رسالة النجف

حقيقة الدعاء

 

حقيقة الدعاء

الشيخ أحمد صمادي1

 

الدعاء لغة: النداء، تقول دعوت فلانًا، إذا ناديته، ومنه قوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً}(1).

 وفي الاصطلاح: طلب الأدنى للفعل من الأعلى على جهة الخضوع والاستكانة(2).

ودعاء العبدِ ربَّه: هو الرغبة فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بسؤال حوائج الدنيا والآخرة، وطلب الرحمة والفيض، وتهيئة الأسباب والعوامل الخارجة عن دائرة قدرة الداعي من الله عز وجل الذي بيده مقاليد الأمور.

والذي يوضّح ويبيّن حقيقة الدعاء ما أطلق عليه في القرآن وفي كلمات النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم من أوصاف، فالمستفاد منها أنه: سلاح المؤمن، وشفاء كل داء، ومفتاح الحاجات، ووسيلة الرغبات، وأنه باب فتحه الله لعباده للعبور من خلاله إلى خزائن رحمته، حتى في أقل الأمور وأحقرها، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): (سلوا الله عز وجل ما بدا لكم من حوائجكم، حتى شسع النّعل فإنه إن لم ييسّره لم يتيسّر)(3).

 بل هو من أقوى الأسباب التي تدفع البلاء وتردّ القضاء وقد أبرم إبرامًا، وهو تكريم من قِبل الله تعالى لعباده، حيث أذن لهم في دعائه، وسمح لهم بمخاطبته ومناجاته، رحمة بهم، فضمن لهم الإجابة قائلاً {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(4) وقال عز وجل: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}(5) وقال سبحانه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}(6).

ويكفي في أهميته وعظمته، وصفه بالعبادة، بل أفضلها، فعن الباقر (عليه السلام): (أفضل العبادة الدعاء)(7)، بل في النبويّ وصف الدعاء بمخ العبادة(8)، لأن العبودية تتجلّى في الدعاء بأروع صورها، وهذا ما يفسّر لنا كون الدعاء أفضل العبادة، وأنه مُخّها، فمحلّ الدعاء من العبادات - لا سيما الصلاة - محلّ المخّ واللبّ والجوهر، لأن الداعي الخاضع والخاشع لربه يُقابل المُستكبر والمُستغني عن الدعاء كما أشارت إليه الآية الكريمة {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(9)، حيث وصف تعالى المستغني عن الدعاء بأنه مستكبر ومستغن عن العبادة، مهدّدًا بإدخاله جهنم صاغرًا ذليلاً.

ويؤكد ذلك ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول: ادع، ولا تَقلْ قد فرغ من الأمر، فإن الدعاء هو العبادة، إن الله عز وجل يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ})(10).

والسرّ في ذلك أن الدعاء يشترك مع العبادة في حقيقة واحدة، هي إظهار الخشوع والخضوع، واتصال الإنسان من خلالهما بخالقه جلّ وعلا، وفي كليهما يعترف العبد بالافتقار إلى ربه، وكما أن العبادة تسمو بنفس العبد وتصله بربه، فكذا الدعاء حيث تَعرُج روح الداعي لتتصل بخالقها وربّها، كما ويؤكد الدعاء على افتقار العبد وحاجته إلى مولاه وعدم استغنائه عنه، وأن الله تعالى هو المنعم والرازق، وبيده الحياة والموت، والصحة والسلامة، والسلطان... فهو مالك كل شيء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(11).

آداب الدعاء

اهتمت الشرائع والأديان، لا سيما الإسلام، بالدعاء، وخصّصت لكل وقت من النهار والليل، ولكل يوم من أيام الأسبوع والشهر والسنة أدعية خاصة، بل لكل حال من الأحوال، ولكل فعل ومطلب من مطالب الدنيا والآخرة دعاءًا خاصًا، وجعلت للدعاء شروطًا وآدابًا تُساعد على استجابة الدعاء.

فمن تلك الآداب

1- الطهارة لقول الصادق (عليه السلام): (يا مَسمع، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا، أن يتوضأ ثم يدخل مسجده، فيركع ركعتين، فيدعو الله فيهما)(12).

2- الشروع بالبسملة، لقوله (صلى الله عليه وآله): (لا يُردّ دعاء أوّله بسم الله الرحمن الرحيم)(13).

 3 - افتتاح الدعاء وختمه بالصلاة على النبي وآله. لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (كل دعاء محجوب عن السماء حتى يُصلّى على محمد وآله)(14).

وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (لا يزال الدعاء محجوبًا حتى يصلي على محمد وآل محمد)(15).

 وعنه (عليه السلام): (من دعا ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله رفرف الدعاء على رأسه، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله رُفع الدعاء)(16).

وعنه (عليه السلام): (من كانت له إلى الله عز وجل حاجة، فليبدأ بالصلاة على محمد وآله، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد، فإنّ الله عز وجل أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط)(17).

ولذا نجد الإمام السجاد (عليه السلام) قد جعل الصلاة على النبي وآله مفتاحًا لأدعيته في الصحيفة السجادية، بل في بعضها جعل الصلاة في أول الدعاء وفي آخره وفي وسطه، كالنبوي الشريف الذي جاء فيه: (لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء , اجعلوني في أول الدعاء وفي آخره وفي وسطه)(18). أي إن الراكب لا يذكر الماء إلا إذا عطش واضطر إليه، فيلتفت إليه ويشرب منه، وأما في سائر الأوقات فهو غافل عنه.

4- التحميد والثناء على الله تعالى قبل الدعاء، لقول أبي عبد الله (عليه السلام): (إذا طلب أحدكم الحاجة، فليُثنِ على ربه وليمدحه، فإن الرجل إذا طلب الحاجة من السلطان، هيّأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه، فإذا طلبتم الحاجة فمجّدوا الله العزيز الجبّار وامدحوه وأثنوا عليه)(19).

وينبغي الثناء على الله تعالى بأسمائه الحسنى، لقوله سبحانه وتعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(20) بل ينبغي للداعي أن يختار ما يناسب مطلوبه فإذا كان يطلب الرزق فيختار: يا رازق يا واهب يا جواد يا منعم يا معطي... وإذا كان يرجو المغفرة فيقول: يا غفار يا تواب يا رؤوف يا عطوف... وهكذا.

وفي بعض الروايات: يُجزي من الثناء: اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، وأنت العزيز الحكيم)(21).

5- التعميم في الدعاء، لقول الصادق (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا دعا أحدكم فليعمّ، فإنه أوجب للدعاء)(22).

بل في بعض الروايات التحديد بأربعين رجلاً، قال عمر بن يزيد: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: (من قدّم أربعين رجلاً من إخوانه قبل أن يدعو لنفسه، استجيب له فيهم وفي نفسه)(23).

6- تسمية و بثّ الحوائج إلى الله تعالى، فإن الله تعالى يعلم حاجة العبد وما يريد، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد، ولكنه سبحانه يُحبّ أن تُبَث إليه الحوائج وتُسمّى بين يديه تعالى، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ( إن الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه، لكنه يُحِب أن تُبثّ إليه الحوائج، فإذا دعوت فسم حاجتك).

وفي آخر عنه (عليه السلام) قال: (إن الله عز وجل يعلم حاجتك وما تريد، ولكن يُحب أن تبثّ إليه الحوائج)(24).

7- التوسل بالنبي وآله، لقول النبي (صلى الله عليه وآله) بحق الأئمة (عليهم السلام): "وبهم يستجاب الدعاء"(25)، وقد عقد السيد البروجردي في جامع أحاديث الشيعة بابًا خاصًا في أن من توسّل إلى الله تبارك وتعالى بمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين استجاب له وذكر عدة روايات(26).

8- إقبال الداعي على ربه بقلبه حال الدعاء، لقول الصادق (عليه السلام): (إن الله عز وجل لا يستجيب دعاءًا بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة)(27).

9- تقديم الصدقة قبل الدعاء، لقول الصادق (عليه السلام): (كان أبي إذا طلب الحاجة، طلبها عند زوال الشمس، فإذا أراد ذلك قدّم شيئًا فتصدّق به)(28).

10- التضرّع ورفع اليدين حال الدعاء، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): (إن الله ليستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردّهما خائبتين)(29)، وبه فسّرت آية: {فمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}(30)، وقد سئل الرضا (عليه السلام) عن سبب رفع اليدين في الدعاء فقال: (التضرّع هو رفع اليدين لأن رفع اليدين يدلّ على حال الاستكانة، وعلامة العبودية والتذلّل لله تعالى)(31).

11- الإسرار بالدعاء لقوله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}(32).

وعن الرضا (عليه السلام): (دعوة تُخفيها أفضل عند الله من سبعين دعوة تظهرها)(33).

12- تعجيل الدعاء في وقت الرخاء: فإن الناس على مختلف مشاربهم ومذاهبهم، حتى المشرك والوثني، تجده وبدافع فطري متأصل في وجوده، يتوجّه إلى الله تعالى بمجرد أن يحس بضًر أو شدة أو محنة أو مصيبة وبلاء ولا يجد من يُنجيه، ينقطع إلى ربه وخالقه، فإذا نجّاه تعالى وأذاقه من رحمته نسي وأعرض ونأى بجانبه وكأنّ شيئًا لم يحصل معه كما تشير الآيات القرآنية:

التي منها قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ}(34).

وقوله عز وجل: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إلى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً}(35).

وقوله سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(36).

و قوله جل وعلا: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إذا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}(37).

يتبع =

________________

الهوامش:

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

1-      سورة النور: 63.

2 - عدة الداعي لابن فهد الحلي /9/مكتبة وجداني / قم/ بتصرف.

3 - مكارم الأخلاق 270 / نشر مكتبة الشريف الرضي قم ط6.

4 - سورة غافر، من الآية60، وسورة البقرة:186.

5- سورة النمل: 62.

6- سورة الفرقان: 77.

7- وسائل الشيعة 7/ 30 ح1 مؤسسة آل البيت قم باب اختيار الدعاء على غيره...

8- المصدر السابق : 7/ 27 ح9 باب استحباب الإكثار من الدعاء.

9- سورة غافر:60.

10- الكافي2/ 467 ح4 دار الكتب الإسلامية طهران ط4 تحقيق الغفاري.

11- سورة فاطر:15.

12- مستدرك الوسائل6/ 319 مؤسسة آل البيت/ بيروت1/6903 نقلا عن تفسير العياشي.

13- المصدر السابق : 5/ 304.

14- وسائل الشيعة 7/ 96ح16/8838.

15- الكافي 2/ 491 باب الصلاة على النبي وأهل بيته ح1.

16- المصدر السابق، نفس الباب، ح2.

17- المصدر السابق، نفس الباب، ح216.

18- المصدر السابق : 2/ 492.

19- المصدر السابق : 2/ 485 باب الثناء قبل الدعاء ح6.

20- سورة الأعراف: 180.

21- الكافي 2/ 503/ باب التحميد والتمجيد /ح6.

22- الكافي 2/4487/ باب العموم في الدعاء/ ح1.

23- وسائل الشيعة 7/ /118 ح3/8896.

24- الكافي 2/ 476 ح1 / باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الإجابة.

25- آمالي الشيخ الطوسي 441 / نشر دار الثقافة للطباعة والنشر قم1414 ).

26- جامع أحاديث الشيعة 15 / 244 / باب 11 مطبعة مهر قم 1409.

27-الكافي 2/ 473 باب الإقبال على الدعاء ح1.

28-الكافي 2 / 478 ح7 باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الإجابة.

29- بحار 90/ 365 ح11.

30- سورة المؤمنون: 76.

31- وسائل الشيعة 7/ 48 ح6/8684.

32- سورة الأعراف: 55.

33- الكافي 2/ 476 باب إخفاء الدعاء ح1.

34- سورة فصلت: 51.

35 - سورة الإسراء: 67.

36- سورة يونس: 12.

37- سورة الروم: 33.

 

 

تتمة مقال = حقيقة الدعاء

فلذا من الآداب أن يتذكر الإنسان ربه ويدعوه في حال الرّخاء حتى يتعرّف عليه في حال الشدّة بل إننا محتاجون إلى رحمته سبحانه في كل الأحوال والأوقات والاقتصار على الدعاء في حال الشّدة يحرمنا من تلك الرحمة وذلك الفضل.

فعن النبي (صلى الله عليه وآله)، في وصيته للفضل بن العباس: (تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)(38).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) أنه كان يقول: (ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحوًا من دعائه في الشدة ليس إذا أعطي فَتَر)(39).

13- الدعاء عند استشعار رقة القلب وحصول الإخلاص والخوف من الله تعالى لقول الصادق (عليه السلام): (إذا رقّ أحدكم فليدعُ فإن القلب لا يرق حتى يخلص)(40).

14- تكرار الدعاء وعدم القنوط من عدم الإجابة لقول الصادق (عليه السلام): (لا يزال المؤمن بخير ورجاء رحمة من الله عز وجل ما لم يستعجل فيقنط ويترك الدعاء)(41).

15- الاجتماع في الدعاء: لقول الصادق (عليه السلام): ( كان أبي عليه السلام إذا أحزبه أمر(42) - وفي بعض الروايات أحزنه أمر(43)- جمع النساء والصبيان ثم دعا، وأمنّوا).

وفي بعض الروايات عن الصادق (عليه السلام): (ما اجتمع أربعة قط على أمر فدعوا الله تعالى إلا تفرقوا عن إجابة)، بل في بعضها عنه (عليه السلام) كون عدد المجتمعين للدعاء أربعين أو يكرر الدعاء أربعين مرة(44).

16- التنزّه عن الحرام: لما روي من أن موسى (عليه السلام) رأى رجلاً يتضرع إلى الله تعالى تضرعًا عظيمًا ويدعو رافعًا يديه ويبتهل فأوحى إليه الله تعالى: لو فعل كذا وكذا لما استجيب دعاؤه، لأن في بطنه حرامًا(45).

17- ختم الدعاء بقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله لما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (ما من رجل دعا فختم دعاءه بقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله إلا أجيبت حاجته(46).

18- مسح الوجه والرأس بعد الدعاء: لما روي عن الصادق (عليه السلام) قال: ما أبرز عبد يده إلى الله العزيز الجبار عز وجل إلا استحيا الله عز اسمه أن يردها صفرًا حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح على رأسه ووجهه(47).

 وفي حديث الدعاء: فإذا فرغ من الدعاء مسح وجهه بيديه وفيه إشارة إلى أن كفيه ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية فهو يفيض منها على وجهه الذي هو أشرف الأعضاء(48).

موانع استجابة الدعاء

قد يدعو الإنسان ليل نهار ولا يُستجاب له لوجود ما يحبس الدعاء ويحجبه فلا بد من إزالة الموانع التي تحبس الدعاء، وقد ذكرت الروايات الشريفة المنقولة عن النبي وأهل بيته جملة من تلك الحواجب تندرج تحت معصية الله و الجرأة عليه ومخالفة أوامره تعالى، ففي الحديث المروي عن الصادق (عليه السلام): (... أما إنكم لو أطعتموه فيما أمر به، ثم دعوتموه لأجابكم، ولكن تخالفونه وتعصونه فلا يجيبكم)(49).

وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) في دعاء كميل إلى هذه الموانع التي تردّ الدعاء حيث قال (عليه السلام): (اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء) وفصّلها الإمام السجاد (عليه السلام) في حديث طويل بيّن فيه آثار الذنوب فقال: (... والذنوب التي ترد الدعاء: 1- سوء النية، 2 - وخبث السريرة، 3- والنفاق مع الإخوان، 4- وترك التصديق بالإجابة، 5 - وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، 6- وترك التقرب إلى الله عز وجل بالبر والصدقة، 7- واستعمال البذاء والفحش في القول)(50).

وقد نصَّت بعض الروايات على ذنوب أخرى.

8- منها أكل الحرام، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (من أحبّ أن يُستجاب دعاؤه فليطيّب مطعمه ومكسبه)(51).

 وعنه (صلى الله عليه وآله) في جواب من قال له: أحب أن يُستجاب دعائي قال (صلى الله عليه وآله): (طهّر مأكلك ولا تُدخل بطنك الحرام)(52).

 وفي الحديث القدسي: (فمنك الدعاء وعليّ الإجابة فلا تُحجب عني دعوة إلا دعوة آكل الحرام)(53).

9- ومنها عقوق الوالدين، فعن الصادق (عليه السلام): (والتي ترد الدعاء وتُظلم الهواء عقوق الوالدين)(54).

10- ومنها قطيعة الرحم، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (قطيعة الرحم تحجب الدعاء)(55).

11- ومنها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال محمد عمر بن عرفة: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: (لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)(56).

ومنها من يقتني في بيته: 12- خمرًا، 13- أو دفًّا، 14- أو طنبورًا، 15- أو نردًا: لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه خمر أو دف أو طنبور أو نرد، ولا يُستجاب دعاؤهم، وترفع عنهم البركة)(57).

وهناك جماعة لا يستجاب دعاؤهم وهم: 16- العريف الشاعر الذي ينشد بالباطل، 17- والعشّار، 18- والشرطي، 19- و صاحب العرطبة، 20- وصاحب الكوبة لما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: (يا نوف، إياك أن تكون عشّارًا أو شاعرًا(58) أو شرطيا(59) أو عريفًا(60) أو صاحب عرطبة وهي الطنبور، أو صاحب كوبة وهو الطبل(61)، فإن نبي الله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء، فقال: أما إنها الساعة التي لا ترد فيها دعوة إلا دعوة عريف، أو دعوة شاعر، أو دعوة عاشر أو شرطي، أو صاحب عرطبة، أو صاحب كوبة(62).

21- ومنها المظلوم الذي تحمَّل ظلم غيره، روي عن الصادق (عليه السلام): (قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظلمها، ولأحد عنده مثل تلك المظلمة)(63)، بل روي عن الصادق (عليه السلام) أن متحمِّل مظالم المخلوقين مردود الدعوة(64).

.

يتبع =

________________

الهوامش:

39- المصدر السابق 7/ 61ح1/8726.

40- المصدر السابق 7/ 72 ح1، وقد عقد في الوسائل بابا لذلك (استحباب الدعاء عند رقة القلب 7/ 72 ).

41- المصدر السابق 7/ 55ح3/8708.

42- الدعوات للراوندي 29/ نشر مدرسة الإمام المهدي قم ط1 قم.

43- مكارم الأخلاق 274 الفصل الأول في فضل الدعاء و كيفيته منشورات الشريف الرضي ط6.

44- عدة الداعي لابن فهد الحلي 145.

45- الدعوات للراوندي 24/ منشورات مدرسة الإمام المهدي قم ط1 قم.

46- ثواب الأعمال للصدوق/ 9 منشورات الشريف الرضي قم.

47- مكارم الأخلاق للطبرسي 269.

48- مجمع البحرين لطريحي 4/ 199 مادة مسح.

49- مستدرك الوسائل5/ 213.

50- معاني الأخبار للشيخ الصدوق/ 217 /مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم ط1379هـ.

51- عدة الداعي لابن فهد الحلي / 128 /باب في بيان أقوام لا يستجاب دعاؤهم.

52- نفس المصدر السابق.

53- نفس المصدر السابق.

54- الكافي 2/ 448 باب في تفسير الذنوب ح1.

55- مستدرك الوسائل15/ 185 ح 14/17954.

56- الكافي 5/ 56 باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح3.

57- مستدرك الوسائل6/ 319.

58- حمل على الذي ينشد بالباطل.

59- حمل على الذي يظلم المؤمنين في الدولة الظالمة.

60- العريف هو: القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرّف الأمير من خلاله على أحوالهم: لسان العرب 9/ 154 مادة عرف دار إحياء التراث العربي.

61- العرطبة هي الطنبور والعود وهي من آلات اللهو فارسية معربة والكوبة هي الطبل وفسرتا بالعكس: مجمع البحرين 3/ 158 / مادة عرطب مكتب نشر الثقافة الإسلامية ط2.

62- وسائل الشيعة مؤسسة آل البيت 17 / 315 / ح 122637 /2.

63- وسائل الشيعة 7/ / 146ح1/8968.

64- مفتاح الجنات للسيد الأمين 1 / 11 / الأعلمي بيروت.

 

 

تتمة مقال = حقيقة الدعاء

 

دعوات لا تستجاب

ورد في الأخبار أن مجموعة من الدعوات لا يستجيبها الله تعالى

 فعن النبي (صلى الله عليه وآله): إن أصنافًا من أمتي لا يُستجاب لهم دعاؤهم:

1- رجل يدعو على والديه.

2- ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يُشهد عليه.

3- ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله عز وجل تخلية سبيلها بيده -أي المرأة المؤذية لزوجها-.

 4- ورجل يقعد في بيته ويقول: (ربِّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق فيقول الله عز وجل له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لإتباع أمري ولكيلا تكون كَلاًّ على أهلك، فإن شئتُ رزقتك وإن شئت قتّرت عليك، وأنت غير معذور عندي).

5- ورجل رزقه الله مالاً كثيرًا فأنفقه ثم أقبل يدعو يا ربِّ ارزقني فيقول الله عز وجل: (ألم أرزقك رزقًا واسعًا فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك عن الإسراف).

6- ورجل يدعو في قطيعة رحم(65).

7- ورجل يدعو على جاره، روي عن الصادق (عليه السلام): (أخشى أن نكون كأحد الثلاثة الذين لا يُستجاب لهم دعوة: رجل أعطاه الله مالاً فأنفقه في غير حقه، ثم قال: اللهم ارزقني فلا يستجاب له، ورجل يدعو على امرأته أن يريحه منها وقد جعل الله عز وجل أمرها إليه، ورجل يدعو على جاره وقد جعل الله عز وجل له السبيل إلى أن يتحول عن جواره ويبيع داره)(66).

8- ورجل يدعو على ذي رحم(67).

9- و رجل دفع ماله إلى سفيه(68).

10- بل مطلق سؤال ما لا يحل: لقول الأمير (عليه السلام): (يا صاحب الدعاء لا تسأل ما لا يحل)(69).

11- ورجل أبق مملوكه ثلاث مرات ولم يبعه(70).

12- ورجل مر بحائط مائل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه(71).

دعوات تنفتح لها أبواب السماء

مما لا شك فيه أن هناك أوقاتًا وأماكن وحالات خاصة تنفتح لها أبواب السماء ويستنزل فيها الرحمة كما يستفاد من روايات النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم، فمن تلك الأوقات:

1- يوم الجمعة، ففي النبوي الشريف: (إن يوم الجمعة سيد الأيام، يضاعف الله عز وجل فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات)(72)، وأكدت الروايات على ساعة خاصة من يوم الجمعة فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (إن في يوم الجمعة لَسَاعة لا يحال بين الدعاء وبين الإجابة)(73) وقد حُدِّدت هذه الساعة في بعض الروايات ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف (74)، وجاء في بعضها الآخر أنها آخر ساعة من النهار إلى غروب الشمس(75)، وروي (أن تلك الساعة هي إذا غاب نصف القرص وبقي نصفه)(76) والمراد من الساعة البرهة الزمنية وليست الساعة المعهودة كما لا يخفى.

2- ومنها ليلة الجمعة، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (أن الله تبارك وتعالى ينزل ملكًا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادى هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل يا طالب الشر أقصر)(77).

3- ومنها ما بين نصف الليل إلى الثلث الباقي منه قال عبدة السابوري: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (إن الناس يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن في الليل لساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن بدعوة إلا استجيب له ؟ قال: نعم. قلت: متى هي ؟ قال: ما بين نصف الليل إلى الثلث الباقي. قلت: ليلة من الليالي أو كل ليلة ؟ فقال: كل ليلة)(78).

وفي بعض الروايات أنها السدس الأول من النصف الثاني(79).

4- ومنها وقت السحر فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (خير وقت دعوتم الله عز وجل فيه الأسحار)(80) وهو الثلث الأخير من الليل وأفضله القريب من الفجر.

5- ومنها وقت زوال الشمس بمقدار أربع ركعات مع تأنٍ وتمهل، فعن الصادق (عليه السلام): (إذا زالت الشمس فُتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان، وقُضيت الحوائج العظام، فقيل له (عليه السلام): من أي وقت ؟ قال (عليه السلام): مقدار ما يصلي الرجل أربع ركعات مُترسلاً)(81) (82).

6- ومنها ما قبل شروق الشمس وقبل غروبها، فعن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال}(الرعد من الآية15) قال: هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهي ساعة إجابة(83).

7- ومنها: ليلة القدر كما لا يخفى والروايات في فضلها متواترة.

8- ومنها ليلة الفطر والأضحى وأول ليلة من رجب والنصف من شعبان لما روي عن الكاظم (عليه السلام): قال: (كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: يعجبني أن يفرغ الرجل نفسه أربع ليال: ليلة الفطر وليلة الأضحى، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان)(84).

9- ومنها ليلة العاشر من ذي القعدة: لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (في ذي القعدة ليلة مباركة هي ليلة عشر ينظر الله إلى عباده المؤمنين فيها بالرحمة)(85).

10- ومنها الدعاء بين العشاءين، فقد روي من دعا بينهما لم يُرد دعاؤه(86).

11- ومنها بعد العشاء الآخرة، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (من كان له حاجة فليطلبها في العشاء الآخرة فإنها لم يعطها أحد من الأمم قبلكم يعنى: العشاء الآخرة)(87).

12- ومنها يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، روى جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله) أُستجيب دعاؤه على الأحزاب الأربعاء بين الظهر والعصر ثم قال: (فما نزل بي أمر غائظ فتوجهت في تلك الساعة إلا وجدت الإجابة (88)، والغائظ والغيظ: الغضب المحيط بالكبد.

13- ومنها ما بين الطلوعين، روي عن الأمير (عليه السلام): (أجيبوا داعي الله، واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض، وهي الساعة التي يقسم فيها الرزق بين عباده... توكلوا على الله عند ركعتي الفجر إذا صليتموها، ففيها تعطوا الرغائب)(89).

14- ومنها الدعاء في الوتر وبعد الفجر وبعد الظهر وبعد المغرب، روي عن الصادق (عليه السلام): (يُستجاب الدعاء في أربعة مواطن: في الوتر وبعد الفجر وبعد الظهر وبعد المغرب)(90).

 وكذا غيرها من الليالي والأيام المباركة كليالي ولادة المعصومين النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، وليلة المبعث ويومه، وليلة عرفة، وليلة الغدير، وليلة النصف من رجب، وليلة الرغائب هي أوّل ليلة جمعة من شهر رجب، وغيرها من الأوقات المباركة...

يتبع =

________________

الهوامش:

  • 65- الكافي 5/ 67 ح 1 باب دخول الصوفية على أبي عبد الله (عليه السلام)....

  • 66- الكافي 2/ 510 ح 2/ باب الدعاء على العدو.

  • 67- وسائل الشيعة 7/ 127ح7/8913.

  • 68- المبسوط للشيخ الطوسي 8/ 173 المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية. تعليق:محمد الباقر البهبودي.

  • 69- وسائل الشيعة 7/ 83 ح 10/8791.

  • 70- الخصال للشيخ الصدوق، ص 299، منشورات جماعة المدرسين في قم تعليق الغفاري ط1403هـ.

  • 71- المصدر السابق نفسه.

  • 72- الكافي 3/ 414 باب فضل الجمعة وليلته ح5.

  • 73- مستدرك الوسائل6/ 68 4/6453 ح.

  • 74-  نفس المصدر ح 3/6452.

  • 75- نفس المصدر.

  • 76- مصباح المتهجد للشيخ الطوسي 399 / مؤسسة فقه الشيعة / بيروت ط1.

  • 77- عدة الداعي لابن فهد الحلي/ 40.

  • 78- وسائل الشيعة 7/ 70ح3/8752.

  • 79- عدة الداعي لابن فهد الحلي/ 39.

  • 80- الكافي 2/ 477 باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابةح6.

  • 81- قال في مجمع البحرين ترسل في قراءته إذا تمهل فيها ولم يعجل /2/177 مادة رسل.

  • 82- وسائل الشيعة 7/ 66ح8/8742.

  • 83- الكافي 2/ 522 باب القول عند الإصباح والإمساء ح1.

  • 84- جامع أحاديث الشيعة 6 / 312 ح 16/5215.

  • 85- جامع أحاديث الشيعة 15 / 280 ح 12/925.

  • 86- نفس المصدر.

  • 87- عدة الداعي لابن فهد الحلي/ 39.

  • 88- عدة الداعي لابن فهد الحلي/ 38.

  • 89- وسائل الشيعة 7/ 68ح1/8746.

  • 90- الكافي 2/ 477 باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الاجابةح2.

 

تتمة مقال = حقيقة الدعاء

 

وأما الأماكن والبقاع الخاصة التي تنفتح فيها أبواب السماء:

1- المساجد عامة، روي عن الصادق (عليه السلام): عليكم بإتيان المساجد، فإنها بيوت الله في الأرض من أتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه وكُتب من زواره فأكثروا فيها الصلاة والدعاء(91).

2- والمسجد الحرام فعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (أكثروا من الصلاة والدعاء في هذا المسجد أما إن لكل عبد رزقًا يجاز إليه جوازًا)(92)، وهناك عدة مواطن في مكة وغيرها يرجى فيها استجابة الدعاء، منها: الميزاب، ومقام إبراهيم (عليه السلام)، والحجر الأسود، وبين المقام والباب والمستجار(93) والركن اليماني والحطيم(94) وفي جوف الكعبة، وعند بئر زمزم، وعلى الصفا والمروة، وعند الجمرات الثلاث، وفي المزدلفة، وفي عرفة، وعند المشعر الحرام كما هو واضح من الروايات وكلام الفقهاء في مناسك الحج.

3- ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله) لا سيما بين الضريح الشريف والمنبر، قال الصادق (عليه السلام) لمعاوية بن عمار: إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فائت المنبر فامسحه بيدك وخذ برمانتيه، وهما السفلاوان، وامسح عينيك ووجهك به فإنه يقال: إنه شفاء للعين، وقم عنده فاحمد الله واثن عليه وسل حاجتك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على ترعة من ترع الجنة، والترعة هي الباب الصغير... (95).

4- ومسجد الكوفة، روى يحي بن عبد الله الكاهلي عن الصادق (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فردّ عليه، فقال: جعلت فداك إني أردت المسجد الأقصى فأردت أن أسلم عليك وأودعك، فقال له: وأي شيء أردت بذلك ؟ فقال: الفضل جعلت فداك، قال: فبع راحلتك وكلً زادك وصلِّ في هذا المسجد فإن الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة والنافلة عمرة مبرورة والبركة فيه على اثني عشر ميلاً للمؤمنين... منه سارت سفينة نوح... وصلى فيه سبعون نبيًا وسبعون وصيًا أنا أحدهم وقال بيده في صدره(96)، ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا أجابه الله وفرج عنه كربته(97).

5- ومسجد السهلة، عن الصادق (عليه السلام): قال: بالكوفة مسجد يقال له، مسجد السهلة لو أن عمّي زيدًا أتاه فصلى فيه واستجار الله لأجاره عشرين سنة، فيه مناخ الراكب وبيت إدريس النبي (عليه السلام) وما أتاه مكروب قط فصلى فيه بين العشائين ودعا الله إلا فرج الله كربته(98).

6- ومشاهد الأئمة صلوات الله عليهم لا سيما تحت قبة الحسين (عليه السلام)، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): ألا وإن الإجابة تحت قبته(99).

ونقل شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له (عليه السلام) من أتى قبر الحسين (عليه السلام) ما له من الثواب والأجر جعلت فداك، قال: يا شعيب ما صلى عنده أحد الصلاة إلا قبلها الله منه، ولا دعا أحد عنده دعوة إلا استجيبت له عاجلة و آجلة، فقلت: جعلت فداك زدني فيه، فقال: يا شعيب أيسر ما يقال لزائر الحسين بن علي (عليه السلام): قد غفر لك يا عبد الله فاستأنف عملاً جديدًا(100).

7- وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده عن أحمد بن جعفر ابن حمدان القطيعي قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال (شيخ الحنابلة في عصره ) يقول: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحبّ(101).

8- قال ابن حبان في ترجمة الإمام الرضا (عليه السلام): ما حلّت بي شدة في وقت مقامي بطوس، فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله بإزالتها عنّي إلا استجيب لي، وزالت عنّي تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارًا، فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين (102)، وكذا غيرها من المشاهد المباركة للأولياء والصلحاء.

وأما الأعمال والحالات التي تنفتح لها أبواب السماء بالإجابة:

1- فعند قراءة القرآن.  2- والآذان. 3- ونزول الغيث. 4- والتقاء الصفين. 5- والزحف. 6- ودعوة المظلوم.

 فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم، فإنها ليس لها حجاب دون العرش(103).

7- وعند هبوب الريح. 8- وزوال الأفياء. 9- وعند نزول أول قطرة من دم القتيل المؤمن، فعن الصادق (عليه السلام): اطلبوا الدعاء في أربع ساعات: عند هبوب الرياح وزوال الأفياء(104) ونزول القطر وأول قطرة من دم القتيل المؤمن فإن أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء(105).

10- والدعاء بعد الصلاة المكتوبة. روي عن الأمير (عليه السلام): قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أدّى لله مكتوبة فله في أثرها دعوة مستجابة(106).

وفي بعض الروايات ان الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة نفلا فعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الدعاء بعد الفريضة، أفضل من الصلاة نفلاً(107).

بل في بعضها أن الدعاء بعدها أفضل من قراءة القرآن فقد سئل الصادق (عليه السلام): عن رجلين دخلا المسجد في وقت واحد وافتتحا الصلاة في وقت واحد فكان دعاء أحدهما أكثر، وكان قرآن الآخر أكثر، أيهما أفضل؟ قال: كلّ فيه فضل، وكلّ حَسن قيل: قد علمنا ذلك ولكن أردنا ان نعلم أيهما أفضل؟ قال: الدعاء أفضل، أما سمعت الله عز وجل يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(غافر:60), هي العبادة، وهي أفضل(108).

11- ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب فعن أبي جعفر (عليه السلام): قال: اوسع دعوة وأسرع إجابة دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب(109) وعنه (عليه السلام): أسرع الدعاء نجاحًا للإجابة دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب (110).

12- الدعاء على لسان الغير لما روي من انه تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام): ادعني على لسان لم تعصني به، فقال: يا رب أنّى لي بذلك؟ قال: ادعني على لسان غيرك(111).

13- دعاء المُتَخَتِّم بالأحجار الكريمة كالعقيق والفيروزج لقول الصادق (عليه السلام) ما رُفعت كفّ إلى الله أحبّ من كفٍ فيها عقيق(112)، ولقوله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله سبحانه إني لأستحي من عبد يرفع يده وفيها خاتم فصّه فيروزج فأردُّها خائبة(113).

14- الدعاء حال السجود: فعن الصادق (عليه السلام): قال: أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا دعا ربه وهو ساجد(114).

وفي بعض الروايات الحث على الدعاء في سجدة الشكر بعد فريضة المغرب: فعن جهم بن أبي جهم قال: رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وقد سجد بعد الثلاث الركعات من المغرب فقلت له: جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث فقال ورأيتني؟ فقلت نعم قال: فلا تدعها فإن الدعاء فيها مستجاب(115).

15- ومنها دعوة الحاج.

16- ودعوة الغازي في سبيل الله.

17- والمريض فعن الصادق (عليه السلام): ثلاثة دعوتهم مستجابة: الحاج، فانظروا كيف تخلفونه. والغازي في سبيل الله، فانظروا كيف تخلفونه. والمريض فلا تغيظوه(116).

18- ودعوة الإمام المقسط.

19- ودعوة الولد الصالح لوالديه(117).

20- ومنها دعاء الوالد على ولده.

21- والمظلوم على من ظلمه.

22- والمعتمر حتى يرجع.

23- والصائم حتى يفطر ( فعن الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أربعة لا تُردّ لهم دعوة حتى تفتح لهم أبواب السماء وتصير إلى العرش: الوالد على ولده، والمظلوم على من ظلمه، والمعتمر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر(118).

24- ومنها دعوة المضطر لقوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله): ادعوك يا مجيب دعوة المضطر(119).

25- ومنها الدعاء بين الأذان والإقامة، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردّ (120).

توقيفية الدعاء المأثور

تميّزت مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم بتراثها الدعائي ومنهلها العذب الذي ضم عيون اللآلئ والدُرر، حتى ورد عنهم صلوات الله عليهم أدعية لكل شيء ولكل وقت من الليل والنهار ولكل يوم من أيام الأسبوع والشهر والسنة، بل لكل حال من الأحوال ولكل مطلب من مطالب الدنيا والآخرة، ولذا أوْلَوا صلوات الله عليهم الدعاء عناية خاصة، وكان وسيلة لنشر تعاليم ومفاهيم الإسلام وتلقين أصول العقيدة كما هو واضح من أدعيتهم صلوات الله عليهم لا سيما أدعية الإمام السجاد في الصحيفة السجّادية، فكانت آية في البلاغة والفصاحة والأدب الرفيع، فتَلتذّ بها القلوب قبل الأسماع لتغذي النفس وتهذبها وتحلّق بالروح إلى عالم الملكوت فتعيش مع خالقها مطمئنة في رحابه الطاهرة.

 و قد بذل أصحاب الأئمة (عليهم السلام) جهدهم لنقل تلك الأدعية و اتعب علماؤنا أنفسهم في حفظها وجمعها حتى وصلت إلينا وصارت في متناول أيدينا فجزاهم الله خير الجزاء.

ومن الملاحظ من خلال مراجعة بعض الروايات أن الأدعية المأثورة والتي يرجى منها آثارٌ خاصة ينبغي التوقف والاقتصار على ما ورد منها عن النبي وآله من دون أدنى زيادة أو نقصان.

 1- فمن تلك الروايات: ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ستصيبكم شبهة، فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، لا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق. قلت: كيف دعاء الغريق ? قال: تقول: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك فقلت أقول: يا مقلب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك.

 فقال: ان الله عز وجل مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك: « يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك(121).

2- ومنها ما رواه إسماعيل بن الفضل قال: سالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}(طـه من الآية130)، فقال: فريضة على كل مسلم ان يقول قبل طلوع الشمس عشر مرات، وقبل غروبها عشر مرات: « لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير».

 قال: فقلت: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي، فقال: يا هذا، لا شك في أن الله يحيي ويميت ويميت ويحيي، ولكن قل كما أقول(122).

3- ومنها ما رواه العلاء بن كامل قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ}. عند المساء: لا الله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي، وهو على كل شيء قدير. قال: قلت: بيده الخير. قال: إن بيده الخير، ولكن قل كما أقول لك عشر مرات وأعوذ بالله السميع العليم حين تطلع الشمس وحين تغرب عشر مرات)(123)، وغيرها من الروايات(124).

ولا يخفى ما في دلالة هذه الروايات على أن الأدعية المأثورة عنهم صلوات الله عليهم توقيفية، وعلينا أن نتعبد بها كما وردت بألفاظها الخاصة من دون أدنى تغيير في كلماتها حتى تحقق أثرها الروحي المرجو منها.

هذا وهناك مباحث أخرى ترتبط بموضوع الدعاء لا تسعها هذه الرسالة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

انتهى

________________

الهوامش:

  • 91- بحار الأنوار للمجلسي 80/ 384.

  • 92- الكافي 3/ 414 باب فضل الصلاة في المسجد الحرام... ح4.

  • 93- وهو الحائط المقابل لباب الكعبة دون الركن اليماني بقليل وهو الذي استجارت إليه فاطمة بنت أسد (عليه السلام) عند ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) فانشق لها الحائط من عند المستجار ويسمى الملتزم لان الطائف يلتزمه في الشوط السابع - الموسوعة الفقهية الميسرة محمد علي الأنصاري /61/ مجمع الفكر الإسلامي قم.

  • 94- وهو ما بين البيت والحجر الأسود وعن الصادق (ع) أنه أفضل بقعة على وجه الأرض الوسائل 5/ 275 ح7.

  • 95- وسائل الشيعة 14/ 345 ح1/19358. 96- وفي نسخة التهذيب3/ 251 ح9/689 قال بيده على صدره.

  • 97- الكافي 3/ 492 باب فضل المسجد الأعظم في الكوفة... ح3.

  • 98- الكافي 3/ 495 باب مسجد السهلة ح3.

  • 99- وسائل الشيعة 14/ 352ح16/19581.

  • 100- كامل الزيارات لابن قولويه /436 مؤسسة نشر الفقاهة قم ط1.

  • 101- المناقب لابن شهر آشوب 3/422، المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف ط 1376

  • 102- الثقاة للحافظ ابن حبان 8/457، مؤسسة الكتب الثقافية، وهو من أهم مصادر رجال الحديث عند السنة.

  • 103- الأمالي للشيخ الصدوق 171.

  • 104- الفيء الظل وجمعه الأفياء يقال: فاء الفيء إذا تحول عن جهة الغداة، العين للخليل بن احمد الفراهيدي وفي تعليقة الكافي فاء الظل يفيء رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق.

  • 105- الكافي 2/ 476 باب الأوقات والحالات التي يرجى فيها الإجابة ح1.

  • 106 - الدعوات للراوندي 27/ نشر مدرسة الإمام المهدي قم ط1.

  • 107- مستدرك الوسائل5/ 32  ح 2/5294 باب استحباب اختيار الدعاء بعد الفريضة على الصلاة تنفلاً.

  • 108- نفس المصدر 1/5295 باب استحباب اختيار الدعاء في الصلاة وبعدها على إطالة القراءة.

  • 109- الدعوات للراوندي 289ح28 مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/قم ط1.

  • 110- نفس المصدر ح29

  • 111- وسائل الشيعة 7/ 109 ح12/ 8875.

  • 112- وسائل الشيعة 5/ 87ح9/6999.

  • 113- وسائل الشيعة 5/ 95ح5/6024.

  • 114- وسائل الشيعة 6/ 340ح3/8126.

  • 115- تهذيب للشيخ الطوسي 2/ 114 ح195/427 باب كيفية الصلاة وصفتها....

  • 116- الكافي 2/ 509 باب من تُستجاب دعوته ح1.

  • 117- نفس المصدر ح2.

  • 118- الكافي 2/ 510 باب من تستجاب دعوته ح6.

  • 119- الإقبال لابن طاووس 1/ 269 / مكتب الإعلام الإسلامي ط1.

  • 120- الدعوات للراوندي 36 / ح87 /مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) / قم/ ط1.

  • 121- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق،ص 352، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم ط 1405.

  • 122- الخصال للصدوق 452.

  • 123- الكافي 2/ 527 باب القول عند الإصباح والإمساء.

  • 124- راجع كتاب الدعاء الطبراني 98 / دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ط1.

115%