رسالة النجف

حكم الصوم في السفر

.

حكم الصوم في السفر

الشيخ حاتم اسماعيل1

إن مسألة جواز الإفطار أو وجوبه في السفر, من المسائل الهامة, التي وقع الخلاف فيها بين المسلمين, فقد أجمع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على وجوب الإفطار, وعدم جواز الصيام, وتبعهم على ذلك كافة شيعتهم بلا خلاف بينهم.

وأما مدرسة أهل السنة فقد اختلف أتباعها بين قائل بوجوب الإفطار, كما يقول به شيعة أهل البيت, وبين مخالف لهم, قائل بجواز كل من الإفطار والصيام.

وقد استدل كلا الفريقين لمذهبه بالقرآن الكريم, والسنة النبوية الشريفة:

أما من القرآن الكريم, فقد قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(2).

فقد ذهب أكثر علماء أهل السنة إلى أن الآيات الشريفة تدل على جواز الصيام في السفر, وعلى جواز الإفطار, والتزم كافة الشيعة تبعا لأئمة الهدى (عليهم السلام) إلى وجوب الإفطار في حالتي المرض والسفر.

وأبرز القائلون بالرخصة عدة قرائن للاستدلال على مذهبهم, بعضها من الآيات, وبعضها من الحديث الشريف, وهي قرائن لا تدل على مدعاهم, بل هي على خلافه أدل, كما سيظهر, فنقول:

لا إشكال ولا خلاف بين أحد من المسلمين أن الآيات الشريفة قد نزلت لتشريع فريضة الصوم في شهر رمضان المبارك, فإن مقتضى قوله تعالى {كتب عليكم} هو الوجوب, لأن الكتابة يكنى بها عن الفرض والجزم, والقضاء الحتم, كما في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس}([2]).

 وقوله تعالى: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}([3]).

وهذا يقتضي أن يكون قوله تعالى {فعدة} تشريعا لحكم المريض والمسافر والشيخ الذي يطيق الصوم, والاطاقة هي القدرة مع بالغ الجهد والمشقة, وما دام في مقام التشريع فإن مقابلته بأصل إيجاب الصوم تعني إيجاب الإفطار لهؤلاء, ذلك أنها (أي فعدة) قرئت بالرفع وبالنصب, فبناء على قراءة الرفع يكون معناها (فعليه عدة), وأما على قراءة النصب يكون المعنى (فليصم عدة), وظاهر أن كلا الصيغتين تدلان على وجوب الإفطار , وهذا ما فهمه كل من الفخر الرازي والطبري في تفسيريهما.

وقال مجوّزو الصيام والإفطار أن في الكلام تقديرا, فمعنى الآية على ذلك (فمن كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعدة ...) وهذه الصيغة لا تدل على أكثر من الجواز.

ومن الواضح أن التقدير خلاف الأصل, كما صرح به علماء العربية, لا يصار إليه إلا مع وجود قرينة تدل عليه, ولا قرينة في المقام.

والظاهر أن الفخر الرازي التفت إلى هذا الإشكال, فراح يبرر جواز الإضمار في القرآن الكريم ويستدل له, مع أنه لا خلاف فيه إن وجدت القرينة الدالة عليه, وإنما الكلام مع عدم القرينة, فليلاحظ.

ولو سلمت دلالتها على الرخصة, فهي الرخصة بالمعنى الأعم, أي ما يشمل الوجوب والاستحباب والإباحة, أي أن الإفطار لا يقع معصية, مع الغض عن كونه جائزا أو واجبا, ولهذا استند الفخر الرازي في جواز الصيام, بعد تسليمه دلالة هذه الآية المباركة على وجوب الإفطار, إلى الآية الثانية, حيث قال: (فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} ([4])).

ويمكن أن يستدل للجواز بآية قصر الصلاة, وهي قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ}([5]) .

بدعوى أن عدم الجناح يعني عدم التبعة والإثم, وهي ملازمة للجواز لا للوجوب, ولا إشكال في التلازم بين قصر الصلاة وبين حال السفر في الحكم.

ولكنه كسابقه, يراد به الجواز بالمعنى الأعم, أي عدم الحرمة, أما أن هذا الجواز هل هو على نحو الوجوب أو الإباحة فلا تدل الصيغة المذكورة عليه, بدليل ورودها في القرآن الكريم في مورد الوجوب, وهو قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}([6]), ولم يدع أحد من المسلمين عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج.

ومن جملة القرائن التي ذكروا أنها تدل على أن الإفطار من باب الرخصة لا العزيمة, قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}, حيث زعموا أنها قيد للمريض والمسافر والشيخ وغيرهم من ذوي الأعذار, فيكون المعنى في الآية الشريفة أن المريض والمسافر والشيخ إن امكنهم الصوم مع الجهد والمشقة وأفطروا فعليهم الفدية.

بل ذهب بعضهم إلى أنها بينت حكم الصوم في أول الإسلام, وهو أن الذين يطيقون الصوم كانوا مخيرين بين الصيام وبين الإفطار والفدية.

وعلى هذا فالآية بينت قسمين من أحكام المريض والمسافر, أحدهما أن من لا يطيق الصوم فليس عليه سوى القضاء إن أفطر, والآخر وهم الذين يطيقونه إن أفطروا فعليهم الفدية.

وقال آخرون أنها أوجبت الفدية على الذين يطيقون الصوم من جميع الأصناف, أعني المريض والمسافر والمقيم, بدعوى أن المسلمين لم يكونوا متعودين على الصوم في بداية الأمر, ثم نسخت بالآية التالية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}, حيث أطلقت وجوب الصوم على مطلق المقيم, وأبقت الحكم كما هو بالنسبة للشيخ الهرم.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.  باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية .

([1]) سورة البقرة: الآيات 183-185 .

([2]) سورة المائدة: آية45 .

([3]) سورة المجادلة: آية21 .

([4]) التفسير الكبير ج5 ص77 .

([5]) سورة النساء: آية 101 .

([6]) سورة البقرة: آية158.

.

تتمة مقال = حكم الصوم في السفر

قال ابن كثير في تفسيره, تعليقا على قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو على سفر..}, وأنها كانت في ابتداء الإسلام, قال: (إن المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر, لما في ذلك من المشقة عليهما, بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر, وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيرا بين الصيام وبين الاطعام, إن شاء صام, وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا), ثم نسختها آية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه},( فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام).

وهذا في الحقيقة من غريب الكلام وعجيبه, فإن النسخ على فرضه لا بد وأن يكون بين آيتين أو آيات نزلت في مناسبتين مختلفتين, وزمانين مختلفين, لحكمة معينة, بخلاف المقام فإن سياق الآيات يكشف عن نزولها دفعة واحدة, وأنها آبية عن قبول دعوى النسخ هذه, فإن قوله تعالى {شهر رمضان} مرتبط بالآيتين السابقتين, لأنه إما بدل من الصيام في الآية الأولى, بناء على قراءة الرفع, أو بدل من {أياما معدودات} في الآية الثانية, بناء على قراءة النصب, والآية الثانية ظاهرة الاتصال بالآية الأولى, إذ هي تبدأ بقوله تعالى {أياما} المنصوب على الظرفية من الفعل كتب, وعليه فليس النسخ المزعوم سوى إخراج للقرآن الكريم عن الحكمة والواقعية, تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

والظاهر أن الذي ألجأهم إلى هذا الزعم هو محاولة الجمع بين دلالة الآيات الظاهرة في الوجوب, وهو ما فهمه الطبري والفخر الرازي, كما أشرنا إليه, وبين ما ذهب إليه أكثر فقهاء اهل السنة. مع أن قول الفقهاء ينبغي أن يستند إلى القرآن نفسه, وما خالفه لا قيمة له, بل يجب أن يطرح كما لا يخفى.

ثم ما معنى النسخ في حكم المريض والمسافر وعدمه في الشيخ, والجميع واقع في نفس السياق, فقد روى ابن كثير في تفسيره عددا من الروايات عن الصحابة عدم نسخها.

مع أن التزامهم بوجوب الإفطار في الآية الأولى يقتضي وجوبه في الثانية لاستعمال نفس الألفاظ في الآيتين, فإما أن يلتزموا بالرخصة في كليهما, أو بالوجوب كذلك, كما هو ظاهر الآيات.

وأما استظهار الوجوب من إحداهما, والرخصة من الأخرى, من دون نصب قرينة عليهما فهو تحكم صريح, ولا معنى له إلا التلاعب بالقرآن الكريم.

ومن القرائن المدعاة قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم}, حيث دلت على أن الصيام أفضل من الإفطار, وإن كان الإفطار جائزا لهم.

وهذا موقوف على أن يكون المراد بالخطاب خصوص المعذورين, أي المريض والمسافر والشيخ الكبير, وهو غير ظاهر من الآية الشريفة.

بيان ذلك: أن في الآية الشريفة وجوها ثلاثة: أحدها: أن تكون خطابا مع الذين يطيقونه فقط,وهو ما قاله النسفي في تفسير الآية([7]).

فعلى هذا يكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون خير لكم من الفدية.

الثاني: أن تكون خطابا مع جميع ذوي الأعذار الذين تقدم ذكرهم, أي المريض والمسافر والذين يطيقونه. وعليه يكون التقدير: إن الصوم خير لكم من الإفطار وإن كان جائزا أيها المعذورون.

الثالث: أن تكون خطابا مع جميع المكلفين الذين توجه إليهم خطاب التكليف بالصوم, وتكون عطفا على أول الآية. وعليه يكون التقدير:كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم. وهذا الوجه ذكره الفخر الرازي دون تعليق عليه.

لقد اعتبر الرازي القول الثاني هو الصحيح, قال ما لفظه: (وهذا –أي القول الثاني – أولى لأن اللفظ عام, ولا يلزم من اتصاله بقوله (وعلى الذين يطيقونه) أن يكون حكمه مختصا بهم, لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل, فوجب الحكم بذلك([8]). ومثله قال في تفسير الخازن([9]).

ويشترك في هذه العلة الوجه الثاني والوجه الثالث, بل إن حملها على الثالث أولى كما هو ظاهر, لأن جميع المكلفين بالصيام أعم وأشمل من الثلاثة المذكورة, فيتعين حملها عليهم للعلة نفسها.

يضاف إلى ذلك أن إرادة المعذورين منها موقوف على دلالة الآية على الترخيص في الإفطار والصيام أولا, وتبين عدم دلالتها عليه, بل هي دالة على وجوب الإفطار, وموقوف على ذكر طرفي التخيير قبلها ثانيا, ليكون قوله {وأن تصوموا خير لكم} بيانا لترجيح طرف الصوم على الإفطار, وهو ما لم يذكر فعلا, فلا مجال لاستفادة هذا الترجيح.

هذا مع أن مناسبة الخطاب تقتضي تعين الاحتمال الثالث, لتناسب الضمائر فيهما, بخلاف الثاني, فإن الضمائر بناء عليه متخالفة, إذ ضمائر {فمن كان منكم مريضا الخ..} ضمائر الغيبة, بخلاف الضمائر في قوله {وأن تصوموا} وقوله {كتب عليكم} فإنها ضمائر المخاطب, وهذا ظاهر, ولا تصح دعوى الإلتفات في المقام, لورود كلا النوعين من الضمائر في نفس الآية.

ولعل الذي ألجأ الرازي وغيره إلى ترجيح الاحتمال الثاني هو ما ذكره في ذيل الفقرة المذكورة من كلامه المتقدم (وعند هذا يتبين أنه لا بد من الاضمار في قوله (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر.

ولكنه قد تقدم أنه لا سبيل إلى هذا الإضمار, لأنه خلاف الأصل ولا قرينة عليه. والقول بأن هذه الفقرة بنفسها قرينة, تمسك بمحل النزاع كما لا يخفى, خصوصا مع صحة حملها على الاحتمال الثالث.

وقد يقال أن قوله تعالى (فمن تطوّع خيرا فهو خير له) هي القرينة, لارتباطها بها مباشرة, بدعوى أنها تحدثت عن التطوع, وهو عبارة عن الاستحباب والندب, فيكون المعنى أن من تطوع بدفع زيادة عن طعام مسكين فهو أفضل, سواء قلنا أنه خاص بالشيخ الهرم وشبهه, أم قلنا بأنها شاملة لذوي الأعذار جميعا.

ولكنه احتمال ساقط أيضا, لأن التطوّع تفعّل من الطوع, وهو الإتيان بالفعل عن رضا وقبول, ومعنى باب التفعل الأخذ والقبول, فمعنى التطوع إتيان الفعل عن رغبة ورضا, وهو أعم من الفعل الإلزامي وغيره, وليس فيها دلالة على معنى الندب بالخصوص, كما يفترضه الاحتمال المذكور, وغلبة استعماله في الندب متأخرة عن نزول القرآن, من جهة أن الفعل الذي يؤتى به عن رغبة وطوع هو المندوب بحسب العادة, وأما الواجب ففيه شوب كره لمكان الالزام فيه([10]).

 فمعنى الآية –والله أعلم- أن الصوم كتب عليكم وفيه خير لكم, بل كله خير, فاتوا به عن طوع ورغبة, ولا تأتوا به مكرهين, فلا تشكل الفقرة المذكورة قرينة على المدعى, لعدم كون التطوع بمعنى زيادة الاطعام عن مسكين كما فسروه.

كما أنه ليس لها ارتباط بقوله تعالى {وأن تصوموا خير لكم}, بل إن إحداهما متممة للأخرى في بيان كتابة الصوم عليهم, وليس استعمال كلمة (خير) في المقام للدلالة على التفضيل, وإنما هي مستعملة بمعنى اسم الجنس, فالمعنى المتحصل: كتب عليكم الصيام وكله خير لكم فصوموا طوعا بلا كراهية.

ومما يدل على ذلك, قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }([11]) حيث وقع التطوع في سياق الوجوب.

يتبع =

،ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2.  باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية .

([1]) سورة البقرة: الآيات 183-185 .

([2]) سورة المائدة: آية45 .

([3]) سورة المجادلة: آية21 .

([4]) التفسير الكبير ج5 ص77 .

([5]) سورة النساء: آية 101 .

([6]) سورة البقرة: آية158.

([7]) تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن ج1 ص110.

([8]) التفسير الكبير ج5 ص82 .

([9]) ج1 ص110.

([10]) تفسير الميزان ج2 ص13.

([11]) سورة البقرة: آية 158.

.

تتمة مقال = حكم الصوم في السفر

وهكذا يظهر أن الآيات الشريفة تدل على وجوب الإفطار في السفر, كما هو مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام), وعليه بعض الصحابة والتابعين.

وأما الاستدلال على حكم الصوم في السفر بالسنة:

فالأخبار الدالة على وجوب الإفطار متواترة من طريق أهل البيت (عليهم السلام), لا تحتاج إلى بيان متونها, ولأن اجماع الشيعة قائم عليه, بلا مخالف.

وأما من طرق أهل السنة: فقد ورد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (ليس من البر الصيام في السفر), وعن كعب بن عاصم الأشعري مثله, وصححه الحاكم.

وعن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر).

وعنه: (الإفطار في السفر عزمة).

وعن محرز بن أبي هريرة أنه كان في سفر فصام رمضان, فلما رجع أمره أبو هريرة أن يقضيه. وليس ذلك إلا لأن الصيام وقع باطلا.

ومثله فعل عمر بن الخطاب, فقد ورد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أن عمر أمر رجلا صام رمضان في السفر أن يعيد.

وقال ابن عمر: (الإفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده), وليس معنى ذلك التخيير بينه وبين الصيام, كما ربما يبدو, فإن ابن عمر نفسه قد فسره عندما سئل عن الصوم في السفر, فقال: (لو تصدقت بصدقة فردت ألم تكن تغضب, إنما هو صدقة صدقها الله عليكم).

ويشهد لصحة فهم ابن عمر هذا ما أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك عن رجل من كعب قال: (أغارت علينا خيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله), فانتهيت إليه وهو يأكل, فقال اجلس فأصب من طعامنا هذا. فقلت يا رسول الله إني صائم. قال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصوم: إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر ووضع الصوم عن المسافر والمريض والحامل).

وعن أنس بن مالك القشبيري أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع).

وعن عائشة قالت: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها).

وقال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصيام في السفر, فقال ابن عمر إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة).

وعن أبي الدرداء ووائلة بن الأسقع وأبي أمامة وأنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه).

وهذه الأحاديث قرينة على عدم التخيير بين الصوم والإفطار, وأن كلام ابن عمر عندما سئل عن الصوم في السفر قال (رخصة نزلت من السماء, فإن شئتم فردوها) غير ناظر إلى الجواز, إذ كيف يجتمع الجواز مع تحمل الإثم ما تحمله جبال عرفة.

إلا أنه توجد روايات أخرى من طرق أهل السنة, يظهر منها جواز كل من الإفطار والصيام, فلا بد من ملاحظة ما إذا كانت معارضة لما تقدم, وما إذا أمكن الجمع بينها على فرض ثبوت التعارض فعلا, وإن لم يمكن الجمع فهل الحكم هو التساقط, كما تقتضيه قواعد التعارض المستحكم, والرجوع بالتالي إلى الآيات القرآنية, أم أنه يؤخذ بالروايات الموافقة للقرآن وتطرح المخالفة له, لعدم اعتبارها في نفسها. وعلى كلا التقديرين فالنتيجة واحد, وهي وجوب الإفطار.

ينبغي أولا استعراض عدد من هذه الروايات:

ويمكن تقسيمها إلى طائفتين: الأولى: ما دل على جواز الإفطار والصيام في السفر بنحو مطلق:

منها: ما روته عائشة قالت: (كل ذلك قد فعل النبي (صلى الله عليه وآله), قد صام وأفطر, وأتم وقصر في السفر).

ومنها: ما ورد عن سعيد بن المسيّب وعامر (أنهما اتفقا أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا يسافرون في رمضان فيصوم الصائم ويفطر المفطر, فلا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.

ومنها: ما عن أنس بن مالك قال: (سافرنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا, فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم).

ومنها: ما عن البختري قال: (كان ابن عباس يقول من شاء صام ومن شاء أفطر).

ومن الظاهر أن هذه الطائفة لا تنهض لمعارضة الروايات الدالة على وجوب الإفطار في السفر, لأنها غير ظاهرة الدلالة على جواز الصيام, إذ من المحتمل قويا أن تكون ناظرة إلى تكليف كل فرد منهم, فمن كان مسافرا فعليه الإفطار, ومن لم يكن مسافرا فعليه الصيام, وذلك لأن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا جميعهم من منطقة واحدة, فيتعدد الحكم بتعدد حالاتهم.

هذا مضافا إلى أنها واردة لبيان حال الصحابة, وأنهم لم يعيبوا على بعضهم بعضا, دون أن تبين ما اذا كان ذلك ناشئا عن مرض أو تلبس بحال السفر فعلا للجميع أم لم يكن.

كما أن عمل الصحابة كثيرا ما كان ينشأ من نظر اجتهادي منهم, دون أن يستند إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله), بقرينة ما رواه خيثمة, قال: (سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر, فقال يصوم, قلت فأين هذه الآية (فعدة من أيام أخر) قال: إنها نزلت يوم نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع, واليوم نرتحل شباعا وننزل على شبع([12])).

وهي صريحة في أن أنسا قد اجتهد برأيه, لم ينقل كلامه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولا يخفى ما فيها من دلالة على ارتكاز معنى الآية وعدم جواز الصوم في ذهن السائل, ولذلك استشكل في كلام أنس, وأنه مخالف دلالتها, فجاء جوابه تبريريا.

ومن المحتمل أن يكون منشأ هذه الاجتهادات عدم اتفاقهم على تحديد مسافة السفر المعتبرة في الافطار, وهو ما يظهره عدم اتفاق فقهائهم على تحديدها, بعد اتفاقهم على أصل المعنى اللغوي للسفر, وهو الكشف, فهو يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم, قال الأزهري: وسمي المسافر مسافرا لكشف قناع السكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء([13]).

فقد ذهب داود الظاهري إلى أن الرخصة حاصلة في كل سفر ولو كان فرسخا, متمسكا بأن الحكم فيه معلق على كونه مسافرا.

وقدره الشافعي بستة عشر فرسخا ولا يحسب فيه مسافة الإياب, وتمسك له بما رواه الشافعي نفسه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان, ويقول أهل اللغة أن كل بريد أربعة فراسخ فيكون المجموع ستة عشر فرسخا.

وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري إلى أنه لا يشرع الإفطار إلا إذا سافر أربعة وعشرين فرسخا, تمسكا بما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: (يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن), فالمسافر يمسح ثلاثة أيام ولا يكون كذلك حتى تقدر مسافة السفر ثلاثة أيام.

وقال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم, معللا ذلك بأن أقل من هذا القدر قد يتفق للمقيم([14]).

فقد يكون فعل هؤلاء الصحابة, لو سلم عدم تحقق المرض عند بعضهم وعدم السفر عند بعض آخر, أن يكون اختلاف حالهم في الإفطار والصيام ناشئا من اختلافهم في تقدير المسافة.

وعليه تحمل الرواية الواردة من طريق عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد صام وأفطر, وأتم وقصر في السفر, حيث لم يظهر منها تقدير معين للمسافة المعتبرة, فيكون ذلك من باب الاشتباه في تطبيق المفهوم على مصداقه, فظنت أن الرحلة التي أتم فيها وصام كانت سفرا شرعيا, مع أنها لم تكن كذلك في الواقع.

ولا يبعد أن يكون قد أتم وصام في رحلة, وقصر وأفطر في أخرى, إذ لم تبين أن كل ذلك كان في رحلة واحدة أو أكثر, كما لم تبين مقصده (صلى الله عليه وآله) في ذلك السفر, وهل قطع المسافة المعتبرة أم لم يقطعها, فتكون الرواية مجملة من هذه الجهة, ولا تنهض للدلالة على المدعى.

الطائفة الثانية: ما ينسب كلا الحكمين صراحة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله):

منها: ما روته عائشة (أن حمزة الأسلمي سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصوم في السفر, فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر).

ومنها: ما أخرجه الدارقطني عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: (يا رسول الله إني أجد قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هي رخصة من الله تعالى, من أخذ بها محسن, وإن أحب أن يصوم فلا جناح عليه).

ومنها: ما رواه عبد بن حميد عن أبي عياض, قال: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) مسافرا في رمضان, فنودي في الناس: من شاء صام ومن شاء أفطر. فقيل لأبي عياض: كيف فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: صام وكان أحقهم بذلك).

وهذه الطائفة غير صالحة لمعارضة روايات وجوب الإفطار هي الأخرى, وذلك:

1-أما رواية أبي عياض – واسمه زيد بن عياض - فهي ضعيفة السند من جهتين:الأولى أنها مرسلة, فلم يبين أبو عياض عمن نقلها, فهو لم يكن من الصحابة. الثانية: أنه ضعيف في نفسه([15]) فلا يمكن الاعتماد على رواياته.

2-وأما روايتا عائشة وحمزة الأسلمي فهما تتحدثان عن حالة خاصة, وليستا في مقام بيان حكم عام, ذلك أن قوله (صلى الله عليه وآله) لحمزة الأسلمي  (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر), بحسب نص عائشة ناظرة –والله العالم – إلى أن حمزة نفسه لم يكن مكلفا بالصيام ولا بالإفطار حينها, إذ الحديث فيها خارج عن الجعل التشريعي العام.

فقد قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته أنه مات سنة إحدى وتسعين, ونسبه الى ابن سعد وغيره, وهو ابن احدى وسبعين, وقيل بلغ الثمانين([16]), ومن الظاهر أنه على ذلك لا يكون من الصحابة, لأنه بناء على أحد القولين يكون قد ولد سنة وفاة النبي (صلى الله عليه وآله), وعلى الاحتمال الآخر تكون ولادته بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بعشر سنوات.

ولعله لهذا السبب لم يترجمه في كتاب الإصابة, وعليه فتكون كلا الروايتين ساقطتين عن الاعتبار.

ولكن المذكور في طبقات ابن سعد المطبوع, أنه مات سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن احدى وسبعين سنة, وقد روى عن أبي بكر وعمر([17]), وعلى هذا يكون عمره حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) عشرين سنة.

إلا أن عدم تعرض ابن سعد لروايته عن النبي (صلى الله عليه وآله), واقتصاره على ذكر روايته عن أبي بكر وعمر, يبعّد احتمال ان يكون من الصحابة ولم يرو عن النبي (صلى الله عليه وآله), وان نقل عن محمد بن عمر أنه كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) في تبوك.

ومهما يكن من أمر فمن المحتمل ان يكون في النسخة المطبوعة من الطبقات تصحيف, أو خطأ من النساخ لتقارب رسم كلمة ستين وسبعين وتسعين قبل الإعجام.

ولو فرض قبول روايته عن رسول الله (صلى الله عليه وآله), فلم يتبين من حال الرواية متى حصل السؤال والجواب عن الحكم, إذ من المحتمل قويا أن يكون قد سأله قبل بلوغه سن التكليف, كما يظهر من جوابه (صلى الله عليه وآله) بحسب رواية عائشة (صم إن شئت وأفطر إن شئت), وسؤال حمزة في رواية الدارقطني الذي صرح فيه (إني أجد قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح).

 ولا يخفى على فرض قبولها أن الحكم بالإفطار هو الأفضل، خلافا لما أفتى به بعضهم, بقرينة التعبير بـ(محسن), وأما مقابله فعبر عنه بعدم الجناح.

وعلى كل حال, فالاضطراب ظاهر في هذه الطائفة من الروايات, فلا يمكن الاعتماد عليها, وبالتالي فلا تصلح لمعارضة الروايات الآمرة بالإفطار في حال السفر, فضلا عن معارضتها للآيات القرآنية المباركة.

فالمتحصل من مجموع ما تقدم: أن القول بالرخصة والتخيير بين الصيام والإفطار مما لا يمكن الالتزام به, ولا العمل به, وأن الحكم الشرعي هو وجوب الإفطار في حال السفر،

والحمد لله رب العالمين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([12]) الدر المنثور ج1 ص346 .

([13]) تفسير الفخر الرازي ج5 ص74 .

([14]) تفسير الرازي ج5 ص74-75 .

([15]) لسان الميزان ج2 ص509 -510 .

([16]) تهذيب التهذيب ج2 ص22.

([17]) الطبقات الكبرى ج4 ص475 .

115%