) م. س: ج‏3/55، ج‏3/235، ج‏5/140، ج‏7/127، ج‏21/51، ج‏28/85، ج‏2/134.

([8]) م. س.: ج‏1/374، ج‏2/4، ج‏4/92، ج‏4/119، ج‏7/57، ج‏7/176، ج‏10/54، ج‏15/110، ج‏26/89، ج‏29/116، ج‏2/3، ج‏28/72، ج‏21/99، ج‏18/71، ج‏1/342.

([9]) م.س : ج‏5/148، ج‏2/187.

([10]) م.س : ج‏26/78، ج‏1/84، ج‏1/90، ج‏1/97، ج‏2/92، ج‏30/217.

([11]) م.س : ج‏6/134.

([12]) وأمّا الكتب التي ادّعي تأليفها في مجال أسباب النزول قبله فسيأتي التعرّض لها تفصيلاً.

([13]) محمّد بكر إسماعيل: ابن جرير الطبريّ ومنهجه في التفسير ،دار المنار، ط1: 74.

([14]) محمّد هادي معرفة: التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، ط1: 2/ 313-314، ولاحظ: محمّد علي أيازي: المفسّرون حياتهم ومنهجهم، مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ ، ط:1، 1414، ص: 401.

([15]) لا سيّما وأنّه من المعروف لدى العامّة أنّ "الكتابة قد توقّفت بعد وفاة الرسول  (صلى الله عليه وآله)، وفُرض الحظر عليها" (مهدي المهريزي: دروس في نصوص الحديث ونهج البلاغة: منشورات المركز العالميّ للدراسات الإسلاميّة، ط1: ص46)، بل تمّ جمع أحاديث النبي  (صلى الله عليه وآله) وقام الخليفة الأوّل بحرقها (شمس الدين محمّد الذهبيّ: تذكرة الحفّاظ، مكتبة الحرم المكّيّ، ط15: 1/5)، كما روت عائشة حديثًا آخر عن أبيها في هذا المجال، كما في: (تدوين السنّة الشريفة 264، الاعتصام بحبل الله المتين:1/30)، ولم يتنبّهوا لهذا الخطأ إلا "أوائل القرن الثاني، عندما كسر هذا السدّ عمر بن عبد العزيز"( مرتضى مطهّري: الإسلام وإيران 3: 79 - 80 أو ربما في عام (143 هـ) كما يذهب إليه الذهبيّ تاريخ الإسلام: (حوادث 142هـ-160 هـ ، ص12، خالد خليفة السعد: م.ن./31).

([16]) عليّ بن أحمد الواحدي: أسباب نزول القرآن، دار الجيل: 7.

([17]) م.س: 7.

([18]) لاحظ مثل مقدّمة تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، والفوز الكبير للدهلوي...

([19]) يمكن مراجعة مختلف الموسوعات وعلى رأسها الكتب الأربعة: الكافي، والتهذيب والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه.

([20]) نركّز البحث في الاطلالة على هذه الفترة على أعمال الشيخ المفيد لتنوّعها وكثرتها بحيث يمكن أن تعطي صورة عامّة عن طبيعة هذه الفترة.

([21]) محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد): الإفصاح في الإمامة، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد، ط1/163.

([22]) م.س.171-172.

([23]) م.س. 171، كذلك: 175.

([24]) م.س. 165.

([25]) م.س.177.

([26]) لاحظ: الشيخ المفيد: الإرشاد: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط1: ج1، في الصفحات التالية: ص53، ص67-68، ص69، ص105، ص117، ص138، ص141، ص165، ص166، ص167-168، ص173، ص175، ص178...

([27]) الشيخ المفيد: تصحيح اعتقادات الإماميّة، المؤتمر العالميّ لألفيّة الشيخ المفيد، ط1 ،123- 124.

([28]) مع أنّهما لم يصرفا عنايتهما إلى إيراد الأسباب جميعًا تحت هذا العنوان،لاحظ على سبيل المثال: الشيخ الطوسيّ: التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث: ج6/7، ص12، ج10 ، ص639، حيث أورد الأسباب عند تعرّضه للمعنى، وفي غير الموردين كثير ..

([29]) وهذا واضح عند أدنى عمليّة استقراء لما ورد تحت عنوان "النزول" أو "سبب النزول" في الكتابين، غاية الأمر أنّهما قد يتعرّضان بشكل نادر لروايات أهل البيت (عليهم السلام) تحت ذلك العنوان، وذلك في خصوص ما إذا ورد مناسبًا أو مخالفًا للأسباب الرائجة التي يذكرونها.

([30]) لاحظ على سبيل المثال: الشيخ الطوسيّ: م.ن.: ج10 ،ص91-92، ج10 ،ص398، والشيخ الطبرسيّ: مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، ط1: ج2 ،519، ج2 ،520، ج8/549، ج8/559، ج10/512...

([31]) لاحظ على سبيل المثال: الشيخ الطوسيّ: م.ن: ج2/137 (البقرة: 187)، ج3/110 (النساء: 4)، ج3/245 (النساء: 65)، الشيخ الطبرسيّ: م.ن: ج1/353 (البقرة: 109)، ج8/530 (الأحزاب: 6)، ج8/564 (الأحزاب: 37).

([32]) لاحظ على سبيل المثال: الشيخ الطوسيّ: م.ن: ج1/59، ج2/252، ج3/189، الشيخ الطبرسيّ: م.ن: ج1/122، ج1/128، ج1/216.

([33]) الشيخ الطوسيّ: م.ن: ج1/6.

([34]) الشيخ الطبرسيّ: م.ن: ج1/41.

([35]) م.س: ج1/41.

([36]) لاحظ محمّد علي أيازي: م.ن: 234 و 611.

([37]) الشيخ الطبرسيّ: م.ن: ج1/33.

([38]) لقد كان ديدن الشيخ الطوسيّ في مؤلّفاته اعتماد أساليب المؤلّفات والموسوعات الكبرى شكلاً، وجعله ضمن قالبٍ ومضمون شيعيٍّ، بعد أن كان على تماسٍ وتواصلٍ كبيرين مع علماء العامّة، فألّف جلّ كتبه على نسق كتبهم؛ إمّا في سياق بيان رأي مدرسة أهل البيت  (عليهم السلام) ابتداءً، أو في سياق الردّ عليهم.

وتفسيره لم يكن استثناءً في ذلك، بل لعلّه أكثر تأثّرًا من حيث الشكل في هذا المجال، من هنا يذكر آراء المفسّرين من التابعين مع أنّه لا يرى حجيّةً لقولهم كما تقدّم، فتفسير الطبري وما تلاه من تفاسير لم تكن غائبةً أبدًا عن باله عند تصنيفه للتبيان، وقد ذكر في المقدّمة جماعة المفسّرين من العامّة، وما قدّموه في هذا المجال، وخصّ الطبريّ بالذكر، حيث أطال في جميع معاني التفسير، واستوعب ما قيل فيه من فنونه (لاحظ مقدّمة الشيخ الطوسيّ: م.ن: ج1/1)، ليقول في الختام: "وأنا إن شاء الله تعالى أشرع في ذلك على وجه الإيجاز والاختصار لكلّ فنّ من فنونه" (الشيخ الطوسيّ: م.ن: ج1/2)، وهذا معناه أن يتعرّض إلى الفنون التي تعرّض لها الطبريّ ومن بعده، ومنها باب أسباب النزول عندهم.

([39]) لاحظ: السيّد محمّد حسين الطباطبائي: القرآن في الإسلام، ترجمة السيّد أحمد الحسيني، مركز الإعلام الإسلاميّ، 1404هـ/118-119، والسيّد محمّد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة النشر الإسلاميّ، 1417: ج5/367.

([40]) نور الدين عتر: منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر المعاصر، ط3 /20.

([41]) الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ: الكافي، دار الكتب الإسلاميّة، ط1: 1/239، ابن حجر العسقلانيّ: فتح الباري شرح صحيح البخاريّ، دار المعرفة للطباعة :7 ، 83، مسند أحمد 3: 35، 44، 121.

([42]) الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، المكتبة الإسلاميّة: 2/159-161، أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين، دار التعارف، 1403: 1/97.

([43]) أبو العبّاس النجاشيّ: رجال النجاشي، مكتبة الداوريّ: ص5.

([44]) الحرّ العامليّ: وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت: 20/165، ويمكن في هذا المجال مراجعة كتب الرجال: كرجال النجاشيّ، اختيار معرفة الرجال للكشّي، والفهرست للشيخ الطوسي.

([45]) الشيخ آقا بزرك الطهراني: م.ن: 2/12.

([46]) الشيخ آقا بزرك الطهراني: م.ن: 1/12، محمّد بن عليّ بن شهراشوب (ابن شهراشوب)، معالم العلماء، مطبعة قم:119، السيّد حسن الصدر: تأسيس الشيعة، منشورات الأعلميّ :337.

وبعض الباحثين ينسب "كتاب أسباب نزول القرآن" إلى ابن شهراشوب، ثمّ يعتبر أنّ البعض قد ساق صيغة أخرى للكتاب هي: "الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول" (بسام الجمل: م.ن/ 91- 92).

([47]) وسنتعرّض لأهمّ الدراسات الشيعيّة المعاصرة في مقال لاحق إذا وفّقنا الله.

 

 

 

الصحاح عند الشيعة أم عند السنّة؟

الشيخ إبراهيم الأنصاري

مقدمة في الكلام العقلي والنقلي

قد شاع بين المعاصرين من الذين نصّبوا أنفسهم للدفاع عن التشيع الاعتراف بأن [أهل السنة عندهم صحاح وليس عند الشيعة صحاح]، وقد صرّح بذلك العلامة العسكري (قده) في أحد المؤتمرات الكبيرة ولم يكن هذا الاعتراف موجودًا عند المتقدمين من علمائنا، والسبب يعود إلى تضلّع المتقدمين في الكلام العقلي ورواج الكلام النقلي عند المتأخرين خصوصًا بعد شيوع استعمال الكمبيوتر، حيث إنهم يعتمدون على الجمع والنقل وترك الكلام العقلي والتفقه في المسائل الاعتقادية، مما أدّى إلى اعتمادهم في المناظرات مع المخالفين على سرد الروايات وعدم تركيزهم على التحليل والتفقه في مقام الاحتجاج والجواب.

أما القدماء فحيث إنهم كانوا أكثر اهتمامًا بعلم الكلام العقلي، حتى سمّوه [الفقه الأكبر] لغلبة جانب الدراية فيه على جانب الرواية، فكان موقفهم في المناظرات كما مرّ يعتمد على التفقه والتحليل وعدم الانخداع في مقابل الشعارات، ولهذا لم يُسمع منهم التنازل في مسألة الصحاح كغيرها من المسائل.

والعجيب في الأمر أنه لم يُنقل عن علماء العامة قديمًُا -مع كونهم أقدر من المتأخرين على المناظرات وعلم الكلام وتشبثهم بكل قشة- التشنيع على الشيعة بأن للسنة صحاحًا وليس للشيعة صحاح، وليس هذا لأجل كشف المتأخرين أمرًَا وتوصلهم إلى حقيقة كانت قد خفيت على القدماء إلى قرننا الحاضر، بحيث لم يُقدم أحد من علماء السنة -حتى ابن تيمية والمتشددين من السلفية حسب اطلاعي- على التشنيع على الشيعة علنيًا بما ذكر، كما أنه لم يُسمع تنازل أحد من صغار علماء الشيعة فضلاً عن كبارهم بأن يعترف بما ذكر.

والتحقيق أن صدور هذا التشنيع منهم دون علمائهم المتقدمين، وحدوث هذا التنازل من بعض المتأخرين منا كلاهما يستند إلى سبب وحيد هو قوة علم الكلام العقلي عند السابقين منا ومنهم، وضعف علم الكلام العقلي -إن لم أقل انقراضه- عند المعاصرين منا ومنهم.

الخلط بين البحث اللفظي والمعنوي

بيان ذلك أن البحث عن إثبات الصحيح ونفيه قد يكون لمجرد التسمية والاصطلاح من دون إرادة معنى أو تطبيقه على الواقع، مثل تسمية شخص لابنه [قصير] وهو طويل في الواقع، أو يكون اسم شخص [جميل] وهو قبيح، أو يُسمّى [أسدًا وفهدًا] وما شابه وهو جبان.. وهكذا، فلا يليق بشأننا أن نناقش فيه، فليسمّوا كتبهم بما يريدون ولكنهم أيضًا لا يرضون بهذا يقينًا، لأنه مثل إنسان جبان يكون اسمه أسد فيتفاخر على شجاع ليس اسمه أسد بأنه أسد دون الآخر.

وقد يكون البحث معنويًا وفي التوصيف المقارن، للإخبار [بأن روايات الصحاح الستة كلها صحيحة صادرة من النبي (صلى الله عليه وآله) وأريد منها ظواهرها، وروايات الكتب الأربعة إما لم تصدر من المعصوم أو ليست ظواهرها مرادة].

ففي هذا النوع من البحث الواقعي المعنوي لا يمكن للمخالف دعوى الأصح، بل للشيعي أن يدّعي مثله بل أشد، ولكن بشرط تحليل معنى الصحيح المراد إثباته أو نفيه.

المحتملات في معنى الصحيح

قد تبيّن أن محل النفي والإثبات بين الطرفين يجب أن يكون معنىً واحدًا حتى حسب رأي صاحبه، بمعنى أن في المقام ثلاث احتمالات لأنه:

- إما أن يراد من الصحيح ما هو صحيح عند كل طرف بأن يكون كتاب صحيح البخاري صحيحًا عند السنّي والكافي صحيحًا عند الشيعي.

- أو يكون صحيح البخاري صحيحًا عند الشيعي وكتاب الكافي صحيحًا عند السنّي.

- أو يكون كل من صحيح البخاري وكتاب الكافي صحيحًا عند كل منهما.

وهذان الاحتمالان الأخيران لا يمكن وقوع البحث فيهما، لعدم إمكان صحة كتاب البخاري عند الشيعي، ولا صحة كتاب الكافي عند السني مع بقاء كل منهما على مذهبه، فيبقى الاحتمال الأول.

هل السنّة متعبدون بجميع ظواهر الصحاح بدون تأويل؟

أما الاحتمال الأول وهو صحة كتاب صحيح البخاري عند السنّي وكتاب الكافي عند الشيعي، فننظر في مرادهم من الصحة، ونسأل هل يريدون صحة ظواهر روايات البخاري من دون تأويلها بإجماع أو عقل أو آية أو سيرة السلف، أو مع تعديل ظواهرها وتبديل معانيها إلى معانٍ غير ظاهرة منها، أو الأخذ بما ذكر من الأمور، وحتى التسليم بها، وردّ علمها إلى قائلها من دون فهم معانيها أحيانًا؟

فإن أرادوا من الصحيح المعنى الأول بمعنى التعبّد بظواهر روايات البخاري ولو خالف الإجماع والعقل والقرآن والسلف، فحينئذ نقول هذا المعنى لا نعترف به ولا ندّعيه بالنسبة إلى الكافي وغيره من المجاميع الحديثية، بل نرفع اليد عن ظواهرها إذا خالفت العقل أو الإجماع أو ما شابه ونترك علمها لأهلها.

إن أهل السنة لا يتعبدون بجميع روايات الصحاح بل يأولونها أو يتعبّدون بالمراد الواقعي بدون فهمها ويتوقفون عن تفسيرها، ومن هنا نرى أنه لا يؤمن أكثرهم بنزوله سبحانه وتعالى وجلوسه على العرش، وضحكه ورجله وعينه ويده وجنبه وغير ذلك، بل إما يأولونها على خلاف ظواهرها كما عن المعتزلة بل أكثرية الأشاعرة، أو يتعبدون بمعنى الجلوس أو الضحك أو الهرولة أو اليد والرجل وغيرها على وجه الإجمال والابهام من دون فهم، ويتوقفون عن تفسيرها بل يحرّمونه، ولا يعدّ هذا النوع من التعبّد مقبولاً وصحيحًا لأنه تصحيح للمجهول.

حتى المجسّمة وابن تيمية لا يؤمنون بالصحاح

من يتتبع رأي ابن تيمية وأتباعه المجسمة والوهابيين يجد أنهم لا يؤمنون بكل ما في الصحاح، وذلك لأنهم وإن قبلوا بروايات التجسيم كما صرّح به ابن تيمية وابن باز والإرهابيون ولكنهم لا يقبلون أنواعًا أخرى من روايات الصحاح مثل ارتداد الصحابة، وأن أكثرهم يدخلون جهنم إلا أقل القليل منهم مثل همل النعم، وكذلك لا يقبلون أو لا يصرّحون بالاعتراف بسقوط مئات الآيات من القرآن بل عدة سور منه، كما ينسب في الصحاح إلى عمر وعائشة وغيرهما من الصحابة.

لا صحيح عند السنة

من هنا نقول إنهم إن قبلوا التحريف بهذه الكثرة، بأن آمنوا بارتداد أكثرية الصحابة منذ فراقهم النبي (صلى الله عليه وآله) -من الذين يعرفهم ويعرفونه- ودخولهم جهنم، وتحريف القرآن وعقيدة التجسيم، فحينئذ يخرجون من مذهبهم وينكرون ضرورياته بل ضروريات الإسلام، وإن لم يقبلوا به كما هو ظاهر شعاراتهم بل بدأوا بتأويل روايات التجسيم، وروايات ارتداد الصحابة ودخولهم جهنم، وروايات تحريف القرآن، فيكون معنى الصحيح عندهم هو ما نعتقده نحن بالنسبة إلى الكتب الأربعة بل أدون، ويكون البخاري صحيحًا عندهم بهذا المعنى والكافي عندنا أصح.

الكتب الأربعة عندنا أصح من الصحاح الستة عندهم

نعم إن الكتب الأربعة عندنا أصح من الصحاح الستة عند أهل السنة وذلك لأن البخاري يثبت أمورًا يكفّرون قائلها، مثل ارتداد الصحابة ودخول أكثرهم جهنم، وتحريف القرآن بمقدار فاحش، مثل سقوط ما هو أكثر من الباقي منه، وأن أكثر الصحابة خاضوا في قذف عائشة حسب دعواها، بينما لا يوجد في الكتب الأربعة عندنا ما يكون كفرًا عند الشيعة.

وحاصل الجواب: إن أهل السنة يكتفون أو يحتالون بذكر لفظ الصحيح ولا يلتزمون بواقعه ومعناه بل يكذبونه عملاً ولفظًا، فإن أرادوا صحة روايات الصحاح بدون تأويل فلازمه التزامهم بالتجسيم وإثبات اليد والرجل والعين والجنب والصعود والنزول والهرولة والضحك والجلوس لله تعالى، وكذلك الالتزام بسقوط أكثر القرآن وارتداد الصحابة ودخولهم جهنم وخوضهم في قذف عائشة وهم لا يلتزمون بشيء مما ذكر، ونتيجته أنهم لا يعتقدون بأن الكتب الستة صحاح بل يكذبون توصيفها بالصحاح.

وإن أرادوا من الصحيح قبول كل ما ذكر مع تأويل وترك ظواهرها المخالفة للقرآن والإجماع والعقل وسيرة السلف، أو التوقف عن فهمها والإيمان بها ورد علمها إلى أهلها، فالصحة بهذا المعنى ثابتة عندنا بالنسبة إلى الكتب الأربعة أكثر من صحة الستة عندهم، بل الأربعة عندنا أصح وأصح.

عدم صحة ظاهر المضمون لا يلازم اليقين بالكذب

إن قلت فإنهم يلتزمون بصدور كل ما في الصحاح عن النبي (صلى الله عليه وآله) مع قطع النظر عن قبولها مع تأويل أو بدونه ولا نلتزم نحن بذلك لعدم قبولنا ما يخالف الإجماع والعقل والقرآن.

فالجواب: إن هذا المعنى من الصحة ثابت عندنا أيضًا بالنسبة إلى الكتب الأربعة، بمعنى أننا نصحح ما فيها ونقبلها، فيكون قبولنا لها أعم من التعبد بمضامينها وظواهرها بلا تأويل، أو مع تأويلها وتفسيرها بالأدلة الأخرى من قرآن وسنة وإجماع وعقل.

وذلك لأننا نقطع بوجود بعض الأخبار المردودة عندنا -مثل ما ورد من [أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يُصبح جنبًا في شهر رمضان]- فإننا لا نقبل صدور مضمونها ومعناها عن الإمام، بمعنى أننا لا نقبل بأن يخبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن إصباح النبي (صلى الله عليه وآله) جنبًا في شهر رمضان إخبارًا واقعيًا، ولازم عدم القبول تكذيب مشروط وهو [أن هذه الرواية إن أريد منها ظاهرها بأن يخبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن إصباح النبي (صلى الله عليه وآله) جنبًا في شهر رمضان إخبارًا جديًا حتى تعتقده الشيعة واقعًا]، فهذا كذب لم يصدر منه (عليه السلام)، ولازم ذلك إمكان صدوره وعدم إرادة ظاهره، إما تماشيًا مع السنة المثبتين لهذا المضمون في صحاحهم أو لأمر آخر، كما أشار إليه أستاذنا الخوئي (قده).

وحاصل الجواب أنه لا يجوز لعالم شيعي أن يحكم حكمًا قطعيًا بعدم صدور رواية من روايات الكتب الأربعة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو عن الأئمة بنحو مطلق، بل غاية ما يتجرأ عليه أن يقول: إن هذه الرواية بهذا المعنى لا يمكن أن تصدر عن المعصوم مريدًا بها ظاهرها، فإما لم تصدر أو صدرت ولم يرد الإمام ظاهرها.

صدور كلام لا يراد ظاهره أمر ثابت عند العقلاء

إن قلت كيف يمكن أن يصدر من المعصوم كلام لا يريد ظاهره.

الجواب: إن المعصوم كغيره من العقلاء بل من الأنبياء، إذ كيف أمكن لإبراهيم (عليه السلام) -وهو معصوم ومن جملة أولي العزم- أن ينسب كسر الأصنام إلى كبيرهم فيقول {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}([1])، فإن جملة {إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} شرط للسؤال {فَاسْأَلُوهُمْ}، وكيف أمر يوسف (عليه السلام) مناديَه بمخاطبة إخوته بقوله {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}([2])، مع أنهم لم يسرقوا فعلاً صواع الملك، وغير ذلك.

والحاصل: إن عدم إرادة الظاهر أحيانًا يكون لمصالح راجحة، وهذا أمر ثابت عند العقلاء ومبحوث عنه مفصلاً في علمَي الأصول والبلاغة، ولم ينكره أحد من الأدباء ولا من علماء أصول الفقه، فعدم قبول ظاهر الرواية لا يسمح بالحكم بكذبها والجزم بعدم صدورها من المعصوم كما هو واضح، وعليه فلا حقّ لأحد أن يحكم بكذب واحدة من روايات الكتب الأربعة وعدم صدورها من المعصومين (عليهم السلام) كما صرحت روايات كثيرة بذلك وأمرت بالسكوت والتسليم ورد علمها إلى أهلها.

ولو كان وجود المتشابهات سببًا للحكم بكذبها وعدم صدورها من الحكيم، لصحّ ذلك في القرآن لكثرة الآيات التي لا يمكن الأخذ بظاهرها اللغوي، ولكن القرآن الكريم أشار إلى أن الراسخين في العلم يؤمنون بكل من المحكم والمتشابه على حد سواء بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}([3]).

سيرة جمهور الفقهاء الاعتماد على الخبر الموثوق لا خبر الثقة

إن قلت إن الفقهاء قد اشترطوا الوثاقة في صفات الراوي لقبول روايته.

الجواب إن اشتراط الوثاقة بمعنى عدم التعبد بقول الفاسق صريح في القرآن الكريم في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([4])، ولكن معناه لا يدل على عدم التعبد بخبر الثقة مطلقًا، كما أنه لم يأمر بطرح خبر غير الثقة مطلقًا، بل حتى خبر الراوي الذي شهد القرآن بكونه فاسقًا لم يأمر بطرحه وتركه بل أمر بالرجوع إلى سائر المعايير المرتبطة بمتن الرواية ومضمونها لأجل قبولها أو ردها بقوله تعالى {فَتَبَيَّنُوا}.

كما أن هذا رأي جمهور الفقهاء في طول التاريخ، حيث نرى أن الشيخ الطوسي يضعّف رجلاً في كتاب رجاله ثم يعمل برواياته في فقهه، وكذلك العلامة وغيرهما من الفقهاء، فلا تجد فقيهًا من القدماء والمتأخرين -غير السيد الخوئي (قده) في كتاب عجم رجال الحديث والسيد صاحب المدارك (قده)- إلا وعمل بالروايات الضعيفة والمرسلة والمجهولة في موارد كثيرة للمرجحات غير السندية، كما أنهم رفضوا روايات صحيحة وموثقة لأجل المعايير المتنية وما يرتبط بالمضمون، وهذا يكشف عن أن وثاقة الراوي لا تلازم جواز نسبة المضمون إلى المعصوم دائمًا، كما أن ضعف السند وجهالته أو إرساله لا تلازم تكذيب الرواية وطرحها، وحتى أن سيدنا الأستاذ الخوئي (قده) وصاحب المدارك (قده) -مع انفرادهما بين الفقهاء في إعطاء وثاقة السند وضعفه أكثر مما تستحقه- لم يلتزما بذلك كثيرًا في فقههما، خصوصًا السيد الخوئي (قده) في أواخر عمره الشريف.

المباني الأصولية تردّ تسمية كتبهم بالصحاح

إلى هنا وصلنا إلى نقطتين مهمتين:

النقطة الأولى: إن حجية الخبر غير القطعي على مبناهم هي بمعنى التعبد بمضمونه، فكيف يمكن لأهل السنة التعبّد بالمضامين التي لا يرونها حقًا، بل يحكمون بكذبها بنحو الجزم، مثل ما مرّ من التجسيم وارتداد الصحابة وتحريف القرآن؟ حيث إن المفروض أن اليقين الوجداني غير موجود في غير المتواتر، واليقين التعبدي لا يمكن حصوله بالنسبة إلى المضمون الباطل، فيبقى الحكم أو دعوى صحة كل ما في الصحاح وخصوصًا صحيح البخاري تصديقًا بلا تصور، وهي دعوى واضحة الفساد أصوليًا.

ونتيجة هذا البيان عدم وجوب الإيمان بصدور كل ما فيها، وهذا ينافي فرض روايات الكتب الستة صحاحًا.

النقطة الثانية: نلاحظ عند التدقيق في نسخ الصحاح كلها الموجودة بين أيدينا، وما نقل عنها في كتب علماء المخالفين والبخاري بخصوصه، أن هناك اختلافًا كبيرًا، حيث أن النسخة المقروءة في الهند قبل مائتي سنة تقريبًا تختلف عن النسخ الموجودة حاليًا.

وقد روى ذلك الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره من علماء العامة، حتى ابن تيمية روى في كتبه روايات عن البخاري لا توجد في النسخ الموجودة أو تختلف عنها، وهذا الأمر يُحدث الشك في نسبة الصحة إلى صحيح البخاري، ويمنع من توصيفه بالصحيح لكثرة غربلتهم لكتبهم في طول التاريخ إلى يومنا الحاضر.

مضافًا إلى كون المؤلفين أنفسهم متهمين -بشهادة موارد كثيرة- بتحريف الكلم عن بعض مواضعه، حيث نقلوا الرواية الواحدة بعبارتين مختلفتين كما يظهر لمن راجع كتاب (أضواء على الصحيحين) للشيخ النجمي([5]) وغيره.


الهوامش

([1]) الأنبياء: من الآية63.

([2]) يوسف: من الآية70.

([3]) آل عمران: 7.

([4]) الحجرات:6.

([5]) قال الشيخ صادق النجمي في كتابه [أضواء على الصحيحين] ص125 :[ ونقل الخطيب البغدادي عن البخاري نفسه يقول: رُبّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورُبّ حديث سمعته بالشام وكتبته بمصر، قيل له: يا أبا عبد الله بكماله؟ قال: فسكت. قال ابن حجر: وهذا من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تامًا بإسناد واحد بلفظين -كما في حديث سِحر النبي (صلى الله عليه وآله)-، فلو تتبعنا وفحصنا في الأحاديث التي رواها البخاري في صحيحه لوجدنا أن البخاري اتبع أسلوب النقل بالمعنى في كثير منها..](التحرير).

 

 

 

تهميش القيم

د. طلال عتريسي

 

تعرّضت العولمة إلى كثير من النقد والاتهام في معظم ما كتب وما قيل وما عقد عنها من مؤتمرات، وخصوصًا في البلدان العربية والإسلامية. وانتقل هذا الاعتراض في بعض العواصم العالمية إلى الشوارع التي شهدت تظاهرات لم تخْلُ من أعمال عنف وصدامات ضد رموز العولمة ومؤسساتها، مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وسواهما.

ولعل أبرز الاتهامات تلك التي ركزت على الخلل الاقتصادي والإنساني للعولمة، حيث تؤكد الدراسات والإحصاءات على أن أغنياء العالم، ونسبتهم نحو عشرين في المائة، سيزدادون غنىً، بينما سيزداد فقراؤه فقرًا ونسبتهم نحو ثمانين في المائة، وقد أشار تقرير البنك الدولي عن مؤشرات التنمية لعام 2001 على سبيل المثال إلى وجود 1200 مليون إنسان (أي نحو سدس سكان العالم ) يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وإلى 113 مليون طفل لا ينتظمون في المدارس، بينما ذكر تقرير البنك الدولي لعام 2000 أن ثروات أغنى 200 رجل في العالم تفوق دخل 41 في المائة من سكان المعمورة.

هذا في الوقت الذي بلغ فيه إنفاق الولايات المتحدة على التسلح لعام 2003 فقط نحو 396 مليار دولار، وقد بلغ هذا الإنفاق للعام 2009 نحو 700 مليار دولار أي ما يفوق بمرات كل ديون الدول الفقيرة. وربما لهذا السبب بات النقد والاتهام يتحدث أيضًا عن "عولمة متوحشة" وعن ضرورة الدعوة إلى "عولمة إنسانية" و"عولمة أخلاقية كما نادت على سبيل المثال ماري روبرتسون مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

 المهم أن التهم الموجّهة إلى العولمة هي تهم اقتصادية وإنسانية بالدرجة الأولى، لأنها تتحدث عن تفاوت خطير بين البشر من خلال الأرقام والإحصاءات، وهو تفاوت غير أخلاقي أيضًا في ظل ادعاء العولمة ومؤسساتها مدَّ يد العون وتقديمَ المساعدة إلى الشعوب الفقيرة لتحسين مستوى حياتها، بينما تزداد ديون هذه الدول للمؤسسات الدولية وتعجز عن سداد حتى الفوائد المترتبة عليها.. أما تهم العولمة الأخرى في مساراتها السياسية أو الثقافية فيبرز فيها الجانب القيمي والأخلاقي بشكل أوضح، سواء على مستوى التحيّز إلى هذه الدولة أو تلك في قضية معينة، أو على مستوى تهميش الآخر وعدم الاعتراف بخصوصيته.

وغالبًا ما يتركز نقد العولمة في مسألة القيم والمفاهيم على قضيتين:

الأولى "ثنائي" العنف والجنس في وسائل الإعلام وفي السينما العالمية وفي القنوات الفضائية التي دخلت اليوم إلى كل بيت. وعلى ما يمكن أن تسببه من تدهور في السلوك والقيم من خلال انتشار الإباحية أو الشذوذ في مجتمعات لا تزال تقيم وزنًا كبيرًا لقيم العفة والاحتشام.

والثانية، تنميط القيم ومحاولة جعلها واحدة لدى البشر في المأكل والملبس وفي العلاقات الأسرية وبين الجنسين وفي كل ما يتصل بحياة الإنسان الفردية والجماعية.. وخصوصًا قيم الاستهلاك التي تعتبر إحدى أهم ركائز اقتصاد العولمة وانعكاساتها على القيم التي أشرنا إليها.

وما يجري على هذا المستوى من تنميط القيم بات معروفًا وله رموز ومؤسسات إعلامية وسينمائية مختلفة تتوجه إلى مراحل العمر كافة وليس إلى مرحلة محددة فقط، وقد زاد من فاعلية هذه المؤسسات التطور الهائل في وسائل الاتصال وسهولة استخدامها.

وإزاء هذه الموجة العالية والمتسارعة من انتشار قيم العولمة، ثمة من يدعو إلى الأخذ بها جملة وتفصيلاً باعتبار أن ما يحصل هو نتاج إنساني متقدم لا يصح معه الحديث عن خصوصيات تؤدي إلى العزلة والتهميش. وبالمقابل ثمة من يدعو أصلاً إلى عدم التفاعل مع هذا النمط من قيم العولمة من خلال العودة إلى الخصوصية الثقافية.. ولا يقتصر أمر هذا التباين في التعاطي مع "عولمة الثقافة" على البلدان العربية والإسلامية، فحتى فرنسا نفسها تجهد منذ سنوات وعلى أعلى المستويات الرسمية فيها لإيقاف زحف ما تسميه "الغزو الثقافي الأميركي" الذي يجتاح لغتها وشاشتها الصغيرة وأفلامها السينمائية.

إلا أن المشكلة مع ذلك تبقى على المستوى القيمي والأخلاقي مشكلة أساسية بالنسبة إلى الدول غير الغربية. فقدرة التحكم الهائلة والسيطرة والإدارة في الاقتصاد والسياسة وفي وسائل الاتصال وفي مصادر المعرفة ومصادر الأخبار والمعلومات تجعل الغرب الأميركي/الأوروبي، هو مصدر العولمة. وتجعل هذه العولمة تسير باتجاه واحد شمال-جنوب، وليس باتجاه التفاعل بين شعوب العالم كما يقول المدافعون عن العولمة وثقافتها، الذين ذهب بعضهم إلى القول أن عصر العولمة سينهي الخصوصيات الثقافية والقومية طالما أن العالم يسير باتجاه "قرية كونية واحدة".

ويتنافى هذا الاعتقاد في الواقع مع ما يجري في كثير من مناطق العالم وبلدانه من انبعاث للروح القومية والتشدد في طلب الحقوق المتعلقة بها .. إلى انبعاث الصحوات الدينية في أنحاء العالم كافة .. إلى صعود اليمين القومي المتطرف في أوروبا نفسها، كما كشفت ذلك الانتخابات في أكثر من بلد في فرنسا والنمسا وايطاليا وهولندا وغيرها.. وهذا يعني أن العولمة سواء تعمّدت تجاهل الخصوصيات الثقافية أم أنها فعلت ذلك انسجامًا مع منطق السوق والاستهلاك الذي يتحرك من دون حواجز على مستوى العالم كله فليس بمقدورها اقتلاع هذه الخصوصيات لأسباب كثيرة.

وتتباين عوامل التمسك بهذه الخصوصيات وعوامل الممانعة بين أمة وأمة. فإذا كانت بعض مظاهر معارضة العولمة على الطريقة الأميركية في أوروبا أسبابها قومية أو عنصرية أو اقتصادية، فإن الممانعة في العالم الإسلامي مصدرها الدين والثقافة التي تتشكل بواسطتهما نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى رغباته وإلى الآخر.. أي إلى علاقاته الأسرية والزوجية والاجتماعية، من دون أن ننسى الشعائر اليومية والأسبوعية والسنوية، التي يفرضها الدين والتي يصعب على العولمة اختراقها أو تغييرها، مهما أصاب أطراف هذه الثقافة من تبدل لا يمكن أن يطال الجوهر أو النواة.. ولنضرب مثلاً "ساخنًا" على ما يمكن أن نسميه "خيبة أمل" العولمة من شباب العالم الإسلامي عندما خرج هؤلاء بالملايين في عواصم بلدانهم للتنديد بالسياسة الأميركية المؤيدة لإسرائيل داعين في الوقت نفسه إلى مقاطعة بضائعها بما في ذلك عدم ارتياد مطاعمها التي تعتبر رمزًا "قويا" من رموز العولمة. وذلك كله بسبب تعاطف هؤلاء الشباب مع الشعب الفلسطيني في محنته وجهاده، وهو تعاطف تمتزج فيه العاطفة الإنسانية، بالشعور القومي، وبالانتماء الديني في وقت واحد.

وبعيدًا عن موضوعي الجنس والعنف، فإن موازين القوى الدولية، ولأسباب كثيرة تميل لمصلحة الغرب ودوله، وهذا الأخير يتصرف باعتباره مرجعية العالم سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا. وتلعب منظماته الدولية والإقليمية دورًا مباشرًا بين شعوب الدول غير الغربية (وخصوصًا في الدول العربية والإسلامية) في محاولة تثبيت هذه المرجعية. وهكذا تقوم تلك المنظمات بنشاط مشترك مع الهيئات والجمعيات المحلية (ندوات ومؤتمرات..) للبحث في حقوق الإنسان وفي حقوق المرأة والعنف الزوجي والمجتمع المدني وسواها من قضايا يكثر الحديث عنها منذ سنوات، وعلى الآخر غير الغربي أن يتعلم منها وأن يتبناها لكي ينتقل إلى حالة أفضل من الحالة التي هو فيها بغض النظر عن القيم التي تنظم حياته وعلاقاته الأسرية والعاطفية والاجتماعية..

وما يستدعي التحفّظ هنا ليس مبدأ العلاقة مع هذه المنظمة أو تلك من المنظمات الدولية أو الإقليمية الذي يتيح التعرف إلى تجارب الشعوب وخبراتها. إنما التحفظ مصدره العلاقة التي تسير باتجاه واحد (شمال-جنوب)، ومضمون العمل المشترك والندوات المشتركة التي تحصل بين طرفين أحدهما غني وقوي والآخر ضعيف وفقير! يبحثان فيها "سويا"! تلك القضايا التي أشرنا إليها حول الديمقراطية وحقوق المرأة والحرية الفردية والمجتمع المدني والتربية على السلام والتربية على التسامح.. إن ما يجري على هذا المستوى له علاقة مباشرة بالقيم وبالخصوصية الثقافية، وهو أشد تسلّلاً إلى عقول النخب الاجتماعية والفكرية وتأثيرًا عليها من ثنائي العنف والجنس الذي لا يستطيع أحد الدفاع عنه لا في الشرق ولا في الغرب. ولو ضربنا مثالاً على هذا النوع من العمل المشترك "منظمات حقوق الإنسان" التي تشهد رواجًا ملحوظًا ودعمًا واضحًا من المنظمات الدولية المماثلة، لفوجئنا بما جرى مع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان التي تعرضت قبل سنوات لانتقاد بعض المنظمات الأوروبية والتي قررت منع المساعدات عن المنظمة المصرية لأن هذه الأخيرة "لم تنظم فعاليات تضامنية مع المثليين المصريين الذين اعتقلتهم السلطات المصرية بتهمة ممارسة الشذوذ". أو كمثال آخر بعض المؤتمرات التي تعقد عن التربية، وتدعو إلى "ضرورة تهيئة الأجواء والمناخات اللازمة لثقافة السلام.. لامتلاك المهارات من أجل حل النزاعات بطريقة بناءة.. ولإدراك المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والجنس والمساواة.. [أي يصبح حل النزاعات بطريقة بناءة موازيًا من حيث أولويته وأهميته في مجتمعنا للمساواة بين الجنسين!.. كما تصبح تهيئة الأجواء والمناخات لثقافة السلام ضرورية في الوقت الذي لا يزال لبنان يقاتل لاسترداد ما تبقى من أرضه المحتلة وفي الوقت الذي لا تزال فيه منطقة الشرق الأوسط مشتعلة وغير مستقرة بسبب السياسات الإسرائيلية وعدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني..].

ويمكن أن نضيف إلى ما تقدم أيضًا مشروعًا سابقًا للأمم المتحدة تقدمت به في مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة قبل سنوات وحاولت من خلاله تمرير نص يدعو إلى الموافقة على "دعم الأسرة بأشكالها كافة". أي الأسرة "التي تتشكّل من الجنس نفسه" والتي بدأت تظهر في الغرب منذ بضع سنوات. وقد اعترضت الدول الإسلامية والفاتيكان معًا على هذا البند المقترح في وثيقة المؤتمر. إلى عشرات الندوات والمؤتمرات التي تعقد بشكل متواصل في معظم الدول العربية والإسلامية التي تتناول كما أشرنا قضايا المرأة من منظور الجمعيات الأوروبية التي تموّل "الأنشطة المشتركة"، وقضايا الأسرة والزواج والطلاق والإنجاب والعلاقات بين الجنسين من المنظور نفسه..

والمشكلة في كل ما تقدم هي عدم قبول الآخر كما هو، وعدم الاعتراف بخصوصيته الثقافية والدينية التي شكّلت نظامه للزواج وللتربية وحتى للعلاقات الاجتماعية أو السياسية. وهذا يتعارض كما هو معلوم، مع بديهيات المبادئ الأخلاقية التي تقوم على الاحترام المتبادل للفرد أو للجماعة، وعلى تقدير خصوصيتهما والمحافظة عليها.

ومع هذا الجانب من "التدخل" الأخلاقي في الحياة الثقافية والقيمية في بلدان العرب والمسلمين لتعديل هذه الحياة أو "لتحديثها"، كما يتكرر في المصطلحات الرائجة، سنكون أمام تدخل يشبه ما يجري اليوم في عالم السياسة والقوة حول ما يسمى "حق التدخل" الإنساني لإنقاذ هذه الجماعة أو الأقلية العرقية أو الدينية، أو للدفاع عن مصالح هذه الدولة أو تلك ضد أي "خطر" حقيقي أو مفتعل.. وإذا أضفنا إلى هذا "الحق" تلك المخاطر السلوكية والأخلاقية الناجمة عن الترويج للجنس و للعنف بعيدًا عن كل الضوابط...، أدركنا حجم المخاوف التي تحيط بعالمنا الإنساني كله من دون استثناء، من جرّاء هذا التهميش الذي تتعرض له القيم الأخلاقية بمستوياتها الثلاثة : في السياسة وفي الثقافة وفي الاقتصاد. هذا التهميش هو الذي يثير الخصوصيات الثقافية والدينية التي تدافع بها شعوب العالم عن وجودها وعن إحساسها بهذا الوجود.

 

 

 

زيف اللغة الملونة

د . علي شريعتي نموذجًا

الشيخ مصطفى يحفوفي

مقدمة

يحدثنا "موريس كرانستون" في كتابه "سارتر بين الفلسفة والأدب" عن أسلوب سارتر في الكتابة، فيقول: ((إن الناس يتوقّعون عادة من الفلاسفة أن يكونوا كُتّابًا هادئين متّزنين غير منفعلين، أما سارتر فهو على عكس هذا، إنه يعبّر عن أفكاره بلغة ملونة وعبارات مثيرة، وإن اللون يُعمي أحيانًَا حتى أنه يسبب العمى)) ([1]).

إن "كرانستون" وإن كان يَصِف بكلامه هذا أسلوب سارتر بالخصوص، إلا أن الشقّ الأخير من كلامه يكشف عن مشكلة عامة تتجاوز سارتر، لتشمل كل شخص يستخدم في التعبير عن أفكاره اللغة الملونة والعبارات المثيرة، لأنه باستخدامه هذا قد يعمي أحيانًا حتى أنه يسبب العمى.

والذي نلاحظه في زماننا هو أن هذه اللغة تزداد شيوعًا حتى باتت هي الأسلوب المتبّع لدى عدد من الكتّاب والمفكّرين، بمن فيهم بعض رجال الدين. ولذا رأينا أن نحاول -وبمقدار الوسع- أن ننبّه على ما يمكن أن تحتفّ به هذه اللغة من مخاطر، فاخترنا لمحاولتنا هذه واحدًا من أبرز روّاد الميدان، عنيت به الدكتور علي شريعتي، ليكون لنا مثلاً نُظهر من خلاله جانبًا مما قد تنطوي عليه اللغة الملونة من اضطراب فكري وتشويش معنوي، ولكن بعد أن تغلفهما بغلاف أنيق وجذاب.

وللقارئ بعدها أن يقيس على هذا المثل غيره ممن يشاركون شريعتي في طريقته، وإن كانوا قد يختلفون عنه في بعض الرؤى والطروحات.

وبناء عليه يتبين أننا لا نرمي في مقالتنا هذه إلى مناقشة شريعتي في مختلف آرائه ونظرياته، كما أننا لسنا بصدد تتبّع كل ما يمكن تتبعه من أخطاء اشتملت عليها مؤلفاته، بل الذي يهمّنا هو تحذير القارئ حين يُقبل على قراءة النصوص المكتوبة بلغة ملونة وبعبارات مثيرة، لكي يقرأ بأناة وتبصّر، فلا يشغله جمال البلاغة عن تدبّر الحقيقة، ولا يلهيه سحر البيان عن ترصّد البرهان.

وهذا ما دعانا لأن ننتخب من كلام شريعتي بضعة نماذج متنوعة لندلل بها على المراد، ولم يكن غرضنا منها الدراسة المستوفية ولا الاستقصاء الشامل. ولذلك عمدنا عند مناقشتنا لبعض جوانب هذه النماذج إلى التركيز ما أمكن على الأمور ذات الصلة المباشرة بموضوع بحثنا، متجاوزين بذلك عن العديد من النقاط التي يمكن طرحها أو مناقشتها، على أننا نرجو من المولى سبحانه أن يوفقنا لاحقًا لإعداد مقالة ثانية نناقش فيها بشيء من التفصيل بعض آراء شريعتي، ونعرض فيها نماذج من معلوماته الخاطئة التي تمثل جزءًا معتبرًا من المادة التي أقام عليها صرحه الفكري.

ولا بد قبل الانتقال إلى صلب الموضوع من التنبيه على أننا حين ننسب إلى شريعتي قولاً أو رأيًا فنحن نقصد ما وجدناه من أقواله ونصوصه في كتبه المعرّبة والتي هي بين أيدي قراء اللغة العربية، ولا يدَ لنا في الأمر فيما لو كانت الترجمة قد أحدثت بعض الأخطاء.

ولنمض الآن في استعراض ما كنا قد انتخبناه من النماذج:

النموذج الأول: تهافت البلاغة

يقول شريعتي في كتابه "سيماء محمد (صلى الله عليه وآله)": (( وأكثر وجوه الحكمة تألّقًا في تاريخ البشر بلا جدال، هو "سقراط"، ذلك الذي بقيت أقواله طوال خمسة وعشرين قرنًا، أقواتًا للفكر، وشرابًا سائغًا للأفهام. وهو مثال التأمل البشري، رائد العوالم الغريبة، التي لم تطأها قدم أي حكيم، ذلك الذي صعد إلى قمة "لست أدري" ولأول مرة. وهو بستاني رياض النبوغ الرائعة: بدءًا من "أفلاطون" و"أرسطو" إلى (سن اغوستن وسن أوجن، ومن ثم إلى الكندي وابن سينا وابن رشد).. ولكن إلى أيّ أمر دعا ؟ الفلاسفة وحدهم هم القادرون على الجواب. وبماذا يُثَمَّن ؟ عشاق المنطق وحدهم هم الذين يثمّنون، أما أبناء "أثينا" فهم لا يعلمون، وكذلك أبناء أيّ مِصر، وأبناء أيّ عصر، ولو أننا رفعنا "سقراط وتلامذته من التاريخ، ماذا يحصل ؟ إن المدارس ودور الكتب وحدها هي التي سيرتفع عويلها، أما الناس فلن ينتبهوا. أليس هؤلاء هم الذين عدّوا الديمقراطية اليونانية بلاء، واعتبروا حكم الشعب للبلاد مصيبة، وكيف كانوا يتحسّرون على حكومة الأشراف ؟))([2]).

ثم يقول بعد ذلك: ((إن جاهلاً مثل "سبارتكوس" أجدى للغرب وأنفع من مجمع علمي "أكاديمية" حافل برجال كـ"سقراط" و"أفلاطون" و"أرسطو". كما أن رجلاً عربيًا بدويًا كـ"أبي ذر الغفاري" لأنفع للشرق من مئات "ابن سينا" و"ابن رشد" و"ملا صدرا"))([3]).

إنها لغة خلابة بدون شك، تُطرب القارئ، وتوقظ عواطفه، وتسيطر على مجرى أفكاره، فينقاد لها مستسلمًا، ولعله لشدة انفعاله يشرع أيضا بالتصفيق.

وكيف لا يفعل، وقد خُمِّر النصّ بكل ما أتيح له من فنون البلاغة وأدوات التأثير، مما لا يمكن الإحاطة به في هذه العجالة، لذا نكتفي بإيراد لمحات سريعة تشير إلى المراد وتدلّل على المقصود.

ولنلتفت بادئ ذي بدء إلى اللغة التصويرية الجذابة التي حِيكَ بها نسيج النص، ولنُعِدْ قراءة بعض ما جاء فيه من صور بلاغية، من قبيل [أقواتًا للفكر، وشرابًا سائغًا للأفهام]، [رائد العوالم الغربية]، [صعد إلى قمة "لست أدري"]، [بستاني رياض النبوغ الرائعة]... وكلها صور بلاغية ساحرة تزين النص بألوانها الجذابة ، فتحرك الخيال وترضي النفس وتريح العقل .. وهذا ما يجعل القراءة محببة ، ويضفي على النص نوعا من التشويق .

ولنلتفت بعدها إلى الأسلوب الساخر الذي يهوّن من شأن ما يسخر منه النص، فيجعل القارئ يتهيب من الوقوف إلى جانبه أو التعاطف معه، وذلك من قبيل قوله: [إن المدارس ودور الكتب وحدها هي التي سيرتفع عويلها]، وكذلك قوله: [ولكن إلى أيّ أمر دعا ؟ الفلاسفة وحدهم هم القادرون على الجواب، وبماذا يثمن ؟ عشاق المنطق وحدهم هم الذين يثمّنون] الخ.

ثم لنتأمّل قليلاً الأسلوبَ الذكي الذي اتبعه شريعتي للانقضاض على سقراط ليرفعه من التاريخ، حيث نجده قد مهّد لذلك بنعت هذا الفيلسوف العظيم بالعديد من النعوت القيمة والصفات الجليلة، الأمر الذي يُظهر ما يتمّيز به شريعتي من موضوعية، وما يتصف به من شجاعة. وقد تجلت موضوعيته في إقراره لسقراط بالعديد من فضائله ، كما برزت شجاعته في إقدامه الجريء على رمي الرجل إلى خارج دائرة التاريخ ، على الرغم مما يقترن به اسمه من سمعة وشهرة وإجلال وتقدير.

ولنتوقف لحظة عند جملة الأسماء التي أوردها شريعتي للفلاسفة والثوّار، من الغرب ومن الشرق، والتي يفصح تعدادها عن معرفة واسعة واطلاع عريض، مما يميل بالقارئ إلى تقبّل الأحكام بدون الكثير من التردد، لأنها صادرة عن مثقّف مطلع وعالم خبير.

ولننعطف بعدها نحو المفردات المنتقاة ذات الدلالات الغنية، مثل كلمة (عشاق) في قوله: [عشاق المنطق وحدهم هم الذين يثمّنون، أما أبناء أثينا فهم لا يعلمون ]، ومثل كلمة (جاهل) في قوله: [إن جاهلاً مثل "سبارتكوس" أجدى للغرب وأنفع من مجمع علمي "أكاديمية"]. ولنلاحظ أن استخدام كلمة (عشاق) أوغل في السخرية من كلمة (دارسو) مثلا، فيما لو قال: " دارسو المنطق وحدهم هم الذين يثمنون"، كما أن دائرة العشاق أضيق بكثير من دائرة الدارسين، والنتيجة هي أن التثمين يقتصر على قلة قليلة من الناس، هم العشاق الولهون بالمنطق والذين لا نعرف في أي فضاء يسبحون.

وبمثل هذا يمكننا إدراك السر في استخدام كلمة [جاهل] بدلا من كلمة (ثائر) مثلا..

وعلى هذا المنوال يتجه النص لمخاطبتنا بكل ما ينطوي عليه من قدرات بلاغية، وما يضجّ به من أدوات التأثير، ليثير حماس القارئ ويقنعه بالوقوف إلى جانب شريعتي مطالبًا معه برفع سقراط وتلامذته من التاريخ...

ونحن لا نريد أن نأخذ على شريعتي طريقته في التعبير، كما أننا لا نرفض استخدام اللغة البلاغية والأساليب التأثيرية من أساس. ولكننا نسجّل اعتراضنا حين يُتخّذ هذا الصنف من اللغة كوسيلة للتعمية وكبديل عن الدليل.

ولن نناقش الآن شريعي فيما ذهب إليه، ولن نثير في وجهه أيًا من الأسئلة التي يمكن إثارتها، على الرغم من سعة المجال للمناقشة وطرح الأسئلة، بل سنسلم له بكل ما أراد، لنرى بعد ذلك ما إذا كان سيلتزم هو نفسه بالنتائج والأحكام التي أفضت إليها بلاغته هنا، أم إن بلاغته ستضطره لاحقًا لهدم ما بنى ونقض ما أبرم؟!

ولكي نعرف حقيقة الأمر دعنا نقرأ نصه التالي من كتابه "العودة إلى الذات"، والذي يقول فيه: (( وفي اليونان، كنت ضيفًا على اتحاد طلاب أثينا بدعوة من الطلاب اليونانيين في أوروبا، وكنت سعيدًا أنني سوف أكون بين جماعة من المتعلّمين المفكرين، وسوف أعرف اليونان العزيزة معرفة دقيقة وصحيحة، فإن الوطن الحقيقي لكل إنسان (ليس)([4]) مسقط رأسه، بل ثقافته، وأنا الذي أعتبر قلبي بجوار بيت إبراهيم، اعتبر عقلي في أكاديمية أثينا...)) ([5]).

لله درُّك يا دكتور علي، ما أفصح لسانك وما أروع بيانك ! فهل في الناس مثلك من استطاع أن يربط بين الحقيقة والشريعة كما استطعت ؟! إنك وبجملة واحدة كشفت النقاب عن المثل الأعلى الذي يجدر بكل عاقل حكيم أن يطمح إليه، فيستودع قلبه في بيت إبراهيم، ويوجه عقله إلى أكاديمية أثينا، ليغدو بذلك النموذج الأمثل لأشواق الإنسان وتطلعاته، هنالك حيث تتلاقى وفي بوتقة واحدة دعوة الأنبياء مع بهجة الفلسفة ومعارفها.

فهنيئًا لك يا شريعتي على هذا الخيار الموفّق، وهنيئًا لأثينا بك، تلك المدينة التي غدت دون جميع حواضر العلم والمعرفة في العالم هي الوطن الحقيقي لك، لأنها تمثّل بأكاديميتها العظيمة النجم المضيئ الذي يدور عقلك في فلكه، وأنت قلت أن الوطن الحقيقي للإنسان ثقافته.

ولا أخفيك يا دكتور علي، إن كلامك الرائع هذا قد زادني حبًا لأكاديمية أثينا، لذا أخذني الحماس لأزداد بها معرفة، فراجعت ما كنت قد قرأته سابقًا عنها، وقرأت أيضًا ما لم أكن قد قرأته من قبل، فتيقّنت أنك على حق فيما ذهبت إليه حين اخترتها رمزًا لثقافتك ومقصدًا لحركة عقلك.

واسمح لي الآن أن أورد للقارئ تعريفًا موجزًا عن هذه الأكاديمية لكي أذكّره بحقيقة أمرها وما الذي تعنيه.

الأكاديمية: [مدرسة أو جمعية فلسفية أنشأها أفلاطون بعد سنة 387 ق.م، واتخذ مقرّها ببيت له اشتراه بالقرب من الحديقة العامة التي كانت تسمى أكاديميا، على بعد نحو ميل من بوابة ديبلون في مدينة أثينا القديمة، وظلت مفتوحة تمارس تدريس الفلسفة حتى أغلقها جيستنيان ضمن ما أغلق من مدارس التفكير الوثني سنة 259 ق.م]([6]).

فالأكاديمية هذه هي نفسها الأكاديمية التي سخّفها شريعتي في نصه الأول حين قال: [إن جاهلاً مثل "سبارتكوس" أجدى للغرب وأنفع من مجمع علمي "أكاديمية" حافل برجال كـ"سقراط" و"أفلاطون" و"أرسطو"].

وأفلاطون أيضًا -مؤسس الأكاديمية- هو ذاته أفلاطون الذي حرّضنا شريعتي على رفعه من التاريخ، كما قرأنا في النص عينه.

فلو جمعنا الآن بين أقوال شريعتي المختلفة لحصلنا على هذه المعادلة السهلة الواضحة:

أ - إذا رفعنا أفلاطون -مؤسس الأكاديمية- من التاريخ كما يدعونا شريعتي، وزالت الأكاديمية من الوجود تبعا لذلك، لأنه هو مؤسسها...

ب - وإذا اعتبرنا أن عقل شريعتي -كما يقول هو- موجود في الأكاديمية التي أزلناها من الوجود .

فماذا ستكون النتيجة ؟

  النتيجة هي إذًا...

هذه هي النتيجة التي يفضي إليها كلام شريعتي نفسه بعد أن نجمع بين أقواله المختلفة. ولكننا لو راجعنا الأكاديمية قبل ذلك لكنّا وفرنا على أنفسنا عناء هذا الجمع، إذ من المؤكد أن الأكاديمية كانت سترفض قبول طلب شريعتي للانضمام إليها، وكيف لها أن تقبله وقد كتب مؤسسها أفلاطون على باب هيكله العبارة التالية: ((من لم يكن مهندسًا فلا يدخل علينا )). وهذا يعني أن أفلاطون لا يرضى أن يدخل عليه إلا أصحاب الأدلة الرياضية أو ما هو بمنزلتها ولا يرحّب في حرم أكاديميّته بأولي الحذلقة والسفسطائيين.

وهكذا نرى كيف تتهافت البلاغة لدى شريعتي، حيث نجده وقد غدا هو نفسه ممن يقدرون ويثمنون ، ويولي تلك الأهمية الكبرى للأكاديمية، بعد أن سخّفها واستهان بها ، وبعد أن سخر من أؤلئك الذين يقدّرون ويثمنون .

بهذا نصل إلى غاية ما أردنا بيانه في النموذج الأول من مزالق اللغة الملونة والعبارات المثيرة، لننتقل بعدها إلى أنواع أخرى من المزالق، يبيّنها لنا النموذج الثاني.

النموذج الثاني: التحريف والانتقائية

يقول شريعتي في كتابه "الإنسان والإسلام": (( إن قصة هابيل وقابيل الموجودة في قصصنا الإسلامية، والتي يسميها القرآن نفسه بـ[القصة]، مليئة بالحقيقة العلمية. (إذا أخذنا القصص المشابهة باعتبارها وقائع تاريخية تكون غير مفهومة وبدون نتيجة([7])، ولكن إذا أخذناها باعتبارها حقايق نموذجية فإنها مليئة بالأسرار العلمية لمعرفة الإنسان ومعرفة التاريخ).

قابيل وهابيل، من هما ؟ ابنا آدم. إذًا عندما تُذكر قصة قابيل وهابيل فإنه المراد بها قصة بداية التاريخ البشري بصورة رمزية ونموذجية. (كما يذكر "البير كامو" قصة "أوران" ))([8]).

بهذه المقدمة يضعنا شريعتي أمام المنهج الذي يريدنا أن نتبّعه في فهم القصص الديني ومن بينها قصة ابني آدم، فهو يدعونا إلى عدم أخذ قصة ابني آدم وما يشابهها من القصص باعتبارها وقائع تاريخية، وإلا كانت غير مفهومة وبدون نتيجة. لذا علينا أن نأخذها باعتبارها حقائق نموذجية ورموزًا على نحو ما يذكر "البير كامو" قصة "أوران".

 والشاهد الذي يؤيد به شريعتي كلامه هو أن القرآن نفسه يسمي قصة ابني آدم بـ(القصة).

ولكي يتأكد القارئ من صحة هذه الدعوى لشريعتي فما عليه إلا أن يرجع بنفسه إلى القرآن الكريم.

وغالبًا ما يصدّق القارئ الكلام ويمضي قُدُمًا... ولكنه لو توقّف لحظة ليفحص ويتأكد لأصيب بصدمة تذهل عقله.

لماذا ؟ لأن القرآن الكريم يقول: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ}([9]). فالقرآن يسمي هذه القصة بـ(النبأ) ولم يسمّها بـ(القصة) كما ادّعى شريعتي.

و(النبأ) يأتي بمعنى الخبر، وقد عرّفه الراغب الأصفهاني في "معجم مفردات ألفاظ القرآن" بقوله: (( النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرّى عن الكذب، كالتواتر وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام )).

والنبأ بهذا المعنى – أي بمعنى الخبر - لا يناسب مذهب شريعتي ولا يؤيد منهجه الذي ينكر واقعية قصة ابني آدم وما يشابهها من القصص.

وأما (القصة) فهي مأخوذة لغة من قصِّ الأثر أي تتبّعه. و(القصص) كما يذكر الراغب الأصفهاني في "مفرداته" هي [الأخبار المُتتبّعة]، ولفظ (القصة) بهذا المعنى لا يخدم هو أيضًا غرض شريعتي. غير أن هذا اللفظ قد خضع لشيء من التطوّر في دلالته فصار يستعمل في الحكاية مطلقًا حتى لو كانت كلها أو بعضها من نسج الخيال، ولم يعد مقتصرًا على قصِّ الأثر أو تتبّع الخبر. وبناء على هذا التطور الدلالي يحاول شريعتي أن يقنعنا بأن قصة ابني آدم ما هي سوى قصة رمزية تضعنا أمام حقائق نموذجية ولا تخبرنا عن الوقائع التاريخية شيئًا.

ولكن الغريب في الأمر هو أن هذا التحريف على شناعته لا يتيح لشريعتي الوصول إلى مبتغاه، وذلك لأنه حتى لو سلمنا بأن القرآن يسمي قصة ابني آدم بـ(القصة)، فإن القرائن([10]) تشير إلى أن القرآن لم يستعمل لفظ القصة بدلالته المتطورة كما يذهب إليه شريعتي، وإنما استعملها بمعناها اللغوي والذي يفيد معنى (تتبّع الأثر، والأخبار المتتبّعة). خصوصًا وأنه يصف قصصه بأنها القصص الحق كما في قوله تعالى {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}([11]).

وعلى كل حال دعنا نتجاوز الآن عن هذه المقدمة([12]) التي يمهّد بها شريعتي لرواية القصة على ما انطوت عليه من تحريف، ولنستمع إليه وهو يروي الحكاية حيث يقول: ((نموذجان هما قابيل وهابيل. يقوم آدم بخطبة ابنتيه لابنيه هذين. ولكن قابيل يرى خطيبة أخيه أجمل من خطيبته فيطمع فيها، ومن أجل ذلك يتمرّد قابيل.

إنهما أول إنسانين على وجه الأرض يبدآن بالتاريخ البشري. آدم أنموذج لنوع الإنسان، أما هذين([13]) فهما أنموذج بدء التاريخ البشري.

يقول هابيل: أنا قانع بحقي الذي اختير لي. ولكن قابيل يقول: لا، عليّ أن آخذ حقي منك. فيبدأ صراعهما على صورة تمرّدِ واعتداءِ قابيل على هابيل، بدافع أخذ خطيبته منه، فيشكوان إلى آدم، يقول آدم: فلينتخب كلٌّ منكما قربانا، وأيّ منكما قبل الله قربانه، فليذعن الآخر. قبلا بذلك. ينتخب هابيل من إبله ناقة شقراء عزيزة ويأتي بها إلى المنحر قربانًا لله. وقابيل يأتي بقبضة من القمح الذابل الأجوف القاتم المضروب الذي لا يفيد كل شخص، إلى محل القرابين. وبالتالي -وبصورة طبيعية- يُقبل قربان هابيل. ويظل قابيل خائبًا مرة أخرى.

قابيل -الذي حُرم من هذا العمل أيضًا- يستمرّ في اعتدائه، ويخدع أخاه هابيل في الصحراء ويقتله، وهذا أول دم سفك في التاريخ البشري بواسطة الإنسان، أول قتل أخٍ بدأ في النوع الإنساني))([14]).

وبعد أن يستنتج شريعتي من هذه القصة عقيدته في فلسفة التاريخ، يعود ليقول لنا: ((.. أنّ التاريخ -بمقتولية هابيل وقاتلية قابيل- ينتقل من مرحلة الوحدة الإنسانية إلى مرحلة التمييز الإنساني، ومن مرحلة أصالة النوع البشري إلى مرحلة أصالة الفرد البشري وحبّ الانفرادية للنوع البشري.

أي أن التاريخ بذهاب هابيل وبقاء قابيل انتقل من المرحلة الهابيليّة إلى المرحلة القابيليّة. وبإزالة هابيل وبقاء قابيل، أصبحنا جميعًا أبناء قابيل لأن هابيل لم يتزوج وظلّ محرومًا))([15]).

ثم يقول بعد هذا: ((قابيل حيّ دائمًا في تاريخ البشرية لأن هابيل قد مات))([16]).

هنا وقبل الشروع في مناقشتنا لا بد أن نلتفت إلى الملاحظة التالية، وهي أن كلام شريعتي قد يوحي بالتناقض وذلك لأنه ذهب سابقًا إلى أن قصة ابني آدم هي قصة رمزية لا يجب أخذها كوقائع تاريخية، ويعود هنا ليقول أننا جميعًا أبناء قابيل. فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟

والجواب هو أن شريعتي -على ما يفهم من كلامه- حين يقول بأننا جميعًا أبناء قابيل فإنه لا يقصد البنوّة الحقيقية، بل يقصد البنوّة الرمزية أي أننا نحن أبناء [معنى] قابيل وما يرمز إليه من دلالات وقِيَم.

ونعود الآن إلى ما كنا فيه لنقول: إننا هنا أيضًا وعلى ما هو ديدننا في هذه المقالة لا نرمي إلى مناقشة شريعتي في مختلف نظرياته، ومنها نظريته في فلسفة التاريخ، ولذلك لم ننقل عنه جميع استنتاجاته من القصة السابقة([17]). وإنما الذي نرمي إليه هو أن نقف على ما تمتزج به بلاغته المؤثرة من خلل في المنهج و قصور في الدليل.

ولا أجد داعيًا للإفاضة في تناول القوة البلاغية التي يتميّز بها النص الآنف، فهي واضحة يحسُّ بها القارئُ إحساسًا جليًا. ويكفيك منها قوله [أصبحنا جميعًا أبناء قابيل] و[قابيل حيّ دائمًا في تاريخ البشرية].. لذا سأقصر الكلام على مناقشة بعض ما يتعلق بالمنهج والدليل.

وأهم ما يجدر بنا ذكره هو أن هذه القصة كما يرويها شريعتي مأخوذة من كتب التراث الموجودة بين أيدي المسلمين، وليست مما رواه لنا القرآن الكريم.. ولذلك نجد أن بعض ما روي عن أهل البيت يكذب هذه القصة ولا يقيم لها وزنًا. وكذلك يفعل بعض العلماء من المسلمين السنة.

وإليك على سبيل المثال هذه الكلمة التي يعلّق بها أحد علماء السنة على هذه القصة فيقول: ((هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح))([18]).

فهذه القصة إذًا وكما يرى هذا العالم ليس لها أصل صحيح بل هي من قصص أهل الكتاب، أي من الإسرائيليات.

وأما أهل البيت (عليهم السلام) فقد روي عنهم العديد من الروايات([19]) التي تردّ على هذه القصة، بل وتستنكر على بعض السائلين حتى مجرد نقلها وروايتها.

فعن زرارة قال: ((سئل أبو عبد الله (عليه السلام): كيف بدؤ النسل من ذرية آدم (عليه السلام) فإن عندنا أناسًا يقولون إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم (عليه السلام) أن يزوج بناته من بنيه، وأن هذا الخلق كله أصله من الإخوة والأخوات ؟

قال أبو عبد الله (عليه السلام): سبحان الله، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، يقول من يقول هذا: إن الله عز وجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر والطاهر الطيب..)) ([20]).

بلى والله، إن لله عزّ وجلّ القدرة كل القدرة على خلق صفوة خلقه وباقي المؤمنين والمؤمنات من الحلال دون الحرام، خصوصًا وأنه قد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب.

وليس بنا من حاجة تدعونا لأن نتعلق بالإسرائيليات ونتخذها مادةً تاريخية أو رمزية لنا نفسّر على أساسها التاريخ ونستنتج منها فلسفته.

هذا فيما يتعلّق ببدء النسل وما إذا كان من حلال أو حرام. فماذا عن السبب الذي قدّم من أجله ابنا آدم القربان؟

في رواية عن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام)، قال سليمان: ((جعلت فداك إنهم يزعمون أن قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على أختهما ؟ فقال له: يا سليمان تقول هذا ؟ أما تستحيي أن تروي هذا على نبي الله آدم ؟! فقلت: جعلت فداك ففيم قتل قابيل هابيل ؟ فقال: في الوصية، ثم قال لي: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقربا قربانًا بوحي من الله إليه ففعلا، فقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله))([21]).

إن التأمل في مضامين هذه الرواية يكشف لنا عن ثلاثة أمور هامة:

1- يبدو أن سليمان بن خالد لم تطمئن نفسه لما سمعه من حكاية اختلاف ابني آدم على أختيهما، ولذلك راح يسأل عنها الإمام الصادق (عليه السلام)، وكان سؤاله بصيغة (يزعمون).

2- إن الإمام الصادق (عليه السلام) يستنكر على سليمان حتى رواية هذا الزعم، لأنه يسيء إلى نبي الله آدم (عليه السلام).

3- يُنكر الإمام الصادق (عليه السلام) أن يكون الخلاف بين ابني آدم على أختهما، ويبيّن لنا أنه كان على الوصيّة. وما أبعد الفرق بين أن يكون الخلاف على الأخت أو يكون على الوصية وعلى اسم الله الأعظم!

 ويبقى أن نسأل عن مدى صحة استنتاج شريعتي أنه وبإزالة هابيل وبقاء قابيل أصبحنا جميعًا أبناء قابيل.. وأن قابيل حيٌّ دائمًا في تاريخ البشرية؟

عن هذا السؤال تجيبنا أيضًا بعض الروايات ، ومنها الرواية التالية الواردة عن أبي بصير والتي جاء فيها أن طاووسًا اليماني سأل الإمام الباقر (عليه السلام): ((.. فأيهما كان أبًا للناس، القاتل أو القتيل؟ قال: لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم))([22]).

ولا يخفى على القارئ أن شيثًا (عليه السلام) كان نبيًا ، فإذا ما مضينا مع شريعتي في عملية الاستنتاج ، لأمكننا القول بأننا أصبحنا جميعًا أبناء شيث، وأن شيثًا النبي هو الحي دائمًا في تاريخ البشرية وليس قابيل القاتل، كما حلا له أن يستنبط ويفسّر.

ويبقى في البين سؤال عن الباقين من ولد آدم إذ المعروف أنه (عليه السلام) كان له الكثير من الأولاد غير قابيل وهابيل؟

تجيبنا بعض الروايات الإسلامية على هذا السؤال بأن الباقين من ولد آدم قد أُغرقوا في طوفان نوح (عليه السلام). وعلى كل حال فالمسألة مورد بحث، غير أن المؤكد هو أن قابيل لم يكن الأب الوحيد للبشرية جمعاء كما يجزم شريعتي.

من كل ما تقدم يظهر لنا النهج الشريعتيّ على حقيقته، فهو يتبنّى فهمًا مسبقًا لفلسفة التاريخ، ثم يحاول إقناعنا بأن هذا هو الفهم الصحيح والمناسب للمنهج الإسلامي، فيقوم لأجل ذلك بانتقاء قصة معيّنة تناسب فهمه المسبق مغفلاً غيرها من القصص وبدون ذكر أيّ تعليل أو تبرير لهذه (الانتقائية)، حتى لو كانت القصة المنتقاة مخالفة للعديد من روايات أهل البيت(عليهم السلام)، ومرفوضة من قبل بعض علماء السنة. وما ذلك إلا لأن هذه القصة هي التي يمكنها أن تعبّد له الطريق لبلوغ مأربه، وتمكّنه من إسقاط ما يحلو له إسقاطه من نظريات مسبقة على حقائق الإسلام ومعارفه.

وهكذا يبيّن لنا النموذج الثاني بعض أمثلة (التحريف) و(الانتقائية) في فكر شريعتي، والتي يحاول تمريرها بنبرته العالية، وبلاغته الأخّاذة، وبمؤثراته المتنوعة، وبكل ما من شأنه أن يُعمي ويُصم، ولا يكاد يسلم من تبعاته إلا المتدبّرون.

 = يتبع


الهوامش

([1]) موريس كرانستون: سارتر بين الفلسفة والأدب، ترجمة مجاهد عبد المنعم، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1975، ص59.

([2]) د. علي شريعتي: سيماء محمد (صلى الله عليه وآله)، ترجمة د. سيد جعفر شامي الدبوني، دار الصحف للنشر، ط1، ص10.

([3]) نفسه، ص10- 11.

([4]) كلمة (ليس) زيادة منّا ليتضح معنى الإضراب في الكلام، هذا إن لم تكن هذه الكلمة قد سقطت سهوًا.

([5]) علي شريعتي: العودة إلى الذات، ترجمة د. إبراهيم دسوقي شتا، الزهراء للإعلام، ط2، 1413هـ- 1993م، ص123.

([6]) د. عبد المنعم الحنفي: موسوعة الفلسفة والفلاسفة، مكتبة مدبولي، ط2، 1999.

([7]) هذا الكلام لا يصح على إطلاقه، إذ من الممكن أن تكون القصة قصة واقعية بكل ما للكلمة من معنى، ولكنها تضعنا في الوقت نفسه أمام حقائق نموذجية ويكون لها دلالاتها الرمزية أيضًا.

([8]) د. علي شريعتي: الإنسان والإسلام، ترجمة د. عباس الترجمان، دار الصحف للنشر، طهران، ط 1، 1411هـ، ص35.

([9]) المائدة: من الآية27.

([10]) إن تتبّع الموارد التي يستعمل فيها القرآن الكريم لفظي [القصة] و[النبأ] ثم المقارنة بينهما يظهر بوضوح أن مراد القرآن من لفظ القصة في مثل موردنا هو ما كان له واقع وكان ذا حقيقة تاريخية.

([11]) آل عمران: 62.

([12]) إن النقاش التفصيلي لكلام شريعتي في مقدمته هذه يخرجنا عن الغرض المحدد الذي تلتزمه مقالتنا، على أننا وبما بيّناه من التحريف الذي اصطنعه شريعتي نكون قد أقمنا الأساس لهدم منهجه في اعتبار القصة القرآنية قصة رمزية، وتفصيل البحث ينتظر المهتمين من أصحاب القلم.

([13]) كذا في الأصل، والصحيح : هذان.

([14]) الإنسان والإسلام، مصدر سابق، ص36.

([15]) نفسه، ص38.

([16]) نفسه، ص39.

([17]) هنا ايضا ينفتح المجال واسعًا لمناقشة شريعتي في ما يستنتجه من فلسفة التاريخ، حيث يرى أن سبب الصراع بين قابيل وهابيل هو الملكية الفردية. غير أننا سنرى لاحقًا أن سبب الصراع قد يكون هو الوصية واسم الله الأعظم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية نجد شريعتي يقول: إن قابيل كان فلاحًا لأنه جاء بالقمح.

ولكننا لو دققنا في هذه المسألة -وبناء على القصة التي يرويها شريعتي- لوجدنا أن استنتاجه هذا في غير محله، وذلك لأن الأصح هو جعل قابيل (رمزًا) لمرحلة التقاط الغذاء وليس لمرحلة الفلاحة. ومرحلة التقاط الغذاء سابقة على مرحلة الفلاحة كما هو معروف، ولذلك فإنه أمر أكثر انسجامًا أن نقول أن قابيل (يرمز) إلى مرحلة التقاط الغذاء، خصوصًا وأن القصة التي يتمسك بها شريعتي تحكي البدايات الأولى للبشرية. كما أن بعض الدراسات في علم الاجتماع تخبرنا بأن القمح   والشعير كانا ينموان طبيعيًا في بعض البيئات وقبل أن يدجّنها الإنسان. (انظر على سبيل المثال: بيتر فارب، بنو الإنسان، ترجمة زهير الكرمي، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد 67، ص77) .

فهاهنا أيضًا بحث آخر ينتظر المهتمين من أصحاب القلم.

([18]) الشيخ محمد متولي الشعرواي: قصص الأنبياء، دار الكتب العلمية، بيروت، ج1، هامش ص 240.

([19]) لم نتعرّض لصحة هذه الروايات لأن غرضنا هنا لا يتعلق بالوصول إلى ما هو الصحيح من قصة ابني آدم، بل أردنا فقط أن نشير إلى انتقائية شريعتي حيث ينتخب الحكاية التي تناسبه، ويغفل غيرها من دون أيّة إشارة أو تعليل.

([20]) الشيخ الصدوق: علل الشرائع، ج1، ص 17 (مكتبة أهل البيت الالكترونية).

([21]) محمد بن مسعود العياشي: تفسير العياشي ج 1، ص 312 (مكتبة أهل البيت الالكترونية).

([22]) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب، ج3، ص332 (مكتبة أهل البيت الالكترونية).

 

 

 

جبل عامل منذ الفتح الإسلامي

حتى العهد العثماني 634- 1516

د. علي إبراهيم درويش

يكاد يُجمع من تناول دراسة تاريخ جبل عامل على نعت تاريخه بالغموض، ومصادره بالقليلة، ووثائقه بالنادرة، وغاب عن بال هؤلاء الدارسين أن جبل عامل جزء من بلاد الشام، أصابه ما أصابها، وجرت على أرضه ما حصل على أراضي الشام أيضًا.

انطلاقًا من هذه الحقيقة وعملاً بهذا المبدأ سيتم عرض تاريخ جبل عامل منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام وحتى مجيء العثمانيين.

أولاً: جبل عامل في العهدين الراشدي والأموي 634- 750م

يذكر ابن كثير أن قبيلة "عاملة" كانت من القبائل العربية التي تنصّرت وعاشت في بلاد الشام([1]).

لذلك كانت بلاد عاملة قبل الإسلام تعتبر جزءًا من الأراضي الخاضعة للنفوذ البيزنطي، ولحكم هرقل ملك الروم بالتحديد.

ويؤكد ذلك ما ذكره السيد محسن الأمين نقلاً عن بعض المؤرخين أنه في غزوة تبوك (بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) أن هرقل جلب معه لخم وخزام وعاملة وغسان) ([2]).

بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وفي سنة 13هـ-634م، اتجه المسلمون لفتح بلاد الشام، فعيّن أبو بكر الصديق خالدًا بن سعيد بن العاص لفتح بلاد الشام ثم عزله قبل أن يسير، ثم أرسل القادة على النحو التالي: أبو عبيدة بن الجراح ووجهته حمص، وشرحبيل بن حسنة ووجهته الأردن ، ويزيد بن أبي سفيان ووجهته الشام، وعمرو بن العاص ووجهته فلسطين([3])، والقيادة العامة لخالد بن الوليد، انتقلت بعد اليرموك وبعد وفاة أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح([4]).

افتتح المسلمون سنة 13هـ-634م مدينة دمشق، وسار القادة نحو "فِحْل" في فلسطين، واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان([5])، فقصد يزيد صيدا وعرقة وجبيل وبيروت وعلى مقدمته أخوه معاوية، ففتح هذه التخوم فتحًا يسيرًا، وجلا كثيرًا من أهلها بينما تولى معاوية فتح عرقة بنفسه في ولاية يزيد([6]).

ويذكر ابن الأثير في تاريخه: أن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان، فقصدهم معاوية ففتحه، ثم رمها -أي أصلحها- وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع([7]).

أما شرحبيل بن حسنة فقد افتتح الأردن عنوة ما خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه على أنصاف منازلهم وكنائسهم سنة 13هـ-634م([8])، وفتح شرحبيل عكا وصور وصفورية أيضًا([9]).

واستطاع خالد بن الوليد أن يتغلب على البقاع، وصالح أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا سنة 14هـ-635م أو 15هـ-636م([10])، إلا أن الأمر لم يستتب نهائيًا، ولم يبسط المسلمون نفوذهم في الطرف الجنوبي من بلاد الشام إلا في سنة 19هـ-640 كما يذكر الواقدي، إذ يقول : ((ودخل يزيد بن أبي سفيان مدينة صور... فلما نظر أهل قيسارية إلى ذلك، خرجوا إلى عمرو بن العاص وصالحوه على أن يسلّموا له المدينة، وبعث عمر جيشًا إلى صور مع ياسر بن عمار بن سلمة... وصالح عمرو بن العاص أهل قيسارية على مائة ألف درهم، ودخلها يوم الأربعاء في العُشر الأول من رجب سنة تسع عشرة من الهجرة، ووصل الخبر إلى الرملة وعكا وعسقلان ونابلس وطبرية فعقدوا كلهم صلحًا مع المسلمين، وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية، وملّك الله الشام كله للمسلمين ببركة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)([11]).

ولما استتب الأمر للمسلمين أخذوا بتنظيم البلاد واتخاذ التدابير اللازمة لضبطها، فقسّمت إلى أربع مقاطعات سمّيت بالأجناد وهي:

- جند حمص (وقاعدته حمص).

- وجند دمشق (وقاعدته دمشق).

- وجند الأردن (وقاعدته طبرية).

- وجند فلسطين (وقاعدته الرملة).

ثم فصل جند قنسرين عن جند حمص عام 680م ليشمل المناطق المتاخمة لبلاد الروم في الشمال.

أما جبل عامل فقد كان موزعًا بين جند دمشق وجند الأردن، وكان نهر القاسمية -وهو الجزء الأسفل من نهر الليطاني- الحد الفاصل بين جند دمشق وجند الأردن عند الساحل([12]).

وكان على دمشق يزيد بن أبي سفيان إلى أن توفي في طاعون عمواس سنة 18هـ-639م، فعيّن عمر مكانه أخاه معاوية([13])، أما جند الأردن فتناوب على حكمه شرحبيل بن حسنة ومعاوية بن أبي سفيان بعدما عزل عمر شرحبيل بن حسنة سنة 18هـ-639م([14])، واستطاع معاوية التفرد في حكم بلاد الشام سنة 31هـ-651-652م، بعدما ضمّ إليه حكم فلسطين بعد حكم أجناد الشام والأردن وحمص وقنسرين([15]).

وعلى ذلك فإن جبل عامل كان في عهدة معاوية بن أبي سفيان منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

وأخذت الدعوة الإسلامية تنتشر في هذه الربوع حيث اتخذ المسلمون من بعض المواقع في جبل بيروت، وجبل صيدا وجبل عاملة المتصل بصور مراكز للمرابطة الدينية والعسكرية، تساندها الحاميات القائمة في ثغور الساحل، فنتج عن ذلك الانتشار السريع للإسلام في هذه المناطق([16])، وممن نزل في جبل عامل في تلك الأثناء الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري([17]) الذي نشر الموالاة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) آنذاك واستمرت حتى يومنا هذا.

وفي العهد الأموي بقيت التقسيمات الإدارية كما كانت في العهد الراشدي، واهتم الخلفاء الأمويون المتأخرون بمدينة صور، وجعلها هشام بن عبد الملك 724-743م مركزًا لصناعة السفن، فأصبحت لها مكانة خاصة بين ثغور الساحل الشامي، وقد كانت هذه المكانة من قبل لعكا([18]).

 ثانيًا: جبل عامل في العهود العباسية 750- 1258م

خضعت بلاد الشام ومن ضمنها جبل عامل لأشكال مختلفة من الحكم في العهود العباسية.

بدأت الدولة العباسية قوية ثم أخذت بالتفكك والانحلال وتعرضت للغزو الخارجي، وظهر على التوالي كل من الدولة الطولونية 868-905م؛ ثم الدولة الأخشيدية 935-969م في مصر، ومدّتا نفوذهما إلى سوريا؛ والحمدانيون 890-1003م في سوريا وشمال العراق.

وفي سنة 969م ظهر منافس خطير: تجلّى بالدولة الفاطمية في مصر 969-1171م التي بسطت نفوذها على بلاد الشام، ودافعت عن سواحل الشام أمام الغزو الصليبي الذي دهم الشرق عام 1097م.

وفي غمرة الصراع الصليبي-الإسلامي ظهرت دولة الأتابكة الزنكيين في الشام 1127-1174م، ثم الدولة الأيوبية في مصر 1171-1250م التي قضت على الفاطميين، واتّجه الأيوبيون نحو الشام حيث أعادوا سيطرة العباسيين الاسمية على البلاد التي خلّصوها من الصليبيين الذين دام حكمهم بين 1097-1291م.

أما على الصعيد الإداري فقد حافظ الخلفاء العباسيون الأوائل على نظام الأجناد في الشام، وخصّوا ثغور الساحل ومنها ثغور جند دمشق التابعة لعامل بعلبك بالاهتمام، فعمدوا إلى زيادة تحصينها وشحنها بالمقاتلة([19]).

وكانت فترة الحكم العباسي فترة قلاقل وفتن في بلاد الشام، وتعرضت المدن للنهب لا سيما مدينة دمشق([20])، ولم تتحسن الأحوال في عهد الدولة الطولونية، فكانت الشام عرضة لغزو القرامطة، ولظهور السفيانيين المناوئين للعباسيين([21]).

ثم حكمت الدولة العباسية الشام حكمًا مباشرًا في الفترة الممتدة بين 905-935م، إلى أن استطاع الأخشيد محمد بن طنج السيطرة على مصر، ومن ثم بسطت الدولة الأخشيدية نفوذها على سوريا وتنازعت مع الحمدانيين حكم الموصل([22]).

كل هذه الدويلات تعاقبت على حكم بلاد الشام، ولم تخلع الطاعة للخليفة العباسي كما فعل الفاطميون، الذين حكموا مصر عام 969م، واحتل قائدهم جوهر الصقلي بلاد الشام أيضًا، وحمل الحاكم الفاطمي لقب (الخليفة) ولم يعترف الفاطميون بخلافة العباسيين.

وفي القرن الحادي عشر الميلادي اشتدت الخلافات بين الفاطميين والسلاجقة الذين دخلوا بغداد عام 1056م، ففي سنة 1076م نصّب "أشز بن أوق" نفسه حاكمًا على بلاد دمشق والأردن وفلسطين ما عدا إمارة ابن عقيل في صور وإمارة ابن عمار في طرابلس وبعض ثغور الساحل، التي بقيت بأيدي الفاطميين ومنها بيروت وصيدا، وتمت السيطرة للسلاجقة على معظم الشام سنة 1086م([23])، ثم استعاد الفاطميون السيطرة على الأجزاء الساحلية لبلاد الشام، وفي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي بدأت جحافل الصليبيين تغزو بلاد الشرق الإسلامية، حيث لم يستقر للمسلمين القرار حتى تمت هزيمة الصليبيين عسكريًا عام 1291م.

كان جبل عامل تابعًا للعباسيين حتى مجيء الفاطميين الذين سيطروا على تلك البلاد فظهرت في تلك الأثناء دولة بني عقيل في صور 1079-1089م([24])، وحتى مجيء الصليبيين تناوب العباسيون والفاطميون السيطرة على جبل عامل.

وقبل سنة 528هـ-1132م كانت قلعة شقيف أرنون وما يتبعها من بلاد عاملة في قبضة ابن جندل البقاعي أمير وادي التيم، واتصل به هذا العمل من جده جندل الذي كان مقدمًا في الدولة الفاطمية، وولي في أيامها أعمال وادي التيم، وانتزعها شمس الملك إسماعيل بن نور الدين محمود زنكي -صاحب دمشق- منه سنة 1133م([25]).

وفي العهد الصليبي كان الجزء الجنوبي من بلاد الشام ومن ضمنه جبل عامل موزعًا بين الممالك الصليبية ... ففي عهد الملك بغدوين 1100-1118م ضمّت مملكة أورشليم الفرنجية كامل جند فلسطين فيما عدا عسقلان وغزة، وكامل الجليل من جند الأردن ما عدا صور، بالإضافة إلى جبل صيدا من بلاد -الأشواف- والسفوح الشرقية من هذا الجبل حتى مجرى نهر الليطاني من البقاع، وفي سنة 1110م أخذ بغدوين مدينة صيدا من الفاطميين وأقطعها وما يليها من جبل الشوف إلى أسرة غرينييه، وأصبحت هذه المدينة قاعدة لمقاطعة من مملكة أورشليم أطلق عليها اسم -سينيورية صيدا-، وبقيت صور بأيدي الفاطميين حتى احتلها الصليبيون عام 1124م في عهد بغدوين الثاني، ووضع ملوك أورشليم صور تحت حكمهم المباشر، أما جبل عامل فأُتبع الجزء الشمالي منه بـ"سينيورية صيدا" والجزء الجنوبي بإمارة الجليل التابعة لمملكة القدس([26]).

وظل جبل عامل خاضعًا للحكم الصليبي كبقية المناطق التي خضعت لهذا الاحتلال، حتى وقعة حطين 4 تموز 1187م، حيث تغيرت الخريطة السياسية بعد هذه المعركة، فبعد انتصار المسلمين في حطين، اندفع صلاح الدين شمالاً حيث سقطت عكا في يده في 10 تموز 1187م، ثم حاصر تبنين وأخذها في 29 تموز، وأثناء الحصار سيطر على مناطق جبل عامل ما عدا قلعة الشقيف.

وسقطت الصرفند وصيدا سِلمًا، ولم يبقَ في أيدي الصليبين سوى مدينة صور وقلعة الشقيف، واتخذ صلاح الدين من مرجعيون مركزًا له أثناء حصار قلعة الشقيف التي سقطت في نيسان 1190م، وبذلك بسط صلاح الدين سيطرته على بلاد عاملة، إضافة إلى مناطق جبل لبنان والبقاع وطرابلس ما خلا مدينتي طرابلس وصور([27]).

إن جبل عامل كان خاضعًا للحكم الصليبي قبل حطين وللأيوبيين بعدها، وفي هذه الأثناء 583هـ-1187م حكم حسام الدين بن بشارة بلاد عاملة وهو جد آل بشارة([28]).

وتميّزت فترة حكم الأيوبيين من سنة 1175 إلى 1250م بالاضطراب ... إذ ابتدع الأيوبيون سياسة تدمير المدن والقرى والقلاع التي لا يتمكنون من المحافظة عليها، فهدم الأيوبيون بيروت وصيدا وقلعة تبنين وقرى صور، وذلك أدّى إلى تغيّر نظرة السكان للأيوبيين فلم يعودوا يطمئنون لحمايتهم، وازدادت نقمة المسلمين على الأيوبيين عندما عمدوا إلى تسليم العديد من المدن والقرى والقلاع إلى الصليبيين دون قتال، بينما انشغلوا بمحاربة بعضهم البعض، لذلك فضّل بعض المسلمين التعامل مع الصليبيين على التعامل مع الأيوبيين، ووصل الأمر ببعض ملوك الأيوبيين الصالح إسماعيل إلى محاصرة قلعة الشقيف لأن حاميتها المسلمة رفضت تسليمها للصليبيين، ثم احتلها وسلمها للصليبيين وعاقب أفراد الحامية([29]).

موقف الأيوبيين هذا يجعلنا نقف موقف الشك من رأي صاحب خطط الشام الذي ذكر أن شيعة جبل عامل كانت مع الصليبيين على إخوانهم المسلمين إلا قليلاً([30])، لأن سياسة الأيوبيين دفعت السكان إلى القلق والاضطراب لدرجةٍ فضّل البعض التعامل مع الصليبيين، خاصة عندما يحتل الصالح إسماعيل قلعة الشقيف ويسلمها للصليبيين ويعاقب حاميتها المسلمة.

هذه السياسة الأيوبية يمكن أن تكون قد دفعت بعض الشيعة في هذه الفترة لمهادنة الصليبيين وعدم قتالهم، وهذا لا ينفي مقاومة شيعة جبل عامل للصليبيين، وإذا كان الصالح إسماعيل نموذجًا للحكم الأيوبي، فكيف تكون النظرة إلى صلاح الدين؟ وهل يمكن القول أن الأيوبيين قاتلوا المسلمين وانتزعوا منهم القلاع وسلموها للصليبيين؟!!

ثالثًا: جبل عامل في عهد المماليك 1250- 1516م

قضى المماليك على الحكم الأيوبي في مصر عام 1250م، وورثوا حكمهم ودافعوا عن البلاد الإسلامية ضد الصليبيين، وضد المغول الذين قضوا على الدولة العباسية عام 1258م، واحتل المماليك مدينة صور من الصليبيين أثناء حصار عكا التي سقطت عام 1291م([31])، وبسقوطها انتهى الوجود العسكري الصليبي في الشرق الأدنى.

ودخلت البلاد في حمى دولة المماليك، ودخل جبل عامل في نطاق المملوكية وكان موزعًا بين نيابتي صفد ودمشق، فولايات تبنين وصور والشقيف كانت تتبع نيابة صفد، وولاية صيدا كانت تتبع نيابة دمشق([32]).

وفي نهاية القرن الثالث عشر الميلادي وبداية القرن الرابع عشر الميلادي تلقى الشيعة ضربة قوية في مناطق كسروان دفعت العديد منهم إلى النزوح.

وفي عهد المماليك برزت بعض الأسر الشيعية، ومنهم المشايخ الحمادية الذين تمكنوا في القرن الخامس عشر الميلادي من الحصول على العديد من المقاطعات الممتدة من سفوح صنين الشمالية إلى جبة بشري في الشمال([33]).

ومقدمية جزين للشيعة، حيث كانت جزين مركزًا دينيًا للشيعة، وازداد عدد سكانها بعد نزوح الكسروانيين إليها، وكانت مقدمية جزين متحالفة مع مقدمية مشغرة الشيعية بزعامة آل صبح([34]).

وقد اعتبر بولياك : آل صبح أو صبيح -أهم الزعماء اللبنانيين في عهد سلاطين المماليك الأول-([35]).

وحكم آل بشارة جبل عامل، ويعتقد أن آل بشارة بنتسبون إلى الأمير حسام الدين بن بشارة الذي حارب مع صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، ويبدو أن نفوذ آل بشارة قد برز بعد فشل حركة الشهيد الأول عام 1384م، وتذكر أخبار سنتَي 810 و811 هـ - 1407 و1408م أن أولاد ابن بشارة محمد وحسن وحسين كان لهم دور في النزاع المحلي بين الأمراء المماليك، كما عمّر أحمد بن بشارة مدينة صور، وجعل لها أسواقًا ونقل إليها من الناس، وحصّنها سنة 1420م([36])، وتمكن ابن بشارة من الوصول إلى درجة مقدم العشير بالبلاد الشامية كما يذكر محمد كرد علي في أخبار سنة 855هـ 1451م (أن زهاء عشرين مركبًا للإفرنج طوّقوا صور ونهبوا من بها، فأدركهم ابن بشارة مقدم العشير بالبلاد الشامية، وقاتلهم قتالاً شديدًا حتى أزاحهم عن البلد، بعد أن قُتل من الفريقين جماعة وقطع رؤوسهم)([37])، ويبدو أن آل بشارة كانوا زعماء العشيرة منذ القرن الرابع عشر الميلادي كما يذكر بولياك([38]).

واستقر الحكم في هذه العائلة وظلت مسيطرة حتى سنة 909هـ 1504م عندما اصطدمت بالأمير ناصر الدين ابن الحنش الذي كان حاكمًا على البقاع، فجهز الأخير خمسة آلاف مقاتل وهاجم عبد الساتر بن بشارة في قرية شيحين، فقتل من جماعة ابن الحنش نحو مائتي رجل([39])، وبالرغم من ذلك تمكن الأخير من السيطرة على مراكز ابن بشارة وصار ابن الحنش يحمل لقب (أمير صيدا والبقاعين وشيخ العرب أو شيخ الأعراب) كما يذكر محمد علي مكي([40]).

وبصورة إجمالية فإن جبل عامل كان تابعًا لحكم الصليبيين، ولما انحسر نفوذهم ودحرهم المماليك صار جبل عامل تابعًا لنيابتي صفد ودمشق، وبرز آل بشارة وشاركهم في النفوذ -في القرن الخامس عشر الميلادي- في جبل عامل أسرة آل سودون عام 883هـ 1487م([41])، غير أن الحكم كان لآل بشارة الذين دافعوا عن بلاد بشارة ضد ناصر الدين بن الحنش.

وكانت بلاد عاملة جزءًا من الدولة المملوكية تتبع نياباتها سواء في صفد أو دمشق، ولم تشكل هذه البلاد حكومة قائمة بنفسها -كما يذكر محمد جابر آل صفا-([42])، لأن مفهوم الاستقلال بالمعنى المتعارف عليه لا ينطبق على تلك الفترات، إلا إذا كان المقصود بالاستقلال حرية جمع الضرائب وزيادتها، لأن الإقطاعات كان تُعطى (بدل الراتب ومقابل الخدمة العسكرية، وتتناسب سعتها وعدد الجند الذين يعتمدون عليها) كما يذكر الدكتور عبد العزيز الدوري([43]).

لذلك كان الحاكم أو الأمير المحلي يحكم بموجب تكليف من الوالي أو نائب السلطان، وكان يجبي الضرائب ويتصرف بمقاطعته شرط أن يقدم عددًا من الجنود يتناسب مع مساحة الإقطاع([44]).

أما مفهوم الاستقلال بالمعنى الشائع بين الكتّاب المتأخرين فيعني الاستقلال المرتبط بالمشاريع التي انتهت بتقسيم الإمبراطورية العثمانية وتفتيتها، هذا الاستقلال لم يكن موجودًا إلا في مخيلة بعض الكتّاب المحدثين الذين يحاولون إثبات ادعاءات حديثة ومفاهيم معينة اعتمادًا على تأويل لبعض الأحداث التاريخية.


 

([1]) ابن كثير: البداية والنهاية، ج2 ص160.

([2]) محسن الأمين: خطط جبل عامل ص50.

([3]) ابن الأثير : الكامل في التاريخ، ج2، ص 402-406.

([4]) المصدر نفسه، ج2، ص421.

([5]) المصدر نفسه، ج2، ص427.

([6]) ابن الأثير، نفس المصدر، ج2، ص429.

([7]) البلاذري، فتوح البلدان، ص132.

([8]) ابن الأثير، ج2، ص431.

([9]) البلاذري، نفس المصدر، ص122 و123؛ ابن كثير، نفس المصدر، ج7، ص25.

([10]) البلاذري، نفس المصدر، ص123.

([11]) ابن كثير، نفس المصدر، المكان نفسه.

([12]) الواقدي، فتوح الشام، ج2، ص35-36.

([13]) كمال سليمان الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، ص35-36.

([14]) المصدر نفسه، ج2، ص562.

([15]) المصدر نفسه، ج3، ص117.

([16]) الصليبي، المرجع نفسه، ص47.

([17]) ابن الأثير، نفس المصدر، ج3، ص77، ويذكر ابن الأثير: أنه لما مات أبو بكر خرج أبو ذر إلى الشام وبقي حتى وقع خلاف بينه وبين معاوية فاستدعاه عثمان إلى المدينة ونفاه إلى الربذة، وبقي فيها حتى وفاته سنة 32هـ -653م.

([18]) الصليبي، المرجع نفسه، ص51.

([19]) الصليبي، المرجع نفسه، نفسه ص53.

([20]) فيليب حتّي، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ج2، ص164-167.

([21]) المرجع نفسه، ص190.

([22]) المرجع نفسه، ص190-192.

([23]) كمال الصليبي، المرجع نفسه، ص80.

([24]) محمد علي مكي، لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني، ص100-103.

([25]) حيدر الشهابي، تاريخ الأمير حيدر الشهابي، ص333.

([26]) الصليبي، المرجع نفسه، ص86-87.

([27]) محمد علي مكي، المرجع نفسه، ص176-177.

([28]) المرجع نفسه، ص170-268.

([29]) المرجع نفسه، ص196-198.

([30]) محمد كرد علي، خطط الشام، ج2، ص14.

([31]) مكي، المرجع نفسه، ص205.

([32]) المرجع نفسه، ص205 عن القلقشندي صبح الأعشى، ج5، ص455.

([33]) المرجع نفسه، ص266.

([34]) محمد علي مكي، المرجع نفسه، ص268.

([35]) ا.ت بولياك، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، ص45 و46.

([36]) مكي، المرجع نفسه، ص269 عن ذيل العبر للأسدي نقلاً عن اللمعات البرقية في النكت التاريخية لابن طولون.

([37]) محمد كرد علي، خطط الشام، ج2، ص189

([38]) بولياك، المرجع نفسه، ص46 .

([39]) اسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، ص378.

([40]) مكي، المرجع نفسه، 247.

([41]) محمد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل، ص37-38.

([42]) المرجع نفسه، ص34.

([43]) عبد العزيز الدوري، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، ص103-104.

([44]) المرجع نفسه.

 

 

 

تأملاّت في كلمات الإمام الحسين (ع)

قبل وأثناء عاشوراء(1)

الشيخ محمد جواد الفقيه

 

مثلما يتضوّع بَوْح الربيع فتحضنه الأرض السمراء بأفياء مواسمها، كذلك كانت كلمات الحسين... تنطلق في أرجاء الغاضرية فتحضنها السماء لتعود ثانيةً رشيشًا يجلو القلوب.

وكما تتناغم ألوان الطيف مع الأمل الوردي لإنسان غُرّب في التيه.. كذلك.. كانت عاشوراء الحسين.. تتألّق رغم الأهوال ورغم الوجع المصلوب..

إنها تنْسلّ من بين كل مفردات التأريخ لترسم لنفسها تأريخًا يختصر كل المسافات بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر وإنسان المستقبل.

عاشوراء.. كانت دماءً.. وكانت كلماتٍ.. كانت نهضةً.. ثورةً.. حبًّا.. عطاءً.. كبرياءً.. إباءً.. لذلك ظلّت تتفاعل بمعطياتها مع المستقبل كما الحاضر.. فأمس عاشوراء وحاضرها واحد... يطلع علينا مثل الشمس إلا أنه لا يغيب!!

عاشوراء.. جلوةُ الإسلام وجذوتهُ حين ظن النفاق أن بإمكانه إخفاء تلك الجلوة وإطفاء تلك الجذوة..

حسينٌ... ومن مثل حسين بعد جده المصطفى وأمه الزهراء وأبيه علي المرتضى وأخيه الحسن المجتبى؟!

إن المتتبع لحركة الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته المباركة يُفاجأ بخصائص نادرة لا توجد إلا في سِيَرِ الأنبياء (عليهم السلام)، يقرأ ذلك في سمو ذاته المباركة كما يقرأه في تعامله مع الآخر، وأكثر ما يلاحظ ذلك في كلماته التي أطلقها قبل وأثناء عاشوراء.

إن كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) كانت تصدر من مشكاة النور النبوي والأَلَقِ العلَوي، فظلت خالدة في وجدان هذه الأمة لا يحجبها ظلمٌ ولا تغشاها ظُلْمة...

كلماتٌ نُقشت ضمن إطار الشهادة معمّدةً بالدم الطاهر الزكي فخلُدت، لأنها كانت الشاهد والشهيد، الشاهد -على مرارة الظلم والجور- والشهيد بين يدي الله سبحانه..

الوصية الخالدة

مع أولى الخطوات لانطلاق الركب الحسيني تستوقفنا تلك الوصية الخالدة التي رقمها (عليه السلام) بيده، والتي نقرأ من خلالها عبوديته المطلقة لله سبحانه وتعالى من دون أيّ تلميح لأمر مّا يتعلق بهذه الدنيا الفانية:

(هذا ما أوصى به الحسينُ بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية:

أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله جاء بالحق من عند الحق وأن الجنة َوالنار حقٌ وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرًا ولا بطَرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي.. )

وكأنه بوصيته هذه يذكّرنا بوصية إبراهيم (عليه السلام) خليل الرحمن ويعقوب (عليه السلام) نبي الله لبنيه : {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}([2]).

والذي يبدو لنا أن الحسين صلوات الله عليه اعتمد أساليب مختلفة تفرضها المرحلة في محاوراته ومخاطباته مع الناس -سواء الذين ناصروه أو الذين ناوؤوه-.

الأسلوب الأول : الإلماح بالذهاب نحو الشهادة

 لقد كان (عليه السلام) يرى أن استشهاده أمر مقدر من عند الله تعالى، وذلك بمقتضى علمه الموروث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)([3])، ولعلّه اختار أن يُفاجئ بها من كان معه من عموم الناس، وكأنه يضع نصب أعينهم أسوأ الاحتمالات في مسيرته تلك، من الناحية العسكرية طبعًا، سيما وأن أكثر الذين تبعوه من الناس إنما تبعوه طمعًا في سلطان أو غنائم، لذلك سمعناه (عليه السلام) يُشعرهم بأن رحلته هذه يحدوها الشوق إلى لقاء الله في حظيرة قدسه ومستقرّ رحمته مع الأنبياء والمرسلين، ثم لا يتوانى (عليه السلام) في تصريحه بالشهادة، وأن الله سبحانه قد اختار له ذلك، فوقف في مكة المشرفة خطيبًا وقال :

(خُطّ الموتُ على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياقَ يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأْنَ مني أكراشًا جوفا وأجربةً سُغبا، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل َ البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لُحمته، وهي مجموعةٌ له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينُه، وتنجز لهم وعده([4])، ألا من كان فينا باذلاَ مهجته موطّنًا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحلٌ مصبحًا إن شاء الله..).

وما أن أنهى خطبته المباركة حتى صار أكثر الناس يتفرقون عنه يمينًا وشمالاً، غير أن ذلك لم يمنع أبدًا من استمرار المسيرة وعدم النكوص ولا يتنافى معها البتة، لأن الظواهر كلها من كُتُبٍ ورسلٍٍ واستنجادٍ به (عليه السلام) توجب النهوض والقيام بهذا الأمر.

وظلّ (عليه السلام) يوحي لأصحابه الذين بقوا معه بذلك في أكثر من موقف، وكأنه يختبر مدى صبرهم وثباتهم على تحمّل مواجهة الموت، كما تشير إلى ذلك نصوص كثيرٍ من المصادر التاريخية، نذكر بعضها على سبيل المثال:

في الطريق إلى العراق، يسمع الفرزدق الشاعر بنزول الحسين (عليه السلام) على ماء من مياه العرب، فيأتي ومن معه مسرعًا للّقاء به والتماس بركته (عليه السلام)، فيسأله الحسين (عليه السلام) ويقول له:

أخبرني عن الناس خلفك؟

ويجيبه الفرزدق: الخبيرَ سألتَ، قلوبُ الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاءُ ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.

قال: (صدقت لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وكل يوم ربنا هو في شأن، إنْ نزل القضاءُ بما نحب فنحمدُ الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يُبعد من كان الحقُ نيته والتقوى سريرته.. ).

تسليمٌ مع إصرار على متابعة المسيرة مهما كانت النتائج

ويروي لنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال:

 (خرجنا مع الحسين (عليه السلام) فما نزل منزلاً، ولا ارتحل منه، إلا وذكر يحيى بن زكريا (عليه السلام)!! وقال يومًا: من هوان الدنيا على الله عزّ وجل أن رأس يحيى بن زكريا أُهديَ إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل. (يشير إلى وجه الشبه بينه وبين يحيى (عليه السلام)).

وفي محطة أخرى يأتيه نعي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، فيقول لمن معه من الناس:

(أما بعد فقد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج، ليس عليكم ذمام... ).

فتفرّق الناس عنه، وأخذوا يمينًا وشمالاً، حتى بقي أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفرٌ يسير ممن انضموا إليه، والذين كانوا بحق صفوة المؤمنين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً}([5]).

جمعهم الحسين (عليه السلام)، وقام فيهم خطيبًا -كما يروي لنا ذلك الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)- فيقول:

فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم -وأنا إذ ذاك مريض- فسمعت أبي يقول لأصحابه:

(أُثني على الله أحسنَ الثناء وأحمَدُهُ على السرّاء والضرّاء، اللهم إني أحمَدُك على أن أكرمتَنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين. أما بعدُ فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصلَ من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرًا، ألا وإني لأظن أن يومنا من هؤلاء قد اقترب، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعًا في حلٍِّ ليس عليكم حرج مني ولا ذمام، هذا الليلُ قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجلِ من أهل بيتي، وتفرقوا عني، فإن القوم يطلبونني ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري.. )

فقام زهيٌر بن القين رضي الله عنه فقال: (قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية ًوكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها).

ووثب هلالُ بن نافع البجلي فقال: (والله ما كرهْنا لقاء ربنا وإنا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك.

وقام بريرُ بن خضير فقال: والله يا ابن رسول الله لقد منَّ الُله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتُقطّع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدُّك شفيعنا يوم القيامة).

وحين وصل (عليه السلام) إلى كربلاء في اليوم الثاني من المحرم جمع ولده وإخوته وأهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة .

ثم قال (عليه السلام) (اللهم إنا عترة نبيك محمد وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو أمية علينا، اللهم فخُذْ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين).

 ثم أقبل على أصحابه فقال: (الناسُ عبيدُ الدنيا والدينُ لعْْقٌ على ألسنتهم يحوطونهُ ما درّت معايشهم فإذا مُحّصُوا بالبلاء قلّ الديّانون. ثم قال: أهذه كربلاء؟ فقالوا نعم يا ابن رسول الله.. فقال: هذا موضع كربِ وبلاءِ، هاهنا مناخُ ركابنا ومحطُ رحالنا، ومقتلُ رجالنا، ومسفكُ دمائنا).

وليس هنا مجالُ التفصيل في ذلك، لكن من أراد التفصيل فليراجع كتب المقاتل وغيرها مما هو إلى التواتر أقرب منه إلى الرواية كما في الخطبة المتقدمة وأمثالها.

الأسلوب الثاني : الوعظ والتذكير بالآخرة

ففي يوم العاشر من المحرم نجد الإمام الحسين (عليه السلام) يخاطب الناس الذين اجتمعوا على قتله أو أخذه أسيرًا إلى ابن زياد مذكّرًا إياهم بأيام الله والرجوع إليه سبحانه، ومن ذلك قوله (عليه السلام):

(الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناءٍ وزوال، متصرفةً بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته والشقيُّ من فتِنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتُخيّب طمع من طمِعَ فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمرِ قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرضَ بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنِعمَ الربُّ ربُّنا وبئْس العبيدُ أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبًّا لكم ولما تريدون إنّا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قومٌ كفروا بعدَ إيمانهم فبُعدًا للقومِ الظالمين.

أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظَكم بما يحق لكم عليّ وحتى أعذر عليكم، فإن أعطيتموني النَصَف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطوني النَصَف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم اقضوا إليّ ولا تُنظِرُون، إن وليّي اللهُ الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين).

الأسلوب الثالث : بيان أحقيّته بالخلافة ومحاجّة الخصوم

وقد أعلن ذلك ببيان واضح جلي يقنع كل من كان له قلب، اللّهم إلا من وصفهم الحقُّ سبحانه بقوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا..}([6]).

وقد اعتمد في ذلك طريقتين.

الطريقة الأولى: الاحتجاج عليهم بمراسلتهم له واستعجالهم إياه بالقدوم إليهم ووعدهم له بالمؤازرة والنُصرة، ولكن لا على نحو العتاب، بل على نحو التقريع والتوبيخ.. ثم بالتالي يواجههم بإعلان موقفه الرافض لكل أشكال الذلّ والهوان.

 قال المؤرخون: ركب الحسين (عليه السلام) ناقته وقيل فرسه فاسْتَنْصَتَهُمْ فأنصتوا فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلّى على محمدٍ وعلى الملائكة والأنبياء والرسل وأبلغ في المقال، ثم قال:

 (تبًّا لكم أيتها الجماعةُ وترَحًا، حين استصرختُمونا والهين فأصْرخناكم موجِفين، سلَلْتم علينا سيفًا لنا في أيمانكم([7])، وحشَشْتم علينا نارًا اقتدحْناها على عدّونا وعدوكم، فأصبحتم إلبًا لأعدائكم على أوليائكم([8])، بغير عدلٍ أفشَوْهُ فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، فهلاّ -لكم الويلاتُ- تركتمونا، والسيفُ مَشيم، والجأشُ طامن، والرأي لمّا يُستحْصَفْ، ولكن أسرعتم إليها كطِيرة الدُبى، وتداعيتم إليها كتهافت الفَرَاش، فسُحقًا لكم يا عَبيد الأمّة، وشُذّاذ الأحزاب، ونبَذة الكتاب، ومحرّفي الكَلِم، وعُصبة الآثام، ونفثَة الشيطان، ومطفئي السُنن، أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون؟ أجلْ والله غدرٌ فيكم قديمٌ، وشَجَتْ إليه أصولكم، وتأزّرَت عليه فروعكم، فكنتم أخبثَ ثمرٍ، شجىً للناظر، وأكلةً للغاصب([9])... ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهاتَ منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسولُهُ والمؤمنون، وحجورٌ طابتْ وطهرتْ، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام... ألا وإني زاحفٌ بهذا الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر).

ثم أوصل كلامه بأبيات فروة بن مُسيك المرادي :

فإن نَهزمْ فهزّامون قِدماً
وما إن طِبُّنا جُبنٌ ولكن
فقل للشامتين بنا أفيقوا
 

 

وإن نُغلب فغيرُ ملومينا
 منايانا ودولةُ آخرينا
سيلقى الشامتون كما لقينا
 

الطريقة الثانية: احتجاجه عليهم ببيان موقعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) سواء من حيث النسب، أو من حيث موقعه الديني المميّز انطلاقًا من سلوكه مع الله سبحانه وشهادات النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أخيه الحسن (عليه السلام) ، وبعد أن يرسل ذلك إرسال المسلّمات يُشعرهم بأن موقفهم منه موقف من يطلب ثأرًا هو منه براء، ثم يعود بعد ذلك فينادي من راسلوه من القادة بأسمائهم واحدًا واحدًا، مذكّرًا إياهم بالنص الذي بعثوا به إليه..

ويعلن مرة ثانية رفضه للذل والاستسلام، فتقدم (عليه السلام) حتى وقف بأزاء القوم، ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه، فلم يُسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ منه في منطق.

ثم قال:

(أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا؟ ثم راجعوا أنفسَكم وعاتبوها، فانظروا: هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألست ابنَ بنت نبيّكم وابنَ وصيّه وابنِ عمّه، وأولِ مؤمنٍ مصدّقٍ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزةُ سيدُ الشهداء عمي؟ أوليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟

فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، فواللهِ ما تعمدت كذبًا مذْ علمت أن الله يمقتُ عليه أهله، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابرَ بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهلَ بنَ سعد الساعدي، وزيدَ بنَ أرقم، وأنسَ بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟

ثم قال لهم الحسين (عليه السلام):

 فإن كنتم في شكٍّ من هذا أفتشكُّون أني ابن بنت نبيّكم، فواللهِ ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه، أو مالِ لكم استهلكتُه، أو بقصاصِ من جراحة؟

فأخذوا لا يكلمونه.. فنادى (عليه السلام):

يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمارُ، واخضرّ الجنابُ، وإنّما تَقدم على جُندٍ لك مجنّدة؟

فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لن يُروك إلاّ ما تُحب..

فقال لهم الحسين (عليه السلام) :

لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد.

ثم نادى : يا عباد الله، إني عُذتُ بربي وربكم أن ترجُمون، وأعوذ بربّي وربّكم من كل متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.

الأسلوب الرابع : استنهاض الحميّة العربية في

نفوس أعدائه بعد اليأس منهم ومن نُصرتهم

فإنه (عليه السلام) حين يأس من هدايتهم، وعدولهم عن طريق الضلال إلى جادة الحق، أخذ يدعوهم للرجوع إلى أبسط القواعد المتعارف عليها لدى العرب قبل الإسلام وبعده.

ومن ذلك قوله (عليه السلام) -حين حال القوم بينه وبين رحله-:

ويْحَكُمْ إن لم يكن لكم دينٌ وكنتم لا تخافون المعادَ فكونوا أحرارًا في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعرابًا.

فناداه شمرٌ، فقال : ما تقول يا ابن فاطمة.

قال (عليه السلام):

أقول أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس عليهن جُناح، فامنعوا عُتاتكم عن التعرّض لِحُرمي ما دمت حيّا.

فقال شمر: لك هذا يا ابن فاطمة. ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفؤ كريم..

الأسلوب الخامس :تهديده (عليه السلام) لهم بعقاب الله

المعجل وما سيلقاه أعداؤه من ذلةٍ وهَوان وقتلٍ

قال (عليه السلام): ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يُركبُ الفرس([10]) حتى تدور بكم دورَ الرَحى، وتقْلقَ بكم قلَق المحور، عهدٌ عهده إليّ أبي عن جدي، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ كِيدُونِ جميعًا فَلا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ... اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسِني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسًا مصبّرةً، ولا يدع فيهم أحدًا إلا قتله قتلةً بقتلة، وضربةً بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم، فإنهم غرُّونا وكذَبونا وخذلونا وأنت ربُّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنَبْنا وإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

ثم قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمرا..

فدُعي له، وكان كارهًا لا يُحبُّ أن يأتيَه.

فقال (عليه السلام): يا عمر، أنت تقتلني؟! أتزعم أن يوليَك الدعيُّ بن الدعيّ بلاد الريّ وجرجان؟! واللهِ لا تتهنأ بذلك أبدًا، عهدًا معهودًا، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة قد نُصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضًا بينهم([11]).

فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه : ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة..

ثم إن الحسين (عليه السلام) دعا بفرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرتجز، فركبه وعبّأ أصحابه...

الموقف الأخير :الحسين (عليه السلام) وحيداَ مع الله

عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ :

لما أصبحت الخيل تُقْبِلُ على الحُسينِ (عليه السلام) رفعَ يَدَيْهِ وقال :

اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وأَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ وتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ ويَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ ويَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ أَنْزَلْتُهُ بِكَ وشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ، رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي، وكَشَفْتَهُ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ وصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ ومُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ.

وكان آخرُ دعاءٍ دعا به الحسينُ (عليه السلام) يوم الطف:

 اللّهُم أنتَ متعالِ المكان، عظيمُ الجبروت، شديدُ المحال، غنيٌّ عن الخلائق، عريضُ الكبرياء، قادرٌ على ما يشاء، قريبُ الرحمة، صادقُ الوعد، سابغُ النعمة، حسنُ البلاء، قريبٌ إذا دُعيت، محيطٌ بما خلقتَ، قابلُ التوبة لمن تاب إليك، قادرٌ على ما أردتَ، مدركٌ ما طلبتَ، وشكورٌ إذا شُكرت، وذكورٌ إذا ذكرت، أدعوك محتاجًا، وأرغب إليك فقيرًا، وأفزع إليك خائفًا، وأبكي إليك مكروبًا، وأستعين بك ضعيفًا، وأتوكل عليك كافيًا، احْكُم بيننا وبين قومنا، فإنهم غرّونا وخدعونا وخذلونا وغدروا بنا، ونحن عترةُ نبيّك، ووِلد حبيبك محمد بن عبد الله الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على وحيك، فاجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وانتهت المعركة بشهادته صلوات الله عليه وشهادة من معه من أهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم، ولكن كلماته الخالدة ظلّت تتألق في عالمنا المستباح هذا، تستمدّ وهْجها من كتاب الله الخالد وهديِ نبيّه الكريم، فهي منذُ أشرقتْ لن تغيب...


 

الهوامش

([1]) المصادر والمراجع مثبتة لدينا، وإنماحذفناها اختصارًا.

([2]) البقرة : 133-134 .

([3]) إضافة إلى العلم اللدني الذي اختص الله به بعض أنبيائه ورسله وأصفيائه ومن بينهم سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام).

([4]) في اللهوف ، لابن طاووس : وينجز بهم وعده .

([5]) الكهف : 13 .

([6]) النمل : 14 .

([7]) يعني أن هذه القوة الضاربة التي أنتم فيها، هي في الحقيقة للخليفة الشرعي وريث النبي ’ فلا أحد أولى بها منه (عليه السلام)، فهو الإمام بنص النبي ’: الحسن والحسين إمامان، قاما أو قعدا.

([8]) أيضا هنا يشير (عليه السلام) إلى أحقيته بالخلافة، فهو يقول لهم إنكم استجمعتم كل قواكم وسخرتموها لصالح من هو في الحقيقة عدو لكم ليقاتل بكم من هم في الحقيقة أولياؤكم، ويعني بذلك نفسه (عليه السلام) وأهل البيت النبوي الكرام.

([9]) في هذه الفقرات أيضا يشير (عليه السلام) إلى أن ما هم فيه مرتبط بماضيهم وماضي آبائهم حيث انحرفوا عن خط الخلافة الشرعي منذ اليوم الأول، وتحزبوا لمحاربة أهل البيت ^.

([10]) أي لا تلبثون بعدي أكثر من سنتين وهي المدة التي يؤهّل فيها الفرس للركوب.

([11]) وقد صدق (عليه السلام) في ذلك،فقد ذُبح عمر بن سعد على فراشه بأمر من المختار بن عبيدة الثقفي، ووضع رأسه على قصبة في طرقات الكوفة وصار الصبيان يرمونه بالحجارة.

 

 

التربية بين التقليد والتجديد

[دراسة نقدية مقارنة]

الأستاذ حسن جابر

1- تمهيد

يجرّنا الكلام عن التربية، إلى الكلام عن الإنسان ذاته، ذاك الوافد على المستقبل بنماءٍ تربوي هجين، حيث يدفعنا إلى التفكير جديًا بضرورة إيجاد سبل قراءةٍ جديدةٍ للواقع التربوي، منطلقًا من قوة معرفيّة، تتفاعل وأولويات الإنسان .. لمَ لا ؟

فالمجتمعات ترتقي بالتربية التي تزوّد الأفراد بالمعارف والمهارات الضرورية، انطلاقًا من محاكاتها لميولهم وقدراتهم، وتهذيب انفعالاتهم، وتصعد بهم سلّم نجاحهم عبر المدرسة، والتي هي من إفرازات التطور الاجتماعي للبشر.

ولطالما كان المتعلّم ركيزة الاهتمام في عالم المتغيرات المتسارعة والمتنامية، والهادفة إلى بناء وعي المتعلّم كضرورة أصيلة تمكّنه من أن يكيّف نفسَه مع بني مجتمعه.

وبالتالي تعتبر التربية عملية تأقلم مع البيئة والظروف ذات الفاعلية المجتمعية والحضارية والثقافية، آخذةً بعين الاعتبار الطاقات والقدرات التي يقدّمها المجتمع والبيئة بهدف بناء الإنسان، كشخصية ذات خصوصية لا كآلة، لجعلها تتكامل مع خصوصيات أخرى في إطار تربويّ موحّد.

وهنا تتداخل البُنى والتركيبات التربوية في عملية توليفية منسجمة بنتيجة النضوج المنطقي للتربية الفاعلة والمؤثرة، ليتحوّل تلقائيًا إلى فرد خلاقٍ ومبدعٍ وفق المعايير والثوابت التربوية التي نشأ عليها وتربّى في أحضانها.

وقد ذهب بعض المربّين إلى اعتبار التربية المرآة التي تنعكس عليها فلسفة المجتمع وتطلعاته وأهدافه .. إذ فبالتربية يكسب المرءُ الصفة الإنسانية التي يتميّز بها عن سائر المخلوقات.

فعلينا -والحال هذه- أن نعمل على إعداد ناشئتنا وفق المعايير الرسالية في إطار وعي متكامل لحاجات الفرد العقلية والنفسية والبيولوجية، المنسجمة مع المحيط المكوّن الأساس لمعرفته، وصهر شخصيته في مجال تطبيق المعارف، كون المحيط منبع الخبرات ومجال تأكيد الاستيعاب وتكوين الذات التربوية، التي هي وراثةٌ واكتساب في آن.

2- التربية في اللغة

ربَّ الولد ربًا : وَلِيَهُ وتعهّده بما يغذيه وينمّيه ويؤدّبه، فالفاعل : راب، والمربوب (المفعول).

والنعمة ربَّا رِبابًّا وربابةً: حفظها ونماها، والشيء أصلحه ومتّنه ويقال: أرَبّت الريحُ، دامت.

الربُّ: اسم الله تعالى، ولا يقال الرب في غير الله تعالى إلا بالإضافة([1]).

وبهذا جاء في الحديث عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): أدّبني ربي فأحسن تأديبي.

وربَّ ولده، والصبي يُربّه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك، وهي تعاهد الطفل بالتغذية والرعاية وحسن القيام عليه حتى يفارق طفولته([2]).

وحديثًا استخدم هذا المصطلح للمرة الأولى في القرن السادس عشر في مصدر لاتيني Educar أو Educére بمعنى مزدوج (تغذية وتنمية).

وقد عرّفها المربّي بستالوتزي [إعداد بني الإنسان للقيام بواجباتهم المختلفة في الحياة].

3- وظائف التربية وأصنافها

وعليه فوظيفة التربية تتّسع لتشمل كلّ الأعمار، وكلّ الناس في كلّ زمان ومكان يتواجد فيه الإنسان فتتحقّق من المهد إلى اللحد.

وأصناف التربية عديدة:

- تلقائية: تجري في بيئة الإنسان ومحيطه، وتحصل عن طريق اكتساب العادات والتقاليد والقيم والمهارات من الناس.

- شبه مقصودة: والتي يتبنّاها البيت (التربية الأسرية) بتوجيه معيّّّن.

- مقصودة ونظاميّة: تجري في المؤسسات التعليمية ابتداءً من رياض الأطفال حتى الجامعة.

4- أهداف التربية

تخضع أهداف التربية وأوجهها إلى مجموعة معطيات تاريخية وفلسفية، أو دينية وسياسية، واقتصادية، وهي تنبثق عادة من مجمل التيارات السائدة في المجتمع آنذاك.

ويرسم ملامحها أخصائيون مهتمون بالشأن التربوي، وعادة هي إما عصارة أفكار تربوية سائدة في ذاك العصر، وإما نظريات وآراء تربوية مقترحة، أو قل هي عبارة عن محصلة تأثيرات ناجمة عن الممارسة التربوية حينها، والتي منها:

أولاً: نموّ كفاءة الفرد الاجتماعية كهدف أسمى للتربية:

والهدف هو تنمية الطاقات والقدرات للفرد بمعزل عن مطالب المجتمع واحتياجاته.

ثانيًا: كسب الرزق.

وهنا ليس القصد تهيئة الناس لكسب العيش، بل لجعلهم أهلاً للحياة عن طريق إرشادهم بالعلوم الضرورية التي تسمح للفرد بكسب الرزق.

ثالثًا: الغرض التثقيفي.

وهو الناحية الأمثل، إذ تلعب المدرسة عادة دور المزوّد بالمعرفة، التي تُعين الفرد على فهم الحياة وأسرارها.

وتلعب التربية دور التنمية المنسجمة لقوى الفرد الداخلية، وتنمّي إبداعه وقدراته العقلية، وتهذّب انفعالاته، وتُعدّه شخصية قادرة على التزوّد بمختلف الثقافات.

5- التربية الحديثة

نشأت في بداية القرن العشرين حركة جديدة عُرفت بالتربية الحديثة، والتي اعتبرت نقيضًا صارخًا للتربية التقليدية التسلطية، واستطاعت أن تحدث تغييرًا أساسيًَا في النمط والسلوك التربويَين، متطلعة نحو مستقبل تربوي رائد يبني على الفرد باعتباره المحور فيها، واستوحيت أفكارها من رواد كبار أمثال (إيراسموس، جان جاك روسو، وبستالوتزي، جون ديوي وإدوارد كلاباريد... إلخ).

وأسس بعضهم مدارس حديثة دعيت بالنشطة الفاعلة. وانبثقت مصادرها من جذور رئيسية ثلاثة:

- الاعتماد على العلم وجعله المرتكز والأساس للتربية.

- العمل على إصلاح المجتمع والذي يتم عبر التربية.

- تأثير البعد الروحي والإلهام الديني.

ويعتبر مفهوم التربية الحديثة في المدرسة النشطة الفاعلة، أن النشاط الحقيقي للمتعلّم أساسه الاستقلالية، والابتعاد عن سياسة الفرض، والاكتفاء بمبدأ التوجيه، باعتبار المتعلّم  مسؤولاً عن إنجاز النشاط في مختلف أبعاده، كأن يقوم المتعلم بكتابة نصٍ حر، أو إجراء مناقشات، أو تحقيق، أو القيام بمشروع ... إلخ.

الأمر الذي يوَّلد لدى المتعلّم السعادة والرغبة والاندفاع دون إكراه.

ومن هنا فرضت في التربية الحديثة عبارة تعلّم التلميذ بدل تعليم المعلّم، فاستبدلت المحاضرات ببيئة تربوية غنية  بنشاطاتها ووسائطها.

6- مقارنة بين التربية التقليدية والتربية الحديثة

بدايةً لا بد من الإشارة إلى أن التربية التقليدية تنطلق لتمارس دورها من جهلٍ بعالم الإنسان، ومن رؤية غير واضحة لمداركه، واعتبرته الوعاء الذي يمكن حشوه بالمعلومات ليس إلا.

والتربية الحديثة بدورها انطلقت من فهم شمولي وأكثر موضوعية لفهم واقع الإنسان وفعاليته، وتتبنى كل ما توصل إليه العلم الحديث من ثوابت وحقائق، ومدارك، وانفعالات الفرد، ذات صلة ببيئته وواقعه.

ومن الأمثلة على ذلك:

[يقرّ علم النفس أن اللعب حاجة عند الطفل، فالمدارس التي تمارس التعلم باللعب تكون حديثة، وإما إذا بقي الولد ساكتًا أثناء التعليم ولم يمارس حيويته ونشاطه، فالتربية تصبح تقليدية] ([3]).

وبالعودة إلى عملية المقارنة بين التربية التقليدية والتربية الحديثة، فإننا نجد بونًا شاسعًا ونتلمس الفارق في كيفية التعاطي وإدارة عالم الولد في المدرسة عبر وسائط وأساليب متنوعة ومتفاوتة في آنٍ لكلا المدرستين، من حيث الأسلوب والغاية والطريقة، وهاكم التفصيل:

 

الميّزات

التربية التقليديّة

التربية الحديثة

أ

المصطلحات

- تقليدية- كلاسيكية

- حديثة متجددة.

- مغلقة - شكلية.

- منفتحة.

- تعليم مسلّم به، قطعي وموسوعي.

- تعلم وظيفي نشط وفاعل.

- تتمحور حول المدرسة.

- تتمحور حول المتعلم.

 

ب

غايات تربوية

- نقل الثقافة الموضوعية إلى الأجيال الناشئة.

- نقل الثقافة انطلاقًا من قوى وقدرات المتعلم.

- تشكيل وقولبة المتعلم.

- تنمية القوى المتأصلة لدى المتعلّم.

 

ج

الطريقة

- تربية من الخارج إلى داخل المتعلم.

- تربية من الداخل نحو الخارج.

- تربية مبنية على الجهد.

- تربية مبنية على اهتمامات المتعلم.

- مدرسة سلبية مبنية على اتباع وتقليد النموذج.

- مدرسة نشطة مبنية على التعلّم بالعمل.

- تربية موسوعية.

- تربية وظيفيّة.

 

د

مفهوم المتعلم

- المتعلم كالشمع اللّين.

- المتعلم حاجات واهتمامات وطاقة مبدعة.

- للطفولة قيم محددة قليلة مقابلةً مع قيم الراشد.

- للطفولة قيمة بحد ذاتها.

- المعلّم يتصرف، والمتعلّم يتلقى.

- المتعلّم يتصرف وبتفاعل .

- الذكاء هو المقصد.

- نمو متكامل لقدرات المتعلم.

 

هـ

مفهوم المنهاج

- لا يأخذ المحتوى الدراسي اهتمامات المتعلمين بعين الاعتبار.

- اهتمامات المتعلم وحاجاته هي التي تصنع المنهاج.

- المنهاج مثالي (محتوى منفصل عن المتعلّم).

- المنهاج واقعي (برتبط بالوسط الذي يعيش فيه المتعلم).

 

و

مفهوم المدرسة

- وسط تربوي مصطنع.

- وسط طبيعي واجتماعي، واقعي، تصبح المدرسة بموجبه وسط حياة التلميذ.

- كبت العواطف (جعلها على مسافة من المعلم).

-عفوية وتلقائية في التصرّف الطفولي.

- حل مسائل مصطنعة.

- حل مسائل واقعية مستقاة من حياة المتعلّم.

- تحضّر المتعلّم للمستقبل.

- تجعل المتعلّم يعيش مع المسائل الخاصة به .

 

ز

دور المعلم

- يقود عملية التعلّم .

- مشارك، يوجّه ويرشد عملية التعلّم .

- هو مركز الأداء الفاعل والتعليمي.

- يحثّ التلامذة على البحث عن المعرفة .

- هو الناشط الفاعل والنموذج للتقليد، والمتعلّم ينفّذ ما يمليه عليه المعلّم .

- المتعلّم مركز الفعل الناشط، يتفاعل مع الوسط التعليمي.

 

ح

النظام المدرسي

- نظام تسلّطي، مفروض على المتعلم من الخارج.

- نظام شخصي يرتكز حول اهتمامات المتعلم.

- ما على المتعلّم إلا الانصياع للأوامر .

- نظام يتأتّى من داخل المتعلّم.

- عقاب وثواب ومنافسة مع الآخر.

- منافسة مع الذات وتقدّمها.

7- مشكلات تطبيق المناهج التربوية الجديدة

الأمر هنا ينطلق من معوّقات العملية التعلّمية في معظم المدارس والثانويات في لبنان، حيث سيؤثر وبشكل مباشر على أداء التربية المقصودة والغاية التي من أجلها كانت.

ونورد هنا بعض المشكلات، ولا ندّعي أنها الوحيدة، والتي منها:

أ - على مستوى الهيكلية :

- الترفيع الميسّر أو التلقائي، الذي أدّى إلى تدنٍّ في مستوى التلاميذ.

- تعدّد المواد، شكّل إرهاقًا للتلميذ.

ب - على مستوى المحتوى (الكتب) :

- مكثّف لا يتوافق أحيانًا مع الأهداف، ولا يتناسب مع عدد الحصص المقررة، ولا مع قدرة التلاميذ الاستيعابية.

- عدم خضوع عمليات حذف بعض الفصول لمراجعة دقيقة عند تطوير المناهج.

ج - على مستوى التدريب :

- نقص فادح في عمليات الإعداد للمدربين، الذين يقومون بعمليات التأهيل والتدريب.

- غموض عملية التقييم، وافتقارها إلى الدقة.

- صعوبة تطبيق الطرائق الناشطة نظرًا لضيق الوقت المخصص لكل حصة، ولعدم توافر الوسائل الضرورية لتنفيذها.

د - على مستوى الأبنية :

- معظم الأبنية قديمة العهد، وهي غير صالحة لتطبيق المناهج الجديدة.

- نقص كبير في التجهيزات والوسائل التربوية الضرورية (وسائل إيضاح -مختبرات - مكتبات - أجهزة معلوماتية - مشغل تكنولوجيا - مسارح -ملاعب... الخ).

وطالما الحديث عن معوّقات العملية التربوية كان بالمجمل عن المدارس الرسمية وثانوياتها، أضيف بعض المشكلات ذات الصلة بالموضوع، وطبعًا ضمن معظم المدارس الرسمية في لبنان.

- متابعة الأهل لذويهم شبه معدومة، وارتفاع وتيرة اللامبالاة وعدم الاكتراث، وغياب المحاسبة، جعل التلامذة في موقع اللامبالاة، إن لمستواهم أو تحصليهم أو نجاحهم.

- هشاشة دور الرقابة والتفتيش .

- غياب مبدأ الثواب والعقاب الفاعلَين.

- تزايد معدلات أيام العطل المدرسية.

- غياب النظم، والتكامل في العلاقة بين الإدارات والمعلمين.

- تفشي المحسوبية في مسألة تحديد بعض المهام والوظائف التي تعتبر مريحة (ناظر - أمانة سر - مسؤول مكتبة - مختبر ... الخ).

- انعدام مسألة التوعية لمسائل باتت خطيرة وعالمية (المخدرات - التلوّث - الأوبئة - النفايات النووية ... الخ ).

- مآسي الامتحانات الرسمية -وخاصة لشهادتي التاسع والمرحلة الثانوية- الخطرة، وظاهرة الغش المستفحل على مسمع ومرأى المراقبين وبحصانتهم، والحق يقال إن امتحانات بهذا الشكل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعكس المستوى الحقيقي لطلابنا اليوم.

- سيطرة أسلوب المحاضرات والتلقين، ضمن صفوف -في معظم الأحيان- مكتظة ومتفاوتة الفهم والقدرات والاستعدادات.

ملاحظة :

تشترك معظم المدارس الخاصة في لبنان بهذه المعوّقات والمشاكل التربوية مع المدرسة الرسمية.

وسنورد الآن بعض المشكلات التي تطال معظم المدارس الخاصة في لبنان تحت ذات العنوان :

7- بعض مشكلات ومعوّقات الاستنهاض لعلمية التعلّم في معظم المدارس الخاصة في لبنان :

- غياب دور وزارة التربية الرقابي عن المدارس الخاصة إلا من بعض الأمور الشكلية .

- الهدف التجاري يسمو على سواه في إنشائها.

- غياب الدور الفاعل للجان الأهل، وإن وجدت فهي لجان تشكلت ممن لهم علاقة قرابة أو صلة ما بالقيّمين على المدرسة.

- الزبائنية المحضة، سمة العلاقة الأبرز بين أصحاب المدرسة والأهل.

- ممارسة رب العمل لدور وليّ النعمة على موظفيه.

- رواتب مزاجية لا تخضع لأي معيار قانوني، وبعضها يصل لما دون الحد الأدنى حتى لحمَلة الإجازات.

- معظم أفراد الهيئة التعليمية لم يدخلوا الضمان الاجتماعي ولا حتى صندوق التعويضات، ويتعمّد ذلك بعض أصحاب المدارس الخاصة تهرّبًا من دفع ما يتوجب عليهم من مستحقات.

- الإدارة أداة تسلّط وقهر، تتحوّل بموجبها المدرسة لشبه ثكنة عسكرية تحت عنوان التربية زورًا.

- التلميذ سيّد لأنه يدفع ويسدد، وكم من معلم طرد كرمى لعيون زبائن تدفع.

- أقساط مدرسية مرتفعة ومزاجية وغير مدروسة.

- ارتفاع نسبة المحاسيب في التوظيف على حساب الكفاءة.

- انعدام النظافة في معظم المدارس لتصل إلى حدودها الخطرة (روائح نتنة- رواسب الفضلات - انقطاع الماء - عدم وجود سوائل معقمة ... الخ).

- غياب المرشد الصحي الدائم في المدرسة، (وظيفة ليست ذات أولوية).

- عدم وجود المرشد الاجتماعي المعالج لمعظم الحالات الاجتماعية والدراسية الاستثنائية، وفقدان الدافعية للتعلّم، والمرشد دون صلاحيات إن وجد.

- تدني نسبة الراسبين لتصل إلى واحد بالمئة طالما التلميذ يدفع ما عليه.

- التعليم ما زال وفق الطرق البدائية القديمة التقليدية في صفوف مكتظة تتجاوز الحد المعقول، لتفادي التشعيب إمعانًا في الربح الدائم حتى على حساب التلميذ ذاته، وهذه الحالة لا تحظى بمعارضة الأهل وإلا [خذ ابنك وارحل].

- الأستاذية معظم الأحيان سبيل المرتزقة.

- التهديد بالطرد وعدم تجديد العقد الدراسي لأي معلم يفكر بالمطالبة بزيادة راتبه، وفق ما يمنحه إياه القانون.

- إرهاق التلميذ بالواجبات والفروض، مما يضطره للتعامل اليومي مع الدرس قبل شروق الشمس (للتوجه نحو المدرسة) حتى ساعة متأخرة من الليل (ساعة انتهاء واجباته).

- محفظة التلميذ كبيرة وممتلئة، والحق يقال أنها عبارة عن مكتبة متنقلة على ظهر التلميذ ترهق كاهله يوميًا وتسبب له آلامًا مزمنة والتواءات في العمود الفقري وانحناءة دائمةً في الظهر ... الخ

- الشهر الثالث عشر للمتعاقدين -غير الداخلين في التعويضات للقطاع الخاص- مسألة مزعجة ... ومسائل من التاريخ أحيلت إلى القرون الغابرة لدى أصحاب المدارس، وأضغاث أحلام لدى المعلمين، وكذلك بدلات النقل والمعاش العائلي .

- عطلة الأمومة (للمرأة بعد وضع المولود) أسبوع، أو عشرة أيام كحد أقصى، وإلا التهديد بالطرد، أو عليها تأمين البديل وعلى نفقتها الخاصة.

- التعويضات العائلية (المعاش العائلي) لمن حالفهم الحظ ودخلوا جنة الضمان تأخذه المدرسة ولا يستطيع الموظف (العامل) المطالبة به، وإلا فالابتزاز والتهديد بإيقاف ضمانه بالمرصاد.

8 - الخاتمة

بلحاظ ما تقدم تبدو عملية التربية -ذاك الجهد الذي لا مناص منه، إذ على عاتقها تبنى الحضارات، ويتخرّج الأجيال بشرًا بفضلها- تواقّة للفضيلة، ولكل عناصر ومستلزمات النهوض الإنساني، عبر الممارسة الواضحة الجلية والإيجابية، لكل عادات وتقاليد ومهارات وثقافة المجتمعات البشرية.

فذاك أعرابي يقول : [أنتم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوال]([4]).

وبهذا أيضًا يصرح سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام صادق آل محمد (عليه السلام) : [... كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم] .

فعلينا -والحال هذه- فتح آفاق أبنائنا، وإثارة قابلياتهم، والولوج إلى مطاوي أنفسهم، ونعدّها إعدادًا مركّزًا، لإيجاد الأرضية الصالحة لإطلالتهم على المستقبل بقوة معرفية تتفاعل وتتكامل والتربية.

إذ يتم ذلك عبر انتقاء معمّق وممنهج للأفكار والأساليب، والإعداد الملائم لعلمية التخطيط بعد توضيح الهدف وإبقاء مهمة التقويم عند كل منعطف لنعزز معها الإيجابيات، والحد من ولوج السلبيات إلى ساحة ناشئتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.


 

([1]) المعجم الوسيط، د: إبراهيم أنيس وعطيّة الصوالحي وعبد الحليم منتصر ومحمد خلف الله أحمد، ج1، المكتبة الإسلامية للطباعة، استانبول تركيا، 1972 م.

([2]) النظام التربوي في الإسلام، باقر شريف القرشي، ص35، دار المعارف للمطبوعات، 1983.

([3]) المعلم والتربية، محمد رضا فضل الله، ص59، دار أجيال المصطفى (صلى الله عليه وآله), 1995م. 

([4]) مارون عبود، سبل ومناهج، كلية التربية 2009م.

 

 

 

التحرك في سبيل الله وأساليب التغيير

الشيخ أكرم جزيني

 

مقدمة

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([1]).

يحمل هذا الخطاب -الوارد بمناسبة الإعداد لغزوة تبوك- في مستهلّه عتابًا للمؤمنين المتثاقلين، ثم ترتفع وتيرة الخطاب لتصل إلى مستوى التهديد بالعذاب، وإسقاط المتثاقلين عن الاعتبار، وقد تدرَّج البيان عبر نقاط ثمان وهي:

1 - توجيه الخطاب للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.

2 - الأمر بالتحرك في سبيل الله: {انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.

3 - التنديد بالتخاذل: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}.

4 - الاستفهام بشكل إنكاري: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ}.

5 - التحقير لمتاع الدنيا: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ}.

6 - التهديد بالعذاب الأليم: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

7 - إسقاط المتخاذلين عن القيمة والاعتبار: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}.

8 - بيان أن التخاذل لا يعود ضرره على الله بل يعود على المتخاذلين أنفسهم: {وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ويمكن تكثيف أو اختزال هذه النقاط الثمان بعنوانين، نستعرضهما عبر فصلين، الأول: (الأمر الإلهي بالتحرك)، والثاني: (موانع التحرك).

الفصل الأول: الأمر الإلهي بالتحرك

النفر والتحرك في سبيل الله

إن النفر والتحرك وإن كان واردًا بمناسبة غزوة معينة، إلا أن ذلك لا يعني انحصار الأمر بها، فإن كل تحرك ينسجم مع تعاليم السماء يُعدُّ تحركًا في سبيل الله، ولا فرق بين أن يكون تحركًا نحو سوح الجهاد، أو تحركًا نحو بناء المجتمع الإسلامي الفاضل، أو نحو بناء النفس وتهذيبها، أو نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نحو الإصلاح في المجتمع.. فإن كل هذه العناوين هي مصاديق بارزة لسبيل الله..

ومن أبرز مصاديق التحرك في سبيل الله في وقتنا الحاضر هو التحرك نحو التغيير باتجاه الفضيلة والاستقامة والسلوك الكريم في مجتمع تغلغلت فيه فنون الفساد، وتموّهت بملابس الحضارة..

وللتغيير طرق وأساليب متنوعة تتفاوت نمطًا وفاعلية، فمنها ما هو قليل التأثير ومنها ما هو ذو فاعلية عالية.. وهي تتراوح ما بين هذه الأساليب الثلاثة:

الأسلوب الأول: الدعوة المباشرة

بمعنى أن تتوجه إلى الفعل مباشرة، فتطلب من الآخر القيام بالفعل الفلاني أو ترك الفعل الفلاني، فتقول له -مثلاً- يجب عليك أن تصلي.. تصوم.. تزكي.. تتصدق.. تصل أرحامك.. تتعاطف مع الضعفاء والمقهورين.. ونحوها، أو تقول له لا تكذب.. لا تسرق.. لا تؤذِ.. لا ترمِ الأوساخ في الشارع.. وأمثال ذلك.. وهذا الأسلوب من التغيير سطحي جدًا وقليل الجدوى..

الأسلوب الثاني: غرس القناعات

بمعنى أن تتوجه إلى ما وراء الفعل.. أن تنفذ إلى القناعات الفكرية للطرف الآخر، لتقنعه بأن الكذب -مثلاً- أمر منكر وهو يقلب الحقائق ويزوِّر العلاقات الاجتماعية، والكذاب كالسراب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب.. أو تقنعه بأن السرقة تسقط مناقبية الإنسان، وتوجب له الهتك والإهانة... أو تقنعه بأن إلقاء الأوساخ في الشارع ذنب أعظم من ذنب إلقاء الوسخ في بيت الجار، لأن بيت الجار ملك لشخص واحد والشارع ملك للجميع.. وهذا الأسلوب من التغيير أعمق من الأول وأثبت، لأنه يدخل فيما يُنتج الأفعال، يدخل في تشكيل وصياغة القناعات.

الأسلوب الثالث: خلق الأجواء

بمعنى أن تتعدى حدود الفعل، وحدود صياغة القناعات، لتصل إلى مرحلة خلق الأجواء والمناخات التي تتناسب وتنسجم مع الأفكار والقناعات التي تريد من الآخر أن يطبقها عمليًا، فبدلاً من أن تقول له لا تسرق، وبدلاً من أن تقنعه بقبح السرقة، هيِّئ له جوًا مناسبًا يحافظ فيه على عفة نفسه كما يحافظ فيه على حقوق الآخرين..

إن صناعة الأجواء تساهم وبشكل فعَّال في صياغة القناعات، وتزيد في تنامي الرغبات بممارسة الأعمال المنسجمة مع تلك الأجواء، ففي شهر رمضان -مثلاً- نجد أن الصيام أخف وطأة من الصيام في غيره لأن الجو هو جو صيام.. كما أن الرغبة في الصلاة والدعاء تزداد في شهر رمضان لأن أجواءه أجواء صلاة ودعاء..

وفي القرى الهادئة، التي تتحلّق فيها البيوت حول المساجد، نجد أن ممارسة الصلوات فيها تأتي بشكل عفوي خفيف الوطأة، لأن أجواء الصلوات تنسجم مع تلك الأجواء الهادئة، بخلاف أجواء المدن الصاخبة..

هذا من ناحية العبادات.. وأما من ناحية التصرفات والسلوكيات الاجتماعية فإن الأمر لا يختلف إطلاقًا.. فعندما تدخل -مثلاً- إلى بيت مرتب نظيف لدرجة لافتة، تشعر بأنه من غير المسموح توسيخه، انطلاقًا من جو النظافة الذي تراه.. وكذلك عندما تمر في شارع نظيف تشعر بالذنب فيما لو ألقيت ورقة أو (محرمة) من نافذة سيارتك، لأنك -حينئذ- تشعر بمخالفة الجو العام القائم..

وهذا الأسلوب من التغيير أي أسلوب خلق الأجواء أهم من الأسلوبين الأولين لأن الفرد يشعر بضرورة الالتزام والتكيف مع الأجواء حتى ولو كانت قناعاته لم تتشكل بعد..

في الطرف المقابل: أساليب تحطيم الأفراد والمجتمعات

كما أن التغيير باتجاه الفضيلة له أساليبه الخاصة، كذلك فإن التغيير باتجاه الرذيلة وتحطيم القيم الفردية والاجتماعية له أساليبه الخاصة أيضًا، وهي أيضًا ثلاثة على غرار الأساليب السالفة الذكر..

فتارة تغري الإنسان بالفعل القبيح، فتقول له -مثلاً- اذهب واسرق..

وأخرى تزرع فيه القناعة بالسرقة، فتقول له كما أن الكبار يسرقون فللصغار أيضًا الحق بالسرقة.. ثم تسوق له الأدلة التي تقنعه بمشروعية السرقة في مجتمع يسرق كباره حياة صغاره..

وثالثة تخلق له أجواءً ومناخات تتناسب وتدعو إلى السرقة، وذلك كانعدام الرقابة وقلة أو انعدام المحاسبة، واقتسام ثروات البلد بين المتنفذين، وتجويع الرعية وإفقارهم..

نعم إن الإفقار دافع قوي لخلق أجواء السرقات والتعدي على أملاك الآخرين..

يُنقل أن شخصًا دخل إلى دار جاره ليسرق منه ما يتقوّت به بعدما أخذ الجوع منه مأخذه، فلما دخل أخذ يصارع نفسه، وما لبث أن صاح: يا أهل الدار في بيتكم حرامي قوموا وألقوا القبض عليه..

فقام صاحب الدار مسرعًا وسأله: أين الحرامي؟

فقال الرجل: ها أنا ذا.

فقال له جاره: ما الذي دفعك للسرقة ؟

قال الرجل: الكف الفارغ، والبطن الجائع!!

فبكى جاره واعتذر منه، لأنه بات شبعانًا وجاره جائع، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): (ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جائع)..

نعم بكى واعتذر لأنه لم يلتفت لجوع جاره !! فكيف بمن يجوعون اليوم شعبًا بكامله، ثم يحمِّلونه مسؤولية ما يسرقون، ويفرضون عليه وبشكل قهري أن يؤدي لهم التحية والإكرام..

وليست السرقة فحسب هي ما يشين مجتمعنا اليوم، فهي ليست إلا مجرد عمل واحد من أصل عشرات الأعمال القبيحة التي باتت تشكل سمة المجتمع.. فمن السرقة، إلى الكذب، إلى الغدر، إلى الخيانة، إلى التزوير، إلى الغش، إلى الفجور، إلى القتل، إلى العلاقات المحرمة.. إلى الفساد بكافة صوره..

تحريم صناعة أجواء الفساد 

عند التأمل في موارد الأحكام الشرعية التحريمية، نجد أن تلك الأحكام كما تُصبُّ على الأفعال المستبطنة للمفاسد، فإنها تُصب أيضًا على الأفعال التي تساهم في خلق وصناعة أجواء الفساد.

فإشاعة الفواحش -مثلاً- وإن لم تكن بحد ذاتها ارتكابًا للفواحش إلا أنها تساهم في خلق وصناعة الأجواء الملوثة التي تُغري بارتكابها، والشريعة المطهرة كما نهت عن ارتكاب الفواحش نهت أيضًا عن إشاعتها، قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}([2]).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (التبجح بالمعاصي أقبح من ركوبها)، وقال (عليه السلام) أيضًا: (لا وزر أعظم من التبجح بالفجور)([3]).

وهذا التنديد بالمتبجحين بمعاصيهم تظهر منه روح التصدي لكل ما يساهم في خلق وصناعة أجواء الفساد.

كما أن من بين الأحكام الشرعية التي تظهر منها أيضًا روح التصدي لما يساهم في خلق وصناعة أجواء الفساد والتي نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

- الأمر بالمبادرة الفورية إلى النهي عن المنكر عند رؤيته: (من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه..)([4]).

- الترخيص باغتياب المتجاهر بالفسق، فإنه يساهم في إسقاط هذا المتجاهر، وبالتالي فإنه يساهم في منع تفشي حالة الفسق التي يتجاهر بها هذا الفاسق المتمرد على أحكام الله تعالى.. 

- التنديد بالصمت عن المنكر، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أوحى الله إلى جبرائيل وأمره أن يخسف ببلد يشتمل على الكفار والفجار.

فقال جبرائيل: يا رب أخسف بهم إلا بفلان الزاهد، ليعرف ماذا يأمره الله فيه؟

فقال: اخسف بفلان قبلهم.

فسأل ربه فقال: يا رب عرّفني لمَ ذلك وهو زاهد عابد؟!

قال: مكّنت له وأقدرته فهو لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، وكان يتوفر على حبهم في غضبي.

فقالوا: يا رسول الله فكيف بنا ونحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لَتًأْمُرُنّ بالمعروف، ولَتَنْهُنَّ عن المنكر، أو ليعمنَّكم عذاب الله، ثم قال: من رأى منكم منكرًا فلينكر بيده إن استطاع، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه فحسبه أن يعلم الله من قلبه أنه لذلك كاره([5]).

الأمر باجتناب الخمر والميسر أعم من التحريم

قال  تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}([6]).

إن الاجتناب في هذه الآية الكريمة يتطلب الابتعاد الكامل، يعني الابتعاد عن ذوات الأفعال، والابتعاد عن أجوائها أيضًا، فمعنى الاجتناب كونه في جانب غير جانبها، وعليه فكما لا يجوز شرب الخمر بحد ذاته، لا يجوز أيضًا الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر، وإلا لم يتحقق عنوان الاجتناب، وكذلك الحال بالنسبة للميسر (أي القمار)، وللأمكنة التي يُلعب فيها القمار، فإنه لا يتحقق الاجتناب إلا بالابتعاد عنها وعن أجوائها.

وعليه فالأمر بالاجتناب أعمّ وأشمل من التحريم المجرد، لامتداده إلى المنع من إشاعة أجواء شرب الخمر ولعب القمار، فضلاً عن تحريم ذوات الأفعال.

وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ملعون ملعون من جلس على مائدة يُشرب عليها الخمر([7]).

ورق اللعب

وبهذه المناسبة نستطرد في حديثنا للإشارة إلى أن ورق اللعب ليس مجرد آلة قمار بل هو سيد آلات القمار، وعلامة سيادته أنه يستطيع أن يدخل إلى أي مكان يريد (كما هو حال السيد في قصره)، بينما بعض آلات القمار لا تستطيع الدخول إلا إلى أماكن محدودة، فالروليت -مثلاً- لا تستطيع الدخول إلا إلى الكازينو بينما ورق اللعب يدخل إلى غرف الجلوس، وغرف النوم، ووسط الدار، وأعلى السطح..

والورق في نفس الوقت صنارة متينة للشيطان الذي يتدرج في اصطياد فرائسه عبر خطوات متوالية، لكونه لا يستطيع أن يحوِّل سلوك إنسان من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دفعة واحدة، وإنما يحرفه شيئًا فشيئًا، فيغريه -مثلاً- بالتسلية بورق اللعب، وتكون هذه التسلية هي الخطوة الأولى في رحلة الانحراف، نعم إن الشيطان لا يغري بالفعل مباشرة، ولا يتحكم بالقناعات، ولا يخلق الجو، ولكنه يزرع بذرة الفساد فتفرِّخ، وهنا لابد أن نلاحظ الآثار التي ينتجها ورق اللعب:

- إهمال في الواجبات الشرعية: كتأخير الصلاة عن أوقاتها..

- إهمال في الواجبات الأخلاقية: تجاه الأهل والأصدقاء والمجتمع ككل..

- التقصير في المسؤوليات: تجاه الأسرة والزوجة والأطفال..

- ترك الصلاة، خاصة الصبح منها عندما تكون السهرة طويلة..

- إزعاج أهل بيت الشخص المستضيف للعب الورق (وقد يكون مرغمًا)..

- الكلام القبيح أثناء اللعب..

- الانفعال والغضب وانتفاخ الأوداج ودخول الشيطان في العروق..

- الشتائم التي يتفكه بها اللاعبون، وخاصة عند الانتصارات أو الهزائم..

- إزعاج للجيران وإقلاقهم..

- التأخر عن دوام العمل..

- الانجرار لمصاحبة ذوي السمعة السيئة والتخلق بأخلاقهم..

- تأهيل اللاعب للدخول في أندية القمار عندما يصبح ذا خبرة..

- إذا تطورت مراحل اللعب ووصلت إلى أندية القمار، يعتاد اللاعب على الكسب السريع، وبالتالي في صورة الربح يتخاذل عن السعي والعمل والكدح لتحصيل المعيشة، فيصبح غير منتج، وإن خسر يحاول الاستعاضة عن كسبه السريع بكسب سريع آخر عبر السرقة ونحوها..

إذن ظاهرة اللعب بالورق تساهم في خلق جو بعيد عن التدين، وفي جعل المجتمع متخلفًا وغير منتج.

الفصل الثاني: موانع التحرك

التثاقل إلى الأرض سببه التعلق بالمصالح الدنيوية

إن العنصر الأساسي المؤدي إلى التخاذل والالتصاق بالأرض عند الدعوة إلى النفر هو التعلق بالمصالح الدنيوية التي تخدع وتفتن، ولذا نجد الإمام زين العابدين (عليه السلام) يقول في دعائه لأهل الثغور: (وأَنسِهم عند لقائهم العدو ذكر دنياهم الخداعة الغرور، وامحُ عن قلوبهم خطرات المال الفتون..)([8]).

ولو أننا نعرف قيمة المصالح الدنيوية -مهما جلَّت وعظمت- أمام الآخرة ودوامها وما أعده الله لعباده في تلك الدار، لوجدنا أن الدنيا تضؤل بالمقارنة والموازنة مع الآخرة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ثم يرفعها فينظر بمَ ترجع)([9]).

وقال (صلى الله عليه وآله): ما لي والدنيا، إنما مثَلي ومثل الدنيا كمثل راكب قام من القيلولة في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها([10]).

تحويل المادة الجامدة إلى طاقة متحركة

قال تعالى: {..فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}([11]).

إن المادة الثقيلة التي تمسكها بيدك، عندما تتركها تسقط إلى الأرض وتستقر عليها، ولكن عندما تتحول تلك المادة إلى طاقة فإنها تتحرك وترتفع..

والحياة برمتها تسير على هذا المبدأ، مبدأ التحول إلى طاقة، ولولا ذلك لتوقفت عجلة الحياة...

فالسيارة والطائرة لا تتحرك إلا بعد تحول البنزين من مادة إلى طاقة.. والرصاصة لا تنطلق إلا عند تحول مادة البارود إلى طاقة.. والصاروخ لا ينطلق إلا بعد تحول المادة الدافعة إلى طاقة.. وهكذا..

وكذلك الحال بالنسبة للإنسان، فإنه يمتلك صنفًا متميزًا من الطاقة يتمثل في العزيمة والهمة العالية.. وما الأمر بالنَّفْرِ الواردُ في الآية المباركة إلا دعوة من الله لنا لتفعيل تلك الطاقة، كي نتحرك وننطلق في سبيل الله.. في سبيل الإسلام الذي هو دين الأنبياء جميعًا..

نعم هو دعوة من الله لنا كي نتحرك في نفس الاتجاه الذي مشى فيه الأنبياء، ونخطو في إثرهم، ونشعر بالانتماء إليهم، وهم الأدلاء على السبيل.. الأدلاء على النهج ببعديه: السماوي المرتبط بالله، والأرضي المرتبط بخدمة عيال الله..

وإذا ما وصلنا إلى الشعور بالانتماء إلى الأنبياء، نشعر عندها بالعزة التي يمنحها الله لرسله وللمؤمنين، العزة التي تتوهج فتتضاءل أمامها مشاعر الانتماء إلى الفئات الفلانية، أو الوظائف الفلانية، أو النقابات الفلانية، أو إلى المسؤولين الفلانيين الذين قد تتملكهم حالات من الغرور الكاذب، ولكن سرعان ما يتلاشى ويذهب جفاءً..

ولكي تتلمس تلك الطاقة الكامنة التي غرسها الله في أعماقك يكفيك أن تشد قبضة يدك، وتنادي (يا الله) أو تقول (يا علي).. أو تلطم على صدرك، وتصرخ (يا حسين).. لتشعر بدفق تلك الحرارة وهي تتفجر من أعماق كيانك، وتترجم عمليًا كلمة: (إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبدًا).

نعم لقد فجَّر الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته وشهادته طاقة متدفقة في داخل قلب كل مؤمن بخط الحسين وثورة الحسين الخالدة..

لقد فجَّر طاقة تدفع نحو الجهاد، نحو مقارعة الظالمين، نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نحو التصحيح، نحو التغيير إلى الأفضل، نحو الإصلاح في أمة محمد (صلى الله عليه وآله)..

نعم، إن الأمر بالنفر هو أمر بتفعيل تلك الطاقة الكامنة في كل واحد منا، فإن من لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.. يعني تدوسه الأقدام.. يعني يرضى بحياة الذل غير المسموح بها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): إن الله فوَّض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه، ألم تسمع قول الله عز وجل {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}([12]).

إلقاء الحجة والحث على التحرك

كفى نومًا.. كفى سباتًا.. كفى خنوعًا واستسلامًا.. ينقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه لما نزل عليه الوحي ترك كل راحة وكان يدأب ليل نهار في العبادة والعمل، حتى أشفقت عليه خديجة فقالت له: يا رسول الله ألا تستريح ؟! ألا تنام ؟! فقال (صلى الله عليه وآله): لقد مضى عهد النوم يا خديجة([13]).

وينقل الأصبغ بن نباتة صورة عن حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث كان يصل الليل بالنهار والنهار بالليل، وبعد يوم شاق مضنٍ يعود أمير المؤمنين (عليه السلام) برفقة الأصبغ إلى الدار، يقول الأصبغ: فنمت في الدار وذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى غرفة من غرف الدار، ولم يكن النوم قد غلبني بعد، وإذا بي أرى الإمام (عليه السلام) ينزل من الدرج وهو منحن من شدة الإرهاق والنعاس، وكان يستند بيده الكريمة إلى الحائط، فظننت أن الإمام يريد شيئًا، فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا تريد؟ قال الإمام (عليه السلام): أريد أن أصلي لربي ركعات. قلت: يا أمير المؤمنين قبل قليل جئت إلى الدار، وما نمت إلا قليلاً، فكيف تقوم ؟ ألا ترحم نفسك ؟! ألا تستريح ؟!  فقال الإمام (عليه السلام): يا أصبغ كيف أنام ؟! إن نمت النهار ضيعت رعيتي! وإن نمت الليل ضيعت نفسي([14])!

وختامًا، لا بد من الجد والعمل في سبيل إصلاح الذات والمجتمع، حتى لا نندم يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. 

فقد جاء في الحديث الشريف أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن قول الله تعالى: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}([15])؟ فقال (عليه السلام): إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنتَ عالمًا؟ فإن قال نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلاً قال له: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟ فيخصمه. فتلك الحجة البالغة([16]).


([1]) سورة التوبة آية 38 39.

([2]) سورة النور آية 19.

([3]) ميزان الحكمة ج2 ص 994 / نقلاً عن غرر الحكم.

([4]) مستدرك الوسائل ج12 ص 192.

([5]) وسائل الشيعة ج11 ص 406.

([6]) سورة المائدة آية 90.

([7]) وسائل الشيعة ج 16 ص 401.

([8]) الصحيفة السجادية في دعائه لأهل الثغور.

([9]) روضة الواعظين للنيسابوري ص 440.

([10]) المصدر السابق.

([11]) سورة النساء آية 95.

([12]) سورة المنافقون آية 8.

([13]) السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 111.

([14]) نفس المصدر ص 112.

([15]) سورة الأنعام آية 149.

([16]) أمالي الشيخ المفيد ص 228.

 

 

القصيدة العينية

الشاعر الشيخ محمود عباس العاملي (ره)

 

حتَّامَ أنتَ بِما يَضُرُّكَ مولَعُ
وإلى مَ أنتَ عنِ العبادةِ مُعرِضٌ
والمالُ إنْ يُحْرَزْ لديكَ جميعُهُ
قدْ مرّ عمرُكَ في الضَّلالةِ وانقضى
أفنيتَ عمرَكَ عن معادِكِ لاهيًا
وإذا سمعتَ فلا تجيبُ مناديًا
إنْ كانَ غرَّكَ أنَّ ربَّكَ راحِمٌ
فكذاكَ ربُّكَ وهو أعظمُ مُنْعِمٍ
فَلِما تَجِدُّ مِنَ الصَّباحِ إلى المسا
لِمْ لا تقولُ هو الكريمُ ورزقُهُ
نَبِّه فُؤادَكَ يا ابنَ آدمَ قَبلَما
أَطِعِ الإلَهَ بِما دَعاكَ لِفِعلِهِ
أَدِّ الصَّلاةَ وَلا تَكُنْ مُتَكَبِّرًا
وهي العمودُ لما عملتَ ورأسُهُ
فإذا الصَّلاةُ تُقُبِّلَتْ فجميعُهُ
وإذا الإلهُ لسوءِ فعلِكِ ردَّها
أدِّ الزكاةَ فإنَّها مفروضةٌ
أختُ الصلاةِ فليسَ يُفْلِحُ واحدٌ
أدِّ الصيامَ فإنَّهُ لكَ جُنَّةٌ
وفريضةُ الحجِّ الذي من ناله
ومسوِّفُ الحجِّ الشريفِ مع الغنى
إياكَ تسويفَ الأمورِ فأنتَ في
فغدًا تموتُ وتحتويكَ جنادلٌ
فالبيتُ قبرٌ مظلمٌ لو حَلَّّهُ
أو روضةٌ فيها المسرَّة والهنا
يأتيكَ فيها المنكرانِ ليسألا
فإذا هُديتَ إلى الصوابِ فأنتَ
وإذا ضَلَلتَ عن الصوابِ فأنتَ
وهناكَ لا مالٌ لديكَ فتفتدي
وهناك تحصدُ ما زرعتَ ندامةً
ضيَّعتَ نفسَكَ إذ تركتَ زِمامَها
أفلا تؤوبُ إلى الصلاحِ وتنتهي
أفلا تنيبُ إلى الإلهِ وأنتَ في
فلعلَّ ربَّكَ يرتضيكَ فعفوُهُ
لا تيأسَنَّ إذا أَنَبْتَ من الرضى
واليأسُ إن يغلبْ عليكَ فإنَّهُ
كُنْ راجيًا عفوَ الإلهِ وخائفًا
فهو الشديدُ على العصاةِ عقابُهُ
يا ويلَ عبدٍ قانطٍ من عفوهِ
يا ويلَ عبدٍ آمنٍ من بطشِهِ
يا ويلَ عبدٍ ظالمٍ متكبرٍ
يا أيها العبدُ المعظِّم نفسَهُ
خَلِّ التكبرَ فالتكبرُ خيبةٌ
فالكبرياءُ من العبيدِ وقاحةٌ
فإلى مَ تخضعُ للعبيدِ وحكمهِمِ
أتخافُ من عبدٍ ذليلٍ خاملٍ
حكموا عليكَ وما حبَوكَ بنعمةٍ
والشرُّ منهم دائمًا مترقَبٌ
وعظيمهم مهما تعاظمَ قدرُهُ
والعبدُ إن يَملِكْ فَملكٌ زائلٌ
واللهُ ربُّكَ ليسَ يفنى ملكُهُ
فإلى مَ تُهمِلُ ما يدومُ وتعتني
أفلستَ تعلمُ أنَّ مالَكَ ذاهبٌ
فغدًا يكونُ إلى سواكَ مصيرُهُ
فتكونُ أنتَ بما جنيتَ محاسَبًا
هذا هو الداءُ العضالُ فما لهُ
إلا شفاعةُ من لأجلِ وجودِهم
وهمُ النبيُّ المصطفى ووصيُّهُ
والبَضعةُ الزهراءُ سيدةُ النِّسا
والسيِّدُ السبطُ الشهيدُ بكربلا
والباقرُ العلمِ الذّي في صدرِهِ
والصادقُ القولِ الذّي أنوارُهُ
والكاظمُ الغيظِ الذّي في بابِهِ
والضامنُ السامي المقام ومن بهِ
والسيّدُ السندُ الجوادُ محمدٌ
والسيّدُ الحسنُ الزكيُّ ومن غدا
فمحمدٌ خيرُ الأنامِ وآلُهُ
فهمُ الصراطُ المستقيمُ وحبُّهم
إنْ رُمتَ أن تُعْطَى السعادةَ في
فَوَلاهُمُ الحصنُ الحصينُ لخائفٍ
 من لاذَ فيهم لا يخافُ فؤادُهُ
يا سيدَ الرُّسُلِ الكرامِ ومن به
يا زينةَ العرشِ العظيمِ ومن له
ما لي سواكَ من البريّةِ ملجأٌ
هل أنتَ يا خيرَ الخلائقِ تاركي
وأنا الذّي ما اخترتُ غيرَ ولائِكُم
عاديتُ فيكُم من أضاع حقوقَكُم
ولَزِمتُ منهجَ من يَدينُ بحبّكُم
حاشا يخيبُ من يلوذُ بظلّكُم
فعليكمُ صلّى الإلهُ مسلِّمًا

 

 

طَوع الهوى وتَصُدُّ عَمَّا يَنْفَعُ
وبأمرِ عيشِكِ دائبٌ لا تهجعُ
لا تشبعَنَّ ولا فؤادُكَ يقنعُ
فمتى تؤوبُ إلى الصلاحِ وترجعُ
وإذا دُعيتَ إلى الهدى لا تسمعُ
وإذا دُعيتَ إلى الضَّلالةِ تسرعُ
وبِعفوِهِ يومَ القيامةِ تطمعُ
ونوالُهُ عن خلقِهِ لا يُمنعُ
في كُلِّ يومٍ خَلفَ مَالٍ تجمعُ
مِمَّن بَراهُ من الخَلائِقِ أوسعُ
يَأتيكَ يَومٌ هولُهُ لا يُدفعُ
أَو تَرْكِهِ فَثَوابُهُ لَكَ يَرجِعُ
إِنَّ الصَّلاةَ عَن الفَواحِشِ تَردعُ
وعلى الصلاةِ جميعُهُ يَتفرعُ
مُتَقبَّلٌ ولدى المهيمنِ يُرفعُ
ردَّ الجميعَ وخابَ منكَ المطمعُ
ينمو بها مالُ المزكِّي أجمعُ
عنها يصدُّ البائسين ويمنعُ
وبهِ غدًا يومَ الجزا تَتَدَرَّعُ
نالَ الغنى والفقرُ عنه يُدفعُ
سيموتُ مع أهلِ الضلالِ ويُجمعُ
دارِ الغرورِ وعن قريبٍ تُقلعُ
في حفرةٍ منها الحشا يتقطعُ
ليثُ العرينِ لضاقَ فيه المضجعُ
والنورُ للضيفِ المكرَّم يسطعُ
عمَّا صنعتَ وأيَّ دينٍ تَتْبَعُ
من أهلِ النعيمِ بِخيرها تتمتعُ
من أهلِ الجحيمِ وبالمقامعِ تُقْرَعُ
كلا ولا وَلَدٌ هنالِكَ ينفعُ
والمرءُ يحصدُ دائمًا ما يزرعُ
فغدَت تعيشُ كما تشاءُ وترتعُ
عمَّا يضُرُّ وتنتحي ما ينفعُ
قيدِ الحياةِ وعن ذنوبكَ تُقْلِعُ
عمَّا جنيتَ من المآثمِ أوسعُ
فمن ارتجي منه الرضى لا يمنعُ
من كلِّ ذنبٍ من ذنوبِكَ أفظعُ
من بطشِهِ ولْتَجْرِ منكَ الأدمعُ
وهو الرؤوفُ بمن أتى يتضرعُ
يا ويلَ عبدٍ بالمعاصي يُصرعُ
ومن المآثمِ لم يزل يتبضَّعُ
يقضي الحياةَ بغيِّهِ يتوسعُ
وإذا عَراهُ أقلُّ سوءٍ يجزعُ
أينَ التكبرُ من ذليلٍ يخشعُ
وسفاهةٌ عنها الحِجى يتورعُ
ولحكمِ ربِّكَ ساعةً لا تخضعُ
وعلى الذي خلقَ الورى تترفعُ
وعليك منهُ أنعمٌ تتدفَّعُ
والخيرُ منهُ دائمًا متوقَّعُ
فمن البعوضةِ يستغيثُ ويضرعُ
يهوي إذا وافتْهُ ريحٌ زعزعُ
فَلَهُ الكمالُ ولَهُ الجلالُ الأرفعُ
فيما يزولُ من الحطامِ وتجمعُ
وجميعُ ما تجني لغيرِكَ يرجِعُ
وعلى سواكَ جميعُهُ يتوزَّعُ
وسواكَ فيهِ آمنًا يتمتَّعُ
آسٌ يُطِبُّ ولا دواءٌ ينفعُ
خُلِقَ الوجودُ وما حواه أجمعُ
مولى البريَّةِ والبطينُ الأنزعُ
والمجتبى الحسنُ الزكيُّ الأروعُ
ووصيُّهُ زينُ العبادِ الأورعُ
بحرٌ محيطٌ بالهدى يتدفَّعُ
شمسٌ تضيءٌ بها الجهاتُ الأربعُ
تُقضى الحوائجُ والبلايا تُدفَعُ
تُعطى الجنانُ لمن أتى يتضرعُ
ووصيُّهُ الهادي العمادُ الأرفعُ
بظهورِهِ ظُلَمُ الدُّجى تتقشّعُ
من كلِّ من أبرا المهيمنُ أرفعُ
من كلِّ أعمالِ البريّةِ أنفعُ
غدٍ وتنالَ خيرًا دائمًا لا يُقطعُ
وحماهُمُ الكهفُ الأعزُّ الأمنعُ
كلا ولا من شرِ هولٍ يفزعُ
كلُّ الخلائقِ في غدٍ تَتَشفّعُ
جاهٌ لدى باري الورى لا يُدفعُ
كلا وما لي غير آلِكَ مفزعُ
يومَ القيامةِ في لظى أتلوَّعُ
أبدًا ومالي في سواكُم مطمعُ
ولو انَّ أنفي بالعداوةِ يُجدَعُ
وأرى السعادةَ أنني أتشيعُ
ولنيلِ سابغِ فضلِكُم يتوقعُ
ما دامتِ الشمسُ المنيرةُ تسطعُ

 

 

 

 

115%