رسالة النجف

الدعاء روح ومعرفة

 

الدعاء روح ومعرفة

الشيخ علي ياغي1

مدخل

لم يزل الدعاء سلاح المؤمن يدفع به المضرة ويجلب به المنفعة، ويصرف به السوء ويستدعي به الخير والبركة، ولعباد الله العارفين حالات مع الدعاء والمناجاة والابتهال، حيث تحملهم المعرفة بالمدعو سبحانه والمعرفة بلغة الدعاء إلى مواطن القرب والجذب والفناء، فيتحولون مع الدعاء إلى ذوات متألهة خالصة، متحررة من عقال المادة وذائبة في لطافة الروح، ليتجلى بهم ولسفرهم هذا من أسرار الملكوت ما ينقلب به الغيب إلى شهادة وعيان.

ولكم ظهرت آيات قُرب الأنبياء والحجج والأولياء من ساحة القدس الملكوتي والملك الربوبي في مشاهد لم يبلغ إليها غيرهم، ولم يبلغوا هم أنفسهم إليها إلا بالنداء والتوسل والدعاء.

فقد تجلَّى لكل واحد من أنبياء الله تعالى وأوليائه بحسب طاقة نفسه واحتمال عدته ومكنة روحه ولطافتها من أسرار الله ما اغتنت به أرواحهم، وتألهت له ذواتهم، حتى كانوا وقفًا على رضاه سبحانه، ولم يعد في الوجود عندهم سواه.

وقد قصّ القرآن الكريم مشاهد من حالاتهم في أدعيتهم وتوسلاتهم ما فيه غنى للطالب ومقنعة للراغب.

أما نحن المبتلون باختلاف الأمزجة وعراك الطينة، المترددون بين منازل الكمال ومهاوي الإذلال، نحن نقول مقالتهم لكن لا نغتذي منها غذيتهم، نعم لنا مع المراس والدأب وحسن التأدب واستيفاء دواعي القرب والجذب أن نحوز على شيء من سنى الضياء وطعم الغذاء، فكل بحسب قابليته واستعداده وإمكانه، فكل واد يحمل من السيل بقدره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ولمّا كان الدعاء بهذه الأهمية والمنزلة لزم النظر والفكر في ناموس الدعاء وسننه عسى أن يوفق الله عز وجل لخلاصة تستقر عليها القناعة وتغني تصوّرنا بفهم الدعاء، مقدمة للوقوف على عتبة أهل الله وأهل القرب.

 أطراف الدعاء

فهنا أطراف ثلاثة يجدر بنا قراءتها والربط فيما بينها، لأجل اكتمال النظرة إلى الدعاء، وبالتالي ارتقابًا لسرور الناظر وبهجة الخاطر ومنه العون وهو ولي التوفيق.

فالطرف الأول: المدعو.

الطرف الثاني: الداعي.

الطرف الثالث: الدعاء.

 وبتعبير آخر الطرف الأول المطلوب منه، الطرف الثاني: الطالب، الطرف الثالث: نفس الطلب وأدواته وآدابه.

الطرف الأول: المدعو

 أقول، إن انعكاس الحقائق في مرآة النفس الآدمية ليس بمستوى واحد ولا على حد واحد، وإن كانت الحقائق ليس لها في واقعها إلا حدًا واحدًا وقدرًا واحدًا، وأظن أن هذا المعنى من المسلَّمات التي لا يناقش فيها أحد من المتنبِّهين، ولذا فإن طلب المعرفة بالأشياء يخضع لمنطق المراحل والأطوار، فيبتدئ من الضعف ويتسامق إلى القوة والاشتداد.

على أن حمل المعرفة على كل واحد من مستوياتها صحيح ولا يصح سلبها، إلا أن كل فرد من أفراد المعرفة يترتب عليه أثره الخاص، لأن كل مستوى من مستويات المعرفة بالشيء له اقتضاءات بقدرها، لأجل ذلك نقول بأن معرفة المدعو سبحانه هي أحد أركان الدعاء وطرفه الأول، ولكن أي فرد من أفراد المعرفة بالمدعو سبحانه هو المحقِّق للغاية، والموجب بلوغ الداعي إلى منزل أهل الإجابة وموطن أهل القبول.

والذي نعتقده أن المعرفة بالمدعو سبحانه، المطلوب منه، ينبغي أن تكون -تلك المعرفة- بمرتبةٍ حاصرةٍ سببيةَ قضاءِ الحاجةِ فيه دونَ أيٍّ من الأغيار سواه سبحانه وتعالى، ونعتقد كذلك بأنه هو القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء، صحيح أننا في عالم الفكرة والتصور نحن جميعًا بل حتى أولئك الذين أشركوا ينظرون لهذه العقيدة كما قال تعالى حكاية عنهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[1]، فهم يعيشون تصور الفكرة وينطقون بهذا المعنى فلا ينكرون قدرته سبحانه وتعالى على خلق السموات والأرض، فهذا مستوى من مستويات المعرفة بالله سبحانه ولكنه لا يُسمن ولا يُغني من جوع لأنه مُنتقَض ومُبدّد، وذلك أنه لم يجمع معه لوازمه ولم يبطل ضده من نفي الشريك في الملك والقدرة وما أشبه ذلك.

وعليه، فمثل هذه المعرفة وهذا الفرد من أفرادها، لا اقتضاء فيه ولا فاعلية له في تبليغ صاحبه إلى درجة ومرتبة ومستوى الدعاء المجاب، أو حتى أصل مبادئه ومبدأ انبعاثه، فلئن أقرَّ هؤلاء بأن الله عز وجل هو الخالق إلا أنهم لم يتابعوا في طريق معرفته جلّ وعلا لمعرفة لوازم معنى كونه خالقًا، ولجهة إثبات الأزلية ونفي الشريك وإرجاع كل شيء إليه وتنزيهه عن جميع النقائص، وما إلى ذلك من لوازم كونه واحدًا أحدًا فردًا صمدًا وحيًا قيومًا.

وهذا الفرد - أعني المذكور في الآية- هو الأضعف بين أفراد المعرفة بالله سبحانه المطلوب منه والمرغوب إليه تبارك وتعالى، وبين هذا الفرد من المعرفة به سبحانه وبين أعلى مراتبها - وهي تلك التي بلغ إليها الأنبياء والأوصياء وأهل الخلّة وأرباب العقول والنفوس- ما لا يحصى له عدد ولا يبلغ إلى حصره أحد، ولكل واحد من هذه الأفراد اقتضاؤه الخاص وآثاره الخاصة، ونضرب هنا مثالين فقط من أمثلة المعرفة العالية والبالغة:

المثال الأول: ما كان يعيشه عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي يقول: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا )[2].

المثال الثاني: ما عاشه الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) وصرّح به في دعاء يوم عرفة ( كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبًا)[3].

والذي يعنينا في معرض بحثنا هذا هو إعطاء الضابطة العامة في تقدير مستوى المعرفة بالمدعو سبحانه وتعالى ليكون النداء والدعاء ذا اقتضاء وفاعلية وتأثير.

 وبالجملة نقول، بأن المعرفة الواجدة للإقتضاء هي تلك التي يعلم معها صاحبها علمًا قاطعًا جازمًا غير مدخول بناقض ومضعِّف وموهَِّن بأن الله عز وجل سميع عليم وهو على كل شيء قدير، وهذه المعرفة حاصلة لا محالة عن سَبَبَيْها العليين:

السبب الأول: قابلية النفس البشرية للاعتقاد وتملكها القدرة على الجزم إثباتًا ونفيًا بهذه القضية وسواها، فليس من العسير على النفس أن تعيش اليقين وأن تملك الجزم بأن الله جلً شأنه هو كذلك وفوق ذلك.

والسبب الثاني: إرفاد هذه القابلية بالمادة العلمية لتغذية النفس بخلاصة غذائها النافع، وذلك بأن يطلب العلم ويتذوّق طعم حلاوته، ويتمرّس على ذلك من خلال التفكر والتأمل ليكون عوادًا على هذه النفس بهذه الأغذية المعينة لها والمفخمة لجوهرها، حتى تغدو النفس ذات أَلَقٍ وبهجةٍ ورَوْحٍ تعيش اليقين وتساهم في استزادة وترسيخ أصولها الطاهرة وتعميقًا لجذور الخير في أصل جبلَّتها ليكون ممن يشملهم قوله تعالى{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}[4].

وخلاصة القول، إن مرتبة المعرفة بالمدعو ومستوى درجتها لَهي ركن أول وأساس في جعل الدعاء مشتملاً على شرط القبول والإجابة.

وروي أن الإمام الصادق (عليه السلام) قرأ {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} فسئل: ما لنا ندعو ولا يستجاب لنا؟ فقال: لأنكم تدعون من لا تعرفون، وتسألون ما لا تفهمون، فالاضطرار عين الدين، وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان، من لم يشهد ذلة نفسه وقلبه وسره تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال وظن أن سؤاله دعاء والحكم على الله من الجرأة على الله. [5].

وهذه الكلمة تعبير آخر عن أن معرفة هؤلاء بالله سبحانه بهذا المستوى ليست موجِدة للركن ولا محقِقة للشرط، ونحن قد بيّنا الطريق الموصل إليها ولا قوة إلا بالله.

يتبع =


الهوامش:

1. مبلّغ ديني ومدرس في الحوزة العلمية.

[1] - سورة الزمر: من الآية38.

[2] - مواقف الشيعة، علي بن حسين علي الميانجي، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، 1416هـ، ج1، ص89.

[3] - بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 64، ص 142.

[4] - سورة الشمس الآية 9.

[5] - التفسير الصافي - الفيض الكاشاني ج 1   ص 223

 

تتمة مقال = الدعاء روح ومعرفة

الطرف الثاني:

الداعي أو الراغب والطالب

وهنا كلام عريض وبحث واسع غير أننا نقصده ونختصره بحدود ما يتحمل المقال فأقول:

إن ما ينبغي توفره في الداعي والطالب والراغب والآمل بعد امتلاكه المعرفة على النحو الذي ذكرناه آنفًا:

أولا: أن يَفيَ العبد للربّ كلّ عهد وميثاق وعقد والتزام، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }[1].

وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن سرّ عدم الاستجابة للدعاء، فقال (عليه السلام) لأنكم لا تفون لله بعهده وأن الله يقول{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }، والله لو وفيتم لله لوفى لكم[2].

وسئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فما بالنا ندعو فلا يجاب ؟ قال : ( إن قلوبكم خانت بثمان خصال :

أولها : إنكم عرفتم الله، فلم تؤدّوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئا.

والثانية : إنكم آمنتم برسوله، ثم خالفتم سنته وأمتّم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم ؟

والثالثة : إنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم، فلم تعملوا به، وقلتم : سمعنا وأطعنا، ثم خالفتم.

والرابعة : أنكم قلتم إنكم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمون إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم ؟

والخامسة : إنكم قلتم إنكم ترغبون في الجنة، وانتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها ؟

والسادسة : إنكم أكلتم نعمة المولى، ولم تشكروا عليها.

والسابعة : إن الله أمركم بعداوة الشيطان، وقال : {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}[3]، فعاديتموه بلا قول، وواليتموه بلا مخالفة.

والثامنة : إنكم جعلتم عيوب الناس نصب عيونكم، وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا؟ وقد سددتم أبوابه وطرقه، فاتقوا الله، وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فيستجيب الله لكم دعاءكم) [4].

وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام): يا ابن رسول الله ما بال المؤمن إذا دعا ربما استجيب له وربما لم يستجب له، وقد قال الله عز وجل (ادعوني استجب لكم) فقال (عليه السلام) : إن العبد إذا دعا الله تبارك وتعالى بنية صادقة وقلب مخلص استُجيب له بعد وفائه بعهد الله عز وجل، وإذا دعا الله عز وجل بغير نية وإخلاص لم يُستجب له، أليس الله يقول {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} فمن وفى أُوفي له[5].

أقول بأن العهد قد أخذ على العباد بما يشمل عالمي الاعتقاد والعمل معًا، فعندما تقول الآية الشريفة أوفوا بعهدي، معنى ذلك حصِّلوا الإيمان بالغيب وغيره من الاعتقادات، وكذلك قوموا بما عليكم من واجبات دينكم الذي بلغكم برسله ورسالته ولا تتنكبوا هذا الصراط، لأن ذلك إخلال بالعهد.

ومن الطبيعي أن تخضع المعاملة بين العبد والربّ إلى تلك المعادلة جريًا على سنّة المفاعلة فكل من طرفيها يدعو الآخر إليه وفق طبيعة الطرفين، فإذا ما  حصل العبد على وظيفة العبودية وما به قوامها من الاعتقاد والعمل فقد تأهلّ حينئذ وصلح لصدور النداء ولمعت فيه بوارق إجابة الدعاء.

وبعد، فإن الوفاء بالعهد من العبد بناء على سعة نطاقه وشمول معناه للاعتقاد والعمل، ينبغي أن يقدِّم العبد بين يدي الدعاء التوبة وطلب العفو والمغفرة، ذلك أن غير المعصوم لا يتوفر غالبًا على تحقيق العبودية والتزامات العهد بالمعنى الذي يجعله طرف المفاعلة إلا بالتوبة بل بالتوبة النصوح الخالصة.

وعليه فإن ما ورد في الروايات الشريفة من أن الله عز وجل لا يستجيب لفلان أو فلان أو فلان من أصحاب الذنوب والكبائر والأعمال غير المرضية، كله راجع إلى هذا الأصل أي الوفاء بالعهد لأن كل مخالفة هي نقض للعهد وإنقاص لطرفية الطرف في معادلة المفاعلة.

وعلى ضوء هذا الحاصل من فهم معنى العهد يتبيَّن ما في فتح باب التوبة للعباد من الرحمة الإلهية والرأفة الربانية وتحبُّب ذي العزة والجلال إلى العباد المبعدين أنفسهم من ساحة القرب والحارمين لها من لذة الجذب.

الطرف الثالث:  الدعاء

وهو نفس المادة التي تربط الطرفين، ليُفيض من خلال هذا الربط، الكاملُ من الطرفين على الناقص، والغني منهما على الفقير المحتاج.

والكلام في هذه المادة واسع أيضًا ومتفرع إلى حد كبير، فيدخل في نطاق مفهومه ومعناه عناوين وعناوين، والذي يتحكم في تحديد عنوان المادة هو منطقها وأسلوبها وغايتها، وعليه فتارة يطلق على المادة عنوان المناجاة وأخرى التوسل، وثالثة الذكر، ورابعة الطلب، إلى ما هنالك من أصناف وعناوين بل تحت كل من هذه العناوين أفراد وأفراد.

والذي يبدو لي وأنا أتحدث عن الدعاء - نفس المادة- أن أثير بعض الأمور المهمة:

الأمر الأول: المادة بين الاختراع والمسنون

وأقصد بالاختراع أن ينسج الداعي والطالب لغته التي يناجي أو يتوسل أو يطلب أو يذكر الله بها ومن خلالها، أما المقصود بالمسنون فالأدعية والأذكار المأثورة عن أهل الذكر العُرفاء الحقيقيين الذين تلقوا علمهم عن السماء بلا واسطة.

وبالتأكيد إن الفارق بين اللغتين وروح اللغتين لا يسمح بالمقارنة والمشابهة، ففرق بين لغة العرفاء الكاملين وبين لغة غيرهم، سيما إذا افترضنا أن لغة الدعاء وطبيعة ألفاظه ونظم تركيبه يؤثر في صفحة الكون من أرض وسماء، فكل كلام له مستقر يستقر فيه، وعالم من عوالم هذا الوجود يتربع فيه، بل يتعدى عن حدّ الاستقرار والتربع إلى حد الفاعلية والتأثير، فمن غير الصحيح أن ندرك من الكلمة أو الشعور والخاطر، أنها صوت يصدر عن حناجرنا ليستقر في المسامع فحسب، فهذا فهم أقل من ساذج وأرخص من الوهم.

يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[6].

ولا تنافي بين حمل الآية في مفردة الكلمة على الحجج الأطهار (عليهم السلام) وحملها أيضًا على الدعاء فهو من الكلمة بالمباشرة أو التأويل.

وورد في الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين ونور السموات والأرض[7]، وكذلك الدعاء زين السموات والأرض، إلى غيرها من المأثور عن فعل الدعاء وفاعليته وتأثيره.

لذلك نعتقد أن الدعاء بالمأثور مقابل الاختراع هو المتعين انسجامًا مع فهم الدعاء وغايته، وتطبيقًا لما ورد من الروايات التي تحثّ على التعبد بالأدعية المنصوصة،  وإن كنّا لا ننفي أثر وفاعلية الخاطر الصادق المنطلق من عمق النفس المتألمة والمضطرة، وكذلك صرخة المظلوم وغيرها فإنها لغة مستجابة كذلك.

فقد أورد الشيخ الكليني في الكافي  عن عبد الرحيم القصير قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقلت : جعلت فداك إني اخترعت دعاء قال : دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلِّ ركعتين تهديهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).. الحديث[8].

وعن عبد الله بن سنان قال: قال الإمام الصادق (عليه السلام) : ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى، ولا إمام هدى ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت : كيف دعاء الغريق؟ قال : يقول : (يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت : " يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك " قال : إن الله عز وجل مقلب القلوب والإبصار، ولكن قل كما أقول لك : ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) [9].

الأمر الثاني: الدعاء في المكان والزمان

نعتقد بأن تخيّر الزمان وتخيّر المكان للدعاء والمناجاة والطلب يدخل في ضمن الوسائل المبلّغة إلى الغايات المرجوة من الدعاء، من مثل الدعاء في المسجد، أو المكان الذي كان يواظب فيه المؤمن على الصلاة والذكر والعبادة، وعند نزول المطر في أول آناته، أو في المكان الذي تشرّف بطاعة صالح أو وليّ من الأولياء كبيوت العلماء الربّانيين والصلحاء الذاكرين، أو في الكعبة المشرّفة، وفي مقام إبراهيم، وفي مسجد النبي المطهَّر، وعند قبره الشريف، أو في مراقد الأئمة المطهرين، سيما في مرقد الإمام أبي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم (عليه السلام)، فإن الروايات الشريفة المأثورة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أكّدت على ذلك، كما أنها أكّدت على تخيّر الزمان أيضًا، من مثل السدس الأخير من الليل والفجر، والزوال، وساعة الأصيل، وتَخَيّرت من الأيام الجمعة وليلته، ومن الأشهر شهر رمضان وشعبان ورجب.

وما ذكرناه هنا من تَخَيُّرات الزمان والمكان هو من باب المثال وليس الحصر، وغرضنا أن نلفت إلى ما يجعل الدعاء جامعًا لشروط الإجابة والكمال في التأثير والبلاغ، وقد تضمنت كتب الأدعية والزيارات تحديد الأزمنة والأمكنة والحالات التي ترجّح استجابة الدعاء، مثل كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، ومفتاح الجنات للسيد محسن الأمين ومفتاح الفلاح للشيخ البهائي، والمصباح للكفعمي وغيرها.

الأمر الثالث: مكانة الصلاة على محمد وآل محمد في الدعاء

فقد ورد في الروايات الشريفة عن الصادقين (عليهم السلام) : من كانت له إلى الله عز وجل حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآله، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد، فإن الله عز وجل أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط، إذ كانت الصلاة على محمد وآل محمد لا تحجب عنه[10].

وكذلك ورد: كل دعاء محجوب عن السماء حتى يصلي على محمد وآل محمد.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): صلاتكم عليَّ إجابة لدعائكم.

وورد أيضّا: لا يزال الدعاء محجوبًا حتى يُصلّي على محمد وآل محمد.

ولا ينبغي وضع الصلاة على محمد وآل محمد موضع الاستغراب إذ جعلت بهذه المكانة والأهمية، فالروايات جعلتها شافعة الدعاء، وإذنَ مروره إلى عالم الإجابة وقضاء الحوائج، ولا ينبغي الاستغراب بعد ورود الأمر من رب العالمين الذي له الخلق والأمر، فقد قدّر سبحانه أن يمضي أمره في خلقه عبر سننه التي سنّها وتقديره الذي قدّره، فجعل مفتاح الإجابة وشافع الدعاء الصلاة على الرسول الحبيب وآله الطيبين.

وأنزل في ذلك قرآنًا آمرًا بصيغة مفخّمة مكرَّمة لم تجرِ عليها سنن أوامره الشريفة إذ يقول {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [11].

وورد أيضًا في آيات الكتاب العزيز الأمر بابتغاء الوسيلة إلى الله عز وجل إذ يقول تعالى {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}[12].

ونحن نعرف من خلال المقطوع به من الأدلة  أنه لا شيء من خلق الله عز وجل أقرب إليه من محمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، فهي خيرة الوسائل وخيرها البتة.

ختام

أقول بأن الدعاء أعني ما اشتمل على جميع ما ذكرنا من معان وشروط ليَرقى لجهة التأثير والفاعلية في التحصيل على إجابته وقضاء الحوائج به، وتحويل الصعاب إلى مُيَسّرات سهلة، ليَرقى أنه لا شيء إلى حد فاعلية وتأثير المادة بالمادة، بل يندرج الدعاء في سلسلة العلل المادية الحاكمة في السنن الكونية، بل نزيد على ذلك ونقول بأن حاكمية الدعاء على السنن الكونية هي حاكمية الملكوت على الملك والمملوك، وذلك لسبب اتحاد إرادة العبد من خلال الدعاء (أعني ما اشتمل على جميع ما ذكرنا) مع إرادة الرب الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ويكفي في تصوير هذا الاتحاد قوله تعالى {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}[13]، وكذلك الحديث القدسي: (عبدي أطعني حتى أجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون)[14]. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


الهوامش

[1] - سورة البقرة: من الآية40

[2] - بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 90، ص 368.

[3] - سورة فاطر من الآية6

[4] - مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 5، ص 269.

[5] - بحار الأنوار ج19 ص58.

[6] - سورة إبراهيم: 24-25.

[7] - الكافي، الشيخ الكليني 3/468.  

[8] - الكافي، الشيخ الكليني ج 3   ص 476.

[9] - كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق (ت 381)، صححه علي أكبر الغفاري، 1405 هـ، دار النشر الإسلامي ص 352.

[10] - الكافي 2/494 ح16.

[11] - سورة الأحزاب الآية56.

[12] - سورة المائدة: من الآية35.

[13] - سورة النمل من الآية62.

[14] - شجرة طوبى، الشيخ محمد مهدي الحائري، 1/33، ط5، 1385، المكتبة الحيدرية.

115%