رسالة النجف

تساؤلات حول نظرية الإدراك الحسّي

.

تساؤلات حول الإدراك الحسّي

عند فلاسفتنا المحدثين

الشيخ مصطفى اليحفوفي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

علم المعرفة واحد من أهم الحقول في مجال الدراسات الفلسفية المعاصرة، فهو يشكّل الركيزة الأساس لكل علم آخر، ولكل عقيدة يعتنقها الإنسان، فلا يمكن لأي بناء نظري أن يستقيم إلا إذا كان قائماً على أساس وجهة نظر معينة في علم المعرفة.

فمن غير الممكن منطقياً لمنكر وجود العالم الموضوعي -مثلاً- أن يؤسس علماً للفيزياء يبحث قوانين عالم المادة، بينما هو ينكر أصل وجود هذا العالم، كما أنه من غير الممكن أيضاً لمن يسلّم بوجود العالم الموضوعي ولكنه ينكر إمكانية المعرفة -مثلاً- لا يمكن له أن يتبنّى أيّ موقف نظري يتعلق بهذا العالم، إذ ما دام قد أنكر إمكانية المعرفة الموضوعية على الإطلاق، فمن التناقض أن يدّعي بعد ذلك معرفة موضوعية بهذا الأمر أو ذاك.

ثم إن المسائل التي تدور حولها الأبحاث الفلسفية في علم المعرفة عديدة متنوعة، وذلك من قبيل البحث في حقيقة الإدراك وتحديد ماهيته، وكالبحث عن المصدر الذي تنشأ منه تصوراتنا وتصديقاتنا، وكذلك البحث عن قيمة معلوماتنا ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، ومنها البحث عن المعيار في صحة إدراكاتنا وعدم صحتها إلخ …

وبحثنا هذا ينتمي إلى ميدان علم المعرفة، ولكن موضوعه محدد في نقطة واحدة، وهذا بيانها:

حدود البحث:

قسّم الفلاسفة الإسلاميون العلم الحصولي إلى قسمين هما: التصور والتصديق.

ففي قولنا مثلًا (السماء ماطرة): نتصور السماء، ونتصور المطر، ونتصور أيضًا النسبة  بين السماء والمطر.

ويأتي بعد ذلك دَوْر التصديق، حيث يقع الاعتقاد بمضمون هذه القضية ومطابقتها أو عدم مطابقتها للواقع الموضوعي.

ولا يتناول بحثنا هذا المسائل المتعلِّقة بالتصديق، بل ينحصر في مجال التصور فقط.

ثم إن الفلاسفة الإسلاميين بيّنوا أن للتصور ثلاث مراحل:

·          مرحلة الحِسِّ.

·          مرحلة الخيال.

·          مرحلة التعقّل.

ومرحلة الحسّ هي المرحلة التي تكون فيها الحواسّ على اتصال مباشر بالواقع الخارجي، وعن طريق هذا الاتصال تنشأ صورة في الذهن يُدرك بواسطتها الواقع وما فيه من أشكال وألوان وأصوات.. وأحد مقوّمات هذه المرحلة هو اتصال الحواسّ بالعالم الخارجي، فإذا زال هذا الاتصال زالت معه الصورة المحسوسة.

ويأتي بعد ذلك دور مرحلة الخيال، حيث يخلف الإدراك الحسيّ أثرًا في النفس، يُعبّر عنه بالصورة الخيالية، وهذه الصورة تبقى محفوظة في الذهن بعد زوال الصورة الحسّية، أي بعد انقطاع الحواسّ عن الاتصال بالعالم الخارجي.

أما المرحلة الثالثة -مرحلة التعقل- فتأتي رتبتها بعد مرحلة الخيال ، حيث تتكون لدى النفس من خلال الصورة الخيالية صورةٌ كلية، لها قابلية الانطباق على كثيرين، وذلك على خلاف الصورة الحسّية والصورة الخيالية، فإنهما جزئيتان لا يمكن فرض صِدْق أيّ منهما على أكثر من مصداق واحد.

وبَحْثُـنا هذا سيتناول المرحلة الأولى -مرحلة الحسّ- من مراحل التصور، دون المرحلتين الأُخريَيْن -الخيال والتعقّل-، وذلك لأن مرحلة الحسّ تعتبر اللّبِنَة الأساسية التي تقوم عليها المرحلتان الأُخريان في معرفتنا للعالم المحيط بنا، فإذا لم تتضح هذه المرحلة، ولم تقم على أساس متين، فإن النَّوْبة لا تصل إلى المرحلتين الأُخريَيْن.

وغايتنا: التعرّف على طبيعة النظرية التي يتبنّاها الفلاسفة الإسلاميون المحدّثون، القائلون بنوعٍ من المطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي.

وإنما قَصَرْنا البحث على هذه النظرية بالخصوص من بين نظريات الفلاسفة الإسلاميين، واكتفينا بآراء المحدَثين دون سواهم، لأننا أَرَدْنا التعرُّفَ على النظرية السائدة حاليًا، وتسليطَ الضوء على مدى وضوح مبناها.

والنقطة الأساسية في البحث هي التالية:

بعد تسليم وجود الواقع الموضوعي، والاعتراف بقدرة الإنسان على إدراك هذا الواقع في الجملة، ينبثق السؤال:

هل ما يدركه الذهن من الصور الحسّية هو عبارة عن انعكاس أو تمثيل لما هو في الخارج، بحيث يشكِّل ما في الذهن نوعًا من الحكاية أو المطابقة للواقع الموضوعي ؟ أم أن الذهن، ومن خلال اتصال الحواسّ بالواقع، يخترع صورًا لا وجود لما يطابقها في الخارج، وإنما الموجود في الخارج -مثلاً-  هو عبارة عن مجموعة من المنبِّهات والمثيرات فقط،  تحفّز الذهن على اختراع صور لا واقع لها ؟

وعلى فَرْض وجود ما يعادل إدراكاتنا الحسّية في الخارج، فهل نحن ندرك هذا الأمر على النحو نفسه الذي هو عليه خارجًا ؟ أم أن إدراكنا يغيّر من صورته نَحْوًا من التغيير ؟

هل الأمر على هذا النحو أم ذاك؟ أم أن في البين نحوًا ثالثًا كأن يقال -مثلاً- بأن بعض الوقائع الخارجية يدركها الذهن كما هي، وبعضها الآخر ليست كذلك ؟

أم أن الأَمْر يكون بطُرُق أخرى غير كل ما ذُكر ؟

والخلاصـة: إن هذا البحث له هدف واحد وهو التعرف على النظرية السائدة لدى الفلاسفة الإسلاميين المحدثين، في مسألة مدى مطابقة الإدراك الحسي للواقع الموضوعي -دون التصديقات، ودون التصورات الأخرى-، وكذلك التعرّف على درجة الوضوح  في هذه النظرية، و مدى رسوخ مبناها.

آراء الفلاسفة المحدثين:

تُؤْمن النظرية السائدة لدى الفلاسفة الإسلاميين المحدثين بنحو من المطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي، والشائع بينهم أن هذه المطابقة تقوم على أساس الاتحاد الماهوي بين الصور الحسّية والواقع، باستثناء بعض نصوصهم التي تبنَّتْ المطابقة ولكنها لم تحدد حقيقتها([1]) ونترك البيان لنصوصهم([2]):

يقول العلامة الشيخ جعفر السبحاني -حفظه الله-  في بَحْث تحت عنوان: (اتحاد الصور الذهنية مع الحقائق الخارجية في الماهية):

( قد عرفْتَ أن العلم عبارة عن حضور المعلوم بنفسه لدى الذهن، وهذا يستلزم بالضرورة اتحاد ما في الذهن مع ما في الخارج، اتحادًا ماهويًا لا وجوديًا، فالصور الذهنية عين الحقيقة الخارجية، في الماهيات والأشكال والحدود، وغيرها في سِنْخ الوجود.

فما تلبَّس بالوجود في النشأتَيْن ( الذهن والخارج ) أمر واحد من حيث الماهية، غير أنه تحقق في النشأة الخارجية بوجود عيني، وفي النشأة الذهنية بوجود ذهني، ولأجل ذلك لا يترتب على كل من الوجودَيْن ما يترتب على نظيره وعديله )([3]).

ومع أن هذا النص لم يُسَمِّ الصور الحسّية بالاسم، بل تناول التصورات بنحو عام، غير أن المسألة تشمل الصور الحسّية أيضًا وهو مايبيِّنه -حفظه الله- في نص آخر، حيث يقول:

( وحصيلة منهج الجزم هو أن وراء النفس والنفسانيات موضوعات واقعية، وأنَّ في الدار غيره ديَّار، وأن الإنسان قادر حسب ما أُعطي من المواهب الحسّية والعقلية على التعرف عليها تعرفًا كاملاً، على نحو يصح أن يقال معه: إن الموجود في الخارج هو بعينه الحاصل في الذهن، والتفاوت بين الموجودين هو في كيفية الظهور والوجود.

وبعبارة أخرى: إن المعلوم الذهني يتحد ماهية مع المعلوم الخارجي، وإن كان يختلف عنه في مرتبة الوجود، فالنار في الذهن نفس النار في الخارج ماهية، غاية ما في الأمر أنهما يختلفان في كيفية الظهور، ولأجل ذلك تكون النار الخارجية محرقة دون الذهنية )([4]).

ومن الواضح في هذا النص أن حديث المطابقة والاتحاد الماهوي شامل للصور الحسّية أيضًا.

ويتبنّى الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رحمه الله) في كتابه ( فلسفتنا ) موقفًا مماثلا لما يتبناه العلامة السبحاني، فيقول:

(إن الصور الذهنية التي نكّونها عن واقع موضوعي معين فيها ناحيتان: فهي من ناحية صورة الشيء ووجوده الخاص في ذهننا، ولا بد لأجل ذلك أن يكون فيها الشيء متمثلاً فيها، وإلا لم تكن صورة له، ولكنها من ناحية أخرى تختلف عن الواقع الموضوعي اختلافًا أساسيًا، لأنها لا تملك  الخصائص التي يتمتع بها الواقع الموضوعي لذلك الشيء، ولا تتوفر فيها ما يوجد في ذلك الواقع من ألوان الفعالية والنشاط، فالصورة الذهنية التي نكوّنها عن المادة أو الشمس أو الحرارة مهما كانت دقيقة ومفصَّلة، لا يمكن أن تقوم بنفس الأدوار الفعالة التي يقوم بها الواقع الموضوعي لتلك الصورة الذهنية في الخارج.

وبذلك نستطيع أن نحدّد الناحية الموضوعية للفكرة والناحية الذاتية، أي الناحية المأخوذة عن الواقع الموضوعي، والناحية التي ترجع إلى التبلور الذهني الخاص، فالفكرة موضوعية باعتبار تمثّل الشيء فيها لدى الذهن، ولكن الشيء الذي يمثّل لدى الذهن في تلك الصورة يفقد كل فعالية ونشاط مما كان يتمتع به في المجال الخارجي، بسبب التصرف الذاتي، وهذا الفارق هو في اللغة الفلسفية الفارق بين الماهية والوجود)([5]).

يوضح النَّصَّان المتقدمان المعالم الأساسية لهذه النظرية، فهي نظرية تؤمن-عند عدم حدوث خطأ- بوجود مطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي حيث يمثل الذهن ما في الواقع ولكن مع وجود فارق بينهما وهذا الفارق يعود إلى اختلاف الآثار أو اختلاف الفعالية والنشاط، فيكون للشيء في الواقع الموضوعي آثار وفعالية لا تكون له في وجوده الذهني، إذ لكل منهما تبلوره الوجودي الخاصّ، غير أن هذا الفارق في التبلور على صعيد الوجود لا يلغي الاتحاد أو التماثل على صعيد آخر، أي على الصعيد الماهوي، فما في الذهن وما في الخارج يتحدان ماهية وإن اختلفا أثرًا، لذا فماهية النار في الواقع الموضوعي هي عينها ماهية النار في الذهن ولكن فاعلية الإحراق التي تكون للنار الخارجية غير موجودة للنار على مستوى الذهن.

يتبع=

ـــــــــــــــــــ

([1]) وذلك كنصّ الشهيد السيد محمد باقر الصدر-ره-في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء الذي سوف نورده لاحقًا .

([2]) ما أوردناه من النصوص في المتن واف ببيان موقف الفلاسفة المحدثين لذا تركنا العديد من النصوص لأعلام آخرين .

([3]) محاضرات الأستاذ الشيخ جعفر سبحاني ، بقلم الشيخ حسن مكي : نظرية المعرفة، الطبعة الأولى، الدار الإسلامية، بيروت، 1411ه- 1990م، ص301 .

([4]) المصدر السابق، ص75-76 .

([5]) السيد محمد باقر الصدر: فلسفتنا، دار التعارف، بيروت، ص153- 154 دون ذكر الطبعة ولا التاريخ .

([6]) السيد محمد حسين الطبطبائي : نهاية الحكمة، علق عليه الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي، توزيع دار الكتاب الإسلامي، بيروت، دون ذكر الطبعة ولا التاريخ، ص 147- 148 .

.

تتمة مقال = (نظرية المعرفة)

إجمال في النظرية:

من الواضح في هذه النظرية أنها أقامت بنيانها في مطابقة ومماثلة الصور الحسّية للواقع على أساس الاتحاد والتماثل الماهوي، ولكننا لو حاولنا إلقاء نظرة نقدية على هذا الأساس لوجدناه أساسًا مبهم الحدود مجمل المعالم.

وذلك لأن المراد من مصطلح الماهية غير بيّن ولا مبين، فمن المعروف أن للماهية عدة معانٍ، كالماهية بالحمل الأولي، والماهية بالمعنى الأعم، والماهية بالمعنى الأخص.

والمعنيان الأولان غير مرادَيْن قطعًا، فيبقى المعنى الثالث، أي الماهية بالمعنى الأخص، وهو ما يلوح أنه المراد من كلماتهم في المقام.

غير أن هذا المعنى إذا كان هو المراد فإنه لا يخلو من شوائب في مسألة مطابقة الإدراك الحسّي للخارج ، وذلك لأن الماهية بهذا المعنى هي من المفاهيم الكلية وقد عرفوها بما يلي:

( الماهية -وهي ما يقال في جواب ما هو- لمّا كانت من حيث هي -وبالنظر إلى ذاتها في حد ذاتها، لا تأبى أن تتصف بأنها موجودة أو معدومة، كانت في حد ذاتها لا موجودة ولا لاموجودة..)([6]).

فلو سُئل مثلًا: (ماهو الإنسان ؟)، فإنه يقال في الجواب: (حيوان ناطق)، فماهية الإنسان عبارة عن الحيوانية والناطقية، فالماهية تُشَكِّل حدَّ الإنسان، من دون أن يُؤْخذ في ذلك الحدّ أنه موجود أو غير موجود، وكذلك لو سئل: (ماهو البياض؟)، فيجاب -مثلًا- بأنه: (لَوْن مُفَرِّق للبصر).

ومن الجليِّ أن الجواب على السؤال بما هو، إنما يكون بإيراد معانٍ كلية كالجنس والفصل -أو ما يقوم مقامهما-، وهذه المعاني لها قابلية الانطباق على أكثر من فرد أو مصداق، فالحيوان الناطق يمكن أن ينطبق على هذا الفرد أو ذاك، وعلى الذكر والأنثى، والكبير والصغير.. وكذلك الأمر حين نقول عن البياض بأنه لون مفرّق للبصر، فهذا ينطبق على بياض الثلج،كما ينطبق على بياض القرطاس.

فإذا اتضح مرادهم من مصطلح الماهية نعود إلى ما نحن فيه، من قولهم بالمطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي على أساس الاتحاد الماهوي، لنتفحّص مدى وضوحه ومتانة بنيانه، فنقول:

إن الإنسان قد يلقي بنظره إلى الثلج، وإلى القطن، وإلى القرطاس، فيحسّ في كل مرة بالبياض، وهنا يحصل لديه أمران:

الأول: ذلك الإحساس الجزئي ببياض الثلج، والإحساس الجزئي ببياض القطن، والإحساس الجزئي ببياض القرطاس، وكل واحد من هذه الأحاسيس يشكِّل أمرًا جزئيًا خاصًّا، لا يناله الذهن عند الإحساس بما سواه.

 الثاني:  يفهم الإنسان المعنى الكلي للبياض، وهو كونه لوناً مفرّقاً للبصر، أي ماهية البياض.

وفي مقام الصور الحسّية، لا يدور البحث حول مطابقة المعنى الكليّ للبياض للواقع الموضوعي، بل مجال ذلك عند البحث عن الإدراك العقلي ومدى مطابقته للواقع.

بينما السؤال المطروح في مقامنا هو: عندما يدرك الإنسان صورة حسية لبياض الثلج الذي تقع عليه حاسة البصر، فهل هذه الصورة الحسّية الخاصة تطابق الواقع الخارجي للثلج ؟

فإذا قيل بوجود المطابقة، وأن هذه المطابقة هي مطابقة ماهوية بين الصور الحسّية والواقع، فإنه يتبين أنه يوجد خلط في هذه الإجابة بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي، إذ حين يبصر الإنسان الثلج تحصل في ذهنه صورة حسّية للبياض، فإذا كفّ بصره عن الثلج ثم عاد إليه مرة أخرى، فإنه تحصل في ذهنه صورة حسية ثانية لبياض الثلج غير الصورة الأولى، فالصورة الحسّية تتعدد بتعدد المشاهدات، لكن وبالرغم من ذلك فإن ماهية البياض تبقى ماهية واحدة لا تتعدد، فماهية البياض في المشاهدة الأولى، هي عين ماهية البياض في المشاهدة الثانية، إذ معنى البياض في الحالتَيْن هو: لون مفرّق للبصر -مثلاً-.

غير أن هذه الوحدة الماهوية لا تجعل من الإحساسَيْن إحساسًا واحدًا، بل ما يزال لدينا صورتان وإحساسان، وكل واحد منهما يختلف عن الآخر، وإنْ جمعهما معنى كليٌّ واحدٌ، هو كون كل منهما يصْدُق عليه: أنه لون مفرّق للبصر.

ومسألة مطابقة الصورة الحسّية للواقع ليست ناظرة إلى ذلك المعنى الكلي، بل هي ناظرة إلى الصورة الجزئية ومدى ما تمثّله هذه الصورة من الواقع.

ولو كان كل ما تمثّله الصورة الجزئية للبياض هو ماهية البياض، لكان الإحساس الأول للبياض هو الإحساس الثاني بعينه، ولكننا ندرك بالواجدان -وهو مُسلَّم عند فلاسفتنا- أن الإحساس الأول غير الإحساس الثاني قطعاً.

وسؤالنا يتعلق بهذا الإحساس الخاص في كل مرة، لا بمعناه الكلي.

وعليه، يصبح جلـيـًّا أن القول بالاتحاد الماهوي بين الصور الحسّية والواقع الخارجي، فيه خَلْط بين الصور الحسّية الجزئية وبين المعقولات الكلية.

يتبع=

ـــــــــــــــــــ

([6]) السيد محمد حسين الطبطبائي : نهاية الحكمة، علق عليه الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي، توزيع دار الكتاب الإسلامي، بيروت، دون ذكر الطبعة ولا التاريخ، ص 147- 148 .

.

تتمة مقال - نظرية المعرفة (اليحفوفي)

موقف العلامة الطباطبائي (رحمه الله):

ما أوردناه سابقًا لا يختص بالنَّصَّين اللذين نقلناهما عن العلامة السبحاني والشهيد الصدر، بل إنه يرد أيضًا على كل نص يتبنّى الاتحاد الماهوي بين الصور المحسوسة والواقع الموضوعي، فالمذهب هو المذهب، وإن اختلفَتْ الصياغة وطريقة العرض.

ولتأكيد هذا المطلب نورد نصًّا أخيرًا من النصوص التي تتبنّى موقف الاتحاد الماهوي، وهو للعلامة السيد محمد حسين الطبطبائي(رحمه الله).

يناقش العلامة الطبطبائي(رحمه الله) في كتابه (نهاية الحكمة) علماء الطبيعة في ما ذهبوا إليه من القول بأن الإحساس إنما يكون بحصول صور الأجسام بما لها من النِّسَب والخصوصيات الخارجية في الأعضاء الحاسّة، وأن هذه الأعضاء تتصرف في الصور بحسب طبائعها الخاصة فتصبح عبارة عن رسائل عصبية وموجات تنتقل إلى الدماغ عن طريق الجهاز العصبي..

يقول العلامة الطباطبائي(رحمه الله) في مناقشته لهذا الرأي:

( ومن الواضح أن هذه الصور الحاصلة المنطبعة بخصوصياتها في محل ماديّ مباينة للماهيات الخارجية، فلا مسوِّغ للقول بالوجود الذهني وحضور الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان )([1]).

إلى أن يقول: (وجه الاندفاع: أن ما ذكروه من الفعل والانفعال الماديين عند حصول العلم بالجزئيات في محله، لكن هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات، وإنما هي أمور مادية مُعِدَّة للنفس، تُهيِّئها لحضور الماهيات الخارجية عندها بصور مثالية مجردة غير مادية.. وقد عرفْتَ أيضًا أن القول بمغايرة الصور عند الحسّ والتخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفك عن السفسطة)([2]).

وخلاصة مراده (رحمه الله) هو أن قول علماء الطبيعة بأن صور المحسوسات إنما تنطبع في العين مثلًا، وتكون في العين أصغر مما هي عليه في الخارج، ثم تنتقل الى الدماغ بعد أن تتحول إلى موجات ورسائل عصبية، فإذا كانت الصورة المحسوسة هي هذا الأثر المادي الذي ينتهي الى الدماغ، فيلزم أن لا تحضر الماهيات الخارجية بأنفسها في الأذهان، وذلك لأن ما حدث من تحوّل وتغيير عبر الأعضاء الحاسة وعبر الجهاز العصبي، يلزم منه أن لا تحضر الماهيات الخارجية في الأذهان.

وهو يسلِّم ما يحدث من تحول وتغيير مادّيين عند الإدراك الحسّي، ولكنه يرى أن تلك الصور المادية التي جرى فيها التغيير ليست هي المعلومة بالذات كي يقال إن ما تمّ إدراكه تُغايِر ماهيتُه الماهياتِ الخارجية، وإنما تلك الصور المادية ليست سوى مُعِدَّات للنفس تهيئها لحضور الماهيات الخارجية عندها، والصور التي تدركها النفس ليست صورًا مادية، بل هي صور مثالية مجردة، توجدها النفس من خلال المعدّات المادية، وما جرى من تحوّل وتغيير خلال الحوادث المادية في عملية الإدراك لا يؤثر في هذه الصورة المثالية، بل إن النفس بعد هذه السلسلة من العمليات المادية التي تجري أثناء عملية الإدراك تعود فتصنع بتوسط تلك العمليات المادية صورة مجردة تتحد ماهية مع ماهية الموجودات الخارجية، ولو كانت هذه الصورة مغايرة لما في الخارج للزمت السفسطة.

ويـَرِدُ على ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي (رحمه الله) عَيْن ما أُورد سابقًا، إذ بعد تسليم ما ذكره (رحمه الله) من كون الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات، وإنما هي أمور مادية تهيّئ النفس لإدراك صورة مجردة، إلا أنه يمكن أن يقال في المقام: إن كون هذه الصور مجردة لا يخرجها عن كونها صورًا جزئية -كما يعتقد العلامة الطباطبائي نفسه- وعليه فيَرِد السؤال: إذا كانت هذه الصور جزئية، فما هو معنى الماهية في قوله: (لكن هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات، وإنما هي أمور مادية مُعِدَّة للنفس، تهيِّئها لحضور الماهيات الخارجية عندها)؟

فإذا كان المراد هو المعنى المصطلح للماهية: فإنه يرد عليه عين ما أوردناه في مناقشتنا للنصين السابقين من السؤال عن معنى الماهية بالنسبة للصور الجزئية، أما إذا كان المراد معنى آخر، فهو غير بيِّن ولا يُعرف المقصود منه.

ولذا فإن الموقف في حديث الاتحاد الماهوي يبقى على إجماله([3]).

نصّ الأسس المنطقية للاستقراء:

ذكرنا سابقًا أن بعض النصوص قد تبنّت القول بمطابقة الصور المحسوسة للواقع، ولكنها لم تبيّن طبيعة هذه المطابقة وهل هي على أساس الاتحاد الماهوي أم على أساس آخر، ووعَدْنا هناك بإيراد نص كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، وقد آن الأوان لبيان ذلك.

يقول الشهيد الصدر(رحمه الله) في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء تحت عنوان (الاعتقاد بالتشابه بين المحسوس والواقع):

( ورغم الثنائية بين الصور المحسوسة والواقع الموضوعي، نتّجه إلى الاعتقاد بأن صفة التربيع التي نلاحظها في الصورة المحسوسة ثابتة في الواقع الموضوعي لتلك الصورة المحسوسة.

ولا شك في أن الإنسان الاعتيادي يذهب إلى الاعتقاد بدرجة كبيرة من التطابق والتشابه بين الصورة  المحسوسة والواقع الموضوعي، بينما تتناقص هذه الدرجة كلما أخذ بعين الاعتبار ما يكشفه العلم من الجوانب الذاتية لعملية الإدراك الحسي، ولكن يبدو أن هناك درجة من التشابه بين الصور المحسوسة والواقع الموضوعي لا يمكن التنازل عن الاعتقاد بها، ففيما نراه من أجسام بشكل دائري -مثلًا- لا نحتمل عادة أن الشكل الهندسي الواقعي هو التربيع بدلا عن الاستدارة، رغم أنّا لا نملك أي مبرر قَبْلي -أي قبل الحسّ والتجربة- للتأكيد على أن كل واقع موضوعي لا بد أن يثير صورة محسوسة لها نفس الخصائص الهندسية التي يتمتع بها ذلك الواقع، إذ لا يوجد أي تناقض منطقي في افتراض أن المربع يثير في إدراكنا الحسي صورة لها شكل دائري)([4]).

ثم يبيِّن(رحمه الله) بعد ذلك أن هذا الاعتقاد بالمطابقة يرجع إلى الاستقراء، ويبيّن الدليل الاستقرائي على ذلك .

ويقول في موضع آخر: ( أثبتنا أن الواقع الموضوعي للصورة المحسوسة يشابهها في كثير من الخصائص )([5]).

ويقول أيضا: (ما دمنا قد عرفنا أن كل صورة محسوسة تشابه الشيء الذي أثارها في الواقع الموضوعي)([6]).

وخلاصة ما يفهم من مذهبه هنا، هو أن الصورة المحسوسة تشابه الشيء الذي أثارها في الواقع الموضوعي، وهذا التشابه هو تشابه في الكثير من الخصائص، لا في كل الخصائص، ولكن هذه الكثرة لا تعني الاعتقاد بدرجة كبيرة من التطابق والتشابه -كما يظنه الإنسان الاعتيادي- بل هي درجة من الدرجات لا يمكن التنازل عن الاعتقاد بها.

والملاحظة التي يمكن تسجيلها فيما يهمّ بحثنا هي:

أن الشهيد الصدر مع أنه لم ينص على الاتحاد الماهوي فيما يخص مطابقة الصور المحسوسة للواقع بحيث لا يمكن مناقشة كلامه هنا بعين المناقشات السابقة التي أوردناها على نظرية الاتحاد الماهوي، إلا أنه (رحمه الله) لم يبين طبيعة التطابق والتشابه، ولا الأساس الذي يقوم عليه، وإنما اكتفى بذكر أمور عامة من قبيل: ( كثير من الخصائص.. درجة من التشابه لا يمكن التنازل عنها.. ).

أما ما هي الخصائص الكثيرة التي يتمّ بها التشابه ؟ وما هي الخصائص الباقية التي لا يوجد فيها مثل هذا التشابه، فلم يبينه (رحمه الله) ؟

وعليه فإن الإجمال في نظرية مطابقة المحسوسات للواقع الموضوعي يبقى على حاله([7]).

الخلاصـة:

اتضح من العرض السابق عدم وجود نظرية واضحة المعالم فيما يتعلق بالمحسوسات، وأن النظريات المطروحة تعاني جوانب من النقص، حيث إن القول بالاتحاد الماهوي ملتبس المعنى، فلا يعرف المراد بمصطلح الماهية، وإذا كان المراد هو المعنى الشائع فلازمه اختلاط المدركات الحسّية بالمدركات العقلية، كما أن القول بوجود درجة من المطابقة غير واضح المعالم ولا مفهوم الحدود.

وإذا كانت نظرية المعرفة هي الأساس الذي يقوم عليه كل بناء نظري، وتبتني عليه كل عقيدة،  فمن الجدير إذًا أن تعقد العزائم وتشحذ الهمم لمحاولة بناء نظرية واضحة المعالم، راسخة الأسس، متماسكة البناء، ولابد من أن تنطلق هذه النظرية من دراسة المحسوسات أولاً، ثم تعالج بعد ذلك غيرها من التصورات، وهو ما يستدعيه الترتيب المنطقي للأمور، إذ إن التصورات الأخرى إنما تنطلق من المحسوسات، أو تكون المحسوسات من شروطها، ويأتي بعد ذلك دور التصديقات التي تتخذ من التصورات موضوعات لها.

ولا بد من السير في البحث خطوة خطوة، وبصورة واضحة في كل واحدة من هذه الخطوات.

لذا، ومراعاة للوضوح فقد تركز هذا البحث على نقطة واحدة لم يتجاوزها، ومن هنا كان عدم التعرض للأدلة التي أقامها فلاسفتنا المحدّثون على نظرية المطابقة، إذ من المنطقي أن يُعرف أولاً معنى النظرية قبل مناقشة الأدلة المقامة لإثباتها.

ونرجو من المولى سبحانه التوفيق لمناقشة تلك الأدلة في بحث آخر.

هذا، ويبقى العديد من النقاط في هذه المسألة بحاجة إلى بحث، مثلا: هل من الضروري للحفاظ على (قيمة المعرفة) -في الفلسفة الواقعية- التمسك بنظرية المطابقة في المحسوسات ؟

أم يكفي أن تكون موجودات العالم الموضوعي منبّهات فقط، ولكنها منبّهات تعطي الأثر نفسه في الشروط ذاتها؟

ومع وجود مطابقة في بعض المحسوسات، فهل من اللازم أن توجد تلك المطابقة في المحسوسات جميعها ؟

وعلى فرض وجود التشابه بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي، في بعض المحسوسات أو في جميعها، فما هو محور هذا التشابه ؟

بعضٌ من أسئلة، وأسئلة أخرى عديدة... لا بد من تنظيم الجهود وتضافرها لمحاولة الإجابة عليها.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) المصدر السابق، ص 92 .

([2]) المصدر السابق، ص 92 .

([3]) وأما قضية لزوم السفسطة في حال القول بمغايرة الصور عند الحس لذوات الصور التي في الخارج، فله مجال آخر خارج هذا المجال.

([4]) السيد محمد باقر الصدر : الأسس المنطقية للاستقراء ، الطبعة الثانية ، دار التعارف ، بيروت، 1397هـ – 1973م، ص 465- 466 .

([5]) المصدر السابق، ص 468 .

([6]) المصدر السابق، ص 468 .

([7]) قد لا يكون اهتمام كتاب الأسس المنطقية منصبّاً على بيان نظرية المطابقة ، وإنما نظره الأول إلى قيام المطابقة على أساس استقرائي ، ولكننا أردنا من إيراد نصوصه لفت الانتباه إلى عدم وجود نظرية واضحة  لدى فلاسفتنا حول واقعية المحسوسات .

وقد بحث الشهيد الصدر هذا الأمر مفصلا في كتاب (فلسفتنا) ، ولكنه قال هناك بالاتحاد الماهوي كما بيّناه وأوردنا عليه بعض المناقشات .

115%