رسالة النجف

ا لافتتاحية

السنة العاشرة/ العدد الخامس والعشرون /  حزيران 2014م / رمضان  1435هـ

 

المرجعية الدينية ومحاربة الاستعمار1

آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم -دام ظله-

 

تُعتبَر الوظيفة الأساسيّة للمرجعيّة الدينيّة هي الفُتيا وبيان الأحكام الشرعيّة في مختلف الشؤون الدينيّة والحياتيّة، والتي يجب على المكلفين امتثالها للوصول إلى مرضاة الله تعالى، غير أن من يتتبع مسيرة المرجعيّة عبر التاريخ يجد لها -علاوة على ذلك- حضورًا فاعلاً وتدخلاً مباشرًا في العديد من المفاصل التاريخيّة في حياة الأمة، وذلك عندما ترى ضرورةً تستدعي تدخلها المباشر، إلا أن هذا الحضور على وضوحه قد يخفى على غير المراقب أو غير المطلع، وربما يُصار في بعض الأحيان إلى التعتيم عليه ومحاولة طمسه.

ومن هنا يأتي جواب المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم -مدّ ظله- على سؤال كان قد وجّه إليه بهذا الخصوص، ليضيءَ على الكثير من النواحي المرتبطة بدور المرجعيّة في مواجهة الاستعمار ومحاربته.

***

وفيما يلي نورد نص السؤال وجواب سماحته عليه:

سؤال: للمرجعية تاريخٌ عريقٌ في مقارعة الاستعمار الأجنبي الدخيل، فهل يمكننا أن نتعرف على نماذج تفصيلية من تلك المواقف؟

الجواب: مقارعة المرجعية الشيعية للاستعمار الأجنبي امتداد لموقف مبدئي عام للتشيع، أصرّ عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في سلوكهم وتعاليمهم، يقضي بتناسي الخلاف بين المسلمين عند تعرّض الإسلام للخطر، والتوجه للعدو المشترك، حفظًا لكيان الإسلام العام، ودفاعًا عن بيضته، لأن الإسلام قبل الإيمان، ولا يعرف الإيمان ولا يصل له الإنسان إلا بعد معرفة الإسلام والوصول إليه.

وبدأ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما جانَب الظالمين واعتزلهم ورفض الدخول في أمرهم ولم يبايع، ولما تعرض الإسلام للخطر اضطر للبيعة حفاظًا عليه.

قال (عليه السلام): [فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى لله عليه وآله)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا أو هدمًا تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، التي هي متاع أيام قلائل، ويزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه]([1]).

أما الأئمة (عليهم السلام) من بعده فهم في الوقت الذي منعوا فيه من الجهاد مع سلاطين الجور، لعدم حفظهم الميزان الشرعي في الجهاد، ولأن في الجهاد معهم دعمًا لهم، أمروا بالقتال دفاعًا عن بيضة الإسلام.

ففي الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: [يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه، ليس للسلطان، لأن في دروسِ الإسلام دروسَ ذكرِ محمد (صلى لله عليه وآله)]([2]).

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) قال: [على المسلم أن يمنع نفسه ويقاتل عن حكم الله وحكم رسوله، وأما أن يقاتل الكفار عن حكم الجور وسنّتهم فلا يحلّ له ذلك]([3]).

وقد جرى مراجعنا العظام وعلماؤنا الأعلام على ذلك قيامًا بالواجب وتبعًا لأئمتنا (عليهم السلام) وجريًا على تعاليمهم.

وقد كلّفهم القيام بهذا الواجب شططًا، فهم في الوقت الذي يتجنبون الحكومات الظالمة ويشجبونها، وفي الوقت الذي تقف منهم تلك الحكومات ومن المؤمنين الذين يرجعون إليهم ويسترشدون بإرشادهم أشد المواقف ظلمًا وعدوانًا وتجاهلاً وامتهانًا، تراهم مضطرين بحكم الواجب الملقى على عواتقهم إلى الوقوف مع تلك الحكومات ودعمها في جهاد العدو الكافر، فإن نجحوا لم يُشكَروا، وإن فشلوا -ولو بسبب تصرف تلك الحكومات وسوء تدبيرها- تحمّلوا تبعة الفشل، وربما انتصر العدو فشفى منهم غيظه، وانتقم لموقفهم منه.

ولا عزاء لهم إلا رضى الله تعالى، والخروج عن تكليفه والحفاظ على دينه القويم، وصراطه المستقيم، وكفى به شاهدًا ونصيرًا.

وإن تصدي علمائنا الأعلام للأجنبي ذو وجوه وألوان، يجمعها القيام بالواجب في مجانبة الكافر، وعدم الركون إليه، والوقوف بوجهه، ومنعه من الإضرار بالإسلام حسبما تتيحه الظروف وتَسَعُه الطاقة.

الأول: التصدي الفكري

وقد جاهد علماؤنا الأعلام ومراجعنا العظام (رضوان الله تعالى عليهم) -بأنفسهم أو بدفع العناصر الحوزوية- في إيضاح الحقائق الدينية، وردّ الشبهات الكافرة، سواءً ما كان نابعًا من بلاد الإسلام، أم ما كان واردًا من الأجنبي الكافر.

ويتجلّى ذلك في هذه العصور بموقفهم من الحملة التبشيرية الكافرة في مطلع القرن السابق، وكان المجلّي في ذلك العلم المجاهد الحجة آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (قدس سره)([4]) صاحب المؤلفات القيّمة.

وكذلك في وقوفهم أواخر القرن المذكور من المدّ الشيوعي الإلحادي.

الثاني: التصدي العسكري

وقد ظهر في العصور القريبة حين ضعفت الحكومات الإسلامية ونشط الكافر لغزو بلاد الإسلام، فكان موقفُ المسلمين حكوماتٍ وشعوبًا موقفَ المدافع، وقد كان للعلماء الدور المهم في ذلك في مناسبات عديدة:

1- في أواسط القرن الثالث عشر الهجري حين هاجم الروس بلاد إيران، فخرج علماء إيران -ولعل أظهرهم آنذاك الشيخ أحمد النراقي (قدس سره)([5]) صاحب المستند- مع المجاهدين لصدّهم، وقد دعمهم المرحوم السيد محمد المجاهد بن السيد صاحب الرياض (قدس سرهما)([6])، فشدَّ الرحال من كربلاء بمن معه والتحق بهم، فأبلوا بلاء حسنًا وكان النصر حليفهم لولا الخيانات وسوء التدبير، مما أوجب انكسارهم واحتلال الروس بلاد أذربيجان وغيرها في واقعة مشهورة. وتجرعوا غصص الانكسار، وردود فعل الأوباش والجهلة.

2- وفي أوائل العِقد الثالث من القرن الرابع عشر للهجرة حين هاجم الروس بلاد إيران أيضًا، واحتلوا بعض المواضع منها، وهاجمت إيطاليا طرابلس الغرب، أفتى علماؤنا -ومنهم المرجع الشهير السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره)- بوجوب توحيد الكلمة لدفع العدو عن بلاد الإسلام.

3- وفي إيران تهيأ للجهاد المرحوم الآخوند آية الله الشيخ محمد كاظم الخراساني (قدس سره)([7]) مع جماعة من علماء عصره، وأعدَّ عدة السفر. لكنه توفي فجأة بوجه مريب، فانحل ما أبرمه، ولله أمر هو بالغه.

4- وحينما غزت الجيوش البريطانية العراق في حربها مع العثمانيين -الذين رأى الشيعة وعلماؤهم منهم الأمَرّين ظلمًا وعسفًا وتجاهلاً واستهوانًا- ، حتّى إنهم لم يعترفوا بالمذهب الجعفري، وكانوا يفرضون عليهم في القضاء وغيره فقه المذهب الحنفي الذي تبنَّته دولتهم وفرضته بقوتها، وكان أهل العلم من الشيعة لا يُعفَون من الخدمة العسكرية -مهما بلغوا من العلم والمعرفة- حتّى يؤدّوا الامتحان على طبق مناهجهم المبنيّة على الفقه الحنفي.

ومع كل ذلك تناسى علماؤنا الأعلام (رفع الله درجاتهم) ذلك كلّه، واندفعوا للقيام بواجبهم في حفظ بيضة الإسلام، والدفاع عنه، فخرجوا للجهاد في جبهتين:

أ - جبهة الشعيبة.

ب - وجبهة الكوت.

وخرج منهم السيد محمد سعيد الحبوبي([8])، مستصحبًا معه سيدنا الجد السيد الحكيم([9]) -في شبابه-، وشيخ الشريعة الأصفهاني([10])، والسيد علي الداماد([11])، والسيد أبو القاسم الكاشاني([12])، والسيد مهدي الحيدري([13])، والشيخ مهدي الخالصي([14])... وجماعة كثيرون (قدس الله أرواحهم الزكية)([15]).

وقد أرسل العلَمان المعظمان السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي([16]) والشيخ محمد تقي الشيرازي (قدس سرهما)([17]) ولديهما السيد محمد([18]) والشيخ محمد رضا([19]) دعمًا لهم.

وقد عرضت الحكومة العثمانية على بعضهم -فيما بلغنا- الأموال الطائلة ليستعينوا بها في الحرب فأبوا قبولها أنفة وعزة وبُعدًا عن شائبة تخرج جهادهم عن الإخلاص لله تعالى في أداء الواجب، حتى ذكروا أن السيد الحبوبي (قدس سره) كان يكتفي بأكل التمر طعامًا، والجلوس على الأرض.

ووقعت الحرب وظهرت الخيانات من الجيش التركي ومن كثير من ذوي النفوذ مما أدَّى إلى فشل الحملة في جبهة الشعيبة، وتراجع العلماء الذين مضوا لها بمن بقي معهم، وهم مطمئنون لأداء واجبهم، حتى قال السيد الحبوبي (قدس سره) في الناصرية بعد رجوعه: (الحمد لله الذي عرَّفني تكليفي).

إلا أن الألم يحزُّ في نفوسهم حين يرون انتصار الكفر على الإسلام، ودخول العدو في بلاد المسلمين، يعيثون فيها فسادًا، حتى قضى الحزن على بعضهم، كالسيد الحبوبي (قدس سره) حيث مرض، ثم توفي في الناصرية، وأُرجع إلى النجف الأشرف جنازة محمولة. وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

وأما جبهة الكوت فقد انتصرت إلا أن النصر لم يدم طويلاً. فقد استرجعت بريطانيا ما خسرته فيها بعد أن اضطربت أُمور العثمانيين في العراق، وتمَّ بعد ذلك لبريطانيا احتلال العراق وانسحاب العثمانيين منه.

5- ولما بسطت بريطانيا نفوذها على العراق واحتلته لم يمكث علماؤنا (رضوان الله تعالى عليهم) طويلاً حتى طالبوها بالوفاء بوعودها بتحرير العراق واستقلاله، ولما تجاهلت ذلك فجّروا ضدها الثورة المعروفة بثورة العشرين([20])، بقيادة المرجع المعظم الشيخ محمد تقي الشيرازي (قدس سره) الذي لم يلبث طويلاً حتى توفي، فخلفه في قيادتها المرحوم شيخ الشريعة الأصفهاني (قدس سره).

وبعد الجهد والاجتهاد والثبات على المبادئ التي لم يثبت عليها إلا القليل تلاشت الثورة، بعد أن أدّوا ما عليهم، وتحمّلوا تبعاته، حيث حوصروا، وأُخيفوا، واحتجزوا، وشرِّدوا عن أوطانهم، وأُوذوا في سبيل الله تعالى كثيرًا. كل ذلك وقوفًا عند المبادئ وأداء الواجب الذي يرونه.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. من كتاب "المرجعية الدينية وقضايا أخرى" (الحلقة الثانية)، للمرجع الديني آية الله العظمى، السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم -دام ظله-، وقد ورد هذا النص إجابة على السؤال رقم10 ص 139.

([1]) نهج البلاغة: 547، من كتابه (عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الاشتر لمّا ولاّه إمارتها.

([2]) وسائل الشيعة: ج 11، باب6 من أبواب جهاد العدو حديث: 2 .

([3]) المصدر السابق: حديث 3 .

([4]) الشيخ محمد جواد الشيخ حسن البلاغي (1280-1353هـ) مجتهد من مجتهدي حوزة النجف الأشرف العلمية الدينية، ضليع بالعقائد، مُلِمٌ ببعض اللغات الاجنبية، شاعر. من مؤلفاته: [آلاء الرحمن في تفسير القرآن]، [الهدى إلى دين المصطفى]، [الرحلة المدرسية].

لمزيد من التفاصيل انظر: الكنى والألقاب: 2/940، شعراء الغري: 3/443، أعيان الشيعة: 17/68، وغيرها.

([5]) الشيخ أحمد الشيخ محمد مهدي النراقي (1185-1245هـ) من مراجع التقليد فى إيران، أكمل دراسته في الحوزة العليمة في النجف الأشرف ثم هاجر إلى إيران فأصبح مرجع التقليد فيها. من مؤلفاته: [مستند الشيعة في أحكام الشريعة]، [مناهج الوصول في علم الأصول]، [ديوان شعر» بالفارسية.

لمزيد من التفاصيل انظر: الأعلام: 1/245. ريحانة الأدب: 6/160. الفوائد الرجالية: 1/67، وغيرها..

([6]) السيد محمد السيد علي الطباطبائي (حدود سنة1180 -1242هـ) من مجتهدي الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، لُقِّب بالمجاهد بعد خروجه لمحاربة الجيش الروسي المعتدي، وحين فشل الجيش القاجاري في تحقيق الانتصار لخيانة في قواده مرض السيد المجاهد في قزوين. وتوفي إثر ذلك ونُقِل جثمانه إلى كربلاء المقدسة بعد ذلك ليدفن فيها. من تآليفه: [المناهل في فقه آل ياسين]، [مفاتيح الأصول]، وغيرهما.

لمزيد من التفاصيل انظر: روضات الجنات 7/145، والموسوعة الفقهية الميسرة: 1/589، وغيرهما..

([7]) الشيخ محمد كاظم ابن الملا حسين الآخوند الخراساني (1255-1329هـ) تولى المرجعيّة الدينيّة في عصره في النجف الأشرف، أصولي ضليع. من مؤلفاته: [كفاية الأصول]، [حاشية الأسفار]، [حاشية فرائد الأصول] وغيرها كثير.

لمزيد من التفاصيل انظر: معجم المؤلفين العراقيين 3/227، ماضي النجف وحاضرها: 1/636، أعيان الشيعة: 43/92، وغيرها. وراجع: كتاب الآخوند الخراساني للأستاذ عبد الرحيم محمد علي. النجف.

([8]) السيد محمد سعيد السيد محمود الحبوبي (1266-1333هـ) مجتهد كبير من مجتهدي النجف الأشرف، وشاعر بارع من أساطين الشعر العربي المشهورين، ومن أبطال الجهاد والنضال، له كتابات في الفقه والأصول، وديوان شعر.. وغيرها.

لمزيد من التفاصيل انظر: أعيان الشيعة: 45/159، الأعلام: 7/14، نقباء البشر: 2/814، وغيرها.

([9]) السيد محسن السيد مهدي الحكيم (1306-1390هـ) ولد وتوفي في النجف الأشرف ، فقيه ضليع من أكابر المحققين .

تولى الزعامة الدينية في عهده، وكانت مرجعيته إحدى أبرز المرجعيات الدينية المعاصرة الفاعلة في برامجها ومشاريعها المتنوعة، مثل دور سماحته البارز في مواجهة المدّ الشيوعي في العراق من خلال مواقفه وفتواه الشهيرة، ونشر الوعي الديني والتبليغي، ومشروع جامعة الكوفة، والانفتاح على الشرائح والطبقات الاجتماعية، وقضايا الأمة وهمومها، وغير ذلك.

وقد اعتمد في إدارة المرجعية على مجموعة من الشخصيات العلمية مثل ولده المقدس آية الله السيد يوسف الحكيم وآية الله العظمى الشيخ محمد تقي الفقيه والحجة العلم السيد علي بحر العلوم والحجة الأديب السيد محمد جمال الهاشمي وآية الله السيد محمد على الحكيم، وحجة الإسلام والمسلمين الشيخ محيي الدين المامقاني والحجة الشيخ حسين معتوق وغيرهم.

من مؤلفاته: «مستمسك العروة الوثقى»، «حقائق الأصول»، «نهج الفقاهة» وغيرها كثير.

([10]) الشيخ فتح الله الشيخ محمد جواد الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة (1266-1339هـ) من كبار مجتهدي حوزة النجف الأشرف، برع في الأصول والعلوم العقليّة والرياضيات، مجاهد، نهض فتولى الزعامة والقيادة ضد الإنكليز بعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي، ولما دخل الإنكليز النجف الأشرف تفرّق الناس عنه ولبث في بيته إلى أن توفي. من مؤلفاته: [قاعدة لا ضرر]، [قاعدة الواحد البسيط لا يصدر منه إلا واحد]، [القول الصراح في أحوال الصحاح]، وغيرها.

لمزيد من التفاصيل انظر: أعيان الشيعة: 42/257، معارف الرجال: 2/154، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام: 2/767.

([11]) هو السيد علي السيد محمد الداماد (1275-1336هـ) من مجتهدي الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، مجاهد أبلى في ساحات الجهاد بلاءً حسنًا، وعاد بعد النكسة بألم شديد لمدينة النجف الأشرف، وحين حلّقت طائرة بريطانية للاستكشاف في سماء النجف الاشرف وسمع صوتها حزن وشهق شهقة أسىً فمات. من مؤلفاته: [تقريرات الأصول]، [مصباح الظلام في شرائع الاسلام].

لمزيد من التفاصيل انظر: نقباء البشر: 4/1525، أعيان الشيعة: 8/311، معجم المؤلفين: 7/218، وغيرها.

([12]) السيد أبو القاسم السيد مصطفى الكاشاني (ما قبل1300 -1381هـ) من كبار رجال الدين المجاهدين في العراق انتخبته جماهير بغداد والكاظمية مع عدد من المجاهدين الآخرين لمفاوضة السلطات المحتلة في المسائل السياسيّة المهمة. اشترك مع العلماء الأعلام الشيخ محمد جواد الجزائري والسيد هبة الدين الشهرستاني وغيرها في قيادة العمليات الجهادية في جبهة الحِلّة وطويريج، وكان لبطولاته وخطبه ومواقفه دور مشهود في حثِّ الناس على القتال والتصدي للغزاة في هذه الجبهة. تتبعه الإنكليز بعد الاحتلال فهرب إلى إيران وفيها توفي. له تقريرات في الفقه وأصول الفقه.

لمزيد من التفاصيل انظر: نقباء البشر: 1/75، والبطولة في ثورة العشرين: 141/218، وغيرها.

([13]) السيد مهدي السيد أحمد الحيدري المتوفى سنة (1336هـ) من مراجع التقليد المجاهدين في مدينة الكاظمية المقدسة. خرج مع العلماء الأعلام بصحبة أولاده الثلاثة لتحريض أهالي بغداد والمدن الأخرى والقبائل على الثورة وقيادتها للجهاد، شهد معارك القرنة والشعيبة والكوت وهو ابن الثمانين. من مؤلفاته: [تعليقة على فرائد الأصول]، [كتاب في الرجال]، [كتاب في الطهارة].

 لمزيد من التفاصيل انظر: مستدركات أعيان الشيعة: 2/333، والإمام الثائر مهدي الحيدري للسيد أحمد الحسيني/ النجف 1386هـ .

([14]) الشيخ مهدي الشيخ محمد حسين الخالصي (1276-1343هـ) من مراجع التقليد المجاهدين في الكاظمية المقدسة، حارب الإنكليز مع العلماء ثم عاد ليفضح السياسيين فنُفي إلى الحجاز ومنها إلى إيران وتوفي غريبًا. من مؤلفاته: [الشريعة السمحاء]، [القواعد الفقهية]، [كتاب في الرجال] .

 لمزيد من التفاصيل انظر: أحسن الوديعة: 2/122، وأعيان الشيعة: 48/162، ريحانة الأدب: 2/116، وغيرها.

([15]) أمثال الشيخ عبد الكريم الجزائري، والجدّ المرحوم السيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي، والشيخ جواد الجواهري، والشيخ رحوم الظالمي، والسيد عبد الرزاق الحلو، والشيخ باقر حيدر، والشيخ جعفر الشيخ راضي، وغيرهم.

([16]) السيد محمد كاظم السيد عبد العظيم اليزدي (1247-1337هـ) تولى زعامة الحوزة العلمية في النجف الأشرف تضلع في الفقه والاصول. من مؤلفاته: [العروة الوثقى]، [اجتماع الأمر والنهي]، [الاستصحاب» وغيرها.

لمزيد من التفاصيل انظر: أعيان الشيعة: 46/206، ريحانة الأدب: 6/391، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام: 3/1358، وغيرها.

([17]) الشيخ محمد تقي بن الميرزا محب علي الشيرازي (1270-1338 هـ) من مراجع التقليد المعروفين في حوزتي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف العلمية الدينية، أديب، شاعر، مجاهد، صلب، قاد الثورة العراقية ضد الإنكليز وأوقد شرارتها الأولى. من مؤلفاته: [شرح مكاسب الشيخ الأنصاري]، [العقائد الفاخرة في مدح العقيدة الطاهرة]، [رسالة في أحكام الخلل» وغيرها.

لمزيد من التفاصيل انظر: نقباء البشر: 1/261، الأعلام: 6/288، أعيان الشيعة: 44/121، وغيرها.

([18]) السيد محمد السيد محمد كاظم اليزدي (المتوفى سنة1334 هـ) من أساتذة الفقه والاصول في حوزة النجف الأشرف العلمية الدينية. مجاهد ضد الإنكليز. من مؤلفاته: [كتاب الحج]، [الكشكول]، [رسالة في فضل الكتب واقتنائها].

لمزيد من التفاصيل انظر: ماضي النجف وحاضرها: 1/160، والذريعة: 16/272، معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام: 3/1359، وغيرها.

([19]) أكبر أنجال مفجر شرارة الثورة العراقية. كان له دور مشهود في حثّ الناس على الجهاد ضد الإنكليز. دعا إلى إقامة احتفال ضخم في صحنَي الإمام الحسين والعباس (صلى لله عليه وآله) في كربلاء المقدسة شارك فيه الألوف من المتظاهرين المندّدين بالاحتلال وحثّ فيه الناس على المقاومة وأرسل الكتب والرسائل إلى شتى مناطق العراق يدعو فيها إلى الثورة والجهاد. جاهد ضد الإنكليز في جبهة القرنة. ألقي عليه القبض من قبل المحتلين في كربلاء، ونُفي إلى الهند، وكان لاعتقاله وإبعاده أثر كبير في تأجيج نار الثورة ضد المحتلين في شتى المناطق.

لمزيد من التفاصيل انظر: البطولة في ثورة العشرين: 152، وغيره .

([20]) ثورة العشرين: من أهم الثورات الوطنية في تاريخ العراق الحديث، أشعل أُوارها علماء الدين الأجلاء عام 1920م ضد الاحتلال الانجليزي للعراق، وقادوها باذلين في ذلك الغالي والرخيص دفاعًا عن الاسلام والمسلمين. وقد توزع المجاهدون بقيادة العلماء الأعلام على جبهات القتال كلها، فكبَّدوا المعتدين الغزاة الكثير الكثير.

لقد خسر الإنكليز -كما يقول السياسيون البريطانيون- وعلى مدى خمسة شهور ما بين الأول من تموز حتى أواخر تشرين الثاني 1920م (قتيلاً) في كل (أربع ساعات) و(16مفقودًا) في (كل يوم) عدا الجرحى، وأنفقوا (266) ألف باون استرليني في كل (24) ساعة كما يقول فليب ايرلند في كتابه (العراق- دراسة في تطوره السياسي: 266).

أما من ناحية السياسة فيقول ناجي شوكت: [في اعتقادنا أنه لولا هذه الثورة العراقية الكبرى لما استطاع العراق أن يحصل حتى ولا على شبه استقلال، ولا كان من الممكن أن يدخل عضوًا في عصبة الأمم إلى جانب الدول العظمى التي كانت تتمتع بهذه العضوية، فالعراق الذي أصبح أول دولة عربية مستقلة واحتل مقامه بين دول العالم. في الوقت الذي لم يكن هناك أي بلد عربي يحلم بالاستقلال إنما هو مدين لثورته الكبرى هذه]. (الذكريات 56).

ويقول مؤرخ معاصر إن هؤلاء الفقهاء وزعماء الفرات الأوسط وقادة الحركة الوطنية في بغداد هم مؤسسو العراق الحديث وليست الأسماء السياسية المتداولة.

لمزيد من التفاصيل انظر: أعيان الشيعة، المستدركات، القسم الثاني: 333 -336، حيث روى تفاصيل المعارك، وبيَّن أدوار العلماء المجاهدين (قدس سرهم) فيها عن شهود عيان؛ ولمحات اجتماعية من تاريح العراق الحديث، مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي وغيرها كثير.

 

 

أدب الدعاء .. الفنّ المنفي

القسم الثالث

الشيخ مصطفى الشيخ سليمان يحفوفي

 

ثانيًا: الحقيقة الإلهية في أدب الدعاء

والآن وبعد أن تمّ لنا استعراض ما يلزم من نماذج الوجود المحسوس، فإنه يبقى علينا أن نستعرض شيئًا من النماذج المتعلقة بمرتبة وجود الحقيقة الإلهية وما لها من الخصائص والشؤون.

النموذج الأول: ظهور الحقيقة الإلهية وتجلّيها للإدراك.

رأينا في نماذج الوجود المحسوس أن ما استشهدنا به من النصوص كان يسير بنا من معرفة المخلوق إلى معرفة الخالق، ومن إدراك الأثر وما له من خصائص إلى إدراك المؤثر وما له من صفات، فكان المعلول هو دليلنا على العلة، وكان الظلُّ هو مرشدنا إلى ذي الظل، وقد تعرَّفنا بذلك على أحد المناهج المعرفية التي يتّبعها أدب الدعاء، وهو المنهج السائد والرائج بين عموم الناس.

ولكن ثمّة منهج آخر في البين يرشدنا إليه أدب الدعاء، وهو منهج المعرفة المباشرة، أي المعرفة التي تفضي بأصحابها إلى إدراك المبدأ والأصل مباشرة، ومن دون حاجة إلى التوسّل بالظلّ، أو توسيط الأثر والمعلول، وهو المنهج الذي سنطَّلع على فحواه عبر النصوص التالية:

أ- دعاء الصباح

يقول الإمام علي (عليه السلام) في دعاء الصباح: [يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ، يا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُونِ وَبَعُدَ عَنْ لَحَظاتِ الْعُيُونِ وَعَلِمَ بِما كانَ قَبْلَ أنْ يَكُونَ]([1]).

تصرِّح العبارة الأولى من هذا النص بأن الله تعالى قد دلّ على ذاته بذاته، فذاتُه سبحانه هي الدالُّ وهي المدلولُ في آنٍ معًا، ومن كان هذا هو شأنُه فأيَّةُ حاجةٍ تبقى بالمرء لكي يتوسًَّل إلى معرفته بالأغيار من الظلال والآثار؟!

وتأتي العبارتان الثانية والثالثة لتؤكدا على المعنى نفسه وتزيداه وضوحًا، ولذلك نجدهما تقولان: [وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ]، فهو سبحانه أرفع شأنًا من أن يشابه مخلوقاته، وصفاتُه أجلُّ وأسمى من أن تلائم الصفاتِ والكيفياتِ التي جعلها لتلك المخلوقات، فكيف لنا بعد هذا أن نتعرف عليه عزَّ اسمه عن طريق تلك المخلوقات وما يخصّها من الكيفيات، مع تساميه عليها، وبُعد الشبه بينه وبينها؟!

وعلى هذا المنوال تنسج العبارة الرابعة، فترشدنا إلى أن الله سبحانه قريب من خطرات العقول وبواطن النفوس، وهو في الوقت ذاته بعيد عن لحظات العيون ونظراتها، ولذلك فإنّ معرفتنا به تعالى لا تحتاج إلى توسيط قوانا ومداركنا الحسّية، وذلك لأن هذه المعرفة كامنة فينا، وممتزجة بطينة وجودنا.

وتشير العبارة الأخيرة إلى أن الله تقدسَّ اسمه قد علم بالأشياء قبل أن تتكوّنَ وتظهرَ على صفحة الوجود، فكان وجوده متقدمًا على وجودها، وعلمه سابقًا على ظهورها، فهي مفتقِرَة في وجودها إليه، لأنه هو علتها ومفيض وجودها.

ومما لا شك فيه أن موجَد الأشياء ومفيضَها هو آكد وجودًا، وأجلى ظهورًا من تلك الأشياء التي هي معلولاته والتي تستمد وجودها من وجوده، ومن البديهي عندها أن تكون معرفته أكثر وضوحًا وأقرب منالاً من معرفتها، ويغدو حينئذ التوسل بها لأجل الوصول إلى معرفته ابتعادًا عن الطريق، ومحاولةً لنيل الداني بما هو ناءٍ بعيد.

وخلاصة القول هي أن عبارات الدعاء المتقدمة تضعنا أمام منهج آخر لمعرفة الحقيقة الإلهيّة، هو منهج المعرفة المباشرة، والتي تتجه إلى موضوعها مباشرة، ودون أن تتخذ من الوجود المحسوس وسيلة، أو تنصِّبه جسرًا للعبور.

ولهذا المنهج منشؤه القرآني أيضًا، حيث ترجع أصوله إلى بعض آيات الكتاب العزيز، من قبيل قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}([2]).

وقد فسَّر العلامة الطباطبائي هذه الآية بقوله: [وقد بيّن سبحانه هذه الحقيقة بأن له تعالى نورًا عامًا تستنير به السماوات والأرض، فتظهر به في الوجود بعدما لم تكن ظاهرة فيه، فمن البيّن أن ظهور شيء يستدعي كون المُظهِر ظاهرًا بنفسه، والظاهرُ بذاته المُظهِرُ لغيره هو النور، فهو تعالى نور يُظهِر السماوات والأرض بإشراقه عليها، كما أن الأنوار الحسّية تُظهِر الأجسام الكثيفة للحسّ بإشراقها عليها، غير أن ظهور الأشياء بالنور الإلهي عين وجودها، وظهور الأجسام الكثيفة بالأنوار الحسّية غير أصل وجودها]([3]).

فالله تعالى ظاهر بذاته، وهو المُظهر لغيره من الموجودات، وهذا يقتضي أن تكون معرفته أوضح وأجلى من معرفة مخلوقاته.

غير أن أكثر الناس قد ضلّوا عن سلوك هذه السبيل، وذلك نتيجة لعوامل شتى أقامت بينهم وبين هذا النوع من المعرفة العديد من الحُجب، مما اضطرهم للاقتصار على سلوك الطريق الأول، بينما ظل سلوك الطريق الثاني مُقْتَصرًا على بعض الخواص فقط.

ولقد نسب إلى خاتم النبيين (صلى لله عليه وآله) أنه أشار في بعض كلماته إلى هذا الطريق الأخير، وذلك لمّا سأله سائل: [بماذا عرفت ربك؟]، فأجاب (صلى لله عليه وآله): [بالله عُرِفت الأشياء]([4])، وكذلك عبّر الإمام علي (عليه السلام) عن المعنى نفسه حين قال: [ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله]([5]).

وإلى جانب آية النور، يمكننا أن نمثّل بآيات أخرى تدل على منهج المعرفة المباشرة إياه، ومنها الآية المباركة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([6])، ومنها أيضًا قوله سبحانه {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}([7]).

والآيتان تشيران إلى أن معرفة الله تعالى هي معرفة فطرية مغروزة في أعماق النفس الإنسانية، يلقاها الإنسان في طيّات نفسه، وقبل أن يتّجه نظره إلى الوجود المحسوس، وما ينطوي عليه من آيات ودلالات.

وربما يكون من المفيد هنا تقريب حقيقة المنهج المباشر بمثال من الواقع المحسوس، وهو مثال أستمدّه من إحدى تجاربي الشخصيّة، حيث كنتُ أُلقي في أحد الأيام محاضرة حول أدب الدعاء، ولما وصل بي الكلام إلى بيان حقيقة هذا المنهج سألت الحضور أن يخبروني عما تراه أعينُهم في تلك اللحظة. فكان أن جاءت إجاباتُهم بما هو متوقع عادة في مثل هذا المقام، حيث قالوا: إننا نراك، ونرى المنبر، والجدران، والنوافذ...، ولم يصرّح أيّ شخص منهم بأنه يرى النور، وذلك على الرغم من أنه ما كان يمكن للأشياء التي ذكروها أن تصير مرئية لولا رؤية النور أولاً.

والسر في ذلك هو أن أذهاننا قد اعتادت الانتباه للمرئيات، مع غفلتها عن السبب الذي هو علّة انكشافها. والأمر الذي يقف وراء تكوّن تلك العادة هو طبيعة حياتنا العملية التي تتعلق أغراضها غالبًا بالمرئيات أنفسها، مما يجعلنا نصبّ كل اهتمامنا عليها ونُشيح بوجوهنا عن النور الذي يظهرها ويجعلها قابلة للإدراك. وهذا ما دعا بعض أهل المعرفة لأن يصف النور بقوله: لشدة ظهوره اختفى.

والأمر عينه ينطبق على مسألتنا، إذ إننا نجد هنا أيضًا أن الحقيقة الإلهية هي أسبق وجودًا من العالم المحسوس، بل هي علة وجوده وسبب انكشافه، ولكننا مع ذلك نلتفت عادة، وننتبه أولاً للوجود المحسوس، ثم نتوسل به إلى معرفة علته وسبب انكشافه.

وأما أصحاب البصيرة النافذة فإنهم يوجهون أنظارهم نحو السبب الكاشف أولاً، ثم يرَوْن الأشياء وقد ظهرت للعيان بفضل انعكاس نوره عليها.

ب- دعاء السحر

يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في دعاء السحر: [بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ وَدَعَوْتَني إِِلَيْكَ، وَلَوْلا أََنْتَ لَمْ أََدْرِ ما أََنْتَ]([8]).

لا يحتاج هذا المقطع من دعاء السحر إلى مزيد شرح أو بيان، فهو يدل على المضمون نفسه الذي يدل عليه دعاء الصباح، وإن جاء ذلك بلون تعبيري مختلف، فدعاء الصباح يقول: [يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ]، ودعاء السحر يقول: [بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ] ، فمدلول الدعائين واحد، وإن استخدم الدعاء الأول في ندائه ضمائر الغيبة، بينما استخدم الدعاء الثاني في ندائه ضمائر الخطاب.

ج- دعاء عرفة

تُلحق([9]) بعض كتب الأدعية جزءًا أخيرًا بدعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)، ومن هذا الجزء نقرأ المقطع التالي: [إِلهِي تَرَدُّدي فِي الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ المَزارِ فاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟ أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟ مَتى غبْتَ حَتَّى تَحْتاجَ إِلى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ وَمَتى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآثارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟ عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقِيبًا]([10]).

يستبطن هذا المقطع من الدعاء وعيًا نافذًا بالوجود، يتجاوز وعينا المألوف ويتعدى إدراكنا المعهود، فنحن نوجّه أنظارنا عادة إلى مظاهر الوجود المحسوس، فنتجوّل بينها ونتأمل حقائقها، لنستدل بها بَعْدُ على علتها ومبدأ وجودها، وما ذاك إلا لأنا اعتدنا أن نرى الآثار المحسوسة أجلى ظهورًا وأوضح حضورًا من موجِدها ومبدع حقائقها.

بينما يأتي هذا الدعاء ليعلمنا -وعلى ديدن الدعائين السابقين- أن الحقيقة الإلهية أظهر وجودًا وأقرب إدراكًا من الوجود المحسوس وما ينتمي إليه من الكائنات والحقائق. ولذا فإن التوسل بالوجود المحسوس لمعرفة مبدعه وعلة صدوره، إنما يُؤدي إلى إطالة الدرب وتبعيد المقصد، وهو ما عبّر عنه الدعاء بالقول: [إِلهِي تَرَدُّدي فِي الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ المَزارِ]، والسرّ في ذلك هو أن وجوده تعالى دائم لا يغيب، وحاضر لا يأفل، وقريب لا تفصلنا عنه فاصلة، فما حاجتنا بعد هذا إلى إقامة البرهان أو اصطناع الدليل؟!

ولذا يُردِفُ الدعاءُ بطرح سؤاله الاستنكاري: [مَتى غبْتَ حَتَّى تَحْتاجَ إِلى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآثارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟ عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقِيبًا]؟!

وَزِد على ذلك أن الله تعالى هو الغني القائم بذاته، وغيره مفتقِر في وجوده إليه، ومن البديهي أن تكون العلة الغنية، القائمة بذاتها، والمفيضة لوجود غيرها، أجلى حضورًا من معلولاتها وأوضح ظهورًا من آثارها، وهذا ما حدا بالدعاء لأن يطرح سؤالاً استنكاريًا آخر: [كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ، أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟!].

بل ويمكننا المضي إلى ما هو أبعد من ذلك لنقول: إننا لو أنعمنا النظر قليلاً في أدواتنا الحسية التي نتوسل بها للاطلاع على كائنات الوجود المحسوس، لأدركنا أن هذه الأدوات أنفسها هي أيضًا من مبدعات الله تعالى، وأنها واقعة تحت رقابته سبحانه، ولذا نرى الدعاء يعلن هنا أنه أيّما عين لا تستشعر وجود تلك الرقابة، فليست هي في حقيقة أمرها سوى عين عمياء: [عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقِيبًا].

والنتيجة التي ننتهي إليها من كل ذلك، هي أن توجيه الهمّة نحو الدليل لأجل البرهنة على ما هو جليّ بذاته، وظاهر بنفسه، إن هو إلا تطويل للمسافة وتنكّب عن الطريق المستقيم.

غير أنه لا بد لهذه النتيجة من أن تثير سؤالاً وجيهًا في البين، إذ لسائل هنا أن يسأل: إذا كان التوسل بالدليل يؤدي إلى إطالة الطريق وبُعد المقصد، فما هي الوسيلة إذًا إلى طلب المراد وبلوغ الغاية؟

يجيبنا الدعاء على هذا السؤال بالقول: [فاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ]، أي أرشدني إليك بعمل أو طاعة آتيهما فيقودانني نحوك، ويفتحان بصيرتي على معرفتك، ويهيئان قلبي لتلقي أنوار تجليك. وعلى هذا فإن الطريق الأقرب هو طريق السلوك والتكامل الإنساني، لا طريق التوسل بالكائنات والتردد في الآثار.

وأخيرًا، وقبل الانتقال إلى النموذج التالي، أودّ أن أشير إلى أننا اكتفينا بالنصوص السابقة للتمثيل على منهج المعرفة المباشرة لأننا وجدناها وافية للتنبيه على استخدام أدب الدعاء لهذا المنهج المعرفي، إلى جانب استخدامه للمنهج المقابل، وهو المنهج الحسّي([11]). كما وجدناها وافية أيضًا في التدليل على ما يختص به الأدب المذكور من القدرة على التعرض لمثل تلك المسائل الفكرية الدقيقة والعميقة، ولكن بأسلوب أدبي ساحر ومحبب.

النموذج الثاني: محبة مبدأ الوجود

تصدينا في النموذج السابق لطبيعة العلاقة المعرفية بالحقيقة الإلهية كما يصوّرها أدب الدعاء، ونمضي الآن إلى ذكر نبذة عن طبيعة الأحاسيس والمشاعر المتولدة عن تلك المعرفة القلبية المباشرة والعميقة.

ونقرأ لأجل ذلك المقطع التالي من مناجاة المحبين للإمام السجاد (عليه السلام) والذي يقول فيه:

[إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلا؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلا؟ إلهِي فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ، وَأَخْلَصْتَه لِوُدِّكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَشَوَّقْتَهُ إلى لِقَائِكَ، وَرَضَّيْتَهُ بِقَضآئِكَ، وَمَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ، وَأَعَذْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقِلاكَ]([12]).

يستخدم الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع صيغة استفهامية تقريرية تشي هي نفسها بحقيقة الجواب، فيمسي من نافل القول أن نقرر أن من ذاق حلاوة محبة ذاك الحبيب، فإنه لن يروم منه بدلاً، ومن أنس بقربه فلن يبتغيَ عنه حولاً، بل سيغدو حاله مثالاً واضحًا لقول الشاعر:

ملأت به قلبي وسمعي وناظري

 

 

وكلّي وأجزائي فأين يغيب؟!

 

ولا مِريَة في أن هذه المناجاة قد استطاعت أن تعبِّر خير تعبير عن الإحساس بمبدأ الوجود وعن الامتلاء بمحبته، حيث تسنى لها أن تفصح بأجمل بيان عن أحلى حالات العشق، وعن أقصى مراتب الهيام بالحبيب.

فإذا نحن وجهنا انتباهنا شطر ما يصوِّره النص من سموِّ المعشوق وشدة الهيام به، لوجدناه يضعنا في حضرة معشوق متفرد، بَهِيِّ الحضور، مطلق الجاذبية، بحيث لا يكاد المرء أن يتذوق رشحة واحدة من رشحات فيض محبته حتى يغدو أسيرها، فيغلقَ حينئذ باب قلبه عن جميع الأغيار، ولا يبقي في الدار غير الحبيب من ديار.

وأما إذا التفتنا ناحية البيان والقيم التعبيرية للنص، لرأيناه يأتي من ذلك بما يتناسب وخصوصيةَ شأنِ هذا المحبوب، ويتناغم مع لا تناهي جاذبيته.

ورَوْمًا للاختصار نكتفي في المقام بالإشارة السريعة إلى ثلاثة جوانب مما يرتبط بهذه الناحية. فنشير أولاً إلى ما ينطوي عليه النص من حلو الألفاظ وعذب الكلمات مما ينسجم تمام الانسجام مع التعبير عن حلاوة المحبة وعن مشاعر الهيام بالحبيب، وكل ذلك ظاهر في النص يلمسه القارئ عند تلاوة المناجاة ويحسّ به إحساسًا جليًا.

ونشير ثانيًا إلى طريقة عرض المناجاة لموضوعها وأسلوب سيرها فيه، لنجدها قد اعتمدت أسلوبًا بيانيًا تصاعديًًا، ينتهج طريقةً مشوّقةً، هي طريقة التدرج المتنامية في الكشف عن الموضوع، وهي الطريقة الأكثر تناغمًا مع ما يمر به المحب من تصعيد شعوري، وما يطويه من سير تكاملي في أثناء خوض تجربته.

ولذلك نرى المناجاة تنطلق من مجرد تذوق حلاوة المحبة، لترتب على هذا التذوق الوقوعَ في أسر ذاك الحبيب، والإعراضَ عن كل محبوب سواه. حتى إذا ما شعرنا هنا بأن المحبَّ قد نال كل مراده وبلغ غاية مناه، فإذا بالمناجاة تفضي بنا إلى مرحلة جديدة وأفق أبعد، فتمضي بالمحب إلى طلب الثبات وسؤال ديمومة حالة العشق التي صار إليها. بل إنها تمضي به إلى رجاء الترقي في مراتب المحبة ومنازل وصل الحبيب، فيسأل الله تعالى أن يجعله من أهل الاصطفاء والخلوص، ولذا نجده يردف بالابتهال:

[فَاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطْفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَولايَتِكَ وَأَخْلَصْتَهُ لِوِدِّكّ وَمَحَبَّتِكَ وَشَوَّقْتَهُ إِلى لِقائِكَ وَرَضَّيْتَهُ بِقَضائِكَ وَمَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ، وَأَعَذْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقَلاكَ].

ونلاحظ أخيرًا ما يبديه النص من جمال موسيقي أخاذ يتجانس مع رقة المعاني ورهافة الأحاسيس، مما يشكل صورة سمعية مؤنسة، تقوي دلالات الكلام وتحبب معانيه إلى القلوب.

وقد توسل النص لبث سحر موسيقاه بمؤثرات صوتية متنوعة:

منها -على سبيل المثال- اللجوء إلى التكرار، كتكرار الجملة الاستفهامية [مَنْ ذا الَّذِي ..؟] مرتين، وكتكرار حرف (الذال) في مطلع المناجاة خمس مرات.

ومنها استخدام السجع، وأمثلته بارزة على امتداد النص كله.

ومنها الموازنة بين الجمل، كما في قوله (عليه السلام) [اصْطْفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَولايَتِكَ، وَأَخْلَصْتَهُ لِوِدِّكّ وَمَحَبَّتِكَ].

إلى غير ذلك من المؤثرات التي يستدعي الحديث عنها دراسةً مستفيضةً وبحثًا مستقلاً.

على أن ما يجدر ذكره هنا هو أن أدب الدعاء لا يصطنع مثل هذه المؤثرات الموسيقية اصطناعًا، ولا يلجأ إليها كمجرد محسنات لفظية بقصد الزينة والزخرفة، وإنما هي تجيء كقيم جمالية تلقائية يتطلبها المعنى ذاته، فتتواشج لأجل هذا مع بنية النص، وتلتحم بخيوط نسيجه.

وللتدليل على ما نقول، يمكننا التمثيل بما ورد في مطلع المناجاة من تكرار لحرف (الذال)، وذلك في قوله (عليه السلام): [إِلهِي مَنْ ذا الَّذِي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً؟].

فنلاحظ في المقام أن الحرف المذكور هو من الحروف الذلاقية السهلة الذي يشعر تكراره بسهولة ولوج هذا الذكر إلى القلوب.

كما نلاحظ أيضًا أن الموضع الذي يشكل مخرج النطق بهذا الحرف (ذ) هو طرف اللسان، وهو الموضع نفسه الذي يتم بواسطته تذوق الطعوم الحلوة، وبذلك يتحد الموضوعان، وتتماهى عملية النطق بعملية التذوق.

ولذلك نرى أن المناجاة حين أرادت التعبير عن حلاوة المحبة، قد جاءت بحرف (الذال) مكررًا، لتدمج بذلك عملية النطق بعملية التذوق، الأمر الذي يُشعِرُ المرءَ بأن تلاوته للكلمات تتعدى مسألة التلفظ بها، لتغدو فعل تذوق وعملية إحساس، وهذا ما ينحو بالكلمات إلى تجاوز وظيفتها الرمزية والدلالية، ليحيلها -علاوة على ذلك- إلى فعل عيني وواقع خارجي.

ويظهر لنا من كل ما تقدم أن المناجاة قد انطوت على أسمى عناصر القيم المعنوية والتعبيرية الممكنة، وهي عناصر لا تكاد تجتمع لعملٍ فنيٍّ، إلا وبلغت به الذروة العليا والمرتبة الفضلى في عالم الخلق ودنيا الإبداع.

ولما كان المجال لا يتّسع للإفاضة في نقل النصوص المعبّرة عن مشاعر الحبّ والهيام بمبدأ الوجود، فإننا نكتفي بسوق مثالين آخرين فقط من أمثلة هذا المقام.

ونستقي مثالنا الأول من دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) إذا أحزنه أمر، حيث يقول:

[اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَفَرِّغْ قَلْبي لِمَحَبَّتِكَ، وَاشْغَلْهُ، بِذِكْرِكَ، وَانْعَشْهُ بِخَوْفِكَ، وَبِالْوَجَلِ مِنْكَ، وَقَوِّهِ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ، وَأَمِلْهُ إِلى طاعَتِكَ،  وَاجْرِ بِهِ في أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَيْكَ، وَذَلِّلْهُ بِالرَّغْبَةِ فيما عِنْدَكَ أَيّامَ حَياتي كُلِّها]([13]).

وأما المثال الثاني فنستقيه من مناجاة المريدين وهو قوله (عليه السلام):

[فَقَدِ انْقطَعَتْ إلَيْكَ هِمَّتِي، وَانْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي، فَأَنْتَ لاَ غَيْرُكَ مُرادِي، وَلَكَ لا لِسِواكَ سَهَرِي وَسُهادِي، وَلِقاؤُكَ قُرَّةُ عَيْني، وَوَصْلُكَ مُنى نَفْسِي، وَإلَيْكَ شَوْقِي، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهِي، وَإلى هَواكَ صَبابَتِي، وَرِضاكَ بُغْيَتي، وَرُؤْيَتُكَ حاجَتِي، وَجِوارُكَ طَلَبِي، وَقُرْبُكَ غايَةُ سُؤْلِي، وَفِي مُنَاجَاتِكَ رَوْحِي وَراحَتِي، وَعِنْدَكَ دَوآءُ عِلَّتِي، وَشِفآءُ غُلَّتِي، وَبَرْدُ لَوْعَتِي، وَكَشْفُ كُرْبَتِي. فَكُنْ أَنِيْسِي فِي وَحْشَتِي]([14]).

وأنتهز الفرصة هنا لأذكر بأنني كنت في أيام الدراسة الجامعية أحاولُ لفت أنظار زملائي إلى أهمية نصوص أدب الدعاء، وكنت أتعمّد حينها انتقاء النصوص التي تتحدّث عن محبة الله سبحانه، فأتلوها على مسامعهم، ولكن قلّما كان يحالفني النجاح في مسعاي هذا، ولذا صرت أعمد إلى تحويل تلك النصوص إلى نصوص غزلية، ثم أقوم بإلقائها بنغمة الشعر، لا بأسلوب تلاوة الدعاء. وإذا بهذه النصوص تبهرهم وتثير دهشتهم، فتتوالى منهم عبارات الثناء والتقدير ، فأعود حينها لأكشف لهم عن مصدر تلك النصوص.

وإذا أراد ا لقارئ أن يتحسّس معنى كلامنا هذا بطريقة سهلة، وبدون بذل أيّ جهد زائد فبإمكانه أن يعيد تلاوة بعض ما أوردناه من النصوص –كالنص الأخير مثلاً- مع تبديل بعض الضمائر فقط وبما يتناسب مع الخطاب الغزلي.

على أنه يجب الالتفات هنا إلى أن الطريقة المشار إليها لا تساهم في الإعلاء من شأن نصوص أدب الدعاء، بل هي تضعف من قيمتها حتمًا، ولكننا أردنا رفع بعض حجب الغربة عن هذا الأدب مساهمة منا في تقريب بعض ما يختزنه هذا الأدب من قِيَمٍ بيانية ومعنوية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) بحار الأنوار ج33 ص339 ، دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام).

([2]) النور من الآية 35.

([3]) السيد محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان ج15، ص120. منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية-قم المقدسة.

([4]) محمد داود قيصري رومي: شرح فصوص الحكم، شركة انتشارات علمي وفرهنكي، ط1، ص477.

([5]) محمد صالح المازندراني: شرح أصول الكافي، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، 1421هـ-2000م، ج3 ص83.

([6]) الروم 30.

([7]) الأعراف 172.

([8]) من دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) في السحر ، المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي .

([9]) يشك البعض في نسبة هذا المقطع من دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)، ويرى أنه لبعض المتصوّفة. ولكنّا بيّنا في المقالة السابقة أن الشك في نسبة بعض النصوص لا يضرّ بمطالب بحثنا، وذلك لأنه حتى على فرض عدم ثبوت النسبة فإن ذلك لا يُخرِج النصّ عن كونه واحدًا من نصوص أدب الدعاء، ولا عن كونه نصًا أدبيًَا له شأنه واعتباره. وللاطلاع على تفصيل المسألة يُرجَع إلى البحث الذي سطرناه في المقالة الأولى تحت عنوان: (الأسباب المحتمَلة لنفي أدب الدعاء: السبب الأول)، ويضاف إلى ذلك أنه وعلى فرض أن لا يكون هذا الجزء من الدعاء تابعًا لدعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة، فإنه على كل حال يبقى مستمدًا من أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أنه يكرر بعض مضامينها وهي أسبق منه زمانًا.

([10]) من تتمة دعاء عرفة للأمام الحسين (عليه السلام)، التي ذكرها السيد ابن طاووس في إقبال الأعمال. (راجع: بحار الأنوار ج59 ص227).

([11]) قد كان من الممكن لهذا البحث أن يكون أكثر استفاضة فيتوسع في شرح المنهجين المذكورين وفي بيان خصائص كل منهما، كما كان يمكنه أن يعرّج على ذكر الفلاسفة الذين استخدموا المنهج المباشر، ويبيّن طرائقهم المختلفة في كيفية استخدامه، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: ابن سينا، وصدر الدين الشيرازي، والغزالي، وديكارت ...، وكان من الممكن كذلك أن نستعرض بعض التسميات التي أطلقت على هذين المنهجين من قبيل: البرهان الإني والبرهان اللمي، أو البرهان الكسمولوجي والبرهان الأنطولوجي. إلا أننا آثرنا الاعراض عن تلك المباحث، وذلك إلتزامًا منا بما يتناسب وطبيعة بحثنا، ولكي لا يخرج بنا الأمر عن الموضوع الأدبي وما يلائمه من لغة ومصطلحات إلى موضوعات العلوم الأخرى وما تفرضه طبيعتها من لغة مناسبة ومصطلحات خاصة، غير أننا سطرنا هذا الهامش للتنبيه على المباحث المذكورة علَّها تنفع كمرشِد للمهتمين.

([12]) مناجاة المحبين، وهي المناجاة التاسعة من المناجاة الخمس عشرة للإمام السجاد (عليه السلام).

([14]) مناجاة المريدين ، وهي المناجاة الثامنة من المناجاة الخمس عشرة للإمام السجاد (عليه السلام).

 

 

تنزيه الأخبار

عن دسائسِ كعبِ الأحبار

 الشيخ أحمد الدر

 

المدخل

لقد حفلَ تاريخنا الإسلامي -كما هو الحال في غيره من التواريخ- بالشَّخصيات التي أثارت الجدل منذُ عصر النبيِّ محمد (صلى لله عليه وآله) وإلى يومنا هذا.

وتعرَّض كثيرون لتلك الشَّخصيات في كتب التَّراجم وغيرها، بل صنَّفَ بعضُهُم تصانيفَ مختصَّةً بدراسة بعضها.

ولسنا بصدد إحصاء عدد هؤلاء، أو سرد أسماء من تعرَّضَ لهم، أو دراسةِ أحوالهم وتحقيق الحال فيهم.

وإنَّما أعددنا هذا المقال لتسليط الضَّوء على زاويةٍ من زوايا شخصيَّة كعب الأحبار الحِمْيَري، وهي بيانُ حاله وحال رواياته عند علماء الطَّائفةِ الحقَّة، لنثبتَ للقارئ الكريم أنَّ ما اتُّهِمَ به تراثنا الروائي -أي تراث الشيعة الإمامية الإثني عشرية- من كونه قد تعرض من قبل كعب الأحبار لدَسَّ الكثير من الروايات اليهودية والنصرانية والمجوسية إنما هي فريةٌ باليةٌ وتهمة واهية([1])، لا يخفى زيفُها على أهل العلم والتَّتبُّع.

ولئِنْ كان صاحبُ الدَّعوى مطالَبًا بإبراز الدليلِ الذي يصدِّقُ دعواه، فإنَّنا لن نطالبه بإبراز دليله عليها لأنَّ التكليفَ بغير المقدور قبيحٌ عقلاً!!

عِلمًا بأنَّ دعوى الدسِّ لا يمكنُ قبولُها أو توجيهُهَا بأيِّ شكلٍ من الأشكال، سواءٌ وجَّهوا تُهمةَ الدسِّ إلى كعبٍ أم إلى غيره، وذلك لمنهجية علماء الطَّائفة المتَّبعة في حفظهم لتراثهم الرِّوائي الواصل إليهم عن النبي وأهل بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين).

ولَمَّا كان البحث مقصورًا على معالجة تهمة كعب الأحبار بالدسِّ فنكتفي بنقل عبارةٍ لشيخ الطَّائفة وزعيمها الشيخ الطُّوسي (رضوانُ اللهِ عليه) فيها الكفاية وحصول الغاية، وسنتعرض في أواخر البحث لتلك المنهجية.

قال (طيَّبَ الله رمسه): (فإني وجدتها [أي الفرقة المحقَّة أعلى الله كلمتها] مجمعةً على العمل بهذه الأخبار، التي روَوها في تصانيفهم، ودوَّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أنَّ واحدًا منهم إذا أفتى بشيءٍ لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل مشهور، وكان راويه ثقةً لا يُنكر حديثُهُ سكتوا، وسلَّموا الأمر في ذلك وقبلوا قولَهُ.

وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي (صلى لله عليه وآله) ومَنْ بعده من الأئمة (عليهم السلام)، ومن زمن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) الذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من جهته)([2]).

هيكليَّةُ البحث

وزَّعنا البحثَ على المحاور التالية:

الأول: كعبُ الأحبار عند المعصومِ (سلامُ اللهِ عليه) .

الثاني: كعبُ الأحبار عند الصَّحابة.

الثالث: كعبُ الأحبار عند فقهاء الطَّائفة الحقَّة.

الرَّابع: مرويَّاتُ كعب الأحبار في تراثنا الرِّوائي.

الخامس: دعوى الدَّسِّ في الميزان.

الخاتمة.

تمهيد

اعلم أنَّ كعب الأحبار عند الشِّيعة فاسدُ الدِّين والعقيدة، كذَّابٌ، مذمومٌ، مفترٍ، لا يُعِيرونَ لمرويَّاتِهِ اهتمامًا، ولا ينقلونَ منها شيئًا إلا من باب (والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ)، بل لا يرتضونَ إسلامَهُ لما ثبتَ من تاريخه الأسود الإسرائيلي([3])!! وقد شاركهم في عقيدتهم هذه بعض علماء المخالفين، الذين كتبوا بحوثًا مستقلَّةً بيَّنوا فيها إسرائيليَّة منهج كعب الأحبار وخطره على الإسلام([4]).

ومَن كان هذا حالُهُ عندنا فلن تجِدَ لمرويَّاته في تراثِنا أثرًا، إلا كآثار أبي هريرة وغيره، ممَّن اشتهرَ حالُ كذبهم وسقوط إخباراتهم عن الاعتبار، فيكونُ التعرُّض لذكرِها من باب الاحتجاج عليهم وإلزام الخصم بما ألزم به نفسَه، أو من باب التسامح في نقل ما يُطمأنَّ بسلامة متنه -لاحتفافِهِ بقرائنَ واعتضادِهِ بمؤيِّدات- وإنْ وهى سندُه، ومع ذلك فهو قليلٌ كالنادر.

وقد دلَّنا على فسادِ عقيدة كعب الأحبار وكذب مرويَّاته، الصحيحُ من الأخبار، والصَّريح من الآثار، مضافًا لكونه بمجرد إظهاره الإسلام في عهد إمارةِ عمر بن الخطَّاب أصبح مستشارَه الخاص، ومرجعَه في الفُتيا والدين!! ثمَّ بعد ذلك كان من مستشاري عثمان بن عفَّان، وكان عونًا لهما على أمير المؤمنين علي (عليه السلام)([5]).

منهجيَّةُ المعصوم (عليه السلام) مع أهل الريب

حرصَ النبيُّ وأهلُ بيته (صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين) على كشفِ هويَّةِ أهل الريب والضلالة، تصريحًا أو كنايةً، تخصيصًا أو تعميمًا، صيانةً لدين العباد من الاغترار بأهل الفساد.

وتتبُّعُ موارد هذه المنهجيَّةِ يستدعي تأليفًا مستقلاً، لكثرةِ المنافقين والمبتدعين، الذين مزجوا الحقَّ بالباطل والهدى بالضلال، فكاد أن يخفى حالُهم وينالَ المؤمنين ضلالُهم، لولا تدخُّلُ المعصوم (عليه السلام) بكشف النقاب وإرشاد المؤمنين إلى درب الصواب، مستخدِمًا شتَّى أساليب التعبير التي وصلت إلى حدِّ التَّصريح بلعنِ بعضهم ولعنِ أتباعه، حسب خفاء حالهم وشدَّةِ ضلالِهم، فلم يتركْ لمعتذرٍ عذرًا.

ومن تلك الفئةِ أبو الخطَّاب (لعنه الله)، وهو محمدُ بنُ أبي زينب، كان مستقيمَ الأمر أولاً، وقد عملت الطَّائفةُ برواياته أيامَ استقامته([6])، ثمَّ ساءت خاتمتُه([7])، فابتدع في الدين، وأكثر من الكذب على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وقال بالتناسخ([8])، وصار له أتباعٌ عُرفوا بالخطَّابية([9]).

لذلك ترى روايات ذمِّهِ والطعنِ فيه ولعنِهِ قد تضافرت وتكاثرت، وقد جمع منها صاحبُ تنقيح المقال العلاّمةُ المامقاني (رضوانُ اللهِ عليه) أكثر من ثلاثين حديثًا([10]).

فانتهت فتنتُهُ، وماتت بدعتُهُ، فلا ترى لهم من باقية، وذلك بفضلِ تصدِّي حجَّة الله ووليِّه (سلامُ اللهِ عليه) لكشف حقيقةِ أبي الخطَّاب والحيلولةِ دون اغترار العباد به.

وهذا شاهدٌ من شواهدَ جمَّة، تعكس صورةَ اهتمام المعصومِ (عليه السلام) واهتمام أصحابه بكشفِ حال كلِّ مبتدعٍ لا يُؤمَنُ اغترارُ الناس به، لحُسنِ حاله سابقًا، أو لِعَمَلِ الإعلام الظالمِ على تلميعِ صورته، وما كعبُ الأحبار إلا واحدًا من تلك الفئة الضالَّة المُضلَّة.

وسنكتفي بنقلِ ما وردَ عن الأئمة (عليهم السلام) وكبار الصَّحابة في تكذيب كعب الأحبار والطعن في دينه، مضافًا لبعض كلمات أعاظم فقهائنا في حقِّه، تصديقًا لما قلناه، وتحقيقًا لما رمناه، فنقول:

المحور الأول: كعبُ الأحبار عند المعصومِ (سلامُ اللهِ عليه)

والذي وصل إلينا ممَّا روي عن أهل آية التطهير (صلواتُ اللهِ عليهم) في حقِّ كعبِ الأحبار صريحٌ في كذبِ لسانه، وعدم إيمانه، ممَّا يجعلُهُ مفضوحًا أمرُهُ، مكشوفًَا سترُهُ، فلا يلتبسُ حالُهُ على رواتنا، ليحصلَ الدسُّ منه في رواياتنا، كما قد يتوهَّمُهُ جاهلٌ، أو يدَّعيه مُمَاحل.

أمير المؤمنين عليٌّ (صلوات الله عليه) يصِفُهُ بالكذَّاب

أوَّلُ من وصف كعب الأحبار بالكذَّاب هو أميرُ المؤمنين (عليه السلام)؛ قال ابنُ أبي الحديد: [روى جماعةٌ من أهل السِّيَر: أنّ عليًَّا (عليه السلام) كان يقول عن كعب الأحبار: "إنَّه الكذَّاب". وكان كعبُ منحرفًا عن علي (عليه السلام)]([11]).

تأييدُ نقل ابن أبي الحديد

أقول: ويشهد لما رواه ابنُ أبي الحديد ما رُويَ عن ابن عباس، قال: سألتُ عليَّا (عليه السلام) عن معنى قوله تعالى: {رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْناقِ}؟

فقال: "ما بلغَكَ فيها يا ابن عباس؟".

قلت: سمعت كعبًا يقول: اشتغل سليمانُ بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة، فقال: {ردُّوها عليَّ} يعني الأفراس، وكانت أربعة عشر فرسًا، فضربَ سُوقَها وأعناقَها بالسيف، فقتلها، فسلبه الله ملكَهُ أربعةَ عشَرَ يومًا، لأنَّه ظلَمَ الخيلَ بقتلها.

فقال عليٌّ (عليه السلام): "كذبَ كعبٌ، لكنْ اشتغَلَ سليمانُ بِعَرْض الأفراس ذات يوم، لأنَّه أرادَ جهادَ العدو، حتَّى توارت الشَّمس بالحجاب، فقال -بأمر الله تعالى- للملائكة الموكلين بالشمس: {ردُّوها عليَّ} فرُدَّت، فصلَّى العصرَ في وقتها. وإنَّ أنبياءَ الله لا يظلِمونَ، ولا يأمرون بالظُّلم، لأنَّهم معصومون مطهَّرون"([12]).

فائدةٌ صدوقيَّة

قال الشَّيخُ الصَّدوقُ (رضوانُ اللهِ عليه): إنَّ الجُهَّال من أهل الخلاف يزعُمُون: أنَّ سليمان (عليه السلام) اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ثمَّ أمر برَدِّ الخيل، وأمر بضرب سُوقها وأعناقها، وقتلها، وقال: إنَّها شغلتني عن ذِكْر ربِّي!!

وليس كما يقولون!! جلَّ نبيُّ الله سليمان (عليه السلام) عن مثل هذا الفعل، لأنَّه لم يكن للخيل ذنبٌ فيضرب سوقها وأعناقها، لأنَّها لم تُعرضْ نفسها عليه، ولم تشغله! وإنَّما عُرِضت عليه، وهي بهائم غير مُكلَّفة!!

والصحيح في ذلك: ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال([13]): "إنَّ سليمان بن داود (عليه السلام) عُرِضَ عليه ذات يومٍ بالعَشيِّ الخيلُ، فاشتغل بالنَّظرِ إليها، حتَّى توارت الشَّمسُ بالحجاب.

فقال للملائكة: ردُّوا الشَّمسَ عَلَيَّ حتَّى أصليَ صلاتي في وقتها، فرَدُّوها، فقامَ فمَسَحَ ساقَيْهِ وعنُقَهُ، وأمرَ أصحابَهُ الذين فاتتهم الصلاةُ معه بمثل ذلك، وكان ذلك وضوءَهم للصَّلاة.

ثمَّ قام فصلى، فلمَّا فرغ غابت الشَّمسُ، وطلعت النُّجوم: وذلك قول الله عزَّ وجلَّ:

{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}([14])".

فائدةٌ لُغَويَّة

قال الرَّاغبُ الأصفهاني: (العَشيُّ) من زوال الشمس إلى الصباح، والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة([15]).

الإمامُ الباقر (عليه السلام) يكذِّبُهُ

روى فخرُ الطائفة ثقةُ الإسلام الكليني (رحمه الله) بإسناده عن أجلاّء الثِّقات والمحدِّثين، حديثَ تكذيبِ الإمام الباقر (عليه السلام) لكعبِ الأحبار، وتفصيل الحديث:

عليُّ بنُ إبراهيم، عن أبيه؛ ومحمدُ بنُ إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعًا عن ابنِ أبي عُمَير، عن عمر بن أُذَينة، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا إِلَى جَنْبِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) وهُوَ مُحْتَبٍ [الاحتباء: ضمُّ الركبتين إلى الصدر]، مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّ النَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ".

فَجَاءَه رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ -يُقَالُ لَه عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ- فَقَالَ لأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ تَسْجُدُ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ!!

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): "فَمَا تَقُولُ فِيمَا قَالَ كَعْبٌ؟!"..

فَقَالَ: صَدَقَ، الْقَوْلُ مَا قَالَ كَعْبٌ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): "كَذَبْتَ! وكَذَبَ كَعْبُ الأَحْبَارِ مَعَكَ"، وغَضِبَ.

قَالَ زُرَارَةُ: مَا رَأَيْتُه اسْتَقْبَلَ أَحَدًا بِقَوْلِ: "كَذَبْتَ" غَيْرَه...الحديث([16]).

ولا يخفى أن التعبير بـ [كَذَبَ كعبٌ] صريحٌ في كونِهِ كاذبًا عند إمامنا الباقر (سلامُ اللهِ عليه)، وإلا لقال: أخطأ كعب، أو: هذا كذبٌ، ليحتمل أن يكون الخبر كذبًا، وإن لم يكن المُخبِر قاصدًا للكذب، وغيرها من أساليب التعبير.

فاختيارهم هذا التعبير دون غيره صريحٌ في إرادتهم كشفَ هويةِ كعبٍ، وإسقاط أخباره عن الاعتبار.

وكذلك الحال في عبارات تكذيب كعبٍ الآتية على لسان الصحابة، وقد حاول بعض علماء العامة تخفيف شدة التعبير، فزعم أنَّ المراد بكذب كعبٍ خطأُه واشتباهُهُ، وهو خلطٌ بين تكذيب الخبر وتكذيب المُخْبِر، فيا للحُبِّ كيف يُعمي ويُصِمُّ؟!!

فمعنى الكاذبِ في اللغةِ جَليٌ لا إبهام فيه، ولا اشتراك في لفظه، وهو الذي يُخبِرُ بخلافِ الواقع قاصدًا متعمِّدًا، وإلا سمَّوهُ مشتبهًا ومخطئًا ومتوهِّمًا ونحوها من الألفاظ الدالَّة على الخطأ في الإخبار، وشاهدُ ذلك التَّبادر.

وأمَّا استعمالاً فلم نعثر في القرآن ولا في السُّنَّة النبويَّة ولا في استعمالات المتشرِّعة وغيرهم ما يفيد إرادة المخطئِ من لفظ الكاذب!!

ثمَّ لو سلَّمنا بما زعموه، ألم يسألوا أنفسهم: لماذا عَدَلَ أمير المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه) والصحابة -الذين سنوافيك بأخبارهم- عن التعبير بـ (أخطأ كعب) إلى "كَذَبَ كعب"؟!

المحور الثاني: كعبُ الأحبار عند الصَّحابة

لقد كان موقفُ كبار الصَّحابةِ وأجلاّئهم كموقفِ سيِّدهم أمير المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه)، حيثُ كانوا يسارعون إلى فضحِ كذبِ كعب الأحبار، وكشفِ هويَّته، كلَّما أُتيحت لهم الفرصةُ وفُسِحَ أمامَهم المجال.

والنَّماذج التي سنستعرِضُها توضِّحُ موقفهم، رغمَ تفاوتِ مكاناتهم الاجتماعية، واختلافِ مواقفِهِم السياسية.

أبو ذر الغفاري (رضوان الله عليه) يفضحُ هويَّتَهُ اليهوديَّة

ومقامُ سيِّدنا أبي ذر (رضوانُ اللهِ عليه) ومكانتُهُ وعلوُّ شأنِهِ أشهر من نارٍ على علم، ويكفيه ما رواهُ المؤالفُ والمخالفُ من قول النبي (صلى لله عليه وآله) فيه: "ما أظلَّت الخضراءُ ولا أقلَّت الغَبراءُ على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذَرٍّ"([17]).

روى جمعٌ من المؤرِّخين خبرَ اعتراض أبي ذر (رضوان الله عليه) على عثمان وسياسته، وكان ذلك بحضور كعب الأحبار مستشار عثمان، فقال كعب لأبي ذر: ألا تتقي الله يا شيخ، تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام؟!

فرفع أبو ذر عصا كانت في يده، فَضَربَ بها رأسَ كعبٍ، ثم قال له: [يا ابن اليهوديّين!! ما كلامُك مع المسلمين؟! فوالله ما خرجت اليهوديَّةُ من قلبك بعدُ]([18]).

تعقيبٌ قشيب

قال صاحبُ رائعةِ التَّصانيف في القرن العشرين (الغدير)، ذو البيان المصقع، واليراع المبدع، الذي أثنى على كتابه المؤالفُ والمخالف -تعقيبًا على رواية أبي ذر الغفاري (رضوانُ اللهِ عليه) الآنفةِ الذِّكر-:

[فنداءُ أبي ذر -في موقفه هذا- نداءُ القرآن الكريم، ونداء المشرِّع الأعظم، ونداء تابعيهما من الصَّحابة والتابعين.

ولا يردُّ ذلكَ إلا مثلُ كعب الأحبار، الذي هو حديثُ عهدٍ باليهوديَّة، وقد اعتنق الإسلام أمسِ، على حين إنه لم يُسْلِم طيلةَ عهد النبوَّة!! وإنما سالَمَ على عهد عمر.

ولا أدري! هل حَدَتْه إلى ذلك الحقيقة؟ أو الفَرَقُ من بطش المسلمين وشوكتهم؟ أو الطَّمعُ في العطاء الجاري؟

ولا أدري أيضًا! أنَّه -في مدة إسلامه القصيرة- هل أحاط خبرًا بنواميس الإسلام وفروضه وسُنَنِهِ أو لا؟ ولا أحسبُ!! كما أوعز إليه أبو ذر الناظرُ إليه من كَثَب، حيث قال له: يا ابن اليهوديَّة! ما أنتَ؟ وما هاهنا؟

وكان من حقِّهِ أن يؤدَّبَ بالمِحْجَن، كما فعله سيِّدُ غِفَار، ساء الخليفةَ أم سرَّه!! لأنَّه لم يكن أهلاً للفتيا، فأفتى تِجاهَ عالِمٍ من علماء الصحابة الذي مِلْءُ إهابِهِ العلمُ بالكتاب والسُّنَّة، وحَشوُ ردائِهِ الفروضُ والسُّنَن، ولا يُفرغُ إلا عن رسول الله (صلى لله عليه وآله)، وما أظلَّت الخضراءُ وما أقلَّت الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ وأوفى من أبي ذر]([19]).

عبد الله بن عباس يكذِّبُهُ ويطعنُ في دينه ويشتمُهُ

روى الطَّبري (من علماء القرن الثالث الهجري) بإسناده، عن عكرمة، قال: بينا ابنُ عباس ذات يوم جالسٌ، إذ جاءه رجُلٌ، فقال: يا ابن عباس! سمعتُ العجبَ من كعب الحبر، يذكُرُ في الشمس والقمر!!

قال: وكان متَّكئًا، فاحتفز، ثمَّ قال: وما ذاك؟

قال: زعم أنَّه يُجاءُ بالشمس والقمر يوم القيامة، كأنَّهما ثوران عقيران، فيُقذفان في جهنَّم!

قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفةٌ، ووقعت أخرى غضبًا، ثمَّ قال: كذبَ كعبٌ، كذبَ كعبٌ، كذبَ كعبٌ -ثلاث مرات- بل هذه يهوديَّةٌ، يريد إدخالها في الإسلام!! الله أجلُّ وأكرمُ من أن يعذِّبَ على طاعته، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى: {وسخَّرَ لكم الشَّمسَ والقمرَ دائبَين}؟!

إنَّما يعني دَؤُوبَهُما في الطاعة، فكيف يعذِّبُ عبدَينِ يُثني عليهما أنَّهما دائبان في طاعته؟!!

قاتل الله هذا الحَبر! وقبَّحَ حبريَّتَه! ما أجرأهُ على الله، وأعظمَ فريتهُ على هذين العبدين المطيعين لله؟!!

قال: ثم استرجع مرارًا، وأخذ عُوَيدًا من الأرض، فجَعَلَ ينكتُهُ في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله...الحديث([20]).

فانظر إلى قوله ثلاثًا: [كذب كعب]، وقوله: [بل هذه يهوديَّةٌ، يريد إدخالها في الإسلام]، وقوله: [قاتل الله هذا الحَبر! وقبَّحَ حبريَّتَه]، وقوله: [ما أجرأهُ على الله، وأعظمَ فريتهُ..]، لترى أنَّ كعبًا عند هؤلاء كان متَّهمًا في دينه فضلاً عن روايته!!

الصَّحابيُّ الجليل حذيفة بنُ اليمان يكذِّبُهُ

وحذيفةُ بنُ اليمان (رضوانُ اللهِ عليه) ذاكَ الصَّحابيُّ الجليل والثِّقةُ الأمين، والمعدودُ في خواصِّ أمير المؤمنين (سلامُ اللهِ عليه)، وقد كانَ النبي (صلى لله عليه وآله) أسرَّ إليه بأسماء المنافقين من صحابته! ممَّا يدلِّلُ على رسوخ إيمانه وسلامة قلبه بحيثُ صار مستودَعًا لأخطر الأسرار!!

قال ابنُ حَجَر([21]): وأخرجَ ابنُ أبي خيثمة بسندٍ حسنٍ، عن قتادة، قال: بلَغَ حُذيفةَ أنَّ كعبًا يقول: إنَّ السماءَ تدورُ على قطبٍ كالرَّحى.

فقال: كذبَ كعبٌ!! إنَّ الله يقول: {إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأرضَ أنْ تَزُولا}([22]).

عبد الله بن مسعود يكذِّبُهُ، ويطعنُ في دينه

عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ من أصحاب ابن مسعود إلى كعب الأحبار، يتعلم منه العلم، فلمَّا رجع، قال له ابن مسعود: ما الذي أصبتَ من كعب؟

قال: سمعتُ كعبًا يقول: إنَّ السماءَ تدورُ على قطبٍ مثلَ قطب الرحى، في عَمودٍ على منكب ملك!

فقال له عبد الله: وددتُ أنَّك انقلبتَ براحلتِكَ ورحْلِها! كذب كعبٌ! ما ترك يهوديَّته!

إنَّ الله تعالى يقول: {إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأرضَ أنْ تَزُولا}([23])، إنَّ السماوات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت([24]).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) لم يكن صدور مثل هذه التهمة الكاذبة من صاحبها متوقَّعًا، فلقد كان يقدِّمُ برنامجًا حواريًَّا دفاعًا عن قواعد المذهب الحق، وإذا به يتحوَّلُ من صاحب دليل وبرهان إلى صاحب ادِّعاء وبهتان، رزقنا الله حسنَ العاقبة.

([2]) العدة في أصول الفقه: ج1/ ص126.

([3]) كما ستقفُ على ذلك في طيَّات هذا البحث.

([4])

([5]) وهذا جليٌّ واضحٌ لمن قرأ سيرة كعب، وكيفية انتقاله من اليهوديَّة إلى الإسلام ظاهرًا، وسرعة تصدِّيه للافتاء والكلام بمسائل الدين، واهتمام عمر وعثمان باحتوائه، ومصادرُ العامَّة حافلةٌ بأخباره، فليراجع تاريخ ابن عساكر ج50 ص151-176، وغيره من مصادرهم.

([6]) راجع: عدة الأصول للشيخ الطوسي (رضوانُ اللهِ عليه): 1 / 381.

([7]) اختيار معرفة الرجال للكشي (رضوانُ اللهِ عليه) ج2 ص575، فلقد أورد هناك مجموعة روايات في بيان ما كان منه وجاء فيه.

([8]) التناسخ: هو ما يُصطلحُ عليه اليومَ بالتقمُّص، وهو عقيدة القائلين بتناسخ الأرواح في الأجساد، والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقى الإنسانُ من الرَّاحةِ والتَّعب والدَّعَةِ والنَّصَب فمُرَتَّبٌ على ما أسلفَهُ من قبل، وهو في بدنٍ آخر، جزاءً على ذلك.

ولمزيد تفصيلٍ راجع: المِلَل والنِّحل للشَّهرستاني ج1 ص253.

وهو باطلٌ بالإجماعِ عندنا، قال صدوقُ الطَّائفة (رضوانُ اللهِ عليه): [والقول بالتناسخ باطل، ومَنْ دانَ بالتَّناسخ فهو كافر، لأنَّ في التَّناسخ إبطالَ الجَنَّة والنار]. الاعتقادات في دين الإماميَّة 64.

أقول: وإبطالُ الجنَّة والنَّار إبطالٌ لجميع الأديان السماوية والشرائع الإلهية كما لا يخفى.

وقد أبطلَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) عقيدةَ التناسخِ بكلماتٍ ثلاث، لمَّا سُئلَ عن التناسخ، فقال: "فَمَنْ نَسَخَ الأوَّل؟". انظر: اختيار معرفة الرجال للكشي ص18.

([9]) انظر تفصيلَ حالهم في الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص179.

([10]) ذَكَر ذلك النَّمازي (رحمه الله) في مستدركات علم رجال الحديث ج7 ص337.

([11]) شرح نهج البلاغة 4/ 77.

([12]) تفسير مجمع البيان 8/ 359.

([13]) من لا يحضره الفقيه 1/ 202.

([14]) سورة ص، الآيات: 30 - 33.

([15]) مفردات غريب القرآن 335.

([16]) الكافي 4/ 240.

([17]) علل الشرائع للصدوق ج1 ص176، وكفاية الأثر للخزَّاز القمي ص71؛ وغيرهما.

ومن مصادر العامة: المستدرك على الصَّحيحين ج3 ص342، ومسند أحمد ج2 ص163 وج5 ص197 وج6 ص442، وغيرها.

فائدة: في العلَّةِ التي من أجلها قال النبيُّ (صلى لله عليه وآله) هذه المقولة في حقِّ أبي ذر، فلقد روى الشيخ الصدوق (رضوانُ اللهِ عليه) في علل الشرائع ج1 ص176، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي البصري، قال: حدثنا عبد السلام بن محمد بن هارون الهاشمي، قال: حدثنا محمد بن محمد عقبة الشيباني، قال: حدثنا أبو القاسم الخضر بن أبان، عن أبي هدبة، عن أنس بن مالك، قال: أتى أبو ذر يومًا إلى مسجد رسول (صلى لله عليه وآله) فقال: ما رأيتُ كما رأيتُ البارحة!

قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله (صلى لله عليه وآله) ببابه، فخرج ليلاً، فأخذ بِيَد علي بن أبي طالب، وقد خرجا إلى البقيع، فما زِلت أقفوا أثَرَهما إلى أن أتيا مقابرَ مكَّة.

فَعَدَل إلى قبر أبيه، فصَلَّى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشقَّ، وإذا بعبد الله جالسٌ، وهو يقول: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ".

فقال له: "من وليُّك يا أبة"؟

فقال: "وما الوليُّ يا بُنَي"؟ قال: "هو هذا علي".

قال: "وأنَّ عليًَّا وليي".

قال: "فارجع إلى روضتك"، ثم عَدَلَ إلى قبر أمِّهِ، فصنع كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر قد انشقَّ، فإذا هي تقول: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّك نبيُّ الله ورسولُهُ".

فقال لها: "من وليُّكِ يا أمَّاه"؟

فقالت: "ومن الوليُّ يا بُنَيَّ"؟ فقال: "هو هذا علي بن أبي طالب".

فقالت: "وأنَّ عليًَّا وليِّي".

فقال: "ارجعي إلى حفرتك وروضتك".

فكذَّبوه ولبَّبوه، وقالوا: يا رسول الله! كذب عليك اليومَ!!

فقال: "وما كان من ذلك"؟

قال: إنَّ جُندبَ حَكَى عنكَ كَيتَ وكَيت.

فقال النبي (صلى لله عليه وآله): "ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء على ذي لَهجةٍ أصدق من أبي ذر".

قال عبد السلام بن محمد: فعرضت هذا الخبر على الهجني محمد بن عبد الأعلى، فقال: أما علمتَ أنَّ النبيَّ (صلى لله عليه وآله) قال: "أتاني جبرئيل فقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّمَ النَّارَ على ظَهْرٍ أنزلك، وبطْنٍ حملَكَ، وثديٍ أرضَعَك، وحِجْرٍ كفِلَكَ"؟.

([18]) انظر: أمالي المفيد ص164، والمسترشد للطبري ص177، ومروج الذهب 2/ 340 وغيرهم.

([19]) الغدير ج8 ص353.

([20]) تاريخ الطبري ج1 ص44.

([21]) الإصابة ج5 ص484.

([22]) سورة فاطر 41.

([23]) سورة فاطر 41.

([24]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج14 ص357؛ وراجع: الكشف والبيان للثعلبي ج8 ص115، ورواهُ الطبري بإسنادٍ صحيحٍ -كما نصَّ على ذلك الزيعلي في تخريج الأحاديث والآثار ج3 ص157- لكن أسقطَ منه [ما ترك يهوديَّته]!! جامع البيان ج22 ص173.

 

 

موقعة الحرة

(63هـ/682م)

د. طارق شمس

 

تمهيد:

عرفت الدولة الإسلامية الوليدة بعد الرسول محمد (صلى لله عليه وآله)، وفي القرن الأول للهجرة صراعات داخلية كان أبرزها معارك الردة، والجمل، وصِفّين، كما يمكن أن نعتبر معركة كربلاء أحد أبرز هذه المواجهات التي حاولت من خلالها السلطة الأموية في دمشق التفرد بحكم المسلمين بعد موت معاوية بن أبي سفيان.

وتتالت المواجهات بعد كربلاء 61هـ، حيث إن السلطة الأموية أخفقت في تثبيت حكمها بالقوة، فخرج عليها أغلب المسلمين معلنين العداء لهذه السلطة التي ظهر فسادها وفشا بشكل واضح مع وصول يزيد بن معاوية، لتسقط هذه الدولة وبعد عمر لم يتجاوز التسع وثمانين عامًا، من العام 41هـ/661هـ إلى العام 132هـ/750م([1]).

ومن بين هذه المعارك التي وقعت بعد معركة كربلاء، كانت معركة الحرة 63هـ/682م، التي ثار فيها أهل المدينة المنورة على سلطة يزيد بن معاوية وأعلنوا خلعه، إلا أن كتب التاريخ لم تضئ عليها بالشكل المطلوب.

وقد يكون ذلك بسبب قربها من معركة كربلاء ومقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى الأرجح فإن السلطة الأموية لعبت دورًا إعلاميًا قويًا في محاولة لطمس هذه المواجهة التي وقعت بين أهل المدينة المنورة والأمويين، حيث حاول الأمويون التقليل من أهميتها حفاظًا على مكانتهم وموقعهم الرياسي على العالم الإسلامي، وخوفًا من انقلاب الموقف عليهم، سيما وأن جماعة ممن شارك إلى جانب أهل المدينة في هذه المواجهة كان من الصحابة حفظة القرآن، وأن المدينة المنورة هي عاصمة الرسول محمد (صلى لله عليه وآله) والخلفاء من بعده.

لذلك لا نجد تفاصيل عن هذه المعركة إلا عن بعض المؤرخين، ومنهم من فقدت مؤلفاته واعتُمِد على نقل ما أوردوه من خلال مؤلفات وضعها مؤرخون نقلوا عنهم، وأبرزهم:

- عوانة بن الحكم، ويعتبر أقدم المؤرخين الذين أتَوا على ذكر هذه المعركة، وصلت إلينا روايته من خلال الطبري والبلاذري وخليفة بن خياط([2]).

- الأخبار المنقولة عن أبي مخنف، ووصلتنا من خلال الطبري والبلاذري([3]).

- أبو اليقظان النسابة، وقد ظهرت أخباره عن معركة الحرة من خلال خليفة بن خياط([4]).

- الواقدي، الذي اعتبر من أبرز من نقل عن معركة الحرة، حتى أنه ذكر أسماء من قتل فيها.

وغيرهم من المؤرخين الذين اعتُمِد على كتاباتهم في نقل أخبار موقعة الحرة.

أهل المدينة وموقفهم من السلطة الأموية:

كان موقف أهل المدينة المنورة تجاه السلطة الأموية وخلافة يزيد بن معاوية، عبارة عن مجموعة من الاتجاهات السياسية والحزبية والعقائدية التي تجمّعت معًا لتشكِّل موقفًا موحدًا، هذه الاتجاهات المختلفة لم تكن شبيهة بالتيارات الفكرية والاجتماعية التي ظهرت في بلاد الشام والعراق ومصر، والتي تأثرت بالفتوحات والشعوب التي دخلت في الإسلام، أو بالسكان الذين خضعوا للفتح العربي الإسلامي، بل كان مجتمع المدينة محافظًا، فمدينة الرسول (ص) هي عاصمة المسلمين في كافة أنحاء الدولة الإسلامية، بغض النظر عن انتقال السلطة السياسية إلى دمشق حينها، لذلك نجد معاوية يوصي ولده يزيد ويحذره من أهل مكة والمدينة قائلاً له: "... من أتاك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلة...،"([5]).

كما أن معاوية كان يولّي المدينة ومكة من رجاله المحنكين ومن البيت الأموي لضمان ولائهم، أمثال مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص([6]).

ومع موت معاوية وتولّي يزيد من بعده بدأت الأوضاع في المدينة ومكة تتبدل تجاه السلطة الأموية للأسباب التالية:

1-  ازدياد حقد المسلمين على يزيد لقتله ابن بنت رسول الله (ص)، الإمام الحسين (عليه السلام)([7]).

2-  شعور أهل المدينة بأن يزيد ليس أولى بالخلافة من بعد والده معاوية.

3- شعور أهل المدينة والمسلمين قاطبة بأن الخلافة الإسلامية قد تحوَّلت إلى ملك عضوض بسبب ممارسات معاوية وخَلَفِه.

4-  خروج عبد الله بن الزبير ورفعه لشعار الشورى، وتعاطف أهل الحجاز معه ([8]).

إلا أن السبب الأبرز كان رفض الإمام الحسين (عليه السلام) بيعة يزيد، مع ما للإمام الحسين (عليه السلام) من مكانة ومنزلة، وموقعة كربلاء ونتيجتها، من مقتل للإمام الحسين (عليه السلام) وأولاده وأصحابه وسبي نسائه، الذين هم أهل بيت النبوة، مما جعل أبناء الصحابة والمسلمين يشعرون بحجم المصيبة وعظيم هذا العمل الشائن، ومستوى الاستبداد والتسلّط الذي تمارسه الدولة الأموية([9]).

كل هذه الأسباب، ساعدت على تغذية الكراهية تجاه الحكم الأموي وظهورها إلى العلن، وكانت سببًا في معارضة أهل المدينة الذين عبّروا عن هذه المعارضة علنًا من خلال وقوفهم في وجه جابي أموال بني أمية المعروف بـ"ابن مينا".

وقد أورد الواقدي أن "ابن مينا"، وهو عامل بني أمية على أملاكهم، [منها المزارع في المدينة]، كان يجبي خراجها ويرفعها إلى الخليفة الأموي في دمشق، ومع وصوله إلى المدينة ليحصي تلك الأموال لينقلها إلى يزيد رفض بنو حارثة دفع ما عليهم من مستحقات، وانضم إليهم الأنصار وقريش داخل المدينة([10]).

ويورد ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة، أن نفرًا من قريش والأنصار دخلوا على عثمان [والي المدينة الأموي] فكلموه فيها فقالوا: "قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا، وأن معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهمًا فما فوقه، حتى مضّنا الزمان، ونالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مئة من ثمنها"([11]).

حيث يظهر أن هذه الأملاك من المزارع التي تنتج المحاصيل الضخمة، كان معاوية قد سلبها وتحت الضغط من أصحابها، وكان عامله ابن مينا يعمد في كل عام إلى جمع الأموال التي تحصّل منها، ومع موت معاوية، اعترض أصحابها الفعليين علنًا هذه المرة، مطالبين باستعادة أملاكهم.

ومع منع أهل المدينة ابن مينا من جباية تلك الأموال، عمد الوالي الأموي على المدينة، عثمان بن محمد بن أبي سفيان، إلى أن يكتب ليزيد بالأمر، عندها كتب يزيد كتابًا، أمر فيه واليه أن يقرأه على أهل المدينة، وهو:

"... إني قد لبستكم فأخلقتكم... وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أُقِل بها عددكم، وأترككم بها أحاديث تُنسخ منها أخباركم كأخبار عاد وثمود"([12]).

بعد هذه الحادثة، وكتاب يزيد وتوعده لأهل المدينة، شكّل أشراف المدينة وفدًا توجّه إلى يزيد بن معاوية لمقابلته في دمشق، يقول خليفة بن خياط أن هذا الوفد عندما عاد: "عمدوا إلى إظهار شتم يزيد، وإعلان البراءة منه وخلعه" ([13])، فلقد ظهر لهذا الوفد أن يزيد كان قليل الدين وغير جدير بقيادة الأمة([14]).

في الواقع فإن أهل المدينة كانوا على علم مسبق بفساد يزيد بن معاوية، فكما ينقل المسعودي فإنه "قد غلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب"([15]).

ويذكر الطبري، نقلاً عن أبي مخنف عن وفد المدينة: "فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد... وقالوا: إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابر، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويُسامر الخُّراب([16]) والفتيان، وإنّا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس"([17]).

بعدها عمد أهل المدينة إلى مبايعة عبد الله بن حنظلة الغسيل([18]) الذي خاطبهم قائلاً:

"يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاءً حسنًا"([19]).

هكذا وبعد أن أجمع كبار المدينة وأشرافها على فسوق يزيد، خرجوا عليه ولم يقبلوه خليفة عليهم.

بعد هذه المواقف الواضحة، التي أظهرت فسق يزيد وانحرافه أمام العامة، عمدت الناس إلى محاصرة أمير المدينة، عثمان بن محمد، وباقي الأمويين ومن يحيط بهم في قصر مروان بن الحكم، فقام عندها هذا الأخير بمكاتبة يزيد بن معاوية في دمشق، وبعث بكتابه مع أحد أتباعه وهو "حبيب بن كرة"، وأمهله "اثنتي عشرة ليلة ذاهبًا واثنتي عشر ليلة مقبلاً"، وكان في الكتاب "أما بعد، فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذب، ورُمينا بالجبوب([20])فيا غوثاه يا غوثاه"([21]).

وينقل حبيب بن كرة: "فأخذت الكتاب ومضيت به حتى قدمت على يزيد وهو جالس على كرسي، واضع قدميه في ماء طشت من وجع كان يجده فيهما، ويقال كان به النقرس([22])، فقرأه ثم قال...":

لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتي

 

 

فبدّلت قومي غلظة بليان

 

وعاتب بني أمية في المدينة على عدم قتال محاصريهم، إلا أن ابن كرة قال له: "... أجمع الناس كلهم عليهم، فلم يكن لهم بجمع الناس طاقة"([23]).

فأمر يزيد بتجهيز الجيش، وعرض على عمرو بن سعيد قيادته، إلا أن هذا الأخير رفض ذلك قائلاً له: "قد كنت ضبطت لك البلاد، وأحكمت لك الأمور، فأما الآن إذا صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذلك، يتولاها منهم من هم أبعد منهم مني"([24]).

فبعث يزيد إلى عبيد الله بن زياد: فاعتذر وقال: "لا أجمعها للفاسق، أقتل ابن رسول الله (ص) وأغزو مدينته والكعبة"!!.([25]).

عندها ندب إليهم "مسلم بن عقبة المري"، وكان شيخًا كبيرًا مريضًا، إلا أنه كان أحد جبابرة العرب وشياطينهم"([26]).

وينقل ابن طباطبا في ذلك، أن معاوية كان قد أوصى يزيد قائلاً له: "إن خالفك أهل المدينة فارمهم بمسلم بن عقبة"([27])، وبلغ تعداد هذا الجيش اثني عشر ألفًا من المقاتلين([28]). حيث أنشد يزيد قائلاً بعد تهيئته:

أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى
عشرون ألفًا بين كهل وفتى
أم جَمْعَ يقظان نُفي عنهُ الكرى!

 

 

وهبط القوم على وادي القرى
أجَمْعَ سكرانَ من القوم ترى
يا عجبًا من ملحدٍ يا عجبا!

 

مخادع في الدين يقفو بالعُرى ([29])

 

 

من الملاحظ في هذه الأبيات أن يزيد أورد عدد أفراد الجيش بعشرين ألفًا من المقاتلين، إلا أن الروايات تورد أن عدده لم يتجاوز الاثني عشر ألفًا، حيث تورد هذه الأبيات بطريقة مختلفة عند البلاذري:

أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى
أجمَعَ سكرانَ من القوم ترى
 واعجبًا من ملحدٍ يا عجبا!

 

 

وأشرف القوم على وادي القرى
أم جمع يقظان إذا حثّ السرى
مخادع في الدين يقفو بالعُرى([30])

 

ومع وصول أخبار تقدم الجيش الأموي باتجاه المدينة المنورة، عمد أهلها إلى إعلان التعبئة العامة، وأخذوا بتوزيع المهام القتالية، واختير اثنان منهم كقادة عليهم، وهما: عبد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ويعقل بن سنان على المهاجرين، وتوزع باقي القادة على المواقع الميدانية داخل المدينة([31]).

تدابير أهل المدينة الدفاعية ومعركة الحرة

بدأ أهل المدينة بحفر خندق من حول المدينة المنورة حيث إنهم فضّلوا البقاء داخل أسوار المدينة أثناء المواجهة، فجيش المدينة لا يتجاوز الألف مقاتل، وهم بذلك أرادوا أن تطول الحرب، لاعتقادهم بأنه قد تصلهم المساعدات من أنحاء الحجاز، وقسّموا العمل بين القبائل([32]).

في هذا الوقت كان الجيش الأموي قد اقترب من المدينة المنورة، ووصل إليهم مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ومن معه من بني أمية، الذين أخرجوا من المدينة، وكان مروان بن الحكم قد أودع حرمه عند الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في المدينة ليأمن عليهم قبل أن يخرج منها([33]).

واستشار مسلم بن عقبة مروان بن الحكم وولده عبد الملك حول وضع المدينة، والطريقة الأنسب لمهاجمتها فأشاروا عليه بكيفية دخولها وقتال أهلها، وفق الخطة التي وضعها عبد الملك بن مروان([34])، فتقدم الجيش الأموي حتى نزل الحرة [حرة واقم]([35]).

بعدها عمد مسلم بن عقبة إلى دعوة بعض أهل المدينة، ثم قال لهم: "إني أؤجلكم ثلاثًا، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه، وانصرفت عنكم، وسرت إلى هذا الملحد الذي بمكة [يقصد عبد الله بن الزبير]، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم"، وينقل الطبري أن ذلك كان في ذي الحجة من العام 63هـ([36]).

كما يضيف الطبري أن يزيد أوصى فيما أوصاه إلى مسلم قبل توجهه إلى المدينة قائلاً له: "... ادعُ القوم ثلاثًا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا، فما فيها من مال أو ورقة [الدرهم] أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس..."([37]).

وبعد مضي الأيام الثلاثة اجتمع الجيشان، وكانت الهزيمة لأهل المدينة، وذلك للأسباب التالية:

1-  تجمّع جند المدينة مقابل الجيش الشامي، حيث مسلم بن عقبة، وترك باقي الأنحاء في حراسة بعض المقاتلين([38]).

2- اتصال مروان بن الحكم، قبل انتهاء مهلة الثلاثة أيام مع بني حارثة، داخل المدينة، ليساعدوا الجيش الأموي من الداخل أثناء وقوع المعركة([39]).

وفي ذلك يقول إبن قتيبة: "فخرج مروان [مروان بن الحكم] حتى جاء بني حارثة فكلم رجلاً منهم ورغّبه في الضيعة وقال: افتح لنا طريقًا فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، ومتضمن لك عنه شطر ما كان بذل لأهل المدينة من العطاء وتضعيفه. ففتح له طريقًا ورغب فيما بذل له وتقبّل ما تضمن له عن يزيد فاقتحمت الخيل..."([40]).

وكان مسلم بن عقبة قد عمد إلى وضع سرير خاص به في موضع بين الجيشين، جلس عليه طالبًا من جيشه أن يقاتل عنه أو يتركوه([41])، وهو بذلك أراد أن يدفع بأهل المدينة للخروج من وراء الخندق ليقصدوه وهو ما حصل، حيث اعتقد بعض قادة المدينة أنه وبمجرد مقتل مسلم بن عقبة فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف الجيش الأموي، لذلك قام بعضهم بهجمات يمكن أن نسميها بالانتحارية لقتل مسلم بن عقبة، إلا أن الجيش الأموي قضى على المهاجمين([42]). في الوقت نفسه كان مسلم قد وزع جيشه على أكثر نواحي المدينة مقابل خندقها، وجعل قوة جيش المدينة وقيادته تنشغل بالمكان الذي هو فيه، مع قيام خيالة بني أمية بالتسلل إلى داخل المدينة من ناحية بني حارثة.

وأمام انشغال جيش المدينة وقيادته مقابل مسلم بن عقبة، فوجئوا بالتكبير من داخل المدينة، حيث أصبح فرسان بني أمية في وسط المدينة من خلف المقاتلين المدنيين، فتراجع هؤلاء خائفين([43]). وأخذ بنو أمية يتدفقون إلى داخل المدينة، يضعون السيوف في جنودها الذين سقط معظمهم قتلى بما فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل وبنيه وباقي القادة ممن كان معه([44]). ويذكر ابن قتيبة في ذلك: "فلما مات ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنِّعم بلا راع، شرود يقتلهم أهل الشام من كل وجه"([45]).

ووقع من القتلى في صفوف أهل المدينة من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس: "ألف وسبعمائة وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان"([46]). كما ينقل في مكان آخر "أنه قتل يوم الحرة من أصحاب النبي (ص) ثمانون رجلاً ولم يبقَ بدري بعد ذلك"([47])، "كلهم ذوو حفاظ"([48]). [من حفظة القرآن].

وبنتيجة ذلك يقول عبد الله بن أبي بكر: "كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم حتى كانت الحرة فاجترأ الناس عليهم فهانوا"([49]).

استباحة المدينة:

كان يزيد بن معاوية عندما بعث بمسلم بن عقبة نحو المدينة، قد أوصاه بأن "... ادعُ القوم ثلاثًا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا... فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس..."([50]).

يذكر ياقوت الحموي في ذلك: "ودخل جنده المدينة فنهبوا الأموال وسبوا الذريَّة واستباحوا الفروج، وحملت منهم ثمانماية حُرَّة وولدت، وكان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرَّة"([51]).

وجُعِلَ "قصر بني حارثة أمانًا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وكان بنو حارثة آمنين ما قتل منهم أحد"([52]).

ونهب جنود بني أمية المدينة، حسب وصية يزيد بن معاوية: "فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي، ولا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها"([53]). وينقل أنهم قصدوا منزل أبي سعيد الخدري، أحد صحابة الرسول (ص) ومع أنه عرَّف عن نفسه، إلا أنهم طلبوا ما عنده من مال، فقال لهم "والله ما عندي مال فنتفوا لحيته وضربوه ضربات ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته".

وكان الصحابي الجليل جابر بن عبد الله موجودًا في المدينة حينها، "فجعل يمشي في بعض أزقة المدينة وهو يقول: تعس من أخاف الله والرسول فقال له رجل: ومن أخاف الله ورسوله؟ فقال سمعت رسول الله (ص) يقول:

من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي، فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله فترامى عليه مروان فأجاره وأمر أن يدخله منزله ويغلق عليه بابه"([54]).

وبعد أن انتهت الأيام الثلاثة، جمع مسلم بن عقبة أهل المدينة ليبايعوا يزيد، وفي ذلك ينقل المسعودي: "وبايع الناس على أنهم عبيدٌ ليزيد. ومن أبى ذلك أمره مسرف (مسلم بن عقبة) على السيف"([55]).

وينقل الطبري: "فدعا الناس للبيعة على أنهم خَوَلٌ ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم ما شاء"([56]).

وبذلك يكون وصول الجيش الأموي إلى المدينة "لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثًا حتى رأوا هلال المحرم ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدًا به رمق"([57]).

الإمام زين العابدين (عليه السلام) ومسلم بن عقبة :

ينقل المسعودي، أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان أثناء هذه الأحداث، قد لاذ بالقبر[قبر الرسول (ص)] وهو يدعو، فأُتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك فلم يسأله في أحد ممّن قُدِّم إلى السيف إلا شَفَّعه فيه، ثم انصرف عنه، فقيل لعلي (عليه السلام): رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت؟ قال: قلت: اللهم ربّ السموات السبع وما أظللن، والأرضين السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، ربّ محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نحْره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شره.

وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما أُتي به إليك رفعت منزلته، فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملئ قلبي منه رعبًا..." ([58]).

كما ذكر في كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة، أن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، كفل في وقعة الحرة أربعمئة امرأة "يعولهن إلى أن تفرق جيش مسرف بن عقبة"([59]).

_5موت مسلم بن عقبة

ينقل أن مسلم بن عقبة بعدما انتهى من المدينة، توجه نحو مكة المكرمة للقضاء على عبد الله بن الزبير، وقبل أن يصل إلى مكة مات في الطريق ودفن، "فلما تفرق القوم عنه أتته أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة وكانت من وراء العسكر تترقب موته فنبشت عنه... فصلبته. فحدثني من رآه مصلوبًا يُرمى كما يرمى قبر أبي رغال"([60]).

كان ذلك في آخر المحرم سنة أربع وستين للهجرة([61]). وينقل أنه قال قبل موته: "اللهم إني لم أعمل عملاً قط بعد شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أحب إليّ من قتلي لأهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة"([62]).

استنتاج:

من خلال ما ظهر معنا من الروايات فإن مسلم بن عقبة كان له ثأر تجاه أهل المدينة، فهو يقول ليزيد عندما أراد أن يعين قائدًا آخر مكانه كونه كان مريضًا: "فإني أراك مدنفًا منهوكًا"، فأجابه مسلم: "نشدتك الله أن لا تحرمني أجرًا ساقه الله إليّ أو تبعث غيري، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانها يا ثارات عثمان فأقبلت إليها وجعلت الشجرة تقول: إلي يا مسلم بن عقبة فأخذتها، فعبّرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أنَّ الله أراد بهم الهلاك"([63]).

كما ظهر ذلك من خلال الكتاب الذي بعثه مسلم إلى يزيد بعدما انتهى من نهب المدينة: "... وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن عفان في حرز وأمان، فالحمد لله الذي شفا صدري من قتل أهل الخلاف القديم والنفاق العظيم، فطالما عتوا وقديمًا ما طغوا.. فما كنت أبالي متى متّ بعد يومي هذا..."([64]).

لذلك أوصى معاوية ولده يزيد قائلاً: "إن خالفك أهل المدينة فارمهم بمسلم بن عقبة"([65]).

فمعاوية بن أبي سفيان، كان على علم بمدى الكراهية والبغض التي يكنّها مسلم لأهل المدينة، فكان يتركه لهذه المهمة.

وينقل في سبب موت مسلم: "كان بمسلم نقرس فركب بقديد فرسًا فسقط عنه فتوطأه الفرس فثقل ومات"([66]).

فكانت وقعة الحرة "يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان مسير مسلم من المدينة للنصف من المحرم سنة أربعة وستين، ومات لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين"([67]).

أما يزيد بن معاوية فمات "لأربع عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين"([68]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) رزق الله منقريوس الصرفي، تاريخ دول الإسلام، بيروت: الدار العالمية، ط1، 1986، ج1، ص48.

([2]) ياقوت الحموي، معجم الأدباء، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت، ج16، ص134؛ ابن النديم، كتاب الفهرست، تحقيق رضا تجدد، طهران: 1971، ص103.

([3]) ابن النديم، المصدر نفسه، ص105.

([4]) ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج11، ص180.

([5]) البلاذري، أنساب الأشراف، بيروت: دار الفكر، تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي، ط1، 1996، ج5، ص100.

([6]) الطبري، تاريخ الطبري، بيروت: دار الفكر، ط1، 1998، ج6، ص148و262.

([7]) رزق الله منقريوس الصرفي، تاريخ دول الإسلام، المرجع السابق، ج1، ص51.

([8]) البلاذري، أنساب الأشراف، المصدر السابق: ج5، ص303.

([9]) ابن طباطبا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، مصر: مكتبة الثقافة الدينية، د.ت، ص118.

([10]) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مصر: مطبعة النيل، ج2، ص325.

([11]) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، المصدر نفسه، ج2، ص325.

([12]) القلقشندي، صبح الأعشى، مصر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، د،ت، ج6، ص390-391.

([13]) خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق سهيل زكار، دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، د،ت، ج1، ص289.

([14]) المسعودي، مروج الذهب، بيروت: دار الفكر، ط1، 2000، ج3، ص78-79.

([15]) المسعودي، مروج الذهب، المصدر نفسه، ج3، ص79.

([16]) هكذا في الأصل، وقد وردت في بعض الكتب "الحرّاب" أي اللصوص (التحرير).

([17]) الطبري، تاريخ الطبري، بيروت: دار الفكر،ط6، 1998، ج1، 262-263.

([18]) هو حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة، أسماه الرسول (صلى لله عليه وآله) بهذا الاسم، وقد شارك في يوم أحد وكان حديث العهد بعرس فخرج ولم يغتسل، واستشهد في المعركة فرأى الرسول (صلى لله عليه وآله) الملائكة تغسله فسمّاه غسيل الملائكة ؛ المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص80.

([19]) ابن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط5، 1990، ج1، ص49.

([20]) الجبوب: الأرض الغليظة.

([21]) الطبري: ج6، ص264.

([22]) النقرس: مرض مؤلم وهو ورم يصيب مفاصل القدم.

([23]) الطبري: المصدر السابق، ج6، ص264.

([24]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص265.

([25]) ابن طباطبا، الفخري، المصدر السابق، ص119.

([26]) المصدر نفسه، ص119.

([27]) المصدر نفسه، ص119.

([28]) البلاذري، أنساب الأشراف، المصدر السابق، ج5، ص322.

([29]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص265 عن أبي مخنف.

([30]) يقصد بالمخادع عبد الله بن الزبير؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج5، ص322.

([31]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص267.

([32]) البلاذري، أنساب الأشراف، ج2، ص332.

([33]) الطبري، المصدر السابق، ج6، ص266.

([34]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص267.

([35]) حرة واقم، إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية سميت برجل من العماليق إسمه واقم؛ ياقوت، معجم البلدان، بيروت: دار صادر، ط2، 1995، ج2، ص249.

([36]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص267.

([37]) المصدر نفسه، ج6، ص266.

([38]) المصدر نفسه،ج6، ص267-268.

([39]) المصدر نفسه، ج6، ص272.

([40]) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، المصدر السابق، ص333.

([41]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، ص268.

([42]) الطبري، المصدر نفسه.

([43]) الطبري، المصدر نفسه، ج6، 272.

([44]) المصدر نفسه.

([45]) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج1، ص334.

([46]) المصدر نفسه، ج1، ص340.

([47]) المصدر نفسه، ج1، ص342.

([48]) المصدر نفسه، ج1، ص348.

([49]) ابن قتيبة، المصدر السابق، ج1، ص347.

([50]) الطبري، المصدر السابق، ج6، ص266.

([51]) ياقوت، معجم البلدان، بيروت: دار صادر، ط2، 1995، ج2، ص249.

([52]) ابن قتيبة: ج1، ص336.

([53]) ابن قتيبة: المصدر نفسه؛ البلاذزي: أنساب الأشراف، ج5، ص334.

([54]) ابن قتيبة، المصدر نفسه، ج1، ص337.

([55]) أُطلِق على مسلم بن عقبة لقب مسرف لإسرافه في القتل والنهب ولم يعرف بعد ذلك إلا بمسرف أو مجرم؛ المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص80.

([56]) خَوَلٌ: خدم - عبيد؛ الطبري، ج6، ص272.

([57]) ابن قتيبة: ج1، ص347-348.

([58]) المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص81.

([59]) أبي الحسن الاربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، بيروت: دار الاضواء، ج2، ص319.

([60]) أبو رغال كنيته واسمه زيد بن مخلف، من ثمود، وقيل كان رجلاً عشارًا جائرًا، فقبره يُرجَم إلى اليوم، وقبره بين مكة والطائف؛ ابن قتيبة، المصدر السابق، ج1، ص346.

([61]) الطبري، ج6، ص273.

([62]) المصدر نفسه.

([63]) ابن قتيبة، المصدر السابق، ج1، ص330.

([64]) المصدر نفسه، ج1، ص344.

([65]) ابن طباطبا، الفخري، مصدر سابق، ص119.

([66]) البلاذري: أنساب الأشراف، ج5، ص337.

([67]) المصدر نفسه، ج5، ص332.

([68]) الطبري، المصدر السابق، ج6، ص275.

 

 

حُجْر بن عَدِيّ الكندي

(حُجر الخير)

الشيخ محمد صالح الفقيه

 

حُجْر بن عَدِيّ الكندي، المعروف بحجر الخير، ويُكنى بأبي عبد الرحمن، ابن الحرث بن عمرو بن حجر، الملقب بآكل المرار ملك كِندة، صحابي من أعيان أصحاب علي (عليه السلام) وابنه الحسن (عليه السلام)، وسيد من سادات المسلمين في الكوفة ومن أبدالها، وفَدَ هو وأخوه هانئ بن عدي على النبي (صلى لله عليه وآله)([1]).

فضله

قال في الاستيعاب : (وكان حجر من فضلاء الصحابة، وصَغُر سنّه عن كبارهم)([2]).

وقال في وسائل الشيعة: (كان من الأبدال، من خاصة أصحاب علي (عليه السلام))([3]).

عن البيهقي، وعن يعقوب بن سفيان عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: (يا أهل العراق سيُقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مَثلُهم كمَثَل أصحاب الأخدود)([4]).

بلغ من عبادته أنه ما أحدث إلا توضأ، وما توضأ إلاّ صلّى، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان ظاهر الزهد، مجاب الدعوة.

قال في الإصابة : (أصابته جنابة وهو أسير، فقال للمتوكل به: أعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدًا شيئًا، فقال: أخاف أن تموت عطشًا فيقتلني معاوية، قال: فدعا الله، فانسكبت له سحابة بالماء، فأخذ منها الذي احتاج إليه، فقال له أصحابه: ادع الله أن يخلصنا! فقال: اللهم خِرْ لنا)([5]).

كان في الجيش الذي فتح الشام، وفي الجيش الذي فتح القادسية، وشهد الجمل مع علي (عليه السلام)، وكان أمير كندة يوم صفين، وأمير الميسرة يوم النهروان، وهو الشجاع المطرق الذي قهر الضحاك بن قيس في غربيّ تدمر.

قال المسعودي: (وهو أول من قتل صبرًا في الإسلام)([6]). أي رُمِيَ في السجن حتى القتل.

السبب في قتله

كان حُجر يَرُدّ على واليَي الكوفة (المغيرة وزياد) حين يشتمان عليًا، ويقول: أنا أشهد أنّ من تذمّون أحق بالفضل، ومن تزكّون أولى بالذم) وكان إذا جهر بكلمته هذه وافقه أكثر من ثلثي الناس، وقالوا: (صدق حُجر).

لكن المغيرة كان يتمهّل في أمر حجر، لأنه يعرف فضله عند الناس كصحابي جليل، وكرأس من رجالات علي بالكوفة، وكأمير عربي يرث تاج الكنديين من أقرباء الجدود. وكان المغيرة يعتذر لمن حوله من الأعوان الذي يحضّونه على التنكيل به بقوله: (إني قتلته)، قالوا: وكيف؟ قال : إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي، فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شرّ قتلة([7]).

وبعد هلاك المغيرة تولى الكوفة ابن سمية زياد -لعنه الله تعالى- (سنة 50 أو51هـ)، فخطب زياد يوم الجمعة، حتى ضاق وقت الصلاة (صلاة الجمعة)، فقال حجر، وكان لا يفارق جمعتهم ولا جماعتهم: الصلاة.. فمضى زياد في خطبته، فقال ثانيًا: الصلاة، فمضى في خطبته، وخشيَ حجر فوت الفريضة، فضرب بيده إلى كف من الحصى وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، وحصب أهل الكوفة زيادًا([8]).

وكان ذلك هو ميراثه الشرعي من أمه سمية (وللعاهر الحجر). فهاتان هما جريمة حجر : ردّه السب عن علي (عليه السلام)، ومطالبته بالصلاة بوقتها.

فبعث ابن زياد إلى معاوية كتابًا أملاه على ابن أبي موسى الأشعري:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين، شهد أن حُجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة، ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء ([9]).

فقال زياد: على مثل هذه الشهادةُ، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق.

فشهد رؤوس الأرباع على مثل شهادته، وكانوا أربعة ثم إن زيادًا دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع. فشهد على الصحيفة سبعون من أشراف الكوفة، مثل عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وإسماعيل وإسحاق ابنَي طلحة، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر. فكتب إليه معاوية: شّده في الحديد واحمله إليّ([10]).

وكتب زياد اسم شريح بن الحارث القاضي في جملة الشهود، فأنكر شريح ذلك وكتب إلى معاوية: (أما بعد، فإنه بلغني أن زيادًا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله (فاقبله) وإن شئت فدعه) ([11]).

فكان شريح يقول: ما شهدت ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي فأكذبته ولمته([12]).

طلب زياد حجرًا، لكن جماعة من أصحابه اشتبكت بشرطة زياد عند أبواب كندة، وجماعة أخرى التحمت بهم عند باب داره قرب جبانة كندة، وكان من أبطال هاتين الموقعتين عبد الله بن خليفة الطائي وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهم.

وخرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له يسير في مجالس كندة يحرّضهم على الحرب.

وتخفّى حجر ولم تستطع عيون زياد الذين كانوا يلاحقونه العثور عليه، لأن الناس كلهم أو أكثر من ثلثيهم كانوا يمنعون حُجرًا من هذه العيون، فهدد زياد أهل الكوفة ثم قال لأشرافه: (فليدعو كل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه، وهدد محمد ابن الأشعث، وقال له: لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا دارًا إلا هدمتها، ثم لا تسلم حتى أقطعك إربًا إربًا. فقال له: أمهلني حتى أطلبه، فقال: أمهلتك ثلاثًا، فإن جئتني به وإلا عُدّ نفسك في الهلكى.

فحاول زياد أن يقتل الكنديين بعضهم ببعض بما أمر به ابن الأشعث الكندي، فعلم حجر ما أراده زياد في الكنديين وأصحابهم، فقال: ولكن سمع وطاعة. فسلّم نفسه، فحمل إلى معاوية وسجن([13])، ودارت الشرطة للقبض على الأسماء البارزة من مؤازريه فجمعوا تسعة من أهل الكوفة وأربعة من غيرها -كما يقول المسعودي([14])-. ومكث حجر في سجن الكوفة عشرة أيام حتى جمعوا إليه أصحابه، ثم أُمر بهم فسيقوا إلى الشام، وأمر زياد بإخراجهم عشيّة ليتستر بالظلام حتى لا تقع فتنة بالكوفة.

ونظر قبيسة بن ربيعة أحد أصحاب حُجر فإذا هم يمرون على داره في جبانة عرزم وإذا بناته مشرفات يبكينه، فكلمهنّ ووعظهن، وكذلك مرّوا في طريقهم على دار حجر، وصعدت ابنته إلى سطح دارهم تنظر الركب يساقون للموت، فلما صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق، أنشأت ابنته تقول -ولا عقب له من غيرها، فابنه همام قتل معه- ([15]):

ترفّع أيها القمر المنير
يسير إلى معاوية بن حرب
ويصلبه على بابَي دمشق
تجبّرت الجبابر بعد حجر
ألا يا حُجر حُجر بن عدي

 

 

لعلك أن ترى حجرًا يسير
ليقتله كذا زعم الأمير
وتأكل من محاسنه النسور
وطاب لها الخورنق والسدير
تلقتك السلامة والسرور

 

مقتل حجر

وصلوا بحجر وأصحابه إلى مرج عذراء بغوطة دمشق وهي على بعد اثني عشر ميلاً من دمشق، فحُبسوا هناك، ودار البريد بين معاوية وزياد، فما زادهم التأخير إلا عذابًا.

وجاءهم رجل من قِبَل معاوية في زمرة يحملون أمر معاوية بقتلهم ويحملون الأكفان. وقال لحُجر: إن (معاوية) أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لأبي تراب، وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه.

فقال له حجر وأصحابه: إن الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار.

وحُفرت القبور، وقام حُجر وأصحابه يصلّون عامة الليل، فلما كان الغد قدّموهم ليقتلوهم، فقال لهم حجر: (اتركوني أتوضأ وأصلي، فإني ما توضأت إلا صليت، فتركوه، ثم انصرف وقال: والله ما صليت صلاة أخفّ منها، ولولا أن تظنوا فيّ جزعًا من الموت لاستكثرت منها([16]).

وقال المسعودي : فلما قُدِّمَ حجر ليُقْتل قال: دعوني أصلي ركعتين، فجعل يطوّل في صلاته، فقيل له: أجَزَعًا من الموت؟ فقال: لا، ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، وما صليت قط أخَفَّ من هذه، وكيف لا أجزع، وإني لأرى قبرًا محفورًا، وسيفًا مشهورًا وكَفَنًا منشورًا، ثم تقدم فنحر([17]).

ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها. ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك وندعك!! فقال: ومالي لا أجزع وأرى قبرًا محفورا وكفنًا منشورًا وسيفًا مشهورًا، وإني والله (إن) جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب([18]).

وقال حجر آخر ما قال: لا تطلقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ألاقي معاوية غدًا على الجادة([19]).

وذكر معاوية كلمة حجر هذه، فغصّ بها ساعة هلك، فجعل يغرغر بالصوت ويقول  يومي منك يا حجر يوم طويل!!! ([20])

وروى اليعقوبي في تاريخه عن أبي الأسود قال: (دخل معاوية على عائشة فعاتبته في قتل حجر وأصحابه وقالت سمعت رسول الله (صلى لله عليه وآله) يقول: يقتل بعدي أناس يغضب الله لهم وأهل السماء)([21])؛ وفي كنز العمال: (سيُقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء)([22]).

روي أنهم لما اُنطُلِق بحجر بن عدي كان (عبد الله) ابن عمر يتخبّر عنه فأخبر بقتله وهو في السوق فأطلق حبوته وولى وهو يبكي([23]).

قال الحسن البصري: أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة منها لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها (يعني الخلافة) بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرًا خميرًا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادًا وقد قال رسول الله (صلى لله عليه وآله) الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجرًا، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر (مرتين) ([24]).

وكانت شهادته مع أصحابه رحمهم الله صيف سنة 51 هـ.

والسائرون على سنة معاوية في هذا العصر نبشوا قبر حجر بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا ، وكما قال الشاعر :

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

 

 

في قتله فتتبعوه رميما

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) انظر: إكمال الكمال، ابن ماكولا (475هـ)، ج1 ص، 52، دار إحياء التراث العربي.

([2]) الاستيعاب، ابن عبد البر (463هـ)، ج1ص329، دار الجيل، بيروت، ط1، 1412.

([3]) وسائل الشيعة (آل البيت)، ج30 ص338.

([4]) البداية والنهاية، ابن كثير، ج6 ص252 ؛ ورواه عن البيهقي: إمتاع الأسماع، المقريزي (845 هـ)، ج12 ص219، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999.

([5]) الإصابة، ابن حجر (852هـ) ج2 ص33، دار الكتب العلمية، ط1 سنة1415.

([6]) أعيان الشيعة، الأمين ج4 ص577، دار التعارف، بيروت، ط1983م؛ رواه عن مروج الذهب.

وفي صحاح الجوهري، مادة صبر، يقال: (قتل فلان صبرًا وحلف صبرًا، إذا حُبِسَ على القتل حتى يقتل أو على اليمن حتى يحلف. وكذلك أصبرت الرجل بالألف).

([7]) انظر : تاريخ الطبري، الطبري (310هـ)، ج4 ص189-191، مؤسسة الأعلمي، بيروت؛ والكامل في التاريخ، ابن الأثير (630هـ)، ج3 ص472 -478، دار صادر، بيروت، ط1966م.

([8]) تاريخ الطبري، مصدر سابق، ج4 ص190.

([9]) قال عبد الرحمن بن جندب: يعني بذلك كفرة علي بن أبي طالب، لأنه كان أصلع.

([10]) تاريخ الطبري ج4 ص200 -201.

([11]) انظر: تاريخ مدية دمشق، ابن عساكر (571هـ)، ج8 ص23، دار الفكر، بيروت، ط1415؛ الكامل في التاريخ ج3 ص484.

([12]) تاريخ الطبري ج4 ص200 -201.

([13]) تاريخ الطبري، ج4 ص190.

([14]) صلح الحسن، السيد شرف الدين، ص334، قائلاً: (برواية المسعودي).

([15]) أعيان الشيعة، ج4 ص586.

([16]) انظر: تاريخ اليعقوبي ج2 ص231، دار صادر، بيروت؛ الثقات، ابن حبان ج4 ص176؛ الكامل في التاريخ ج3 ص485.

([17]) مروج الذهب، المسعودي (نسخة الكترونية).

([18]) تاريخ الطبري، ج4 ص205؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج3 ص486.

([19]) تاريخ الطبري، مصدر سابق، ج4 ص191.

([20]) تاريخ الطبري، مصدر سابق، ج4 ص191.

([21]) الإصابة، ابن حجر، ج2 ص33.

([22]) كنز العمال، المتقي الهندي، ج11 ص126، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1989م.

([23]) الإصابة، ابن حجر، ج2 ص33.

([24]) تاريخ الطبري، ج4 ص208.

 

 

مقام عمران في القُلَيْلَة

الشيخ حاتم إسماعيل

 

تمهيد

إن ظاهرة انتشار المراقد والمزارات ليست خاصة بفئةٍ من النّاس دون أخرى، ولا هي مرتبطة بقومٍ دون قوم، بل هي ظاهرةٌ عامة لدى جميع البشر، سواء علماؤهم وجهالُهم، خاصتُهم وعامتُهم، مقاماتُهم الرسميّة وطبقاتُهم الشعبيّة.

ولا شك أن هذه الظاهرة مرتبطة بتاريخ الإنسان على الأرض، فكلّ من يولد آيلٌ إلى الموت، وكلّ موجود إلى زوال، وكلُّ فقيدٍ عزيزٌ على أهله وعشيرته، خصوصًا إذا كان من أصحاب المقامات.

من هنا نجد أن النّاس -وبحسب طبائعهم وجِبِلاتهم- يعملون على تخليد ذكرى موتاهم بطرق مختلفة بحسب اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم واعتقاداتهم المرتبطة بالحياة والموت.

طرائق التخليد

لا شك أن الكائن البشري، ولما يتمتع به من قوة عاقلة وحركة تفكير لا تقف عند حدٍّ من الحدود، قد ابتدع طرائق مختلفة للوصول إلى الغاية المنشودة لتخليد أصحاب المقامات الذين يرتبط بهم، من بناء ونحت التماثيل والصور الحاكية عن المخلَّد، أو إنشاء مؤسسات تربويّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة أو صحيّة أو غير ذلك تحمل اسمه، أو نشر وإشاعة عطاءاته ونتاجه العلمي والإبداعي إن كان من العلماء، إلى غير ذلك من الأساليب التي تحقق هذا الهدف.

ولا يخفى أنه في كثير من الحالات يكون القصد من هذه الأعمال هو المنفعة أو المصلحة، سواء كانت ماديّة أم معنويّة، التي يرجوها القائم على هذا العمل نفسه، من خلال إبراز وفاء أو ارتباط له بالمحتفى به.

ظاهرة المراقد والمزارات

إلا أن الأهم من هذه الإبداعات البشريّة هو إنشاء المزارات وتشييد المراقد لبعض النّاس، وتعظيم شأنهم، حتى تصل إلى مستوى القداسة والكرامة الإلهيّة، وقد يصل الأمر إلى انتحال أسماء بعض الشخصيّات الكبيرة في التاريخ المقدَّس لدى جماعة من النّاس، بغية تحقيق مآرب معيّنة من وراء ذلك، ولهذا تتعدد الأسباب والدوافع لربط النّاس بالموقع المعين، والذي قد يكون ناشئًا من الوهم، أو رؤيا المنام، أو اعتقاد ساذج لدى بعض النّاس، دون أن يعني ذلك فقدان المبرر المنطقي أو الديني أو القداستي لجميع المراقد المقدّسة لدى الجماعات البشريّة.

إن الأساس المتين والتصور الصحيح لبعض المراقد والمزارات، وانجذاب النّاس بشكل طبيعي لمقدساتهم، وظهور بعض الآثار الميدانيّة، من استجابة دعاء، أو استحقاق نذر، أو ظهور شفاء مفاجئ لمريض، يشكّل أرضيّة خصبة، ويهيّئ الذهن لتقبل فكرة التقديس للبقعة التي حصل فيها ذلك، ويجعل منها بقعة مباركة بنظره، الأمر الذي يدفعه إلى تقديم العطاءات والهبات لتلك البقعة، إشباعًا لحاجته الروحيّة، والتي لا يجد لها تفسيرًا ماديًا محسوسًا لما بين يديه من معطيات علميّة، فلا بد أن تكون آتيةً من عالم الغيب، فيُعبَّر عنها بالمعجزة والكرامة وأشباه ذلك.

المزار والنبي

كثيرًا ما يُطلَق في أَلسِنة العامة على أصحاب هذه المراقد والمزارات اسم [النبي]، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون نبيًا بالمعنى الاصطلاحي، أي بمعنى أنه يتلقّى الوحي من الله تعالى، بل منشأ ذلك إما أن يكون نحوًا من التساهل في التعبير، بغية زيادة التقديس للبقعة المعيّنة وصاحبها، فإن ذلك أوقع في نفس المتلقي، وأدعى لتقبّل المقام ورفعة شأنه.

وإما أن يكون مأخوذًا من المعنى اللغوي للكلمة، والتي لا يخلو جذرها أن يكون "نبا" بمعنى ارتفع عن الأرض، أو بمعنى "نبأ" أي أخبر بالمغيّبات، ومناسبة الإطلاق ظاهرة، أما في الأول فمن جهة بروزه وارتفاعه عن سائر القبور لسبب من الأسباب. وأما الثاني فنظرًا لوجود الكرامة لصاحب المقام فكأنه يُنبِئ عن المغيّبات.

فمثلاً في البقاع اللبناني قرية تدعى "حام"، وفيها مقام منسوب لحام ابن النبي نوح (عليه السلام)، ويعبّر عنه باسم [النبي حام] مع أن حام بن نوح لم يكن من الأنبياء جزمًا، أما في الكتاب المقدس وثقافة أهل الكتاب فهو ملعون على لسان أبيه، ومطرود من رحمة الله تعالى. وأما في الثقافة الإسلاميّة فلا يوجد أي إشارة إلى أنه من الأنبياء، بل توجد رواية في علل الشرائع للشيخ الصدوق تدل على أنه كان عاقًا لأبيه (عليه السلام)، وتؤيد في مضمونها ما ورد في سِفر التكوين إجمالاً، ولم يمنع ذلك عامة النّاس من إطلاق لفظ "النبي" عليه.

وهكذا الحال في إطلاق لفظ النبي على [نجوم] قرب بلدة شمسطار، و[النبي عطاف والنبي صادق] في بلدة بوداي، و[النبي عطريف] في بلدة الخريبة، و[النبي ساري] في بلدة عدلون، و[النبي صافي] في إقليم التفاح، مع أنه لم يرد أي ذكر لأنبياء بهذه الأسماء، مما يدل دلالة أكيدة على التساهل في إطلاق اسم النبي على هذه المشاهد والقبور.

مقام عمران

ومن المشاهد، التي أخذت بُعدًا تقديسيًا في الفترة الأخيرة، مقام عمران الواقع في مزرعة عمران شرقي بلدة [القُلَيْلَة] جنوب مدينة صور الساحليّة في جبل عامل.

وهذا المقام يشتمل على ضريح مجهول لرجل صالح يحمل اسم عمران، بحسب ما اشتهر على أَلسِنة أهل المنطقة، وتُقدَّم له العطايا والنذور والهبات، وتروى له كرامات ومعجزات.

وقد بُني على هذا الضريح غرفة تعلوها قبّة صغيرة، يرجع بناؤها إلى العصر العثماني.

ثم إنه في الفترة الأخيرة، في سنة 1996م. وأثناء حرب أعداء الإنسانيّة على لبنان والمسمّاة (عناقيد الغضب)، سقطت قذيفة قريبًا من القبر، فأظهرت بعض الآثار التي ترجع إلى الحقبة البيزنطيّة.

من هو عمران؟

لا توجد أيّة وثيقة تاريخيّة، أو لوحة على القبر أو في محيطه تدل على هويّة صاحبه، بل لا توجد أيّة إشارة حوله.

إلا أنه وفي الفترة الأخيرة، وبعد انتشار "فِريَة" قانا الجليل، التي نُسِبَت فيها بعض الأمور إلى السيد المسيح  (عليه السلام)، بعنوان معجزة اجترحها هناك، وقد أثبتنا زيفها وخطأها في كتاب (قانا الجليل-المعجزة الخطيئة)، ظهرت عدة محاولات تربط صاحب القبر بالسيدة مريم العذراء ÷، وأنه والدها المذكور في القرآن الكريم، على اعتبار أن المنطقة قريبة من بلدة قانا.

ولعل أول من حاول ادعاء ذلك هو الأب مخائيل عبّود، ضمن مقال نشره في جريدة السفير اللبنانيّة الصادرة بتاريخ 25/12/1993، يقول فيه: (إن مريم بنت عمران (العذراء) هي من بلدة القُلَيْلَة الواقعة جنوب صور، وما يزال قبر والدها عمران قائمًا حتى اليوم، وهو مزار ويُسمّى مزار النبي عمران وجميع أهالي المنطقة يعرفونه)([1]).

ولا يخفى أنّه مجرد ادعاء، لا يستند إلى دليل علمي أو حسّي، ولا إلى وثيقة أو مرجع تاريخي.

واقتفى أثره الأستاذ الدكتور وجيه أبو خليل، وحاول إثبات أن الضريح الموجود هو لعمران والد السيدة مريم العذراء ÷، مصرِّحًا بأن غايته من ذلك البحث جعلُ المنطقة مَعلَمًا سياحيًا يقصده الوافدون من مختلف المناطق.

وقد استدل أبو خليل على مدَّعاه بدليلين:

أحدهما: أنه لم يرد في التاريخ إلا اسم رجلين يدعيان عمران، الأول والد النبيَّيْن موسى وهارون (عليهما السلام)، والثاني والد السيدة مريم العذراء ÷.

والدليل الآخر: وجود بعض الآثار التي كُشِف عنها مؤخرًا وتبيّن وجود نفق إلى الجانب الشرقي للضريح (وكان خزان مياه)، إضافة إلى وجود قطع فسيفساء عليها رسم صليب ورسم قلب([2]).

ولا يخفى أن كلا الوجهين اللذَين استدل بهما لا يرقيان إلى مستوى الدليليّة ولا يثبتان ما ادَّعاه:

أما الدليل الأول: فهو كاشف عن عدم الاستقراء والمتابعة التاريخيّة، وذلك لكثرة الرجال الذين يحملون هذا الاسم في التاريخ، ونذكر هنا مثلاً أن السيد الخوئي + قد ذكر خمسة وخمسين رجلاً من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الذين رووا أحاديثهم الشريفة، ونقلوا أخبارهم، دون غيرهم ممن يحملون هذا الاسم([3]).

ومن المعلوم أن علماء الشيعة، بل ومختلف رجالاتهم كانوا على تواصل مستمر مع جبل عامل وأهله، من مختلف البلاد الإسلاميّة، والتي يغلب عليها مذهب التشيَّع لأهل البيت (عليهم السلام). فمقولته أن التاريخ لم يتحدث عن أحد يحمل اسم عمران إلا والد النبي موسى  (عليه السلام)، ووالد السيدة مريم  ÷ يفتقر إلى الدقة.

وأما الدليل الثاني: فهو غريب في نفسه، ذلك أن الآثار المكتشَفة ترجع إلى الحقبة البيزنطيّة، أي إلى فترة ما بعد المسيح بأكثر من قرن من الزمان كما هو معلوم. بل إنَّا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدولة البيزنطيّة قد تنصَّرت في القرن الرابع الميلادي أي في عام 325م. تبيَّن أن الآثار المسيحيّة العائدة إلى تلك الحقبة، لا بدّ وأن تكون قد بُنِيَت بعد ذلك بزمن.

هذا بالإضافة إلى أنها أقدم من الناحية التاريخيّة من القبر الموجود، كما تشهد به المعاينة الميدانيّة للمكان، وهذا يعني أن صاحب القبر الموجود قد عاش في فترة لاحقة، ولا بد أن تكون بعد الإسلام، مما يكشف بما يقارب اليقين أنه من رجالات المسلمين.

ويدل على ذلك أن اتجاه القبر نحو قِبلَة المسلمين، أي أن اتجاه الجسد من الشرق إلى الغرب، وهي الطريقة الخاصة بالمسلمين في دفن موتاهم.

مقام النبي عمران

بقي أن نشير هنا إلى أن المقام المذكور قد اشتهر بين النّاس أنه مقام النبي عمران، واتصافه بالنبي لا يخلو من دلالة أو إشارة إلى أنه ليس مجرد رجل صالح، أو عالم من علماء المسلمين، بل هو من الأنبياء المرسلين، فلا يخلو أمره من أن يكون والد النبي موسى  (عليه السلام)، أو والد السيدة مريم ÷.

أما والد النبي موسى  (عليه السلام) فلم يثبت أنه من الأنبياء، بل في رواية عن أبي ذر عن رسول الله (صلى لله عليه وآله) أنه قال: (أول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وستمائة نبي)([4]).

كما أنه لم يرد له أي شأن أو موقع في القرآن الكريم، بل ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) جملة من الروايات، مفادها أن يوسف الصديق (عليه السلام) حين حضرته الوفاة أخبر سائر بني إسرائيل بما سيحلُّ بهم من الذل والاستعباد وقتلِ الرجال في أرض مصر حتى يأتيَ رجل من نسل لاوي اسمه موسى بن عمران يخرجهم من البلاء الذي حلَّ فيهم([5]).

وقد اشتهر هذا الأمر بين بني إسرائيل على العموم، وكانوا يتحدثون في أنه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون على يديه، عند ذلك عمل فرعون على قتل جميع الأولاد، وبقرِ بطون الحبالى ليتخلَّص من هذه المشكلة([6]).

وبناءً عليه فلا يحتمل أن يكون المراد بصاحب المقام والد النبي موسى  (عليه السلام).

ولازمه أن يكون المتعيِّن هو عمران والد السيدة مريم ÷، فقد ورد عن أبي بصير أنه قال: سألت أبا جعفر (الباقر)  (عليه السلام) عن عمران أكان نبيًا؟ فقال: نعم كان نبيًا مرسلاً إلى قومه وكانت حنَّة امرأة عمران وحنانة امرأة زكريا أختين... إلى آخر الحديث([7]).

وفي جملة من الروايات أن الله تعالى قد أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرًا مباركًا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وأني جاعله رسولاً إلى بني إسرائيل... إلى آخر الحديث([8]).

ولكن هذا الاحتمال ساقط أيضًا:

أما أولاً: فلأن اسم والد السيدة مريم ÷ لم يكن معروفًا بعمران قبل نزول القرآن الكريم، مع أن أصل الاسم معروف لدى بني إسرائيل بصيغته العبريّة (عميرام)، وهو اسم والد موسى وهارون (عليهما السلام).

وقد أهمل التراث المسيحي كل ما يتعلق بعائلة مريم ÷، بل ومريم نفسها، فإنَّا لا نجد في ذلك التراث أي حديث ذي أهميّة عنها وعن أبويها، وما ذكرته الأناجيل القانونيّة عنها مجرد إشارات هامشيّة جدًا، ترتبط بعلاقتها المفترضة بيوسف النجار!! وبعلاقتها بالسيد المسيح  (عليه السلام) نفسه.

إن رجلاً قد أهمل التاريخ أي ذكر له في المدونات الرسميّة للكنيسة أكثر من سبعة قرون لا يحتمل أن يكون له قبر معروف، بحيث تظهر حقيقته بعد هذه المدة الطويلة كما هو ظاهر.

وأما ثانيًا: فلأنه قد ورد في بعض الأناجيل المنحولة أن اسم والد السيدة مريم ÷ هو (يواكيم)([9])، فبالإضافة إلى أن الكنيسة الرسميّة لا تعترف بهذه الأناجيل، بل منعت التداول بها، وأخفتها، وألقت الحُرم الكنسية على من يعتمدها، لا توجد أية وثيقة رسميّة تؤكِّد هذه الحقيقة أو تنفيها.

وعلى فرض صحة ذلك، فإنّ من غير الطبيعي أن يُغَيّر اسم صاحب الضريح بمرور الأيام، وتغيّر الحضارات والثقافات، فإن الأمر الأكيد أن أسماء الأعلام سواء لأصحاب المقامات من الرجال، أو أسماء البلدان والقرى قد حافظت على ما كانت عليه -في جبل عامل بالخصوص- من قديم الأيام إلى يوم النّاس هذا.

وبناء عليه فيبدو من غير المنطقي أن يُغَيّر اسم هذا الرجل دون سواه من الأشخاص والأماكن في هذه المنطقة بالذات.

وأما ثالثًا: فلأن الظاهر أن موطن والد السيدة مريم ÷ كان في بيت المقدس، لا في الجليل، فإنها بعدما ولدت كفلها زكريا (عليه السلام)، وأسكنها في الهيكل، كما تدل عليه الآيات القرآنيّة، وجملة من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام)، قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا}([10])، كما دلّت الروايات على أنها أقامت في المسجد([11]). والمتبادر من المسجد هو بيت المقدس كما لا يخفى.

وهذا ما يظهر من إنجيل "متّى" المنحول أيضًا، فقد ورد فيه: (وحدث أن يواكيم قَدِمَ في أيام العيد بين الذين يحملون قرابين للرب، يقدِّم هباته في حضرة الرب. لكن كاتبًا من الهيكل اسمه روبين، قال له وقد اقترب منه: "لا يليق منك التدخل في الذبائح التي تُقدَّم لله، لأن الله لم يباركك، طالما أنه لم يمنحك ولدًا في إسرائيل"، وانسحب يواكيم من الهيكل باكيًا، مهانًا في حضور الشعب، ولم يعد إلى بيته، لكنه مضى نحو قطعانه، وقاده معه الرعاة إلى الجبال، إلى بلاد بعيدة)([12]).

فهو يشير إلى أن بيته وقطعانه كانا في مكان قريب من الهيكل، ولا بد أن يكون هيكل بيت المقدس، فإنه هو المتبادر من الكلمة عند إطلاقها كما لا يخفى.

وأما الجليل فهو اسم قديم لهذه المنطقة، ويرجع تاريخ هذه التسمية إلى ما قبل موسى (عليه السلام)، حيث ورد في سفر يشوع -الذي هو وصي موسى (عليه السلام)- ذكر الجليل على أنه أمر معروف ومتسالم عليه([13]). وفي أقل الفروض هو معاصر له، مما يكشف الخطأ الفاضح الذي وقع فيه بعض الكتَّاب المسلمين، حيث عَنْوَنَ المقام الكائن في بلدة قانا والمعروف بـ "الجليل"، ونسبه إلى عيسى (عليه السلام)([14]).

ولقد غلب على الجليل اسم جليل الأمم، منذ أيام أشعياء النبي([15])، نظرًا إلى أن أكثر سكانه إن لم نقل كلهم كانوا من الأمم، لا من بني إسرائيل.

وهذا يعني أنه من غير المحتمل أن يكون الهيكل المذكور في بلاد الجليل، بل ما نطمئن إليه أن المراد به هيكل بيت المقدس.

بقي أن نشير هنا إلى أنه توجد في قريتنا [دير قانون رأس العين] -القريبة من بلدة القلَيْلَة موقع الضريح المذكور، والقريبة من بلدة قانا كذلك- توجد قطعة أرض تشتمل على أشجار زيتون وخروبة، بعضها سماوي موقوف باسم عمران على أكفان([16])، تُصرف على فقراء المسلمين، دون أن يُعرَف من هو عمران هذا، ومن المحتمل قويًا أن يكون هو عمران القلَيْلَة، إذ لم نعهد أحدًا أو شهرة أحد بهذا الاسم في الفترة القريبة منا.

فإذا صح هذا الاحتمال كان عمران من رجال المسلمين بلا ريب، إذ من غير المحتمل أن يراد به والد السيدة مريم ÷، وقد وقف أشجاره على فقراء المسلمين، كما هو ظاهر.

ولكنّه نبي

لا شك في أن مصطلح النبي المستعمل في مثل هذه المقامات لا يدل على المعنى المتبادر من الكلمة للوهلة الأولى، وإنما هو ناشئ من تساهل النّاس في استعمال المصطلح، وذلك أنهم -بحسب العادة- يطلقون هذا اللقب على من ظهرت له كرامة بنظرهم، سواء كانت صحيحة أم لا، بل نشأت من حكايا شعبيّة، وقصص متخيَّلة، نتيجة ارتباطهم بعالم الغيب وعدم قدرتهم على تفسير ظاهرة من الظواهر المرتبطة بالمقام المعيَّن أو بصاحبه.

إن استطلاعًا بسيطًا لبعض الأماكن التي يطلق عليها اسم النبي في جبل عامل، بل في لبنان عمومًا، تثبت هذه الحقيقة:

فمثلاً نجد في قرية عين قانا مقام النبي "محمد الباقر"، وفي بلدة سجد قرب جزين مقام النبي "سُجُد"، وفي بلدة تول مشهد النبي "فوار"، وفي بلدة محيبيب -قرب ميس الجبل- مقام النبي "محيبيب" ، وهو منسوب إلى بنيامين بن يعقوب (عليه السلام)، وقرب بلدة جُبَع (جباع حاليًا) مقام النبي "صافي"، وفي بلدة مركبا مقام النبي "منذر"، وفي بلدة شحور مقام النبي "شحور".

هذا في جبل عامل، وإذا ذهبنا إلى البقاع، وجدنا أسماء أنبياء آخرين، كمقام النبي "جبرائيل" في الهرمل، ومقام النبي "حام" في بعلبك، ومقام النبي "سام" في شمسطار، وغير ذلك من المقامات المسماة بمقامات الأنبياء، مع أن أكثر هؤلاء المذكورين، إن لم نقل كلهم، ليسوا من الأنبياء قطعًا.

وفيما يرتبط بمقام النبي عمران محل الكلام، فإن إطلاق لفظ النبي عليه متأخر جدًا، ويرجع إلى ما بعد الحرب العالميّة الأولى، وأما قبل ذلك فلم يكن ذا أهمية تذكر، بل كانت بجواره قرية تدعى "مزرعة عمران"، ولها دفتر نفوس، التحق أهلها فيما بعد ببلدة القلَيْلَة، ولا يزالون يحتفظون بسجلاتهم الخاصة -كما يبدو-، وقد ورد ذكرها في هدنة (684هـ 1285م) الموقّعة بين السلطان المملوكي قلاوون وملكة صور باسم دير عمران([17]).

وربما يقال بأن إطلاق اسم الدير عليها يدل على أنها من الحواضر المسيحيّة، وهو ما يعيد فرضيّة أن يكون عمران هو والد السيدة مريم ÷ إلى الواجهة من جديد.

ولكنها مجرد فرضيّة لا تفيد بشيء، لأن كلمة "دير" في الأصل اللغوي لا تعني المسيحيّة، لأن أصلها الدور أو الدار، وبالتالي فهي تعني مكان السكن([18])، وما أكثر القرى العامليّة التي تبدأ بكلمة دير، مثل دير قانون، دير كيفا، دير دغيا، دير الزهراني، دير سريان، وغيرها كثير. ومن المعلوم أن هذه القرى ليست مساكن للرهبان النصارى، لعدم تقارب الأديرة من الناحية الجغرافيّة بهذا المستوى، مع أن حياة الرهبان الأوائل كانت تعتمد على العزلة والابتعاد عن حياة النّاس، وكثيرًا ما كانوا يفضّلون العيش في الكهوف البعيدة.

ولو فرض أنها تدل على كونها حاضرة مسيحيّة، فهو لا يدل على المدعى، لوضوح أن كلمة الدير في المسيحيّة تدل على مسكن الرهبان، ومن المعلوم أن مساكن الرهبان كانت ذات بعد فردي وحياة خاصة منعزلة لدى كل راهب، وهي لم تتخذ بُعدًا جماعيًا في لبنان قبل القرن الثاني عشر الميلادي مع بدء الحروب الصليبيّة.

وأما قبلها فكانت مساكن الرهبان هي المغاور والكهوف والأماكن الوعرة من الجبال والوديان، كما كانت تتسم بالعزلة والتوحد في الحياة.

هذا كلّه بالإضافة إلى أنه لم يكن من المعهود في حياة الرهبنة أن تكون مساكنها حول قبور الأولياء والصالحين([19]).

وأما كلمة عمران فلا تدل على ملكيّة الأرض، أو انتماء إلى الشخص أو نحو ذلك، فإن كثيرًا من القرى والمدن تسمى بأسماء أشخاص لهم موقع في نفوس النّاس، دون أن يعني ذلك انتسابهم من الناحية الواقعيّة إليها كذلك، كما يظهر جليًا من ملاحظة أسماء كثير من القرى والبلدات.

مع الأب يوسف يمّين

من المفارقات الغريبة واللافتة أن نجد كاهنًا مسيحيًا هو الأب الدكتور يوسف يمّين قد أصدر كتابًا حول ولادة السيد المسيح (عليه السلام) أسماه "المسيح ولد في لبنان لا في اليهوديّة"، حاول جهده فيه أن يثبت علاقة السيد المسيح (عليه السلام) بقانا الجليل، ومزرعة عمران، يغلب عليه الطابع الخطابي، دون العلمي الاستدلالي إلا قليلاً.

والغريب في الأمر إنكاره نَسَب السيد المسيح المذكور في إنجيلَي متى ولوقا، بل واتهمهما بالتناقض، وافتعال النَسَب الذي يرجعه إلى داود (عليه السلام)، بل هو أنكر أن يكون إسرائيليًا أصلاً، وزعم أنه رجل كنعاني، لا علاقة له باليهود، وهذا في الحقيقة إنكار للحقيقة القرآنيّة، وما تسالم عليه الإنجيليّون والكنيسة الرسميّة على العموم.

وما يزيد الأمر غرابة، أنه استند إلى مقالة الدكتور وجيه أبو خليل في إثبات أن صاحب الضريح "عمران" هو والد السيدة مريم العذراء ÷، وأن اسمه في العبريّة "يواكيم" الوارد في الأناجيل المنحولة كما تقدم، رغم عدم تعرّض الكنيسة الرسميّة له من قريب أو بعيد، حسب اطلاعنا.

وهذا يعني أنه إذا استند إلى هذه الأناجيل في إثبات اسم والد السيدة مريم ÷ فلا بد له أن يلتزم بكونه إسرائيليًا، كما صرّحت به هذه الأناجيل([20])، وهذا يستلزم خروجه من سلك الكهنوت الرسمي.

أما أن يكون انتقائيا، يأخذ ما يريد من دون حجّة ولا بيّنة، فليس من العلميّة في شيء.

وإذا لم يكن مستنده هذه الأناجيل المنحولة، فلم يبيِّن لنا هذا المستند ليمكن الرجوع إليه وملاحظة ما فيه.

وأما حمْلَتُه على الأناجيل القانونيّة، واتهامها بالتناقض والتلاعب والتحريف، فيستلزم خلو المسيحيّة عن المستند الشرعي والقانوني لبقائها وصحتها، وهو ما ينسحب على قداسة المسيح نفسه، وعلى السيدة العذراء ووالدها، فتسقط شرعيّة هذه الديانة وقانونيتها من الأساس.

وليت شعري ما الذي يبقى للأب الدكتور يوسف يمّين بعد كل هذا، من بعد بحثه وتجشمه عناء الكتابة والتأليف.

كلمة أخيرة

وهكذا يظهر أن المقام الذي يحمل اسم عمران في بلدة القلَيْلَة العامليّة لا يمتُّ إلى السيدة العذراء ÷ بِصِلَة، فإن الأدلة والشواهد التاريخيّة تؤكِّد أنه ضريح رجل مسلم وإن كان مجهول الهوية، وأما ما ذكروه من أدلة على أنه يرجع إلى ما قبل الإسلام، فلا يدل عليه أي دليل ولا يرجع إلى أي معنى محصّل. والله تعالى أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
 

([1]) أبو خليل، وجيه، القلَيْلَة ممر الأنبياء ومقر الأولياء، دار عون، 1998، ص191، عنه.

([2]) القلَيْلَة، المصدر السابق، ص 190-192.

([3]) راجع: معجم رجال الحديث، ج13.

([4]) بحار الانوار، ج13، ص7.

([5]) راجع مثلاً: بحار الأنوار، ج13، ص36.

([6]) المصدر نفسه، ص25.

([7]) المصدر نفسه، ج14، ص202.

([8]) راجع مثلاً: المصدر نفسه، ص303.

([9]) كإنجيل يعقوب، وإنجيل الطفولة (أو متى المنحول): راجع على سبيل المثال: الأناجيل المنحولة، ترجمة إسكندر شديد، دير سيدة اللويزة، 2004، ص32، وص81.

([10]) آل عمران من الآية 37.

([11]) يلاحظ بحار الأنوار، ج14، باب قصص مريم وعيسى (صلى لله عليه وآله).

([12]) الأناجيل المنحولة، مصدر سابق، ص82.

([13]) سفر يشوع20/7.

([14]) أماكن مقدسة من لبنان، علي خير الدين، دار المحجة البيضاء، 2012، ص207.

([15]) سفر أشعياء: 9/1.

([16]) المراد بالسماوي هو تسبيل أو تمليك الشجر مع بقاء عين الأرض في ملك المالك، ويمكن أن يُجعل مثالاً لذلك إرث الزوجة، بناء على أنها ترث في الشجر دون عين الأرض. والمراد بالوقف على الأكفان هو أن يُشترى بنماء العين الموقوفة أكفان للموتى.

([17]) الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل، علي داود جابر، دار الهادي، بيروت، 2005م. ص370.

([18]) يمكن مراجعة معجم البلدان لياقوت الحموي ج2 ص495، ومعجم أسماء المدن والقرى اللبنانية، أنيس فريحة ص71.

([19]) للتوسع في هذه النقطة يمكن مراجعة كتاب: "ظاهرة الحياة الرهبانية - نشأتها. طرقها. تنظيمها"، الأب جوزيف قزي، والأب إيميل عقيقي، دير سيدة النصر، 1999.

([20]) الأناجيل المنحولة، مصدر سابق، (إنجيل يعقوب)، ص32، وإنجيل متى المنحول، ص81، من الأناجيل المنحولة، وإنجيل مولد مريم، ص117 منه.

 

 

انتخابات المجلس التمثيلي الأول 

من 24 أيار 1922 لغاية 13 كانون الثاني 1925 

(دراسة في البنية الاجتماعية للنخبة النيابية الأولى في لبنان)

د. وشاح جودت فرج 

 

 مقدمة

شهد لبنان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، سلسلة من الأحداث، ساهمت في تعديل بنيته السياسية، ورسمِه مجددًا وِفقًا لذاك التغيير الحاصل، الذي فرضته الظروف آنذاك.

وبدمج المتصرفية ذات الغلبة المسيحية، مع مدن الساحل، والأقضية ذات الغلبة الإسلامية، تحققت رغبة "الفرنسيين في إيجاد توازن طائفي في لبنان بدل الوطن المسيحي الذي شكَّلته المتصرفية بحماية دولية.."([1]).

ومنذ إعلان الجنرال "غورو" قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، اقترنت ولادة الكيان اللبناني بطرح إشكالية هوية وانتماء هذا الكيان، وذلك لعدم قبول سكان المناطق الملحقة به بحقيقة وجوده، ومطالبتهم الدائمة بالانضمام إلى سوريا.

فبرز تياران: تيار مرحِّب بالانتداب ويدعو للتعامل معه وهو التيار الواسع الانتشار في صفوف المسيحيين، وتيار معارض للانتداب ويستمر في دعوته إلى الوحدة مع سوريا، وهو التيار الغالب في صفوف المسلمين. وقد اتخذ هذا الانقسام وجهًا طائفيًا، وتحققت دولة لبنانية ذات توازن إقليمي وسكاني وطائفي أقامها الفرنسيون وِفقًا لمخططاتهم.

وبعد نشأة الدولة الحديثة في العام 1920، عمدت السلطات الفرنسية الانتدابية في البلاد التي سيطرت عليها، ومنها سوريا ولبنان، إلى استحداث مؤسسات تمثيلية، تعكس رغبات السكان وتطلعاتهم، باعتبار أن هذا سيتوافق مع شعارات تأهيل وتدريب الشعوب الخارجة من السيطرة العثمانية على حكم نفسها بنفسها. إلا أنها في الواقع مارست سياسة للتمثيل الشعبي تتوافق مع التوجهات العامة للانتداب، وتستجيب لمصلحة فرنسا كدولة لها حضورها الوازن في المشرق العربي والعالم.

وفي هذا الإطار، ليس أدلّ على ذلك من توجيهات رئيس الوزراء الفرنسي إلى الجنرال "غورو"، حول كيفية التعاطي مع المناطق المنتدَب عليها بما يخدم المصالح الفرنسية، وذلك من خلال الإبقاء على وضع سوريا متخلِّفًا، وتثمير الجالية اللبنانية -كما يسميها- في سوريا، من خلال فرنَسَة لبنان ما أمكن. ولأجل ذلك يجب أن تبقى في بيروت وجبل لبنان سلطة فرنسية مهمة تتمتع باستقلال واسع حتى وإن كانت المفوضية العليا في مكان آخر([2]).

ومن هنا ظهرت مؤسسة البرلمان اللبناني منذ قيام المجلس التمثيلي الأول عام 1922م على أساس التوزيع الطائفي وِفقًا لحجم كل طائفة، وبنى المرشحون تحالفات ما بين الطوائف، فراحت سلطة الانتداب تدعم الزعامات الموالية لها، في حين مارست سياسة الإقصاء والإبعاد مع كل من يخالف توجهاتها ممن ينتمون إلى أحزاب سياسية، أو مجموعات غير طائفية. وقد نتج عن هذه السياسة التي انتهجها المنتدِّب الفرنسي ظهور نخبة سياسية طائفية من تجار المدن، ومن العائلات والعشائر في المناطق الملحقة في البقاع والجنوب والشمال، والتي كان كبار ملاك الأراضي يمثلون السلطة الاجتماعية-السياسية المسيطرة فيها([3]). وعلى هذا النحو فإن العلاقة مع الانتداب كانت المعيار الأساسي في وصول الزعامات الجديدة إلى القيادة السياسية، أو في هبوط أخرى إلى صفوف الممانعة والمعارضة.

وقبل الولوج في موضوع البحث، لا بد من الإشارة، إلى أن مجلس الإدارة الذي انتُخِب أواخر عهد المتصرفية استمر يمثل السكان، لكن جنوح هذا المجلس نحو الوحدة مع سوريا، دفع بالجنرال "غورو" إلى إلقاء القبض على بعض أعضائه، مما أوجد فراغًا في الجانب التمثيلي للسكان. فأقدم في 12 تموز من عام 1920م على إصدار القرار رقم 273، الذي قضى بإلغاء هذا المجلس وإنشاء لجنة إدارية([4]).

كانت اللجنة الإدارية للبنان الكبير بمثابة أول هيئة تشريعية أو مجلس نيابي. تألفت في البدء من 15 عضوًا، ثم ارتفع عددهم إلى سبعة عشر عضوًا في 22 أيلول بموجب القرار رقم 369 الصادر عن الجنرال "غورو"([5]). اقتصرت مهمتها على مناقشة الموازنة، والفصل في بعض المسائل الإدارية، إذ لم يكن لها أية صفة تشريعية أو تنفيذية، بل كانت مجرد لجنة استشارية يقصد منها إيهام أهل البلاد بأن الفرنسيين يشركونهم في حكم البلاد([6]). استمرت حتى 8 آذار من العام 1922، بعدما أصدر وكيل المفوض السامي "روبير دي كي" قرارًا حمل الرقم 1304 قضى بحلِّ هذه اللجنة([7]) واستبدالها بمجلس تمثيلي، يتم انتخاب أعضائه الثلاثين لمدة أربع سنوات، على أساس نسبة عدد كل طائفة من الطوائف الموجودة في دولة لبنان الكبير.

وبانحلال اللجنة الإدارية، التي سعت من خلال صلاحياتها المحدودة، أن تدافع عن سيادة واستقلال لبنان، وعن مصالحه الحيوية، انتهت مرحلة، وبدأت مرحلة جديدة من مراحل تطوير نظام الحكم في لبنان.

1- إحصاء عام 1921:

بعد إعلان دولة لبنان الكبير، أصدرت السلطات الانتدابية القرار رقم 763 تاريخ 9 آذار 1921، الذي يقضي بالقيام بإحصاء شامل للدولة، كما ويطلب فيه من وكيل المندوب السامي "روبير دي كي" ضرورة إجراء إحصاء للسكان خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدور القرار، لأن إحصاء السكان في دولة لبنان الكبير، هو لازم للقيام بتمثيل الحكومة اللبنانية، وتوزيع التكاليف والموارد العمومية على قواعد عادلة([8]).

وفي مطلع العام 1922 نشرت السلطات الفرنسية إحصاءً للسكان موزعين حسب المناطق والطوائف، واعتمدت هذا الإحصاء أساسًا لتوزيع المقاعد النيابية في أول مجلس تمثيلي للبنان جرى انتخابه وِفقًا لأول قانون انتخابي حمل الرقم 1307 تاريخ 10 آذار 1922، حيث اعترض الوحدويون المسلمون آنذاك، على شكل الهويات التي تقرر تزويد المواطنين بها، وأعلنوا تصميمهم على مقاطعة الإحصاء، وعلى الرغم من موافقة الجنرال "غورو" بأن يُقصَّ من تذكرة الهوية شطرها الأدنى، الذي يشير إلى أن حامل التذكرة لبناني"([9]). إلا أن قسمًا كبيرًا من المسلمين قاطع هذا الإحصاء، وبقي عشرات الألوف منهم "مكتومين" ودون هويات([10]).

فالمشكلة الديموغرافية اللبنانية، هي سياسية أكثر منها اجتماعية-اقتصادية أو علمية، فالأساس الطائفي للحياة العامة، جعل التعداد الديموغرافي الدقيق يعتبر كأنه انتقاص حقوق بعض الطوائف، وزيادة عدد طوائف أخرى، وهذه النظرة للأمور هي السبب المباشر لعدم وجود إحصاءات دقيقة لسكان لبنان، فباتت التقديرات الدورية المحتسبة مشكوك بأمرها، لأنها كانت أقرب إلى البيانات الوهمية أكثر منها إلى مسوحات إحصائية دقيقة يمكن الركون إلى صحتها.

وقد جاءت نتائج الإحصاء على الشكل التالي([11]):

جدول رقم (1)

الإحصاء السكاني لعام 1922 

 

الطائفة

المنطقة

موارنة

سنّة

شيعة

ر.أرثوذكس

دروز

كاثوليك

بروتستانت

مختلف

المجموع

مدينة بيروت

17763

32882

3274

12672

1522

4256

544

4907

77820

عدد النواب

1

2

-

1

-

1 عن الأقليات

5

مدينة طرابلس

2076

26094

3

6824

1

186

185

764

36153

عدد النواب

-

1

-

-

-

-

-

-

1

لبنان الشمالي

52719

23594

451

28932

11

962

298

844

107791

عدد النواب

2

1

-

1

-

-

-

-

4

جبل لبنان

97368

9333

7523

15519

33478

8801

1207

569

173798

عدد النواب

5

-

-

1

2

-

-

-

8

لبنان الجنوبي

17255

13397

62796

5673

3519

11242

1434

629

115945

عدد النواب

1

1

3

-

-

1

-

-

6

لواء البقاع

11980

19506

30900

11789

5102

17015

547

723

97562

عدد النواب

1

1

2

1

-

1

-

-

6

مجموع السكان

199181

124786

104947

81409

43633

42462

4215

8436

609069

مجموع النواب

10

6

5

4

2

2

1 أقليات

30

يستدل من خلال هذا الجدول أن الكتلة المسيحية تشكل حوالي 54% من إجمالي السكان في دولة لبنان الكبير: موارنة 32،7 %، أرثوذكس 13،36%، كاثوليك 6،97 % وبروتستانت 0،69 % . بينما شكلت الكتلة الإسلامية حوالي 45% من إجمالي السكان: سنّة 20،48 %، شيعة 17،23 % ودروز 7،16 %. ويبقى: مختلف: 1،38%.

أما أبرز الدلالات التي يعكسها هذا الإحصاء، فهو الوزن الواضح للطائفة المارونية، بحيث شكلت لوحدها حوالى ثلث سكان لبنان، أي ما نسبته 32،7 %، تليها الطائفة السنية، ثم الطائفة الشيعية، الأمر الذي سيترك نتائج مهمة فيما بعد على تطور الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع اللبناني .

فالتكوين اللبناني المتنوِّع، سوف يؤسِّس لاحقًا إلى مزيج من التفاعلات بين تلك المكونات، بغية إعادة إنتاج السلطة، ومواقع النفوذ، على أساس الأنصبة السلطوية، التي ستفرد لكل طائفة من الطوائف. فسلطات الانتداب، عمدت منذ أن وضعت يدها على سوريا ولبنان، إلى تركيز هيمنة مسيحية بشكل عام، ومارونية بشكل خاص في مؤسسات الدولة الجديدة. ومن هنا نرى أن الإحصاءات السكانية، لا سيما إحصاء عام 1921، لم يأتِ ليندرج في إطار عملية المسح الإحصائي، من أجل توظيفه في مشاريع تنموية، وإنما اعتمدت نتائجه كأساس لتوزيع السلطات السياسية، والإدارية بحسب الانتماء الطائفي، مع العلم أن طبيعة إنتاج السلطة، تعود إلى ما قبل هذه المرحلة، أي إلى زمن الوجود العثماني، الذي أتاح وجود عائلات مقاطعجية، تستند في سلطتها إلى تحصيل الأعشار والضرائب من الفلاحين بحسب النظام المعمول به لدى السلطنة العثمانية.

2- صلاحيات المجلس وفق القرار"1304":

في مسعى منه لتوسيع تمثيل الشعب اللبناني، اتخذ وكيل المفوض السامي "روبير دي كي" في الثامن من آذار سنة 1922م القرار رقم 1304 مكرر، هَدَفَ من ورائه إلى إنشاء المجلس التمثيلي الأول لدولة لبنان الكبير، وتحديد صلاحيات الحاكم التي كانت تقتصر على الأمور المالية والإدارية ومشاريع الأشغال والصحة والإسعاف والمستشفيات([12]).

حددت المادة 38 من القرار رقم 1304 صلاحيات المجلس التمثيلي على الشكل التالي([13]):

[يبتّ المجلس التمثيلي في القضايا التالية

- ترتيب، فتح، اتجاه، إعادة فتح، تحديد عرض، وحدود الطرقات، والمشاريع، والمخططات، وكشف الأعمال المنفذة لبناء وتصحيح الطرقات.

- تحديد التكتلات المدنية والريفية، التي يجب أن تسعى إلى بناء وصيانة الطرقات، وتعيين الحصة الأساسية، والحصة السنوية المفروضة على هذه التكتلات.

- المشاريع والمخططات، وكشف كل أعمال البناء - ما عدا الطرقات- التي تنفذ من أرصدة تتأتى من موارد عادية.

- تصديق كل الاتفاقات المعقودة مع المؤسسات الخاصة والعامة، ولمعالجة المرضى والمختلين، ولمساعدة العجزة، والأطفال الأيتام، والمتروكين.

- إنشاء مؤسسة إسعاف عمومية، تأسيس وتنظيم صندوق تقاعد، ورصْد معونات للموظفين والمستخدمين في الدولة.

- المساعدات المتنوعة غير مخصصات التعليم الابتدائي، والثانوي، والعالي، والتقني.

- الموافقة على الهبات المقدَّمة للدولة، التي تحتوي على شروط، وتثير الاعتراض، أو رفض هذه الهبات. الهبات التي تحتوي على شروط يوافق عليها مباشرة من قبل الحاكم، أما التي تثير اعتراضات، فيوافق عليها بعد استشارة المجلس التمثيلي، بقرار من الحاكم، ويصبح نافذًا بموافقة المندوب السامي، ويستطيع الحاكم دائمًا، وبتحفّظ، الموافقة على الهبات المشروطة، التي يمكن أن تثير اعتراضات، تدخل حيز التنفيذ عند اللزوم، بعد موافقة المندوب السامي، والمجلس التمثيلي، التي تأتي لاحقًا، يوم التصديق].

وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن المفوض السامي كان يتحكم بعمل هذا المجلس بطريقة غير مباشرة، حيث طغت صلاحياته عل كل الآليات الدستورية، على الرغم من وجودها. وهذا ما أدى إلى تشويه الصورة لواقع التمثيل، حيث إن المجالس التمثيلية كانت بنظر رعاتها الفرنسيين، وسيلة أولى لتعويد الشعب على تصريف شؤونه العامة، بوصفه الخطوة الأولى لنظام برلماني، وفي حين كانت المجالس حرة في نقاش القضايا المحالة إليها من السلطات الفرنسية، وباستطاعتها أن تصدر المقررات حول شؤون الصحة والأشغال العامة، وتقديم الاقتراحات في القضايا التي تدخل ضمن نطاق سلطتها، وأن تناقش الموازنة، إلا أن وقائع الأمور كانت تبدو مغايرة تمامًا، من منظار الوسط السياسي المحلي، فقد أعلن اللبنانيون أن الانتخابات لم تجرِ بصورة نزيهة، وإنما استُخدِم فيها النفوذ الفرنسي بصورة غير شرعية، لصالح المرشحين المدجَّنين، الأمر الذي خلق هوةً واسعةً بين أصوات الممثلين، وأصوات الجمهور الفعلي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المجالس لا تملك أية صلاحيات، فلم يكن بوسعها أن تأخذ المبادرة في أي موضوع، وكانت آراؤها عرضة (وقد تعرضت غالبًا) للمراجعة، أو الإبطال، أو التجاهل من جانب الفرنسيين، ولم يكن لديها سلطة التشريع، إلا في ما يتعلق بالقضايا الصغيرة([14]).

فالمفوض السامي احتفظ لنفسه بحق إدراج الاعتمادات المخصصة للمصاريف الملزمة في الموازنة، وذلك بموجب قرار، في حال رفض المجلس التمثيلي اعتمادها، كما بقيت جميع الأعمال التشريعية، التي يصدرها حاكم لبنان، ويقرها المجلس التمثيلي، لا تعتبر نافذة ما لم يصدقها المفوض السامي([15]).

وهكذا باتت صلاحيات المفوض السامي مطلقة، فإلى جانب السلطة التشريعية، كان يجمع بين يديه السلطتين: التنفيذية والقضائية، يساعده على ذلك اعتراف النصوص الرسمية لصك الانتداب بها. ولمَّا كان يمثل الجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان، ويمارس جميع الصلاحيات في هذين البلدين، فقد أصبح الحاكم الفعلي في البلاد بدون منازع.

3- القانون الانتخابي الأول في لبنان "القرار 1307":

في العاشر من آذار أي بعد يومين من إصدار القرار رقم 1304،  أصدر "روبير دي كي" القانون الانتخابي الأول في الدولة اللبنانية الجديدة، بالقرار رقم 1307 تاريخ 10 آذار 1922. حدد هذا القانون عدد أعضاء المجلس التمثيلي بثلاثين عضوًا. وقد تضمن 104 مواد، توزعت على ستة فصول([16]):

حدّد الفصل الأول، الذي يقع في إحدى عشرة مادة، الدوائر الانتخابية، وتوزيع المقاعد، وطريقة التصويت والاقتراع، أما في الفصلين الثاني والثالث، فإن المواد: من رقم 12 حتى رقم 36، قد تناولت كيفية وضع القوائم الانتخابية، وتحديد الشروط اللازمة، التي يجب أن تتوفر للناخب وللمرشح أيضًا. هذا ما ورد حتى نهاية الفصل الثالث.

أما في الفصول: الرابع والخامس والسادس، من المادة 37 حتى المادة 104: فإنها تمحورت حول كيفية سير الأعمال الانتخابية والإعلانات والمنشورات المختصة بالانتخابات، والعقوبات الناجمة عن ارتكاب مخالفات بشأن سوء تنفيذ نصوص القانون الانتخابي. وبموجب القرار 1307 جرت انتخابات 1922 و 1925 و1929.

وفي 21 آذار من العام نفسه، أصدر حاكم لبنان الكبير القومندان "ترابو" القرار رقم 1240، جاء في المادة الأولى منه كيفية توزيع المقاعد النيابية في المجلس على المدن المستقلة إداريًا والألوية. أما في المادة الثانية فقد تم تخصيص المقاعد النيابية بحسب النسبة العددية بين الطوائف المتنوعة. فتوزعت المقاعد النيابية على الشكل التالي([17]):

- مدينة بيروت المستقلة إداريًا: عدد المقاعد 5: سنّة(2)، موارنة(1)، روم أرثوذكس(1)، أقليات(1).

- مدينة طرابلس المستقلة إداريًا: عدد المقاعد 1: سنّة(1).

- لواء لبنان الشمالي: عدد المقاعد 4: سنّة(1) موارنة(2)، روم أرثوذكس(1).

- لواء جبل لبنان: عدد المقاعد 8: موارنة(5)، دروز(2)، روم أرثوذكس(1).

- لواء لبنان الجنوبي: عدد المقاعد 6: شيعة(3)، سنّة(1)، موارنة(1)، روم كاثوليك(1).

- لواء البقاع: عدد المقاعد 6: شيعة(2)، سنّة(1)، موارنة(1)، روم أرثوذكس(1)، روم كاثوليك(1).

وبذلك يكون العدد الإجمالي لنواب الطائفة المارونية في هذا المجلس(10)، أي ما نسبته 33،3 %، تليها الطائفية السنية(6)، أي 20% ، ثم الطائفة الشيعية(5)، أي 16،6 % ، فطائفة الروم الأرثوذكس(4)، أي 13،3%، وطائفة الروم الكاثوليك(2)، أي 6،6%، وطائفة الموحدين الدروز(2)، أي 6،6% ، والأقليات(1)، أي3،3%. 

وفي 25 آذار 1922 أصدر حاكم دولة لبنان الكبير "ترابو" القرار رقم 1249 الذي دعا بموجبه الناخبين من الدرجتين الأولى والثانية للاقتراع([18]). تضمنت المادة الأولى من القرار، دعوة الناخبين إلى انتخاب مندوبي الهيئات الانتخابية للدرجة الثانية في 7 أيار 1922، في حين تضمنت المادة الثانية، الدعوة إلى انتخاب أعضاء المجلس النيابي، يوم الأحد الواقع في 21 أيار من العام نفسه([19]).

وقد أصدرت السلطات الفرنسية بلاغًا رسميًا، تمهيدًا لانتخاب أعضاء المجلس التمثيلي الأول، أرادت من خلاله إيهام اللبنانيين بموقفها المحايد من المرشحين، حرصًا على نزاهة الانتخابات، جاء فيه([20]):

"تلفت الحكومة نظر الناخبين إلى أهمية أول انتخاب عام سيجري في دولة لبنان الكبير، وتعتمد في التنازع الانتخابي على وطنية جميع الأهالي لاجتناب الاتجار بالنفوذ واتباع الطرق غير المشروعة التي تقع تحت طائلة القانون، فإن الحكومة التي اتبعت خطة الحياد التام ستشدد العقاب على الذين يحوِّلون الانتخاب العام إلى عمل يراد به الكسب وابتزاز المال".

بدأت الترشيحات في أول أيار من عام 1922، وقد تشكلت اللوائح في المدن والألوية على النحو التالي([21]):

في مدينة بيروت: تألفت لائحة واحدة من: الدكتور حليم قدورة، نخلة التويني، محمد بك المفتي، إميل إده، أيوب تابت، وقد فازوا جميعهم. أما المرشحون المنفردون الذين لم يحالفهم الحظ فكانوا: نسيب صبرا، ألبير قشوع، أنيس صيداوي، وسليم هيراري.

في لواء لبنان الجنوبي: تألفت لائحة واحدة من: خالد شهاب، فضل الفضل، نجيب عسيران، يوسف الزين، نصري العازوري، ورزق الله نور. وقد فازوا جميعهم.

في لواء البقاع: تألفت لائحة واحدة من: أحمد الحسيني، إبراهيم حيدر، شبل دموس،  موسى نمور، حسين قزعون، وعبد الله أبو خاطر. وقد فازوا جميعهم.

في مدينة طرابلس: فاز عثمان علم الدين على منافسه نور الدين علم الدين.

في لواء لبنان الشمالي: تألفت لائحتان: الأولى من: الدكتور مسعود يونس، وديع طربيه، عبود عبد الرزاق، ويعقوب النحاس. وقد فازوا جميعهم. أما اللائحة الثانية فقد تألفت من: بطرس كرم، لاون الحويك، عثمان المحمد، ونقولا غصن.

وفي الرابع والعشرين من أيار 1922، أصدر حاكم لبنان الكبير القومندان "ترابو" القرار رقم 1357، أعلن فيه أسماء الفائزين كأعضاء للمجلس النيابي في لبنان الكبير([22]).

وفي اليوم التالي، افتتح الجنرال "غورو" أولى جلسات هذا المجلس بخطاب وعد فيه بالتعاون وتوسيع صلاحياته، وتم انتخاب حبيب باشا السعد رئيسًا له، والدكتور حليم بك قدورة نائبًا للرئيس([23]). غير أن معظم التشريعات كان يصدرها المفوَّض دون الرجوع إلى هذا المجلس. 

توزع النواب الفائزون على الشكل التالي([24]):

- بالنسبة للمناطق: محافظة جبل لبنان(8)، محافظة البقاع(6)، محافظة لبنان الجنوبي(6)، محافظة لبنان الشمالي(5)، بيروت(5).

- بالنسبة للطوائف: موارنة(10)، شيعة(5)، سنة(6)، أورثوذوكس(4)، دروز(2)، روم كاثوليك(2) أقليات (1).

- بالنسبة للمهن: ملاك عقاريون(21)، أطباء(4)، صحافيون(3)، محامون(1)، أساتذة(1).

أما من حيث التركيب الاجتماعي للنواب الفائزين فقد جاء على النحو التالي([25]):

الدوائر الانتخابية

النائب

الطائفة

المهنة

الملاك العقاريون

مدينة بيروت

د. حليم قدورة

سني

طبيب

 

 

 

70%

محمد بك المفتي

سني

ملاك

إميل إده

ماروني

محامي

نخله بك التويني

ر.أرثوذكس

ملاك

د. أيوب ثابت([26])

أقليات

طبيب

مدينة طرابلس

نور الدين بك علم الدين

سني

ملاك

عبود بك عبد الرزاق

سني

ملاك

وديع بك طربيه

ماروني

ملاك

د.مسعود يونس

ماروني

طبيب

يعقوب بك نحاس

ر.أورثوذكس

ملاك

لواء لبنان الجنوبي

الأمير خالد شهاب

سني

ملاك

فضل بك الفضل

شيعي

ملاك

رزق بك نور الله

ر.كاثوليك

ملاك

نجيب بك عسيران

شيعي

ملاك

نصري بك عازوري

ماروني

ملاك

يوسف بك الزين

شيعي

ملاك

لواء جبل لبنان

الأمير فؤاد إرسلان

درزي

ملاك

رشيد بك جنبلاط

درزي

ملاك

د.نخله الأشقر

ماروني

طبيب

نعوم بك باخوس

ماروني

ملاك

يوسف الخازن

ماروني

صحافي

نعوم بك اللبكي

ماروني

ملاك

حبيب باشا السعد

ماروني

ملاك

إبراهيم المنذر

ر.أورثوذكس

مدرّس

لواء البقاع

السيد أحمد الحسيني

شيعي

ملاك

إبراهيم بك حيدر

شيعي

ملاك

موسى بك نمور

ماروني

صحافي

شبل أفندي دموس

ر.أورثوذكس

صحافي

عبد الله بك أبو خاطر

ر.كاثوليك

ملاك

حسين بك قزعون

سني

ملاك

يتضح من خلال الجدول:

أولاً: أن فئة الملاك العقاريين شكلت 70 % (21 ملاك) من إجمالي عدد النواب، مقابل 13،3% أطباء(4)، و10% صحافيين(3)، ومحامي واحد، ومدرس، أي ما نسبته 3،3 % لكل منهما. وهذا ما يدل على أن الملكية العقارية، هي أحد أهم مرتكزات النفوذ السياسي والاجتماعي، وبالتالي المعيار الأساسي في تأمين الفوز بمقاعد العضوية النيابية. كما يؤكد على جدلية العلاقة بين الملكية والسلطة، وهي الجدلية التي سوف تستمر بقوة في برلمانات ما بعد الانتداب الفرنسي.

فالزعامة، كانت محصورة دائمًا في عائلات، هي الأكثر ملكية. ذلك أن هناك علاقة ترابط وتكامل بين الملكية والنفوذ، فكل واحدة منها توصل إلى الأخرى، حتى باتت الملكية، المعيار الأساسي للزعامة السياسية، التي تمكن من خلالها عائلات المكانة ذات الملكيات الواسعة، التي حصلت عليها منذ أواخر العهد العثماني، وكذلك في عهد الانتداب.

ثانيًا: الحضور الوازن لممثلي العائلات البكوية، أي عائلات المكانة الاجتماعية من رتبة بك. فالنواب البكوات كانوا 17 نائبًا، من مجموع النواب الثلاثين، أي بنسبة بكوية وصلت إلى 56،6 % ، فالبكوية هي موقع اجتماعي-سياسي، حصلت عليه عائلات، شكلت همزة وصل ما بين الفلاحين (القوى المنتجة) من جهة، والسلطة المركزية العثمانية من جهة أخرى. وقد أفادت من قانون 1858، بعدما تمكنت من السيطرة على ملكيات واسعة، عززت من مكانتها الاجتماعية والسياسية، ومكنتها من تبوء مراكز إدارية وتمثيلية هامة، واستمرت تعيد إنتاج نفسها في مرحلة الانتداب الفرنسي.

ثالثًا: شكَّلت الطائفة المارونية ما نسبته33،3 % (10 نواب)، من إجمالي عدد نواب المجلس، تليها الطائفة السنية20% (6 نواب) ، ثم الطائفة الشيعية 16،6% (5 نواب)، فطائفة الروم الأرثوذكس13،3% (4 نواب)، وطائفة الروم الكاثوليك 6،6% (نائبان)، وطائفة الموحدون الدروز 6،6% (نائبان)، والأقليات 3،3% (نائب واحد). وفي ذلك دلالة على أن سلطات الانتداب، عمدت إلى تركيز هيمنة مسيحية بشكل عام، ومارونية بشكل خاص في مؤسسات الدولة الجديدة.

وعلى الرغم من أن هذا المجلس، هو أول مجلس تمثيلي منتخب من الشعب، منذ بدء الحكم الفرنسي في لبنان، فقد قوبل بالانتقاد من قبل اللبنانيين، لأن السلطات الفرنسية لم تلتزم موقف الحياد بين المرشحين في الانتخابات التي جرت، بل تدخلت بشكل سافر في جميع المناطق اللبنانية([27]). وقد أعلن هؤلاء صراحة أن الانتخابات "لم تجرِ بصورة نزيهة، وإنما استخدم فيها النفوذ الفرنسي، بصورة غير شرعية، لصالح المرشحين "المدجنين"، الأمر الذي خلق هوة بين أصوات "الممثلين" وأصوات الجمهور الفعلي.

وهكذا فإن المجلس التمثيلي الأول، تشكل استنادًا للقرارات: 1304 مكرر، و1240، و1307. فالقرار 1304 مكرر، تاريخ 8 آذار 1922، حدّد شكل المجلس وطريقة الانتخاب ومدة ولايته والقرار 1307 تاريخ 10 آذار 1922، قسم الدوائر الانتخابية وحدد عدد أعضاءها. أما القرار 1240 تاريخ 21 آذار من العام نفسه، فقد وزع المقاعد على المدن المستقلة إدارياً والألوية، وحدّد نسبة المقاعد النيابية بين الطوائف. ومع هذا المجلس، عادت المناطق الإدارية دوائر إنتخابية، فكانت المتصرفيات الأربع الإدارية دوائر انتخابية، بالإضافة إلى المدينتين المستقلتين إداريًا وهما بيروت وطرابلس. وبما أن قوانين الانتخابات والتمثيل في لبنان أقرت بأن تتمثل كل طائفة في المجالس بنسبة توازي عدد ناخبيها، فقد تلازم حكمًا، التمثيل الشعبي مع التمثيل الطائفي، لأن هذه القوانين، حصرت التنافس على المقعد التمثيلي (النيابي فيما بعد) بين مرشحي الطائفة الواحدة، بحيث لا يسمح لمرشحين من طوائف أخرى التنافس على المقعد نفسه لأنه مخصص قانونًا لطائفة محددة.

غير أن المؤسسات التي استحدثها الفرنسيون في لبنان، من المجلس التمثيلي الأول عام 1922، إلى المجلس النيابي، ثم إعلان الدستور عام 1926، ثم انتخاب رؤساء الجمهوريات، وتشكيل الحكومات، كانت بمثابة محطات تظهر في كل مرة إصرار السلطات الفرنسية، على الإمساك بقوة بكل خيوط اللعبة الانتخابية، بهدف إنتاج نخبة نيابية مدينة للانتداب، الذي وفَّر لها أسباب وجودها الزعامي الاجتماعي والسياسي، من خلال تشريعات التملك الخصوصي للأرض من ناحية، ومنح آفاق واسعة لاقتصاد الخدمات والتجارة أمام برجوازية المدن، لا سيما العاصمة بيروت، من ناحية أخرى([28]). وهكذا لعبت الملكية دورًا هامًا في وصول العديد من العائلات المالكة إلى السلطة، فتصدرت هذه العائلات، التي راحت تعبر عن طروحاتها السياسية العمل السياسي بعد الفراغ السلطوي، الذي أحدثه خروج العثمانيين من بلادنا، مرتكزة إلى قوتها المادية، المتمثلة بملكياتها الواسعة، كأحد أهم المرتكزات المادية للنفوذ السياسي، فبرزت عائلات استطاعت أن تحقق صعودًا اجتماعيًا وسياسيًا، فشغلت مواقع متقدمة سياسيًا أو إداريًا من خلال امتلاكها الأراضي الواسعة.

فسلطات الانتداب، لم تترك وسيلة إلا واتبعتها في سبيل التحكم بجميع مقدرات الدولة، فأعطت صلاحيات واسعة للمستشارين الفرنسيين، ووضعت قوانين انتخابية سمحت لها بالإشراف على العملية الانتخابية ونتائجها، ثم إنها عرفت كيف تتعامل مع الوجهاء والأعيان الطامحين في الوصول إلى المواقع السياسية والإدارية، ولطالما فرضت مرشحين لمناصب سياسية وإدارية رفيعة مقابل الطاعة والولاء للمنتدب الفرنسي.

وهذا ما يشير إلى مدى تأثير نفوذ الانتداب الفرنسي في مسار الحياة البرلمانية اللبنانية، حيث كانت للمندوبين الساميين صلاحيات شبه مطلقة، والكلمة الفصل في كل شاردة وواردة. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، إصدار المراسيم، تحديد قانون الانتخاب، تعيين النواب ونِسَبِهم الطائفية في المجلس، تقسيم الدوائر الانتخابية، التأثير في العمليات الانتخابية وتأليف اللوائح، حلّ المجالس النيابية وإقالة الوزراء، حتى أنهم لم يترددوا إطلاقًا في تعليق العمل بالدستور في كل مرة كانت المصالح الفرنسية تتعرض للإساءة أو الخطر.

استمر هذا المجلس إلى حين إصدار المفوض السامي "موريس ساراي" قرارًا رقمه 7 بتاريخ 13 كانون الثاني 1925، قضت المادة الأولى منه بحلِّ المجلس منذ تاريخه في حين دعت المادة الثانية من القرار نفسه حاكم لبنان الكبير إلى إجراء إنتخابات جديدة([29]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

الهوامش

([1]) مسعود ضاهر:"تاريخ لبنان الإجتماعي 1914-1926"، دار المطبوعات الشرقية، بيروت 1984، ص 82.

([2]) د.حكمت ألبير الحداد:"لبنان الكبير"، دار نظير عبود، الطبعة الثالثة، 1996، ص 211.

([3]) محمد مراد:"الانتخابات النيابية في لبنان 1920-2009، منشورات الجامعة اللبنانية، قسم الدراسات التاريخية "53"، بيروت 2013"، ص 70-71.

([4]) فؤاد الخوري:"النيابة في لبنان. نشؤها، أطوارها، آثارها، أعلامها، من 1860 إلى 1977، الطبعة الأولى 1980، ص 105.

([5]) فارس سعاده:"موسوعة الحياة النيابية في لبنان، خفايا ومواقف، 19 جزءاً، دار عشتار، مطابع الكريم الحديثة، بيروت 1995، الجزء الثاني، ص 103-104.

([6]) حمدي البدوي الطاهر:"سياسة الحكم في لبنان"، ص 179.

([7]) فارس سعادة:"الموسوعة الإنتخابية"،مرجع سابق،ج2، ص 103-104.

([8]) نشرة الأعمال الإدارية 1920-1921، مؤسسة المحفوظات الوطنية، ص 167.

([9]) محمد جميل بيهم:"النزعات السياسية بلبنان، عهد الإنتداب والإحتلال 1918-1945"، بيروت، دار الأحد 1977، ص 12.

([10]) ستيفن هامسلي لونغريغ: "تاريخ سوريا ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، دار الحقيقة، بيروت 1978، ص 163.

([11]) ميشال مرقص: "الجمهورية قبل أن تنهار"، بيروت 1987، ص 362.

([12]) شفيق جحا: "معركة مصير لبنان في عهد الإنتداب الفرنسي 1918-1946"،جزءان، مكتبة رأس بيروت، تشرين الثاني 1995، الجزء الأول، ص 247-248، وكذلك إدمون رباط: "الوسيط في القانون الدستوري اللبناني"، ص 339 و341.

([13])Indicateur Syrien,2ème année,1923 Beyrouth,sociétéGédéon,Imprimrie Gédéon.p.148-153.-

([14]) ستيفن هامسلي لونغريغ:"تاريخ سوريا ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي"، مرجع سابق، ص 164.

([15]) إنطوان عارج: "لبنان السلطة العامة"، مؤسسة بدران، بيروت 1963، ص 27-28.

([16]) أنظر النص الكامل للقرار 1307 في: فارس سعاده: "الموسوعة الإنتخابية"، ج2، مرجع سابق،  ص 118-147.

([17]) فارس سعاده: "الموسوعة الإنتخابية"، ج2، مرجع سابق، ص 150-151.

([18]) مجموعة القرارات لدولة لبنان الكبير من 1/9/1920 ولغاية 31/12/1922، ص 27 و28. (كان الإقتراع يتمّ على درجتين: الأولى يُدعى فيها الناخبون في القرى والبلدات وأحياء المدن إلى انتخاب مندوبيين ثانويين. والثانية يقوم المندوبون الثانويون بانتخاب أعضاء المجلس.)

([19]) فارس سعادة:الموسوعة الإنتخابية، مرجع سابق،ج2، ص 151. أنظر أيضاً البشير، عدد 2842، تاريخ 28 آذار 1922، ص 2.

([20]) البشير، العدد 2860، تاريخ 9 أيار 1922، ص 2.

([21]) فارس سعاده:"الموسوعة الإنتخابية"،ج2، مرجع سابق، ص 170، نقلاً عن : البشير من 2 إلى 15 أيار 1922، ص 170.

([22]) الجريدة الرسمية 1922، العدد 1560.

([23]) فارس سعاده: " الموسوعة الإنتخابية"، ج2، مرجع سابق، ص 174.

([24]) أحمد مصطفى حيدر:"الدولة اللبنانية 1920-1953"، مطبعة النجمة، بيروت 1954، ص 10 و 11.

([25]) تم تنظيم هذا الجدول بالإستناد إلى: أحمد مصطفى حيدر:"الدولة اللبنانية"، مرجع سابق، ص 10-11، وأيضاً:"الإنتخابات النيابية 1861-1992، القوانين-النتائج، قدم له دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، جمع وتوثيق النقيب في الأمن العام ماجد خليل ماجد، المؤسسة الجامعية للنشر، الطبعة الأولى، كانون الأول 1998، ص 27-28.

([26]) إنجيليّ عيّنَه حاكم لبنان الكبير القومندان (ترابو) في 24 أيار سنة 1922 عضواً عن الأقليات في المجلس التمثيلي الأول عن بيروت ، ثمّ عُيّنَ عضواً في مجلس الشيوخ سنة 1926. وبعد إلغاء مجلس الشيوخ سنة 1927 أصبح عضواً في مجلس النواب الذي استمرّ حتى سنة 1929. كما عُيّن نائباً عن الأقليات في بيروت دورتي 1937 و 1943.

([27]) بشاره الخوري: "حقائق لبنانية  1960-1961"، جزءان، الدار اللبنانية للنشر، 1983، الجزء الأول، ص 116.

([28]) محمد مراد: "الإنتخابات النيابية في لبنان"، مرجع سابق، ص 72.

([29]) الجريدة الرسمية 1925 العدد 1835.

 

 

الشاعر أحمد الصافي النجفي

شاعر السخرية والكبرياء

د. حسن جعفر نور الدين

 

لا أظن أن أحدًا كتبَ في السخرية والكبرياء، أو ضاهى في كليهما شاعر الزهد والبساطة أحمد الصافي النجفي، قيثارة العراق وشَبَّابة الرافدين، الذي حمل آلامه وأحلامه إلى خارج أمّ النخيل مِسْكِيَّة شطِّ العرب، بعد أن ضاق به الأمر وهو الشاب الثائر تطارده عيون الإنكليز، فيَمَّم وجهه صوب إيران، وهناك لاقى من الترحيب ما لم يكن بالحسبان، فانكبّ على مطالعة اللغة الفارسيّة حتى أتقنها، ثم مال إلى الترجمة ونشرِ المقالات في الصحف الإيرانية، وأنجز نقلَ رباعيات الخيام إلى العربية، وتقديرًا لكفاءاته عُيِّن أستاذًا للأدب العربي وعضوًا في دار الترجمة والنشر، وانتخب عضوًا في نادي القلم في طهران، وما لبث أن عاد إلى العراق سنة 1927م وفي صدره كنوز من الشعر والأدب، مما أثلج قلوب كثيرين من الذين التقوه فأعجبوا به واعتبروه نجمًا ساطعًا في سماء الشعر والأدب، ومن هؤلاء الزهاوي والشبيبي والرصافي والشيخ علي الشرقي ومحمد مهدي الجواهري وسواهم.

حاول الصافي بعد قدومه إلى بغداد الحصولَ على وظيفة حكومية بغية الاستقرار في الوطن، إلا أن صعوباتٍ حالت دون ذلك، علاوة على حالته الصحيّة التي ساءت كثيرًا، فنصحه الأطباء بالانتقال إلى سورية. وهكذا ترك العراق سنة 1930م، قاصدًا دمشق ثم متنّقلاً بينها وبين بيروت، وفي كليهما نسج أروع علاقات الوِدِّ والصداقة مع الأدباء والشعراء، وأصدر ديوان الأمواج سنة 1932م.

سبعة وثلاثون عامًا أمضى الصافي معظمها في وطن الأرز لبنان، مُطلِقًا خمسة دواوين لم ترَ النورَ وهي: "شباب السبعين"، "بلا اسم"، "كما جاء"، "تمرّد الشيب"، "المطعم".

أما مجموعاته المطبوعة فهي على التوالي: "الأمواج"،"أشعة ملونة"، "الأغوار"، "التّيار" "ألحان اللهيب"، "حصاد السجن"، "هواجس"، "شرر"، "اللفحات"، "الشلال".

إنه أحمد الصافي الذي اكسبه مسقط رأسه "النجف" لقبَه المعروف به، وخلال إقامته في لبنان كان حديث المعجبين والشعراء والأدباء، والسياسيين والصحافيين، يتحلَّقون حوله كما النحل على الزهر في مقاهي فاروق وأبي عفيف والحاج داوود ببيروت، ونَزْل رومانوس في صيدا، ومقاهي هانانا وكمال الصيفي في دمشق.

أحمد الصافي النجفي حَدَثٌ لا ينتهي، أبصرَته النجف سنة 1897م، ووَارَته في ترابها عملاقًا من عمالقة الرافدين سنة 1977م، تاريخان ما بينهما جَلَبَةُ المجد عندما تصهل فوارسُه ويبقى صهيلها مالئًا سمع الزمان.

الشعر والشاعر

يَعتبِر النجفي أن الشاعر إما أن يكون ملكًا أو أن يكون قاطع طريق، الملك لسلطته وقاطع الطريق لتفلُّته من القيود، ويرى أن الشعر أساسه من الشعور، وهو إحساس إذا احتدم تولّدت عنه فكرة ما.

وحول القديم والجديد يرى أن الشاعر متى صار شاعرًا، أي متى تأصلت فيه الملكة الشعريّة، لم يعد بحاجة إلى هذا الانزلاق في تيار التقسيمات التي لا تخلو من تصنُّع، والشاعر الحقُّ فيه القِدَمُ والجدَّة، بل هو متجدّد على الدوام، دون أن يتنازل عن أصوله القديمة، يقول في معرض هذا الحديث:

تفلسفَ في اكْتِناهِ الشعرِ قومٌ
فدعْ عنك التفلسفَ وارْوِ شعرا

 

 

فضاعَ الوقتُ وامتدَّ الطريقُ
فلي عين ترى وفمٌ يذوقُ

 

وإذا لم يكن للإنسان هذه الأصالة الشعرية، فعبثًا يتكلم عن قديم وجديد، بل يكون هنالك تكلّف وتصنّع.

وقد أجابه الشاعر رئيف خوري عن سؤاله: [ما رأيك في التهمة التي يوجّهها دعاة الشعر الحر إلى الشعر العامودي، من أن الوزن والقافية يمنعان الشاعر من الانطلاق في أداء معانيه؟]، إذ قال له: [العامل الرديء يتهم الآلة دومًا].

وكان الصافي لا يستسيغ الرمز في الشعر، ومن آرائه أنه معجب بجبران، ولكن لا يستسيغ رمزيته، ولا يؤيد تقسيم الشعر إلى مدارس، وليس من مؤيدي أعمال النقّاد، وعنده أن على الشاعر أن يعطي سجيّته دون أي اعتبار مسبق أو مفروض، وإذا شاء مؤرخو الأدب والنقّاد أن يصنّفوا الشعر، فهذا شأنهم، ورغم كل ذلك حظي الشاعر الطريف الظريف بمديح القريب والبعيد، خاصة من الأدباء والشعراء الذين عايشوه.

ولقبّه الأديب رئيف خوري بالشاعر العالمي، وكان يرى أنه لا يشبه أي شاعر عربي، القديم منه والحديث، ويماثله بجلال الدين الرومي صاحب كتاب المثنوي الذي يعتبره الفرس قرآن الشعر.

كذلك لقبّه نقيب الصحافة آنذاك كرم ملحم كرم بالشاعر العالمي، وحَسْبُه قول الشاعر أكرم زعيتر عن شعره إنه وحي يوحى. واعتبره الشاعر الزهاوي شاعرًا كبيرًا خليقًا بالإكبار، وأنه كوكب وقّاد في سماء الأدب. ولشدة إعجاب الجنرال ديغول بقصيدته التي مدحه فيها، أرسل إليه كتابًا بخط يده، يثني فيه على شاعريته بعد أن تُرجِمت القصيدة إلى الفرنسية.

وقد أكبر شاعريته الزعيم الإيراني محمد مصدّق، خلال زيارته للنجفي أثناء لجوئه إلى إيران.

هذا غيض من فيضٍ من آراء الأدباء والمفكرين في الصافي النجفي.

وكان يطرب للإطراء الحسن، والمديح الجميل، خاصة إذا صدر من أفواه بسطاء الناس، كما جرى له مع سائق سيارة أجرة وصاحب كراج، مدَحَا شعره وأثنيا عليه عندما التقى بهما خلال تنقّله من منزله إلى مقاهي بيروت، أو كما جرى له مع فتيات رأيْنَه في باب إدريس وصرخْنَ بلهفة: هذا هو أحمد الصافي النجفي، ثم مِلْنَ إليه ودار بينهنّ وبينه حديث عن الشعر والجمال.

كان يفتخر بهذه الإطراءات الشعبية ربما أكثر مما يسمعه من كبار القوم، وهو على كل حال كان حديث الناس والمجتمعات خلال عقدين من الزمن، يُسأل عن إمارة الشعر، فيكشف عن موقفه بدون تردد قائلاً: [إيليا أبو ماضي أحقّ بها من شوقي]. وله في ذلك بيتان([1]):

سألتني الشعراء أين أميرهم
قالوا وأنتَ فقلتُ ذاك أميركُم

 

 

فأجبتُ إيليا بقول ٍمطلقِ
فأنا الأميرُ لأمّةٍ لم تُخلَقِ

 

ومن سمات الصافي الأدبية أنه كان يحبّ الشعر الجاهلي، وهو يعلّل ذلك قائلاً: [إنه جاء من النبع، وفيه مشاعر الروح الصادقة، وبساطة الصحراء وامتدادُها، وجمال البداوة].

وكان يرفض الدعوة إلى العامية، أو إلى تغيير النحو أو إبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني مما كان يذكر على الساحة الأدبية، خوفًا من أن تنقطع الصلة بين الأمة العربية وتراثها العظيم، وقد ردّ عليه المهندس ميشال نحّاس قائلاً: [لا تخشَ على العربية ما دام القرآن موجودًا، فكل كلمة فيه تلمع مثل الألماس].

ومن مآثر الصافي أنه كان لا يحبّذ مهرجانات الشعر حتى أنه رفض فكرة مهرجان لتكريمه، عرَضَها عليه الشاعران جورج شكور وفوزي سابا، ويقول في هذا:

يُقامُ لي مهرجانُ الشعر مُصْطَنعًا

 

 

هيهات لستُ بهذا الزيفِ أنخدعُ

 

علمًا أنه حضر مهرجان العرائس بالقرب من بكفيا في الستينات .

الكبرياء وعزة النفس

هما أبرز ميزتين في خصائصه النفسية والشخصية، تربّى منذ الصغر على القيم والمثل العليا، في بيئة دينية صهرته على توجيهاتها السديدة، وقد رافقته عزّة النفس طيلة حياته، يمارسها فعلاً وقولاً، وحتى أنه بعد تقدّمه في السن، قَبِلَ بعد إلحاحٍ وترجٍّ راتبًا شهريا قدره مائة دينار، قدّمته له الحكومة العراقية بشخص سفيرها في لبنان آنذاك ناصر الحاني، بعد أن رفض أن يكون الراتب مائة وخمسين دينارًا.

ومن آيات كبريائه قوله في ديوان "أشعة ملوّنة" أبياتًا مشتهرة([2]) :

لا أرى أكبرَ مني
إن أجدْ أكبرَ مني

 

 

لا أرى أصغرَ مني
واحدًا فالله أكبرْ

 

وتلوح ظلال المتنبي هنا مع الفارق في الشخصيتين.

ويجتمع الكبرياء مع عزّة النفس في ميميّةٍ بحرُها الطويل، وعنوانها "حياتي"، نشرها في ديوانه "الأمواج"، وهي تصوير حاذق لنفسيّته بكل مزاياها([3]):

وكم عن طريقِ الذلّ أمكنني الغِنى
كأني مليكٌ بالفَخارِ متوّجٌ
تراه ونورُ الحقِّ شارَةُ مُلكِه
وأيُّ مليكٍ عاشَ حرًّا كعِيشتي
فلا تَبْنِ إلا مثلَ مجدي وسؤددي
وإني إذا ما رام ضيمي مُعْتَدٍ

 

 

فعفتُ الغِنى والذلَّ للعزِّ والعُدمِ
وليس له جندٌ سوى البأسِ والحلمِ
وقانونُه نشرُ المحبةِ والسلمِ
وهل مجدُ أربابِ العروشِ سوى وهمِ
فكلُّ بناءٍ غيرِ ذاكَ إلى هَدمِ
عَمدتُ لحدِّ السيف لا القذفِ والشتمِ

 

إنها أنفاس أبي الطيب المشتعلة بالعزة والكبرياء، ولعل هذا التشابه هو الذي دفع بالشاعر الفارسي (فروز انفر) إلى مخاطبته بعد أن أسمعه إياها الصافي في طهران سنة 1922م "إنك متنبّي عصرك"، ولعلّ الفارق بين الشاعرَين أن كبرياء الصافي ممزوج بالقناعة والبساطة والعفوية، والبُعد عن التزلّف، بينما كبرياء المتنبي مختلف عنه.

حتى أن الصافي في احتفائه بأشعاره وافتخاره بها على غيره من الشعراء شبيه بافتخار المتنبي، يقول الصافي([4]) :

قد قيل في الشعر حلّقْ
فقلتُ أَعْلو وأدنو
ولي بكلِّ محلٍّ
والشاعر الحرّ نسرٌ

 

 

فأنتَ في الشِّعرِ فحلُ
وأين شئتُ أحلُّ
من الوجود محلُّ
يسِفُّّ حينًا ويعلو

 

وتقع المشابهة في همزيةٍ بحرها الطويل، من أبياتها:

سَمَوْتُ بشعري فوق جيلي ولم يزلْ
فإن لم أكن من أمةِ الشعرِ واحدًا

 

 

يشكُّ بشعري معشرُ البلهاءِ
أكنْ أمةً أعلى من الشعراءِ

 

هذا صحيح إلا أن المتنبي كان يسعى للمجد الدنيوي والصافي ينفر منه، وهو الذي رفض عباءة أهداه إياها رئيس جمهورية سوريا آنذاك شكري القوتلي، وذلك خلال مائدة غداء دعاه إليها في منزله في الزبداني، بينما كان المتنبي متهالكًا للحصول على إمارة من كافور، وسفَحَ من أجلها وجه الشعر دون أن يحقق مبتغاه.

وغيرُ كثيرٍ أن يزورك راجلٌ

 

 

فيرجع ملكًا للعراقين واليًا

 

وأين هذا من قول الصافي:

أعشق العيش بسيطًا هادئًا

 

 

أشتهي الأرض مِهادًا وسريرا

 

إنه الكبرياء الذي يُعِزّ النفس ولا يوهنها ويهينها، وكبرياء المتنبي الذي ينحني أمام المغريات، ولعل كلاً منهما أفرط في ما ذهب إليه.

ولا يفتأ الصافي يدافع عن شعره، ويجيد التباهي به، إنه كبرياء التواضع في آن معًا، غامزًا من قناة أبي الطيب([5]):

في الشعر قدمًا قد أتى المتنبي
أنا ليس لي عقلُ النبيِّ وفِيَّ من

 

 

وشعاعُ شعري للتنبّوءِ ماحِ
روح النبيِّ محبّةُ الإصلاحِ

 

ويكفيه بذلك غنى، إنه كبرياء الإيمان لا كبرياء الإذعان، ويردُّ على منتقديه بشموخِ موقفٍ وكبرياءِ جريحٍ([6]):

قالوا قريضُك لفظُه صدَفُ
فأجبْتُهم أصدافُه دُرَرٌ
شعري كقصرٍ منه لو رفعوا

 

 

حينًا وحينًا لفظُهُ دُرَرُ
لو كان يُدرك كُنْهَهَا الفكرُ
حجرًا تَهَدَّمَ ذلك القصرُ

 

وخلال الصراع بين الجسد الواهن الضعيف والقلب الصلب الشجاع تنتصر الروح والقلب([7]).

إن ضعفي يحطني لحضيضٍ

 

 

وفؤادي يطير بي للسماء

 

هذا غيضٌ من فيضٍ من خواطر الصافي الشامخة المتواضعة، تحارُ في أيهما أمامك، المتواضع أم المتكبر، المبتسم أم العابس، الساحر أم الجادّ، فلنفتح جعبته الساخرة ونَعِشْ معه لحظات فيها من الغرابة الكثير.

الفكاهة والسخرية

محطات جذّابة ماتعة، اتّسمت بها قصائد النجفي، حتى أنها فاقت ما سواها قُربًا إلى النفس، ومتعةً للروح وأُنسًا للقلب، وهي نسيجُ شخصيته المفطورة طباعُها على السخرية النافذة، مواجهًا بها الشدائد والصعاب، وقد أدمن عليها مذ ألهمه الله حِرفة الشعر، تلك التي كانت آخر ما كان يحلم به، إذ كان مشغولاً بالعمل السياسي إلا أن الأزمات الصحية التي داهمته جعلته يعزف عنه، خاصة بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز، والتي كان يدعمها ويؤيدها، ولذلك يقول هو نفسه: [لقد جعَلَت مني الأمراض شاعرًا يجيد نظم الشعر ولا يجيد خوض الحروب].

في جعبته الشعرية عشرات القصائد الساخرة، سخرية تعبر عما يجيش في نفسه من ردّات فعل تجاه ما يعانيه، لقد تجسدت فيه شخصيتَا ابن الرومي وأبي الشمقمق دون أن يذوب فيهما، أخذ من ابن الرومي بعض تشاؤمٍ ممزوجٍ بالسخرية ومن أبي الشمقمق الهزل الساخر، وهو على كل حال شاعر لا يُشَقُّ له غبار في انتقاء ما ومن يثير مزاجه النفسي.

يتشاءم ابن الرومي من صاحب اللحية الطويلة، هكذا خطر له، فراح يَسِمُه بأقذع الألفاظ، ويسخر الصافي منها طرافةً ومتعةً في التسلي وإظهار التبرّم والامتعاض مستحضرًا صديقه في رائيته المشهورة:

يا لحيةً أشبهُ شيءٍ بالدُّجى
نُبِّئتُ أن القِردَ من آبائه
تنتشرُ الأمراض من طياتِها
وهي تصيرُ في الشتاء غابةً
وهي كبيتِ العنكبوتِ عندَه
إذا رآها العنزُ هبّ نحوها

 

 

ضلَّ صاحبُها بها وما اهتدى
وأن ذا الشَّعر كان له رِدَا
إذ كلُّ مكروب بها قد اختفى
للقملِ فيها مكمنٌ ومختبا
يصيدُ فيها للغداء ما يَشَا
مقبلاً بها وفيها عفطَا

 

بهذه اللغة الواضحة العذبة الساخرة ينهال الشاعر على أصحاب اللحى الطويلة، هكذا دون ذنب أو جرم، إنها النزعة الفنية التي لا يفسرها هوىً في النفس وموقف من الشكل، والصافي ينتقي أدواته من محيطه الذي يعيش فيه، ثم يمعن فيها تهشيمًا وتعريةً، في نصوص لا تنقصها المتعة والتماسك وخفة الظل.

وويل أعدائه من صواعقه النارية كما نقرأ في يائيةٍ قاصمة:

صعقتُهم حتى بَرَى صَفْعُهُم يدي
وكلّمتهُمْ دهرًا فأصبحتُ أعرَجَا

 

 

ودِسْتُهُمو حتى غدَا النعل بالِيا
وألقمتهم نعلي فأصبحتُ حافيًا

 

إنه الهجاءُ المرُّ المذابُ في إناءٍ من السخرية الفجّة، تُرى أيُّ أعداءٍ هؤلاء...

والصافي صاحب نظر ثاقب وعينٍ لاقطة، وويلٌ لمن تُشَظّيه كلماته المختارة، ها هي تقع بين يديه "مستشفى" لم يُرَ فيها إلا الموت لمن يدخلون طالبين النجاة([8]):

ومستشفى متى يدخلْ إليه
كأنّ به كعزرائيل جندا
فللمِكْروبِ أكداسٌ تعالَتْ
مريدُ الانتحارِ إليه عجِّلْ

 

 

مريضٌ يسترِحْ من ذي الحياةِ
يُميتُ الناسَ من قبلِ الوفاةِ
على جدرانِه والنافذاتِ
يُرِحْكَ بدون ضربِ مسدساتِ

 

وتلوح في طيفه روح الحُطيئة، فينحو إلى نفسه ساخرًا من وجهه بأبيات ميمية قلّ مثيلها بين هَجَّائي أنفسهم([9]):

وجهي دميمٌ وقلبي
لو أستطيعُ حكمتُ
ولستُ أهوى وإني
لو كان وجهي بكفِّي
لو أن ربي بَرَاني
جَفَا المصوّر رسمي

 

 

عدوُّ كلِّ دميمِ
المرآةَ بالتحطيمِ
الدميمُ غير الوسيمِ
ألقيتُه في الجحيمِ
طيرًا براني كبومِ
إذ لاحَ بين الرسومِ

 

ومن أجمل ما قرأت في السخرية قوله في جارة له:

لي جارةٌ متقاعدهْ
زادت عَناي فأصبحت
هي مثلُ ساعتِها
كالميتِ جاوَرَ مَيتا

 

 

ليست لها من فائدهْ
للجسم مثلَ الزائدهْ
عقاربُها دوامًا جامدهْ
منذُ العصورِ البائدهْ

 

 لم يوفّر حتى نفسه في البيت الأخير، وما ضرّه لو كانت متقاعدة، لكن لا يُسألُ الشاعر عما يغريه في المدح أو في الهجاء.

هذي بعض متع الصافي وما أكثرها، ففي دواوينه أطباقٌ شتّى من ألوان الشعر لا يتسع المقام لذكرها، يكفي أن أودِّعَه بآخرِ بيت قاله على سُلّم الطائرة التي أقلّته إلى العراق بعد إِصَابَتِه في لبنان برصاصة طائشة من وطيس الحرب الأهلية، وكان قد فَقَد بصره، وعندما أطلّ أنشد والدموعُ تملأ وجهه:

يا عودةً للدارِ ما أقساها

 

 

أسمعُ بغدادَ ولا أراها

 


ــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) هواجس، ص35 .

([2]) أشعة ملونة، ص79.

([3]) أمواج، ص16.

([4]) أشعة، ص18 .

([5]) أشعة ، ص41 .

([6]) أشعة ، ص21.

([7]) أمواج، ص122.

([8]) أمواج، ص80 .

([9]) أمواج، ص99.

 

115%