رسالة النجف

الأقليات في الدولة الإسلامية

 

الأقليات في الدولة الإسلامية

الشيخ حاتم إسماعيل1

تمهيد

من المسائل المهمة والحسّاسة,  التي طُرحت في الدراسات المعاصرة, في ما يرتبط بالدولة والمجتمع, مسألة الأقليات الدينية والعرقية, نظرًا لعلاقتها وارتباطها بحقوق الأفراد والجماعات في أنظمة الحكم, وكثيرًا ما ألصق الغربيون والعلمانيون تُهم التمييز العنصري ضد الأقليات العرقية والدينية, في نظام الحكم الإسلامي، بدعوى أنه لا يعترف بحقوق الأقليات، حيث اعتبر الأقليات الدينية (أهل ذمة)، ليس لهم في الحكم الإسلامي حقوق كاملة يتمتعون بها كسائر المواطنين، ولذلك فهم يلزمون بدفع الجزية, وكفى به توهينًا لهم, واستصغارًا لشأنهم, وحطًّا من كراماتهم.

وأما الأقليات العرقية، فهم بدورهم، لا يتساوون مع الأكثرية الحاكمة، في الحقوق والواجبات، وإن كانوا من المسلمين، وشواهد هذا التمييز كثيرة، من العصر الأموي والعباسي، بل والعثماني، حيث ظهر التمييز ضد الأقليات، في كثير من مفاصل التاريخ الإسلامي, بل إن الثابت من سير بعض الخلفاء والولاة أنه لم يكن يَقبل دعوى من مولى ضد عربي, وأن للعربي أن يأخذ منه ما يشاء عند حاجته, دون أن يحقّ له الاعتراض عليه في شيء.

بل ربما يقال أن الإسلام لا يعترف بالآخر، استنادًا إلى ما تقدم, وبملاحظة الدعوة إلى الحرب والجهاد ضد مخالفيه والقضاء عليهم واستئصالهم.

ولكن الحقيقة مخالفة لهذه التصورات جملة وتفصيلاً، إذ لا بد لمن ينظر بعين الإنصاف، أن يميّز أولاً بين ما قامت وتقوم به الحكومات الإسلامية، وبين القانون الإسلامي المشرّع, ولا يصحّ بحال من الأحوال، أن يُحمّل الإسلام وزر الأخطاء في التنفيذ، نتيجة اجتهادات خاطئة في فهم الأحكام، أو سوء النوايا عند بعض الحكام.

فلا بد من تسليط الضوء على هذه المسألة, لنعرف مدى مجانبتها للواقع والحقيقة, وإثبات أنها مجرد افتراء على هذا الدين الحنيف, اقترفته أيدي الغربيين الآثمة, كيدًا منهم للإسلام وأهله, وسعيًا منهم إلى إسقاطه من نفوس المسلمين, فيُسهّل ذلك لهم القضاء عليه, ويحققّون بذلك حلمًا طالما انتظروه, بدءًا من الحروب الصليبية, حتى إذا عجزوا عن تحقيق ذلك بالقوة, لجأوا إلى الخداع, والعمل على تهديمه بمعول الثقافة والمعرفة المزعومة، وهذا ما تمتد جذوره إلى بدايات الخلافة الإسلامية، كما هو معروف من سير مسلمة أهل الكتاب.

وقبل ذلك ينبغي تقديم مقدمة، وهي:

الحكومة الدينية

إن أصل الحكومة الدينية - والتي تعني أنها تستند في تشريعاتها وقوانينها إلى أوامر الله تعالى ونواهيه، وليس للإنسان فيها أيّ يد سوى تطبيقها، وإجرائها على مستوى التنفيذ - تعتبر من الثوابت التي قامت عليها كافة الأديان، سماوية كانت أم غير سماوية, بما فيها الديانة المسيحية، وإن كانت هذه قد أعفت نفسها من التصدّي لممارستها، وحظرت على أتباعها والمؤمنين بها العمل للحكم والسعي إليه، للحصول عليه بطريق أو بآخر كما تدل عليه الكثير من النصوص الكتابية، من قبيل ما ورد على لسان السيد المسيح (عليه السلام): (سمعتم أنه قيل عَين بِعَين وسن بسن ، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرّ ، بل من لَطَمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يُخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخّرك ميلاً واحدًا فاذهب معه اثنين)([1]). وما ورد على لسانه أيضا:( لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي تدينون تُدانون وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم)([2]). وقد قال بولس بأن السلطان خادم الله، وعلى المسيحي أن يخضع له، ومن يقاومه يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيدانون([3]).

وقريب منه ما قاله بطرس، ثم قال لهم: (فإن المسيح أيضا تألّم لأجلنا تاركًا لنا مثالاً لكي تتّبعوا خطواته)([4]).

ومن المعلوم أن السلاطين في عهد المسيح وبولس وبطرس كانوا من الوثنيين، ومع ذلك لا يحقّ للمسيحي أن يعترض عليهم، بل هو مُلزم بالخضوع لهم، وامتثال قراراتهم، وإن معاندتهم تعني معاندة الله تعالى، والاعتراض عليهم اعتراض عليه تعالى. ولقد وصل الأمر بالسيد المسيح (عليه السلام) أن يحذّر تلاميذه وأتباعه من المنافسة والاعتراض ولو بالكلمة: ( ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد عن ذلك فهو من الشرير)([5]). ولكن مختلف بشارات السيد المسيح دعت إلى انتظار ملكوت السماوات، حيث يتحقّق العدل المطلق على الأرض.

وهذه الحكومة تجد جذورها في العهد القديم أيضًا، حيث وصف في سفر أشعيا شدة العدل فيها بقوله: (فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والمسمن معًا وصبي صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معا, والأسد كالبقر يأكل تبنًا، ويلعب الرضيع على سرب الصل. ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسيؤن ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر)([6]).

ويقول في مكان آخر: (ويكون أني قبلما يدعون أنا أجيب ، وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع، الذئب والحمل يرعيان معًا، والأسد يأكل التبن كالبقر. أما الحية فالتراب طعامها. لا يؤذون ولا يهلكون في كل جبل قدسي قال الرب)([7]).

ومن الظاهر أن حكومة بهذه المواصفات يجب أن تشتمل على قوانين وتشريعات تغطي كافة الأبعاد الإنسانية، وتكون مرضية عند الله تعالى، وهو ما لا يتوافق مع النظم الغربية للحكم وللعدل، كما نراه من تغير للقوانين والتشريعات بين فترة وأخرى، حيث يتبين عدم صوابية ما كان معمولاً به، واشتماله على مظالم كثيرة تقع على الناس.

ومعنى كل ما تقدم أن المسيحيين -فضلاً عن غيرهم- ملزمون بإعمال القوانين الإلهية في تنظيم شؤون الحياة والحكم، إلا أن المسيحية لم تشتمل على مثل هذه التشريعات، فيجب على أتباعها أن يكونوا حياديين تجاه أنظمة الحكم الأخرى، في أقل الفروض، والإسلام هو الدين الإلهي الوحيد الذي اشتمل على تشريعات عامة وشاملة. وأما العهد القديم فقد اشتمل على بعض التشريعات الخاصة، إلا أنها مختصة ببني إسرائيل، فلا تصلح من الناحية الواقعية لجميع بني الإنسان.

وإذا رجعنا إلى الحضارات القديمة والأمم السالفة, لوجدنا أنها كثيرًا ما كانت تصف أعمال ملوكها وانجازاتهم على أنها أوامر إلهية, بل إن كل حضارة تنسب نفسها إلى إله خاص بها, تستنزل بركاته, وترجو حمايته ونصرته على أعدائها وخصومها، وتُقدّم له القرابين المختلفة ليساعدها.

وهذا إن دل على شيء, فإنما يدل على أن الحكومة الإلهية مغروسة في وجدان الإنسان وفطرته, غاية الأمر أنه هو الذي ربما أساء تطبيقها أو فهمها, لأسباب كثيرة.

وإذا اتّضحت هذه المقدمة، فلنشرع في معالجة الاعتراضات الموجّهة، إلى الحكم الإسلامي، حسبما يقتضيه المقام، فنقول:

أولا: مسألة الجهاد :

إن أي دين من الأديان - بل كل حركة إصلاحية واجتماعية - يدعو الناس إلى اتباعه، والإيمان به والسير وفق رؤيته للحياة، وهذا أمر طبيعي في كل دين، وإلا فقد جوهره وحقيقته.

ولما كان الإسلام خلاصة حركات الأنبياء (عليهم السلام)، وعصارة جهودهم على مدى التاريخ البشري، بحيث استوعب كل ما يرتبط بحياة الإنسان {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}([8]), فإن منظومته التي استجمعت سائر الخصائص الفطرية, والقابلة للبقاء في دعوات الأنبياء, فهي التي تحقق العدل المطلق بين الناس، فمن الضروري إذن أن يدعو الناس إلى الإيمان به، والالتزام بكافة أحكامه وتشريعاته، تطبيقًا لمبدأ العدل في الدنيا، والخلاص والنجاة في الآخرة.

إن الدعوة إلى الله تعالى تنطلق, أولا وقبل كل شيء, من إصلاح ذات الإنسان نفسه، وتحقيق السلام الداخلي فيه، وهذا يعني أن تتّسم الدعوة بكل المواصفات، التي تحقق صلاح النفس وسلامها الداخلي، وهو أمر لا يتوافق مع العنف بأي حال من الأحوال، وهو ما شدّد عليه القرآن الكريم في كثير من الآيات الشريفة، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([9])، وهذه قمة الجهاد في الإسلام، ولذلك عبر عنه النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه الجهاد الأكبر في بعض ما روي عنه.

وأما الجهاد بمعنى القتال، والذي عبر عنه النبي (صلى الله عليه وآله) في نفس الحديث بأنه الجهاد الأصغر، فالأصل فيه أن يكون دفاعًا عن هذا الدين وأهله, إذا تعرّضوا للاعتداء والهجوم بغية القضاء عليه.

وهذا النحو من الجهاد والدفاع، مما يتوافق مع الفطرة السليمة، وتقتضيه الطبيعة البشرية، إذ من غير المنطقي أن يترك الدين، بل كل دعوة إصلاحية، ألعوبة في أيدي العابثين، وكيد الحاقدين، من دون أن يتسلّح بما يدفع عنه شرورهم، وسعيهم للقضاء عليه، لأنه يبقى والحال هذه في مهبّ الريح، وهو ما لا يمكن أن يرتضيه عقل، ولا تقتضيه الطبيعة البشرية.

وقد بيّن القرآن الكريم حدود السلم والحرب حين قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}([10]).

كما بين القرآن الكريم بكل صراحة أنه لا يضيق ذرعًا باتّباع الأديان الأخرى، وأنه لا يريد فرض نفسه على الناس بالقوة، وبأي وسيلة، بل يعمل على إقناعهم بالمنطق والحكمة، فإن لم يهتدوا عمل على حمايتهم، قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}([11])، إن خير شاهد على أن الإسلام لم يدع إلى الحرب، ولا إلى التناحر، وأن حقيقة الدعوة الإسلامية تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال التوعية الفكرية، والحوار بالكلمة الطيبة، والعمل على السلام الداخلي والخارجي، هو سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، حيث لم يبدأ بحرب قط، وأن حروبه كلها كانت عبارة عن الدفاع عن حياض المسلمين، وحماية ثغورهم من هجمات المتربصين بهم.

هذا في الجهاد الدفاعي، وهناك قسم آخر من الجهاد، وهو ما يسمى بالجهاد الابتدائي، ويعني الدعوة إلى الله تعالى من خلال الحرب والغزو، فقد ذهب مشهور الفقهاء إلى أنه خاص بالمعصوم (عليه السلام)، ولا يحق لأحد الدعوة إليه غيره، وهو موقوف على ما يراه المعصوم من المصلحة.

ولكن ألا يعني هذا النحو من الجهاد عودة المشكلة من أساسها، إذ الإشكال ناظر إلى أصل التشريع، وليس ناظرًا إلى من يقوم بتنفيذه !

والجواب : أنه استنادًا إلى أن حكومة آخر الزمان تنطلق من أوامر الله تعالى ونواهيه، وأن القائم عليها يجب أن يتمتع بمواصفات خاصة كما أجمعت عليه الأديان السماوية، وأنه لا يتحقق إلا بعد امتلاء الأرض ظلمًا وجورًا، كما هو مقتضى الأحاديث الإسلامية، وهو ما لا يتحقق إلا بعد استنفاد كل الطاقات والخبرات البشرية، في إقامة الحكم، وزعمها تحقيق العدل، وفشلها في ذلك (حتى لا تقول فئة لو حكمت لعدلت)، كما تدل عليه مجموعة أخرى من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام)، واستنادًا إلى ذلك لا يبقى أمام الحكم الإسلامي إلا إقصاء الفئات الظالمة وإرجاع الحق إلى نصابه.

ولهذا لم نجد أحدًا من المعصومين (عليهم السلام) قد دعا إلى تنفيذ هذا الحق والواجب، وظل مرصودًا إلى حكومة آخر الزمان، حيث يستشري الفساد في الأرض، ويضيق الخناق على المستضعفين من مختلف الملل والأديان، بحيث ينتظرون يوم خروجه (عجل الله فرجه الشريف) بفارغ الصبر.

ومعنى ذلك أن الجهاد الابتدائي مرهون ومقترن بذلك الزمان، حيث لا يبقى أي علاج لمشاكل المجتمع الإنساني غيره، إذ (آخر الدواء الكي كما هو معلوم).

وهذا الأمر متوافق مع الفطرة السليمة، وهو ما جرى عليه العقلاء في سيرتهم عبر التاريخ، إذ لا نجد فئة منهم إلا وتمقت الظلم وتحاربه، وتأنس بالعدل وتعمل له، فإن لم يمكنها ذلك من خلال الكلمة والإرشاد، نجدهم يلجؤون إلى السيف لأجل تحقيق ذلك، ولم يحصل أن نَفَر الناس من مثل هذا السلوك، إلا بمقدار ما يُخالف الدعوة المنشودة، في الناحية العملية. 

وأما ما يسمى في التاريخ بالفتوحات الإسلامية بعد عصر النبي (صلى الله عليه وآله) فقد كانت غايتها الفتوح، والسيطرة السياسية والاقتصادية، ولم تكن فتوحات من أجل الدعوة الإسلامية، وإن لبست لباس الدين، ولهذا فإن من أهم آثار هذه الفتوحات تأخر قبول الإسلام، في نفوس أهالي البلدان المفتوحة، على المستوى النفسي، والانفعال الوجداني، وإن أظهروا الإسلام في العلن، إذ أن الظاهر أن مثل هذا الإسلام ناتج عن خوفهم من الفاتحين الجُدد، ولولا هذه الفتوحات لكان الإسلام قد دخل بلاد المعمورة كلها، من خلال الحوار الهادف، لملامسةِ الحقائقِ الإسلاميةِ الوجدانَ والفطرةَ لدى الكائن البشري بشكل عام.

ثانيا: الأقليات العرقية:

إن نظرة يسيرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، عن أن ظاهرة التمييز العنصري، ضد الأعراق المختلفة، والتي حصلت على مدى التاريخ الإسلامي، هي ظاهرة دخيلة على الإسلام، تخالف كافة أحكامه ومبانيه، فالقرآن الكريم صريح في ذلك، حين يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}([12]).

وقد أكدت الأحاديث النبوية الشريفة هذه الحقيقة في كثير من نصوصها, كقوله (صلى الله عليه وآله): (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى), وقوله (صلى الله عليه وآله): (كلكم لآدم وآدم من تراب)([13]), وقوله (صلى الله عليه وآله): (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)، وقوله (صلى الله عليه وآله): (الناس سواء كأسنان المشط)([14]).

كما أن سيرته العملية الشريفة في أمر سلمان الفارسي (رحمه الله) ظاهرة للعيان, حيث بلغ من تقريبه إياه, وتقديمه على الكثير من الصحابة, أن جعله من أهل بيته, حين أعلن قائلا: (سلمان منا أهل البيت).

وعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر, حين ولاه على مصر, مليء بالشواهد الدالة على ذلك, خصوصًا بملاحظة أن أهل مصر خليط من الأعراق المتفاوتة كما هو معلوم, كما أن سيرته العملية تدل على هذه الحقيقة أيضًا.

فمن الظلم الشديد, ومن الجفاء للحق والحقيقة، نسبة التمييز العنصري إلى الإسلام, نتيجة ما اقترفته الحكومات المتعاقبة, التي حكمت باسم الإسلام في الدولة الإسلامية، من مظالم وآثام بحق الناس مسلمين وغير مسلمين.

ومن هنا نجد أن القرآن في مجمل آياته التي تتحدث عن تشريع القوانين، يتوجه إلى الإنسان، ولا يتوجه إلى فئة خاصة من الناس، ليبين أن النوع الإنساني واحد أمام القانون الإسلامي في الحقوق والواجبات. وهذا بخلاف الكتب السماوية الأخرى، فإن العهد القديم في مجمل أسفاره كذلك، إنما يتوجه إلى فئة خاصة من الناس، وهم خصوص بني إسرائيل، فيجعلهم سادة الخلق، وسائر الناس عبيد لهم، سواء كانوا من إخوتهم الإبراهيميين  أم من سواهم، ولهذا فإن الحقوق التي يتمتع بها الإسرائيليون لا ينالها غيرهم، كما أن الواجبات الملقاة على غيرهم، لا يتوجب عليهم أكثرها، وعلى هذا الأساس فإن العهد القديم عاجز عن أن يلبي طموح الإنسان من حيث هو إنسان في هذا العالم.

وأما العهد الجديد فلا يشتمل على منظومة تشريعية كما أسلفنا، وبالتالي فهو عاجز عن تلبية حاجات الإنسان أصلاً.

وأما المنظومة الغربية المعاصرة فالتمييز فيها ضد الأقليات العرقية والدينية ظاهر للعيان، لا تختلف مظاهرها في كافة الدول الغربية إلا بمستويات نسبية، والأحداث التي حصلت في الفترة الأخيرة في كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، واسبانيا وغيرها من بلاد الغرب، خير شاهد على ذلك، ولا تحتاج إلى مزيد بيان ولا إلى إقامة برهان.

ولا يصح الاعتذار عن هذه التجاوزات ضد الأقليات العرقية، وخصوصًا المسلمة، بأن تجاوزات الحكام، أو سياسات الدول، ربما تنحرف عن الفكر الصحيح والقانون السليم، إذ ما دام الإنسان هو مصدر التشريع فيها، فلا يؤمن على أن يغيّر فيها ويتلاعب، بحيث تخدم مصالحه التي يتوهمها أو يزعمها، وإن كانت على حساب الآخرين، وفي هذا المجال تتجلى مظاهر العنصرية ضد الآخرين بأوضح صورها,  وما يحصل ضد الفلسطينيين، من مذابح وتقتيل وإنكار حقوق، مدعوما من سائر الدول الغربية، ماثل أمام أعين الناس، وإن كان لهذا التمييز وإنكار الحقوق أبعاد دينية ناشئة من تعاليم العهدين، بالنسبة إلى أرض فلسطين، وهو كاشف عن أن الإنسان الغربي لم يستطع أن يتحرر من قوانين العهدين كما يزعمون.

وأما في النظام الإسلامي فلما كان التشريع خارجًا عن سلطة الإنسان وأهوائه، وهو من مختصات الشارع المقدس، فيبقى مانعًا من التجاوزات والاعتداءات والمظالم، وعلى فرض حصولها فإن التشريعات والقوانين الإسلامية تظل ميزانًا للحكم، سلبًا أو إيجابًا، على القائمين على سياسات الناس باسمه، وبهذا تشكّل التشريعات الإسلامية خير ضمان لسلامة الحكم في أي قضية من القضايا. 

يتبع ←


الهوامش

1. باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية.

[1]- إنجيل متى:5/38-41.

[2]- انجيل متى:7/1.

[3]- رسالة رومية:13/1-7.

[4]- رسالة  بطرس الأولى:2/11-21.

[5]- إنجيل متى:5/36-37.

[6]- سفر اشعيا: 11/6-9.

[7]- سفر اشعيا: 65/34-35.

[8]- سورة الأنعام، من الآية 38.

[9]- سورة النحل، من الآية 125.

[10]- سورة الممتحنة, آية 8-9.

[11]- سورة البقرة، من الآية 256.

[12]- سورة الحجرات, آية 13.

[13]- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 73/350 (خطبة النبي (ص)في حجة الوداع) ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 17/281 ؛ وروي (باختلاف يسير) في كنز العمال:1/258.

[14]- بحار الأنوار: 75/251 ، ح99.

.

تتمة مقال =  الأقليات في الدولة الإسلامية

 ← ثالثا: أهل الذمة :

انطلاقًا من مبدأ المساواة بين الناس، الذي أقرّه الإسلام، وأشرنا إلى بعض النصوص الواردة فيه، تبدو مسألة أهل الذمة منسجمة مع هذا المبدأ العام،  وقد سلط أمير المؤمنين (عليه السلام) الضوء عليها، في عهده لمالك الأشتر، حين ولاه على مصر، بقوله: (ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)[1]. كما أبدى ألمه الشديد لعدم قدرة جنوده على الدفاع عن النساء الذميات، حين كان رجال معاوية يغيرون عليهن بسلبهن، فقال  لأصحابه -مساويًا بين المرأة المسلمة والمرأة الذمية-: (ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينتزع حِجْلها وقُلْبَها وقَلائدها ورعاثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كَلْمٌ ولا أُريق لهم دم، فلو أن امرءًا مسلمًا مات بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا)[2].

وهنا لا بد من بيان الحكمة في جعلهم أهل الذمة، أو معاهدين، بحسب تعبير أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع أن حق المواطنة يعني أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين من حقوق وواجبات، وحق المواطنة ينافي كونهم أهل ذمة، إذ المتبادر من هذا العنوان أنهم لا حول لهم ولا قوة في دولة الإسلام، وأن عليهم دفع الجزية، وكفى به ذلا لهم، كما يتصور معارضو الدولة الإسلامية.

وفي جواب هذه الإشكالية نقول:

إن أي نظام من أنظمة الحكم يفترض أنه توضع أحكامه موضع التنفيذ، بواسطة العارفين بها والمؤمنين بصحتها، وليس من المنطقي أن يؤتمن على القيام بهذه المهمة من لا يؤمن بصحتها وفاعليتها، ولا الجاهل بأبعادها، ولا العامل على إلغائها وإبطالها، وهذه قاعدة عقلائية لا يختلف الناس في صحتها، لو خلي بينهم وبين وجدانهم السليم، وعلى هذا الأساس يمكن فهم وتفسير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن أحق الناس بهذا الأمر - أي أمر الحكم - أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه).

ومن الظاهر أن غير المسلمين لا يرون في حكم الإسلام حكمًا إلهيًا، ولهذا يراهم الإسلام غير قادرين على تنفيذ أحكامه، الشاملة لسائر نواحي الحياة، وقبول الإسلام لتصديهم لهذه المهمة يعني، في بعض جهاته، أنّ الإسلام يدعوهم إلى التناقض مع ذواتهم، لأن معنى ذلك أنه يدعوهم إلى إجراء ما لا يؤمنون به، وتنفيذ ما يخالف التزاماتهم، وهو نقض للحقيقة الإسلامية القائلة بأنه دين الفطرة {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[3]، كما أن الإسلام قد أقرّ قاعدة الإلزام العقلائية، القائلة (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم), انسجامًا مع قانون الفطرة المذكور.

هذا بالإضافة إلى أن أهل الكتاب الذين هم أهل الذمة في الإسلام، إما نصارى أو يهود، ولكل من الطائفتين نظرة إلى نظام الحكم، بنحو مطلق، لا تتفق ونظرة الفئة الأخرى.

أما المسيحيون:

فإن ديانتهم تحظر عليهم التدخل في شؤون الحكم، وتأمرهم بطاعة الحاكم، مهما كان دينه ومذهبه ونظام حكمه، وقد تقدّم ذكر بعض الأحاديث الإنجيلية، المنسوبة إلى السيد المسيح (عليه السلام)، بل إنه في أشد ساعة من حياته، وحينما جاء إليه الجنود وهم يحملون سيوفًا كثيرة ليعتقلوه، ويسوقوه إلى رؤساء الكهنة، انبرى أحد تلاميذه (واستل سيفه، وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، فقال له يسوع ردّ سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون)[4], في إشارة منه (عليه السلام) إلى أنه يحظر على أتباعه استخدام السلاح والدخول في حرب ضد الآخرين، وإن كانت دفاعًا عن سيدهم.

ومما يدل على صحة هذا المبدأ عند المسيحيين ما ورد في رسالة بطرس الأولى، التي وجّهها إلى المسيحيين، فإنه بعد ما بين لهم أن وظيفتهم إكرام الملك والالتزام بأوامره، وأنه لا يحق لهم الخروج على طاعته، قد ذكر لهم قاعدة كلية، فقال: (لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح تألم لأجلنا تاركًا لنا مثالا لكي تتبعوا خطواته)[5].

وهذا المضمون نفسه قد ورد في تعاليم بولس، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث زعم أن السلطان مفوّض من الله تعالى، ومن يخالف تعاليمه فقد حارب الله، يقول بولس: (لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إنّ من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة)[6]، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.

فالمسيحي إذن مأمور بعدم التصدي لأي موقع من مواقع الحكم والسلطان، فإلزامه بما لا يعتقد، دفع له نحو الهاوية بزعمه، وهنا تظهر قاعدة الإلزام بأجلى صورها، حيث أقره الإسلام على ما يعتقد أن المسيح ودينه قد أمره به، وهذا في الحقيقة شهادة عظيمة في صالح الإسلام، ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تستخدم ضده.

وأما اليهود:

فمضافًا إلى أنهم لا يؤمنون على تسلّم أي مقام أو موقع، نتيجة ما أثبتته الوقائع على مر التاريخ، من سوء سرائرهم، وخبث نواياهم، ودناءة سلوكهم تجاه سائر الشعوب الأخرى، بل إن في النصوص التوراتية ما هو صريح في الحث على إبادة الآخرين، والقضاء على كل ما يمت إليهم بصلة، والواقع الذي نراه في أرض فلسطين تحت اسم (دولة إسرائيل) خير شاهد على عدم ائتمانهم في التصدي للأمور العامة، بل تراهم يعملون على التخريب والفساد، في كافة المواقع التي يشغلونها في أي مكان من العالم، ولعل نظرة يسيرة في كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون) خير دليل على ذلك.

مضافًا إلى ذلك، فإن اليهود مأمورون بالابتعاد عن الحكم والقضاء بنص التوراة، عند ظهور الإسلام، وهذا الأمر جارٍ على المسيحيين أيضًا، وبأن يسلّموا مقاليد الأمور إلى أهلها، وهنا نذكر نصين من التوراة:

النص الأول:

يقول حكاية عن يعقوب (عليه السلام) حين جمع أولاده ليخبرهم بما يصيبهم في آخر الأيام: (لا يزول قضيب من يهوذا أو مشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون ويكون له خضوع الشعوب)[7].

لقد تباينت الأقوال، وتفاوتت الآراء، في ما هو المراد في هذه النبوءة تباينا حادا، وبحسب تعبير الآباء اليسوعيين: (النص ومعناه موضوعا جدل. على كل حال، يدور الكلام على مجيء شخص تكتنفه الأسرار و(تطيعه الشعوب) فالنبوءة تنتظر ملكًا مسيحيًا مثاليًا)[8]، ولهذا فقد ترجم كلمة شيلون في النص بـ(إلى أن يأتي صاحبها)، وبدل عبارة ويكون له خضوع الشعوب ورد في الترجمة السبعينية والسريانية والفلغاتا (وإياه تنتظر الأمم)[9].

وعلى كل حال، فالمعنى الحرفي للكلمة (إلى أن يأتي من له الأمر)[10]. وحاول بعضهم أن يعتبرها لقبًا للمسيح (عليه السلام), رغم اعترافه بأنها لم تستعمل كلقب له في غير هذا المورد, وأنها ليس لها معنى واضح ككلمة[11].

إن هذا النص رغم ما يكتنفه من غموض وإبهام، إلا أنه شبه صريح في الدلالة على أنه إذا جاء شيلون انتهى حكم بني يهوذا.

وما تجدر الإشارة إليه هنا, أنه رغم هذا الاختلاف الشديد في تفسير النبوءة, ومعرفة ما هو المراد منها, إلا أن الجميع متفقون على أن حكم بني يهوذا مؤقت لا استمرار له, وأنه مرهون بمجيء من له الأمر, فإذا جاء لم يبق لبني يهوذا أي حق في الملك. ولازم ذلك أنهم ملزمون بطاعة من له الأمر.

إلا أن التوراة السامرية قد ذكرت في النص بدلا عن شيلون سليمان, وأنه هو المراد بالنبوءة, وهو مخالف لكافة الترجمات كما أشرنا إليه، هذا بالإضافة إلى أن الوقائع التاريخية لا تساعد على تصديقها، لأن لازمه أن تكون حكومته (عليه السلام) نهاية الحكومات الإلهية، ويعني نهاية العالم، مع أنه (عليه السلام) كان من نسل يهوذا لا من نسل غيره، ومعه لا يبقى للنبوءة معنى واضح..

وعلى كل حال، فإذا جمعنا هذا النص إلى النص الثاني يظهر أن المراد هو النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وشريعته.

النص الثاني:

(أقيم لهم نبيا من وسط أخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)[12].

وهذا ما لا ينطبق إلا على النبي (صلى الله عليه وآله) الأعظم وشريعته, حيث لم يرد أن أحدا من إخوة بني إسرائيل, سواء من الإسماعيليين أم من غيرهم, قد جاء بشريعة عامة وشاملة سواه (صلى الله عليه وآله), وهو يدل على أن أهل الكتاب مأمورون باتباعه بنص كتابهم المقدس.

فالإسلام هو القادر على حكم الجماعات المتفرقة، والمحافظة على طقوسها وأفرادها وحقوقهم، من أن ينالها أحد بسوء، إن هم التزموا بالقوانين المرعية فيه، ولم يسعوا فسادًا في الأرض.

وأما الملحدون والوثنيون, فمن الطبيعي أن لا يكون لهم موقع في الدولة الإسلامية, بعد الفراغ عن أن الحكومة في الإسلام تعمل على تطبيق أوامر الله تعالى, وتسعى إلى تحقيق الحق والعدل من منظور إلهي, ذلك أن مواطنيها هم الذين يؤمنون بمولويته تعالى, في أقل الفروض, وإن اختلفوا في ما وراء ذلك من اعتقادات, حتى لو لم يؤمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد حفظ الإسلام لهم كامل حقوق المواطنة.

فمن لا يؤمن بمولويته وحاكميته الحقيقية تعالى، معاند بطبعه لهذه القوانين والشرائع, ولهذا فهو لا يألو جهدا في أن ينقَضّ على نظام الحكم هذا, عندما تتاح له الفرصة, وعلى الأقل لا يؤمن في نفسه من عدم الانقضاض, وهذا في الحقيقة غير مختص بالنصوص الإسلامية, بل نجد ما يدل عليه في النصوص المقدسة عند اليهود والمسيحيين أيضا، وهو مبثوث في مختلف أسفار العهد القديم، حيث كان العبرانيون يقاتلون بأمر الله، فإذا انتصروا نهبوا معسكر العدو، وسلبوا الموتى، وأحيانا كانوا يقتلون أو يشوهون الأسرى، وفي أكثر الأحيان كانوا يصيّرونهم عبيدًا[13]، والنصوص الدالة على وجوب إزالة كل ما يرتبط بالوثنيين من أناس ومعابد وهياكل وتماثيل والقضاء عليها كثيرة جدا في العهد القديم.

وعليه فلا معنى لأن تحميه الدولة، التي يرى نفسه عدوًا لها, وتقوم على شؤونه وحمايته, إلا من باب إصلاح نفسه, وتأليف قلبه على الحق إن أمكن ذلك, كما ربما يشير إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (فإنهما صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق), فإن كونه نظيرًا في الخلق أعم من أن يكون مؤمنًا بالله أو غير مؤمن, كتابيًا كان أو غير كتابي, حيث بين (عليه السلام) فيه أن الملاك في ثبوت الحق كونه إنسانًا يخضع لنظام الإسلام، بل الآية القرآنية الشريفة {لا ينهاكم الله .. الآية} تشير إلى هذا المعنى أيضا، حيث لم تقيد الأمر بأهل الكتاب، لأن الحقيقة التاريخية تثبت أن الذين أخرجوهم أو لم يخرجوهم هم مشركو مكة والعرب، ولم يكونوا من أهل الكتاب. وعلى كل حال فإن للبحث في هذا الجانب مجالاً واسعًا.

ضريبة الجزية:

إن كل دولة من الدول تحتاج إلى نفقات وخدمات، تمكنها من القيام بمهامها تجاه شعبها، إذ إن عليها الكثير من النفقات والمصارفات، في سبيل إصلاح شأن الناس على كافة المستويات، الاقتصادية والتربوية والعمرانية والعسكرية والاستشفائية والأمنية وغيرها، ولهذا فهي بحاجة إلى موارد متعددة تلجأ إليها من أجل تحصيل هذه النفقات.

والضريبة من جملة الموارد المادية التي تؤمنها الدول، وهي مقدار معين من المال يدفعه المواطن للدولة، بدل الخدمات التي تؤمنها الدولة له. وليس من المنطقي أن يتمتع المواطن بحقوق، دون أن يترتب عليه أي واجب، في الدولة التي يعيش فيها وتؤمن له كافة مقتضيات الراحة والهناء. وهذا المبدأ قد أقرته كافة الشرائع الإنسانية والإلهية على مدى التاريخ قديمه وحديثه.

من ناحية أخرى فإن المواطن يحس، عند دفع الضريبة، أنه شريك ومساهم في بناء الدولة، ومسؤول عن حمايتها، وصونها من كل ما يمكن أن تتعرض له، يعنيه كل ما يحصل فيها، وبالتالي يكون جديرًا بمطالبة الدولة، والتظلم لديها عند إحساسه بانتقاص أي حق من حقوقه، وهذا أمر فطري في الإنسان، فإن الحياة حقوق وواجبات، منافع ومسؤوليات، مغارم ومغانم.

وقد أقر الكتاب المقدس بعهديه هذه الضريبة، وأطلق عليها اسم الجزية[14]، بل لقد اعتبرها كاتب التوراة فريضة على كل ذكر يهودي جاوز العشرين من عمره، واعتبرها تقدمة للرب، وحدد مقدارها، ومورد مصرفها على أنه لنفقات خيمة الاجتماع[15].

وبعد خراب أورشليم، ألزم الامبراطور فاسبسيان جميع اليهود، في أنحاء الامبراطورية أن يدفعوا لهيكل جوبيتير في رومية، الجزية التي كانوا يدفعونها للهيكل[16].

وذكر كاتب متى من الانجيليين أن السيد المسيح (عليه السلام)،  قد دفع الجزية[17]، ولم يتعرض لها أحد من الانجيليين سواه، وعلل ذلك بعضهم بأنه تعرض لذكرها لأنه كان جابيًا للضرائب. وفي علة دفع المسيح الجزية، وإلزام المسيحيين بها، يقول: (نحن كشعب الله غرباء على الأرض، لأن ولاءنا إنما هو لملكنا الحقيقي، يسوع، ومع ذلك علينا أن نتعاون مع السلطات، وأن نكون مواطنين ملتزمين، فالسفير لدولة أخرى يراعي القوانين المحلية لكي يحسن تمثيل من أرسله، ونحن سفراء المسيح، فهل أنت سفير صالح له في هذا العالم)[18].

وهذا التعليق أو التعليل، يدل دلالة ظاهرة، على أنه ليس للمسيحي أي شغل، في أعمال الدولة والحكم، وعلاقته بها مجرد تعاون معها، وأما دولته وولاؤه الحقيقي فهما للسيد المسيح (عليه السلام)، الذي صرح قائلا: (مملكتي ليست من هذا العالم)[19]، فعلى المسيحي إذن أن يراعي القوانين التي تقرها الدول، ليحسن تمثيل السيد المسيح (عليه السلام). وقد استقى المُعلّق هذا المعنى من نصوص بولس المقدسة عندهم، حيث يقول: (لذلك يلزم أن يخضع له (أي للملك والسلطان) ليس بسبب الغضب فقط  بل أيضا بسبب الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضا. إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه، فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له جزية. الجباية لمن له الجباية)[20]، فقد اعتبر الجزية حقا من حقوق السلطان، مهما كان معتقده ودينه، ومعنى ذلك أن المسيحي ملزم بدفعها له.

وعليه، فإقرار الإسلام قانون الجزية على أهل الكتاب لا يشتمل على أي إذلال لهم، أو حط من كراماتهم، كما يزعم ذلك البعض، بل ألزمهم بما ألزمتهم به التوراة والسيد المسيح (عليه السلام) وبولس، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن الإسلام قد خفّف عنهم، وجعل الجزية في مقابل القيام على خدمتهم وحمايتهم، والذود عنهم، بعد ما أبعدوا أنفسهم، على المستوى التشريعي، عن التصدي لمثل هذه الأمور، ولعل خير من يمثل هذا الاتجاه بين المسيحيين في العصر الراهن، هم شهود يهوه، الذين ينشطون في حركة التبشير، ويحظرون على أتباعهم مبدأ الخدمة العسكرية والأعمال الحربية، التزاما منهم بنصوص الكتاب المقدس بحسب زعمهم.

إلا أن ذلك لا يعني أن الضريبة خاصة بأهل الكتاب، فإن على المسلمين أنواعًا أخرى من الضرائب، وهي في نوعها وكمها تصل إلى مستويات أعلى بكثير، من قيمة الجزية المدفوعة من أمثال الخمس بأنواعه، والكفارات وغيرها. غاية الأمر أن تسمية الضريبة المتوجبة على أهل الكتاب جزية، هو انسجام مع ما أطلقوه أنفسهم عليها.

ومعنى كل ما تقدم، أن الإسلام قد تعامل معهم، كما تعامل مع المسلمين تماما، فاعتبرهم كامِلي المواطنة، في الحقوق، مع أن الواجبات المترتبة على المسلمين أشد وأكبر، إذ لا يمكن القول بأن من يعفى من الخدمة العسكرية، والمشاركة في الأعمال الحربية دفاعا عن ثغور الدولة، ويحق له أن يفعل ما يشاء، وأن يمتلك ما يشاء، مع مراعاة حاله في اعتقاداته وعباداته بأنه مواطن منقوص الحقوق، إن لم نقل بأنه يتمتع بحقوق أكثر من المسلمين، ما دام ملتزما حدود القانون الذي يحميه، فمواطنته في الدولة الإسلامية من قبيل الإقامة الدائمة، غير القابلة للعزل، إلا إذا أخل بنظام الحكم، بحسب المصطلح المعاصر.

وتبقى نكتة في المقام، وهي أن وصفهم بالصَّغار في الآية الشريفة {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[21]، ليس تصغيرا لشأنهم وحطًّا من كراماتهم من جهة أنهم أهل الكتاب، أو أنهم غير مسلمين، بل منشؤه إعلانهم الحرب على المسلمين، وتمنّعهم عن دفع الجزية أو الضريبة، استكبارًا وعلوًا، فصغارهم من جهة إلزامهم بدفعها مع تمنّعهم عنها، والفرق كبير بين المقامين كما لا يخفى.


الهوامش

[1]- نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : 3 /84 .

[2]- نهج البلاغة, شرح محمد عبده, ج1,ص68.

[3] - سورة الروم،  من الآية30.

[4]- إنجيل متى:26/47-52.

[5]- رسالة بطرس الأولى: 2/13-21.

[6]- رسالة بولس إلى اهل رومية: 13/1-2.

[7]- سفر التكوين: 49/10.

[8]- العهد القديم، ص145،  تعليقة رقم (6).

[9]- السنن القويم في تفسير العهد القديم، ج1 ص276.

[10]- التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، ص121.

[11]- التفسير الحديث للكتاب المقدس, سفر التكوين, ص251.

[12]- سفر التثنية: 18/18-19.

[13]- قاموس الكتاب المقدس, ص296.

[14]- قاموس الكتاب المقدس, ص260.

[15]- سفر الخروج: 30/12-16.

[16]- قاموس الكتاب المقدس, ص260.

[17]- إنجيل متى: 17/ 24-26.

[18]- التفسير التطبيقي للكتاب المقدس, ص1930.

[19]- إنجيل يوحنا:18/36.

[20]- رسالة رومية: 13/5-7.

[21]- سورة التوبة, من الآية 29.

 
115%