رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

لا تتحقق الغاية التي يسعى إليها الكاتب بمجرد إتمام عملية الكتابة والنشر، بل لا بد من إضافة عملية القراءة الواعية لتحقيق الغاية المرجوّة، إذ لولا القراءة الواعية فإن عملية الكتابة والنشر تعدو أمرًا عبثيًا خاليًا من الفائدة.

ونحن حين نقيّد القراء بقيد القراءة (الواعية)، فإننا نريد الإشارة إلى أن القراءة ليست مجرد عملية سلبية تقوم على التلقي، دون أن يكون للقارئ دور إيجابي وفاعل فثي هذه العملية، بل بات من المسلم به أن للقارئ دوره الملحوظ في إعادة خلق النص من خلال عملية القراءة، فالقارئ هو الذي يربط ويستنتج ويحكم.. وهو الذي يفسر الرموز ويعبر إلى المعاني..وهو الذي يفرح ويحزن وينفعل.. وبكلمة واحدة إن القارئ هو الذي يضفي الحياة على النص المكتوب.

ولأجل ذلك كله كنا نحاول استحضار القارئ في كل خطوة نخطوها في عملنا، فنستحضره في مرحلة اختيار المقالات، كما نستحضره ونحن نعد للنشر ونتخير الترتيب والخطوط والإخراج الفني... ثم نسعى لمعرفة رأيه بعد إتمام عملية النشر.

وهذا ما دفعنا لأن ننشر بعض ما يردنا من القراء الكرام في عدد سابق أحد الأخوة الأفاضل ووعدنا بنشر المزيد مما يصلنا من الرسائل، وها نحن اليوم ننشر رسالة أخرى نعتز بها، وهي الرسالة التي وردتنا من إدارة حوزة الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) في بعلبك وقد جاء فيها:

باسمه تعالى

التاريخ : 4/12/2005  الموافق : 2 ذق 1426هـ

رقم الصادر : 7/110/ر ص

من : إدارة حوزة الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)

إلى : الإخوة في إدارة مجلة رسالة النجف (حفظهم المولى)

الموضوع : رسالة شكر وتقدير .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين  وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد ..

هو ذوق وأدب وخُلقُ الدين ، قد تعاضد مع أقلامٍ بحلية الصالحين ، فقد كانت منكم "رسالةٌ" بحرها "النجف" ، وشاطئها علماء قد خطّوا مداد علمهم في نكات هذا الدين ، وها هو يشرق رحيق الفقه بطعم الأصول مع لذيذ الروح بأخلاق الأئمة عليهم السلام ، هي مواضيع كانت شاهدًا على جمال مجلتكم ، ومبشرة بخير تقواكم ، ومنذرة وداعية إلى سراج الهدى بنور النبي (ص) وآله الأطهار (ع) ، هكذا يُشكر حقّكم من زاوية الآية المباركة التي نوّرتم بها صفحة "رسالة النجف" .

نبارك لكم جهدكم العظيم ، ونشكركم ثانية على كرمكم في تخصيصنا بنسخ من عددكم المبارك هذا ، سائلين المولى جلّ وعلا دوام الموفقية لرئيس وأسرة التحرير ، مع أصحاب المتابعة والتنسيق ، ومن أفاض في ملف عددكم الكريم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إدارة حوزة الإمام المنتظر (عج)

 

 

 

دور علي (ع)  في حروب الردة

الشيخ علي كوراني

مقدمة

كان علي  (عليه السلام)  العمود الفقري في معارك النبي (صلى الله عليه وآله) وانتصاراته، وعندما أبعدوه عن الخلافة واعتزل، فكر الطامعون من القبائل بغزو المدينة واحتلالها، أو فرض شروطهم على أبي بكر وعمر، فهاجموا المدينة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)!

وهنا نهض علي  (عليه السلام)  مدافعًا عن الإسلام وأهله، ورتّب حراسة المدينة، وانتشر خبر قيادته للمسلمين، فتفاجأ بذلك المهاجمون من جموع القبائل، وارتدّوا على أعقابهم خائبين، فتبعهم المسلمون إلى معسكرهم في ذي القصة، على بعد ثلاثين كيلومترًا عن المدينة، والمرجح أن عليًا  (عليه السلام)  قصد قائدهم وهو حبّال أخو طليحة المتنبئ وقتله، وبدأت حملة المسلمين لحرب المتنبئين، وأولهم طليحة الأسدي في حائل، ثم مسيلمة في اليمامة، التي تُسمّى اليوم الرياض.

كانت الردة خطراً من زمن النبي (ص)

أول من حاول الردة والتخلّص من حكم النبي (صلى الله عليه وآله) قريشٌ، وذلك بعد فتح مكة، فقد كانت ترى أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخضعها وفتح عاصمتها عنوةً، وأجبرها على خلع سلاحها، والدخول في الإسلام.

وقد بحثنا في كتاب آيات الغدير محاولتها الاستقلال بقيادة سهيل بن عمرو، وكيف شلّت حاكم مكة أسيد بن عتاب الذي عيّنه النبي (صلى الله عليه وآله)، وجاء سهيل إلى المدينة طالبًا أن يعامل النبي (صلى الله عليه وآله) قريشًا كدولة مستقلة، وتأييد أبي بكر وعمر له! وجواب النبي (صلى الله عليه وآله) القاطع لهم وتهديدهم بعلي (عليه السلام)  : (فقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش، حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا)([1]). أي على الإسلام، وهو تصريح بأنهم لم يسلموا!.

وكذلك هدّد النبي (صلى الله عليه وآله) ثقيفًا وقبائل أخرى بعلي (عليه السلام) ، وأخبرهم أنه سيقاتل بعده المنحرفين على تأويل القرآن كما قاتل هو على تنزيله([2]).

كما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) عليًا  (عليه السلام)  أن يعلن تهديده لقريش ومن يفكر بالردة. وهو موقف وقائي لمنعهم من التفكير بالردة!

قال ابن عباس: (إن عليًا  (عليه السلام)  كان يقول في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل يقول: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([3])، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل، لأقاتلنَّ على ما قاتل عليه حتى أموت. لا والله. إني لأخوه ووليُّه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني)! ([4]).

كانت موجة الردة تريد محو الإسلام!

قال ابن واضح اليعقوبي يصف الردة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله): (وتنبّأ جماعة من العرب، وارتدّ جماعة ووضعوا التيجان على رؤوسهم، وامتنع قوم من دفع الزكاة إلى أبي بكر. وكان ممن تنبّأ طليحة بن خويلد الأسدي بنواحيه، وكان أنصاره غطفان وفزارة، ورئيسهم عيينة بن حصن الفزاري. والأسود العنسي باليمن. ومسيلمة بن حبيب الحنفي باليمامة. وسجاح بنت الحارث التميمية، ثم تزوجت بمسيلمة. وكان الأشعث بن قيس مؤذنها)([5]).

وقال الطوسي في المبسوط: (أهل الردة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضربان: منهم قوم كفروا بعد إسلامهم، مثل مسيلمة وطليحة والعنسي وأصحابهم، وكانوا مرتدين بالخروج من الملّة بلا خلاف. والضرب الثاني: قوم منعوا الزكاة مع مقامهم على الإسلام وتمسّكهم به، فسُمّوا كلهم أهل الردة، وهؤلاء ليسوا أهل ردة عندنا وعند الأكثر)([6]).

وقال الزمخشري في الكشّاف: (وقيل: بل كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة:

- ثلاث في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله): بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي، وكان كاهنًا تنبّأ باليمن واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيَّته فقتله، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتله ليلة قتل، فَسُرَّ المسلمون، وقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الغد، وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسيلمة، تنبّأ وكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ...

وبنو أسد، قوم طليحة بن خويلد ...

- وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قُرَّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل. وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة. وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب .. وكندة قوم الأشعث بن قيس. وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد. وكفى الله أمرهم على يدي أبي بكر.

- وفرقة واحدة في عهد عمر: غسان قوم جبلة بن الأيهم، نَصَّرَتْهُ اللطمة (من عمر) وسيَّرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه)([7]).

أقول: هذا التعداد للمرتدين غير دقيق، فبعضهم أشيع عنهم أنهم ارتدوا، لأنهم اعترضوا على خلافة أبي بكر فسمّاهم مرتدين، كبني يربوع من بني تميم، الذين كان رئيسهم مالك بن نويرة &، صحابيًا جليلاً شهد له النبي (صلى الله عليه وآله) بالجنة.

فقد جاء مالك إلى المدينة فتفاجأ بأبي بكر على منبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فاعترض عليه وسأله: أين علي الذي أوصانا النبي (صلى الله عليه وآله) بطاعته من بعده؟ فأجابه أبو بكر، ورد عليه مالك، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد أن يخرجه من المسجد واتهمه بالردة.

وعندما أرسل أبو بكر خالدًا لقتال طليحة، أمره أن يقتل مالك بن نويرة حتى لا يفتق على خلافته فتقًا، ويحشد معه بني تميم، فذهب خالد واحتال على مالك، فقتله غدرًا وأخذ زوجته! وقد اعترض عليه عدد من الصحابة كانوا معه مثل عبد الله بن عمر وأبي قتادة الأنصاري، فلم يسمع منهم، كما انتقده عمر، وطالب أبا بكر أن يقتص من خالد، لأنه قتل مسلمًا وَعَدا على زوجته!

لكن استغلال شعار الردة لتصفية المعارضين للسقيفة لا ينفي وجود حركة ردة في قبائل العرب، فقد تصوّر عددٌ من القبائل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) أن نبوّة قريش انتهت بوفاته (صلى الله عليه وآله)، وجاءت الفرصة لها لتعلن نبوّتها، وتتحرك وتحقق مكاسب، كما حقّقت قريش من نبوّتها!

وهكذا كانت الردة وادعاء النبوة فورة طمع من قبائل لم يدخل الإيمان في قلوبها، وغرضها تحقيق مكاسب مادية عن طريق ادّعاء النبوة. قال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ..}([8]).

روى في تاريخ دمشق: (فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام عيينة بن حصن في غطفان فقال: ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد، وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة. ووالله لأن نتبع نبيًا من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبيًا من قريش. وقد مات محمد وبقي طليحة! فطابقوه على ذلك)! ([9])

ويقصد بالحليفين: غطفانًا وأسدًا. وهو كقول أبي جهل: نبيٌّ من بني هاشم! لا والله حتى يكون نبي من مخزوم!

واندفعت القبائل وهاجمت المدينة، لكنها اكتشفت أن دولة النبي (صلى الله عليه وآله) قوية، وأن أصحابه ثابتون على نبوته، ماضون في سياسته، فتراجعت منهزمة بخفة، أو بعد مناوشة مختصرة، أو احتاجت إلى قوة صغيرة من المسلمين المحليين.

وبعضها احتاج إحباطها إلى إرسال قوة من عاصمة الخلافة، كطليحة، أو إرسال جيش كبير وخوض معركة قوية مع متنبئها، كمسيلمة.

وقد وصف علي  (عليه السلام)  ردة القبائل بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال في رسالته إلى أهل مصر: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله))!([10]).

وأهم حركات الردة ثلاث :

الأولى: حركة الأسود العنسي، الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل عامل النبي (صلى الله عليه وآله) وسيطر على صنعاء، وقد أنهى النبي (صلى الله عليه وآله) حركته، وجاءه الوحي في مرض وفاته (صلى الله عليه وآله) بقتل الأسود العنسي، وأخبر المسلمين بذلك.

والثانية: حركة طليحة الأسدي، الذي جمع عدة قبائل وهاجم المدينة، فنهض أمير المؤمنين علي  (عليه السلام)  والصحابة لمواجهته. وأرسل له أبو بكر عدي بن حاتم، ثم أرسل قوة بقيادة خالد بن الوليد، ولكن خالدًا وصل بجيشه إلى قرب معسكره في بزاخة، فوجده قتل الفارسين الشجاعين اللذين أرسلهما خالد للاستطلاع، وهما ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن، فخاف خالد، ورجع قاصدًا عدي بن حاتم الطائي، الذي كان ناشطًا في إقناع بني طيء وحلفائهم بجيلة بترك طليحة، فنجح عدي في مسعاه، وانضم إلى خالد في جيش من طيء وبجيلة، وقصدوا طليحة، وتولّى عدي والأنصار قتاله ولم يقاتل خالد أبدًا، فانهزم طليحة وهرب إلى الشام، وتفرّق عنه أتباعه، وانتهت حركته.

والحركة الثالثة: حركة مسيلمة الكذاب، وهي أهم حركات الردة والتنبؤ، فقد جمع حوله قبيلته بني حنيفة، ومعهم قليل من غيرهم، وكان مركزه اليمامة التي هي الرياض نفسها أو قربها، وقد وقعت المعركة في عقرباء، وتسمّى اليوم الجبيلة، وتبعد نحو 40 كيلو مترًا عن الرياض.

وقاد المسلمين فيها خالد بن الوليد لكنه لم يقاتل بنفسه أبدًا، واستمرت المعركة يومين، واستشهد فيها من المسلمين نحو ألف ومائتين، وقتل من أتباع مسيلمة حسب الرواة واحدٌ وعشرون ألفاً، وقُتِل مسيلمة، وانتهت حركته.

أبو بكر وعمر يفتقدان إلى المقوّمات العسكرية

تضرب الأمثال عند العرب والعالم بشجاعة علي بن أبي طالب  (عليه السلام)  وبطولته، ويليه -لكن مع فارق كبير- أفراد معدودون من الصحابة. أما الباقون فكان أحدهم إذا حميَ الوطيس يحفظ نفسه في الصفوف الخلفية، أو يهرب مُوَلِّيًا من المعركة، تاركًا النبي (صلى الله عليه وآله) لسيوف أعدائه!

وقد وصفتهم الزهراء (عليهما السلام) فقالت: «وكنتم على شفا حفرة من النار، مُذقة الشارب، ونَهزة الطامع، وقَبْسَة العَجْلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطَّرَق، وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بأبي بعد اللُّتَيَّا والتي، وبعدما مُنِيَ ببُهم الرجال، وذؤبان العرب، ومَرَدَة أهل الكتاب، كلما حَشَوْا ناراً للحرب أطفأها، ونَجَمَ قرنٌ للضلال، وفَغَرت فاغرة من المشركين، قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحده، مكدودًا في ذات الله، قريبًا من رسول الله، سيدًا في أولياء الله، وأنتم في بَلَهْنِيَةٍ وادعون آمنون .. حتى إذا اختار الله لنبيه (صلى الله عليه وآله) دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين ... الخ.»([11]).

وكما أجمع المسلمون على شجاعة علي  (عليه السلام) ، أجمعوا على أن أبا بكر وعمر لم يشتركا في أي معركة من معارك النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يضربا ضربةً بسيف، ولا طعنا طعنةً برمح! بل كانا عندما تبرز الأبطال ويزحف الصفان، يتأخران إلى الصفوف الخلفية يحفظان حياتهما، أو يولِّيان الدبُر ويهربان!

وفي المناقب: «المعروفون بالجهاد: علي، وحمزة، وجعفر، وعبيدة بن الحارث، والزبير، وطلحة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وسعد بن معاذ، ومحمد بن مسلمة. وقد أجمعت الأمة على أن هؤلاء لا يقاسون بعلي  (عليه السلام)  في شوكته وكثرة جهاده. فأما أبو بكر وعمر فقد تصفحنا كتب المغازي فما وجدنا لهما فيه أثرًا البتة»([12]).

وروى سليم بن قيس قول علي  (عليه السلام)  يصف أبا بكر وعمر وعثمان: (ألا إن العجب كل العجب من جهّال هذه الأمة وضلالها، وقادتها وساقتها إلى النار، لأنهم قد سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عودًا وبدءًا: ما ولَّت أمة رجلاً قط أمرها وفيهم أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا! فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط، ما منهم رجل جمع القرآن، ولا يدّعي أن له علمًا بكتاب الله ولا سنة نبيه. وقد علموا يقينًا أني أعلمهم بكتاب الله وسنّة نبيه، وأفقههم وأقرأهم لكتاب الله، وأقضاهم بحكم الله، وأنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا غناء معه في جميع مشاهده، فلا رمى بسهم، ولا طعن برمح، ولا ضرب بسيف، جبنًا ولؤمًا ورغبةً في البقاء.

وقد علموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاتل بنفسه فقتل أبيَّ بن خلف، وقتل مسجع بن عوف، وكان من أشجع الناس وأشدّهم لقاءً، وأحقّهم بذلك.

وقد علموا يقينًا أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي، ولا يبارز الأبطال ولا يفتح الحصون غيري، ولا نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) شديدة قط، ولا كربة أمر، ولا ضيق ومستصعب من الأمر، إلا قال: أين أخي علي، أين سيفي، أين رمحي، أين المفرج غمي عن وجهي! فيقدّمني فأتقدّم فأفديه بنفسي، ويكشف الله بيدي الكرب عن وجهه. ولله عز وجل ولرسوله بذلك المَنُّ والطَول حيث خصّني بذلك ووفّقني له. لم يكن لأبي بكر وعمر أي سابقة في الدين. وإن بعض من سمّيت ما كان ذا بلاء ولا سابقة ولا مبارزة قرن، ولا فتح ولا نصر، غير مرة واحدة، ثم فرَّ ومنح عدوه دُبُرَه، ورجع يُجَبِّن أصحابه ويجبنونه، وقد فرَّ مرارًا! فإذا كان عند الرخاء والغنيمة، تكلّم وتغيّر وأمر ونهى)! ([13])

أقول: وكلامه  (عليه السلام)  أطول من هذا، وهو مليء بالحجج والحقائق الدامغة.

ثم نلاحظ أن الله تعالى أنزل السكينة على النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين في حُنين فقال: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ َ، ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}([14]). بينما أنزلها في الهجرة على النبي (صلى الله عليه وآله) وحده ولم ينزلها على صاحبه، مع أنه كان حزينًا. قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}([15]).. ولم يقل: عليهما.

وفي معركة بدر: قال الله عز وجل عن فريق من الصحابة: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ }([16]).

قال مسلم في صحيحه: «شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه»([17]).

وفي الدر المنثور : «فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنها قريش وعزها! والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فتأهّب لذلك أهبته واعدد له عدّته»([18]). أي ارجع واستعد لقتالها في المستقبل! فهل يكون من ينصح النبي (صلى الله عليه وآله) بالرجوع وعدم قتال قريش، إلا من الذين يساقون إلى الموت وهم ينظرون!

وروى البخاري قول المقداد: «يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}([19])، ولكن امضِ ونحن معك! فكأنه سُرِّيَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»([20]).

ومعنى إعراضه (صلى الله عليه وآله) عن الشيخين وسروره بقول المقداد: أنه أفضل منهما وأشجع؟!

واعتذر أتباع أبي بكر عنه بأنه لم يقاتل في بدر، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) استبقاه معه في العريش أي في الخيمة، ليستشيره في إدارة المعركة!

لكنهم رووا أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج من الخيمة المزعومة وقاتل قتالاً شديدًا، ولم يكن معه أبو بكر ولا عمر، فأين كانا؟!

قال علي  (عليه السلام): «لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي (صلى الله عليه وآله) وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا»! ([21]).

أما عمر فاعترف بأنه رأى العاص بن سعيد بن العاص في بدر فهرب منه: «رأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، فإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فهبته وزغت عنه! فقال: إلى أين يا ابن الخطاب»!([22]).

ثم أنزل الله في بدر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([23]).

أقول: معناه لمن يعي، أنه كان في بدر فرارٌ من المبارزة، وفرارٌ إلى الصفوف الخلفية! وهو فرارٌ من الزحف بالمعنى الشرعي تام الشروط والأركان، مستوجب لغضب الرحمن.

وفي أُحُد: زعموا أن عمر وحده هرب وأبا بكر لم يهرب، فقال في الطبقات: «وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً، سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق، وسبعة من الأنصار»([24]).

لكنهم كذَّبوا أنفسهم، فقال أبو بكر إنه كان من أول من رجع من الفرار يوم أحُد! ففي الطبقات: «عن عائشة قالت: حدثني أبو بكر قال: كنت في أول من فاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد»([25]).

أي كان في الأوائل الذين عادوا من الفرار، وقد عادوا بعد الظهر، بعد أن انسحب المشركون وغادروا. وبعد أن صلى النبي (صلى الله عليه وآله) على الشهداء!

أما عمر فقد أقرّ بهروبه وتحدّّث عنه، ففي تفسير الطبري : «خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران .. قال: لما كان يوم أحد .. ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى، والناس يقولون: قتل محمد»([26]). والأروى: العنز الجبلية!

وفي سيرة ابن إسحاق أن أنس بن النضر: «انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم (أي انهاروا)، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله! قال: فما تظنون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)! ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل (رحمه الله)»([27]).

وفي تفسير الطبري: «قال أهل المرض والارتياب والنفاق حين فرَّ الناس عن النبي: قد قُتِل محمد، فالحقوا بدينكم الأول»!([28])

وقال أحدهم: «والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي (صلى الله عليه وآله) لنعطينهم بأيدينا! إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: لو أن محمدًا كان نبيًا لم يهزم ولكنه قد قُتِل! فترخّصوا في الفرار حينئذ»!([29]).

وفي معركة الخندق: أخذ الصحابة يستأذنون النبي (صلى الله عليه وآله) ليتفقدوا بيوتهم، فكانوا يذهبون ولا يعودون! وبعضهم هرب بلا استئذان!

قال حذيفة كما رواه الحاكم: «إن الناس تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة الأحزاب، فلم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلاً»!([30])

وهذا فرار مخفي، وقد فضحه الله تعالى بقوله: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً }([31]). ومعناه: أنهم ولّوهم الأدبار، بترك الخندق!

قال عبد الله بن عمر: «بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف، فأتيت النبي فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي، وقال: من لقيت فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا، وكان ذلك في برد شديد، فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم: إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا. قال: فلا والله ما عطف عليَّ منهم اثنان، أو واحد»!([32]).

ووصفت عائشة اختباء جماعة من الصحابة في حديقة، منهم عمر وطلحة، وكان عمر يتخوّف من الفرار العام، فيبرره طلحة بأنه فرارٌ إلى الله!

ورووا أنه بعد أن قتل عليٌّ  (عليه السلام)  عمرو بن عبد ود، أمر النبي (صلى الله عليه وآله) عمر بن الخطاب أن يبرز إلى ضرار بن الخطاب، فنكص عنه!([33]).

بينما روى الجميع قول النبي (صلى الله عليه وآله): «لمَبُارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد وُدٍّ يومَ الخندق، أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة»([34]).

وفي معركة خيبر: روى النسائي: ... دعا أبا بكر فعقد له لواءً ثم بعثه فسار بالناس فانهزم! فدعا عمر فعقد له لواءً فسار ثم رجع منهزمًا بالناس! فقال رسول الله: لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرّار([35]).

وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، كرّار غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه»([36]).

وفي غزوة ذات السلاسل: رجع أبو بكر وعمر منهزمين، فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله) عليًا فانتصر، ونزلت سورة العاديات([37]).

وفي حُنين: فرَّ أبو بكر وعمر مع الفارّين، وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسيوف عشرين ألف مقاتل من هوازن، وثبت معه بنو هاشم فقط!

قال الله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}([38]) . وروي أن أبا بكر عانهم، أي أصابهم بالعين.

وفي سيرة ابن كثير: «وقال أبو بكر الصديق: لن نُغلَب اليوم من قلّة، فانهزموا، فكان أول من أنهزم بنو سليم، ثم أهل مكة، ثم بقيّة الناس»([39]).

وقال المفيد في الإفصاح: «وكان أبو بكر هو الذي أعجبته في ذلك اليوم كثرة الناس فقال: لا نُغلب اليوم من قلّة. ثم كان أول المنهزمين ومن ولى من القوم الدبر، فقال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}([40]). فاختص من التوبيخ به لمقاله بما لم يتوجه إلى غيره، وشارك الباقين في الذم على نقض العهد والميثاق»([41]).

وستعرف خوف عمر ورأيه بعدم إرسال جيش أسامة، وعدم قتال المرتدين.

عندما داهمهم خطر الردة أحسّوا بالحاجة إلى علي  (عليه السلام)

ثبت لقبائل العرب من حروب النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قوة عسكرية لا تُقهر، فهو من بني عبد المطلب الشجعان الذين لا يعرفون ما هو الفرار، والوحي يأتيه، ومعه فرسان أبطال، أولهم وأعظمهم ابن عمه علي بن أبي طالب  (عليه السلام) ، الذي دوّى صيته في أرجاء الجزيرة، بعد أن جندل أبطال قريش في بدرٍ وأُحُد. وجندل بطل العرب الذي لا يبارى عمرو بن عبد ود العامري في وقعة الأحزاب.

واقتحم أكبر حصون خيبر بعد أن حاصره المسلمون شهرًا وعجزوا عن فتحه، وكان علي  (عليه السلام)  غائبًا، فجاء واقتحمه وحده وجندل بطل اليهود مرحبًا، وقلع باب الحصن ودخله، وقتل فرسانه وفتحه وحده، ثم التحق به المسلمون!

ففي سيرة ابن هشام: «... بعث أبا بكر الصديق برايته ... إلى بعض حصون خيبر فقاتل فرجع ولم يكُ فتح، وقد جهد! ثم بعث الغد عمر بن الخطاب، فقاتل ثم رجع ولم يكُ فتح، وقد جهد! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرّار! قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليًا رضوان الله عليه وهو أرمد فتفل في عينه ثم قال: خذ هذه الراية فامضِ بها حتى يفتح الله عليك. قال: يقول سَلَمة: فخرج والله بها يأنح، يهرول هرولة، وإنّا لخلفه نتبع أثره .. فما رجع حتى فتح الله على يديه»([42]).

وفي معركة حُنين، حيث حشدت هوازن عشرين ألف مقاتل، وكان جيش النبي (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر ألفًا، ففاجأته هوازن بكمين كبير فهرب الجيش كله، وثبت النبي (صلى الله عليه وآله) وبنو هاشم، فوكَّلهم عليٌّّ  (عليه السلام)  بحماية النبي (صلى الله عليه وآله)، وغاص في جيش هوازن يقطف رؤوس قادته فقط، حتى جندل أربعين من حملة الرايات، فوقعت فيهم الهزيمة، واستعاد النبي (صلى الله عليه وآله) الكفّة، وحقّق النصر المؤزّر.

بهذه القوة التي دوّى صيتها في الدنيا، كانت قبائل العرب تهاب النبي (صلى الله عليه وآله)!

وبهذه القوة كان النبي (صلى الله عليه وآله) يهدّدها، وتقدّم أنه هدّد قريشًا بأنها إن لم تنتهِ عن شيطنتها، فسيبعث لها عليًا  (عليه السلام)  ليؤدّبها، وكذلك هدّد ثقيفًا بعلي  (عليه السلام).

كما أمر عليًا  (عليه السلام)  أن يعلن تهديده لمن يفكر بالردة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، فأعلن ذلك. وقد تقدم قول ابن عباس: (إن عليًا كان يقول في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل يقول: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}([43])، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. لا والله. إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني)!([44]).

فأصل قوة المسلمين بعلي  (عليه السلام). وخوف قبائل العرب من علي  (عليه السلام). وعقدة قريش وثأرها عند النبي (صلى الله عليه وآله) وعند بني هاشم والأنصار، في علي  (عليه السلام)!

قال في المناقب: (قال ابن عمر لعلي  (عليه السلام): كيف تحبك قريش وقد قتلت في يوم بدر واحد([45]) من ساداتهم سبعين سيدًا، تشرب أنوفهم الماء قبل شفاهم. قال أمير المؤمنين  (عليه السلام):

ما تركت بدر لنا مذيقا

 

ولا لنا من خلفنا طريقا 

وسئل زين العابدين  (عليه السلام)  وابن عباس أيضًا: لم أبغضت قريش عليًا؟ قال: لأنه أورد أولهم النار، وقلّد آخرهم العار)([46]).

وقال في شرح نهج البلاغة: (ولست ألوم العرب، لا سيما قريشًا في بغضها له وانحرافها عنه، فإنه وترها وسفك دماءها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب وأكبادهم كما تعلم، وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عيانًا، والناس كالناس الأُوَل والطبائع واحدة. فاحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليًا أو من بعض الروم، وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت. أكان إسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه، كلا إن ذلك لغير ذاهب.

هذا إذا كان الإسلام صحيحًا والعقيدة محققة، لا كإسلام كثير من العرب، فبعضهم تقليدًا، وبعضهم للطمع والكسب، وبعضهم خوفًا من السيف، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه!

واعلم أن كل دمٍ أراقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيف علي  (عليه السلام)  وبسيف غيره فإن العرب بعد وفاته عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب وحده! لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنّتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل، فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت بها أمثل الناس من أهله. لمَّا قَتل قوم من بنى تميم أخًا لعمرو بن هند، قال بعض أعدائه يحرّض عمرواً عليهم:

من مُبلغٌ عمراً بأن
وحوادثُ الأيام لا يبقى
ها إن عَجْزَةَ أمَّةٍ
تَسفى الرياح خلال كشـ
فاقتل زرارة لا أرى
 

 

المرءَ لم يخلق صَبَارهْ
لها إلا الحجارهْ
بالسفح أسفل من أوارهْ
ـحيه وقد سلبوا إزارهْ
في القوم أمثلَ من زرارهْ
 

فأمره أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم، ولم يكن قاتلاً أخا الملك ولا حاضرًا قتله! ومن نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه)([47]).

وكان بغض قريش لعلي  (عليه السلام)  لقتله أبطالها في بدر، إحدى حججها لعزله عن الخلافة وإبعاد بني هاشم عن أي منصب، وبيعتها أبا بكر المرضي عند قريش.

لكن لم يمضِ شهران على وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى تحرّكت قبائل العرب ضد قريش ونبيّها (صلى الله عليه وآله) ودينه وخليفته، فأحسّت بحاجتها الملحّة لعلي  (عليه السلام).

فقد استجابت قبيلة أسد خزيمة كلها لادعاء طليحة بن خويلد النبوة! وتسارعت القبائل للانضمام إليهم، فانضم بنو فزارة بقيادة عيينة بن حصن، وقال: إن نبي حلفائهم أسد أحبّ إليه من نبي قريش. وانضمت بطون من طيء، وخزاعة، وغيرها وغيرها في ألوف مؤلفة، حتى ضاقت بهم سميراء وبزاخة وهي مناطق قرب حائل، فاتخذوا معسكرًا آخر في ذي القَصَّة قرب المدينة، وأرسل طليحة أخاه لقيادته وغزو المدينة!

وقد أتقن طليحة توقيت مهاجمته للمدينة، فاختار فترة تنحية قريش لبطلها علي بن أبي طالب  (عليه السلام)  عن الحكم، فتخيّل أنه اعتزل النظام وانتهت أسطورته! وفترة إرسال أبي بكر جيش أسامة إلى مؤتة البعيدة لحرب الروم، حسب أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، فخفّت قوة المسلمين في المدينة إلى أدنى مستوى!

ففي تلك الفرصة الذهبية أرسل طليحة وفدًا من أنصاره بني أسد، وبني فزارة، وبني حنيفة، وطيء، إلى أبي بكر يطلبون منه إسقاط الزكاة عنهم، فإن لم يقبل منهم هاجموا المدينة واحتلّوها وأعلنوا نبوة طليحة!

كانت هذه الحادثة بعد نحو ستين يومًا من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان لها وقع شديد على الصحابة، خاصة على قريش ونظامها الجديد، وفرحتها بأنها أخذت دولة محمد (صلى الله عليه وآله) -لأنه قرشي- منها.

وظهر هنا تفكير قريش التجاري الخائف، وتجسّد في موقف عمر بن الخطاب الذي أصرَّ على أبي بكر أن يقبل بشروط القبائل، ليكفّوا عن مهاجمة المدينة!

لكن كان واضحًا للجميع أن قبول خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) بشروطهم ليس إلا بداية خضوع لمطالب لا تنتهي إلا بسيطرتهم التامة على المدينة وإنهاء الإسلام! لأنهم أعلنوا نبوة طليحة مع نبوة قريش أو بدلها. فستكون بدلها!

وكان أبو بكر أبعد نظرًا من عمر، وأشجع منه وأرق، فقرر أن يصالح عليًا ويمدّ إليه يده، لأن العرب لا تخاف إلا منه! وأن يشاوره في أمر المرتدين ويستعين به عليهم، وهو يعرف أن رأيه لا محالة رد مطالبهم وقتالهم، كما كان رأيه إنفاذ جيش أسامة، فأخذ به أبو بكر وخالف عمر، ووبّخه واصطدم به!

أبو بكر يحاول مصالحة علي  (عليه السلام)  ويستشيره

نلاحظ موقفين ليّنين لأبي بكر تجاه العترة الطاهرة  (عليهم السلام)  في أول خلافته:

أحدهما: عندما كان على منبر النبي (صلى الله عليه وآله) فأتاه الحسن بن علي (عليهما السلام) وكان غلامًا دون العاشرة، وجرّه قائلاً: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك!

والثاني: عندما قال عليٌّ  (عليه السلام)  لفاطمة (عليها السلام): إن أبا بكر أرقّ من صاحبه، فائتيه عندما يكون عمر غائبًا، فذهبت إليه، فكتب لها مرسومًا بإعادة فدك!

كما نلاحظ موقفين مهمين خالف فيهما أبو بكر عمرَ، وأخذ برأي علي  (عليه السلام)  في إرساله جيش أسامة، ثم في رد طلب المرتدين أتباع طليحة الأسدي.

فقد روى ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن  (عليه السلام)  من طبقاته: (عن عروة أن أبا بكر خطب يومًا، فجاء الحسن فصعد إليه المنبر فقال: انزل عن منبر أبي! فقال أبو بكر: صدقت، والله إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي، فبعث علي  (عليه السلام)  إلى أبي بكر: إنه غلام حدث وإنّا لم نأمره. فقال أبو بكر: صدقت، إنّا لم نتهمك)([48]).

ورووا مثله عن الحسين  (عليه السلام)  أنه قال لعمر: (انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك. فقال: إن أبي لم يكن له منبر! فأقعدني معه، فلما نزل قال: أي بنيَّ مَن علمّك هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد. قال: أي بني وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم! ووضع يده على رأسه، وقال: أي بني! لو جعلت تأتينا وتغشانا) ([49]).

أقول: يسهل أن تلاحظ أن هذا الموقف اللين من عمر مع الحسين  (عليه السلام) ، جاء تقليدًا منه لموقف أبي بكر المشابه مع الحسن  (عليه السلام).

كما روى الطبري حوار الزهراء (عليهما السلام) مع أبي بكر في إرثها، وفيه: (زعمتَ أن النبوة لا تورّث وإنما يورّث ما دونها، فما لي أمنع إرث أبي؟ أأنزل الله في كتابه: إلا فاطمة بنت محمد. فدلّني عليه أقنع به ... قال: ولم يكن عمر حاضرًا فكتب لها أبو بكر إلى عامله برد فدك كتابًا، فأخرجته في يدها، فاستقبلها عمر، فأخذه منها وتفل فيه ومزّقه، وقال: لقد خرف ابن أبي قحافة وظلم! فقالت له: مالك لا أمهلك الله وقتلك ..) ([50]).

وفي الاختصاص: (قال عليٌّ  (عليه السلام)  لها: إئتِي أبا بكر وحده فإنه أرقُّ من الآخر، وقولي له: ادعيت مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ. فلما أتته وقالت له ذلك قال: صدقتِ، قال: فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك. فقال: فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إليّ، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن إسمه المحسن فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها فكأني أنظر إلى قرط في أذنها .. ثم أخذ الكتاب فخرقه! فمضت ومكثت خمسة وسبعين يومًا مريضة مما ضربها عمر)([51]).

أقول: لم يتجرأ أبو بكر أن يكتب لها ثانية، لأنه خاف من عمر! فقد رووا عنه شبيه ذلك وأنه كتب مرسومًا بأرض لزعيمين من نجد وأشهد عليه، فذهبا إلى عمر ليشهد لهما فوجداه يدهن بعيرًا له بالقطران، فقال: اقرآه فقرآه، فغضب وأخذه ومزقه! ورجعا إلى أبي بكر فقالا له: أأنت الخليفة أم عمر؟ قال: هو إن شاء، لا نجيز إلا ما أجازه عمر! ولما حضر قال له: قد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا الأمر مني ولكنك غلبتني)!([52])

لكن هذا الموقف من أبي بكر سياسة، فقد كان يخالف عمر أحيانًا ويصرّ على مخالفته، ويوبّخه ويشدّ بلحيته! ويلين معه ويطيعه أحيانًا، حتى يقول له إنه هو الخليفة لو شاء! ولا يتسع المجال لبحث أوجه العلاقة بينهما.

على أي حال، واصل أبو بكر الليونة مع علي  (عليه السلام)  حتى وصل الأمر إلى تكرار اعتذاره منه لأنه أخذ الخلافة ووعده له بأنه سيستخلفه. وقد ورد عنه  (عليه السلام)  أنه قال: (فإن القائم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلقاني معتذرًا في كل أيامه ويلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقي، ونقض بيعتي وسألني تحليله ... فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه، صيَّر الأمر بعده لصاحبه، فكانت هذه أخت أختها)! ([53]).

وقال  (عليه السلام)  في خطبته الشقشقية: (فيا عجبًا، بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها)!([54]).

مهما يكن، فقد شعر أبو بكر بالحاجة إلى علي  (عليه السلام)  عندما ضاقت عليه الأمور وتحرك طليحة الأسدي بألوف المقاتلين، وأرسل قواته فعسكروا في ذي القَصَّة على مرحلة من المدينة، وجاء وفدهم يطلب من أبي بكر إسقاط الزكاة عنهم، وإلا هاجموا المدينة! فخاف هو وعمر، وقال له عمر: اقبل من طليحة ما يريد فلا طاقة لك بحربه! لكنه كان يشعر أن تنازله للقبائل يزيد في طمعهم، ويفتح عليه اعتراض المسلمين، فيعتبرونه انحرف عن سنة النبي (صلى الله عليه وآله).

لذلك كان يتمنّى أن يوجد حوله فرسان قادة، خاصة علي  (عليه السلام)!

وجاءت المفاجأة لأبي بكر من علي  (عليه السلام)  نفسه!

فقد أحسّ الإمام  (عليه السلام)  بالخطر على الإسلام، وهو أم الصبي وليس مستأجرًا، لذلك نهض في تلك الأحداث وأدارها وخاضها حتى اطمأن الإسلام وتنهنه.

قال في نهج البلاغة: (من كتاب له  (عليه السلام)  إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها: أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدًا (صلى الله عليه وآله) نذيرًا للعالمين ومهيمنًا على المرسلين، فلما مضى (صلى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا أنهم مُنَحّوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا أو هدمًا، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب. فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه). وتعبير: ما كان يلقى في روعي: تعبير مجازي للأمر المفاجئ غير المنطقي. ومعنى تنهنه: سكن.

وفي كشف المحجة : (حتى رأيت راجعة من الناس، قد رجعت من الإسلام تدعو إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله) وملة إبراهيم  (عليه السلام))([55]).

ومقصوده  (عليه السلام)  حركة طليحة في حائل، وحركة مسيلمة في اليمامة، وحركة الأسود العنسي في اليمن. ومعنى دعوتهم إلى محق دين محمد وملة إبراهيم، أنهم يريدون إزالة الإسلام، وحتى الحج إلى الكعبة الذي بقي عند العرب من ملّة إبراهيم  (عليه السلام)! لأن دعوتهم كانت ضد قريش التي هي سادنة البيت وبُعث منها النبي (صلى الله عليه وآله). ولعلهم كانوا مرتبطين بهرقل، أما العنسي فعن طريق الحبشة، وأما الآخران فعن طريق الغساسنة.

أبو بكر يستشير عمر وعليًا  (عليه السلام)  في مواجهة طليحة؟

برزت المشكلة العسكرية في الأسبوع الأول لخلافة أبي بكر، فقد اختلف الصحابة هل يرسل أبو بكر جيش أسامة إلى مهمته التي حدّدها النبي (صلى الله عليه وآله) وأكّد عليها في مرضه، أم يلغيه فينتقده الصحابة بأنه يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

روى الطبري وغيره عن الحسن البصري قال: (ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرُهم الخندق حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وثِقْلِ رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون.

وقالت الأنصار: فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولّي أمرنا رجلاً أقدم سنًا من أسامة.

فخرج عمر بأمر أسامة وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة. فقال أبو بكر: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أردَّ قضاءً قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولّي أمرهم رجلاً أقدم سنًا من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالسًا، فأخذ بلحية عمر فقال له: ثكلتك أمُّكَ وعُدِمَتْكَ يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتأمرني أن أنزعه)! ([56])

معناه: أن عمر تخوّف من هجوم المشركين على المدينة وليس فيها قوة كافية. لكن أبا بكر اختار تنفيذ أمر النبي (صلى الله عليه وآله) حتى لا يقال خالفه، وسيَّر الجيش، وكان ثلاثة آلاف مقاتل، فيهم ألف فرس([57]).

خطورة رأي عمر على الإسلام

وعندما اقترب جيش طليحة الأسدي من المدينة، رأى عمر أن ما تخوف منه قد وقع، وخاف من مهاجمتهم المدينة، فأشار على أبي بكر أن يقبل بأول مطالبهم وهو إسقاط الزكاة عنهم، فقال له: (تألَّف الناس وارفق بهم، فإنهم بمنزلة الوحش. فقال له: رجوتُ نصرك وجئتني بخذلانك؟ جَبَّارٌ في الجاهلية خَوَّارٌ في الإسلام! ماذا عسيت أن أتألفهم، بشعر مفتعل، أو بسحر مفترى، هيهات هيهات، مضى النبي وانقطع الوحي. والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي، وإن منعوني عقالاً)([58]).

ولم ينفِ عمر ما اتهمه به أبو بكر من الخوف والخور! لكن البخاري رواه مخففًا فقال في صحيحه: (لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله؟ فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه)([59]).

أبو بكر يأخذ برأي علي  (عليه السلام)  وشجعان الصحابة

كان جواب أبي بكر الذي رواه البخاري لوفد طليحة برفض مطالبهم، بعد أن استمهلهم، وشاور الصحابة فأشار بعضهم بالصلح كعمر: (وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال)([60]).

وروى مسدد في مسنده كما في كنز العمال: (استشار علياً في أهل الردة فقال: إن الله جمع الصلاة والزكاة، ولا أرى أن تفرق، فعند ذلك قال أبو بكر: لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه)([61]).

وفي الرياض النضرة للطبري: (شاوره أبو بكر في قتال أهل الردة بعد أن شاور الصحابة فاختلفوا عليه، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن تركت شيئًا مما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم فأنت على خلاف سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)! فقال: أما لئن قلتَ ذلك، لأقاتلنهم ولو منعوني عقالاً([62]).

ومما يلفتك في دفع هجوم القبائل عن المدينة، ثم في مطاردة المهاجمين والاشتباك معهم في ذي حُسى خارج المدينة، ثم في عسكرة المسلمين مكان معسكر القبائل المهاجمة في ذي القَصَّة، أنك تجد الذين حضروا في نقاب المدينة وذي القَصَّة: أبو بكر، وعلي  (عليه السلام) ، والزبير، وعبد الله بن مسعود، وطلحة، والنعمان بن مقرن وإخوته. ولا تجد ذكرًا في حراسة المدينة ولا في المعركة، وفي ذي القَصَّة: لعمر، ولا خالد، ولا سعد والمغيرة بن شعبة، وآخرين من المتحمّسين للسقيفة!

وهذا يدل على أن عليًا  (عليه السلام)  وجماعته هم الذين تصدّوا لرد المهاجمين إلى جانب أبي بكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) المستدرك، الحاكم النيسابوري: 2/125، وسنن أبي داود: 1/611.

([2]) آيات الغدير، الشيخ علي الكوراني ص148.

([3]) آل عمران من الآية 144.

([4]) رواه الحاكم: 3/126، والنسائي: 5/125، والخصائص ص86، والمحاملي ص163، والطبراني الكبير: 1/107، وتفسير ابن كثير: 1/418، ومجمع الزوائد: 9/134، وصححوه. ومن مصادرنا: الاحتجاج: 1/291، وأمالي الطوسي /502، ومناقب ابن سليمان: 1/ 339.

([5]) تاريخ اليعقوبي : 2/128.

([6]) المبسوط ، الطوسي : 7/267.

([7]) الكشاف، الزمخشري 1/620 ؛ والزيلعي: 1/405 ، والينابيع الفقهية: 9/143 .

([8]) الحجرات من الآية 14 .

([9]) تاريخ دمشق 25/156.

([10]) نهج البلاغة:3/119.

([11]) بلاغات النساء ص13.

([12]) المناقب 1/341.

([13]) كتاب سليم بن قيس ص247.

([14]) التوبة من الآيات 25-26.

([15]) التوبة من الآية 40 .

([16]) الأنفال : 5-6-7.

([17]) صحيح مسلم 5/170.

([18]) الدر المنثور 3/165.

([19]) المائدة من الآية 24.

([20]) صحيح البخاري : 5/187 .

([21]) مجمع الزوائد: 9/12، وقد صححوه .

([22]) ابن هشام: 2/464.

([23]) الأنفال: 15-16 .

([24]) الطبقات: 2/42.

([25]) الطبقات: 3/155.

([26]) تفسير الطبري 4/193.

([27]) سيرة ابن إسحاق 3/309 .

([28]) تفسير الطبري: 4/151 .

([29]) الدر المنثور: 2/80 .

([30]) الحاكم: 3/31 .

([31]) الأحزاب : 15 .

([32]) الطبراني في الأوسط: 5/275، وصححه في مجمع الزوائد: 6/135.

([33]) أحمد: 6/141 ، تفسيرالقمي: 2/182 .

([34]) الحاكم: 3/32 .

([35]) راجع النسائي: 5/108 ، وصححه في مجمع الزوائد: 9/124 .

([36]) أمالي المفيد ص56.

([37]) الإرشاد: 1/150.

([38]) التوبة : 25-26 .

([39]) سيرة ابن كثير: 3/610.

([40]) التوبة من الآية 25 .

([41]) المفيد في الإفصاح ص68 .

([42]) سيرة ابن هشام: 3/797.

([43]) آل عمران : 144.

([44]) الحاكم: 3/126.

([45]) هكذا في الأصل والمقصود في يوم واحد هو يوم بدر.

([46]) مناقب آل أبي طالب: 3/21.

([47]) شرح نهج البلاغة: 13/299 .

([48]) طبقاته ص68 ، وأنساب الأشراف: 3/26 .

([49]) ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص202.

ونلاحظ هنا أن عمر أسند إنبات الشعر إلى محمد وعترته (ع) ، وهذا شرك عند الوهابية، بسبب سطحيتهم وعدم تعمّقهم، فقد ورد في القرآن في قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}( التوبة: 74) ! فنسبة الرزق إلى الرسول (ص) كنسبة عمر إنبات الشعر إلى أهل بيته (ع). والمعنى أن الله تعالى أغنى المسلمين، وأكرمهم، وأنبت شعر رؤوسهم بواسطتهم وبركتهم (ع) .

ونشير هنا إلى أن علماءهم اتّفقوا على تصحيح النص، وأن بعض رواياته بلفظ: (وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إلا الله ثم أنتم)، لكن أكثر مصادرهم بلفظ: (إلا أنتم) كمعرفة الثقات للعجلي: 1/302، وتاريخ دمشق: 14/175، وتاريخ الذهبي: 5/100، وغيرها.

وفي بعضها بلفظ: (الله ثم أنتم) كالإصابة: 2/69، وسير الذهبي: 3/285، وتهذيب التهذيب: 2/346. ومعنى اللفظين واحد، فالفعل يسند إلى الله تعالى حقيقة ويسند لهم (ع) مجازاً، لأن الله جعلهم سبباً في عطائه.

([50]) دلائل الإمامة ص119 .

([51]) الاختصاص ص185 .

([52]) تاريخ دمشق: 9/195، ومبسوط السرخسي: 3/9.

([53]) الخصال للشيخ الصدوق ص372.

([54]) نهج البلاغة: 1/36.

([55]) كشف المحجة ص176 .

([56]) الطبري: 2/462 .

([57]) الفصول المهمة للسيد شرف الدين ص103 .

([58]) كنز العمال: 6/527.

([59]) صحيحه: 8/140.

([60]) تفسير القرطبي: 16/37 .

([61]) كنز العمال: 6/531 .

([62]) الرياض النضرة للطبري: 1/129 ، أخرجه ابن السمان ، وذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري ص97، وجواهر المطالب للدمشقي: 1/261 .

 

متى بدأت خدمات الفرس للإسلام؟(*)

الشيخ مرتضى مطهري

 

مقدمة

بدأت العلاقة بين الإيرانيين والدين الإسلامي من حين ظهوره وقبل أن يأتي إلى إيران -على يد المجاهدين المسلمين-، أسلم أبناء الفرس المقيمون في اليمن واستسلموا لأحكام القرآن طوعًا ورغبة ([1])، وسعوا في سبيل نشر الشريعة الإسلامية بملء قلوبهم وأفئدتهم، وحتى ضحّى الكثير منهم بروحه في قتال المرتدين والمعاندين لهذا الدّين.

إن موضوع خدمات الفرس في سبيل نشر الإسلام بحاجة إلى تحقيق طويل، وعلى كل محقّق وخبير في المعارف الإسلامية أن يحقّق في ما يتخصّص هو فيه من هذا الموضوع.

إن تاريخ الفتوحات الإسلامية في شرق العالم وغربه يحكي لنا عن جهاد جماعات من الإيرانيين الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل الإسلام إخلاصًا للعقيدة ودفاعًا عنها ضدّ الأعداء الداخليّين والأجانب.

وإن انتشار الإسلام في الدول الشرقيّة والجنوبيّة الشرقيّة كشبه القارة الهنديّة وباكستان وكشمير وبنغلادش والبنغال وتركيّة والبلغار والقفقاز وطاكستان وطاشقند والأفغان والصين والتبت وماليزيا وأندونيسيا وجزر المحيط الهندي، كلّ ذلك من آثار النشاط الإسلامي للإيرانيين الذين حملوا الإسلام معهم عن طريق التجارة والبحارة إلى أقصى نقاط آسيا، وعرّفوا الأمم بالإسلام إرشادًا وتبليغًا.

وإن لمسلمي إيران حظًا كبيرًا في نشر الإسلام في الدول الإفريقيّة الغربيّة والشماليّة، وفي القارة الأوروبيّة وآسيا الصغرى.

فبعد أن قام الخراسانيّون وأهالي النواحي الشرقيّة من إيران ضد الخلافة الأمويّة فأسقطوا حكومتهم التي كانت تحكم المسلمين باسم الإسلام فحسب، وجلس العباسيّون على كرسي الخلافة الإسلاميّة، تقلّد الفرس -وعلى الأخص الخراسانيّون منهم- أكثر المناصب السياسيّة الدوليّة والعسكريّة في الدولة الإسلاميّة في الشرق والغرب.

والمأمون حين رجع إلى العراق من مرو خراسان استصحب معه جماعات من أعيان خراسان فأسكنهم معه في بغداد، وحيث كان متألمًا مما عاملته به عائلته العباسيّة عزم على نصب هؤلاء في المناصب الحكوميّة، ولهذا بعث من أعيان خراسان وسائر نواحي إيران إلى نواحي مصر وأفريقيا الشماليّة، ليستقروا هناك فيسدّوا منافذ الطرق على المخالفين، لا سيّما حيث كانت الدولة الأمويّة الثانيّة قائمة في الأندلس، إذ كان العباسيّون قلقين من قبل هؤلاء، يحاولون أن يوصدوا سبل النفوذ عليهم.

وإن التحقيق في هذا الأسر المهاجرة التي كان أكثرها من أهالي مرو ونيشابور وهراة وبلخ وبخارى وفرغانة، يستغرق عدّة مجلدات من الكتب، وقد ذكر بعض كتب التاريخ والتراجم شرحًا مفصلاً عن خدمات الفرس في أفريقيا الشماليّة.

سبب هجرة الفرس إلى اليمن

حين ميلاد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) كانت تعيش في اليمن وعدن وحضرموت وساحل البحر الأحمر جماعات من الفرس الإيرانيين، وكان الحكم في هذه البقاع بأيديهم من قبل أكاسرة إيران.

ولا بد لنا -قبل الخوض في الموضوع- أن نحقّق في علّة مهاجرة هؤلاء الفرس من إيران وإقامتهم في اليمن وما والاها، كي ندرك الموضوع بصورة أوضح:

ظهرت الحبشة على بلاد اليمن في مُلك قباد أنو شيروان ([2]) وكان سبب ظهورهم أن ملك اليمن في ذلك الزمان: ذو نواس -وهو الملك السابع والثلاثين من ملوك اليمن بعد الطوفان- كان يهوديًا([3])، وقد تنصّر بعض أهالي نجران، فقدم عليه يهودي من نجران وشكا إليه: أن نصارى نجران قتلوا ابنين له ظلمًا، واستنصره عليهم، فحمى ذو نواس لليهودية، فسار إليهم بجنوده من حمير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيّرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل، فجعل يطلب من قال بهذا الدين ويحفر لهم في الأرض حفرة الأخدود، فحرّق بالنار وقتل بالسيف ومثّل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا حتى أتى عليهم، وفيه قال الله تعالى {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}([4]).

فخرج رجل من نجران حتى قَدِمَ على ملك الحبشة، فأعلمه ما ركبوا منهم، فكتب ملك الحبشة بذلك إلى قيصر، فبعث قيصر إليه بسفنٍ كثيرة يحمل فيها رجاله إلى اليمن. فلما قدمت السفن على النجاشي حمل جيشه فيها من بلاد ناصع والزيلع وهو ساحل الحبشة([5]) عن طريق باب المندب([6]) إلى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من أرض اليمن ([7]).

فتظاهر ذو نواس بالاستسلام فقبلوا منه وأبقوا عليه وتفرقوا في اليمن. فكتب ذو نواس إلى كل ناحية بقتل الأحباش فقتلوهم إلا الشريد.

فلما بلغ النجاشي ذلك جهّز إليه أربعة آلاف([8]) عليهم قائدان أرياط وأبرهة، فملك أرياط عدة سنين، ثم قتله أبرهة فتملّك الحكم، ثم تملّك بعده ابنه يكسوم، ولما هلك يكسوم ملك اليمن أخوه مسروق بن أبرهة.

فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن -واسمه معدي كرب ابن الفياض أبي مرة- من اليمن يستنجد الملوك. وكان أبوه أبو مرة من أشراف اليمن، وكانت أمه ريحانة ذات جمال، فانتزعها من أبيه الملك أبرهة الأشرم واستنكحها، فولدت له مسروقًا ابنه، ونشأ معدي كرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة، وأعلمته أمه أن أباه أبو مرة الفياض، وأنه خرج من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر يستشفع به إلى الأكاسرة يستنصرهم، فمات على باب كسرى.

فخرج ابن ذي يزن قاصدًا ملك الروم، وتجنّب الأكاسرة لإبطائهم عن نصرة أبيه، ولكنه لم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه في الدين، فانكفأ راجعًا([9]) بعد أن أقام قِبَل قيصر سبع سنين([10]) فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر فتشفّع به إلى خسرو أنوشيروان([11]) وذلك لخمس وأربعين سنة من ملكه([12])، فوجّه معه بأهل السجون ووجّه معهم رئيسًا يقال له وهروز([13])، فركبوا دجلة إلى أُبّلة البصرة ومنها إلى اليمن في البحر([14]) وكان عددهم ستمائة رجل، ولحق بابن ذي يزن بَشر كثير من العرب من حمير والأعراب.

فلما قدم وهروز إلى البلد حارب الحبشة فقتل مسروقًا وهزم الأحباش وأقبل حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وفرق عماله وأخرج منها الحبشة.

وكتب إلى أنوشيروان: "... إني قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت من كان بها من الحبشة"، وبعث إليه بالأموال.

فكتب إليه أنوشيروان يأمره أن يملّك سيف بن ذي يزن على اليمن([15]).

فتوّج وهروز معدي كرب بتاج كان معه وقفازات من الفضة ألبسه إياها ورتّبه على ملك اليمن وخلّف هناك جماعة من أصحابه وخليفة له([16]) وكتب أنوشيروان إليه أن ينصرف إليه فانصرف إليه ([17]).

وعدا سيف على الحبشة حتى أفناها إلا قليلاً اتخذهم خولاً وجمّازين يسعون بين يديه بالحراب، فخرج يومًا حتى إذا كان في وسطهم وجأوه بالحراب حتى قتلوه.

فلما بلغ ذلك أنو شيروان بعث إليهم وهروز في أربعة آلاف من الفرس، فأمره على اليمن، فكان عليها من قبله يجبيها إليه حتى هلك. وأمّر خسرو بعده ابنه المرزبان بن وهروز -كما في الطبري عن ابن إسحاق- فكان عليها حتى هلك. فأمّر خسرو بعده ابنه البنجان بن المرزبان. ثم أمّر بعده ابنه خور خسرو بن البنجان، فكان عليها حتى غضب عليه خسرو، فنزعه وبعث بادام([18]) إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله (صلى الله عليه وآله) ([19]).

وعن الكلبي : أنه لما بلغ أنوشيروان موت وهروز بعث إلى اليمن أسوارًا يقال له "وين"، وذلك في آخر ملكه ([20]) وكان "وين" جبارًا مسرفًا، فلما مات أنوشيروان وخلفه ابنه هرمز عزله واستعمل مكانه المهروزان ([21])، فلما ملك ابنه خسرو برويز بن هرمز، كتب إليه : أن استخلف من شئت وأقبل إليّ، فاستخلف المهروزان ابنه خور خسرو على اليمن، وسار، فمات في الطريق وحُمل إليه، ثم بلغه تعرّب خور خسرو وروايته للشعر وتأدّبه بآداب العرب، فعزله وولّى بادام، وهو آخر من قدم من ولاة الفرس ([22]).

إسلام أبناء الفرس في اليمن

كانت حكومة اليمن حين ظهور الإسلام بيد بادام بن ساسان الفارسي، وقد بدأت بعض حروب الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) مع بعض القبائل العربية على عهد هذا الرجل. وكان بادام يحكم اليمن من قبل خسرو برويز -كما سبق- فكان حاكمًا على اليمن وحضرموت ومراقبًا على تهامة والحجاز، ومن الطبيعي أن يكون قد أخبر برويز بما كان يقوم به النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كنا لا نجد فيما بأيدينا من المصادر الإسلامية دليلاً على ذلك.

وبعد أن توجّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المدينة إلى مكة لأداء الحج فصدّه المشركون وصالحهم (صلح الحديبية) في السنة السادسة للهجرة، بدأ بإرسال الرسل والكتب إلى ملوك ورؤساء العالم آنذاك([23]).

فبعث بكتاب إلى خسرو برويز بن حذافة السهمي يقول فيه : "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس".

أو كما عن محمد بن إسحاق : " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوكم بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيًا، ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك".

فلما قرأه مزّقه وقال : يكتب إليّ هذا وهو عبدي ! ([24])، وكان الكتاب (قدر) ذراع أدم، قدّه شتورًا([25]).

ثم كتب برويز إلى بادام : "... ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدين، فليأتياني به".

فبعض بادام قهرمانه : بابويه، وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب الفرس، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خور خسرو([26])، وكتب معهما إلى رسول الله يأمره أن ينصرف معهما إلى برويز، وقال لبابويه : ائتِ بلد هذا الرجل، وكلّمه وائتني بخبره.

فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجالاً من قريش فسألاهم عنه، فقالوا : هو بالمدينة، واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض : أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك! كفيتم الرجل! فخرجا حتى قدما على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فكلّمه بابويه فقال: إن شاهنشاه ملك الملوك خسرو قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك. وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ما ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت! فهو مُهلكك ومهلك قومك ومخرّب بلادك! وكانا قد حلقا لحيتيهما وأعفيا شاربيهما على زي جنود الساسانيين.

فأقبل عليهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ويلكما! من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربنا -يعنيان خسرو-. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدًا.

وأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخبر من السماء أن الله قد سلط على خسرو ابنه شيرويه "قباد"([27]) فقتله.

فدعاهما فأخبرهما أن الله سلّط عليه ابنه شيرويه فقتله، ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها -كما في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد كاتب الواقدي([28])، وفي الطبري عن الواقدي أيضًا-([29]).

فقالا: هل تدري ما تقول!؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك ونخبر الملك؟ قال: نعم أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر. وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملّكتك على قومك من الأبناء -أبناء الفرس-.

ثم أعطى خور خسرو منطقة فيها ذهب وفضة كان قد أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًا كما يقول، ولننظرن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًا ما فيه كلام إنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا. فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه (قباد):

"...أما بعد فإني قد قتلت خسرو، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم (أي حبسهم) في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان خسرو كتب فيه إليك فلا تُهِجْهُ حتى يأتيك أمري فيه".

فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن([30]) وبعث إلى النبي بإسلامه وإسلامهم([31]).

فجمع له الرسول (صلى الله عليه وآله) عمل اليمن كلها وأمّره على جميع مخاليفها -بلدانها- فلم يزل عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيام حياته، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكًا حتى مات بادام (رضي الله عنه) على عهده (صلى الله عليه وآله).

فلما مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه، وكان ذلك في سنة عشر بعدما حج حجة التمام (الوداع)، ففرّق عمله بين ابنه "شهرام بن بادام" على صنعاء، وغيره من أصحابه على غيرها من بلاد اليمن وحضرموت، وهم ثمانية ما عدا شهرام([32]) وستة آخرين على الصدقات([33]).

رِدة العنسي وجهاد الأبناء ضده

ولما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام (الوداع) كان قد تحلّل به السير، واشتكى في المحرم من سنة إحدى عشرة، ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله والذبّ عن دينه. فضرب على الناس بعثًا أمّر عليهم فيها أسامة بن زيد إلى الشام، ولكن طارت الأخبار بتحلل السير بالنبي (صلى الله عليه وآله): أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد اشتكى، فتخلّف الناس عن جيش أسامة، وأظهر مسيلمة الكذّاب أمره باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وطليحة الأسدي ببلاد أسد، وسجاح([34]) في قومها من بني تميم.

وكان الأسود العنسي في مذحج، فواعدته نجران، فوثبوا عليها وأخرجوا منها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص -اللذين كانا عليها من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) بعد بادام- وأنزلوا الأسود بها([35]) ورجع عمرو وخالد إلى المدينة([36])، ووثب قيس بن عبد يغوث المرادي على فروة بن مسيك المرادي وهو على المراد من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، فأجلاه ونزل منزله، فكتب بذلك فروة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ولحق به من بقي على الإسلام من مذحج فنزلوا الأحسية، ولم يطاردهم الأسود([37]).

فبينا يعلى بن أمية بالجند من أعمال اليمن من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه عبيد بن صخر قد أقامهم على ما ينبغي وكتب بينه وبينهم الكتب، إذ جاءه كتاب من الأسود يقول فيه: "ايها المتوردّون علينا! أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ووفّروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه...".

ثم خرج الأسود من نجران متوجهًا إلى صنعاء حتى بلغ إلى بساتين شعوب بظاهر صنعاء، ومعه سبعمائة فارس سوى الركبان، وطابقه عوام مذحج، وقائده قيس بن عبد يغوث المرادي. فخرج لحربه شهرام بن بادام، فقتل شهرام (رضي الله عنه) وهَزم الأبناء وغلب على صنعاء، وارتد كثير من الناس، وعامل المسلمون منهم الأسود بالتقيّة، فأسند أمر الأبناء إلى بيروز([38]) الديلمي ودادويه الاصطخري، وتزوج أرملة شهرام: آزاد([39]) وهي ابنة عم بيروز([40]) وجشيش([41])، وخرج معاذ بن جبل -الذي كان قد أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك العام إلى اليمن ليكون معلمًا للدين يطوف في بلدان اليمن- هاربًا حتى مرّ بأبي موسى الأشعري الذي كان قد أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك السنة عاملاً ومعلمًا على مأرب، فنزلا على عكاشة بن ثور الذي كان قد أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد حجة الوداع عاملاً على السكاسك والسّكون مما يلي المفازة، وصاهرهم أبو موسى فحدبوا له لمصاهرته لهم، وانحاز سائر أمراء اليمن إلى الطاهر بن أبي هالة الذي كان قد أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) عامه ذلك بعد موت بادام (رضي الله عنه) عاملاً على بلاد عكّ بحيال صنعاء، والأسود غالب عليهم وهم يعاملونه بالتقية.

فينا هم كذلك إذ جاءتهم كتب النبي (صلى الله عليه وآله) يأمرهم فيها أن يبعثوا الرجال لمجاولة الأسود أو لمصاولته، ويبلّغوا ذاك عنه (صلى الله عليه وآله) إلى كل من يرجى عنده شيء من ذلك، فقام معاذ بن جبل بذلك([42])، وأرسل (صلى الله عليه وآله) رسلاً تسعة من أصحابه إلى قبائل العرب بهذا الأمر([43]).

وكتب (صلى الله عليه وآله) إلى أهل نجران إلى عربهم وساكنيها من غير العرب، فتنحوا عن المرتدين وانضموا إلى مكان واحد([44]).

كتاب النبي إلى الأبناء

وبعث (صلى الله عليه وآله) وَبَر بن يُحنّس الأزدي بكتاب إلى بيروز وكشايش([45]) الديلميين ودادويه الاصطخري -وهم ولاة الأبناء من قبل الأسود، تقية- يأمرهم فيه بالقيام بدينهم والنهوض في الحرب، والعمل في الأسود أن يحاولوه إما غيلة وأما مصادمة، وأن يبلّغوا عنه من يرون عنده دينًا ونجدة([46]) وأن يستنجدوا رجالاً قد سماهم من بني تميم وقيس، وأرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم([47]).

فنزل الرسول بالكتاب على بنات النعمان بن بزرك([48]) أو دادويه الفارسي الاصطخري([49]) وبعث إلى بيروز الديلمي فاستسلم، وإلى مركبود وعطاء ابنه ووهب بن منبه فاستسلموا له([50]) وفيهم الضحاك بن بيروز وكشايش الديلمي([51]) وعبد الله ابنه أيضًا وقيس بن عبد يغوث المكشوح المرادي([52]).

وكان الأسود قد تغيّر على قيس بن عبد يغوث المرادي -وهو قائد جنده- فكان قيس خائفًا منه على دمه، فدعاه الأبناء وأنبأوه الشأن وأبلغوه عن النبي (صلى الله عليه وآله) فأجابهم.

وكاتب الأبناء الناس ودعوهم، فجاءهم كتاب عامر بن شهر وذي زود وذي مرّان وذي الكلاع وذي ظليم ببذل النصر لهم في ذلك، وهؤلاء هم الذين أرسل إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) رسلاً يأمرهم بنصر الأبناء في قتال الأسود والمرتدين([53]).

مؤامرة الأبناء لقتل العنسي

ودخل كشايش على ابنة عمه آزاد فأخبرها فوافقتهم ودلّتهم على أن ينقبوا بيته فيقتلوه غيلة، فتوافقوا على ذلك.

فجعلوا بينهم وبين أشياعهم شعارًا ثم أذان الفجر، ثم نقبوا عليه فقتله بيروز، فلما طلع الفجر نادى دادويه([54]) أو وبر بن يحنس الأزدي بالشعار ثم الأذان، ثم قالوا : ألا إن الله عز وجل قد قتل الأسود الكذاب([55]) -ففزع المسلمون والكفار- ثم نادوا: يا أهل صنعاء! من دخل عليه داخل فتعلقوا به، ومن كان عنده منهم أحد فتعلّقوا به([56])، فلما رأى القوم الذين كانوا مع الأسود ذلك أسرجوا خيولهم ثم جعل كل واحد منهم يأخذ غلامًا من أبناء فارس معه من أهل البيت الذي كان نازلاً فيهم فيردفه خلفه رهينة لنفسه. فتعلق الناس بهم فحبسوا منهم سبعين رجلاً، وذهبوا هم بثلاثين غلامًا، ثم تبادلوا الرهائن ثلاثين من الأبناء بسبعين من المرتدين([57]).

وتراجع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أعمالهم، واصطلح أهل صنعاء على معاذ بن جبل فكان يصلي بهم.

وكتبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخبر، فأتاه الخبر بالوحي قبل وفاته، فبشّر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك أمته وقال: قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز([58]) أو قال : إن الله قد قتل الأسود الكذاب العنسي، قتله رجل من إخوانكم وقوم أسلموا وصدقوا([59]).

وقدمت رسل الأبناء بالبشرى، وقد توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ([60]).

ردة أهل اليمن ثانية وجهاد الأبناء

وكان قيس بن عبد يغوث المرادي ممن ارتد في ردة أهل اليمن الأولى مع الأسود العنسي، ولكنه حينما تغير عليه الأسود ودعاه الأبناء إليهم بدعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجاب دعوتهم وساندهم في قتل الأسود، ثم تراضوا على استعادة معاذ بن جبل ليصلي بهم، وبعثوا برسلهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبشرى. وكان قيس بن عبد يغوث مساندًا لبيروز ودادويه وكشايش في ولاية الأمور حتى ولي أبو بكر، فأمّر بيروز على اليمن وكتب بذلك إلى وجوه أهل اليمن.

فلما سمع بذلك قيس حسد بيروز ورجع إلى الردة، ودعا الناس إلى حرب الأبناء وإخراجهم من اليمن، وأجابه إلى ذلك جماعة، فكانت هذه هي ردة أهل اليمن الثانية.

وبدأ قيس بدعوة ذي الكلاع وأصحابه إلى ذلك بكتاب أرسله إليه قال فيه: "إن الأبناء نزّاع في بلادكم ونقلاء فيكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى الرأي أن أقتل رؤوسهم وأخرجهم من بلادنا".

فتبرأ ذو الكلاع وأصحابه واعتزلوا وقالوا: لسنا مما هنا في شيء، أنت صاحبهم وهم أصحابك.

وكان بنو لحج -الذين كانوا مع الأسود ففرّوا حين قتل إلى الصحراء بين صنعاء ونجران- يصعدون في البلاد ويصوبون محاربين لجميع من خالفهم. فكاتبهم قيس في السرّ وأمرهم أن يتعجّلوا إليه ليكون معهم كي يجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن، فكتبوا إليه بالاستجابة له، وأخبروه أنهم سراع إليه.

فاستعدّ قيس وتربص لقتل رؤوسائهم غيلة، فلما دنا هؤلاء أتى قيس إلى بيروز ودادويه وكشايش متظاهرًا بالخوف منهم يستشيرهم ليلبس عليهم فلا يتهمونه، فاطمأنوا إليه فدعاهم إلى طعام من الغد.

فدخل إليه دادويه فقتله (رضي الله عنه) فلما دنا بيروز ليدخل إليه سمع امرأتين على سطحين تتحدثان قالت إحداهما: قتل دادويه وهذا مقتول كما قتل ذاك!

فرجع بيروز وكان قيس أشرف على مرتفع حتى يرى دنو اللحجية إلى البلد فاطلع على رجوع بيروز، فـأمر جماعته أن يركضوا خلفه ليدركوه فيقتلوه قبل أن يلحق بكشايش فيخبره وينجوان. فخرج جماعته يركضون خلف بيروز، وركض بيروز وتلقاه كشايش فأخبره، وكان أخوال بيروز من خولان في جبل يدعى باسمهم: جبل خولان، وكان كشايش ابن عم بيروز([61]) فتوجها إلى جبل خولان، فانتهيا إليهم وامتنعا بهم، وهرب كثير من الأبناء فلحقوا ببيروز وكشايش، واجتمع إليهما ناس كثير، فامتنعا بهم وعزا.

وأتت خيول الأسود حتى دخلت صنعاء، وطابق قيسًا عوام قبائل العرب، فثار بهم على صنعاء، فأخذها وجباها وجبى ما حولها.

وعمد إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق: أقر من أقام وعياله، وفرّق عيال الذين هربوا إلى بيروز فرقتين: فوجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في البحر، وحمل الأخرى في البر، وبعث معهم من يسيرهم، فكان عيال بيروز وكشايش في البر وعيال دادويه المقتول في البحر.

وكتب بيروز إلى أبي بكر بالخبر، فكتب أبو بكر إلى عمير ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سَمَيفع ذي الكلاع وإلى حوشب ذي ظليم وإلى شهر ذي يناف([62]) وإلى طاهر بن أبي هالة ومسروق([63])، كتابا قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبى بكر خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمير بن أفلح ذي مرّان وسعيد بن العاقب ذي زود وسَميفع بن ناكور ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم وشهر ذي يناف. أما بعد فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز وجدّوا معه فإني قد وليته.

فأما ذو الكلاع فقد اعتزل فلم ينصر الأبناء على قيس ولا قيسًا عليهم. وأما سائر الرؤساء فقد بقوا معتزلين أيضًا إذ طابق عوامهم قيسًا.

وقام بيروز إلى حربه، فأرسل إلى بني عُقيل وبني عكّ رسولاً يستمدهم ويستنصرهم.

فركبت بنو عقيل وعليهم معاوية العُقيلي وعكّ وعليهم مسروق، فاعترضوا خيل قيس فقاتلوهم فقتلوهم وتنقّذوا العيال من أيديهم، ثم ساروا بهم إلى بيروز.

فلما أتته أمدادهم خرج بهم ومن كان اجتمع إليه قبلهم من العرب والأبناء إلى صنعاء، فالتقى بخيل قيس خارج صنعاء، فاقتتلوا فهزم الله قيسًا، فخرج هاربًا في جنده، ودخل بيروز إلى صنعاء بمن كان معه من الأبناء وعك وعقيل وغيرهم من العرب المسلمين. وقال شعرًا يذم فيه قيسًا ويفخر بالإسلام يقول فيه([64]):

فما عزّنا في الجهل من ذي عداوة
ولا عاقنا في السلم عن آل أحمد
 

 

أبى الله إلا أن يعز على الجهل
ولا خس في الإسلام إذ أسلموا قبلي
 

وبعث أبو بكر المهاجر بن أبي أمية-الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله) عيّنه على بني معاوية وكندة فمرض وتخلّف-([65]) مددًا لبيروز، وأمره بمعونة الأبناء على من عاداهم من أهل اليمن([66])، فكان آخر من فصل من المدينة إلى اليمن لقتال أهل الردتين الأولى والثانية، فأخذ على طريق مكة فمر بها فاتبعه خالد بن أسيد، ومرّ بالطائف فاتبعه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم مضى حتى لاقى جرير بن عبد الله البجلي، وكان قد بعثه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذي الكلاع وذي ظليم في نصرة الأبناء([67]) فضمه إليه.

وكان أبو بكر قد كتب إلى عبد الله بن ثور بن أصغر أن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة حتى يأتيه الأمر، فحينما لاقاه المهاجر ضمه إليه، ثم قدم نجران فانضم إليه فروة بن مسيك المرادي -الذي كان قد بعثه النبي (صلى الله عليه وآله) على صدقات مراد ومذحج-([68]).

ثم سار المهاجر من نجران إلى اللحجية المرتدة، فلما لاقاهم وأحاط بهم دخل على المهاجر قيس بن عبد يغوث ومعه عمرو بن معدي كرب (ولعله ابن سيف بن ذي يزن) على غير أمان، فأوثقهما المهاجر وبعث بهما إلى أبي بكر وكتب إليه بحالهما.

واستأمنت المرتدة فأبى المهاجر أن يؤمّنهم، فافترقوا فرقتين وذهبوا مدبرين، فلقي المهاجر إحداهما بعجيب فأتى عليهم، ولقيت خيوله الأخرى بطريق الأخابث فأتوا عليهم، وقتل الشرداء بكل سبيل، وقبل توبة من أناب من غير المتمردة، وقتلوا من قدروا عليه منهم، وسار المهاجر من عجيب حتى نزل صنعاء، وكتب إلى أبي بكر بذلك.

وقدم الرسل بقيس وعمرو بن معدي كرب على أبي بكر فقال: يا قيس أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين ! فأنكر قيس أن يكون هو قتل دادويه، ولم يكن على ذلك بيّنة فتجافى عنه.

وقال لعمرو: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور، لو نصرت هذا الدين لرفعك الله.

فقال عمرو : لا جرم لأقبلنّ ولا أعود، فخلّى سبيلهما وردّهما إلى عشائرهما([69]).

بينما يعلم الجميع أنهما ارتدا وقتلا جمعًا كثيرًا من المسلمين([70]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

*) اخترنا هذا البحث من كتاب "الإسلام وإيران" ج1 ص72-85 للشيخ مرتضى المطهّري نظرًا لأهميته، وقد التزمنا إيراد الهوامش حسب ما وردت في الكتاب المذكور بدون مراجعتها لأنه لم يعتمد نقل النصوص بحرفيتها ولاختلاف طبعات المصادر التي بأيدينا عن الطبعات التي اعتمدها المؤلف (التحرير). وقد اعتمدنا طبعة قسم العلاقات الدولية- منظمة الإعلام الإسلامي ترجمة محمد هادي اليوسفي الغروي.

([1]) الطبري ج2 ص654-656.

([2]) مروج الذهب ج2 ص78، وفي الطبري ج2 ص123: أن ذلك كان في زمن أنو شيروان، وذلك لا يصح، اذ ملك الحبشة اليمن أكثر من ثمانين عاما وزالوا على عهد أنو شيروان لخمس وأربعين من ملكه، (المسعودي ج2 ص82)، فلا يصح أن يكون ظهورهم في اليمن ايضا على عهده.

([3]) وقد نقل المؤرخون العرب في سبب تهوّد اليمنيين بعد  عبادة الأصنام أن تبّع بن حسان الملك الحادي والعشرين من ملوكهم بعد الطوفان خرج من اليمن الى الحجاز، فمرّ بالمدينة وأراد حربها، فخرج إليه حبران من يهود بني قريظة وحذّراه -إن هو حارب المدينة- من عاجل العقوبة وآجلها، فوقع في قلبه كلامهما، فآمن باليهودية، ثم نقلها معه الى اليمن، وتحاكم مع أهل اليمن الى أن يدخل الحبران النار فإن لم تحرقهما آمنوا باليهودية، فدخلا النار فلم تحرقهما، فآمنوا باليهودية. انتهى. بينما يحكي القرآن عن بلقيس على لسان الهدهد : {إني وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله} (النمل: 24)، ثم يصرّح القرآن الكريم بإيمانها بسليمان وحكم سليمان على اليمن، وسليمان من أنبياء بني إسرائيل اليهود. ويعدّ المؤرخون بلقيس الملكة بعد عشرة ملوك من بعد الطوفان، أي قبل تبّع بعشرة ملوك آخرين. إذن اليهودية سبقت تبع بعشرة ملوك، وكانوا قبل اليهودية يسجدون للشمس لا للأصنام، وحتى لو كانت لهم أصنام فهي كانت تماثيل للشمس وقوى الطبيعة، والغريب أنه لم ينتبه لهذا ابن هشام ج1 ص27 على هامش الروض الآنف للسهيلي، ولا اليعقوبي ج1 ص171، ولا الطبري ج2 ص107، ولا أحد المعلقين على طبعات هذه الكتب مع وضوح الموضوع وقطعيته.

([4]) البروج : 3-7.

([5]) المسعودي ج2 ص77..

([6]) الطبري ج2 ص127.

([7]) المسعودي ج2 ص78.

([8]) الطبري ج2 ص137.

([9]) الطبري ج2 ص142-144.

([10]) اليعقوبي ج2 ص173 ؛ والمسعودي ج2 ص80.

([11]) الطبري ج2 ص139.

([12]) المسعودي ج2 ص82.

([13]) جاء اسمه في التواريخ العربية "وَهْرِز"، وأظنه وهروز أو بهروز.

([14]) المسعودي ج2 ص81.

([15]) الطبري ج2 ص141-142.

([16]) المسعودي ج2 ص82.

([17]) الطبري ج2 ص141-142.

([18]) جاء اسمه في الطبري "باذان" و"باذام"، ج3 ص8 و227، ورجّحنا الثاني في الفارسية دون الأول.

([19]) الطبري ج2 ص148.

([20]) وقد سبق أن دخول الفرس إلى اليمن كان لخمس وأربعين من ملكه، وقد ملك ثمانية وأربعين عامًا كما في المسعودي ج1 ص236، فيعلم أن وهروز لم يتملك أكثر من ثلاث سنين.

([21]) الطبري ج2 ص171، جاء اسمه فيه " المروزان"، وأظنه : المهروزان.

([22]) الطبري ج2 ص215.

([23]) الطبري ج2 ص644.

([24]) اليعقوبي ج2 ص67 ط نجف.

([25]) الطبري ج2 ص655 ؛ وشتورًا : يعني قطعًا.

([26]) جاء اسمه في الطبري ج2 ص655 : خر خسرة، وفي المسعودي ج2 ص87 : خر خسرو، وورد ضبط حركة خر بضم الأول، فهو لما ذكرنا خور خسرو ويعني شمس الملوك.

([27]) الطبري ج2 ص218.

([28]) الطبقات ج1 ص260.

([29]) الطبري ج2 ص656، وهذا يعني أنه كانت المدة بين بعث كتاب الرسول (ص) إلى كسرى، إلى حين وصول هؤلاء الرسل اليه أربعة اشهر وبضعة أيام من ذي الحجة، بعد رجوعه من صلح الحديبية سنة 6هـ إلى عاشر جمادى الأولى سنة 7 هـ.

([30]) الطبري ج2 ص654-656 ؛ واليعقوبي ج2 ص61 ؛ والإصابة ج1 في ترجمة بابوية وباذان ؛ والكامل ج2 ص81 ؛ وسيرة دحلان ج3 ص65 ؛ والحلبية ج2 ص287 ؛ والبحار ج2 ص507 ط. ق ؛ وراجع كتاب مكاتيب الرسول (ص) ج1 ص90-97 للعلامة الشيخ علي الأحمدي.

([31]) الطبري ج3 ص158، الا أنه ذكر ذلك في أحداث السنة العاشرة من الهجرة، وهو خطأ.

([32]) الطبري ج3 ص228.

([33]) الطبري ج3 ص147 و267-268.

([34]) الطبري ج3 ص185.

([35]) الطبري ج3 ص147 و185.

([36]) الطبري ج3 ص230.

([37]) الطبري ج3 ص185.

([38]) معربه : فيروز.

([39]) الطبري ج3 ص232.

([40]) الطبري ج3 ص230.

([41]) الطبري ج3 ص232 و234.

([42]) الطبري ج3 ص229-231.

([43]) الطبري ج3 ص187.

([44]) الطبري ج3 ص232.

([45]) ذكر اسمه بالتعريب جشيش بالجيم.

([46]) الطبري ج3 ص229-231.

([47]) الطبري ج3 ص187.

([48]) الطبري ج3 ص158.

([49]) الطبري ج3 ص158.

([50]) الطبري ج3 ص236، واللفظ "أسلموا"، وقد علم أن إسلامهم كان في السنة السابعة.

([51]) الطبري ج3 ص231.

([52]) الطبري ج3 ص236.

([53]) الطبري ج3 ص187.

([54]) الطبري ج3 ص235.

([55]) الطبري ج3 ص239.

([56]) الطبري ج3 ص235.

([57]) الطبري ج3 ص239.

([58]) الطبري ج3 ص5-236.

([59]) الطبري ج3 ص239.

([60]) الطبري ج3 ص236.

([61]) اذ ذكرنا قبل انهما كانا ابن عم آزاد أرملة شهرام بن بادام.

([62]) الطبري ج3 ص323.

([63]) الطبري ج3 ص228.

([64]) الطبري ج3 ص322-326.

([65]) الطبري ج3 ص147 و228 و330.

([66]) الطبري ج3 ص249.

([67]) الطبري ج3 ص187.

([68]) الطبري ج3 ص185 و326.

([69]) الطبري ج3 ص328-330.

([70]) إلى هنا ينتهي ما أعددته من تحقيق حول أبناء الفرس المسلمين في اليمن - المعرّب.

 

 

ذُروةُ القرآن آيةُ الكُرسِي

الشيخ عباس طباجة

مقدمة

قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}([1]).

القرآن الكريم، ذلك الكتاب العظيم، والفرقان المبين، معجزة الإسلام الخالدة، وأحد الثقلين اللّذين خلّفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمته ليكونا سببًا للهداية ما إن تمسكوا بهما، لطالما كان مرمىً لعقول وقلوب الكثير من علماء الأمة، ابتغاءً منهم استنطاق آياته وكشف مخزوناته، وقد قضى بعضهم عمره في التحقيق بحثًا عن علومه وتبيينًا لمرامه ومراده.

ولمَ لا، وقد وصف الله تعالى كتابه بأوصاف تنبئ عن عظمته، قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}([2])، وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}([3])، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}([4]).

وقد وصف الله عز وجل نفسه بأنه معلّم هذا الكتاب {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ}([5]), وهذا الكتاب مظهَر علمه تعالى وحكمته: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}([6]).

ولا يستغني الباحث في آياته والسابر في أعماقه وأغواره عن الاستهداء بالكتاب نفسه وبقرنائه الذين أودعهم الله (جلّ شأنه) علومه وأسراره وجعلهم عِدْلاً لكتابه.

فقد روى الشيخ في التهذيب أن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًا (عليه السلام) يقول: يا أيها الناس اتقوا الله! ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال قولاً آلَ منه إلى غيره، وقد قال قولاً من وضعه غير موضعه كذب عليه، فقام عبيدة وعلقمة والأسود وأناس معهم فقالوا: يا أمير المؤمنين فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف؟ فقال: يسأل عن ذلك علماء آل محمد (عليهم السلام) ([7]) .

وعن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال لعمرو بن عبيد -وهو من شيوخ المعتزلة-: فإنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أُنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا يا عمرو([8]).

وحيث إنني كنت أبحث عن الوجه الذي دعا بعض علمائنا للقول بالاحتياط الوجوبي بقراءة آية الكرسي إلى قوله تعالى {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} في صلاة ليلة الدفن، رأيت أن الحديث حول آية الكرسي لَهُوَ من أحسن الحديث. ورغبة مني في الاستزادة من أسرارها ومراميها، أحببت أن أقدم هذه الوريقات للقارئ الكريم ، آملاً في أن يكون هذا البحث المتواضع قد ساهم في جلاء بعض معاني وأنوار آية الكرسي.

تفسير الآية الكريمة:

لا بد من بيانٍ -ولو مقتضبًا- لبعض معاني مفردات الآية وجملها التركيبية عَلّه يجلي بعضًا مما ترمي إليه ويزيد وضوحًا من قدسيتها وعظمتها.

قوله تعالى {اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}

{الله}: اسمٌ، علمٌ، مفردٌ، موضوع على ذات واجب الوجود. وبما أن افتتاح البحث وقع على بيان الاسم المقدس للذات الإلهية فلا بأس بشيء من الإسهاب لقداسة موضوع الكلام.

قال الشهيد (رحمه الله) في قواعده: "الله" اسم للذات لجريان النعوت عليه، وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات الإلهية، فإذا قلنا: الله، فمعناه الذات الموصوفة بالصفات الخاصة، وهي صفات الكمال ونعوت الجلال. ثم قال (رحمه الله): وهذا المفهوم هو الذي يُعبد، ويُوحّد، ويُنزّه عن الشريك والنظير، والضدّ والنّدّ والمِثل([9]). انتهى.

وقد اختصّ هذا الاسم الشريف عن غيره من أسمائه الحسنى بأنه أشهر أسمائه، واختصّت به كلمة الإخلاص، ووقعت به الشهادة، وبأنه عَلَم على الذات المقدسة، وهو مختص بالمعبود الحق تعالى، فلا يُطلق على غيره حقيقة ولا مجازًا، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}([10]) أي: هل تعلم أحدًا يُسمّى الله؟ وقيل: سميًا أي: مثلاً وشبيهًا.

ومما اختص به أيضًا أنه لا يقع إلا اسمًا، بخلاف سائر أسمائه تعالى، فإنها تقع صفات، أما أنه اسم غير صفة، فلأنك تصفه ولا تصف به([11]).

وهذا الاسم الشريف يتسمّى به جميع أسمائه الحسنى ولا يتسمّى هو بشيء منها، فلا يقال: الله اسم من أسماء الصبور أو الرحيم أو الشكور، ولكن يقال: الصبور اسم من أسماء الله تعالى.

اشتقاق الاسم المقدس:

اختلِف في اشتقاقه على وجوه عشرة ذكرها الشيخ الكفعمي (رحمه الله) في حاشيته على الصحيفة السجّادية الموسومة بالفوائد الشريفة على الصحيفة([12])، وإليك الوجوه كما ذكرها (رحمه الله).

الأول: أنه مشتق من لاه الشيء إذا خفي، قال الشاعر:

لاهت فما عُرفت يومًا بخارجة

 

 

يا ليتها خرجت حتى عرفناها

 

الثاني: أنه مشتق من أَلِهَ بالكسر أي تحيّر، لتحيّر العقول في كنه عظمته، قال:

ببيداءَ تيهٍ تألّه العير وسطها

 

 

مخفقة بالآل جرد وأملق

 

 الثالث: أنه مشتق من الغيبوبة، لأنه سبحانه لا تدركه الأبصار، قال الشاعر:

لاه ربي عن الخلائق طرًا

 

 

خالق الخلق لا يُرى ويرانا

 

الرابع: أنه مشتق من التعبّد، قال شعر:

لله درّ الغانيات المُدَّهِ

 

 

آلَهْنَ واسترجعن من تألّهي

 

الخامس: أنه مشتق من أَلِهَ بالمكان إذا أقام به، قال شعر:

أَلِهْنا بدارٍ لا يدوم رسومها

 

 

كأن بقاها وشام على اليد

 

السادس: أنه مشتق من لاه يلوه بمعنى ارتفع.

السابع: أنه مشتق من وَلَهَ الفصيلُ بأمه إذا ولع بها، كما أن العباد مولهون، أي: مولعون بالتضرع إليه تعالى.

الثامن: أنه مشتق من الرجوع، يقال: أَلَهْت إلى فلان، أي: فزعت إليه ورجعت، والخلق يفزعون إليه تعالى في حوائجهم ويرجعون إليه، وقيل للمألوه إليه: إله، كما قيل للمؤتَمّ به: إمام.

التاسع: أنه مشتق من السكون، وألهت إلى فلان أي: سكنت، والمعنى أن الخلق يسكنون إلى ذكره.

العاشر: أنه مشتق من الإلهية. وهي القدرة على الاختراع.

{الحي}: وهو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدرَكات إذا وُجدت.

{القيّوم}: أصله قيووم على وزن فيعول، إلا أن الياء والواو إذا اجتمعتا وأولاهما ساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء قياسًا مطردًا. وقد قيل في معنى القيوم أقوالاً قد يجمعها ما ذكروه من أنه: القائم الدائم بلا زوال، وبه قيام كل موجود في إيجاده وتدبيره وحفظه، ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}، أي يقوم بأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم.

قوله تعالى {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ}

السِنَة: بكسر السين، فتور يتقدم النوم، قال الشاعر:

وسنان أقصده النعاس فرنقت

 

 

في عينه سِنَة وليس بنائم([13])

 

والنوم معروف، وقد ورد في القرآن أنه بمعنى وفاة النفس من غير موت، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}، حتى قيل: النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل.

وها هنا إشكال مشهور:

وهو أن قوله تعالى {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} على خلاف الترتيب الذي تقتضيه البلاغة، فإن المقام مقام الترقي، والترقي في الإثبات إنما هو من الأضعف إلى الأقوى، تقول: فلان يقدر على حمل عشرة أمنان بل عشرين، وفلان يجود بالمئات بل بالألوف. وفي النفي بالعكس، تقول: لا يقدر فلان على حمل عشرين ولا عشرة، ولا يجود بالألوف ولا بالمئات، فكان ينبغي أن يقال: لا يأخذه نوم ولا سنة.

وجوابه بما ذكره السيد الطباطبائي (رحمه الله) في تفسيره: بأن الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات والنفي دائمًا كما يقال: فلان يجهده حمل عشرين بل عشرة ولا يصح العكس، بل المراد هو صحة الترقي وهي مختلفة بحسب الموارد، ولما كان أخذ النوم أقوى تأثيرًا وأضرّ على القيومية من السِّنة كان مقتضى ذلك أن يُنفى تأثير السِّنة وأخذها أولاً، ثم يُترقى إلى نفي تأثير ما هو أقوى منه تأثيرًا، ويعود معنى {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} إلى مثل قولنا: لا يؤثر فيه هذا العامل الضعيف بالفتور في أمره ولا ما هو أقوى منه([14]).

فتحصل من قوله تعالى: {الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} أن السلطان المطلق في الوجود لله سبحانه لا تصرّف إلا وهو له ومنه.

قال في الميزان: فقد يقع من ذلك في الوهم أنه إذا كان الأمر على ذلك فهذه الأسباب والعلل الموجودة في العالم ما شأنها؟ وكيف يتصوَّر فيها ومنها التأثير ولا تأثير إلا لله سبحانه؟

فأجيب بقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}، فإن تصرّف هذه العلل والأسباب في هذه الموجودات المعلولة توسط في التصرف، وبعبارة أخرى: شفاعة في موارد المسببات بإذن الله سبحانه، فإنما هي شفعاء، والشفاعة -وهي بنحوٍ: توسطٌ في إيصال الخير أو دفع الشر، وتصرفٌ ما من الشفيع في أمر المستشِفع- إنما تنافي السلطان الإلهي والتصرف الربوبي المطلق إذا لم ينتهِ إلى إذن الله، ولم يعتمد على مشيّة الله تعالى بل كانت مستقلة غير مرتبطة، وما من سبب من الأسباب ولا علة من العلل إلا وتأثيره بالله، ونحو تصرفه بإذن الله، فتأثيره وتصرفه نحوٌ من تأثيره وتصرفه تعالى، فلا سلطان في الوجود إلا سلطانه، ولا قيوميّة إلا قيوميّته المطلقة عز سلطانه([15]).

قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.

فالله عز وجل يعلم من عباده ما كان ويكون من خير وشر، ويعلم الشافع والمشفوع له، ومن يستحق العفو والثواب أو العذاب والعقاب.

وأما (الكرسي) فقد اختلف أهل التفسير والتأويل في معناه، فقيل: هو أصل ملكه.

وقيل: هو كناية عن سلطته، وأنها أحاطت بجميع أجزاء الكون فلا يشذّ عنه شيء.

وقيل هو العرش نفسه.

وقيل: هو علمه وهو الظاهر قويًا، فإنه من الواضح أن ما سبق قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أفاد المالكية التكوينية {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}، والتشريعية {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ}. والشفاعة مطلقة تشمل الشفاعة التكوينية والتشريعية، فتشمل شفاعة المعصومين (عليهم السلام). فينبِّه تعالى أن تمام التدبير وكماله هو له عز وجل، وبقية الأسباب والعلل التي جعلها، وخاصة أولي العلم منها، وإن كان لها تصرف وعلم، إلا أن ما عندهم من العلم وما لهم من التصرف إنما هو من علمه تعالى وبمشيئته وإرادته. وقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} صريح في تمجيده تعالى بالعلم، فله ظهور قوي في أن المراد من الكرسي هو العلم.

قال السيد الطباطبائي (رحمه الله): وكيف كان فالجمل السابقة على هذه الجملة -أعني قوله: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} إلخ - تفيد أن المراد بسعة الكرسي إحاطة مقام السلطنة الإلهية، فيتعين للكرسي من المعنى: أنه المقام الربوبي الذي يقوم به ما في السماوات والأرض من حيث إنها مملوكة مدبّرة معلومة، فهو من مراتب العلم، ويتعين للسعة من المعنى: أنها حفظ كل شيء مما في السماوات والأرض بذاته وآثاره، ولذلك ذيّله بقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} (أي يثقله)([16]).

روى الشيخ الصدوق في التوحيد عن حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} قال: علمه([17]).

وبإسناده إلى حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العرش والكرسي، فقال: إن للعرش صفاتٍ كثيرةً مختلفةً (...) فهما في العلم بابان مقرونان لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي صفته أعظم من صفة الكرسي وهما في ذلك مقرونان (إلخ)([18]).

آية الكرسي أعظمُ الآيات وسيدتها

وإليك جملة من الأخبار:

عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال لرجل: أيةُ آيةٍ أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال فأعاد القول فقلت: الله ورسوله أعلم! فأعاد فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعظم آية، آية الكرسي([19]).

وسئل (صلى الله عليه وآله): القرآن أفضل أم التوراة؟ فقال: إن في القرآن آية، هي أفضل من جميع كتب الله، وهي آية الكرسي([20]).

وعن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لما نزلت آية الكرسي، نزلت آية من كنز العرش، ما من وثن في المشرق والمغرب، إلا وسقط على وجهه، فخاف إبليس وقال لقومه: حدثت في هذه الليلة حادثة عظيمة، فالزموا مكانكم، حتى أجوب المشارق والمغارب، فأعرف الحادثة، فجاب حتى أتى المدينة، فرأى رجلاً فقال: هل حدث البارحة حادثة؟ قال: قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): نزلت عليَّ آية من كنوز العرش، سقطت لها أصنام العالم لوجهها، فرجع إبليس إلى أصحابه وأخبرهم بذلك. إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): يا علي تعلّم هذه الآية وعلّمها أولادك وجيرانك، فإنه لم ينزل عليَّ آية أعظم من هذا([21]).

وعن جماعة من الصحابة، أنهم كانوا جالسين في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، ويذكرون فضائل القرآن، وأن أي آية أفضل فيها؟ قال بعضهم: آخر براءة، وقال بعضهم: آخر بني إسرائيل وقال بعضهم: كهيعص، وقال بعضهم: طه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أين أنتم عن آية الكرسي؟ فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا علي آدم سيد البشر، وأنا سيد العرب، ولا فخر، (......) وآية الكرسي سيد سورة البقرة، فيها خمسون كلمة، في كل كلمة بركة([22]).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لكل شيء ذروة([23])، وذروة القرآن آية الكرسي([24]).

وفي رواية أن أبا ذر سأل النبي (صلى الله عليه وآله): أي آية أنزلها الله عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي. ثم قال: يا أبا ذر ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة([25]).

فضل قراءة آية الكرسي وكتابتها

ورد في جملة من الأخبار عظيم الفضل وجزيل الثواب لقارئ آية الكرسي، وفي بعضها التصريح بما يترتب على قراءتها وكتابتها من الآثار الوضعية.

والأخبار على طوائف:

الأولى: ما ورد من الندب إلى قراءتها مطلقًا:

منها: الخبر المتقدم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما نزلت آية الكرسي، نزلت آية من كنز العرش، إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): لا يقرأ هذه الآية في بيت، إلا ولا يحوم الشيطان حوله ثلاثة أيام، إلى أن ذكر ثلاثين يومًا، ولا يعمل فيه السحر أربعين يومًا، يا علي تعلّم هذه الآية وعلّمها أولادك وجيرانك، فإنه لم ينزل عليَّ آية أعظم من هذا([26]).

ومنها: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من قرأ آية الكرسي مرة، محي اسمه من ديوان الأشقياء ومن قرأها ثلاث مرات، استغفرت له الملائكة، ومن قرأها أربع مرات، شفع له الأنبياء، ومن قرأها خمس مرات، كتب الله اسمه في ديوان الأبرار، واستغفرت له الحيتان في البحار ووقيَ شر الشيطان، ومن قرأها سبع مرات أغلقت عنه أبواب النيران، ومن قرأها ثماني مرات، فتحت له أبواب الجنان، ومن قرأها تسع مرات، كفيَ همّ الدنيا والآخرة، ومن قرأها عشر مرات، نظر الله إليه بالرحمة، ومن نظر الله إليه بالرحمة، فلا يعذبه([27]).

ومنها: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من قرأ آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا، وألف مكروه من مكاره الآخرة، أيسر مكروه الدنيا الفقر، وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر، وإني لأستعين بها على صعود الدرجة ([28]).

ومنها: عن علي (عليه السلام)، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) من قرأ آية الكرسي مائة مرة كان كمن عبد الله طول حياته([29]).

الثانية: قراءتها بعد صلاة الفريضة

منها: عن الصادق عن أبيه (صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يا علي عليك بتلاوة آية الكرسي في دبر صلاة المكتوبة فإنه لا يحافظ عليها إلا نبي أو صدّيق أو شهيد([30]).

ومنها: عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من قرأ آية الكرسي، في دبر كل صلاة مكتوبة، تُقبِّلت صلاته، ويكون في أمان الله، ويعصمه الله([31]).

ومنها: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من قرأ آية الكرسي، عقيب كل فريضة تولى الله جل جلاله قبض روحه، وكان كمن جاهد مع الأنبياء حتى استشهد([32]) .

ومنها: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ هذه الآية -يعني آية الكرسي- إذا فرغ من صلاة الفريضة، لم يكل الله قبض روحه إلى ملك الموت([33]).

ومنها: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أعواد هذا المنبر، وهو يقول: من قرأ آية الكرسي، عقيب كل فريضة، ما يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليه إلا صّديق أو عابد، ومن قرأها عند منامه، آمنه الله في نفسه، وبيته، وبيوت من جواره([34]) .

الثالثة: قراءتها بعد الوضوء

عن الباقر (عليه السلام) من قرأ على إثر الوضوء آية الكرسي مرة أعطاه الله تعالى ثواب أربعين عامًا ورفع له أربعين درجة وزوّجه الله تعالى أربعين حوراء([35]).

الرابعة: قراءتها لأهل القبور

منها: عن علي (عليه السلام) : إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله تعالى له من كل حرف ملكًا يسبح له إلى يوم القيامة([36]).

ومنها: عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث في فضل آية الكرسي، قال (صلى الله عليه وآله): ومن قرأها وجعل ثوابها لأهل القبور، غفر الله ذنوبهم، إلا أن يكون عشّارًا([37]).

الخامسة: قراءتها لطلب الولد الذكر

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان بامرأة أحدكم حمل فأتى لها أربعة أشهر فليستقبل بها القبلة وليقرأ آية الكرسي وليضرب على جنبها وليقل: اللهم إني قد سميته محمدًا، فإنه يجعله غلامًا، فإن وفى بالاسم بارك الله فيه، وإن رجع عن الاسم كان لله فيه الخيار، إن شاء الله أخذه، وإن شاء تركه([38]).

السادسة: إذا خاف هياج الدم عند الاحتجام

منها: عن محمد بن رياح قال: رأيت أبا إبراهيم (عليه السلام) يحتجم يوم الجمعة فقلت: تحتجم يوم الجمعة؟ فقال: أقرأ آية الكرسي، فإذا هاج الدم ليلاً كان أو نهارًا فاقرأ آية الكرسي واحتجم([39]).

السابعة: قراءتها أو كتابتها للشفاء

منها: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إذا اشتكى أحدكم عينه فليقرأ عليها آية الكرسي وفي قلبه أنه يبرأ ويعافى فإنه يعافى إن شاء الله تعالى([40]).

ومنها: عن إبراهيم بن مهزم عن رجل سمع أبا الحسن (عليه السلام) يقول من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج إن شاء الله، ومن قرأها في دبر كل فريضة لم يضره ذو حمة([41]).

ومنها: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث إن رجلاً قال له إن في بطني ماء أصفر فهل من شفاء؟ فقال نعم بلا درهم ولا دينار ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ بإذن الله([42]).

ومنها: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شكا رجل إليه من حمى قد تطاولت، فقال: اكتب آية الكرسي في إناء ثم دفه([43]) بجرعة من ماء فاشربه([44]).

الثامنة: أن تكتب لدفع الجن

عن أبي خديجة قال: رأيت مكتوبا في بيت أبي عبد الله (عليه السلام) آية الكرسي قد أديرت بالبيت، رأيت([45]) في قبلة مسجده مكتوبا آية الكرسي([46]).

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شكا إليه رجل عبث أهل الأرض بأهل بيته وبعياله، فقال: كم سقف بيتك؟ فقال: عشرة أذرع، فقال: إذرع ثمانية أذرع ثم اكتب آية الكرسي فيما بين الثمانية إلى العشرة كما تدور، فان كل بيت سمكه أكثر من ثمانية أذرع فهو محتضر تحضره الجن تكون فيه تسكنه([47]).

التاسعة: قراءتها لتهون من سكرات الموت

منها: عن النبي (صلى الله عليه وآله): من قرأ آية الكرسي يهوّن الله عليه سكرات الموت، وما مرّت الملائكة في السماء بآية الكرسي إلا صعقوا([48]).

العاشرة: قراءتها لقضاء الحوائج

قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا علي: إذا خرجت من منزلك تريد حاجة فاقرأ آية الكرسي، فإن حاجتك تقضى إن شاء الله([49]).

الحادية عشر: قراءتها في السفر

عن الصادق (عليه السلام) قال: من قرأ "آية الكرسي" في السفر في كل ليلة سلم وسلم ما معه ويقول: اللهم اجعل مسيري عبرًا وصمتي تفكرًا وكلامي ذكرًا([50]).

تحديد آية الكرسي

آية الكرسي أولها قوله تعالى {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وهذا مما لا ريب فيه، ولكنها هل تنتهي بقوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} أو أن الآيتين بعدها جزء منها فيكون منتهاها قوله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}؟

المنسوب إلى الجمهور وكثير من أصحابنا أنها آية واحدة تنتهي بقوله تعالى {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} وهو المقرر عند القراء والمفسرين.

قال في مجمع البحرين: وآية الكرسي معروفة وهي إلى قوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} ([51]).

وفي كنز الدقائق: أن هذا هو المشهور([52]).

ويعضده ويؤيده بعض الوجوه:

الأول: إن تسميتها بآية الكرسي مرتبط بذكر كلمة (الكرسي) وقد وردت في الآية الأولى فقط، فالمناسب عدّها آية واحدة، وقد اصطلح على كثير من الآيات تسميتها بعنوان خاص (كآية النبأ مثلاً) لوجود ذلك العنوان الخاص في تلك الآية وقد جرى ذلك في بعض ألسنة الأخبار.

من جملة تلك الآيات:

آية الزكاة {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([53]).

آية المتعة {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}([54]).

آية السخرة {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}([55]).

وهكذا آيات (النفر، النبأ، السرقة، الملك، الميراث، المباهلة، الحيض، التقصير، الرجم، الخمس، الوضوء، التطهير، حرمة الكتمان) إلى غير ذلك من الآيات فراجع وتأمل.

الثاني: ما رواه الشيخ الطبرسي في مجمع البيان قال: وبإسناده عن علي (عليه السلام) قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول: " من قرأ آية الكرسي.. إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): يا علي! إن فيها لخمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة([56]).

وعندما تعدّ كلمات هذه الآية إلى قوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} تكون خمسين كلمة.

الثالث: إن جميع الروايات التي أوردت فضيلة هذه الآية وعبرت عنها بآية الكرسي مؤيدة للقول بأنها آية واحدة لا أكثر، وقد ورد في جملة من التفاسير ذكر فضلها وثواب قراءتها كل ذلك عقيب قوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.

الرابع: ما رواه الشيخ في الأمالي ضمن بيان فضيلة آية الكرسي: بإسناده عن أبي أمامة الباهلي: أنه سمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: ما أرى رجلاً أدرك عقله الإسلام وولد في الإسلام يبيت ليلة سوادها، قلت: وما سوادها، يا أبا أمامة؟ قال: جميعها، حتى يقرأ هذه الآية {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فقرأ الآية إلى قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، ثم قال: فلو تعلمون ما هي، أو قال: ما فيها، لما تركتموها على حال([57])،.. الخ.

الخامس: ظاهر حديث الإمام زين العابدين (عليه السلام) المروي في الكافي عن عمرو بن جميع، رفعه إلى علي بن الحسين(صلى الله عليه وآله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ أربع آيات من أول البقرة، وآية الكرسي وآيتين بعدها، وثلاث آيات من آخرها، لم يرَ في نفسه وماله شيئًا يكرهه، ولا يقربه شيطان، ولا ينسي القرآن([58]).

ورواه الشيخ الصدوق أيضًا في ثواب الأعمال([59]).

فعطفُ قولِه (وآيتين بعدها) على (آية الكرسي) يقتضي بظاهره تغايرهما، وتماميّة آية الكرسي إلى قوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، بل صرّح السيد الخوئي (قدس سره) بكون الحديث دالاً على خروج الآيتين([60]).

ومثله الحديث المروي في دعائم الإسلام عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: يستحب لمن حضر المُنازِع أن يقرأ عند رأسه آية الكرسي وآيتين بعدها([61]).

السادس: ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) من أن كونها آية واحدة هو المطابق للأصل لدى الدوران بين الأقل والأكثر([62]).

رواية في روضة الكافي

وأما ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن إسماعيل بن عباد عن أبي عبد الله (عليه السلام) وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاً بِما شَاءَ} وآخرها {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} والحمد لله رب العالمين وآيتين بعدها([63]).

فلا دلالة فيها على أن آخر آية الكرسي قوله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وذلك لأنه لم يعلم وجه روايتها والشيخ الكليني (رحمه الله) لم يدرجها في باب معنون، نعم ذكرها في سياق ذكره لبعض الروايات الدالة على اختلاف بعض الآيات لما هو الموجود بين أيدينا.

وقد أوردها صاحب البحار (قدس سره) ضمن باب ما جاء في كيفية جمع القرآن وما يدل على تغييره([64]) وأشار (قدس سره) في آخر الباب المذكور إلى أن هذه الرواية وأمثالها إنما هي من أخبار الآحاد التي لا نقطع على الله بصحتها، فلذلك وقفنا عليها ولم نعدل عما في المصحف الظاهر، وقد صح الخبر عن أئمتنا (عليهم السلام)  أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا نتعداه، بلا زيادة ولا نقصان ... (انتهى ما أردنا نقله عن البحار).

على أن الرواية المذكورة وردت بنصب آيتين ولا وجه للنصب إلا بعامل مقدر، فلا يصلح قوله (وآيتين بعدها) أن يكون خبرًا لقوله (وآخرها)

أراء بعض الأعلام:

الشهيد الثاني(رحمه الله) في روض الجنان قال:

والظاهر إن المراد بآية الكرسي الآية التي يذكر فيها الكرسي أولها {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} إلى {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} ([65]) .

المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في مجمع الفائدة الجزء الثالث قال: والظاهر من آية الكرسي، أنها إلى قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، كما هو المقرر عند القراء والمفسرين في غير هذا المحل (صلاة الغدير)، وللتبادر، ولهذا لو أريد الزيادة احتيج إلى القيد، فلا يبعد الاكتفاء به([66]).

وأفاد السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك: ثم إن الظاهر من آية الكرسي الآية المشتملة على لفظ الكرسي التي آخرها: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، وقد قيل: إنه المقرر عند القراء والمفسرين، ويظهر ذلك بأدنى ملاحظة لكلماتهم. وفي بعض الأخبار المروية في مجمع البيان أنها خمسون كلمة، ولا ينطبق إلا عليها. وعليه ففي كل مورد وردت مطلقة حُملت على ذلك، إلا أن تقيّد بمثل: إلى قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فيلزم حينئذ قراءتها إليه، كما ورد في موارد كثيرة([67]).

وقريب منه ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) في كتاب الصلاة ([68]) .

صلاة ليلة الدفن وقفة تساؤل؟!

صلاة ليلة الدفن أو صلاة الهدية: ورد لها كيفيتان، وفي إحداهما قراءة آية الكرسي.

ولم ينقل هاتين الكيفيتين سوى ابن فهد الحلي (رحمه الله) ([69]) والشيخ الكفعمي (رحمه الله) ([70]) في مصباحه ولم يذكر أي منهما تقييدها بأنها إلى قوله تعالى {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

وتأييدًا لذلك لاحظ ما ذكره بعض علمائنا (قدس الله أسرارهم):

قال السيد الجزائري (رحمه الله) في باب الهدية للميت: يستحب الإهداء إليه ليلة الدفن بصلاة ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الحمد آية الكرسي، وفي الثانية بعد الحمد القدر عشر مرات، فإذا سلّم قال: اللهم صل على محمد وآل محمد وابعث ثوابها إلى قبر فلان. نقلهما الكفعمي في مصباحه وابن فهد في موجزه وأسندها في المفاتيح إلى الخبر. وفي القراءة روايتان أخريان ولم أقف منها إلا على ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسلاً، قال: لا يأتي على الميت ساعة أشد من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة، فإن لم تجدوا فليصلِّ أحدكم ركعتين يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد مرتين، وفي الثانية فاتحة الكتاب مرة وألهاكم التكاثر عشر مرات، ويسلّم ويقول الدعاء. ونقل صاحب البحار عن بعض كتب أصحابنا أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة آية الكرسي مرة والتوحيد مرتين، وفي الثانية بعد الحمد التكاثر عشرًا. ونقلها عن والده أيضًا مع التصريح بأنه ليس في شيء من هذه الصلوات خبر يعتمد عليه من طرق أصحابنا، وأنه لو أتى بصلاة على الهيئات المنقولة بالطرق المعتبرة ثم أهدى ثوابها إلى الميت فهو أحسن([71]).

وقال المحدث البحراني (قدس سره) في الحدائق:

صلاة هدية الميت ليلة الدفن، وهذه الصلاة لم نظفر بها في كتب الأخبار مسندة عن أحد الأئمة الأبرار (صلوات الله عليهم)، وإنما رواها الكفعمي في مصباحه (و) كتاب الموجز لابن فهد، وهو نقلها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يأتي على الميت أشد من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة، فإن لم تجدوا فليصلِّ أحدكم ركعتين: يقرأ في الأولى الحمد وآية الكرسي، وفي الثانية الحمد والقدر عشرًا، فإذا سلّم قال: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وابعث ثوابهما إلى قبر فلان، فإنه تعالى يبعث من ساعته ألف ملك إلى قبره مع كل ملك ثوب وحلّة... الخبر).

قال: وفي رواية أخرى (يقرأ بعد الحمد التوحيد مرتين في الأولى وفي الثانية بعد الحمد التكاثر عشرًا ثم الدعاء المذكور)، ثم نقل الكفعمي عن والده رواية ثالثة مثل الرواية الثانية لكن بزيادة آية الكرسي مرة في الركعة الأولى. وروى هذه الصلاة السيد رضي الدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وآله) بالرواية الثانية([72]).

وأما السيد الخوئي (قدس سره) في تعليقته على العروة، بعد أن ذكر صاحب العروة (قدس سره) صلاة ليلة الدفن، وأنها ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد آية الكرسي إلى {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

فقد علّق (قدس سره) بما نصه : لم أعثر على نص معتبر لهذا التحديد في المقام ولا بنطاق عام بالرغم من اشتهاره وانتشاره، حتى أن جلّ المعلّقين على المتن ما خلا السيد الطباطبائي امضوا ما فيه أو احتاطوا فيه، وإن كان السيد الماتن بنفسه أيضًا احتاط فيه في كتاب الطهارة عند تعرضه لهذه الصلاة في خاتمة أحكام الأموات.

وكيف ما كان فالذي يظهر من اللغة وجمع من المفسرين وبعض النصوص خلافه، وهو المنسوب إلى الجمهور وكثير من الأصحاب... إلى أن قال (رحمه الله): والمتحصّل: أن كل مورد لم يصرح فيه بضم الآيتين -ومنه المقام- يجوز الاكتفاء بالآية الأولى وإن كان الضمّ أحوط وأولى([73]). (انتهى كلامه (قدس سره))

وهنا نطرح السؤال التالي:

إذا لم يرد قراءة آية الكرسي في صلاة ليلة الدفن إلى قوله تعالى {هم فيها خالدون} في أي نص ولو غير معتبر، فما هو الوجه الذي لأجله احتاط السيد (قدس سره) في العروة وتبعه أكثر المعلقين عليها بقراءتها بضم آيتين بعدها؟!.

نعم روى الشيخ الطوسي (قدس سره) في مصباح المتهجد مرسلاً: عن الصادق عليه السلام أنه قال: من صلى في هذا اليوم (أي يوم المباهلة) ركعتين قبل الزوال بنصف ساعة شكرا لله على ما من به عليه وخصّه به، يقرأ في كل ركعة أم الكتاب مرة واحدة، وعشر مرات قل هو الله أحد، وعشر مرات آية الكرسي إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وعشر مرات إنا أنزلناه في ليلة القدر عدلت عند الله مائة ألف حجة ومائة ألف عمرة، ولم يسأل الله عز وجل حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضاها له كائنة ما كانت إن شاء الله عز وجل.

وقال (قدس سره): وهذه الصلاة بعينها رويناها في يوم الغدير([74]). (انتهى)

إلا أن هذا مورد خاص لا بد من الاقتصار عليه وعدم التعدي عنه إلى غيره، وبذا صَرّح السيد الخوئي (قدس سره) وقبله الشهيد الثاني (قدس سره) في روض الجنان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) الزمر 23.

([2]) البروج 21- 22.

([3]) الواقعة 77-78.

([4]) الحجر 87.

([5]) الرحمن 2.

([6]) النمل 6.

([7]) التهذيب ج6 باب من الزيادات في القضايا والأحكام، ح30، دار الكتب الإسلامية، طهران ، ط1365ش .

([8]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج18 باب 13 من أبواب كتاب القضاء ح 64.

([9]) القواعد والفوائد للشهيد الأول ج2 ص166، منشورات مكتبة المفيد، قم، إيران.

([10]) مريم 65.

([11]) لا نقول "شيء إله" كما لا نقول "شيء رجل"، ونقول "إله واحد صمد" كما نقول "رجل كريم" (راجع: الكشاف للزمخشري، ومجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي، ومغني اللبيب لابن هشام ج2).

ومما يدل على أنه اسم غير صفة هو أن صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها، وهذا محال (راجع: الكشاف للزمخشري، ج1، ص38).

([12]) نقلتها من حاشية كتاب المقام الأسنى في تفسير الأسماء الحسنى للشيخ تقي الدين إبراهيم الكفعمي، تحقيق الشيخ فارس الحسون، دار الهادي، ط1.

([13]) من قصيدة لعدي بن الرقاع العاملي، وقبله:

لولا الحياء وأن رأسي قد بدا
فكأنها وسط النساء أعارها

 

منه المشيب لزرت أم القاسم
عينيه أحور من جآذر جاسم

وسنان أقصده .....

وسنان: ناعس، ورنقت أي وقفت، والترنيق: الدنو من الشيء يريد أن يفعله، يقال: رنقت العقاب لصيدها إذا دنت منه (راجع: هامش مجمع البيان للطبرسي).

([14]) الميزان في تفسير القرآن للسيد الطباطبائي ج2، ص231، مؤسسة الأعلمي، ط1.

([15]) الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص232، مصدر سابق.

([16]) الميزان في تفسير القرآن ج2، ص236، مصدر سابق.

([17]) التوحيد للشيخ الصدوق ص327، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة .

([18]) المصدر السابق باب العرش وصفاته ص21.

([19]) مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج4، باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح18، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، بيروت، لبنان ، ط1.

([20]) المصدر السابق ح21.

([21]) المصدر السابق ح26.

([22]) المصدر السابق ج4 باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح27.

([23]) الذروة من كل شيء أعلاه، وفي الحديث عن أبي عبد الله (ع): (ولا تأكلوا من ذروة الثريد، وكلوا من جوانبها فإن البركة في رأسها)، والثريد هو الخبز المفتوت في مرق اللحم أو السمن مثلاً، وفي الخبر أن أول من ثرد الثريد إبراهيم (ع)، وأول من هشم الثريد هاشم .

([24]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج8 باب 25 من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره، ح2.

([25]) الخصال للشيخ الصدوق ص524 ، منشورات جماعة المدرسين ، قم ، 1403هـ .

([26]) المستدرك ج4 باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح26 ، مصدر سابق .

([27]) المصدر السابق ح25.

([28]) المصدر السابق  ج4 باب44 ح26.

([29]) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ج1 ح285 ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، ط 1984 .

([30]) وسائل الشيعة (الإسلامية) باب 25 من أبواب التعقيب ح12.

([31]) الدعوات، للراوندي ص84 ، قم ، ط1 ، 1407 .

([32]) المصدر السابق ح1.

([33]) مستدرك الوسائل، ج5 باب 21 من أبواب التعقيب ح6، مصدر سابق.

([34]) المصدر السابق ح2.

([35]) المستدرك ج1 باب 24 من أبواب الوضوء ح8 ، مصدر سابق .

([36]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج3 باب 35 من أبواب الدفن ح4 .

([37]) مستدرك الوسائل، ج2 باب 32 من أبواب الدفن ح7، مصدر سابق.

([38]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ، ج15 باب 14 من ابواب أحكام الأولاد ح2 .

([39]) المصدر السابق ج12 باب 13 من أبواب ما يكتسب به ح19، والخصال للشيخ الصدوق، ص390، ط جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة.

([40]) مكارم الأخلاق للطبرسي ص374 ، منشورات الرضي ، ط6 ، 1972م .

([41]) وسائل الشيعة  ج4 باب 23 من أبواب التعقيب وما يناسبه ح2. والحمة بضم الحاء: السم أو الإبرة يضرب بها الزنبور والحية ونحو ذلك، يلدغ بها. وقال الطبرسي في مجمع البيان: "ذو حمة": بالتخفيف وقد تشدد: السم والإبرة.

([42]) المصدر السابق باب 40 من أبواب قراءة القرآن ح1.

([43]) أي بلّه.

([44]) مكارم الأخلاق للطبرسي ص370 ، مصدر سابق .

([45]) في المحاسن: "ورأيت".

([46]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج3 باب 6 من أبواب أحكام المساكن ح4.

([47]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج3 باب 6 من أبواب أحكام المساكن ح1.

([48]) المستدرك ، ج4 باب 44 من أبواب قراءة القرآن ح24 ، مصدر سابق .

([49]) مكارم الأخلاق للطبرسي ص346 ، مصدر سابق .

([50]) المصدر السابق ص354.

([51]) مجمع البحرين ، مكتب النشر الثقافة الإسلامية ، 1408هـ ، ج324.

([52]) تفسير كنز الدقائق للمشهدي ص610، مؤسسة النشر، جماعة المدرسين ، 1407هـ، ج1.

([53]) التوبة 103.

([54]) النساء 24.

([55]) الأعراف 54.

([56]) مجمع البيان ، ج2 ص157، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، ط1 ، 1995م .

([57]) الأمالي للشيخ الطوسي ، ص508، دار الثقافة ، قم ، 1414هـ .

([58]) الكافي ج2، ص621، ح5، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4.

([59]) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص104، منشورات الشريف الرضي ، ط2.

([60]) كتاب الصلاة للسيد الخوئي (قده) ج9 ص344، مؤسسة إحياء تراث الإمام الخوئي، ط1.

([61]) دعائم الإسلام ج1 ص219.

([62]) كتاب الصلاة للسيد الخوئي (قده) ج9 ص343، مؤسسة إحياء تراث الإمام الخوئي، ط1.

([63]) الكافي ج8 ص290 ح438 ، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4.

([64]) بحار الأنوار ج89، كتاب القرآن، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ح37، ص57، دار إحياء التراث العربي.

([65]) روض الجنان ، الشهيد الثاني ص327 ، مؤسسة آل البيت ، قم .

([66]) مجمع الفائدة والبرهان ، الأردبيلي ج3 ص32 ، جماعة المدرسين ، قم.

([67]) مستمسك العروة الوثقى ، السيد محسن الحكيم (قده) ج2 ص248، منشورات المرعشي ، النجف ، 1404هـ .

([68]) كتاب الصلاة للسيد الخوئي (قده) ج9 ص342، مؤسسة إحياء تراث الإمام الخوئي، ط1.

([69]) الرسائل العشر لابن فهد ص102 ، منشورات المرعشي ، قم ، 1409هـ.

([70]) المصباح للكفعمي ص411 ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، ط3، 1983م .

([71]) التحفة السنية للسيد الجزائري ص357، (مكتبة أهل البيت الالكترونية-نسخة مخطوطة) .

([72]) الحدائق الناضرة ج1 ص546، جماعة المدرسين قم .

([73]) كتاب الصلاة للسيد الخوئي (قده) ج9 ص342-344، مؤسسة إحياء تراث الإمام الخوئي، ط1.

([74]) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص758 ، مؤسسة فقه الشيعة ، بيروت ، 1991م .

 

 

الظاهرة الاجتماعية المدنية في حياة البشر

وميزان التكريم

الشيخ علي ياغي

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ([1]).

توطئة

إنّ تكوّن الظاهرة الاجتماعيّة المدنيّة في حياة البشر -النسل الآدمي- غنيّة عن التدليل عليها، فهي أظهر سمات الحياة لهذا النوع.

فمنذ اللحظة الأولى لظهور الحياة الآدمية على الأرض كانت النّهدة إلى الاجتماع حسًّا عريقًا تكتنفه الطبيعة البشرية كميزة فطرية راسخة، وقد كيّفت هذه الطبيعة حياتها وفق هذه السُنّة بتمظهرات متعددة الأشكال، محتكمة في ذلك إلى اختلاف الشروط لتلك التمظهرات.

فمن مشاهدِ تلك التمظهرات ميلُ فَردَي النوع "الذكر والأنثى" كل منهما باتجاه الآخر ميلاً فطريًا أيضًا، وكذلك ائتلاف النسل "الأسرة" الراجعة إلى الزوجين، فإن وحدة الرحم تضيف إلى الحس الفطري عاملاً جديدًا لنمو الرغبة في الالتئام والائتلاف أو تكوين وحدة اجتماعية.

ومن بعد ذلك تأخذ الوحدة الاجتماعية أيضًا بالتفرع إلى وحدات أخرى، وتنشعب إلى كيانات متشابهة، وقد يصل التشابه والمماثلة فيما بينها إلى حد الاستنساخ أو ما يقرب جدًا من معناه.

وكلما تكثّرت الوحدات المنشعبة باطراد "عدديّ كمّي"، يرافق ذلك معنى كيفيّ تظهر له سمات وخصائص تتناسب غالبًا مع الحال المنبثق عن الكثرة "الكميّة العددية"، ولذلك بالطبع ما يبرره، فإن لوازم واحتياجات طور من أطوار "الكم" يختلف عنه في أطوار الاطراد الأُخر، وهذا أمر بديهي نلحظه بمجرد التنبّه للفوارق بين القلة والكثرة -أي بين احتياجات الأسرة الواحدة مثلاً واحتياجات الأسرتين، وبين الأسرتين والعشرة، وبين العشرة والألف، وبين الألف والمائة ألف، وهكذا... الخ-، وعن هذه الكثرات المطّردة "النسل المنشعب" كان تعبير القرآن الكريم في الآية الشريفة: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.

ولا زالت الشعوبية والقبلية وأنحاء التشكّل الأخرى للنسل البشري "الاطراد العددي" تعكس بإلحاحٍ قوي وصرخة مدويّة جدًا الحاجة إلى ناظم مهيكل تنبثق عنه الهيئة الاجتماعية التي تلبّي احتياجات الاطراد العددي "المجتَمع"، وتدفع به دفعًا متناسبًا مع احتياجاته ولوازم وجوده، من مثل: أمن الغذاء وأمن المظالم وأمن الحريات المشروعة والضمانات التي لا تستقر حياة النوع بدونها.

ولأجل ذلك رأينا اهتمام النابهين من أبناء المجتمع الإنساني -أصابوا أم أخطأوا- رأينا اهتمامهم بشأن هذا الموضوع، أي الناظم والمهيكل للحياة الاجتماعية المدنية للنوع البشري، وقد عجّت وضجّت المؤلفات في أصول التنظيم الاجتماعية وفروعها وبرزت بين الفينة والفينة أفكار وأفكار، منها ما دانت به أمم ومجتمعات، ومنها ما لم يزل نظريًا صرفًا، ومنها ما دان ناس ببعضه وتركوا بعضه.

ولكن مع كثرة النظريات، وبخاصة تلك التي دان بها فئة من الناس، لم تزل القضية المجتمعية وليومنا هذا تقول بلسان الحال والمقال: ما هو النظام الاجتماعي الذي يؤمن للحياة البشرية سعادتها وينقلها من عالم العذاب والضنك إلى عالم الراحة من النصب والتعب؟ ولربما تجنح الإحن والمحن وكثرة المتاعب التي يلاقيها الإنسان الحاضر ولاقاها الإنسان في أجياله السابقة، ربما تجنح بالإنسان "النوع" إلى اليأس والقنوط، ويخيّل إليه أن الشقاوة والعذاب والألم هو قدر الحياة، وأن الحياة بلونها الآخر -الحياة الخالية من الشقاوة والعناء- ليست ممكنة للإنسان، وبالطبع، وإن كان لهذا التخيّل منشأ وهو مراجعة التاريخ وملاحظة حاضر الأيام بما يسودها من ألوان الشقاوة والبؤس والظلم، إلا أنه تخيّل لا يعكس الحقيقة الواقعية عن الحياة وعن الممكن من لونها الآخر وطبيعتها الأخرى المملوءة بالمعاني الجميلة والعذبة.

غاية ما في الأمر أن الحياة على امتداد أشواطها وبمختلف أطوارها ومراحلها، لم تطبع بصفة السلام والاطمئنان والسعادة على مبدأ سيادة هذه الصفات بصورة عامة وشاملة، نعم ربما مرّت ومضات عاشت فيها مجتمعات "ما" برهة من حياتها حياة راضية، وإذا قدّرنا أن مثل هذه الومضات قد حصلت في لحظات "ما" في تاريخ مجتمع، فهذا يعني إمكان أن نشهد للحياة لونها الآخر وأن نعيش في ظل طبيعتها الأخرى.

ولكوننا لا نتعدى بوعينا عن الحقيقة التي تقول بأننا نحن الآدميين نصنع صفة حياتنا بإرادتنا من شقاوة أو من سعادة، إذن لا بد من الإيمان بأن للحياة لونًا آخر غير الذي عاشته أو تعيشه معظم مطارح الأرض ونواحيها.

ولكون هذه القضية هي القضية الأم والأصل في حياتنا، إذن من الواجب أن نسهم في إغنائها بكل فكرة تضع بين يدي الأيام ولو حلاً للغز من ألغاز هذه الحياة الاجتماعية الشديدة التعقيد.

لذلك كان عنوان مقالنا: "الظاهرة الاجتماعية المدنية في حياة البشر وميزان التكريم"، وافتتحنا الكلام بالآية الشريفة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }.

وبالطبع سوف تنضم للآية آيات أخرى في مطاوي المقال لأن الغاية هي بلورة فهم البنية الاجتماعية وضرورة احتكامها في نظم اجتماعها إلى قانون وآليات، وإلى ضرورة اختيار القانون أو النظام الملائم مع الطبيعة البشرية، والضامن لها احتياجاتها وضروراته.

وسوف نسوق الكلام حول البنية الاجتماعية -أو التشكل الاجتماعي- وآية الخلق، فنقول:

التشكل الاجتماعي أو البنية الاجتماعية:

التشكّل الاجتماعي أو البنية الاجتماعية على ضوء ما يمكن أن نفهمه من الآية الشريفة يفيد:

أولاً: انبثاق النسل عن الارتكاز الثنائي -ذكر وأنثى- فالنسل الآدمي يبدأ من هذه الثنائية.

ثانيًا: نقل ظاهرة النسل بفعل التراكم العددي من الشعوبية إلى القبلية.

وهنا لا بد من الوقوف مع مفهومي الشعوبية والقبلية، فمفهوم الشعوبية لا يتحمل أكثر من ملاحظة الاطراد العددي للنسول، فهو كناية عن التجميع العددي.

وهذا ما تفيده الآية الأخرى، أي قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً}([2])، فانشعابات النسل المطرد دائمًا يتولد منها وعنها مفهوم الشعوبية أو الكثرة، وهو بهذا التصوير لا يمثل موضوعًا للمدح ولا موضوعًا للذم، غاية ما في الأمر أنها ذات طابع إحصائي يلحظ جانب الكثرة العددية فحسب، ومنشأ انبثاقها ونقطة انبعاثها من الذكر والأنثى.

ثالثًا: إن الكثرة "الشعوبية" بما هي وجود عددي صامت أو وجود رقمي هامد، نفترض فيه أن يكون سببًا لنقل الوعي إلى إدراك ضرورة "تلحّ" على هذا الجمع بالتفكير في نظامٍ للحياة، إذ العددية والكثرة لا يروق لها أن تعيش في اللانظام واللا انتظام. لأن الفوضى تدمر وتهدم وتذهب بعزة العدد، ولا بد إذن من النظام والقانون.

وعليه فإن الشعوبية -التي تعني الرقمية العددية- ينبغي لها على وجه الحتم والقضاء المبرم أن تفضي إلى التفكير في إيجاد نظام وقانون يحكم العلاقات بين مفردات الوجود العددي الرقمي.

أما فيما يخصّ مفهوم القبلية، فإنه أول ما يتميز به أنه ينقلنا من عالم المادة الجامدة إلى عالم المعنى المتحرك، ومن عالم الوجود "الرقمي" إلى عالم الوجود "الكيفي"، لذلك كانت القبيلة هي أول مدارج العروج في سلم الحياة الاجتماعية المدنية للنسل البشري.

ومعروف عن طبيعة هذا النظام بحسب ترجماته المنقولة إلينا عبر مفردات التاريخ والمشاهَدة لغاية الآن ما هي خصائصه، وعلى ماذا يقوم. فإنه يبتني على جعل مكانة لفرد تعقد له القبيلة عقود الطاعة والولاء والإمرة، فيكون بذلك نافذ الأمر مطاعًا، وتعهد إليه مهام الأمور من الشأن الإداري العام، ومن شؤون السلم والحرب والمعاهدات وما أشبه ذلك.

تطور النظرة

في العصور المتأخرة من تاريخ المجتمع البشري ابتكرت فكرة الدولة المدنية، وهذه الفكرة تعتبر ملمحًا حضاريًا حديثًا، بغض النظر عن كثير مما يشوب هذه الفكرة لدى المقارنة بين النظرية التي انبثقت عنها هذه الترجمة "الدولة" وبين الواقع المترجِم لمفهومها، إلا أنها تعتبر فكرةً حَريّةً بالاحترام وجديرةً بالإكرام، فإنها ترجمة نقلت الإنسان من عالمٍ ضيّق إلى عالم أكثر رحابة وشمولية في إطار تنظيمي فيه حالة من حالات الرقي.

ألوان وطبائع السلطة في حياة المجتمع الإنساني

في مشهد الحياة الاجتماعية اليوم نحصي أشكالاً كثيرة وألوانًا متعددة ورؤى مختلفة للحكم ونظام الحكم، فمنه: السلطنة، الملكية، الجمهورية، والجماهيرية، ولا شك في أن كل واحد من هذه الأسماء له أيضًا أنواع مختلفة.

كلمة لا بد منها

إن جميع هذه الأسماء وتلك المسميات تدور في فلك قضية واحدة ألا وهي محاولة نقل الوجود البشري من الوجود الرقمي الجامد إلى الوجود الكيفي المتحرك، لكن مع شديد الأسف أن تجارب النظم الاجتماعية ومهما اختلفت أسماؤها ومسمياتها لم نزل نرى أن المجتمع البشري ينشد ما هو الأصلح والأفضل، بما يعني ضمنًا الحكم من قبل الإنسان "النوع" على كل هذه التجارب بالفشل وعدم القدرة على النهوض بمستلزمات الحياة الاجتماعية للإنسان "النوع".

الحقيقة الضائعة

إن الحقيقة التي ينشد المجتمع الإنساني أن يبلغها ويعيش في ظلها ممكنة وقريبة المأخذ وحاضرة في متناول اليد، ومع ذلك لم ينعم الإنسان "النوع" بها لغاية الآن، وهذا من أعجب المفارقات وأفظع الحالات، وأسوء ما يمكن أن نتصوره في عالم الجناية: جناية الشيء على نفسه.

ففي الوقت الذي يقدّر فيه الإنسان "النوع" حاجته إلى الاجتماع وحاجته إلى الحياة الاجتماعية، ويقدّر أيضًا حاجته إلى النظام، نراه إذا لاح له في أفق الحياة حلول صحيحة يتنكر لها ويمضي في الشقاوة والبؤس والعيش في ظل المظالم والمأساة، ولا يحاول أن يعيش في ظل السبب الضامن له توفير اللون الآخر من الحياة أي السلام والطمأنينة والموادعة، وربما كان الجدير بنا أن نعرض هذا الكلام تحت عنوان الحقيقة المضيَّعة لا الضائعة.

فإن الحقيقة بكل بساطة التي ينعم الإنسان في ظلها ويحيا حياة مملوءة بمعنى الحياة إنما هي أمران: حاكم، ونظام حكم، هذه هي الحقيقة ولا شيء قبلها أو معها أو بعدها، فمتى ما استطاع مجتمع أن يجيب على هذين السؤالين أمكنه أن يأخذ بسبب الخلاص من محنه وإحنه ومتاعبه ومصائبه ومأساته وضنكه وفشله، ومتى لم يوفق إلى إجابة صحيحة وآلية صحيحة فسوف يدوم خبطه وفشله ومأساته وعذابه.

من هو الحاكم وما هو نظام الحكم؟ هذه هي القضية الجوهرية التي تدور الحياة مدارها وتكتسب الحياة عن طبيعة الإجابة عليها طابعها وصبغتها، لونها وميزتها.

حقيقة في موطنَي الفرد والجماعة

عندما نريد قراءة الاجتماع المدني -المتمثل بالكثرة التي لا تعدو أن تكون تكرارًا للفرد، بمعنى أنه لا فرق بين الفرد والمجموع لجهة القراءة المصوّبة، أو ما يمكن أن نسميه الحقيقة الكامنة وراء كل ظاهرة ومشهد في حياة الفرد أو الجماعة- نرى أن الآدمية المدنية "الفرد أو الجماعة" هي كناية عن أمرين اثنين يرسمان كامل المعنى لهذا الوجود على مستوى الطبيعة، وعلى مستوى آثار الطبيعة، هذان الأمران هما: الفكرة والإرادة، ولا شيء آخر وراء هذين الشيئين، فالهوية المعنوية للفرد هي فكره "مجموع أفكاره واعتقاداته وإيمانياته"، وهي إرادته المتلائمة مع أفكاره، وكذلك الجماعة هي "فكرة وإرادة لتلك الجماعة".

وعليه فإن الاتجاهات المجتمعية بمختلف ألوانها وأشكالها وطبائعها وآثارها ليست شيئًا غير فكرة وإرادة.

الصواب والخطأ

إن الفادحة المهلكة التي منيت بها المجتمعات تاريخيًا هي خطأ التصورات -الأفكار-، ومن أهم وأعظم أخطاء التصورات وأصل الانحراف -وبالتالي حصد المزيد من خيبات الأمل وتوالي العثرات والمتاعب والمرهقات- ما كان راجعًا إلى معيارية الوزن في الخفض والرفع، في التقديم والتأخير، في التكريم والتوهين.

فإذا كان لا بد للمجتمعات من الاحتكام إلى قانون الرتبية (مقدم ومؤخر، مولّى ومولّى عليه)، وقانون الرتبية هذا عاش مع الإنسان منذ أن كان ولم يخرج عنه البتة، فلا بد حينئذ من معيار ومن وحدة قياس على أساسه تُعطى الرتب وتمنح الصفات، وفي اعتقادي أن البشر يدركون هذه الحقيقة ويعيشونها كبديهة عريضة ومسلّمة لا تنالها يد الشكوك.

فالبشر على مستوى إدراكهم لا يرون صواب تقديم الجبان على الشجاع، أو البخيل على الكريم، أو الجاهل على العالم، أو المفتون على الزاهد، عينًا كما لا يرون تقديم الأعمى في الطريق على البصير، وكما لا يرون تقديم مكر الثعلب على وداعة الحمل، وكما لا يرون تقديم شوك القتاد على ريش النعام، وكما لا يرون تقديم الحنظل على مذاق العسل.

فالبشر على مستوى الإدراك لا خطأ عندهم ولا تشويش، فمثل هذه القضية مرتبطة بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفطرة الله لا تبديل لها ولا تغيير.

وهنا ينشأ السؤال: فإذا كان البشر يملكون المعيار ووحدة القياس، ولا يخطئون في التمييز بين الفاضل والمفضول وبين الراجح والمرجوح وبين العالي والداني وبين الواجد والفاقد، فأين إذن تكمن المشكلة، وما هو الخطأ الذي منيت به البشرية وحصدت بسببه كل مآسيها ومحنها وخبطها وورطاتها؟

والجواب على ذلك بالتقرير التالي: صحيح أن البشر يميّزون بين الواجد والفاقد وبين العالي والداني، ولكن لا تتمحض علة الاستقامة وإصابة منافع الصواب وتخليص الحياة عن شرك الضعف ومهاوي الهلكات بمجرد الإدراك والتمييز، بل لا بدّ من ضمّ عاملٍ آخر لتتم به علة الاستقامة وخلاص الحياة من أسباب الضعف والانحراف والشقاوة، هذا العامل بكل بساطة هو حسن الاختيار والملاءمة بين ما ندركه وبين ما نريده ونختاره، وعليه: فإذا اجتمع للناس الأمران معًا، وعملوا وفق مقتضيات كل من الأمرين، تتمّ لهم حينئذ علّة الحياة الهانئة والمستقرة والرغيدة.

السقطة والعثرة

لعله من غير المجازفة الدعوى بأن الناس يقعون في عثرة الاختيار، والوقوع في هذه العثرة هو من أعجب المفارقات ومن أغرب السقطات!! لأن الموجب لها لا ينبغي أن يكون موجبًا في الحقيقة، فبعد وضوح القضية على المستوى النظري لا يبقى ما يبرر للناس وقوعهم وعثرتهم، فما دام الأمر واضحًا على مستوى الرؤية فمن أين يأتي الجواز للعثرة وما الذي يبررها ويعذر عليها؟!

غير أن في البين ما يعطي لهذه القضية تفسيرها وفلسفتها، فإنا قد رأينا وقد علمنا وتيقنّا من شواهد الأمس ومن مشاهد اليوم أن للناس أهواءً ورغبات وميولاً ومشتهيات يعيشونها في داخلهم، بل يعيشون لها وحدها دون الحق الذي تهديهم إليه فطرتهم ورسلهم وعِبَرُ الزمان، ولشدة عواصف الهوى في داخلهم يتغلب هذا الهوى على رشدهم، فيقفون حينئذ في سقطة الاختيار.

وإلا فلماذا يترك الناس الأنبياء وأهل الكرامة والرفعة، وأهل الشرف والنيافة، وأهل التقوى والفضل، ويتمسكون بالأراذل السكارى، وبأهل الطيش الحيارى، وبالمفتون المغلوب على عقله؟ فليست القضية إلا محض المسانخة بين هوى المختار وهوى من يقع عليه الاختيار، هذه هي صفة الزمن وها هو طابعه، فإن الحياة قد قدّر لها المختارون صفتها بما يعبّر عن واقعهم النفسي وعن الحسّ الغالب في داخلهم.

فكلٌّ يأتمّ بإمامه الذي هو من سنخه وعلى شاكلته المعنوية الباطنية، ويرفعه ويكرّمه لأجل هذه السنخية وتلك المشاكلة، سواء وافقت آية التكريم أم خالفتها {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([3]).

هذه هي السقطة والعثرة، وهذا هو مَهلَك العباد، إذن ليست القضية قضية التمييز فحسب، بقدر ما أن القضية هي أن يضاف إلى التمييز الاختيار الصائب!!

وفي الختام، ليتنا ندري أننا نحن صنّاع الحياة، وأن الحياة مصوغة إرادتنا واختياراتنا! وليتنا ندري أننا عندما نختار غير الإمامة الحقّة لنكرّمها نكون قد اخترنا الهلاك بملئ إرادتنا!. كما قال الباري سبحانه وتعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([4]).


 

([1]) الحجرات، من الآية 13.

([2]) النساء، من الآية 1.

([3]) الحجرات : 13.

([4]) الأعراف : 96.

 

إنجيل برنابا في ميزان الاعتبار [*]

الشيخ حاتم إسماعيل

تمهيد

إن قضية الاعتبار وعدمه تختلف باختلاف المعيار الذي نعتمده في المسألة موضع البحث, والمعيار بدوره لا بد وأن يكون منسجمًَا مع الإطار العام الذي تنضوي المسألة تحته, فتارة يكون المعيار توثيقيًا وتاريخيًا, وأخرى يكون دينيًا, وثالثة يكون تجريبيًا, ورابعة عقليًا, وهكذا..

من هو برنابا

إلا أنه لا بد قبل الدخول في البحث عن هذه القضايا, من معرفة من هو برنابا, الذي ينسب إليه الإنجيل، بعد الفراغ عن كونه من نسل لاوي, عاش في قبرص فترة من حياته, وكان غنيًا شملته النعم الإلهية, وقد باع كل ما يملكه, وأنفقه في سبيل الدعوة ومساعدة الفقراء والمحتاجين من المؤمنين الجدد, فقد وقع الخلاف حول موقعه في هذا الدين, ففي حين نجده في الإنجيل الذي يحمل اسمه (وهو محل الكلام), يعرّف نفسه بأنه أحد الاثني عشر([1]), يذهب بعض الباحثين المسيحيين إلى أن برنابا كان واحدًا من السبعين, الذين أرسلهم المسيح للخدمة, ويؤكّد كليمندس الإسكندري هذا الرأي, وعلى هذا الأساس يكون قد عاش مع السيد المسيح أثناء دعوته, وكان واحدًا من الخمسمائة الذين أبصروا قيامته وصعوده([2]).

إلا أن الشائع بين المسيحيين أنه اعتنق المسيحية في زمان الرسل, وكان اسمه يوسف, فأطلق عليه الرسل اسم برنابا, الذي يعني ابن الوعظ([3]), وأنه تعرّف إلى المسيح في يوم الخمسين([4]).

فهل كان برنابا من تلاميذ السيد المسيح (عليه السلام), كما يفيده القولان الأولان, أم أنه لم يكن من تلاميذه, بل كان من تلاميذ التلاميذ كما يقول به المسيحيون؟

إن الذي نراه أقرب إلى الحقيقة والواقع هو أن برنابا كان من أصحاب المسيح وتلاميذه, الذين آمنوا على يديه.

والذي يدلنا على ذلك مجموعة أمور:

1- أن بولس قد اعتنق الدين الجديد سنة 35م. ولم يقبل التلاميذ إيمانه إلا بعدما تدخّل برنابا وأقنعهم بذلك, الأمر الذي أدّى إلى قبول إيمان بولس, الذي كان قد نكّل بهم, ولاحقهم تحت كل حجر ومدر, فلو كان برنابا قد تعرّف إلى المسيح عن طرق تلاميذه بعد ارتفاعه (عليه السلام) لم تكن هذه المدة القليلة نسبيًا كافية لينال الحظوة عندهم, والتأثير عليهم في قبول رجل خطير مثل بولس, وخصوصًا أنه لم يكن مقيمًا في أورشليم مع التلاميذ، كما يقولون، الأمر الذي يصعّب مسألة قبولهم له نفسه، فضلاً عن قبول شهادته ببولس، لو لم يكن له موقع خاص بينهم.

2- لقد فسّر جملة من اللاهوتيين المسيحيين اسم برنابا بأنه ابن التشجيع([5]), وعلل ذلك في التفسير التطبيقي بأنه كان قد شجّع الآخرين على الدين الجديد, حتى دعاه المسيحيون برنابا, وقد نال بذلك حظوة كبيرة لدى عامتهم, الأمر الذي يؤشّر إلى أنه كان من علَّية القوم أساسًا, وهو ما دفع بولس ليعوّل عليه كثيرًا في قبول توبته لدى التلاميذ.

ومما يدل على أهمية الرجل وعظمته، هو أن الناس الذين اعتقدوا بتجسد الإله، أطلقوا عليه اسم زفس، وكان رئيس الآلهة لدى الوثنيين، وأطلقوا على بولس اسم هرمس، أي الذي كان ناطقًا باسم هذا الإله([6]).

3- إنه ظل مدة ملتزمًا بدعوة اليهود لقبول الدعوة الجديدة, شأنه في ذلك شأن سائر التلاميذ, الذين لم يرتضوا دعوة الأمم تنفيذًا لدعوة المسيح (عليه السلام), حين أرسل تلاميذه وقال لهم [إلى طريق أمم لا تمضوا, إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا, بل اذهبوا بالحري إلى خراف بني إسرائيل الضالة]([7]), وهو ما اعتبره محررو التفسير التطبيقي من أخطائه وضعفاته, خصوصًا وأنه من اللاويين, أي أنه من النسل الأمين على أحكام وقوانين العهد القديم, الأمر الذي يفسّر حرصه على تطبيق أوامر المسيح, وعدم مخالفة هذه الأحكام بصرامة وجدية.

4- إنه خال يوحنا مرقس, وكان معينه ومرشده, يظهر ذلك من خلال رحلته التبشيرية الأولى مع برنابا وبولس, حيث فارقهما وعاد إلى أورشليم, بحسب ما صرّح به في سفر أعمال الرسل, دون أن يوضح سبب ذلك, وفي الرحلة التبشيرية الثانية أراد برنابا أن يرافقهما مرقس, فرفض بولس ذلك, وهو ما أدى إلى وقوع الخلاف بينهما وافتراقهما, فأخذ برنابا مرقس معه.

وقد ورد في إنجيل مرقس أنه حين اعتقل الكهنة يسوع [تركه الجميع وهربوا, وتبعه شاب لا يلبس غير إزار على عريه فأمسكوه, فترك الإزار وهرب منهم عريانا]([8]).

ويقول تقليد الكنيسة أن مرقس هو ذلك الشاب الذي تبع المعتقَل, وقد كانت له حظوة خاصة لدى السيد المسيح (عليه السلام) والتلاميذ, حيث إنه في بيته كان المسيح قد صنع الفصح للتلاميذ, وهو المكان الذي اعتاد التلاميذ أن يلتقوا فيه, ولهذا تساءل القس إلياس مقار: [هل تجدّد في أثناء خدمة المسيح, وهل كان للعشاء الرباني في بيته -وبينما كان التلاميذ هناك تم القبض على السيد, ثم ما أعقب ذلك من الصلب والقيامة- آثارهما في حياته, أم أنه جاء إلى المسيح يوم الخمسين؟]([9]).

وإن كان الظاهر أن هذا الاحتمال الثاني لا محل له بعدما تقدم من أن بيته كان مركز الدعوة الأولى في زمان المسيح نفسه, وقد عاين كل ما كان يحدث من بركاته وكراماته, خصوصًا وأن أمه كانت عضوًا فاعلاً فيها كما يبدو, وأن بطرس كان يعبّر عنه بأنه ابنه([10]).

نستنتج من ذلك أن برنابا لا بد وأن يكون من تلاميذ المسيح المباشرين, مع غضّ النظر عن أنه هل كان من الاثني عشر كما هو وارد في إنجيل برنابا, أو أنه من السبعين كما ذهب إليه آخرون, إذ من غير المنطقي أن يكون مرشد مرقس وهو من غير التلاميذ, في الوقت الذي كان مرقس نفسه منهم, ويرضى مرقس بذلك, أو أن يكون تابعًا لبولس, وكلاهما لا بد وأن يكونا من خصوم السيد المسيح ومخالفيه حين صدعه بدعوته, كما هو واضح.

5- أولاً: الإنجيل في المعيار التاريخي:

إن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا الإنجيل, هي افتقاره للتوثيق من الناحية التاريخية, ذلك أنه لا توجد له أية مخطوطة, حتى الآن, ترجع إلى ما قبل القرن السادس عشر الميلادي, الأمر الذي وضع الباحثين في حيرة شديدة أمامه, فهل هو مفتعَل ومكتوب في هذه الفترة بالذات, ونسب إلى برنابا الرسول افتراءً، ربما أراد الكاتب نصرة الإسلام بفعله هذا؟! أم أن له أصلاً سابقًا على ذلك, وأن النسخة الموجودة ليست إلا ترجمة لذلك الأصل, ربما أضاف الناسخ، أو المترجم إليها شيئًا من عندياته, بغية توضيح بعض الفقرات, أو حذف منها ما رآه غير مناسب أو غير مفهوم؟ ومثل هذا كان شائعًا بين النسّاخ والمترجمين!

أما الاحتمال الأول: فقد يُصار إليه, وقد يبدو مقبولاً للوهلة الأولى, لو فرض عجز الإسلام, وخصوصًا من خلال القرآن الكريم, عن الصمود والمجادلة مع المسيحيين في تلك الفترة, وهو أمر يجانب الحقيقة بشكل تام, فإنا نجد أن مجادلي المسيحية من المسلمين, في الفترة التي سبقت ظهور هذا الإنجيل, وكذلك الفترة التي تلتها, قد أثروا هذا الجانب الفكري واللاهوتي, بما لا مزيد عليه, من خلال الأناجيل القانونية, بلا حاجة إلى هذا الإنجيل, فوجوده بالنسبة إليهم كعدمه, وهو ما تكشفه المجادلات التي وصلت إلينا, حيث لم نجد عالمًا مسلمًا استند إليه في مناظراته, أو وجد قصورًا في الأناجيل القانونية, ربما دفعه إلى البحث عن غيرها بغية الانتصار به.

ومما يضعف هذا الاحتمال أيضًا، ويزيده وهنا، ويتركه غير ذي موضوع أصلاً بالنسبة للمسلمين، أنّا لم نجد أحدًا منهم قد استفاد منه، أو استند إليه في مجادلاتهم مع المسيحيين قبل صدور الترجمة العربية محل الكلام.

وأما الاحتمال الثاني: فرغم صعوبة قبوله, لقلة الأدلة المؤيدة له, إلا أنها ليست منعدمة الوجود, كما يبدو للناظر فيه, فقد ذكرت فيه هوامش وحواش باللغة العربية, دفعت بعض الباحثين إلى الاستنتاج أن كاتبه عربي أو مسلم.

ولكن من المعلوم أن هذه الهوامش ليست لكاتب واحد, لأن بعضها مكتوب بعربية سليمة, وبعضها الآخر سقيم إلى حد أنه لا يحتمل معرفة كاتبها بهذه اللغة, كما شهد به مترجم الكتاب, مما يكشف عن أن أكثر من شخص قد تناوله, وعلّق عليه في تلك الفترة, وما سبقها وما تلاها.

ولكن القرن السادس عشر الميلادي, وهو عصر ظهور النسخة, لم يكن البداية لهذا الإنجيل, فقد ورد في مقدمة المترجم (صفحة: هـ) أن مكتشف النسخة, وهو راهب لاتيني يُسمّى فرامرينو, قد عثر على رسائل لإريناوس يندّد في إحداها بالقديس بولس, وأنه أسند تنديده به إلى إنجيل القديس برنابا.

ورغم أن الشك يمكن أن يتطرق إلى هذه الرواية, من جهة أن ناقلها هو نفس مكتشف الإنجيل, الذي يتهم من قبل الكثيرين بأنه واضعه فعلاً, إلا أن الاعتبار يساعدها ويؤيدها, حيث إن بولس وبرنابا كانا صديقين في الأساس, ثم اختلفا وافترقا بسبب أمور لاهوتية, حسبما ورد في سفر أعمال الرسل القانوني, على الرغم من أن برنابا هو الذي تشفّع لبولس لدى التلاميذ ليقبلوه, عندما أعلن توبته وإيمانه بالمسيح (عليه السلام)، وإن كانت هذه التوبة على شك وريبة عندنا، كما كانت عند التلاميذ.

يضاف إلى ذلك ما يذكره التاريخ من أن البابا جيلاسيوس الأول, الذي تربّع على عرش البابوية سنة 492م, قد أصدر أمرًا يمنع فيه مطالعة بعض الكتب, ومن جملتها إنجيل برنابا (المقدمة صفحة: ل) وهو تاريخ سابق على الإسلام كما هو معلوم.

لكن المشكلة التي تواجه الباحث هنا, هي عدم وجود أية وثيقة تثبت أن المذكور في أمر البابا جيلاسيوس هو نفس الإنجيل الموجود بين أيدينا, خصوصًا وأن النسخة الموجودة مكتوبة بلغة إيطالية متينة, ما يجعل الأمر أقرب إلى المصادفة منه إلى الحقيقة والواقع.

ويمكن أن يجاب على ذلك بأن قرار البابا بمنع قراءته والعمل به, لم يكن إلا لمخالفته لتعاليم الكنيسة, بحيث يشكل خطرًا عليها بنحو أو بآخر, وإلا لم يكن من داع لصدور مثل هذا المنع من أعلى سلطة كنسية, وهو ما يتوافق مع مضمون الكتاب محل الإشكال.

هذا بالإضافة إلى أن فقدان الوثيقة التاريخية -الناشئ من إلقاء الحرم الكنسي على الكتاب ومحاربتها له دون هوادة- لا يستلزم ذهاب القيمة العلمية والتاريخية للكتاب, وإلا للزم بطلان قيمة الأناجيل القانونية نفسها, ذلك أن أقدم مخطوطة تاريخية معروفة له -وهي المخطوطة السينائية- لا ترجع إلى ما قبل أواسط القرن الخامس الميلادي, والتي تختلف اختلافًا جذريًا عن النسخ المتداولة بين أيدي الناس في كثير من المسائل، والتي يؤدي بعضها إلى اختلال العقائد المسيحية من الأساس، ولم يؤثر ذلك على وثائقيته لهذه الأناجيل, رغم أن المفروض أن تاريخها أقدم من ذلك بكثير.

بين برنابا وبولس

يبدو أن برنابا وبولس كانا صديقين منذ الطفولة, وأنه كانت تربطهما علاقة مودّة خاصة, يدل على ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل, حيث إنه بعد ادعاء بولس الهداية, وهو في طريقه إلى دمشق لينكّل بأتباع السيد المسيح (عليه السلام), رجع إلى أورشليم, محاولاً الاتصال بالتلاميذ, يقول: [ولما جاء شاول (أي بولس) إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ, فأخذه برنابا وأحضره إلى الرسل وحدّثهم كيف أبصر الرب في الطريق إلخ...]([11]).

وهكذا استطاع برنابا أن يقنع التلاميذ بقبول توبته.

وقد صرّح بولس نفسه بأنه لم يمكث في أورشليم إلا خمسة عشر يومًا لم يتعرّف فيها إلى أحد من التلاميذ سوى بطرس ويعقوب أخي الرب([12]).

ومن الواضح أن هذه المدة ليست كافية ليتعرف إليه للمرة الأولى وينال ثقته, ثم يعمل على إقناع التلاميذ على قبوله, لو لم يكن على معرفة سابقة به كما لا يخفى.

وما يهمنا في المقام هو نشوب الخلاف بين الرسولين, الذي أدى إلى افتراقهما بعدها, وقد ذكرنا قبل قليل أنه خلاف حول مسائل لاهوتية وعقائدية.

إلا أنه ربما يقال في المقام أن الخلاف بينهما ليس لاهوتيًا, بل هو بسبب رفض بولس لمرافقة مرقس لهما في الرحلة التبشيرية الثانية, كما صرّح به في سفر أعمال الرسل([13]).

والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام, هو عن سبب رفض بولس لمرافقة مرقس لهما, فقد ذكر في أعمال الرسل أنه كان معهما في رحلتهما التبشيرية الأولى, ثم فارقهما وذهب إلى أورشليم([14]), من دون أن يبيّن سبب مفارقته لهما, فكان ذلك سببًا لرفض بولس أن يرافقهما([15])، هو الرجل النشيط الذي لم يكل ولم يتعب، في الدعوة إلى ما كان يدعو إليه، وكان لا يألو جهدًا في جذب الناس إليه وتجميعهم حوله، فمجرد ترك مرقس لهما في الرحلة الأولى لا بد وأن يكون على قدر كبير من الخطورة بحيث خرج بولس عن طريقته في التعامل مع الناس.

والمهم في هذه القضية هو معرفة السبب الذي دفع مرقس لتركهما في هذه الرحلة, حتى رفض بولس مرافقته ثانية, ولو أدّى ذلك إلى وقوع الخصومة وانقطاع العلاقة بينه وبين برنابا, صديقه وولي نعمته, كما تقدّم، رغم إصلاح العلاقة بينه وبين مرقس فيما بعد, ومرافقته له إلى رومية([16]).

وفي مقام الإجابة على هذا السؤال يقترح اللاهوتيون عدة آراء حول ذلك, بعد التسليم بأنه لا يوجد سبب وجيه وراء تركه لهما ورجوعه إلى أورشليم, وهي:

الأول: أنه عاوده الحنين إلى بيته.

الثاني: أنه استاء من انتقال القيادة من برنابا (خاله) إلى بولس.

الثالث: أنه قد ألمّ به مرض دفعه إلى تركهما.

الرابع: أنه لم يكن قادرًا على تحمل مخاطر وقسوة الرحلة التبشيرية.

الخامس: أنه خطّط ألا يذهب إلى أبعد من ذلك, لكنه لم يخبر برنابا وبولس بذلك الأمر([17]).

ومن الواضح أن أيًا من هذه الاقتراحات لا يثبت أمام النقد العلمي, لما فيها من توهين غير مبرر لهؤلاء الرسل, ولا يمكن أن تشكّل سببًا لتعنّت بولس في رفض مصاحبته لهما, كما لإصرار برنابا على الصحبة, حتى أدّى ذلك إلى الخصومة غير المتوقّعة بينهما, وإن كان الاقتراح الثاني أقرب الوجوه للوهلة الأولى, وإن كان لا يرقى إلى مستوى القبول, بعد افتراض قبول برنابا نفسه بقيادة بولس بحسب الدعوى، خصوصًا وأن تلاميذ المسيح (عليه السلام) كانوا أبعد ما يكونون عن البحث عن المقامات، تأسيًا بسيدهم، الذي غسل أرجلهم ذات مرة، وكسر الخبز وأطعمهم في الفصح، وهي نقطة مركزية في إبراز التواضع أمام ضعاف الناس وفقرائهم.

وعلى هذا الأساس لا بد من ترجيح أن سبب تركه لهما في تلك الرحلة أعمق من ذلك بكثير, ولا يكون ذلك إلا لأسباب لاهوتية, تمس أساس العقيدة, حيث رأى مخالفات بولس لتعاليم السيد المسيح (عليه السلام), والتي كان مرقس على معرفة بها بالتأكيد أكثر من بولس, الذي لم يرَ المسيح ولم يؤمن به في حياته بينهم.

وأما سبب سكوت برنابا وتحمّله لتصرفات بولس, فقد يكون مردها إلى اعتقاده بإمكان التأثير على بولس من خلال مراقبته له, حرصًا على بقاء المودّة بينهما, حتى إذا يئس من ذلك أعلن الخصومة إلى غير رجعة. خصوصًا وأن اللاهوتيين قد أجمعوا على شدة صبر برنابا وتحمّله, وسعة صدره, وسخاء يده وكرم نفسه، وتضحيته بكل ما يملك في سبيل الدعوة.

ويشير إلى ذلك، بل يدل عليه, عدة أمور:

الأول: إن من غير المحتمل أن يكون أمر عادي وغير وجيه سببًا في انقطاع العلاقة بين الرسولين, اللذين يفترض أنهما داعيان إلى الحق بكل وسيلة وسبيل, وهما اللذان يمثلان القدوة والمثل الأعلى بعد السيد المسيح (عليه السلام)، وعلى الأخص بولس والذي تشكّل تعاليمه القسم الأكبر من العهد الجديد، بل تنسب المسيحية إليه أولاً وبالذات، لو لم يكن الأمر على قدر كبير من الأهمية والخطورة, وليس ذلك إلا أن يكون مرتبطًا بحركة الدعوة نفسها.

الثاني: الاختلاف الكبير في المضمون بين الرسالة إلى العبرانيين, والتي ينسبها كثير من اللاهوتيين إلى برنابا, وبين رسائل بولس, حيث أن الأولى تؤكّد على احترام العهد القديم, والالتزام بكل ما فيه, وتنسجم انسجامًا تامًا مع مضامين كلمات المسيح الواردة في الأناجيل, بخلاف الثانية, التي كانت تدعو إلى التفلّت من العهد القديم, واحتقار مضامينه, وتخالف تعاليم المسيح, بحملها على تأويلات, وتفسيرات رمزية للأحداث, الأمر الذي يشير إلى عمق الهوّة بين الرجلين.

وفي هذه النقطة تتوافق رسالة العبرانيين مع انجيل برنابا، على الإجمال، حيث أنها تؤكّد في مختلف فصولها على أن السيد المسيح (عليه السلام) لم يكن أكثر من كاهن، أي واعظ ومبشر في بني إسرائيل.

وبذلك يصح التنديد الوارد في بداية انجيل برنابا ببولس، حيث يقول: [الذين ضلّ في عدادهم أيضًا بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى]([18]).

الثالث: أن بولس نفسه كان ينكر فكرة ألوهية الإنسان والتجسد, عندما كان برفقة برنابا, وقبل أن يجد نفسه قادرًا على التأثير, ويستقل بالدعوة الخاصة به بين الناس, يدل على ذلك ما ورد في قضية شفاء الرجل المقعد من بطن أمه([19]), حيث شفاه بولس وصار يمشي, [فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا أصواتهم بلغة ليكأونية قائلين إن الآلهة تشبّهوا بالناس ونزلوا إلينا ( ... ) فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزقا ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخين, وقائلين أيها الرجال لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضًا بشر تحت آلام مثلكم نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها]([20]).

حيث من الواضح أن هذا القانون، كما ينطبق عليهما، كذلك ينطبق على السيد المسيح (عليه السلام) نفسه، وإلا لكان عليهما بيان ذلك، ولم يتعرضا إليه، دلّ ذلك على أن أصل التجسد وألوهية المسيح (عليه السلام) لم تكن مقبولة منهما حينها.

6- ثانيًا: الإنجيل في المعيار الديني:

وهنا لا بد من الالتفات إلى أن المعيار الديني يختلف باختلاف الدين الذي ننطلق على أساسه في دراسة النص أو الوثيقة محل الكلام. ولما كان إنجيل برنابا يرتبط بالدين الإسلامي والدين المسيحي, كان لا بد من دراسته على أساسهما, فنقول:

ألف: في المعيار الديني المسيحي:

ذكر مترجم الإنجيل أنه يباين الأناجيل الأربعة القانونية في أربعة مسائل جوهرية, وهي:

1- أن يسوع أنكر أن يكون ابن الله.

2-أن ذبيح إبراهيم (عليه السلام) هو إسماعيل لا إسحاق , وانه هو ابن الموعِد أيضًا.

3-أن المسيح الموعِد ليس هو السيد المسيح , بل هو محمد (صلى الله عليه وآله) الذي ذكر باللفظ الصريح عدة مرات.

4-إن يسوع لم يصلب وإنما شبّه لهم, والذي صلب مكانه تلميذه الخائن يهوذا.

وهذه المسائل تخالف الأساس الذي ينبني عليه اللاهوت المسيحي كما هو معلوم, ولذلك لا يمكن قبوله والاعتماد عليه.

ولكننا نرى أن هذا الاستنتاج مجانب للحقيقة ومجاف لها, ذلك أن الأناجيل الأربعة تتوافق مع إنجيل برنابا في هذه المسائل كلها, وقد أثبتنا ذلك في مختلف كتبنا, خصوصًا كتاب صلب المسيح في الإنجيل, وكتاب المسيح في الإنجيل-بحث في لاهوته وناسوته، وكتاب وعد التوراة لمن.

نعم هو يختلف معها في بعض التفاصيل والجزئيات, وهو تفاوت غير ضار في ما نرى, لوجود التفاوت بين الأناجيل الأربعة نفسها, دون أن يؤثر ذلك في مقبوليتها واعتبارها لدى الكنيسة, خصوصًا وأنها لم تذكر كل شيء عن حياة السيد المسيح ومعجزاته, كما شهد به صراحة كاتب إنجيل يوحنا حيث يقول: [وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب، وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله]([21]).

باء: في المعيار الديني الإسلامي:

لا بد من النظر في هذا المعيار من زاويتين أساسيتين:

إحداهما: من الناحية البنيوية، والأخرى من ناحية المضمون.

أولاً: من الناحية البنيوية:

تختلف الرؤية الإسلامية عن الرؤية المسيحية اختلافًا جذريًا من هذه الناحية, ذلك أن القرآن الكريم ينطلق من مُسلّمة أساسية, وهي أن الإنجيل كتاب سماوي أوحاه الله تعالى إلى السيد المسيح (عليه السلام), شأنه في ذلك شأن التوراة والقرآن الكريم. ويشتمل على المواعظ والحكم والأمثال والعقائد وغيرها, قال تعالى: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل}([22]), وقال تعالى: {وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور}([23]), وقال تعالى: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس}([24]).

وبناء عليه, فإن إنجيل برنابا -شأنه شأن سائر الأناجيل القانونية وغيرها- لا يلتقي مع القرآن من الناحية البنيوية, لأنه منسوب إلى شخص معين, سواء صحّت نسبته إليه أم لم تصح.

ثانيًا: من ناحية المضمون:

يشتمل هذا الإنجيل على قضايا وأحكام تخالف أوليات الأحكام الإسلامية وتناقضها, بحيث لا يتصور أن تصدر عن مطّلع على قوانين الإسلام, عارف بأولياته, فضلاً عن عالم مسلم.

وسأكتفي بذكر نموذج واحد يدل على هذه الحقيقة, وهو مسألة تحويله الماء إلى خمر, التي وردت في الفصل الخامس عشر منه, حيث إن من أوليات الإسلام حرمة الخمر وقبحها, ينزه المؤمن العادي نفسه عنها, فضلاً عن الأنبياء والمرسلين, بل يحرم الإسلام الجلوس على مائدة تشتمل عليها, وقد ثبت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الخمر ما حلّت في دين قط، وقد عالجنا هذه المسألة في كتاب [قانا الجليل-المعجزة الخطيئة].

ولقد كان بإمكان المؤلف أن لا يتعرض لهذه القصة, خصوصًا وأنها لم ترد إلا في إنجيل يوحنا من الأناجيل القانونية, دون أن يخلّ عدم ذكرها بما أراد المؤلف سوقه وإثباته, لو كان من المسلمين فعلاً, وكثيرة هي القضايا التي وردت في بعض الأناجيل دون بعض.

وقد يقال أن هذه القضية قد زيدت من قبل الناسخ، كما هو الحال في كثير من الزيادات، والتغييرات الطارئة على الكتاب المقدس برمته.

والجواب: إن هذه الزيادة على فرضها، تستلزم التلاعب بالكتاب، الأمر الذي يؤدّي إلى عدم الوثوق به أصلاً، إلا إذا أمكن الوصول إلى النسخة الأصلية، وهو أمر متعذر حتى الآن.

على أن ذلك يستبطن وجود أصل سابق على النسخة الإيطالية، وهو ما لا يقبله المسيحيون بأي حال.

وفي المحصلة النهائية يبقى انجيل برنابا غير قادر على النهوض والقبول في المعيار الإسلامي، ولا يمكن الاستناد إليه، لاشتماله على الصحيح والفاسد، دون أن يبرز ميزانًا يمكن من خلاله التمييز بينهما، شأنه في ذلك شأن الأناجيل القانونية الأربعة، بل الكتاب المقدس على العموم.

يضاف إلى ذلك استغناء المسلمين عن إثبات دينهم وصحة عقائدهم استنادًا إليه، وبمعزل عما عداه من الأناجيل، بمختلف المقاييس العلمية والدينية.

وأما في المعيار الديني المسيحي فهو لا يختلف عن الأناجيل القانونية، من جهة ثبوت مضامينه وعدمها، وقدرته على إثبات نسبته إلى من يحمل اسمه وعدمها كذلك، وتوافقه مع تلك الأناجيل في المسائل الأساسية المشار إليها تمام الموافقة، فحري بالمسيحيين أن يقبلوه ويرجعوا إليه، كما هو الحال في ما عداه من النصوص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([*]) هذا البحث كان في الأساس موضوع ندوة مشتركة ألقيت في كلية اللاهوت للشرق الأدنى, في بيروت, بتاريخ 24 شباط 2011م.

([1]) إنجيل برنابا: 13/14 .

([2]) رجال الكتاب المقدس ج4 ص105-106 .

([3]) قاموس الكتب المقدس ص172 .

([4]) رجال الكتاب المقدس ج4 ص106 .

([5]) التفسير التطبيقي للعهد الجديد, ص457, وقاموس الكتاب المقدس .

([6]) أعمال الرسل: 14/12 .

([7]) إنجيل متى: 10/5-6 .

([8]) إصحاح: 14, عدد: 51-52 .

([9]) رجال الكتاب المقدس ج4 ص171 .

([10]) رسالة بطرس الأولى 5: /13 .

([11]) أعمال الرسل: 9/26-27 .

([12]) الرسالة إلى غلاطية: 1/18-19 .

([13]) إصحاح: 15, عدد: 36-41 .

([14]) أعمال الرسل: 13/13 .

([15]) أعمال الرسل: 15/36 .

([16]) الرسالة إلى كولوسي: 4/10 .

([17]) التفسير التطبيقي للكتاب المقدس, ص 2314 .

([18]) إنجيل برنابا ص3 .

([19]) أي منذ ولادته.

([20]) أعمال الرسل: 14/8-15 .

([21]) إنجيل يوحنا: 20/30-31 .

([22]) سورة آل عمران, آية: 48 .

([23]) سورة المائدة, آية:46 .

([24]) سورة آل عمران, آية: 3 .

 

حكم المشاعر والأمور الجديدة والمستحدثة

في الحج والعمرة

(الحلقة الثانية)

الشيخ أحمد صمادي

تناولنا في الحلقة الأولى: (رمي الجدار المستحدث في الجمرات وفي الطوابق العلوية)، ونتناول في هذه الحلقة -الثانية- :

1- السعي في المسعى الجديد

السعي بين الصفا والمروة من واجبات الحج والعمرة، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، وهو من الأركان، فلو تركه الحاج عمدًا بطل حجه حتى مع الجهل بالحكم أو الموضوع.

ويعتبر فيه التقرّب، ويأتي بعد الطواف وصلاتِهِ، وهو سبعة أشواط لا تنقص ولا تزيد.

يبدأ الحاج بالسعي من أول جزء من الصفا، ثم يذهب إلى المروة فيعدّ شوطًا، ومن ثم يرجع من المروة إلى الصفا فيكون الإياب شوطًا آخر، وهكذا إلى أن ينهي الشوط السابع عند المروة.

والسعي من شعائر الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}([1]).

وروي أن المسعى هو أحب البقاع إلى الله تعالى، قال الصدوق (رحمه الله): حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما لله تعالى مَنسكٌ أحب إلى الله تبارك وتعالى من موضع المسعى، وذلك أنه يذل فيه كل جبار عنيد([2]).

وقد جعل الله سعيَ هاجر أم إسماعيل (عليها السلام) سُنّةً لمن يحج بيت الله الحرام إلى يوم القيامة، كما أشارت الروايات.

روى الكليني (رحمه الله) في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن إبراهيم (عليه السلام) لما خلّف إسماعيل بمكة عطش الصبي، فكان فيما بين الصفا والمروة شجر، فخرجت أمّه حتى قامت على الصفا، فقالت: هل بالبوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد. فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت: هل بالبوادي من أنيس؟ فلم تُجَبْ. ثم رجعت إلى الصفا وقالت ذلك. حتى صنعت ذلك سبعًا. فأجرى الله ذلك سنّة. وأتاها جبرائيل فقال لها: من أنتِ؟ فقالت: أنا أم ولد إبراهيم، قال لها: إلى من ترككم؟ فقالت: أما لئن قلت ذلك، لقد قلت له حيث أراد الذهاب: يا إبراهيم إلى من تركتنا؟ فقال: إلى الله عز وجل، فقال جبرائيل (عليه السلام): لقد وكّلكم إلى كافٍ.

قال: وكان الناس يجتنبون الممر إلى مكة لمكان الماء، ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم، قال: فرجعت من المروة إلى الصبي وقد نبع الماء، فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة أن يسيح الماء، ولو تركته لكان سيحًًًًا.

قال: فلما رأت الطير الماء حلّقت عليه، فمرّ رَكب من اليمن يريد السفر، فلما رأوا الطير قالوا: ما حلّقت الطير إلا على ماء. فأتوهم فسقوهم من الماء فأطعموهم([3]) الركب من الطعام، وأجرى الله عز وجل لهم بذلك رزقًا، وكان الناس يمرّون بمكة فيطعمونهم من الطعام ويسقونهم من الماء([4]).

وفي رواية أخرى رواها الصدوق (رحمه الله) في العلل: أن العلة هي أن إبراهيم نازل الشيطان في المسعى، قال: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): لِمَ جعل السعي بين الصفا والمروة؟ قال: لأن الشيطان تراءى لإبراهيم (عليه السلام) في الوادي، فسعى وهو منازل الشيطان([5]).

مراحل التوسعة في المسعى

هذا، والمسعى معروف، وبقي على ما هو عليه منذ القِدَم بين جبلي الصفا والمروة رغم ما قيل عن توسعته وتغييره في زمن المهدي العباسي إلا أن ذلك لم يثبت، وإنّ غاية ما فعله المهدي في توسعته أنه اشترى جميع ما كان بين المسعى والمسجد من الدور فهدمها ووسّع المسجد، وانتهت التوسعة شرقًا إلى حد المسعى .

يقول الأزرقي المتوفى بعد المهدي العباسي: (فاشترى جميع ما كان بين المسعى والمسجد من الدور، فهدمها ووضع المسجد على ما هو اليوم شارعًا على المسعى).

واستمر المسعى محفوظًا من التوسعة إلى عهد أبي الوليد الأزرقي صاحب كتاب تاريخ مكة، المتوفى سنة (250هـ)، أي في زمن الإمامين العسكريين (عليهم السلام) وإلى ما بعده؛ وهذا معنى العبارة السابقة للأزرقي: (والمهدي وضع المسجد على المسعى) أي أزال البيوت التي كانت بين المسجد والمسعى وجعل المسجد على حد المسعى، لا أنه أدخل المسعى في المسجد وأنشأ مسعى جديدًا وراء ذلك([6]).

 ويؤكّد ذلك أن التاريخ لم يُحدّث أن أحدًا من العلماء الذين كانوا في عصره قد أنكر عليه ذلك. وما نقل في الاختلاف عن ذرع المسعى والتفاوت فيه فإن مردّه إلى تفاوت أنواع الذراع المعتمد من قِبل من ذرع المسعى.

وقد تعرّض صاحب الجواهر (رحمه الله) إلى ذلك وعلّق عليه بالقول: وحكى جماعة من المؤرخين حصول التغيير في المسعى في أيام المهدي العباسي وأيام الجراكسة على وجه يقتضي دخول المسعى في المسجد الحرام، وأنّ هذا الموجود الآن مسعى مستجَد([7])، ومن هنا أشكل الحال على بعض الناس باعتبار عدم إجزاء السعي في غير الوادي الذي سعى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كما أنه أشكل عليه إلحاق أحكام المسجد لما دخل منه فيه، ولكن العمل المستمر من سائر الناس في جميع هذه الأعصار يقتضي خلافه، ويمكن أن يكون المسعى عريضًا قد أدخلوا بعضه وأبقوا بعضًا كما أشار إليه في الدروس، قال: وروي أن المسعى اختصر ... وروي أن المسعى كان أوسع مما هو اليوم ولكن الناس ضيقوه([8]).

وحتى التوسعة السعودية عام 1376 هـ للمسعى -والتي كانت في زمن الملك فيصل يوم أن كان رئيسًا لمجلس الوزراء عام 1375هـ- لم تتجاوز الجبلين.

فالحاصل أن المسعى بقي في حدود الجبلين، ولم يحصل في توسعة المهدي ولا قبلها ولا بعدها أن توسَّع المسعى شرقًا أو غربًا.

إلى أن حصلت التوسعة الأخيرة عام 1428هـ، فنشأت مشكلة فقهية استتبعت خلافًا في الآراء بين مختلف المذاهب، بل خالف كثير حتى من علماء السعودية أنفسهم.

منهم رئيس مجلس القضاء الأعلى في السعودية الشيخ صالح اللحيدان الذي قال: أنا لست ممن وافق على المسعى الجديد ولا أرضى بتلك التوسعة، أكثر أعضاء هيئة كبار العلماء لم يرضوا بذلك، ولا أعرف أن أحدًا وقّع سوى اثنين من الأعضاء، والذي سألني لا أرى له السعي في المسعى الجديد، لكني أرى إذا أدّى عمرة أنه يكون في حكم من ترك فرضًا من العمرة يجبره بدم ذبيحة (وكلامهم وخلافهم موجود في الانترنت).

وذكر صاحب كتاب التاريخ القويم -الذي يُعتبر من كبار المؤرخين لتاريخ مكة الحديث، وكان يشرف بنفسه على التوسعة، وكان ضمن المكلفين من قبل الدولة بمتابعة توافق التوسعة مع الضوابط الشرعية-: فالحمد لله رب العالمين وليسلم لنا المسعى الذي كان المسلمون يسعون فيه إلى 1428هـ، وهو المسعى الذي أفتى بعدم جواز السعي خارجه كل من: رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح اللحيدان، وعضو هيئة كبار العلماء معالي الشيخ صالح الفوزان، وعدّ الكثير غيرهم من كبار علمائهم ثم قال: وآخرون كثير من علماء السنة، فهؤلاء وغيرهم قالوا بأن توسعة المسعى عام 1376هـ وصلت إلى ذروته، ولا مجال لمزيد من التوسعة في العرض، لأن التوسعة القديمة غطّت واستغرقت كل المسعى، وقد كانوا معاصرين للفترة قبل توسعة 1376هـ قبل أن يبدأ تكسير الجبال المحيطة بالحرم([9]).

رأي مراجعنا حول المسعى الجديد

وقد اختلف مراجعنا أعزهم الله تعالى في المسألة، وسنتعرض لآراء بعض المعروفين منهم، رحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم:

 رأي السيد السيستاني دام ظله:

إنه إذا ثبت للمكلف كون المسعى الجديد ضمن امتداد جَبَلَي الصفا والمروة انحلّت المشكلة، وإذا لم يثبت له ذلك، فإذا تمكّن من السعي في الممر الأصلي السابق ذهابًا وإيابًا فالأحوط وجوبًا تعيّنه عليه، وإلا فعليه الشروع بالسعي من المقدار القديم والأصلي والانتهاء بالمقدار الأصلي من المروة، وهكذا حتى ينتهي من الشوط السابع.

س: تمّ تعريض المسعى الشريف وذلك بضم جزء من الساحة الخارجية للحرم الشريف إلى المسعى من جهة الساعي من الصفا إلى المروة، فما حكم السعي في هذه الإضافة الجديدة؟

ج: إذا ثبت للناسك -ولو من خلال فتاوى بعض الفقهاء- توفّر شهادة الثقة من أهل الخبرة من دون معارض، بامتداد جبلَي الصفا والمروة إلى الممر الجديد، أجزأه السعي فيه، وإن لم يثبت له ذلك ولم يمكنه السعيُ من الممر الأصلي ذهابًا وإيابًا -لتخصيصه للإياب فقط- جاز له البدء من المقدار الأصلي من الصفا ثم الاتجاه يمينًا إلى الممر الجديد وإكمال شوطه بالوصول إلى المروة، ولا يضرّه عدم استقبالها عند التوجه إليها، وأمّا مع تمكنه من السعي في الممر الأصلي ذهاباً وإياباً فالأحوط لزوماً تعيّنه وعدم الاجتزاء بالسعي على النحو المتقدم([10]).

رأي السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله :

احتاط وجوبًا بالسعي مقابل جبل المروة القديم.

س: هل يجوز السعي في التوسعة الجديدة التي ستكون محلها عند أبواب الحرم الشريف؟

ج: الأحوط وجوبًا الاقتصار في السعي على ما يسامت جبل المروة القديم([11]).

وجاء في جواب آخر منه دام ظله على ما في بعض الاستفتاءات: إذا كان الابتداء من الجبلين والانتهاء إليها، جاز السعي وإن استلزم الخروج من المسعى القديم والسعي في التوسعة الجديدة بنحو الدوران على الأظهر([12]).

الشيخ إسحاق الفياض دام ظله :

اختار جواز السعي في المسعى الجديد، حيث قال في استفتاء وُجّه له عن جواز السعي في المسعى الجديد: بأن المحل الجديد والقديم كلاهما بين الجبلين، لأن جبل المروة ممتد وجبل الصفا قد قصّ، وامتداده واضح أيضًا([13]).

 وفي جواب آخر على نفس السؤال: يجوز السعي في المسعى الجديد([14]).

وذُكر في موقعه على الانترنت :

سؤال (693):... وفيما يخصّ توسعة المسعى الأرضي، أفتيتم بجواز السعي في التوسعة الجديدة، وقد أفدتم بأن الجبلين قد اقتطع منهما، وعليه فالسعي في التوسعة سعي بين الجبلين، والتساؤل أنه لا يوجد فعلاً ما هو مقتطع ليكون السعي في التوسعة سعيًا بين الجبلين، وجواز السعي قبل الاقتطاع لا يمكن استصحابه بعد تغير الموضوع باقتطاع الجزأين اللذين كان يجوز السعي بينهما، فما هو وجه الجواز والإجزاء؟

ج: الواجب هو السعي بين جبل الصفا وجبل المروة، وجبل المروة موجود في الوقت الحاضر وعليه البنايات والفنادق، وهو أعلى بكثير من الطابق العلوي، وأما جبل الصفا فقد اقتطع منه وأنشئ عليه الفنادق والبنايات.

وقد استدل على هذا الرأي في جواب على:

س(694): هل يجوز السعي في المسعى الجديد وكذلك في الطابق الثاني؟

ج: نعم يجوز، فإنه -مضافًا إلى أن هناك جهات خارجية توجب الاطمئنان بأنه بين الصفا والمروة إذا أخذناها بعين الاعتبار- إن امتداد جبل الصفا لم يحدد شرعًا بحدود معينة في الخارج، من هنا يكون الشك في واقع مفهوم امتداده سعةً وضيقًا، وعلى هذا فحيث إن الشك فيه شك في مفهوم الامتداد فالشبهة مفهومية، فإذن بطبيعة الحال يرجع الشك في أن المسعى الجديد هل هو بين الصفا والمروة إلى الشك في أن الخطاب الشرعي في مرحلة الجعل المتعلق بالسعي بين الصفا والمروة الموجّه إلى الحاج هل هو متعلق بالسعي في المسعى القديم تعيينًا أو بالجامع بين السعي في المسعى القديم والسعي في المسعى الجديد؟ وهو عنوان أحدهما، فإذن يكون المقام داخلاً في كبرى مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الشبهة الحكمية، وحيث إن المختار عندنا في هذه المسألة أصالة البراءة عن التعيين فالأمر في المقام أيضًا كذلك، يعني لا بد من الرجوع فيه إلى أصالة البراءة عن تعيين وجوب السعي في المسعى القديم.

فالنتيجة: هي أن الحاج مخيّر بين السعي في المسعى القديم والسعي في المسعى الجديد.

ودعوى: أن أصالة البراءة عن وجوب السعي في المسعى القديم معارضة بأصالة البراءة عن وجوب الجامع بين السعي في المسعى القديم والسعي في المسعى الجديد.

مدفوعة: بأن أصالة البراءة لا تجري عن وجوب الجامع إذ لا كلفة فيه، وإنما تجري عن وجوب الخاص تعيينًا وهو السعي في المسعى القديم، حيث إن فيه كلفة زائدة تدفع بها. وبنفس هذا البيان تجري بالنسبة إلى ارتفاع جبل الصفا، حيث إنه غير محدّد شرعًا، وحينئذ فبطبيعة الحال يُشك في أن السعي في الطابق الثاني هل هو بين الصفا والمروة أو لا، وما ذكرناه بالنسبة إلى امتداده ينطبق على ارتفاعه حرفياً.

ولهذه المسألة نظائر كثيرة في الفقه، منها: ما إذا كان مفهوم المشتق مجملاً ولا ندري أنه موضوع لخصوص المتلبِّس أو الجامع بينه وبين المنقضي؟ ففي مثل ذلك إذا ورد الأمر من المولى بإكرام العالم فلا محالة نشك في أنه تعلّق بخصوص إكرام المتلبس بالمبدأ أو بالجامع بينه وبين المنقضي، فيدور الأمر حينئذ بين التعيين والتخيير، فتجري أصالة البراءة عن التعيين لأن فيه كلفة زائدة بلا معارض، فالنتيجة هي التخيير([15]).

الآراء في السعي في الطابق العلوي من المسعى

أفتى جملة من المراجع بجواز السعي إذا كان الطابق الثاني بين الجبلين، وإلا فلا يجوز :

منهم السيد الخوئي (قده)

س: هل يجوز السعي في الطابق العلوي؟

 ج: إن كان بين نفس الجبلين بناءُ الطابق، بحيث يقع شيء منهما في جداره النهائي من الطرفين يجوز، وإلا فلا، والله العالم([16]).

و منهم السيد السيستاني دام ظله

س: ما حكم السعي في الطابق الثاني وما يترتب على ذلك؟

ج: لا يجوز السعي في الطابق الثاني لعدم ظهور جبل المروة في المسعى. ويترتب على بطلانه وجوب تداركه بنفسه أو بنائب بحسب الموارد، وإلا فخروجه عن إحرامه محل إشكال.

س: هل يجوز السعي من الطابق الثاني أم لا؟ وإذا كان لا يجوز فما هي وظيفة من أتى به كذلك وهو يتخيل جوازه؟

ج: إذا كان الطابق العلوي بين الجبلين لا فوقهما جاز السعي منه، وإلا لم يجز، وفي الصورة الثانية يكون حكمُ من سعى من الطابق العلوي حكمَ من ترك السعي جهلاً، وهو مذكور في رسالة المناسك فليراجع.

وأجاب في المناسك عن حكم إجزاء السعي في الطابق العلوي، مع الشك بكون المسعى أعلى من الجبلين أو من أحدهما([17]).

مسألة 235: الطابق الثاني من المسعى إن كان بين الجبلين لا فوقهما جاز السعي منه، وإلا لم يجز، ومن سعى فيه بتخيل الجواز فحكمه حكم من ترك السعي جاهلاً.

ثم ذكر في أحكام السعي أن:

السعي من أركان الحج، فمن تركه عمدًا عالمًا بالحكم أو جاهلاً به أو بالموضوع إلى زمان لا يمكنه إتمام أعمال العمرة قبل زوال الشمس من يوم عرفة بطل حجه، وكان حكمه حكم من ترك الطواف كذلك، وقد تقدم في أول الطواف ([18]).

وممن احتاط بالترك وعدم جواز السعي في الطابق العلوي :

السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله:

س: هل يجوز السعي في الطابق العلوي الفوقاني؟

ج: الأحوط ترك ذلك([19]).

والميرزا التبريزي (قده)

قال: الأحوط ترك السعي من الطابق الثاني، فلو سعى منه فالأحوط إعادة الحج مع بقاء استطاعته إذا لم يمكن تداركه في شهر ذي الحجة، والله العالم([20]).

ومنهم : من جوّز السعي في الطابق العلوي بلا تردد على اعتبار أن الجبلين أعلى من المسعى في الطابق العلوي، كالشيخ إسحاق الفياض دام ظله :

وقد تسأل: إن السعي بينهما من الطابق العلوي هل هو مجزئ، أو لا بد أن يكون من الطابق السفلي؟

والجواب: يجزي السعي بينهما من الطابق العلوي أيضًا([21]).

س: هل يجوز السعي من الطابق الثاني؟

ج: نعم يجوز ([22]) .

وقد نقلنا له جوابًا فيما تقدم، ذكر فيه: أن جبل المروة موجود في الوقت الحاضر وعليه البنايات والفنادق، وهو أعلى بكثير من الطابق العلوي، وأما جبل الصفا فقد اقتطع منه وأنشئ عليه الفنادق والبنايات. ([23]).

س: أحد الأشخاص حجَّ إلى بيت الله الحرام، وفي سعيه في العمرة والحج سعى في الطابق العلوي اعتقادًا منه بصحة ذلك، وعلم بالخلاف بعد رجوعه إلى بلده، فهل يكفيه أن يستدرك هذين السعيين بالاستنابة؟ وهل يجب عليه الإتيان بالأعمال المترتبة بعد السعي من خلال النائب كالتقصير في العمرة وطواف النساء وصلاته في الحج؟

ج: السعي في الطابق العلوي مجزئ ولا يحتاج إلى الإعادة([24]).

س: هل يجوز الطواف في الطابق الثاني في الكعبة وكذلك السعي؟

ج: يجوز السعي من الطابق الثاني، وأما الطواف منه فلا يجوز([25]).


 

([1]) سورة البقرة 158.

([2]) علل الشرائع، الشيخ الصدوق تحقيق: السيد محمد صادق بحر العلوم ط 1966م الناشر: منشورات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف : ج2 ص433، باب 168 ح1.

([3]) هكذا في الأصل.

([4]) الكافي، الشيخ الكليني، تحقيق علي أكبر الغفاري ط3 دار الكتب الإسلامية، طهران : ج4 ص202 . ورواه الشيخ الصدوق في الباب 166 من علل الشرائع ص432 ح1 (العلة التي من أجلها جعل السعي بين الصفا والمروة)، عن أبيه رضي الله عنه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله ×.

([5]) علل الشرائع، مصدر سابق:  ص433، باب 167 ح2 .

([6]) كلمة حق في توسعة المسعى، دراسة علمية تاريخية عن حكم توسعة المسعى، د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي، انترنت .

([7]) لكن الإمام الصادق × استشهد قبل توسعة المهدي المزعومة، فلا تصلح نفيًا لما قام به المهدي، لأن المدعى حصول التغيير في المسعى في أيام المهدي العباسي وأيام الجراكسة مرتين : الأولى عام 164هـ والأخرى عام 167هـ .

([8]) الكافي، للشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 4 ص436 باب9 من بدأ بالمروة قبل الصفا ؛ جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج19 ص421-424، ط دار الكتب الإسلامية، طهران .

([9]) كتاب التاريخ القويم ج3 ص151، انترنت.

([10]) مناسك الحج وملحقاتها، الجديد، ط النجف الأشرف ص212 السؤال5.

([11]) موقّع من لجنة الاستفتاء للسيد محمد سعيد الحكيم، بتاريخ 5 رجب 1428 هـ.

([12]) موقّع من لجنة الاستفتاء للسيد محمد سعيد الحكيم، بتاريخ 26رجب الحرام 1428هـ.

([13]) استفتاء موقّع بختم الشيخ إسحاق الفياض، بتاريخ 27 جمادى الأولى 1428هـ.

([14]) استفتاء أبو محمد العاملي 10 جمادى الآخرة 1428هـ.

([15]) الموقع الرسمي للشيخ إسحاق الفياض، الاستفتاءات، أحكام الحج والعمرة، في مسائل السعي 03/02/2010م.

([16]) صراط النجاة، جديد، ط دار المحجة البيضاء ودار الرسول الأكرم : ج1 ص540، مسألة 1920 .

([17]) ملحق مناسك الحج، السيد السيستاني، دار المؤرخ العربي، لبنان، ص301-302، أحكام السعي، السعي في الطابق الثاني مسألة 1-2 .

([18]) مناسك الحج - السيد السيستاني، مصدر سابق، أحكام السعي، بعد مسألة 235 و236 .

([19]) استفتاء موقّع بختم لجنة سماحته، بتاريخ 26 رجب الحرام 1428هـ .

([20]) صراط النجاة الميرزا التبريزي (قده) ج4 ص182 .

([21]) مناسك الحج، الشيخ محمد إسحاق الفياض، ص 184 .

([22]) الموقع الرسمي للشيخ الفياض، الاستفتاءات، أحكام الحج والعمرة، في مسائل السعي، سؤال (695) 03/02/2010م .

([23]) المصدر السابق سؤال (699).

([24]) المصدر السابق سؤال (709).

([25]) المصدر السابق سؤال (713).

 

 

 

ابن ملّي الأنصاري البعلبكي

فقيهٌ وبطل

د. محمد كوراني

... وابن ملي هذا رجل تاريخي رائد، وإن أهمله الذين كتبوا التاريخ، فتجاهلوه وكتموا دوره الريادي في لحظة من أدقّ وأقسى ما يكون، اجتمع له من شرف الريادة وبعد الأثر وأسباب العظمة ما يؤهّله لأن يكون في صفّ رجال التاريخ القادة.

إنه نجم الدين أحمد بن محسِّن بن الأنصاري البعلبكي (617-699هـ) (1220-1299م)، فقيه شيعي إمامي أنجبته بعلبك، وصفه في مرآة الجنان بأنه: : "أحد أذكياء الرجال وفضلائهم في الفقه والأصول والطب والفلسفة والعربية والمناظرة"([1])، كان متبحرًا في العلوم، كثير الفضائل، أسدًا في المناظرة، فصيح العبارة، ذكيًا متيقظًا حاضر الحجة، حادّ القريحة، مقدامًا([2]).

ولا عجب فإنه وهو الرجل الكفؤ قد جنى معارفه من مختلف مراكز العلم الإسلامية : دمشق وحلب وبغداد، متلقيًا ومتعلّمًا ثم مدرسًا ومفتيًا ومناظرًا، بعد أن تتلمذ لمدة طويلة على شيخه الأول عز الدين أحمد بن علي بن معقل المهلبي الحمصي([3]) في بعلبك([4]).

لقد كان ابن ملي فقيهًا بعلبكيًا شيعيًا في زمنٍ كانت فيه السلطة في المنطقة الشامية، سلطة السياسة وسلطة الثقافة، سنيّة خالصة . فلا بد من الإشارة إلى أن التسنّن كان يومذاك (الأيديولوجيا) الرسمية للسياسة والثقافة معًا، وكان قد نجح لتوّه في انتزاع هذا الموقع من التشيّع على إثر معركة طويلة شارك فيها أهل الثقافة -وخصوصًا الفقهاء- أهل السياسة، ولم يكن من سبيل لاختراق هذه البنية المتماسكة الحذرة إلا في مناطق جبلية بعيدة عن متناول السلطة منها (جبل عامل) وامتداده البقاعي الذي أفلح منذ الشهيد الأول (أواسط القرن الثامن للهجرة-الرابع عشر الميلادي) في بناء كيان ثقافي خاص به، وفريد ومتميّز في المنطقة الشامية ولا يقلّ تماسكًا عن الكيان الثقافي الرسمي ويفوقه مرونة بما لا يقاس .

تلك هي الأرضية التي تقف عليها سيرة ابن ملي، وما سيرته إلا محصّلة معقدة للنجاح في التعامل مع تلك الأرضية والتوازن مع عناصرها ثقافيًا واجتماعيًا ثم الفشل فشلاً ذريعًا في التعامل معها سياسيًا([5]).

إلا أن النقطة المضيئة في سيرة ابن ملي إلى حدّ السطوع والتألّق أنه بما تحلّى به من صفات وخصوصًا الإقدام، كما وصفه اليونيني، قد نجح أن يكون ضمير قومه بل أمّته في لحظة من أشد اللحظات وأقساها يوم اجتاح التتار دار الإسلام من مشرقها ذلك الاجتياح المهول، وشمل اجتياحهم المنطقة الشامية ومنها وطن ابن ملي (بعلبك) سنة 658 هـ-1259م، فنظّم وقاد حرب عصابات شعبية ناجحة في وجههم في بعلبك وجبالها في وقت فيه تهاوت العروش ولم تثبت فيه الجيوش النظامية من تركستان إلى أبواب مصر، وتلك مبادرة فريدة في تلك الأيام السوداء، ذلك درس حقيق بأن يقرأ ويستعاد([6]).

هذان الملمحان في شخصيته : مشاركته العلمية الواسعة، وما تحلّى به من صفات قيادية أهّلته لأن يكون رجلاً تاريخيًا، هما اللذان ذكّرانا بالشهيد الأول والمحقق الثاني، فكلا هذين قد نهل من مختلف المشارب، وطوّف في مختلف الحواضر العلمية الإسلامية طلبًا للقاء كبار الشيوخ !

لم تحُل بينه وبين بغيته حدود المذاهب . وكلاهما قد تكشّف عن قائد تاريخي، الأول عبر قيادته الطموحة لمحاولة إقامة الدولة المجسّدة لمفهوم الشرعية كما هو منظور في الثقافة . والثاني عبر قيادة لمّ شعث الشعوب الإيرانية على أثر النهضة الصفوية.

لكن سوء حظ ابن ملي البعلبكي فيما يبدو أنه لم يصادف لحظته: رجل تاريخي دون تاريخ([7]).

يقول اليونيني : "واشتغل ابن ملي في مذهب الشيعة وغير ذلك"([8]). وتقول عامة المصادر التي تحدّثت عن ابن ملّي أنه تمتع بحضور قوي في دمشق وحلب ومصر وفي المدرسة النظامية في بغداد([9])، إن قوة هذا الحضور تعود بلا ريب إلى قوة نفس الرجل وشجاعته الأدبية، ثم إلى تبحّره وسعة اطلاعه. وفي الدائرة السياسية من سيرة ابن ملي نقف عند باب الجهاد يوم انفتح على دار الإسلام باب التدمير التتري من مشرقه حتى أبواب مصر .

والجدير ذكره أننا لا نقرأ في تلك الأيام السوداء أيّ ذكر لعمل دفاعي شعبي لوقف التتر الزاحفين أو عرقلة حركتهم، وبما أنهم كانوا وثنيين وبوذيين، فإن ذلك قدّم خير أرضية للعمل الجهادي ضدهم. ثم إن هناك الطبيعة المناسبة لممارسة الغارات السريعة وما شاكلها من فنون حرب العصابات، وبعلبك تمتد في حضن جبل كان يومذاك مكسوًّا بالغابات الكثيفة مما كان يمنح المجاهدين تميّزًا (تكتيكيًا) هامًا، كما أن الشخصية القيادية ذات التأثير والنفوذ كانت متوفرة وقادرة على استقطاب الجمهور وتوجيهه في الاتجاه الجهادي المنشود .

يصف اليونيني ابن ملي بأنه كان "شجاعًا مقدامًا تام الشكل حسن الخلقة جهوري الصوت"([10]).

وقد وصفه أيضًا بأنه كان "إمامًا في مذهب الشيعة يُقتدى به"، وبهذا الشرط الأخير تحققت الشروط الأساسية النظرية لنهوض مقاومة شعبية مسلحة في وجه الغزاة التتر في بعلبك ومنطقتها.

يقول اليونيني : "وفي سنة 658هـ عندما استولى التتار على الشام كان ابن ملي بجبال بعلبك، وأنه جمع له عشرة آلاف نفر، وأنه تسمّى بالملك الأقرع، وأنهم كانوا يتخطفون التتر في الطرقات وخصوصًا في الليل لأن التتر ما يركبون في الليل([11]).

فمن خلال العدد المذكور يتبين الانطباع الكبير الذي تركه مجاهدو ابن ملي والصدى البالغ لعملياتهم ضد الغزاة بين الناس . أما استعارة ابن ملي لنفسه لقب "الملك الأقرع" فتأتي غرابته في عصريته بالنسبة إلينا اليوم، ولكنها تشهد للرجل بالعبقرية والريادة فهو اسم مستعار بلا شك للحفاظ على حياته وسلامته الشخصية في موقعه الجديد كقائد مقاتل يبتغي إزاحة وستر شخصية الفقيه وما تعنيه وما ترمز إليه لمصلحة استحضار شخصية جديدة عنوانها الملك.

وأما القسم الأخير من نص اليونيني "بأنهم كانوا يتخطفون التتر في الطرقات وخصوصًا في الليل" .

تضعنا هذه العبارة في جو تلك الأيام المجيدة العابقة بنشر الجهاد والثبات والمقاومة رغم التباين بين قوة العدو وقوة المسلمين . حيث كان المجاهدون يغيرون متسللين على العدو وضربه في المدينة ثم عودتهم إلى الجبال الوعرة . لقد أفاد ابن ملي ومجاهدوه في أعمالهم الجهادية وأساليب حرب العصابات بـ : استغلال الأماكن الطبيعية، واستغلال تحركات العدو، ثم سرعة الحركة، وأخيرًا استغلال نقاط الضعف التعبوي لديه، كل هذا يدل على المستوى المتقدم في التخطيط والإعداد.

لقد نجح ابن ملي في نقل الشيعة في وطنه إلى موقع متقدم بوضعهم على طريق الجهاد، ونجح أيضًا في تنظيم الشيعة بعد اضطرابهم بسبب الغزو الصليبي وما تلاه والغزو المغولي وما تمخّض عنه . ذلك هو المغزى التاريخي الكبير لأعماله، وبهذا وبجهاده يستحق أن يدخل التاريخ.

ومما لا شك فيه أن النتائج غير المتوقعة التي تمخضت عنها معركة (عين جالوت) رمضان 658 هـ أيلول 1259م التي أعادت قلب موازين القوى في المنطقة قد قلبت أيضًا ما بناه ابن ملي رأسًا على عقب، فكل شيء يدل على أنه قد بنى خططه على أساس أنه يواجه الاحتلال التتري لفترة غير محدودة . وليس أدلّ على هذا من ذلك الاسم المستعار الذي اتخذه لنفسه "الملك الأقرع" في سياق الإعداد للمواجهة وعلى أي حال فإن اندحار التتر وانكفاءهم عن المنطقة لم يكن في حسبان أحد([12]).

بالنسبة لابن ملي فإن اندحار التتر كان يعني عودة السلطة المحلية وربما يدور في الوهم أن هذا يعني انتهاء أيام الشدة وعودة الأمن والأمان، ولكن لا شيء أبعد عن الصحة من هذا الوهم، فقد انجلى مسلسل الأحداث الذي بدأ بدخول التتر (الشام) وانتهى باندحارهم في عين جالوت عن قيام سلطة جديدة  يمثلها أولئك الذين عرفوا في تاريخنا باسم (المماليك) , وكان هؤلاء قد كوّنوا طبقة عسكرية استولت على السلطة بل على كل شيء ابتداءً من الفكر الذي حوّلته إلى أداة سلطة، وانتهاء بمصادر الإنتاج.

انصرف أهل السلطة الجدد (بعد انكفاء التتر) ومعهم الحماسة الشعبية المتدفقة إلى تصحيح ما وقع من خلل في قواعد الحكم وإلى إعادة الأمور إلى نصابها، وفي هذا السياق جرت تصفية حسابات قديمة أهرقت فيها دماء، فهل يمكن أن نتصور أن السلطة المملوكية ستترك هذا الرجل وشأنه بعدما أظهر ذلك المستوى من الطموح والمقدرة؟! لقد عرفنا ابن ملي رجلاً يتحلّى بقدر كبير من الشجاعة وقوة النفس وسنعرفه كيف ترك بلده نهائيًا ليمضي نصف عمره المديد في حال أشبه بالتشرّد وليموت بعيدًا عن بلده متخفيًا عن أنظار السلطة .

... وفي أواخر سنة 658 هـ، 1259م بدأت فترة التخفي والتطواف في حياة ابن ملي حيث غادر بعلبك متخفيًا، فقد جاء في طبقات الشافعية للأسنوي ج2 ص462 : أنه دخل بلدة أسنا في أقصى صعيد مصر يبغي أقصى درجات التخفي، ومن المثير للأسى ما يضيفه الأسنوي أيضًا : "انتقل ابن ملي من أسنا إلى أسوان واستقرّ فيها يدرّس في المدرسة الباباسية"، ومن مصر انطلق إلى تطواف جديد، فالأسنوي يتابع قائلاً : "ثم عاد منها -أي من أسوان -إلى الشام- ".

إن الغموض الذي اتسمت به تحركات ابن ملي في فترة تخفّيه كان مفيدًا له حتمًا، فالمؤرخان السبكي والأسنوي يقولان : إنه دخل بغداد حيث عمل معيدًا في (المدرسة النظامية) الشهيرة، وهو منصب هام لا يتاح الفوز به إلا للمصطَفَين من أهل العلم.

وعلى كل حال فإن من المؤكد أنه عاش مدة طويلة جدًا مما بقي من عمره مطوّفًا متخفيًا دون أن نعلم متى وأين انتهى هذا التشرّد إن كان قد انتهى بغير الموت.

ليس هناك أي إشارة يفهم منها أنه عاد إلى بعلبك، ولعله لم يرها إطلاقًا منذ غادرها سنة 658هـ -1259م، وهذا يعني أنه عاش إحدى وأربعين عامًا عدّا يطوّف في الآفاق، أي نصف عمره المديد بالضبط .

إن الفترة التي تواجد فيها ابن ملي في بعلبك هي من أول إفرازات الظواهر السكّانية والثقافية الجديدة التي كانت قد بدأت تشكّل وجه مدينة بعلبك وتعيد تركيبها من الداخل، من هنا فإن علينا أن ننظر إلى إنجاب بعلبك لهذا الفقيه الشيعي منها كعلامة تشير إلى أمرين هامين يتصلان بدرجة وعي الجماعة الشيعية فيها، وبالظروف التاريخية التي كانت تجتازها.

أولهما : أن هذه الجماعة تدرك ذاتيتها، بل وخصوصيتها وامتيازها.

ثانيهما : أنها تملك الفرصة لممارسة هذه الذاتية ضمن حد مقبول من الشروط، وعلى رأسها قسط من الحرية والشعور بالأمن ([13]) .

لكن وفي كل حال فإنه ينبغي أن لا يغيب عن البال أنه في هذه الفترة التاريخية كان التشيع في الشام تحت التأثير المتمادي للضربة الصليبية الكاسحة التي أصابت أكثر من مقتل سواء بفعلها المباشر أم غير المباشر، ونعني بهذا الأخير دخول العناصر العسكرية في الصورة السياسية للمنطقة واستيلائها على السلطة فيها، ومعلوم أن هذه قد قدّمت تحت شعار الجهاد، وتحرير (دار الإسلام) من الاحتلال ولكنها حملت عداءً صريحًا وخاصًا ضد التشيّع، لا لسبب إلا لأنها تعرف أنه عصيّ على عمليات التطويع، يعني أن بنيته الفكرية الصلبة لا تعطيه أن يمنحها الشرعية لتحكم من تحت غطائها .

... ولعل ابن ملي قد حظي بشيخوخة هادئة في قرية بخعون في منطقة من شمال لبنان عرفت تاريخيًا باسم (جبال الظنيين) حيث تقوم عدة قرى شيعية يقطنها أحفاد المهاجرين الشيعة الأولين إلى جبال لبنان، فالمصادر تجمع على أنه توفي ودفن في تلك القرية الجبلية الصغيرة في شهر جمادى الأولى سنة 699هـ - 1299م ([14]).

ومن غرائب الأقدار أن يموت ابن ملي والتتر يعودون إلى المنطقة في غزوتهم الثانية بقيادة (غازان)، فكان الزمان يعدّ خاتمة مسرحية مناسبة لحياة هذا العالم والمجاهد العظيم([15]).

مات ابن ملي ولكن بعد أن حقق انجازًا تاريخيًا على مستوى التشيّع في الشام لا يمكن فهمه إلا بالمقارنة بالوضع الخامد والسلبي الذي كان يرزح تحته بسبب القمع القاسي الذي كان يوجّه إليه من العناصر العسكرية الحاكمة ابتداءً من أوليات القرن السادس للهجرة - الثاني عشر للميلاد.

لقد كان عمل ابن ملي أول مبادرة جماعية ذات معنى سياسي اتخذها شيعة من أهل الشام منذ ما يقرب من قرن ونصف القرن، وليحذو حذوها الشهيد الأول بعد نصف قرن من الزمان، ومع ذلك فإن التجربة التي خاضها الشيعة في بعلبك وجوارها تحت قيادته لا يمكن أن تكون قد ضاعت وضاع أثرها مثل نفخة ريح.

ملحق

إتمامًا للفائدة ارتأت هيئة التحرير إدراج هذا الملحق

ابن ملي في موسوعة طبقات الفقهاء للشيخ جعفر السبحاني (14/1031-1032) :

ابن ملّي (617- 699 هـ) : أحمد بن محسّن بن ملّي بن حسن الأنصاري، العلامة، الإمامي، المتفنّن، نجم الدين أبو العباس البعلبكي. قال الذهبي: كان أحد أذكياء الرجال وفضلائهم في الفقه والأصول والطب والفلسفة والعربية والمناظرة.

ولد المترجم له في بعلبك سنة سبع عشرة وستمائة، وتتلّمذ في بلده وفي دمشق وحلب. سمع من: محمد بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي الشافعي (المتوفّى 642 هـ)، وزكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، وآخرين. وأخذ النحو عن ابن الحاجب، وفقه الشافعية عن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي. ولازم الفقيه الإمامي أحمد بن علي بن معقل الحمصي البعلبكي في الفقه وغيره. و تقدّم في العلوم و اشتهر، حتى صار- كما يقول اليونيني- إماما في مذهب الشافعي، وكذلك مذهب الشيعة، يقتدى به. وكان جريئًا، مقدامًا. غادر بعد استيلاء التتر على الشام (658 هـ) مدينة بعلبك، واتخذ من جبالها مقرًّا له ولأتباعه من المجاهدين، وتسمّى بالملك الأقرع، وقاد حرب عصابات شعبية ضد التتر.

ولما دالت دولة التتر، اختفى ابن ملي خوفًا من اعتقاله، ثم ظهر في مدينة إسنا (بصعيد مصر)، ثم انتقل منها إلى مدينة أسوان، فاستقرّ فيها مدة يدرس في المدرسة الباباسيّة. وقد دخل مصر غير مرة، وأقام ببغداد مدة معيدا بالمدرسة النظامية. وكان قويّ الحافظة، درّس، وأفتى، وناظر ومات في قرية بخعون (بشمال لبنان) سنة تسع وتسعين وستمائة.

ابن ملي في تكملة أمل الآمل (ص 99 ) :

الشيخ أحمد بن محسن ابن ملا الشيخ نجم الدين المعروف بابن ملا البعلبكي، المولود في سنة سبع عشرة وستمائة، وتوفي في قرية بخعون من جبال صنين في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستمائة.

قال الأسنوي في طبقاته: وكان متهمًا في دينه بأمور كثيرة، منها الرفض والطعن على الصحابة -ويريد بدينه الشافعية- لأنه كان يتستر بها.

وذكره التاج السبكي في طبقات الشافعية مفصلاً وأكثر في الثناء عليه وقال: هو مشهور بحسن المناظرة والقادر على إبداء الحجة المسرعة وإلجام الخصوم والذهن المتوقد كشعلة نار والوثوب على النظر في مجالس النظر كأنه صاحب ثار. قال: وأحكم الأصول والكلام والفلسفة وأفتى وناظر، ودخل مصر غير مرة، وكان قوي الحافظة تقرأ عليه الأوراق مرة واحدة فيعيدها بأكثر لفظها... إلى آخر ما قال.

ابن ملي في طبقات الشافعية للأسنوي ( ص256-257):

1145- ابن ملي : نجم الدين، أحمد بن محسّن، بفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة، ابن ملي، باللام، الأنصاري، البعلبكي. ولد في بعلبك في شهر رمضان، سنة سبع عشرة وستمائة، وأخذ النحو عن ابن الحاجب، والفقه عن ابن عبد السلام، والحديث عن الزكي المنذر، وكان فاضلاً في علوم أخرى، منها: الأصول، والطب، والفلسفة، ومن أذكى الناس وأقدرهم على المناظرة وإفحام الخصوم.

سمع الحديث من جماعة، ودخل بغداد، وأعاد بالمدرسة النظامية، ودخل مصر إلى آخر الصعيد الأعلى، وحضر الدروس ببلدنا "أسْنا"، عند مدرسها الشيخ بهاء الدين العقيلي، السابق ذكره.

ثم استقر بأسوان مدة يدرّس بالمدرسة الباباسيّة، ثم عاد منها إلى الشام، وكان متهمًا في دينه بأمور كثيرة منها: الرفض والطعن.

توفي في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين (وستمائة)، بقرية يقال لها نخعون من جبال الطنيبيين، بياء النسب بعد الطن، وبعد الباء ياء ونون الجمع، وهو جبل بين طرابلس وبعلبك، أهله رافضة، أرّخه في "العبر" ومدح علومه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) م . ن ص47، عن مرآة الجنان م4 ص231، (لليافعي اليمني المتوفى سنة 768هـ ).

([2]) اليونيني، ذيل مرآة الزمان، حوداث 700 هجرية، الهند، ط: حيدر آباد الدكن، 1374هـ-1954م.

([3]) أحد أساتذة ابن ملي البعلبكي هو ابن معقل الحمصي، الذي كان فقيهًا وعالم لغة وشاعرًا. خرج من حمص ليتفقه على شيوخ الحلة، ثم تحوّل إلى بعلبك حيث كان لوجوده الأثر البالغ الحميد.

([4]) الشيخ الدكتور جعفر المهاجر، ستة فقهاء أبطال، مركز الدراسات في المجلس الشيعي، ط1 بيروت، 1994م، ص47.

([5]) ستة فقهاء أبطال، م . س، ص48.

([6]) م . ن، ص47 .

([7]) ستة فقهاء أبطال، م . س، ص50.

([8]) ذيل مرآة الزمان، م . س، حوادث 700 هـ .

([9]) م . ن، ص60 .

([10]) ذيل مرآة الزمان، م . س، حوادث سنة 700 هجرية .

([11]) م . ن .

([12]) ستة فقهاء، م . س، ص72.

([13]) ستة فقهاء أبطال، م . س، ص52 .

([14]) ستة فقهاء، م . س، ص76.

([15]) م . ن، ص76.

 

115%