رسالة النجف

الرؤية الحوزويَّة في أطروحة التجديد

.

بسم الله الرحمن الرحيم.. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الحديث عن التجديد يتم في نقطتين:

النقطة الأولى: في بيان مواقع التجديد.

النقطة الثانية: في بيان البراهين التي سيقت وأقيمت على ضرورة التجديد.

النقطة الأولى: في بيان مواقع التجديد.

التجديد له مواقع ثلاثة: 

التجديد في نفس الحكم.

التجديد في طرق الحكم.

التجديد في صياغة الحكم.

فالموقع الأول: هو التجديد في نفس الحكم:

وأطروحة التجديد في نفس الحكم طرحها كثيرٌ من الأقلام المعاصرة, سواءً منها الأقلام المحسوبة على الفكر العلماني أم الأقلام المحسوبة على الفكر الإسلامي, والكلام هو في ما هو المقصود من التجديد في نفس الحكم.

نقول: إن أصحاب هذه الأطروحة يقسمون المفاهيم الدينية إلى قسمين:

أ ـ معتقدات ب ـ  قوانين.

فالمعتقدات: وهي مجموعة من المفاهيم التي يدين ويعتقد بها الإنسان المسلم (كالتوحيد والنبوة والمعاد) وهذه لا بحث فيها, وليست داخلة ضمن أطروحة قسم التجديد.

والقوانين: هي عبارة عن الأحكام التشريعية التي جاء بها النبي المرسل(صلى الله عليه وآله) وهذه القوانين أيضاً تنقسم إلى قسمين: قوانين تعبدية, وقوانين معللة.

القوانين التعبدية: وهي القوانين التي لم يتوصل الذهن لاستكشاف مناطها أو استكشاف علتها, ولنفترض كثيراً من أحكام العبادات من هذا القبيل (وجوب الصلاة, تحديد أعداد الصلوات, وجوب الصيام) هذه أحكامٌ غيبية, أحكامٌ تعبدية لم يصل العقل إلى استكشاف مناطاتها أو عللها بشكل واضح, وهذه أيضاً لم تدخل ضمن التجديد.

ب ـ وأما القوانين المعللة: وهي القوانين التي استكشف العقل مناطها أو علتها: إما من خلال قرينة لفظية كقوله تعالى:{... فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى... }([2]) وكذا في قوله تعالى في حرمة الربا وهو  {... وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ...}([3]) فقد علل حرمة الربا بنفي الظلم وهذا حكمٌ معلل, وكذا في قوله تعالى في حجية خبر الثقة كما يذكر علماء الأصول وهو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([4]).

فعندنا قسمٌ من القوانين معللة, فإما أن يكتشف الذهن علتها من خلال القرائن اللفظية, وإما أن يكتشف الذهن علتها من خلال المرتكزات ومن خلال  القرائن السياقية والحالية مثلاً: ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان) قال بعض الفقهاء: لا موضوعية للبينات ولا موضوعية للأيمان ونحن نفهم بمقتضى المرتكزات العرفية أن استخدام البينات والأيمان إنما هي طرقٌ لرفع الخصومة والمنازعة؛ وبالتالي فمثلُ هذا الحديث يشمل كل طريقٍ عقلائي رافع للخصومة ومستوجب لحل المنازعة وإن لم ينص عليه النبي (صلى الله عليه وآله).

النتيجة: إن التجديد في الحكم يقصد به التجديد في هذا القسم من الأحكام, ألا وهو الأحكام المعللة التي استكشفنا علتها من خلال قرائن لفظية أو من خلال قرائن سياقية أو من خلال قرائن إرتكازية. هذه المساحة هي مساحة التجديد وهي الأحكام المعللة. وهذه الأمثلة التي أذكرها لا يعني أنني أتبناها بل أذكرها من باب المثال وسيأتي مناقشتها.

فالتجديد بثلاثة أنواع: إما بالحذف أو بالتضييق أو بالتوسعة.

1 ـ النوع الأول: وهو التجديد بالحذف: مثلاً؛ ما يصر عليه الكثير من العلمانيين من أن جعل القرآن الكريم شهادة المرأة نصف شهادة الرجل  يقولون إن هذا الحكم معلل, وتعليله بمعرضية شهادة المرأة للضلالة فالمرأة في معرضية الضلال ﴿... فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى...}([5]) بما أن هذا الحكم معللٌ بمعرضية الضلال, فلو فرضنا في زماننا هذا أن هذه العلة انتفت, حيث أصبحت المرأة نتيجة تنورها ونتيجة ثقافتها ونتيجة تقدمها في موقعها السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أصبح احتمال الضلال في المرأة كاحتمال الضلال في الرجل تماماً, أي أصبحت معرضية المرأة  للضلال كمعرضية الرجل للضلال, فحينئذٍ أي موجب لجعل شهادتها نصف شهادة الرجل مع أن الرجل والمرأة تساويا من حيث العلة وتساويا من حيث الملاك؟, هذا هو التجديد بالحذف.

2 ـ النوع الثاني: التجديد بالتضييق: مثلاً لنفترض حرمة الربا كما أفتى فقهاء المسلمين إلا ما قام النص على استثنائه, نحو ما ورد من (أن لا ربا بين الوالد وولده), (وليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذُ منهم ولا نعطيهم) وأمثال ذلك من المخصصات, يقال: إن ملاك تحريم الربا هو الظلم {... وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ...}([6]) فالعلة والمناط في حرمة الربا أن الربا مستلزمٌ للظلم, فلو فرضنا انتفاء هذا المناط لم يكن الربا مستلزماً للظلم، مثلاً: لم تكن العملة تعيش تضخماً في الأزمنة السابقة والقرون السابقة لذلك كان أخذ الفائدة الربوية للمائة بالمائة وعشرة ظلماً لأن أخذ الفائدة من دون جهد ومن دون بذل طاقة يعدُ أكلاً للمال بالباطل فيكونُ ظلماً, أما في زماننا هذا حيث تعاني العملة تضخماً بمرور الوقت, حينئذٍ إذا أخذ المقرض من المقترض فائدةً يتدارك بها تضخم العملة.

يعني مثلاً أقرضهُ مئة ألف دولار, وأنا أشخص أن مئة ألف دولار لمدة خمس سنوات قادمة سوف تنقص قيمتها الشرائية نتيجة تضخم العملة إلى ما يساوي ألف دولار فأنا من الآن أقول له (أقرضك مائة ألف بمائة وألف وآخذ الفائدة الربوية تداركاً لتضخم العملة أو تداركاً لما يحتملُ من تضخم العملة) فهذا لا يكونُ ظلماً بل محافظة على مالية المال المقترَّض.

إذاً: بما أن المناط في حرمة الربا كون الربا مستلزماً للظلم فلا محالة تنتفي الحرمة عند انتفاء هذا المناط عندما لا يكونُ أخذ الفائدة الربويةِ ظلماً.

3 ـ النوع الثالث: وهو التجديد بالتوسعة: كما مثلنا به حيث ورد عن الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) (إنما أقضي بينكم بالبيناتِ والأيمان) نحنُ لو اقتصرنا على حرفية النص لقلنا بأن الرافع للخصومة إما بينة وإما يمين, وأما إذا استكشفنا ملاك هذا الحكم من خلال المرتكزات العرفية, ومن خلال المرتكزات العقلائية وقلنا: إنما كانت البينة واليمين طريقاً لحسم النزاع ولرفع الخصومة باعتبار أنهما أمارتان عقلائيتان للوصول إلى الواقع, فأيُ أمارةٍ عقلائيةٍ أخرى يمكن أن تحل محل اليمين أو تحل محل البينة؟ مثلاً تشريح جثة القتيل لاكتشاف الجريمة ودراسة بصمات الأصابع لاكتشاف الجريمة, وغير ذلك من الأمارات العقلائية التي تعدُ أمارةً وطريقاً للوصول إلى الواقع حينئذٍ تندرج هذه الأمارات تحت قوله (بالبينات) لأنها مصداقٌ للبينة فإن البينة ما يوجب البيان والوضوح, وضوح الواقع وبيانه.

إذاً: فنحن من خلال مرتكزاتنا العرفية نوسع ضوابط القضاء ونوسع طرق القضاء لما يشمل الطرق العقلائية التي توجب البيان والوضوح من حيث الوصول إلى الواقع, إذاً: هذا هو التجديد في الحكم.

التجديد في الموقع الثاني: وهو التجديد في طريق الحكم:

وهو عبارة عن الأدوات التي يستخدمها الفقيه من أجل تحديد الحكم الشرعي من قبيل علم الأصول وعلم الرجال, فعندما نقول التجديد في طريق الحكم فقصدنا واضح هو التجديد والتطوير في أدوات الاستنباط التي يستخدمها الفقيه من أجل الوصول إلى تحديد الحكم الشرعي.

وهنا أذكر أمثلة لم تطرح سابقاً وهي كأمثلة لتجديد أدوات الاستنباط, وهي محلٌ للبحثِ والنقد, فأقول:

1ـ المثال الأول: التفكيك والتمييز بين الظهور الذاتي والظهور الموضوعي:

فقد ذكر السيد الشهيد الصدر (قده) في أصوله وكذا بعض الأعلام المعاصرين: أن هناك ظهوراً ذاتياً وهناك ظهوراً موضوعياً وأن موضوع الحجية هو الظهور الموضوعي وليس الظهور الذاتي, هذا هو المقدار الذي ذكره السيد الصدر (قده) وحينئذٍ لا بد لنا أن نعقد بحثاً, حول ما هي  المناشئ العقلائية لتحقيق الظهور الموضوعي كي نميز بها الظهور الذاتي من الظهور الموضوعي, فهنا نحتاجُ إلى بحثٍ أصوليٍ يتركز على استقراء المناشئ العقلائية التي تساهم في خلق وفي تحقيق الظهور الموضوعي الذي يكون مناطاً للحجية مقابل الظهور الذاتي الذي لا قيمة له في مجال الحجية.

2 ـ المثال الثاني: تقويم القرائن, فعندما تفتح أي كتاب فقهي ككتاب المستمسك أو التنقيح للسيد الخوئي (قده) أو غير ذلك من الكتب الفقهية, تجد أثناء الكلام يقول (هذا بمقتضى قرينة مناسبة الحكم للموضوع) أو  (هذا بمقتضى قرينة السياق) فهذه الأمور لم تبحث في الأصول بل يواجهها الطالب أثناء مباشرته للكتب وليس لها ذكرٌ في كتب الأصول, فهنا نحتاج إلى بحوث جديدة في هذا الباب, فمثلاً: مناسبة الحكم للموضوع ما هو المرجع في تحديد مناسبة الحكم للموضوع؟, فمناسبة الحكم للموضوع قد تنتزع من مرتكزات متشرعية وقد تنتزع من مرتكزات عقلائية وقد تنتزع من أحكام عقلية بديهية.

يتبع =

ـــــــــــــــــ

([1]) محاضرة ألقاها سماحة السيد منير الخباز بتاريخ 22 / ربيع الأول ـ 1425 هـ في قاعة منتدى جبل عامل الإسلامي/ قم المقدسة.

1.  أستاذ في الحوزة العلمية.

([2]) البقرة: 282.

([3]) البقرة: 279.

([4]) الحجرات: 6.

([5]) البقرة: 282.

([6]) البقرة: 279.

 

.

فبالنتيجة تحديد مجالات مناسبة الحكم للموضوع هذا بحثٌ دلاليٌ لا بد منه.

نأتي مثلاً: إلى القرينة السياقية, فما معنى القرينة السياقية؟, فالسياق عندنا على أقسام: 

1 ـ سياق الجملة: وهو ما يسمى بالسياق الإسنادي.

2 ـ سياق الخطاب.

3 ـ سياق روايات الباب.

إذاً: فالسياق على أقسام حيث قد يكون سياقاً في نفس الجملة, وقد يكون سياقاً للخطاب المشتمل على مطالب متعددة, قد يكون سياقاً لروايات بابٍ معين كباب من أبواب الحج أو باب من أبواب الصلاة وأشباه ذلك, فأي سياقٍ يُعدُ قرينةً نوعيةً ويعتمدُ على أساسه في مجال تحديد الظهور !

فهذا بحثُ دلاليٌ لا بد من بحثه وخوضه في مجال تطوير وتجديد أدوات الاستنباط.

3 ـ المثال الثالث: هو طرق استكشاف الملاك, فنحن نجد أن لدى المذاهب الإسلامية الأخرى باباً باسم " علم مقاصد الأحكام " فهذا العلم ألغاه علماؤنا باعتبار أن الاستحسان والقياس وسد الذرائع والمصالح المرسلة لا حجية لها بنظر المذهب الإمامي, ولكن نجد بين علمائنا من يتحدث عن شيءٍ من هذا القبيل, فمثلاً: نحن عندما نقرأ في كتاب تعارض الأدلة الشرعية للسيد الشهيد (قده) نجد أنه يذكر من مرحجات النصين المتعارضين الترجيح بموافقة الكتاب ثم يتحدث عن ما هو المراد من موافقة الكتاب ويذكر أن من المرجحات الموافقة الروحية فما معنى الموافقة الروحية؟, فهؤلاء يقولون علم المقاصد وأنتم تقولون روح الآية أو روح الحكم وأن روح الحكم قوامه بروحه فينتفي بانتفاء روحه, جيد كيف يمكننا أن نحدد روح الحكم؟ كيف نحدد الروح التي بها قوام الحكم؟ كيف نحدد روح القرآن؟ كيف نحدد روح الإسلام؟ وأشباه ذلك من التعبيرات التي نقرأها من دون وضع ميزان دقيق لها يحدد حدودها بشكلٍ جذري وبشكل دقيق.

إذاً: نحن نحتاج ضمن علم الأصول إلى بحث يبيّن لنا الطرق التي من خلالها نستطيع أن نحدد روح الحكم, روح الآية, روح الرواية, روح الإسلام، كما يعبرون، نحتاج إلى بحث يتعلق بتحديث طرق استكشاف الروح وطرق استكشاف الملاك.

4 ـ المثال الرابع: وهو طرق توثيق النص, فمثلاً: من المعلوم أن في علم الأصول مسلكين, أحدهما: يقول إن موضوع الحجية خبر الثقة , والأخر: يقول إن موضوع الحجيّة هو الوثوق.

فمن يقول بالمسلك الأول: فهو في راحة ولا عمل له.

أما من يقول بالمسلك الثاني: وهو أن موضوع الحجية هو الوثوق , فهذا بحاجة إلى عقد بحث, فما هي طرق تحصيل الوثوق؟.

العلوم الأخرى بحثت هذا البحث بشكلٍ مفصل. (فإن طرق توثيق النص) تعني الطرق العقلائية العلمية التي من خلالها نستطيع أن نصل إلى توليد الوثوق بصدور الرواية سواءً كان المخبر ثقة أو لم يكن ثقة, فمثلاً: موافقة الرواية لأصول المذهب هذا من طرق التوثيق, وموافقة الرواية لسياقها التاريخي الذي صدرت منه، هذا من طرق التوثيق, وموافقة لغة الرواية للغة المتكلم, فكل متكلم له لغة، وكل إمام له لغة فموافقة الرواية لغة الراوي، وموافقة نفس الرواية للغة المتكلم والمتحدث هذا الطريق من طرق توثيق النص.

إذاً: عقد بحثٍ يتعلق ويتكفل تحديد طرق توثيق النص بناء على أن مناط الحجية وموضوع الحجية هو الوثوق. هذا بحث أيضا لا بد من بحثه في مجال علم الأصول.

من الأمثلة أيضاً: التي أذكرها هو أننا نرى أن النصوص إذا تعارضت فالأعلام يبحثون في كيفية حل التعارض, إلى الآن لم تقسم النصوص على أساس تاريخي, فمثلاً الإمام الصادق (عليه السلام) عاش خمساً وستين سنة، ونفترض أنه بدأ يتحدث منذ أن أصبح له من العمر عشر سنوات. فهل قسمت النصوص الصادرة عن الإمام الصادق(عليه السلام) على أساس تاريخي؟.

ربما يقول قائلٌ وما الجدوى في ذلك؟.

نقول: أنه يوجد من العلماء من يرى الترجيح بالأحدثية, حيث من جملة مرجحات أبواب التعارض الترجيح بأحدث الروايتين على الرواية الأسبق, فحينئذٍ تقسيم النصوص على أساس تاريخي يكون نافعاً في تحقيق هذا المرجح بناءٍ على قبوله.

ونرى أن كثيراً من النصوص حاكمة على النصوص الأخرى لا بلسانها كما في حكومة دليل على دليل آخر, فهل هي من الشؤون اللسانية؟ بمعنى هل الحكومة من صفات اللسان بأن يكون للسان الرواية حكومة وإلا فلا يكون الدليلُ حاكماً؟ أم لا بل أن الحكومة متقومة بالنظر، بمعنى نظر دليل لدليل آخر وهذا النظر كما يتحقق بقراءة لسان الرواية فإنه يتحقق بقراءة السياق التاريخي أيضاً بين الروايتين.

إذاً: تقسيم النصوص على أساس تاريخي يجدي كثيراً في العديد من البحوث الأصولية خصوصا في مجال تعارض الأدلة.

ومن الأمثلة أيضاً: بحث فلسفة الحقوق، وهو بحث موجود في علم القانون ولكن ليس له ذكر في الحوزة إطلاقاً، مع أنه بحث مفيدٌ جداً لأننا مبتلون بالحقوق المستحدثة, نحو: (حق الطبع, حق النشر, حق البراءة العلمية فهذه الحقوق  أختلف علماؤنا بها فمنهم من لا يراها شرعية لأنها لم تكن معاصرة لزمان المعصوم حتى يستكشف من سكوته عنها إمضاؤه لها كما ذهب السيد الخوئي (قده) وجملة من تلامذته, وقسم يحاول أن يدخل هذه الحقوق تحت نكتة الحيازة حيث إن المرتكز العقلائي قام على مُمَلِّكيَّة الحيازة. وقسمٌ يحاول أن يدخل هذه الحقوق تحت حق الاختصاص المبني على بذل الجهد والطاقة في حيازة مكان معين أو الاختصاص بمكان معين, فطريق فلسفة الحقوق عندما يفتح بابه تستكشف النكات العقلائية التي على أساسها تبلورت هذه الحقوق؛ فهذه الحقوق ترجع إلى جذور عقلائية ممتدة إلى أزمنة وقرون سابقة, فبحثُ فلسفة الحقوق يسلط الضوء والنظر إلى معرفة الجذور والامتدادات لهذه الحقوق التي من خلالها يمكن إرجاع بعض الحقوق إلى البعض الأخر, وإدخال بعض الحقوق في البعض الأخر، والوصول إلى حلول شرعية في الكثير من الحقوق المستحدثة, إذاً: ما ذكرته كان بعض الأمثلة التي قد تثار على مستوى البحث والنقد والنظر لتجديد أدوات الاستنباط ولتطوير أدوات الاستنباط.

الموقع الثالث: من مواقع التجديد هو التجديد في صياغة الحكم:

وبعد الفراغ عن التجديد في نفس الحكم أو التجديد في طريق الحكم نصل إلى التجديد في صياغة الحكم وهنا أمامنا مجالان:

الأول: هو مجال الكتب والمقررات الحوزوية.

والثاني:  هو مجال الرسائل العملية.

1 ـ فالأول: وهو التجديد في مجالات الحوزة أمرٌ معروفٌ ومطلوب عند الكثيرين, فكتابة المقررات الحوزوية أمر مطلوب بما ينسجم مع أساليب التربية العلمية, بحيث تكتب المقررات الحوزوية بنحوٍ يساهم في تأجيج روح البحث العلمي, وبنحوٍ يساهم في تربية الطالب وتنميته بأقل زمن وأسرع وقت دون أن تتنافى مع الكتب القديمة, بل الصياغة تختلف, والمطلوب كتابة الصياغة التي تحافظ على دقة المطلب وعمقه وتركيزه, وبالإمكان تأسيس لجان من الفضلاء لصياغة هذه الكتب بنحو ينسجم مع تأجيج الروح العلمية وتحافظ على دقتها وعمقها وتركيزها.

2 ـ وأما الثاني: وهو مجال الرسائل العملية, فالسيد الشهيد(قده) في مقدمة الفتاوى الواضحة أشار إلى هذه الضرورة وإلى هذه الحاجة المعاصرة والتي تستدعي صياغة الرسائل العملية بأسلوب يستفيد منه كل من أراد الوصول إلى الحكم الشرعي, وهنا أقول شيئاً آخر غير ذلك وهو: إن لغة الرسائل العملية تحتاج إلى أن تكون منسجمةً مع الواقع المعاصر لحاجة الإنسان, فمثلاً: من المعلوم أن الرسائل العملية الموجودة الآن كتبت بالتبويب المعروف " باب الصلاة, باب الصوم, باب الزكاة, وباب الخمس, إلى آخره من أبواب العبادات والمعاملات " هذه الكتابة وهذا التبويب يتطابق مع الكتب الحديثية ككتاب الوسائل والكافي وما شابه ذلك. فنحن نحافظ على هذا التبويب باعتبار أنه امتداد لكتابة المقررات الحديثية, ولكننا نحتاج إلى تبويب آخر, نحتاج  إلى رسالة عملية تبوب ضمن:

1 ـ فقه المستشفى فإنه فقه قائمٌ برأسه.

 2 ـ فقه الطفل أيضاً فقهٌ قائمٌ برأسه.

   3 ـ فقه المرأة فقهٌ قائمٌ برأسه.

   4 ـ فقه البنك فقهٌ قائمٌ برأسه.

إذاً: نحن انفتحنا على أبواب وأقسام تحتاج إلى أن يخصص لها مجال في صياغة الرسالة العملية, صحيح قد تتداخل بعض المسائل, نحو مسائل فقه الطفل مع فقه الأسرة, ولكن إذا كان عندنا التصميم على هذه الصياغة سوف تخضع لدراسة دقيقة نتفادى فيها هذا التداخل وهذا التمازج في بعض المسائل أو في بعض الأبواب, فصياغة الرسالة العملية بتبويب ينسجم مع الحاجة المعاصرة  للإنسان المسلم أيضاً. هذا مظهر من مظاهر التجديد في صياغة الحكم.

النقطة الثانية: وهي البراهين التي سيقت عن التجديد:

نحن الآن لا نتكلم عن صياغة الحكم بل نتكلم عن التجديد في نفس الحكم.

وقد برهن على ضرورته ببرهانين:

1 ـ البرهان الأول: وهو برهان فلسفي (كل شيءٍ في الوجود فهو متغير, وأن التغير العرضي كاشفٌ عن التغير الجوهري , وأن جميع هذا الوجود يسيرُ في حركةٍ جوهريةٍ تعيش التغير)

إذاً: فالتغير العرضي كاشفٌ عن التغير الجوهري, والحركة العرضية كاشفة عن الحركة الجوهرية, فإذا كان كلُ شيءٍ خاضعاً لقانون الحركة وخاضعاً لقانون التغير فلماذا يكون الدين ثابتاً وغير متغير؟!, فكون الدين ثابتاً تخصيصٌ في القاعدة العقلية, والقواعد العقلية غيرُ قابلةٍ للتخصيص, وعليه فما معنى أن الدين ثابت والحال أن العقل حاكمٌ بأن كلَّ شيء خاضعٌ لقانون الحركة والتغير؟.

ويجاب على هذا البرهان الفلسفي: بأن هناك فرقاً بين المادي وبين المجرد, فالتغير فرع الحركة والحركة فرع قابلية الشيء لجهة وجدان وجهة فقدان فالحركة فرعُ أن يمتلك الشيء قوةً من جهة وفعليةً من جهةٍ أخرى, وجدانًا من جهة وفقدانًا من جهة أخرى, ومن الواضح كما في الحكمة أن الوجود الذي يمتلك جهتي وجدان وفقدان وجهتي قوة وفعلية هو مادي.

 وأن المجرد هو فعليةٌ محضة لذلك فالمجرد خارجٌ عن قانون التغير موضوعا لا حكماً كي يكون من قبيل التخصيص في الأحكام العقلية, وإنما التغير يكون في الماديات، كما أن هناك فرقًا بين التغير في القانون وبين التغير في الظاهرة, فالقابل للتغير هو الظاهرة وأما القانون الذي يحكم الظاهرة فهو غير قابلٍ للتغير, فمثلاً كما يقال: أن الماء يتغير من ظاهرة التجمد إلى ظاهرة السيلان إلى ظاهرة الغليان إلى ظاهرة البخار, فالماء يتغير من ظاهرة إلى ظاهرة وهذا مسلم به.

أما القانون الذي يحكم هذه الظاهرة المتغيرة فهل هو متغير؟ لا هو غير متغير بل هو ثابت غير قابل للتغير والذي يتغير على مستوى الماديات هو الظواهر، وأما القوانين التي تحكم هذه الظواهر فهي غير قابلة للتغير.

مضافاً إلى المناقشات الجدلية نحو  (كل شيء يتغير) فهل هذه المقولة مما لا يتغير أو مما يتغير؟

فإن كانت مما لا يتغير: فإذاً ليس كل شيء يتغير وهذا خلف, ولم تعد قاعدة كلية.

وإن كانت مما يتغير: فلم تكن قاعدة يصح الاستناد إليها مع قابليتها في حد ذاتها للتغير. وأشباه ذلك من المناقشات.

يتبع =

.

تتمة مقال - الرؤية الحوزوية في طروحة التجديد

2 ـ البرهان الثاني: الذي سيق لإثبات ضرورة التجديد والتغيير في نفس الحكم في قسم الأحكام المعللة: أن الأحكام الشرعية كما هو مسلك العدلية, إنما شرعت لأجل المصالح والمفاسد في متعلقاتها, وبعبارة أخرى إن الأحكام الشرعية إنما شرعت لأجل معالجة حاجات الإنسان, وحاجات الإنسان على قسمين:

1 ـ حاجات ثابتة.    2 ـ وحاجات متغيرة.

ومقتضى انقسام الحاجات إلى حاجات ثابتة وحاجات متغيرة, انقسام القوانين أيضاً إلى قوانين ثابتة وقوانين متغيرة, فالقوانين الثابتة تتكفل معالجة الحاجات الثابتة والقوانين المتغيرة تتكفل معالجة الحاجات المتغيرة.

ويجاب على هذا الدليل: أننا لسنا أمام رفض مبدأ التجديد أو رفض مبدأ التغيير, بل إن التغير له ضابطة فأي حكم تابع لموضوعه تبعية المعلول لعلته التامة كما يقولون, فتغير الحكم منوطٌ بتغير الموضوع, وحينئذٍ فلا بد لنا من دراسة الموضوع بنحوٍ يستكشف منه قابلية الموضوع للتغير أو عدم قابليته وهناك عدة بنود وعدة خطوات من خلالها نستطع أن نكتشف قابلية تغير الموضوع وعدمها.

الخطوة الأولى: دراسة التبرير المذكور في الخطاب هل هو من قبيل الحكمة أو هو من قبيل العلة؟, فمثلا نحن استشهدنا بالآية المباركة {... فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى...}([1]) فهل كلمة {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} حكمة أم علة؟ فإن تغير الحكم بتغير معرضية الضلال إنما يتم لو كانت معرضية الضلال علةً تامةً للحكم.

أما لو كانت حكمة يعني إحدى العلل وإحدى الملاكات فلا يكون الحكم منوطاً بتغير الموضوع.

الخطوة الثانية: دراسة سنخ الحكم وأن الحكم هل هو من قبيل الحكم القانوني أو هو من قبيل الحكم الولايتي, حيث إن الحكم الولايتي قابل للتغير بتغير زمانه وبتغير مكانه وبتغير مناطه, أما الحكم القانوني فهو ممتدٌ في الزمان والمكان فلا بد من دراسة سنخ الحكم, وهل أن سنخ الحكم من قبيل الحكم القانوني أم أنه من قبيل الحكم الولايتي؟.

الخطوة الثالثة: وهي التفكيك بين العنوان الأولي والعنوان الثانوي, فمن الممكن أن يتغير الحكم نتيجة طروء عنوان ثانوي يحدد موضوعه سعةً أو ضيقاً, كما في كلمات بعض الفقهاء المعاصرين, حيث يستدل على الجواز للطبيب أو للمتعلم للطب أن يشَّرح جثة المسلم, فيعتبر أنه لولا فتح هذا الباب لكان المسلمون معتمدين في علم الطب على المجتمعات الأخرى, واعتماد المسلمين على المجتمعات الأخرى في أهم العلوم وأكثرها ضرورة  موجبٌ لوهن المسلمين وإذلالهم, فمن باب العنوان الثانوي وهو لزوم حفظ عزة المسلمين ولزوم استقلالهم واستغنائهم عن المجتمعات الأخرى الكافرة من هذا الباب يجوز تشريح جثة المسلم لاكتشاف بعض المعلومات الطبية التي تساعد على عزة المجتمع الإسلامي. فهذا الفقيه قدَّم عنواناً ثانوياً, حيث العنوان الأولي هو حرمة تشريح جثة المسلم فغيره بالعنوان الثانوي والسر في تغير الموضوع من العنوان الأولي إلى العنوان الثانوي هو طروء العنوان الثانوي.

الخطوة الرابعة: أيضاً من الخطوات التي من خلالها يحدد قابلية الموضوع للتغير وعدمه هو باب التزاحم حيث إن باب التزاحم بين المتساويين وبين الأهم والمهم يحدد موضوع كل من المتزاحمين ونتيجة تقديم الأهم على المهم أو الأسبق على اللاحق أو المقدور بالقدرة العقلية على المقدور بالقدرة الفعلية, كما هي الأبحاث في علم الأصول في المرجحات في باب التزاحم فهذه  المرجحات تساهم في تحديد موضوع الحكم المزاحَم وقابليته للتغير تبعاً لتقديم غيره عليه.

إذاً: نحن لسنا أمام رفض تغير الحكم بشكلٍ مطلق، بل مع تغيّره ولكن ضمن الضوابط العلمية والحوزوية والتي نعبر عنها بعنوان واحد وهو (دراسة موضوع الحكم لتحديد قابليته للتغير وعدمه وتبعا لذلك يتغير الحكم بتغير موضوعه).

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أسئلة حول المحاضرة:

1 ـ نرى أن بعض الأطروحات والكتابات التجديدية من طلاب العلوم الدينية وتحمل مستوى عالياً من الطرح, فما هي الضابطة لأي قراءة تجديدية نراها الآن في ساحتنا خصوصاً في ساحتنا الحوزوية؟.

الجواب: إن الكتابات التجديدية سواء كانت في ضمن الدائرة الحوزوية أو كانت ضمن الدائرة العامة يجب أن تعطى إلى أساتذة وفضلاء الحوزة لتحويلها بما ينسجم مع المناهج العلمية المبنية على الدليل والبرهان القطعي, وأما بقاؤها مجرد إستذواقات أو إستحسانات لا تستند إلى دليل أو برهان فحينئذٍ لا جدوى من ترويجها والتشبث بها دون خضوعها للمقاييس العلمية.

2 ـ السؤال يتمحور حول المقام الثالث وهو مقام الصياغة وبالشكل الأول الذي تحدثتم به عن موضوع صياغة المقررات الحوزوية بطريقة تؤدي إلى قطف الثمرة المرجوة بلغةٍ تتناسب مع العصر دون التخلي عن المحتوى والمضمون, والسؤال هو ألا يؤدي هذا إلى الانسلاخ عن التراث الفقهي والأصولي لعلمائنا الذي لا يمكن تحصيل وفهم أفكارهم إلا بانسجام الطالب مع عباراتهم وأسلوبهم, فكيف يمكن التنسيق والجمع بين الصياغة العصرية والمحتوى الذي لا يفهم إلا بالتعامل الطويل مع مقررات القدامى من علمائنا رضوان الله تعالى عليهم؟.

الجواب: قيمة التراث ليس بلغته بل قيمته بعمقه ودقته, فليس قيمة فكر المحقق الأصفهاني بلغته بل قيمة فكره في دقته وعمقه ومستواه لا بلغته التي طرحها في نهاية الدارية, وكذلك قيمة الشيخ الأنصاري (قده) بدقته وعمقه لا بلغته في كتاب الرسائل, وحينئذٍ فالذي يريد أن يناقش عبارات الأصفهاني (قده) يحتاج لعدة خطوات ولفترة طويلة ولكي يمكنه ذلك  يلزمه (فترة حتى يفهمه, ثم فترة حتى يجمع كلماته ثم فترة ليمكنه مناقشته) وهذا يحتاج لوقت كبير لصياغة كتبه من قبل أفاضل بأسلوب علمي وحديث وهو أمرٌ لا يؤثر على تراثه وعلمه.

هل المطلوب من طالب العلم فهم المطالب الطويلة الذي يراد منه سلوك طريق التحقيق في مباني طرق الاجتهاد حتى يتحصل من ذلك فقيه على درجة من النضج يطمئن من قدرته في تبيين التكاليف الشرعية للأمة, وفهم مطالب الأعلام حتى يحقق ذلك التجديد في التقريرات العلمية بأسلوب بسيط يساعده على الوصول إلى مراد الأعلام؟, أم أن المطلوب من طالب العلم هو الرقي في الترويض الذهني الذي يساعده في دقة التحقيق إضافةً إلى الوقوف على مقاصد الأعلام, فهل فكرة التجديد والتطوير تحقق ذلك المطلب الذي يرجوه الطالب أم لا؟.

الجواب: نعم إن الطالب يحتاج إلى فهم كلمات الأعلام نحو " الشيخ الأنصاري والنراقي والنائيني وصاحب الكفاية وغيرهم من الأعلام " ولكن إذا خططنا من الآن إلى خمسين سنة مقبلة  للحوزة وأسسنا كياناً لاستقراء " نظريات للمحققين وصياغتها بالأسلوب الأفضل والمتين وعرضها على فضلاء الحوزة لكي يقدموا ملاحظاتهم عليها بالحذف أو بالإضافة أو بالترتيب وغير ذلك " واستطعنا على الأقل لمدة معينة كخمس سنوات أن نكتب مقرراً في الأصول أو مقرراً في الفقه فإن ذلك سيخدم الطالب الذي سوف يأتي بعد عشرين سنة أو أكثر وسيجد أن الطريق أسهل وأيسر له مما نحن عليه الآن, ونفس الشيخ الأنصاري (قده) هل عاش هذه المشكلة التي نعيشها نحن؟ ماذا كان يوجد بين يديه من الكتب ألم يكن بين يديه كتاب المعالم أو كتاب الفصول وهذه واضحة البيان ولا تعقيد فيها, وكذا الحال في الذين عاصروا العلامة الحلي والشيخ المفيد فما هي الكتب الأصولية أو الفقهية التي تلقوها في عصرهم وأصبحوا من خلالها علماء ومجتهدين؟ هل كانوا يعيشون عقدة هذه الكتب كما نعيش فيها الآن؟ انهم لم يكونوا هكذا.

4 ـ ذكر الأستاذ سماحة آية الله السيد كاظم الحائري (دام ظله) أنه ينبغي على المستنبط أخذ وجود الحكومة الإسلامية بعين الاعتبار في طريقة استنباطه وذلك في مجلة فقه أهل البيت في العدد الأخير أليس ذلك من قبيل تطوير طبيعة الحكم في صياغته أو طريقته؟.

الجواب: هذا ليس من كلام السيد الحائري بل هذا الكلام للسيد الشهيد (قده) وهو مبحوث في مقدمته لكتاب فقه الإمام الصادق للشيخ مغنية (رحمهما الله) وتحدث الشهيد الصدر عن الفرق بين الفقه الاجتماعي والفقه الموضوعي. و ذكر هناك بأن الوسط الذي يعيش فيه الفقيه ويكتسب من خلاله المرتكزات, هذا الوسط يؤثر على الفقيه في فهم النصوص ويؤثر على تحديده للحكم الشرعي, فإذا كان الفقيه مثلاُ: في مجتمعٍ إباحي فإنه سوف يتأثرُ في مجال تحديد الحكم الشرعي, وكذا إذا كان الفقيه يعيش في ظل حكومةٍ إسلاميةٍ فإنه من الطبيعي سوف تكون فتاواه المتعلقة بالقضايا العامة أو بالأمور العامة متأثرة بما يحفظ هيبة وعزة الحكومة الإسلامية وهذا من مظاهر الفقه الاجتماعي الذي طرحه السيد الشهيد (قده).

5 ـ إن ظهور بينةٍ جديدة يمكن الاعتماد عليها بوضوح وبيان واضح في بعض الأحوال غير تام في الاعتماد عليها لأن الشارع قد يريد مصلحة أبعد من إثبات الواقع ببينة قاطعة, وهكذا قد عبدنا الشارع بقاعدة " الولد للفراش وللعاهر الحجر" وفي هذه الأيام يمكن من خلال الفحص الطبي المخبري للحمض الريبي(DNA) إثبات أو نفي الولد قطعاً, فقد تكون المصلحة أو المفسدة التي يقصدها الشارع هنا عدم انتشار الفاحشة ولا يرى أن من المصلحة إثبات أو نفي الولد قطعاً فكيف نستطيع أن نجدد مع مثل هذه المشاكل؟.

الجواب: هنا حدث خلط بين أمرين:

1ـ تارةً: يكون عندنا قاعدةً شرعيةً منصوص عليها في تشخيص القضية, كما في هذه القاعدة " الولد للفراش وللعاهر الحجر" لما يوجد من نصوص وروايات فنسير عليها.

2ـ وتارة: لا يكون عندنا نص كما في باب القضاء في بحوث العروة الوثقى للسيد الصدر في طرق إثبات النجاسة وقوله: " أن قوله (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان) نحن إنما ندخل الأمارات العقلائية تحت هذا الحديث إما للتوسعة في عنوان البينة, حيث إن عنوان البينة المراد به عرفاً ما يوجب البيان والوضوح فيشمل هذه الأمارات والطرق العقلائية, وإما لأن المرتكزات العرفية ترى أن مناسبة الحكم للموضوع هنا تقتضي أن مناط حل الخصومة (كل ما يوجب كشف الواقع) سواء كان من البينة الشرعية أو من الطرق العقلائية, فهذا بحث فقهي مذكور في محله فلو أن الشارع الشريف ذكر لنا قاعدة تردعُ عن ذلك فهو, أما إذا لم يذكر لنا قاعدة رادعة أو مقيدة فلا مانع من ذلك.

6 ـ ألا ترون في الهيكلية الإدارية التي تحكم النظام الحوزوي دخالة كبيرة في التجديد على محاوره الثلاثة ولماذا تتغاضى عن هذه الأمور والمشاكل الإدارية التي تحكم الفكر الحوزوي؟.

الجواب: إن وجود إدارة  في الحوزة  واعية لقضايا الحوزة وهمومها ومشاكلها أمرٌ كيانيٌ وجيدٌ, ولكن هذا لا يعني أن يكون غياب الإدارة عائقاً أمام الوصول إلى التجديد, فالحوزة سابقاً لم تكن تخضع لإدارة ومع ذلك أنتجت مقررات جديدة كأصول المظفر ومنطقه وأصول الفقه المقارن وحلقات السيد الشهيد وأمثال ذلك مع عدم وجود إدارة ومع ذلك ساهم العلماء في صنع مقررات جديدة ومفيدة للحوزة.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــ

([1]) البقرة: 282.

115%