رسالة النجف

لافتتاحية

 

الافتتاحية

 

حين يلقي المرء نظرة على تاريخ البشرية فإنه سرعان ما يلمح إحدى سماته العامة والواضحة، ألا وهي سمة التطور، وهي سمة غدت شديدة التسارع في عصرنا الحاضر، كما أنها طالت مختلف مناحي الحياة المعاصرة، سواء على مستوى العلوم والمعارف، أم على مستوى التطبيق والتقنيات، أم على مستوى الحياة ووسائل العيش.

غير أن الملاحظ هو أن هذا التطبيق وعلى الرغم من تسارعه وشموله، لم يمسّ قضية تعتبر من أهم القضايا في حياة الإنسان، عنيت بها قضية الحقوق، حيث ظلّت هذه القضية تعيش في عزلة ثانية، حتى ظهرت عصيّة على التطور، هذا إذا لم نقل إنها آخذة في التراجع والتقهقر، وأن الذي تطور هو أسلوب الظلم والتعدّي على الحقوق.

ومما لا شك فيه أن هذه المشكلة إنما هي من صنع يد الإنسان وليست مفروضة عليه قهرًا، وهذا ما يدفع المرء إلى التساؤل.

ما دام الناس هم المسؤولون عن تسبيب المشكلة، وما دامت المشكلة ناتجة عن سلوكهم وتصرفاتهم، فلماذا لا ينزعون إلى حلّها يتجفيف منابعها والقضاء على أسبابها، فيتخلصون بذلك من مشكلة تعتبر من أهم بؤر الصراع في المجتمعات الإنسانية؟!

هنا تبرز إحدى المشاكل الكبرى من مشاكل الواقع الإنساني وهي المشكلة التي يصوّرها الإمام علي (عليه السلام) بكلمته الجامعة حيث يقول:[فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف].

إن الناس حين يأخذون في وصف الحق وفي بيان معالمه، فإن لهم في ذلك مجالاً واسعًا، لسهولة الوصف على ألسنتهم، وخفّة مؤونتهم على أنفسهم، فإذا هم وصلوا إلى حيّز الفعل والتنفيذ، وصار عليهم تأدية ما يجب عليهم من حقوق، ضاق عليهم الأمر وثقل الواقع، وبعدوا عن الإنصاف.

لذلك فإن الإنسان ما إن ينتقل من مقام القول و[التواصف] إلى مقام الفعل و[التناصف] حتى يغدو مصداقًا لمعنى الخطاب الذي أرسله الإمام علي (عليه السلام) إلى الزبير يقول له فيه :[عرفتني في الحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا؟!].

ففي مقام القول يبيّن الإنسان بأحسن بيان ما يجب له وما يجب عليه، بل لعلّه يقدّم في هذا المقام ما يجب عليه على ما يجب له، ولكنه سرعان ما يبتعد عن الإنصاف عندما ينتقل إلى مقام الفعل، فإذا به يبدأ هنا الكيل بمكيالين والوزن بميزانين، ويمسي يرى ما يجب له، وتعشى عيناه عما يجب عليه، حتى كأنه غدا يعتبر نفسه مستثنى من قاعدة الحقوق العامة التي لا استثناء فيها لأحد من الناس، وهي القاعدة التي يقررها الإمام علي (عليه السلام) بقوله:[لا يجري لأحد إلا ما جرى عليه، ولا يجري عليه إلا ما جرى له].

فلا حق لأحد من الناس إلا وعليه حق مقابل، وليس لأحد على أحد منهم حق إلا وله حق مقابل، ومن غير استثناء لأي إنسان مهما علا مقامه. نعم لو كان ثمة استثناء لأحد فهو استثناء خالص لله تعالى.

يقول الإمام علي (عليه السلام) :[ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه، لكان ذلك خالصًا لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه].

ولكن حتى الله جلّ ثناؤه أبى إلا أن يتفضل على عباده بأن جعل لهم الجزاء مقابل ما يؤدونه من حقوق، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) :[ ولكنه جعل حقه على عباده أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب، تفضلاً منه، وتوسعًا بما هو من المزيد أهله].

فأبى سبحانه إلا التفضل على عباده بأن أوجب الحق على نفسه، وذلك من مزيد نعمته، ولكي يتخلّق الناس بأخلاق الله.

غير أن الناس لم يرتضوا لأنفسهم -في مقام الفعل و[التناصف]- ما رضيه الله لنفسه، فرأوا لأنفسهم حقوقًا لا تقابلها واجبات، ليستمر بذلك وجود الهوّة بين مقام [التواصف] ومقام [التناصف].

فالمشكلة مستمرة، وحلّها مسؤولية إنسانيّة، لذا رأينا من واجبنا فتح صفحات مجلتنا لمحاولات ومعالجتها، فكان لها نصيب من الذكر في عددنا الحالي، كما كان لها نصيب أيضًا في بعض الأعداد السابقة، ونحن ننتظر مساهمات أخرى تعالج المشكلة عينها في أعدادنا اللاحقة.

 

 

روحية الزكاة في الإسلام

الشيخ سليمان يحفوفي 

 

اخترنا هذا البحث من كتاب "الضمان الاجتماعي في الإسلام وأثره الوقائي ضد الجريمة] للمقدس الشيخ سليمان يحفوفي ، الدار العالمية ، ط1 سنة 1402 هـ -1982م .

ونحن نقتصر في المقالة على خصوص الصنف الأول من أصناف المستحقين للزكاة،  وعلى البحث حول الفهم الشرعي لمهمة الزكاة، وحول إصلاح بعض المفاهيم الخاطئة حول الزكاة.

(التحرير)

تمهيد

الزكاة لغة: هي النمو والزيادة. قال في لسان العرب: وأصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح.

والزكاة شرعًا: هي فريضة معيّنة في أصنافٍ معيّنةٍ من الأموال إذا بلغت نصابًا.

وفريضة الزكاة قديمة قِدم التشريع، لأنها منسجمة مع الفطرة التي تحفظ التوازن، وتتماشى مع رسالة الرسل التي جاءت بالبيّنات، وما أنزل معهم من الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.

وأهمية الزكاة كبيرة جدًا، حيث تحقّق الضمان الإلزامي لأفراد المجتمع، فيسود الرخاء بينهم، ويعمّ الصلاح، ويقطع دابر الجريمة، وتحقق العدالة الاجتماعية والتكافل والتضامن والتعاطف والتعاون، وتشدّ أواصر الأخوّة بين المؤمنين، وتلحق الطبقات الدنيا بالطبقات العليا في مستوى معيشتها، محقّقة رخاءً ينعم فيه أبناء المجتمع البشري الذي يحافظ على أدائها والقيام بواجباتها، لأنها الركن الرابع من الأركان التي بُُني عليها الإسلام.

ولأجل أثرها الكبير، أعطيت دوراً هامًا جداً في حياة المجتمع، حيث أصبحت تمثل العمود الفقري لدى الجسم الإسلامي ، واقترنت بعمود الدين -الصلاة- في أكثر الموارد في القرآن الكريم.

* * *

 


 

قال تعالى : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1).

تُصرف الزكاة على ثمانية أصناف وهم المعدودون في الآية الكريمة كالآتي:

1- الفقراء  2- المساكين.  3- العاملون عليها.    4- المؤلفة قلوبهم.

5- الرقاب.         6- الغارمون   7- سبيل الله.          8- ابن السبيل.

1- الفقراء

الفقر آفة فتّاكة في المجتمع، تنخر بنيته السليمة نخرًا، وتتركه أعجاز نخل خاوية، وتسبب له من الأمراض ما يُقوّض بناءه الاجتماعي، ويقضي على هناءة العيش والراحة، ويحيله أنقاضًا.

فالفقير يعيش الموت كل يوم، يستيقظ الموتَ في صباحه، وينامه عند منامه. فحياته موت مجترّ مكرور، اجترار الأغنياء لحياته.

فـ "الفقر الموت الأكبر" (2) "فما جاع فقير إلا بما متع به غني"([3]) و"الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت"([4]) ، "وإن من البلاء الفاقة"([5]).

بينما الموت؛ حالة تمرّ على الإنسان مرة واحدة، يكابد مرارتها ويقاسي آلامها، ثم يستريح بعدها في نعيمه الأبدي مُنهيًا ردحًا من المعاناة، وزمنًا من الآلام، وحياة تعيسة كابدها موتًا كل يوم.

فهو يرى الموت سعادة، طالما أن الحياة شقاء، وموت مكرور.

وحتى يستوي هذا العضو في المجتمع سليمًا سويًا، ويتجاوز عقدة النقص والخوف والألم، أولاه الإسلام كامل عنايته، وبالغ اهتمامه.

فضمن له رزقه وكفايته في مرحلة أولى، كما ضمن له غناه في مرحلة ثانية، وأحاطه بكل أشكال الرعاية، لدوره الكبير في بناء المجتمع، وزعزعة كيانه عند تعرضه للحاجة والفقر، وسوء أحواله المعيشية.

فلذلك شدد علي (عليه السلام) في عهده ([6]) لواليه الأشتر  على رفع مستواه:

[ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى والزمنى.... واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسمًا من بيت مالك، وقسمًا من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكلٌّ قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تُشخص همك عنهم، ولا تصعّر خدك لهم].

فهؤلاء دعائم المجتمع وركائز توازنه الذين لهم حق الرعاية والعناية الفائقة، وقد استحفظ الله أولياءه حقوقهم كما هي محفوظة لهم عنده. فلهم سهم من بيت المال مما يرفع عنهم غائلة الفقر ويدفع الحاجة، ولهم سهم من غلات أرض الغنائم مما يغنيهم ويرفع من شأنهم حتى يلحقوا بغيرهم من أغنياء مجتمعهم.

وتقع مسؤولية هؤلاء على الوالي، باعتباره مستخلَفًا على رزقه وأداء أمانته، وعليه القيام بأداء مهمته، والمحافظة على تنفيذ ما أوكل إليه مع رفض اعتذاره (في حال إهماله) بانشغاله فيما هو أهم من شؤون المسلمين، لأن الاعتناء بهم من أهم المهمات، فإذا حال دونه شيء آخر فعليه أن يفرّغ لهم من يعتني بشأنهم ويرفع إليه أمورهم. قال (عليه السلام):

[فلا تُشخص همك عنهم، ولا تُصعّر خدّك لهم، وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتَحقِره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. وكلٌ فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه].

فهؤلاء بحاجة للعناية الشديدة، حتى يعتدلوا أسوياء بكامل قواهم، ويقوموا بتأدية دورهم الفاعل في الحياة كغيرهم. وعندها يستقيم الفقير، الذي كان يشكّل خطرًا على المجتمع، سويًا نشيطًا يحقق أهداف حياته، وغاية وجوده من استقامة الفطرة، وإبرازها لعالم الوجود، بإقامة الوجه للدين حنيفًا، وتحقيق المجتمع العادل في كل شيء.

فمراعاة حال الفقير تنطلق من زاوية إصلاحية تراعي كل الظروف لأبناء الهدف الواحد، حتى يتمكن كل فرد من تقديم جهده وطاقته لخدمة قضيته في المجالين القريب والبعيد، بدون عوائق تحدُّ من عبقريته أو تحول دون تفجرها.

لأن المجتمع الذي تزداد بين أفراده الفوارق الطبقية، يحمل بين حناياه روح الحقد والانتقام، وبذور التفجير والإفناء، فهو مؤهل ليتحول متفجرًا من أول شرارة تشعل فتيل الفتنة. لا بل الانتقام من المستمتعين بحقوق الفقراء، والمستأثرين بلقمة عيش المحرومين، ولا تهدأ حتى تلتهم في طريقها كل شيء، وتحيل الدنيا خرابًا ويتساقط معمورها ركامًا.

فالوقاية تحول دون الدمار، ومعالجة الأسباب تقتلع بذور الانفجار، وتضييق الشقة بين طبقات المجتمع يخلق روح التعاون والتعاضد بين أفراده للوصول به إلى الصلاح والكمال.

وإزالة الفقر منه تقوية لنقاط الضعف،  وإزالة للجانب الواهن وجعله مدماكًا صلدًا في بناء الإنسانية الشامخ.

فمعالجة حالة الفقر أُولى واجبات بناة المجتمع الصالح، ولذا نجد عناية الإسلام الفائقة به.

تحديد مفهوم الفقير شرعًا

الفقير الإسلامي، هو كل من لا يملك مؤونة سنته [اللائقة بحاله له ولعياله] لا فعلاً ولا قوة.

وهذا التحديد يحفظ كرامة الإنسان، وينمي شعوره للارتفاع بنفسه نحو الأفضل، ويشد روابط الأسرة، ويوثق عراها لكونها الأساس المتين لبناء المجتمع الصالح.

ولبيان ذلك يلزمنا البحث في مسائل:

المسألة الأولى: سبب تعيين الفترة بالسنة.

المسألة الثانية: سبب إضافة ضمان عياله له.

المسألة الثالثة: المقدار الذي يعطاه.

المسألة الأولى:

يعالج الإسلام دائمًا قضايا الإنسان من شعوره الداخلي وإحساسه الباطني حتى تستقيم تلك الإحساسات، ويتوازن ذلك الشعور مع تصرفاته الخارجية، فلا يحسّ المرء بتناقض بين إحساسه وعمله.

فهو عندما يحرّك إنسانًا نحو العمل، يحاكي به، أول ما يحاكي، شعوره الداخلي، حتى تتحرك باقي الأعضاء متجاوبة معه، طلبًا للاستقامة، وتحقيقًا للفطرة، ويكون عمله نابعًا منه بمحض اختياره وإرادته، وهذا يحقّق الانسجام بين الموجودات الكونية وبين المرء ونفسه، فيبعد شبح الصراع حتى الباطني.

فكذلك عندما يريد أن يحافظ على ضمان فرد من أفراده ينطلق معه من إحساسه الداخلي بمقدار تقبّله ما يعامله به، وهو يتوافق مع مقتضى الفطرة، ويحفظ التوازن بين ذلك الإحساس والتصرف؛ لأن ميزان الإسلام مع الغير هو نفس الإنسان، "فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها"([7]).

وصاحب الحاجة ليس لديه الاستعداد الدائم لبذل نفسه في كل وقت لقضاء حاجته مهما بلغت، ولكنه لا يرى غضاضة بطلب حاجته مرة في السنة، خصوصًا مع شعوره بوجود من يحافظ له على كرامته ورهافة إحساسه، فكانت السّنَة تراعي كل هذه الجوانب. أضف لذلك احتمال استغنائه خلالها وتصنيفه في عداد الموسرين الذين يؤدّون الفريضة لغيرهم.

1- قال أبو بصير: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة، فأعطيه من الزكاة ولا أسمّي له أنها من الزكاة؟ فقال (عليه السلام): أعطه، ولا تسمِّ له، ولا تذل المؤمن.

2- عن إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا إسحاق كيف تصنع بزكاة مالك إذا حضرت؟ قال: يأتوني إلى المنزل فأعطيهم، فقال لي: ما أراك يا إسحاق إلا قد أذللت المؤمنين. فإياك إياك! إن الله تعالى يقول: من أذلّ لي وليًا فقد أرصد لي بالمحاربة([8]).

3- عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يكون محتاجًا يُبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها. (إلى أن قال): فقال: ما ينبغي له أن يستحيي مما فرض الله له، إنما هي فريضة الله له فلا يستحيي منها.

4- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تارك الزكاة وقد وجبت له مثل مانعِها وقد وجبت عليه([9]).

فهذه النصوص الأربعة تعالج الحالة النفسية التي يحملها الفقير المضمون، وترشد إلى أفضل الأساليب الإنسانية الواجبة الاتباع للمحافظة على الحسّ المرهف الذي يحمله هذا الصنف من بناة المجتمع الأساسيين. لكي يكون مجتمعًا صالحًا.

فالرجل الذي يستحيي من أخذ الزكاة، ويشعر بالذلة والمهانة بذلك، يُعطاها بكرامة وعزة وعفة، بدون أن تُسمّى له، حتى لو اعتقد أنها دين أو هدية.

وهذا أسلوب متحضر جدًا، ولو كان عمره أربعة عشر قرنًا، لأنه آتٍ من قِبَل عالِم السر وأخفى. وسنرى نتائجه على الساحة العملية وأثره النفسي على العاملين.

فالمضمون -الفقير- المرهف الحس ينبغي تنمية إحساسه وتربية نفسه على الشعور الدائم بأن كل أبناء مجتمعه يقاسمونه إحساسه، ويحاولون انتشاله مما يعانيه.

فبدلاً من أن نشعره بالمذلة بتسمية ما يعطاه بأنه زكاة ونجرح نفسه العزيزة. نعطيه إياها بتخييل: أنها هدية، أو دين، أو هبة، مما يحفظ له كرامة نفسه وعنفوانه.

وهذا، سينتج منه إنسانًا آخر، غير ما نعهده، لأنه سيحاول قطعًا ردّ الجميل لأهله، ومكافأة الصنيعة، وستلتهب في داخله روح العمل الدؤوب، وتزداد مشاعر الأخوّة والمحبة، لِمَا في الهدية من فعل سحري في ذهاب السخيمة وإيراث المحبة، ولِمَا تذكي من شعلة الإيمان في النفوس، وتثير من غريزة العمل لإيفاء المحسن جزاء إحسانه.

فإعزاز المؤمن، المضمون بهذا الضمان، إنما يتحقّق بقصده والمسير إليه، وتقديم الضمان له بكل تجلّة واحترام، لأن عزّته من عزّة الله، وإذلاله حرب على الله، وما الفريضة له إلا من باب الحفاظ على معنوياته العالية، وليس لامتهان كرامته.

وسؤال الإمام (عليه السلام) إلى إسحاق عن كيفية صنعه بزكاة ماله، يوضّح له خطأ تصرفه في تأدية الفريضة، لأن إتيانه إلى المنزل فيه نحو من التكبر والتعالي، حيث ينتظر المحتاجين ليقصدوه، فتخالج نفسه خطرات الشيطان ووسوسته باحتقار من يأتيه. مع أن الفريضة عبادية لا تقبل إلا بالخشوع والخضوع، وقصد القربة، وهذه صفات تتأتى من باذلها، فعليه أن يسعى بنفسه لتأديتها ليحصل معه القصد.

فإرشاد الإمام (عليه السلام) له: [ما أراك يا إسحاق إلا قد أذللت المؤمنين فإياك إياك] يفهمه بأن عليه أن يسعى هو لإعطائها، لأن القصد -أي القربة في دفع الزكاة- لا يحصل إلا بسعيك لأداء الفريضة بنفسك، أما إتيانهم إليك فإنه يفوت معه الغرض من التذلل والخشوع لله، ويذل المؤمنين الذين أعزهم الله بفرض هذه الضريبة لهم، ورفع من مستواهم بواسطتها.

فتكون النتيجة: أن المستهدف بقلة الاحترام هو الله وأن الحرب تسترصده. لأن إذلال ولي الله استهتار بمقام وليه الذي نصبه هذا المنصب، فهو الذي يتولى الدفاع عنه : "من أذل لي وليًا فقد أرصد لي بالمحاربة".

كما أنه ينبغي للمضمون أن لا يستحيي من أخذ حقه الذي أعزّه الله به وفرضه له، لأن الحرمان قُرن بالحياء، لربما استعصت على الناس أنفسهم وغلبت عليهم أهواؤهم فوجدوا في التعفف مبررًا وفي الحياء عاذرًا لهم لعدم تأديتهم ما افترض عليهم، كما جاء في حديث محمد بن مسلم: "الرجل يكون محتاجًا يُبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها"، فعدم قبوله مع حاجته يساهم في الحرمان وتصديع المجتمع وتحريف الفطرة، مع توفر كل أسباب التكريم والاحترام، حيث أُرسلت له الفريضة ولم يأتها. فحياؤه من أخذها استهتار بمقام وليه الذي فرضها له، فهو في صف مانعها سواء بسواء : "تارك الزكاة وقد وجبت له مثل مانعها وقد وجبت عليه"، كلاهما كافران بما أنزل الله وفرض لعباده، ومساهمان في تبديل خلق الله.

أما تأديتها كما فرض الله، وأخذها كما أوجب، ففيه صلاح المجتمع ونماؤه، واستواء الأمور بما تحيي من الأنفس وتحرك فيها من الشعور بالمسؤولية وتبعث في النفوس الأخرى المعطاة روح الجد والنشاط. فتكون نامية منمية في آن، لأنه يُفضَّل إعطاء من لا يسأل على الذي يسأل منها.

واعتماد السَّنَة يفرّغ المضمون لممارسة أعماله باطمئنان عسى أن تتفجر عنده روح الإبداع والإنتاج.

عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره. قلت: فإن صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ قال: زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقل من سنة، فهذا يأخذها.. الحديث ([10]).

فـ"السنة" مرحلة استقرار له حتى لو كان عنده ما يجب عليه أن يزكيه ولكنه لا يكفيه لمؤونة سنته إذا اعتمد عليه وحده وأراد أن ينفقه. فزكاة ما عنده صدقة على عياله يوسع بها عليهم حتى يلحقهم بالناس.

المسألة الثانية: سبب إضافة ضمان عياله له

المجتمع في نظر الإسلام متكافل متضامن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا، فهو يعتبر كل فرد عضوًا من أعضاء هذا الجسد المتكامل، يتداعى كلّه لتداعي بعضه، فالرعوية عامة بين أعضائه، والمسؤولية مترتبة على كل فرد بمستوى احتماله.

وهذا الشعور بالمسؤولية، ينبغي له أن ينشأ من أصغر مجتمع بشري حتى يتكامل المجتمع بأسره.

والأسرة، هي الخلية الأولى المنتجة فيه، فتعاهدُها -حتى تبقى سليمةً منتجةً- يحتاج للرعاية القصوى والعناية الفائقة، لأنها نواة بناء المجتمع وسيشاد على منوالها؛ فأي عامل يؤثر عليها في دور نموها سيبقى تأثيره مستمرًا حال تكاثرها.

فالعائلة، هي العامل الأساس في سلامة المجتمع ورقيّه وحسن تربيته.

وإحساس الفرد بالرعاية والعناية ضمن الأسرة سيطبعه بهذا الطابع عندما يندمج ضمن المجتمع، وسيبقى إحساسه ملازمًا له في تعامله مع أفراد مجتمعه، ولا يشعر بتجدّد شيء يراه غريبًا عنه.

فالعناية الإسلامية بربّ الأسرة، وجعله ضامنًا لإعالة أفرادها، وَجَعْل المجتمع ضامنًا له ولأسرته ؛ نحوٌ من تحضيرهم جميعًا لتحمّل مسؤولية روح التضامن والتكافل والرعاية: "فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"([11]).

فالعائلة جزء الرجل، والرجل جزء المجتمع. فربطه بجزئه ربط الجزء بالكل حيث لا انفكاك.

المسألة الثالثة: المقدار الذي يُعطى للفقير:

إن ما يسعى إليه الإسلام، هو إيصال جميع أفراده إلى مستوى الغنى، حتى يزيل ما تسببه الفوارق الطبقية من كوارث، وحتى تستقيم الفطرة وتحقق العدالة.

ولكنه يُبقي على المميزات الشخصية التي يتمتع بها بعض الأفراد والإمكانيات الخاصة التي مُنحوها، فمن زاده الله بسطة في الجسم والعقل ينمي الإسلام لديه هذه الإمكانات حتى يسخّرها لصالح مجتمعه ويُبقي له ما حققته مميزاته من فضل في الرزق والجاه ضمن إطاره العام.

والغنى، في مفهومه، هو مستوى المعيشة الذي يكون سائدًا في البلاد. والنصوص واضحة في هذا المعنى، وهذه بعضها:

النص الأول:

عن سعيد بن غزوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته كم يُعطى الرجل من الزكاة؟ قال: أعطه من الزكاة حتى تغنيه([12]).

النص الثاني:

عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): قال: قلت له: أُعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهمًا؟ قال: نعم وزده. قلت: أعطيه مائة؟ قال: نعم، وأغنه إن قدرت أن تغنيه([13]).

النص الثالث:

عن إسحاق بن عمار قال: قلت للإمام جعفر بن محمد (عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة مائة؟ قال: نعم! قلت مائتين؟ قال: نعم! قلت: ثلاثمائة؟ قال: نعم! قلت: أربعمائة؟ قال: نعم! قلت: خمسمائة؟ قال: نعم! حتى تغنيه([14]).

النص الرابع:

عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن شيخًا من أصحابنا يقال له عمر، سأل عيسى بن أعين وهو محتاج، فقال له عيسى بن أعين: أما إن عندي من الزكاة، ولكن لا أعطيك منها، فقال له: وَلِمَ؟ فقال: لأني رأيتك اشتريت لحمًا وتمرًا. فقال: إنما ربحت درهمًا، فاشتريت بدانقين لحمًا، وبدانقين تمرًا ثم رجعت بدانقين لحاجة. قال: فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) يده على جبهته ساعة، ثم رفع رأسه ثم قال: إن الله تعالى، نظر في أموال الأغنياء، ثم نظر في الفقراء، فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه، ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوج ويتصدق ويحج ([15]).

النص الخامس:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله أبو بصير فقال: إن لنا صديقًا وله دار تسوى أربعة آلاف درهم، وله جارية، وله غلام يستقي على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال، أَلَهُ أَنْ يَأْخذَ مِنْ الزَكَاة؟  قال: نعم! قال: وله هذه العروض؟ فقال: يا أبا محمد! فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه؟ أو ببيع خادمه الذي يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله؟ أو آمره أن يبيع غلامه وجَمَله وهو معيشته وقوته؟ بل يأخذ الزكاة وهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه، ولا جمله([16]).

النص السادس:

عن أبي الحسن (عليه السلام) سأله بشر بن بشار، قال: ما حدّ المؤمن الذي يُعطى الزكاة؟. قال: يُعطى المؤمن ثلاثة آلاف. ثم قال : أو عشرة آلاف([17]) .

هذه بعض النصوص الكثيرة الواردة في تعيين المقدار الذي يُعطى للفقير، ومن دراستها جيدًا، تتضح الغاية من العطاء؛ وهي الغنى، بدون أن تحدد الكمية.

والغنى، مفهوم مرن، يتفاوت بين عصر وعصر، وزمان وآخر، خصوصًا إذا لاحظنا بعض النصوص التي لم نوردها، والقائلة بإعطاء الفقير حتى يلحق من يعول به بالناس؛ فإلحاقهم بالناس هو عيشهم بمستوى المعيشة السائدة في مجتمعهم.

فروح الزكاة الواقعية هي تأدية هذا المفهوم؛ والنهوض بأفراد المجتمع الضعفاء إلى مستوى رفيع، متناسب مع مستويات عامة الناس، وما الفريضة إلا لتحقيق هذا المطلب.

ونفهم ذلك بوضوح من حديث أبي عبد الله (عليه السلام): سأله رجل في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ فقال: أريدهما جميعًا! فقال: [أما الظاهرة، ففي كل ألف خمسة وعشرون، وأما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك] ([18]).

فروح الزكاة، هي ما تبطن من معانٍ يقصد تحقيقها، وهي القضاء على الطبقية والتفاوت بين أفراد المجتمع، فعدم استئثار الفرد على أخيه بما يكون أحوج إليه منه يشيع عدالة رفيعة المستوى، يندر تحقيقها إلا من خلال الإسلام النابع من الداخل؛ والذي يشعر الفرد معه بأن ما في يده يجب أن يسخّره لقضاء حاجة أخيه [لأن الأخوّة أرفع شأنًا من المال وما جعل إلا صونًا لها]، ويشعر الآخر بأن ما في يد أخيه لقضاء حوائجه، فيكون أدعى في نفسه للحفاظ عليه، وحب ازدياده بين يديه.

ويتحقّق عندها التوازن في المجتمع، وإزالة الفوارق بين الأفراد، فالمال للجميع وبخدمة الجميع.

وما دون هذا المستوى يكون من ظاهر الزكاة -وليس من روحها- وهو ما يصل بالفقير إلى حد الغنى.

فالنصوص الأول والثاني والثالث تؤكد بأن العطاء حتى الغنى؛ باختلاف تعابير السؤال، ووحدة الغاية في الجواب.

فالنص الأول يقول: [أعطه من الزكاة حتى تغنيه]، وهو صريح في المطلوب مباشرة وذلك لأن السائل دخل إلى مطلبه مباشرة، عندما سأل: كم يُُعطى الرجل من الزكاة؟.

أما النص الثاني ؛ فكذلك صريح بالعطاء حتى الغنى، وفرقه عن الأول أن السائل أخذ يتدرج بالسؤال: [أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهمًا؟ مئة؟ إلخ...] والجواب بعد موافقة مقتضى السؤال: [أغنه!] وهي الغاية من العطاء.

ونفس الأمر في النص الثالث، مع اختلاف تدرج السائل المتكرر، فاختصر بالجواب الطريق التي ربما تطول، بعدما تكرر متدرجًا خمس مرات، بأن أعطه حتى تغنيه فليس هناك قدر معين يتوقف عنده العطاء، أو رقم محدد، وإنما هو مفهوم يختلف من ظرف لآخر، فعندما يتحقق المفهوم يتوقف العطاء.

أما النص الرابع، ففيه ثورة على المفاهيم المتحجرة التي استقاها بعضهم بطريقته الخاصة.

فهل كانت هذه الفريضة، تخصّ الأموات حتى تجهزهم لدار الآخرة؟ وما حاجة مشرِّعها لإنفاقها في الآخرة -دائرة اختصاصه سبحانه وحده-؟ وما حاجة المشرَّعة لهم، في مكان يتعذر على منفقها إيصالها لهم وانتفاعهم بها؟.

فمن أين تسربت مفاهيم حرمان من يشتري اللحم والتمر من الزكاة؟ وهل شرعت لشراء الأكفان، فلا يستحقها إلا من أصبح على حافة قبره؟ إنه فهم يستدعي الألم، والأسى، والتفكّر الطويل، وهو مداعاة لوضع اليد على الجبهة والحزن العميق، [فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) يده على جبهته ساعة].

ثم يستدعي رفع الرأس: لإفهامها كلمة صريحة وواضحة لجميع الناس، إنها فريضة المواساة، إنعاش الفقير، رفع مستواه، كفايته، لا بل غناه، [فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به]، [بلى فليعطه، ما يأكل ويشرب، ويكتسي ويتزوج، ويتصدق ويحج].

فالعطاء منها لا يتوقف عند أكل اللحم والتمر، بل يتجاوزه لكل ما لذ وطاب، من أكل وشراب، ويزيد عنه بالاكتساء والتزويج، وهذا ما يضمن كل متطلبات الفرد للحياة والاستقرار، لأنها شرّعت لإزالة الفوارق الطبقية، وإيجاد التوازن الاجتماعي، فلا تتوقّف عند هذا الحد، بل هي ثورة عارمة على الامتيازات والطبقية، وقوة ضاغطة في اتجاهين متعاكسين للتقارب بين كل الفئات في المجتمع، فتفرض في أموال الأغنياء ما يرفع الفقراء إلى مرتبة الغنى.

فيُعطى الفقير منها [فوق الكفاية] ما يتصدّق به ويحجّ مما يجعله في صف الأغنياء المتصدقين.

وشتان ما بين مفهوم الحرمان، بسبب دانقين لشراء اللحم، وبين الأخذ منها، للحج والتصدق.

وسيزيد الفرق وضوحًا بخصوص هذه الناحية فيما تبقّى من النصوص. وخصوصًا النص السادس الصادر بنفس خصوصيات الزمان والمكان والذي يقول: [يُعطى المؤمن ثلاثة آلاف ثم قال: أو عشرة آلاف].

فبين الحرمان بسبب درهم واحد يُشترى بثلثيه لحمًا وتمرًا، وبين إعطائه عشرة آلاف ضعف يبطل القياس، وتتعطل المفاهيم، ويُحتاج معه إلى وقفة تأمل وتدبر جديدتين لاستيعاب ما تعنيه هذه الفريضة على الصعيد العملي، وما ترمز إليه على الصعيد الروحي.

والنصّ الخامس يوضح الناحيتين العملية والروحية. ويعالج قضية واقعية:

رجل صديق:

- عنده دار تسوى أربعة آلاف درهم.

- وله جارية تسوى من المائتين إلى الألف درهم.

- له غلام عامل يسوى من المائتين فصاعدًا.

- له جمل يعمل عليه الغلام ويدر عليه يوميًا أربعة دراهم صافية - بعد مصاريف العمل - ويسوى الجمل من المائة درهم فصاعدًا.

- وله عيال.

- فهل يأخذ من الزكاة؟

فكان الجواب: نعم!

فكان تعجب السائل شديدًا! كيف يأخذ من الزكاة وله كل هذه العروض؟.

لنفهم أولاً ما هو مقدار مالية الرجل في هذه المسألة، لنعرف سبب تعجب السائل وروحية الزكاة من التحليل:

ففي السؤال يملك صديقه العروض المتقدمة، وهي تعادل تقريبًا بين الخمسة والستة آلاف درهم.

وبمعدل عملتنا المتعارفة هذه الأيام تكون ملكية الشخص ستمائة نعجة، لأن ثمن النعجة عشرة دراهم حسب النص الآتي:

عن أبي جعفر (عليه السلام) -في حديث زكاة الإبل- قال: وكل من وجبت عليه جذعة ولم تكن عنده، وكانت عنده حقّة دفعها، ودفع معها شاتين أو عشرين درهمًا (...)  ومن وجبت عليه ابنة لبون ولم تكن عنده وكانت عنده حقّة دفعها، وأعطاه المصدّق شاتين بعشرين درهمًا ([19]).

فنجد أن الشاتين بعشرين درهمًا أخذًا أو عطاءً.

وستمائة شاة تعادل في زماننا مستوى جيدًا في أي نوع من العملات قدّرناها، فلذلك استدعى الاستهجان من السائل لأنها عروض كثيرة فكيف يأخذ بعدها من الزكاة؟

أضف إلى ذلك بأن رؤية الناس بأن مشتري اللحم بدانقين -أي ثلث درهم- لا يستحق الزكاة، فكيف من يملك مئات بل آلاف الأضعاف من أمثاله؟

2- الفهم الشرعي لمهمة الزكاة

يختلف الفهم الشرعي لمهمة الزكاة عن فهم المتشرّعة: فهي في اعتبار الشارع تقوم بأداء دور المساواة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وجعل البشر طبقة واحدة في مستوى المعيشة، لا يفضل أحدهم على الآخر إلا بالمميزات الشخصية، الموهوبة له تكوينيًا لا تشريعيًا، بما يعقبها من فضل بالرزق.

أما روح الزكاة، فهي الفريضة التي يُجبر على تأديتها المستخلف، عند تخلفه عن تأدية مهمة الاستخلاف، وتحقيق غايتها [وهي عدم الاستئثار على الأخ بما هو أحوج إليه]، فتقوم الفريضة بتأدية هذا الدور في الحدود الممكنة، لأن المال مال الله جعل خواتيمه في الأرض لصالح عباده، فلا فضل لمجتنيه إلا فضل الوسيط في إيصال ما اؤتمن عليه.

[فالزكاة هي مال الفقير يتصرف بها كيف يشاء في طريق الغنى والتوسعة على نفسه بدون معارض أو منتقد].

عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما يشاء (...) فقلت: يتزوج بها ويحج منها؟ فقال: نعم. هي ماله. قلت: فهل يؤجر الفقير إذا حج من الزكاة، كما يؤجر الغني صاحب المال؟ قال: نعم([20]).

فالمهمة الواقعية، والروح الحقيقية للزكاة، هي إزالة الطبقية والإثرة المالية، من المجتمع والنهوض بالفقير إلى أعلى المستويات المعيشية ليتصرف عن غنى، بالتزوج والحج والتصدق وكل المميزات التي يتمتع بها أثرياء المجتمع وله نفس أجرهم فيما يعطي ويهب.

ومن هذه الناحية رأينا أن جواب الإمام كان على المسائل الثلاث الأُوَل، بنعم.  وأردفها (عليه السلام) بـ"أغْنِهِ" أو "حتى تغنيه"، واستنكر على من استعظم إعطاء الزكاة (لمن يملك دارًا وجارية وغلامًا وجملاً) في النص الخامس عندما قال السائل "وله هذه العروض" استهجانًا لإعطائه؟.

فأجابه الإمام بأعظم من استهجانه وبأشد ما يكون بقوله: "يا أبا محمد! فتأمرني".

بالغًا بإجابته ذروة الأدب والكمال -في تكنيته- وغاية الاستهجان في استنكاره لمقولته: بقوله "فتأمرني" وموضحًا له بُعيد ذلك حكمة وعلة إنكاره عليه ما صدر عنه، ومفهمًا إياه كنه الزكاة وعلة التشريع.

فتفسير قولك: "وله هذه العروض" بأنه ينبغي له أن يستغني عنها أو بعضها ويعتاش بأثمانها، فعماذا يستغني؟ "فتأمرني أن آمره ببيع داره؟" وهي عزّه ومسقط رأسه ولله العزّة وللمؤمنين. وقد مرّ معنا: من أذلّ لي وليًا فقد أرصد لي بالمحاربة.

والزكاة ليست لإنقاذ الإنسان من الموت إنما هي النماء، والنماء والتنمية: الانتقال دائمًا إلى الأحسن والأفضل. فأين هذا من بيع داره؟!.

أم يستغني عن خادمه؟ فآمره ببيعه! وهذا يقوم بشؤونه، ويصون وجهه، ويحفظ عياله، ويقيه الحر والبرد. فهل من الإحسان إليه ونماء حاله تجريده منه حتى يعتاش ويتدنّى مستواه وتزيد الفوارق وتتوسع الطبقية وتتفاوت المستويات في المجتمع؟

أم آمره ببيع غلامه وجمله ، وأطلب إليه الاستغناء عنهما ، وفيهما معيشته وقُوْتُه اليومي. فإذا فقدهما جلس يتكفّف الناس،  وهبطنا بمستواه إلى الصفر، وجعلناه كَلاًّ على المجتمع الذي نريد إنعاشه وإزالة جميع الظواهر المرضية من صفوفه.

والزكاة مسخرة في هذا الاتجاه، ومفروضة لإيجاد هذا المناخ في حياة البشر، ولرفع مستوى المعيشة إلى أسمى المراتب، فيأخذ منها، وهي له حلال، ولا يبيع شيئًا من عروضه.

بل حقيقتها، أكبر مما في أفكار المتشرّعة بكثير، كما جاء في النص السادس: قال (عليه السلام): "يُعطى المؤمن ثلاثة آلاف أو عشرة آلاف".

فالإعطاء غير المحدود والمردّد بين الثلاثة آلاف وأكثر من ثلاثة أضعافها -دفعة واحدة-، وخصوصًا مع مقارنتها بأسئلة المتشرعة "أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهمًا" وهو يستكثرها ، والآخر يستكثر عليه بثلث درهم لحمًا. ويقفز الرقم فجأة إلى عشرة آلاف ضعف عما في أذهانهم ولا يتوقف عندها، مما يدل على الروحية التي أعدت الزكاة لإنمائها، والمستوى الذي يراد من تداولها تحقيقه.

والرقم قد يقفز فجأة إلى ثلاثة أضعافه مرة أخرى وأخرى حسبما يكون مستوى المعيشة والأشخاص. فتركه حرًا، وارتفاعه دفعة بهذه المضاعفة، دليل على مرونته لاستيعاب كل الحالات مهما كانت مستعصية.

ولو وقفنا عنده في زمن صدوره لهالنا ما يشتمل عليه، فعشرة آلاف درهم عبارة عن ألف نعجة، تُعطى دفعة واحدة لشخص واحد ولمدة سنة. فماذا تعني؟ تعني: غنى الدهر. الذي يريده الإسلام أن يسود مجتمعه.

فنماؤها هي الزكاة الحقيقية والتي تفي بحاجيات متلقيها، وهي الزكاة الواقعية، والمفهوم الحقيقي لمعناها -أي النمو- وهكذا ينمو المجتمع الإسلامي في مستوى من الرفاهية والغنى، والتكافل والتضامن.

(تعليق)

 سمعت مساء اليوم الخميس 20 آب 1981 توجيهًا من السلطات المغربية إلى الشعب المغربي بتوفير استهلاك اللحوم في عيد الأضحى المبارك القادم، حيث يضحي الشعب المغربي بما يزيد على ثلاثة ملايين رأس غنم تبلغ قيمتها ثلاثمائة مليون دولارٍ أميركي.

وذلك بسبب الجفاف الذي أصاب المغرب هذه السّنَة وأنقص الثروة الحيوانية مما سيضطر السلطات -إذا مارس الشعب عادته بالأضحية كالسابق- إلى استيراد اللحوم من الخارج لانتهاء السنة الحالية.

وهذا يعطي فكرة عن الممارسات الإسلامية لو طبقت كما أراد لها الشارع بوجهتها الصحيحة، فإن مبلغ ثلاثمائة مليون دولار، تنفق في يوم واحد على الأضحية المستحبة ولإطعام الفقير بالخصوص، لو أنفقت في سبيله لإيجاد مورد ثابت له لكان نتاجها يرفع الفقير إلى مستوى الأغنياء، ولحلّ أزمة كبيرة مما يعانيه الفقراء من حرمان وتشرّد.


 

3- إصلاح مفاهيم خاطئة عن الزكاة

من مجموع النصوص المتقدمة (وما لم نذكره) عن الزكاة قد يستفاد أن الفهم العرفي عنها، هو رفع الحاجة الملحّة عن الفقير، وبعبارة أخرى هو إنقاذه من الموت فقط.

وهذا ينافي مفهومها الحقيقي، وما تضمنته النصوص عنها، فإن لفظها معناه النماء، فأين التنمية من إنقاذ الإنسان من الموت؟

ولعل ذلك تأتّى من دعوة الشريعة للزهد في الدنيا، فطبّقت الأمور في غير مواردها، وأعطيت عكس مفاهيمها.

فالزهد في الدنيا، أن لا تملكك وتصبح أسيراً لديها، وليس الزهد أن لا تملك الدنيا.

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}([21])  فزينة الله أخرجها لعبادة ليتزينوا بها لا ليُحرَموها.

والطيبات من الرزق، أخرجها لهم ليأكلوها، ويستمتعوا بها، لا ليخلفوها. فزينة الله والطيبات من الرزق، خالصة للذين آمنوا في الدنيا، لأنهم أحقّ بها، فإذا حرموها بمنع مانع أو تعدي متعدٍ، بعدم تأديتها، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم بها غيرهم.

فليس من شأن الله، أن يحرم عباده المؤمنين خير ما أخرج لهم من زينة وطيبات، فهو سبحانه سخّرها لهم امتحانًا ليضعوها مواضعها، ويصرفوها في مصارفها، فمن تعدى حدود الله كان هلاكه عن بينة.

فالدنيا إذا أقبلت، كان أحقّ الناس بها أخيارها لا فجارها، لأنهم يقيمون وجوههم للدين حنيفًا، ويحقّقون الفطرة.

نعم ربما -أو كثيراً- ما يبتلي الله المؤمن بالفقر، ليمتحن صبره ويجزيه عليه، ولكن الفقر ليس من صفات المؤمن الملازمة له، فهو أعزّ وأكرم على الله من ذلك، ويظهر فضله وكرامته بصبره على امتحان من يحب، وإذا أحب الله عبداً ابتلاه.

وقد يحلو لدعاة التحلل، أن يصوّروا الفقر ملازمًا للإيمان، ليبعدوا ضعفاء الفكر عنه.

وبإعطائنا نظرة عن ملك سليمان بن داود (عليه السلام)، يظهر لنا ما للمؤمنين عند ربهم في الدنيا والآخرة.

فأول الأشياء التي كان يتمتع بها سليمان (عليه السلام)، الإيمان القوي والعلم الذي فاق إيمان وعلم كثير من المؤمنين: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ }([22]) .

وثانيها : هداية العلم له ليؤوب إلى ربه ويعود إليه في كل حالاته : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}([23]).

خصوصًا في حالات السعادة والخير، التي ينسى الناس بها ربهم، بينما هو يعود إليه، ليطلب منه المزيد، ويؤدي شكر الموجود. فيقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}([24]).

فيستجيب له ربه لقدرته على كل شيء.

وثالثها: جريان الريح بأمره في كل حالاتها فلا فرق عنده في إنجاز مهمته بين حسن الأحوال الجوية ورداءتها، فالريح العاصفة بأمره والرخوة رهن إشارته : {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ}([25])؛ {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ}([26]) ؛ {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}([27]) .

ففي كل يوم يقطع بها مسافة شهرين من المسير.

ورابعها: كان يتميّز ويتمتع بما سخّر الله له: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ}([28]) .

فكل أنواع الشياطين، تعمل تحت إمرته على اختلاف اختصاصاتهم ومهاراتهم، مما يعجز عنه البشر، فمنهم البنّاؤون الذي يجيدون فن الهندسة والعمران، ومنهم الغواصون الذين يستخرجون اللآلىء والحلي والكنوز، -وأفضل ما يتزيّن به الإنسان في بنائه وصدره-، ومنهم مقرنون بالأصفاد يعملون الأعمال الشاقة ويؤدون المهمات الصعبة.

وخامسها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}([29]) فمنطق الطير كان يعرفه، وكانت الطيور بإمرته، تكتشف له ما يطلبه منها، لأن لها خبرات لم تكن لغيرها، فكانت تضعها تحت تصرفه، فكان يصرفها متى يريد ويجمعها متى شاء.

{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ}([30]) .

{هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([31]) .

فمنَّ واختار أفضل الخيارين، ففاز بأبقى الدارين.

{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}([32]) .

لقد وصل سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام، إلى منيته، وبلغ غايته فيما دعا به ربه، من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم نعلم منذ يومه بل منذ خلق البشرية وحتى يومنا هذا، أحداً تمكن من بلوغ ملكه. ومعه بلغ أعلى المراتب في القرب من الله، والتنعم بالآخرة، وتميّز بالإيمان في الدنيا.

فظهر أن الإيمان يجتمع مع الغنى. فملك نصاب من كل صنف من أصناف الزكاة لا يخرج المالك عن الفقر بالمفهوم الإسلامي، طالما أنه لم يتوصل إلى حد الكفاية، لأنها الحد الفاصل بين الفقر والغنى، أي بين الاستحقاق للزكاة وعدمه. وإن كان المفهوم العرفي أو مفهوم المتشرعة يختلف عن ذلك. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) التوبة 60.

([2]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج4 ص41 رقم163.

([3]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج4 ص78 رقم328 .

([4]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج4 ص76 رقم319 .

([5]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج4 ص93 رقم388 .

([6]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج3 ص100-101 رقم 53 ، من عهد له (عليه السلام) إلى مالك الأشتر .

([7]) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ، ج3 ص45 رقم30 ، من وصيته للحسن (عليه السلام) .

([8]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص315 ب58 ح1 و3.

([9]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص313 ب57 ح1 وح2.

([10]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص231 ب8 ح1.

([11]) مسند أحمد بن حنبل ج2 ص55 .

([12]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج6 ص179 ب24 ح5.

([13]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص259 ب24 ح3.

([14]) وسائل الشيعة (الإسلامية) ج6 ص180 ب24 ح7.

([15]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص289-290 ب41 ح2.

([16]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص236 ب9 ح3.

([17]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص249 ب17 ح2.

([18]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص50 ب7 ح9.

([19]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص128 ب13 من أبواب زكاة الأنعام ح1.

([20]) وسائل الشيعة (آل البيت) ج9 ص289 ب41 ح1 .

1.) ) الأعراف 32 .

([22]) النمل 15.

([23]) ص 30 .

([24]) ص 35 .

([25]) ص 36  .

([26]) الأنبياء 81 .

([27]) سبأ 12 .

([28]) ص 37- 38 .

([29]) النمل 16 .

([30]) النمل 17 .

([31]) ص 39 .

([32]) ص 40 .

 

 

 

النيّة(*)

السيد علي السيد حسين مكي

 

النيّة في اللغة: القصد والعزم. يقال "نوى السفر" أي قصد السفر وعزم عليه.

والنيّة بالنسبة للعمل جوهره وأساسه، إذ بدونها لا يتحقق العمل ولا يتعيّن الهدف. ولذلك قيل: إنه من الصعب أن يكون عمل بلا نيّة، وإلا كان حاله حال الساهي والنائم.

والنيّة مما يستقل العقل بها وبضرورتها في كل الأعمال، لأن الإنسان ذو هدف وغاية.

والنيّة في العبادة أمر لازم وواجب، وهو الذي عليه الفقهاء عامة، وإلا فسدت العبادة، بمعنى أن النية في العبادة جزء من العمل، وهي توجب سقوط التكليف، ويخرج المكلف بها عن عهدته.

وقد حُدّد معنى النية شرعًا: أن يقصد المكلف الإتيان بالعمل امتثالاً لأمره تعالى.

ويدل على ذلك الإجماع المُحَصَّل والمنقول([1])، وحكمُ العقل بضرورتها. وأما الأدلة اللفظية من الآيات الكريمة والأخبار الشريفة، فدلالتها على ذلك محل كلام ومناقشات طويلة، ومحل البحث في هذا الموضوع "الفقه" و"الأصول"، فراجع ذلك في مبحث "التعبدي والتوصلي" في الأصول، وفي مبحث "النية في الوضوء" في الفقه.

النية جوهر الأعمال

والنية مقامها عظيم، وأثرها كبير، فهي روح العمل وثمرته، إذ هي التي تُبلور العمل وتظهره على حقيقته من حيث كونه عَمَلَ خيرٍ أو عمَلَ شرٍّ، ومن حيث كونه ذا هدف أو بلا هدف.

وقد أشارت لهذا الأمر الأخبار الشريفة:

ورد عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: [لا عمل إلا بنية]([2]).

وورد في الحديث: قال أبو عبد الله (عليه السلام): [إنما خُلّد أهل النار في النار، لأن نياتهم كانت في الدنيا أنْ لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدًا، وإنما خلّد أهل الجنة في الجنة لأنَّ نياتهم كانت في الدنيا أنْ لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدًا. فبالنيات خلّد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}([3])] ([4]).

وبالنية يستحق الإنسان الثواب والعقاب، ويفوز بالسعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي، ويحصل له الخير الواسع أو الشرّ الجامع.

ورد في الحديث عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال:

[إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الذي يلي حسابه، فيُعْرَض عليه عمله، فينظر في صحيفته، فأول ما يرى سيئاته، فيتغير لذلك لونه، وترتعش فرائصه، وتفزع نفسه. ثم يرى حسناته فتقرّ عينه وتسرّ نفسه، وتفرح روحه، ثم ينظر إلى ما أعطاه الله من الثواب فيشتد فرحه. ثم يقول الله للملائكة: هلمّوا الصحف التي فيها الأعمال التي لم يعملوها. قال: فيقرؤونها فيقولون: وعزتك، إنك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئًا، فيقول: صدقتم، نويتموها فكتبناها لكم، ثم يثابون عليها] ([5]).

وفي حديث آخر، أن النبي (صلى الله عليه وآله)  لما خرج إلى غزوة تبوك قال:

[إن بالمدينة أقوامًا، ما قطعنا واديًا، ولا وطأنا موطئًا يغيظ الكفار، ولا أنفقنا نفقة، ولا أصابتنا مخمصة، إلا شاركونا في ذلك وهم في المدينة. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : حسبهم العذر، فشاركونا بحسن النية]([6]).

وأيضًا ورد في الحديث عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام):

[أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  أغزى عليًا في سرية، وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريته، فقال رجل من الأنصار لأخٍ له: اُغزُ بنا في سرية عليٍّ، لعلنا نصيب خادمًا أو دابة أو شيئًا نتبلّغ به. فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله)  قوله، فقال: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله عز وجل فقد وقع أجره على الله عز وجل، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلا ما نوى]([7]).

والروايات بهذا المضمون متعددة.

وحيث اتضح أنه لا بدّ من النية، وأنها جوهر الأعمال، كان لا بدّ أن تكون النية والمقصد هو الله سبحانه وتعالى، فإنه منتهى الغايات والآمال، والمقصد التام.

كما ورد على لسان سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

[ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك]([8]).

وكذلك ما ورد عن سيد الساجدين وزين العابدين، الإمام علي بن الحسين (صلى الله عليه وآله) ، قال: [إني أكره أن أعبد الله ولا غرض لي إلا ثوابه، فأكون كالعبد الطَّمع المطمع، إن طمع عَمِلَ، وإلا لم يعمل، وأكره أن لا أعبده إلا لخوف عقابه، فأكون كالعبد السوء، إن لم يخف لم يعمل. قيل: فَلِمَ تعبُدُه؟ قال: لما هو أهله، بأياديه عليّ وإنعامه]([9]).

وحصر النية بهذا الشكل -بأن يكون الله وحده في القلب والخاطر- يجعل الإنسان في مقام الطاعة المطلقة والعبودية المطلقة والمعرفة التامة، وبهذا يمتاز العبد في رحلته إلى الله عز وجل، فإن الشعور والإحساس بالعبودية لله سبحانه علامة التكامل في الإنسانية.

العبادة بقصد الثواب أو خوف العقاب

الناس في عبادتهم لله على ثلاثة أصناف، كما أشار الإمام الصادق (عليه السلام) لذلك، قال (عليه السلام): [إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحُرَصاء، وهو الطمع. وآخرون يعبدونه فَرَقًا من النار، فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حبًا له عز وجل، فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن، لقوله عز وجل {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}([10])، ولقوله {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}]([11])([12]).

فالقسم الثالث هو أرقى أنواع العبادة، وإن كانت الأقسام الأخرى ترتقي بالإنسان إلى مقام الطاعة والانقياد، وإلى القرب من الله سبحانه.

إن الإنسان في مسيرته الأخلاقية والعرفانية يمكن أن يسير إلى أبعد من آفاقه وحدوده، لأن الله سبحانه وتعالى جعل فيه القوى المتعددة والإمكانات الكثيرة التي يصل بها إلى آفاق المعرفة والكمال.

إن المطلوب من الإنسان أن يتحرك نحو المعرفة ويسير بكمالاتها ليتمكن من خدمة الله سبحانه ويوفّق إليها ، فيكون مهيّئًا دائمًا وأبدًا لدعوة الحق واستجابة الدعوة.

إن العيش في كنف الله وخدمة الله هو غاية ما يتأمله الإنسان ويتوقّعه -إنْ وفّق لذلك-، فهو غاية الغايات. ومعنى هذا هو أن لا يرى في الوجود شيئًا سوى الله سبحانه وتعالى، وعلى أساسه تتمحض علاقته بالله وتقوى وتتفرّد.

وأهم أنواع هذه الخدمة والعلاقة هو [العبادة ]. والعبادة أنواع متعددة، فالصلاة عبادة، والذكر عبادة، والتفكّر عبادة، وقراءة القرآن عبادة، والتسبيح والتهليل والصلاة على النبي وآله عبادة.

والمهم في كل هذا أن يستشعر العبد المؤمن أن وجوده لم يكن عبثًا، وإنما كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}([13]).

وهذه العبادة يمكن أن تكون في كل شأن من شؤون الإنسان، وفي كل حركة وسكنة يمكنه من خلالها أن يتقرّب إلى الله سبحانه ويكون متوجهًا إليه سبحانه وتعالى ويكون في خدمته دائمًا وأبدًا.

وقد يُسأل: إن العبد إذا عبد ربه خوفًا من ناره أو طمعًا في جنته هل يمكن أن يحصل على الثواب الذي أعده الله للعابدين والمتقربين أم لا؟

والجواب: أن هذا "القصد" إذا كان هو الدافع إلى عبادة الله سبحانه وتعالى مع الاعتقاد بأن الله هو الربّ الذي يُعبَد فلا يُخِلُّ هذا القصد بالإيمان، وإن كان لا يصل به إلى مرتبة الأوصياء والأولياء الخلّص، لأن مرتبة أولئك إنما هي لتمحُّضهم لله وانقطاعهم الكلي إليه سبحانه بحيث لا يوجد إلا الله في عقولهم ونفوسهم وقلوبهم. أما نحن فمرتبتنا دون ذلك بكثير، ولذلك فثوابنا على مقدار توجّهنا وانقطاعنا إلى الله سبحانه.

ويؤكّد هذا ما ورد في الصلاة من أن الثواب في الصلاة يكون على مقدار التوجّه بها والانقطاع بها إلى الله، وإلا فقد تُلفّ الصلاة كما يلفّ الثوب ويُضرب بها وجه المصلي، لأن قلبه منشغل بأمور أخرى([14]). نعم يسقط بها التكليف أي لا تجب إعادتها، لأن الثواب شيء متعلق بالتوجه والانقطاع بها إلى الله، والتكليف متعلق بالأداء، فإذا أدّاها وقلبه مشغول يسقط بها التكليف فقط، اللهم إلا أن يكون انشغال المصلي في أثناء صلاته بحيث لا يَعْرِفُ أولها من آخرها وكيف هي، فهذه تكون باطلة!

فحالنا غير حال الأوصياء والأولياء، إنهم دائمًا في خدمة الله، وإذا انقطعوا بشرب الماء مثلاً عن خدمة الله عَدُّوا ذلك ذنبًا واستغفروا منه، وعلى هذا المعنى يُحمل ما ورد في دعاء كميل الذي علّمه أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوْبَ الَّتِيْ تَهْتِكُ العِصَمَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوْبَ الَّتِيْ تُنْزِلُ النِّقَمَ.. إلخ). وإلا كيف يصح القول بالعصمة مع أنه يفعل الذنوب؟!

ومن هنا نقول للبعض الذي فسّر دعاء كميل بقوله: "ألا تشعر: أن عليا (ع) لا يزال خائفا، ولا سيما أن الذنوب والخطايا التي طلب من الله سبحانه وتعالى أن يغفرها له، هي من الذنوب الكبيرة التي يكفي ذنب واحد لينقصم الظهر منها" : يا ويلك من هذا القول، وساعد الله الإمام من أمثال هؤلاء الأشخاص الذين لا يفهمون واقع العصمة ولا الإمامة، وهل من المعقول القول بالعصمة للإمام ثم القول بأنه يفعل الذنوب؟!

والتوجيه الصحيح ما ذكرناه: من أنهم (عليهم السلام) لما كانوا دائمًا وأبدًا في خدمة الله، فإنهم يعتبرون انشغالهم بمثل الأكل والشرب من المباحات ذنبًا، لانقطاعهم في هذه اللحظات عن خدمة الله.

كما نقول للأشخاص الذين لم يفهموا ولم يعرفوا مقام علي (عليه السلام) ومكانته عند الله وعند رسوله (صلى الله عليه وآله) : إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يجعله الله سبحانه وتعالى نفسَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)  حيث قال جلّ وعلا: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} ([15])، إلا لأن عليًا (عليه السلام) بلغ المنزلة الرفيعة في كل الأمور، وأعطاه الله كل ما للنبي (صلى الله عليه وآله)  ما عدا النبوة، كما قال الرسول الأعظم  (صلى الله عليه وآله) :

>يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي<([16]).

فأنّى لهؤلاء وغيرهم أن يفهموا عليًا (عليه السلام)؟!([17]).

وأعود للقول: بأن العبادة لله هي الانقطاع الكامل لله سبحانه، والتوجه إليه توجّهًا ينفي من قلبه كل العلائق والأفكار المنافية، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن ينفي كل شيء فإن في المحاولة إلى أن يكون كذلك موجبًا للارتقاء إلى مراتب الكرامة والوصول إلى خدمة الله بما يليق بشأنه ومقامه.

ومن هنا كانت مراتب الأولياء والعُبّاد تختلف باختلاف السلوك والمجاهدات ، فإن المجاهدة للنفس تعني ترويضها على الالتزام بالطاعة وعلى الابتعاد عن الأهواء والشهوات على اختلاف أنواعها. لأن النفس عندما يطلق لها العنان في أهوائها وميولها ونوازعها تبتعد عن الحق وعن الواقع وتتكاسل في الطاعة والالتزام الذي يرتقي بها إلى الكمال والفضائل. لأن الكمالات أشبه ما تكون بالقيود والحواجز التي تقيّد النفس وتحجزها عن الانطلاق في مجالاتها التي كلُّها لهو وعبث وغفلة، ولذلك تصاب بالضيق والحزن إذا ابتعدت عما تميل إليه في سبيل كمالها ورقيّها وصفائها.

إن الكمال الإنساني وإن كانت له مقومات عديدة، من العقل، والعقلانيات، والمعرفة، والعلم، والالتزام بالأحكام والأخلاق والآداب، والعمل الدائم الدائب في مختلف الشؤون التي يتوصل بها الإنسان إلى سدّ الفراغ الذي يؤثّر عليه، إلا أن الواقع أن "الكمال" هدف أساسي ينبغي أن يُطلب ويُرتقى به إلى الإنسانية الحقة التي هي الغاية، وما فوقها غاية.

فمجاهدة الأولياء لأنفسهم ليست عن الأكل والشرب فقط، وإنما مجاهداتهم ترتقي إلى تكميل أنفسهم وتسخيرها دائمًا وأبدًا في خدمة الله سبحانه، فيبعدونها عن الأهواء؛ أما المحرمات فلا يقربونها أبدًا، وأما الأهواء المحلّّّلة فهذه أيضًا لا يتوسلون إليها إلا بالمقدار الذي يتوجب عليهم مراعاته لأنفسهم أو لغيرهم -وإن كانت عبادة وطاعة من جهة أخرى كما لا يخفى-، وما تبقّى فهم دائمًا في خدمة الله سبحانه بشكل مطلق.

فالمجاهدة عندهم: هي الارتقاء في تهذيب النفس وتكميلها والسير بها إلى آفاق الكرامة والعزّة التي تجعلهم دائمًا في قرب من الله سبحانه وتجعلهم دائمًا وأبدًا يستشعرون العبودية المطلقة لله. فإن أول الواجبات والأساس في عملية تقويم [النفس] وتهذيبها وإن كان هو أداء الواجبات والانتهاء عن المحرمات.. إلا أن الارتقاء بها في مراتب الكمال يحتاج إلى ترويض عال للنفس، لا بترك المحرم وفعل الواجب فحسب، بل بمحاربة الهوى والإعراض عما يجعل نفسه أسيرةَ الرغبة وحبيسةَ الشهوة وقرينةَ الهوى، اللهم إلا ما يوصل إلى الله سبحانه من طرق الطاعات والمستحبات، وبذلك يكبح جماح "النفس" من أن تنخرط في عالم الأهواء والرغبات والشهوات.

إن هذه المعاني حين تملأ آفاق النفس والعقل والروح، يشعر المرء بأنه قد تجرّد عن عوالم المادة، وسار في طريق الهدى والإيمان بنحو لا يرى غير الله سبحانه.

هذا المعنى ليس بالأمر السهل، ولكنه ليس من المستحيلات في عالم الإنسان.

فالحاصل: أنه بعد مرحلة العبادة، تأتي مرحلة ترويض النفس وتأديبها، وذلك يكون -كما أشرنا إليه- بجعل النفس مبتعدةً عن الأهواء والشهوات والميول التي تشغلها عن التوجّه إلى الله وذكره، ومنصرفةً إلى الطاعات وموجبات الخير والرحمة والأنس بالله سبحانه وبما عنده وبما يوجب القرب منه تعالى: من الدعاء، والذكر، والمناجاة، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتعظيم، وقراءة القرآن، والابتهال إليه، والتفرّغ لخدمته، والعيش في آفاق رحمته وإحسانه وعفوه وخدمته.

إن مجاهدة النفس عمليّة شاقّة، لأن النفس كلما منعتَها عن هواها وعن رغباتها تزداد تعلّقًا بما تهوى، وتزداد تعنتّا نحو ما تريده، بل قد توجد لها الأعذار والموجبات بترك ما ينفعها وما يصل بها إلى دار الكرامة والرضا والقبول من الله سبحانه.

إن كمال النية إنما يكون بإزاحة العلل والموجبات التي تؤثر فيها من الأهواء والشهوات والرغبات غير الراجحة، أو التي تزيد في التعلق بالأهواء وتوجب الانصراف عن الحق وخدمته وعن التوجه إلى الله سبحانه.

وقد ورد في دعاء كميل: [واجعلني من أوفر عبادك نصيبًا عندك]، أي أكثرهم.

فعلى الإنسان أن يكون دائمًا صحيح النية سليمها، يهذبها بالصفاء والنقاء وبالطاعات والمستحبات ودوام الذكر، والاستمرار على أن يكون دائمًا في خدمة الله سبحانه، ومتنبهًا لما يُخشى من تأثيرها على مسيرته الحقّة من المحرمات والشبهات، وما يحيط بالإنسان من عوامل داخليّة تنبع من داخل نفسه، وخارجيّة مما يراه ويشاهده من الأعمال غير اللائقة بالإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

2.*) هذا المقال انتخب من كتاب لسماحته معدّ للطبع [تأملات في شرح دعاء مكارم الأخلاق].

([1]) الإجماع المحصل : أن يطلع بنفسه على أقوال العلماء وفتاواهم فيثبت عنده إجماعهم . والمنقول : هو إخبار بعض الفقهاء عن ثبوت الإجماع عنده (التحرير).

([2]) الكافي ج2 ص84 ح1.

([3]) الإسراء: من الآية 84.

([4]) الكافي ج2 ص85 ؛ وعنه بحار الأنوار ج67 ص201 ح5.

([5]) بحار الأنوار ج67 ص204 ح12، رواه عن تفسير علي بن إبراهيم.

([6]) جامع السعادات ج3 ص89 ؛ وهو مروي في مسند أحمد ج3 ص160، عن أنس بن مالك: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد تركتم بالمدينة رجالاً ما سِرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال: حسبهم العذر).

([7]) بحار الأنوار ج67 ص212 ح38، رواه عن أمالي الشيخ الطوسي.

([8]) عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي ج2 ص11.

([9]) بحار الأنوار ج67 ص210 ح33، رواه عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام).

([10]) النمل: من الآية 89.

([11]) آل عمران: من الآية 31.

([12]) بحار الأنوار ج67 ص197-198، رواه عن الشيخ الصدوق.

([13]) الذاريات: 56.

([14]) انظر: بحار الأنوار ج81 ص260 ح59، عن النبي (ص): [إن من الصلاة لما يقبل نصفها، وثلثها، وربعها، وخمسها، إلى العشر، وإن منها لما يلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبهـا، وإنما لك من صلاتك ما أقبلت عليه بقلبك].

([15]) آل عمران: من الآية 61.

([16]) وهو مروي في كتب الفريقين، راجع: بحار الأنوار ج8 ص1. وصحيح البخاري، باب غزوة تبوك ج5 ص129؛ وصحيح مسلم ج7 ص120؛ ومسند أحمد بن حنبل ج3 ص32؛ وغيرها.

([17]) عقدنا بحثًا في كتابنا (تأملات في دعاء كميل) في أنه ماذا يعني إقرار المعصوم بالذنوب وطلبه المغفرة؟! الطبعة الأولى، ص23، فراجع.

 

 

 

محوريَّةُ الزهراء (ع) في قانون السماء

الشيخ أحمد الدر 

 

ثلَّةٌ قليلةٌ هم الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم على الخلق أجمعين، ليكونوا محورًا في دستوره السماوي، وقطبًا تدور عليه رحى المعارف والطاعات، والمصالح والغايات، فوهب لكلٍ صلاحيَّاتٍ واختصّه بقُدُراتٍ، بحسب رتبتِهِ التي رتَّبه الله فيها.

ومعرفة محوريَّة هؤلاء، ثم ترتيبهم بحسب مراتبهم الواقعية، لا سبيل إليها إلا عن طريق لسان الوحي، سواءٌ أكان نصًّا قرآنيًّا أم حديثًا معصوميًّا، لأنَّ المقامات الجعلية تابعةٌ لجاعلها، وحيث إنَّ الجاعل هو الله تعالى، فهو -ومن ينطق عنه- المرجعُ في هذا الباب.

ولو تتبَّعنا النُّصوص القرآنية والروائية، بُغية التعرُّف على الذين اختارهم الله تعالى ليكونوا أدلاَّء عليه، ووجوهًا يُتوجَّه بها إليه، فسنجدُ أن المتربِّع على قمَّة ذلك العالم هو النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) ، وعلى ذلك إجماع عقلاء المسلمين([1]) على اختلافِ مذاهبهم وتباينِ اعتقاداتهم.

ثم يتلوه في الرتبة من نصَّ القرآن على كونه نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ووليَّ الذين آمنوا، والمطاع بعد طاعة الله بطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) ؛ الذي زيَّنته يد السماء بأبهى حُلَل المجد والثناء، وتوَّجته بتاج الخلافة الإلهية فكان خاتم الأوصياء، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ويتلوه في الرتبة والمحورية الحوراء الأنسيّة، التي سادت نساء العالمين، بل كلَّ العالمين بعد أبيها وبعلها صلوات الله عليهم أجمعين، فاحتارت الألباب في فهم معناها، وانقطعت الأسباب دون علاها، وخرَّ العقلُ معترفًا بقصور إدراكه عندما تلا لسان الوحي: [إن الله يرضى لرضاها]([2]).

وفيه قلتُ:

قِيلَ امْدَحِ الزَّهرَاءَ قُلتُ: كَفَاهَا
قِدِّيسةٌ قدْ حَارَ في أوصَافِها
سَجَدَ الزَّمانُ عَلى تُرابِ نِعالِها
هيَ سِرُّ سِرِّ النُّورِ نُورِ محمَّدٍ
فُطِمَ الخلائِقُ عَنْ تلمُّسِ ذاتِها
 

 

فَضْلاً بِأنَّ رِضى الإلهِ رِضَاها
أهلُ العَوالمِ أرضِها وسَماها
لِينَالَ فخرَ تَعَفُّرٍ بِثراهَا
هيَ غيبُ علِمِ الغَيبِ دَعْ معناهَا
ولِذا الإلهُ بِفاطمٍ سمَّاها(
[3])
 

وهنا نلوي العنان ونحط الرحال، لكون الغاية من هذا البحث هي محورية الزهراء (عليها السلام) في قانون السماء.

اهتمام السماء بالزهراء (عليها السلام)

أولت العنايةُ الإلهية اهتمامًا بالغًا -لا أقول قلَّ نظيره بل انقطع نظيره- بتكوين الزهراء (عليها السلام) ونشأتها ورعايتها منذ الولادة إلى الشهادة بل إلى ما بعد الشهادة.

ولا مجال الآن لرسم المخطط الكامل لتلك العناية بتفاصيله بل ولا على نحو الإجمال، ولكن نكتفي بذكر نماذج يثبت بها العنوان، وتبرِّد غلَّة الظمآن.

عالم الأنوار: أولُّ وجودٍ لسيدة النساء (عليها السلام) كان عالم الأنوار، وبلغ من اهتمام السماء بها، ورعايتها لها، أن كان نورُها النورَ الثالث في أول عوالم الخلق، عالم الأنوار، مشتقًّا من نور محمَّد وعلي (صلى الله عليهما وآلهما)([4]).

عالم الدنيا: خلافًا لكل القوانين السابقة على ولادتها، بل والتالية لها، تمّت عمليَّةُ نقلِ نطفتها الطاهرة!!

فبدل أن تتنقل في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة إلى أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، تدخَّلت العناية الإلهية، فقنَّنت قانونًا لا ينطبق على أحدٍ غيرها من النِّساء، ميَّزها عن كل أنثى بلا استثناء، إذ كان انتقالُ نطفتها من الملكوت الأعلى إلى صلب من دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، حالُها نظيرُ حالِ بقيَّة المعصومين الأربعةَ عشر، ولذلك سُمِّيَت بالحوراء الإنسيَّة.

فلقد كثرت الروايات عن النبي وآله (صلى الله عليه وآله)  في حديثه عن رحلة معراجه أنه أكل ثمرةً مخصوصةً من ثِمارِ الجنة، فتحوّلت نطفةً في صلبه، وكانت فاطمة (عليها السلام)([5]).

زواجها: في عقدِ قرانها كان لله تعالى شأنٌ لم يُعرف قبلها ولا بعدها لأحد أبدًا، إذ تولَّى الله تعالى تزويجها لأمير المؤمنين عليِّ (عليهما السلام) في الجنة، بحضور سكّان ملكوته، ثم أمر نبيَّه محمَّدًا (صلى الله عليه وآله)  أنْ يُجريَ العقد على الأرض، فكان زواجًا لم يُسبق ولم يُلحق، وفي طيّاته انطوت أسرار تحار بها الأفهام والأفكار.

وفي ذلك قلتُ مخاطبًا أميرَ المؤمنين (عليه السلام):

وَيَا كُفْأَ البَتُولِ وَذَاكَ شَأنٌ
سَيحْسِبُ جَاهِلٌ أنِّي مُغَالٍ
 

 

لِغيرِكُما مَحَالٌ أن يُوفَّى
إذا أبدَيتُهُ فَالكَفُّ أكْفَى(
[6])
 

الذريَّة: هنا يُعذرُ إنْ لَكِنَ اللسان، وقصُر البيان، ولا يسعني سوى القولُ أنها (عليها السلام) أنجبت خيرَ من خلقَ الله تعالى، وصفوةَ من أوجد، لولا جدُّهم وأبوهم وأمُّهم، أحدَ عشرَ إمامًا، بهم عُرف الله، وعليهم دارت رحى رضاه، وإليهم يتوجُه من ابتغى لقاه، وعنهم يصدر هديُهُ وهُداه، صلوات الله عليهم أجمعين.

المهمة الأخيرة: ما كانت العناية الإلهية -التي رافقت سيَّدة النساء (عليها السلام) في كل أدوار وجودها- لتتخلى عنها في الفصل الأخير من قصة حياتها، بل أولَتها أعلى مستويات الرعاية والعناية، فكانت مهمَّتها الأخيرة تقديم كلِّ كيانها قربانًا لله، لتمضي شهيدةَ الوفاء لخط النبوة، والفداء لنهج الإمامة، فأسدت للدين والمتديِّنين خدمةً لا يُقدِّرُ ثمنَها إلا الذي لا إله إلا هو سبحانه وتعالى.

وفي ذلك قلتُ:

لا تعجبنْ لعظيمِ ما خُصَّت به
جُلْ
في رياضِ التضحياتِ لكي ترى
ضحَّتْ بكلِّ وجودِها لإلهها
أتظُنُّها مذ طالبت بحقوقِها
ما طالبت إلا لتثبتَ واقعًا
ويُقالُ كسرُ الضِّلعِ أمرٌ عابرٌ
سأقولٌ قولاً لا يروقُ لناصبٍ
 

 

أمُّ الخلودِ من المقام الأمجدِ
أنَّ الذي
ضحَّت به لم يُعهدِ
بجَنانها بالقولِ حتَّى باليَدِ
طَمِعت بمالٍ؟! ذلكَ الظنُّ الردي
أنَّ الذي غصبَ الخلافةَ معتدي
حدَثٌ مضى! كلا وربِّ المسجدِ
الدِّينُ لولا ضلعُها لم يصمُدِ(
[7])
 

إلى غير ذلك من العنايات الإلهية الخاصَّة بها، والتي تضيق القراطيس بتسطير إجمالها فضلاً عن تفصيلها.

المحورية الفاطمية

إطلالة سريعة على التراث المقدس من القرآن والعترة تكفي لزرع اليقين في القلوب السليمة بأن الزهراء (عليها السلام) كانت محورًا ربَّانيًّا في أكثر من بُعد من أبعاد حياتها، بل في كلِّ أبعاد حياتها.

وها نحن نشير إشارات سريعة لجملة من هذه الأبعاد المحورية، بحسب ما يقتضيه المقام من الإيجاز والاختصار.

الأول: المحورية في رضا الله تعالى وغضبه، فلقد اتفق المسلمون جميعًا، على رواية الحديث الصحيح عند الكلّ، وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله) : [إنَّ الربَّ يغضبُ لغضب فاطمة ويرضى لرضاها]([8]).

الثاني: المحورية في قيام القرون الأولى، وقد أشار إلى هذا البعد بل نصَّ عليه قول الصادق (عليه السلام): [...وعلى معرفتها دارت القرون الأولى]([9]).

وإليه أشرتُ بقولي:

شدَّ العلى نحو المدينة ركبَهُ
أوليسَ (
لولاها لما خُلِقَ الورى)
لا غرو إن (دارت على عرفانها
من يعرِفِ الزهراءَ يعرفْ ربَّهُ
 

 

وسرى حثيثًا نحو منزل أحمدِ
شأنٌ
لها يرضاه كلُّ موَحِّدِ
أولى القرونِ) ففيه كل المقصدِ
قلها ولا تعبأ بعذلِ الملحِدِ(
[10])
 

الثالث: المحورية في كون إيذائها مستوجبًا للعنة الإلهية في الدنيا والآخرة، فلقد تسالمت كلمات علماء المسلمين، وفقًا للروايات الكثيرة الصحيحة، على أن من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومن آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)  فقد آذى الله تعالى، ولقد قال الله في محكم كتابه: {إن الذين يُؤْذُونَ اللهَ ورسولَهُ لَعَنَهُم اللهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهينًا}([11]).

وفي هذا المعنى أقول:

يا لائمَ الشِّيعيِّ في لَعنِ الأُلى
أتقُولُ بالتَّحريفِ في القُرآنِ أَمْ
أوَمَا قرأتَ
بِسورةِ الأحزابِ أنَّ
أوَلَمْ يَرِدْ بصحاحِكُم قَولُ النَّبيِّ
مَنْ يُغضِبِ الزَّهراءَ يُغضِبْ أحمَدًا
مَا بالُكُم؟ هلْ دِينُكُم قَولٌ بِلا
 

 

قد جرَّعوا الزَّهراءَ كأسَ أسَاها
لا
تفقَهُ الآياتِ مَا معناهَا؟!
اللهَ يلعَنُ مَنْ يُؤاذِي طَهَ؟!
لِفاطمٍ يؤذيهِ مَنْ آذاهَا
الكُلُّ حتَّى النَّاصبيُّ رَوَاها
ع‍َمَلٍ؟ ألا تخشَوْنَ يَومَ جَزَاها(
[12])
 

الرابع: محوريتها في كونها هي والأربعة من أهل الكساء العلةَ الغائيَّة من خلق الخلائق أجمعين، وعلى ذلك الروايات القطعية الصدور، ويكفي شاهدًا في المقام حكمُ صدوق الطائفة (رحمه الله) في كتاب الإعتقادات بوجوب الاعتقاد بأنَّه: [لولاهم لما خلق الله السماء والأرض، ولا الجنّة ولا النار، ولا آدم ولا حواء ، ولا الملائكة ولا شيئًا مما خلق، صلوات الله عليهم أجمعين]([13]).

دفعُ توهُّم

توهَّمَ بعضهم أو حاول إيهام الآخرين بأنَّ حديث الكساء غير معتبر، رفضًا منه لمضمونه الذي لا يتناسب مع خلفيَّاته التقصيرية في درك مقامات أولياء الله تعالى.

وقد انقسمت هذه الشرذمة إلى طائفتين، طائفة أنكرت متن الحديث متذرِّعةً بضعف السند، وأسخفُ هؤلاء من نسب الضعف إلى السَّند بناءًّا على عدم ذكر السَّند في مفاتيح الجنان!! كاشفًا بذلك عن سذاجة فهمه وخبث سريرته، فمتى كان عدم ذكرِ السند كاشفًا عن عدم وجوده؟! خصوصًا وأنَّ الكتاب لعالمٍ معاصرٍ، جمع كتابه ليكون منهاجًا للمؤمنين في الأعمال العبادية التي يتقرب بها إلى الله تعالى، مما يقتضي حذف الأسانيد كما لا يخفى.

وطائفة صرَّحت بأن مضمون الحديث لا يتوافق مع اعتقاداتها فكشفت عن مكنون أفكارها، لتعيدَ للذاكرة أخبار أقوامٍ مردوا على الشقاق.

ولسنا في صدد توسيع البحث حول هذه المسألة، ولكن نشير سريعًا إلى سرابيَّة هذه الدعاوي ووهنها.

الطائفة الأولى:

فالكلام فيها يقع في جهتين (تارة من حيث اتصال السند وصحته ، وأخرى من حيث القطع بصدوره):

الجهة الأولى:  أن حديث الكساء مروي بسند صحيح متصل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري ، ذكره المحدِّث الثقة الشيخ عبد الله البحراني رضوان الله عليه في حاشية كتابه عوالم العلوم ج2 ص930 ، وسلسلة السند مشايخ أجلاَّء، ومحدِّثون فقهاء ، فليراجع كلامه .

الجهة الثانية: إنَّ عدَّ الاعتقاد بمضمون حديث الكساء من اعتقادات الإمامية، بل وجوب الاعتقاد بذلك كما نصَّ عليه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه، يكشف كشفًا يقينيًّا عن صدوره عن لسان الوحي، كما لا يخفى على أهل الفهم والمعرفة.

فمن يتكلف -بعد ذلك- البحث عن سند هذا المضمون محاولاً التشكيك في صدوره إنَّما ينادي بمناهضته لخطِّ آل محمَّدٍ صلوات الله عليهم، ومخالفته لاعتقادات الإمامية أعلى الله كلمتهم.

الطائفة الثانية:

وأما المنكرون لمعنى الحديث، الطاعنون في مضمونه، بغض النظر عن سنده، مدَّعين أنَّ الاعتقاد بعليَّةِ أهل الكساء الغائية لوجود المخلوقات ضربٌ من الغلو!!

فإمَّا أن يلتزموا بالسفسطة والتحكُّم، لأنَّه لا شبهة لدى أي عاقلٍ أن خلق الخلق كان لغاية ومصلحة، وأنَّ هذه الغاية والمصلحة لا تعود على الله تعالى لكونه الغنيّ المطلق، فأي محذورٍ لديهم أن تكون الغايةُ هي المخلوق الأكمل والتجلي الأتمّ الذي تدور عليه رحى الكمال والجمال؟!

وإمَّا أن يعلنوا للملأ عن خفايا نفوسهم وخبايا صدورهم من حسدٍ للناس الذين شرَّف الله تعالى بهم جميع مخلوقاته، {أَمْ يَحْسِدون النَّاسَ عَلَى ما آتاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}([14]).

ومن كان حاله كحال هؤلاء، يلائمه قولي في قصيدة (آفة التَّجديد):

يا سيَّدي! أشكو إليْكَ زمانَنَا
زمنًا بِهِ المعروفُ
أصبحَ منكرًا
زمنًا بهِ التَّجديدُ أضحى سِلعةً
أفٍّ لتجديدٍ رَضوْهُ فَلَم ينَلْ
أعني مناقِبَ آلِ بيتِ محمَّدٍ
 

 

أنتَ العليمُ بكلِّ أمرٍ جَارِ
واستُبدِلَ الأخيارُ بالأشرارِ
راجَتْ بسُوقِ تجارةِ الأفكارِ
غيرَ الذي قدْ صحَّ في الأخبَارِ
ومثالبَ الأوثانِ أهْلِ النَّار(
[15])
 

الخامس: محوريتها في مذهب أهل البيت عليها وعليهم السلام، وهو ما يحتاج لعقد بحث مستقلٍ لبيانه، وكشف الغطاء عن أسراره ومعانيه، علمًا بأنني لم أرَ فيما رأيت من تصانيف علمائنا مَن تعرَّض لهذا المقام من مقاماتها روحي فداها، ولعلَّه لوضوح معناه عندهم، غير أنَّنا اليوم في أمسِّ الحاجة للوقوف على حقيقة هذا المحور، والتدبُّر في عظمته، وجلالة دلالاته.

وهذا ما أتركه لبحث مستقلٍّ، لكي يعطى الموضوع حقَّه، ونكتفي بهذا المقدار، ونترك الغوص في بحور المعاني واستخراج أسرارها لأهلها، ويعجبني أن يكون مسك الختام روضةٌ من رباعيات المديح لهذه السيدة العظيمة صلوات الله عليها، مُقرًّا بأنَّ المدحَ ممدوحٌ بمدحهم!!

حِرْتُ بِمَعْنَاكِ

لَمَّا رأتْ حُبَّ البتولِ شِعاري
 

 

فاحَتْ بِمِسكِ عبيرِها أشعاري
 

* * *

هيَ فاطِمٌ وَصِفاتُها تأبى العِدادْ
عِرْفانُها مِنْ دونِهِ
خَرْطُ القتادْ
 

 

العقلُ طافَ بِها وَبِالإقْرارِ عادْ
هي
سِرُّ نورٍ لُفَّ بالأسرارِ
 

* * *

يا بنتَ طه حِرْتُ في معناكِ
أنا لا أُبالي
ما اسمُ مَنْ آذاكِ
 

 

وَعَلِمتُ أنَّ العقلَ دونَ عُلاكِ
لَكِنْ
عليهِ لعنّةُ القهَّارِ
 

* * *

قلبي لِمَنْ والاكِ كانَ مُوَالِيَا
سَيَظَلُّ في مَرِّ
الزَّمانِ ندائِيَا
 

 

وَلِمَنْ جَفَاكِ مَدَى الدُّهورِ مُجَافِيا
كُسِـرتْ أضالِعُ بَضْعةِ المُختارِ
 

* * *

يَكْفيكِ فَخْرًا مُشـرِقًا يَكْفيكِ
سُمِّيتِ تَشـريفًا
بِأُمِّ أبيكِ
 

 

اللهُ يَرضى كُلَّ ما يُرضيكِ
صلَّتْ عليكِ ملائِكُ الأسحارِ
 

* * *

طوبى لعبدٍ نال صكَّ رضاها
كالطَّير تلتقطُ
الذي والاها
 

 

سيرى بيوم الحشـرِ فضلَ عُلاها
وتسيرُ يتبعُها لنعم الدَّارِ
 

* * *

يا من أتى عن حبِّها ينهاني
سأراكَ في يومِ الجزا وتراني
 

 

حبُّ البتولِ غدًا صراطُ أمانِ
من في
الجنان؟ ومن وَقودُ النَّارِ[16]
 

 ــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) فبالرغم من كونِ أفضليَّته (ص) على جميع الخلق أمرًا ضروريًّا من ضروريَّات الدين، نجدُ أن بعض المسلمين قد أنكر هذه الأفضليَّة، مدَّعيًا أنَّ الملائكة أفضل منه (ص) -راجع تفسير الرازي ج2 ص216-، وقد وفَّى علماؤنا البحث حقَّه في ردِّ هذه الدعوى وغيرها، أمثال الشريف المرتضى في شافيه وشيخ الطائفة في تلخيصه وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين.

وآخر نسبَ إلى النبيِّ (ص) أنه قال: (ولا أقول إنّ أحدًا أفضل من يونس بن متى) المسمى: صحيح البخاري ج4 ص 133، وفيه أيضًا: (من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) ج5 ص185!! فاقرأ وتعجَّب!! وانظر إلى شرَّاحه كيف تخبَّطوا في محاولات تبرئته من هذه الكبوة المشينة.

([2]) أمالي الشيخ الصدوق ص467 ح622/1، الاعتقادات في دين الإمامية ص105، دلائل الامامة للطبري ص146 ح53/53، وغيرها من مصادر الخاصَّة. والمستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص154، منصِّصًا على صحته، وراجع غيره من مصادر العامة.

([3]) ديوان مرآة الشعور ص119 من قصيدة: قطب الوجود.

([4]) دلائل الامامة للطبري الشيعي ص448، ومقتضب الأثر لابن عياش ص6، وغيرهما.

([5]) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص184، ومناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) للكوفي ج2 ص206، وغيرها الكثير من مصادر الخاصة.

والمستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص156، ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص202، وغيرها من مصادر العامة.

([6]) ديوان مرآة الشعور ص71 من قصيدة: شممتُ هواك...

([7]) من قصيدة: أمّ العلى، نظمتُها ليلةَ ميلادها (ع) 20 جمادى الآخرة 1432 هجرية، بجوار سَمِيِّتها أختِ الرِّضا (ع).

([8])  مرَّ تخريجه.

([9]) الأمالي للشيخ الطوسي ص668 حديث1399/6.

([10]) من قصيدة: أمُّ العلى، نظمتُها بعد طباعة الدِّيوان.

([11]) الأحزاب 57.

([12]) ديوان مرآة الشُّعور ص122 من قصيدة: قطب الوجود.

([13]) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق ص93.

([14]) النساء من الآية 54.

([15]) ديوان مرآة الشُّعور ص328.

([16]) ديوان مرآة الشُّعور ص124.

 

 

هل كانت السيدة ليلى زوجة الحسين (ع) في كربلاء؟

الشيخ حسين عبد الله عبد الله

تمهيد

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الكثير من وقائع نهضة كربلاء مع اشتهارها وتناقلها، فأنكر البعض الكثير منها، ووضعها في صف المجعولات التي لا أساس لها مع ما في ذلك من اتّهام للناقلين لتلك الأحداث بالاختلاق والوضع دون مراعاة لقواعد البحث العلمي في رفضه لها، وكان إنكاره ذلك مستندًا إلى عدم وجدان ما يشير إليها في كتب التاريخ حسب ما بحثه وحققه هو بنفسه ..

ونلاحظ على هذه الدعوى عدة أمور :

أولاً : إن العبرة عند هؤلاء البعض هو ما قرأه بنفسه، مع أنه لا يمكن لأحد أن يدّعي الغوص في كتب التاريخ والاطلاع على كل مضامينها وإشاراتها، فكأن هذا البعض قد أسّس قاعدة تخالف بديهيات العقل مفادها أن عدم الوجدان "منه" يدل على عدم الوجود، مع أن العقل يحكم بأن عدم الوجدان منه أو من غيره لا يدل على عدم الوجود، إذ لعل من نقلها قد وجدها في كتاب لم يصل إلينا، أو وصل ولكن لم يقرأه ذلك المنكر، أو لم يلتفت إلى إشارة فيه تدل على ذلك، فلرُبّ باحث عن عين ماء في مكان ولا يجدها مع أنه يقطع بوجودها في ذلك المكان.

وثانيًا : إن الكثير من الكتب التاريخية قد ضاعت علينا كما حدث في مكتبة بغداد أو مكتبة بعلبك أو مكتبة بني عمار في طرابلس أو مكتبات العامليين التي نهبها الجزار وغير ذلك من مكتبات كانت تضم نفائس الكتب، والتي كانت تشتمل على الكثير من الأحداث التاريخية التي خفيت علينا حتى صرنا نعتمد في نقلها على الكتب التي نقلت عنها.

ثالثًا: إن كثرة وجودها وتناقلها في كتب المتأخرين والمقاتل قد يكون كاشفًا عن أخذها من مصادر تاريخية معتمدة خفيت علينا، فهي أقرب ما تكون إلى القضايا المقبولة (التي يٌعتقد بها نتيجة لأخذها من الغير الموثوق بقوله، نتيجة لحسن الظن بهم من أفاضل السلف والعلماء حسب تصنيف علماء المنطق)، وعليه فعلى من ينكر حادثة تاريخية بضرس قاطع أن يكون لديه الدليل القاطع على إنكاره، ولا يكفي عدم اقتناعه ما لم يستند إلى الدليل النافي .

ومن جملة هذه الوقائع والأحداث التي كثر الحديث عنها، قضية حضور السيدة ليلى أمّ علي الأكبر (عليه السلام) في كربلاء، فقد شكك بعضهم في ذلك مدعيًا أنها توفيت قبل حادثة كربلاء، وبناء على هذه النتيجة طعن بكل من يذكر حضورها في كربلاء بأنه إنما يذكر ذلك من أجل إثارة العاطفة عند الناس وإدرار الدمعة على الحسين (عليه السلام) وعيالاته، لأنه يفتقد لعامل التأثير، والناس قد كُررت عليها مصيبة علي الأكبر ولم تعد تتأثر بها فيحتاج الأمر إلى شيء جديد.

وتنحل هذه الدعوى إلى ثلاث دعاوى، وهي :

الأولى: أن أمّ علي الأكبر لم تحضر كربلاء ولا يوجد مصدر تاريخي يذكر ذلك.

الثانية: أنها توفيت قبل واقعة كربلاء.

الثالثة: أن قضية حضورها اخترعت من أساسها من أجل إدرار الدمعة.

ونحن سنناقش الأمور الثلاثة من الثالث إلى الأول تباعًا.

أما الأمر الأول : دعوى أن قضية حضورها في كربلاء مخترعة :

فيرد عليه:

أولاً: إن واقعة كربلاء لم تؤثر في النفوس فقط لكونها حادثة مؤلمة ووقائعها محزنة، ويلاحظ ذلك من خلال عرض وقائع أخرى تاريخية مؤلمة فنراها لا تأخذ المأخذ الذي نراه لكربلاء.

فليست الفاجعة وحدها هي سبب الحزن والدمعة، ويلاحظ أيضًا هذا المعنى في حال لو مات عزيز وكان الألم عليه كبيرًا جدًا، فإنه يُذكر عامًا أو اثنين أو خمسة، ولكن لا يعود ذلك الألم كما كان بل يصغر ليخفّ تدريجيًا.

فالسرّ في كربلاء هو سرّ إلهي لأننا نبكي على كلمة [يا حسين] أو على حادثة ولادته (عليه السلام) كأننا نعيش الأحداث في حاضرنا، فالسرّ هو تلك الحرارة التي أودعت فيها [إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا]([1]) فهل نحتاج بعدها لاختراع ألم جديد مع هذه الحرارة؟!.

ثانيًا: نلاحظ أننا كلما كُررت علينا السيرة الحسينية وما جرى في كربلاء كان لها أثر مغاير في النفس عن باقي السنين، حتى أن الفرد منا يشعر وكأنه لم يسمع هذه السيرة من قبل ويزداد الألم ولا يقلّ حتى نحتاج إلى اختراعٍ لتأجيج العواطف.

ثالثًا: لو كانت هناك حاجة للاختراع لأن الناس قد كُرر عليها ذكر الواقعة وحفظتها ونتيجة لذلك لم تعد تتأثر بها، لاحتاج الأمر إلى اختراعات مرة بعد أخرى، لأن الاختراع الجديد سوف يفقد تأثيره العاطفي بمرور الزمان -حسب دعواه- .

رابعًا: هل خصوص مأساة علي الأكبر (عليه السلام) تحتاج إلى اختراع؟

نلاحظ أن في واقعة علي الأكبر (عليه السلام) الكثير من الأحداث والمواقف التي تملأ بطون كتب التاريخ، والتي يكفي تصويرها لتتأثر النفس أكثر من الكثير من الوقائع العاشورائية، نذكر بعض هذه الأحداث فقط لإلفات النظر:

1- موقف الاستئذان من أبيه الحسين (عليه السلام)، ونظر الحسين (عليه السلام) له نظرة آيسٍ منه وإرخائه عينيه وبكائه([2]).

2- دعاء الحسين (عليه السلام) على عمر بن سعد [يا ابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي]([3]).

3- لما برز علي الأكبر أرخى الحسين عينيه بالدموع وقال: [اللهم كن أنت الشهيد عليهم ...]، فجعل يشدّ ويرجع ويقول: [يا أبه العطش]، فيقول له الحسين (عليه السلام): [اصبر حبيبي، فإنك لا تُمسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه]([4]).

4- طلبه الماء من الحسين (عليه السلام)([5]).

5- اعتوار الناس له وتقطيعه بأسيافهم، وطعن مرة بن منقذ العبدي له في ظهره([6])، وسلامه على الحسين (عليه السلام) بعد ذلك([7]).

6- رميه بسهم أصاب حلقه فخرقه([8]).

7- لما رأى الحسين (عليه السلام) ولده الشهيد قال: [يا ثمرة فؤاداه ويا قرة عيناه]([9]).

8- رميه بنفسه على ولده ووضع خده على خدّ ولده([10]).

9- أخذ الحسين له وضمه إليه، وهو يقول: [يا أبه، هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)  يقول لي: [عجل القدوم علينا]، ولم يزل كذلك على صدره حتى مات، فلما نظر إليه (عليه السلام) ميتًا قال: [ولدي علي على الدنيا بعدك العفا]([11]).

10- نداء الحسين (عليه السلام): [قتل الله قومًا قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول]، ثم قال : [على الدنيا بعدك العفا]([12]).

11- ما ورد من أن الحسين (عليه السلام) وضع ولده في حجره، وجعل يمسح الدم عن ثناياه وجعل يلثمه ويقول: [يا ولدي أما أنت فقد استرحت من هم الدنيا وغمها...]([13]).

12- عندما جاء إليه صاح (عليه السلام) بأعلى صوته بعدما فرَّق القوم عنه فتصارخت النساء([14]).

13- ... وأهملت عيناه (أي الحسين عند مقتل ولده علي) (عليهما السلام) بالدموع وصرخن النساء، فسكتهن وقال لهن: [اسكتن فإن البكاء أمامكن]([15]).

14- خروج زينب (عليها السلام)، ورميها بجسدها على علي الأكبر، وإرجاع الحسين (عليه السلام) لها([16]).

ونكتفي بهذا العدد المبارك لأنه عدد المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام).

إلى غيرها من المواقف التي يكفي تصويرها فقط وتقريب الحدث للأذهان بلغة قريبة من الناس ومألوفة لديهم .. فأين الحاجة والداعي للاختراع !!

الأمر الثاني: هل توفيت السيدة ليلى قبل واقعة كربلاء؟

أولاً: لم نعثر على نصٍّ تأريخي واحد -لا نحن ولا من أدعى- يشير إلى أنها توفيت قبل واقعة كربلاء.

وثانيًا: هناك نصّ تأريخي يثبت حياة السيدة ليلى بعد واقعة كربلاء، وهو في كامل الزيارات لابن قولويه المتوفى سنة 367هـ في باب نَوح الجن على الحسين (عليه السلام) (ص192) يقول: [حدثني حكيم بن داود عن سلمة قال: حدثني أيوب بن سليمان بن أيوب الفزاري عن علي بن الحزور، قال: سمعت ليلى وهي تقول: سمعت نوح الجن على الحسين بن علي (عليه السلام) وهي تقول:

يا عين جودي بالدموعِ فإنما
يا عين ألهاك الرقاد بطيبه
باتت ثلاثًا بالصعيد جسومهم

 

 

يبكي الحزينُ بحرقةٍ وتفجعِ
من ذكرِ آل محمد وتوجعِ
بين الوحوش وكلهم في مصرعِ

 

الأمر الثالث: هل حضرت السيدة ليلى كربلاء؟ وهل يوجد نص تأريخي في ذلك؟

أولاً: هناك نصوص عامّة تشير إلى أن الحسين (عليه السلام) عندما خرج من المدينة أو مكة أخرج معه جميع عيالاته وأطفاله ونسائه، ولم يترك في المدينة إلا فردًا أو فردين منهم، ولم يُذكر أنه ترك السيدة ليلى أُمّ علي الأكبر (عليه السلام) في مكة أو المدينة، والمفروض بعد القول بحياتها أنه لا داعي للتوقف في أنها خرجت معه أو لم تخرج.

ثانيًا: ما ورد في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المتوفى سنة 588هـ في معرض حديثه عن بروز علي الأكبر [فطعنه مرّة بن منقذ العبدي على ظهره غدرًا فضربوه بالسيوف فقال الحسين (عليه السلام): [على الدنيا بعدك العفا] وضمّه على صدره، وأتى به إلى باب الفسطاط، فصارت أمه شهربانويه ولهى تنظر إليه ولا تتكلم]([17]).

وقد توقف البعض عند هذا النص نظرًا إلى أنه يذكر أن اسم أمه هي "شهربانويه" وأن هذا هو اسم أم الإمام زين العابدين (عليه السلام). فذهب إلى أن الذي برز هو الإمام زين العابدين (عليه السلام) وجرح في المعركة وهذه المرأة هي أمه وليست ليلى.

ولنا عليه أمور:

أ- أن النص صريح في أن الخارج هو علي الأكبر، ويوافق المشهور من أن (الأكبر) لقب للمقتول في كربلاء، ولا نريد الخوض في تفاصيل اللقب هنا مراعاة للاختصار.

ب- أن مرّة بن منقذ هو الذي طعن عليًا المقتول بكربلاء والناس قد احتوشته بالسيوف.

ج- نداء الحسين (عليه السلام) [على الدنيا بعدك العفا] هو على ابنه علي المقتول يوم كربلاء.

د- وهو الأهم أنه من أعجب الأمور أن يقول القائل بموت السيدة ليلى قبل كربلاء، ويتمسك بحياة أم الإمام زين العابدين "شهربانويه" وحضورها في كربلاء، وذلك للنص على أن "شهربانويه" قد توفيت وهي نفساء بالإمام زين العابدين (عليه السلام)، أي قبل واقعة كربلاء بسنين، وقد ورد ذلك في كتاب عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق (رحمه الله) المتوفى سنة 381هـ، قال: حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي، قال حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال حدثنا عون بن الكندي، قال حدثنا سهل بن القاسم التوشجاني، قال : قال لي الرضا(عليه السلام) بخراسان: أن بيننا وبينكم نسبًا. قلت: وما هو أيها الأمير؟ قال: إن عبد الله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد بن شهريار ملك الأعاجم فبعث بهما إلى عثمان بن عفان فوهب إحداهما للحسن والأخرى للحسين (عليهما السلام)، فماتتا عندهما نفساوين وكانت صاحبة الحسين (عليه السلام) نفست بعلي بن الحسين (عليهما السلام)، فكفل عليًا (عليه السلام) بعضُ أمهات ولد أبيه، فنشأ وهو لا يعرف أمًا غيرها، ثم علم أنها كانت مولاته فكان الناس إلخ...]([18]).

وهذا نص صريح في أنها توفيت قبل كربلاء، فلا داعي لحمل النص على أم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، بل يتضح أنه يوجد سهو قلم أو اشتباه من الراوي في ذكر هذا الاسم.

ثالثًا: ما ذكره صاحب كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليه السلام) للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني المتوفى سنة 418هـ في معرض ذكر علي الأكبر (عليه السلام) قال: [قال: -يعني الحسين (عليه السلام)- [يا بني يعزّ عليّ فراقك]، وحمله عند القتلى، وصارت أمه سهرانة ولهانة، وهي تنظر إليه وتبكي، وزينب (عليها السلام) تنادي: [واحبيباه وابن أخاه]، ثم أخذهما الحسين (عليه السلام) وردهما إلى الخيمة]([19]).

وأعتقد أنه لا حاجة للتأمل فيه كثيرًا، بل هو نص تأريخي قديم موجود بين أيدينا، ولا أعتقد أنه لو نقله الناقل وتعرض إليه سوف يكون مخترعًا أو مؤلفًا لأمر غير موجود، ولا يكون ذلك من باب الافتراء والكذب.

ونؤكد ذلك بسؤال وُجّه إلى السيد الخوئي (قدس سره): هل يجوز للخطيب الحسيني أن ينقل القضايا التي لم يثبت وقوعها بعنوان أنها واقعة، كزواج القاسم بن الحسن عليه السلام من سكينة بنت الحسين عليهما السلام أم لا بد من التثبت في نقل ما أثبته العلماء وطرح ما طرحوه ؟

فأجاب (قدس سره): لا يجوز النقل بعنوان الورود وأما بعنوان الحكاية عن كتاب أو شخص فلا بأس به([20]).

وعلى ضوء ذلك النص التاريخي المتقدم يمكن التوفيق بين نصوص أخرى كانت محل تأمل عند الكثيرين في كيفية الجمع بينها، مثل ما ذكر في كتب عديدة، منها مقتل الخوارزمي والبحار: [قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة، تنادي بالويل والثبور وتقول: [يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه]([21]).

وما ذكر في كتاب منتخب الطريحي المتوفى قبل صاحب البحار: [قال من شهد الوقعة: كأني أنظر إلى امرأة خرجت من فسطاط الحسين وهي كالشمس الزاهرة تنادي: [واولداه واقرّة عيناه] فقلت: من هذه؟ قال: زينب بن علي] ([22]).

مع ملاحظة أنه من القريب جدًا أن لا يكون المسؤول بأعرف من السائل، إذ من الذي كان يعرف السيدة زينب (عليها السلام) بشخصها قبل السبي حتى يُسأل فيجيب بأنها هي؟!، فاحتمال وقوع الخطأ في كون هذه المرأة هي السيدة زينب (عليها السلام) أو السيدة ليلى كبيرٌ جدًا.

ويوجد في النصين كلمات تحتاج إلى تأمل في نسبتها إلى مولاتنا زينب (عليها السلام) [واثمرة فؤاداه، واقرّة عيناه، واولداه، يا نور عيناه] فكيف يمكن الجمع بين هذين النصين وأشباههما وبين النص الآتي وأشباهه.

ما ورد في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356هـ [قال حميد بن مسلم: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: [يا حبيباه يا ابن أخاه]، فسألت عنها فقالوا: هذه زينب بنت علي (عليهما السلام) ثم جاءت حتى انكبت عليه فجاءها الحسين فأخذها بيدها إلى الفسطاط، وأقبل إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه، فقال: [احملوا أخاكم]، فحملوه من مصرعه ذلك، ثم جاء به حتى وضعه بين يدي فسطاطه]([23]).

فيمكن أن يقال في عملية الجمع بينهما أن التي خرجت ليست امرأة واحدة بل امرأتان إحداهما زينب (عليها السلام) والأخرى هي أمه، وكلٌّ منهما لها نداء خاص بها، وهذا يدل على وجودها في كربلاء. وأيضًا ما ورد في نصّ نور العين من كون الحسين (عليه السلام) ردّهما إلى الخيمة.

ويصلح هذا النص أيضًا ليكون ردًا على نسبة الافتراء التي ألصقها البعض بالخطباء الذين يقولون [بأن ليلى احتضنت ولدها في ساح الوغى]. حيث إن النص المتقدم دلّ على وجودها بمكان قريب من ساح الوغى وعند القتلى، فهل نحتاج بعد ذلك إلى نص يصرح بأنها رمت بنفسها عليه؟ (أم نكتفي بأنها نظرت إليه وعادت وكأن شيئًا لم يكن؟!!!)، وقد يجد الباحث في كتب التاريخ ما يدل عليه صريحًا.

ونلاحظ أيضًا أن النصوص هنا ذكرت بأن الحسين (عليه السلام) نقل ولده عليًا عند فسطاطه، ويمكن الإلفات إلى الكثير من الفوائد التي يمكن اكتسابها من هذه النصوص، منها: احتمال كون علي الأكبر نُقل أولاً عند القتلى، ثم نُقل ثانيًا إلى فسطاط الحسين (عليه السلام) لأجل أن تودعه أمه وزينب ونساء الحسين.

وهذا أيضًا ما يستفاد من نص نور العين مع ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية من أنه خرجت جارية تنادي يا أخياه ويا ابن أخاه، فإذا هي زينب، يقول: [فجاء الحسين ((عليه السلام)) فأخذ بيدها فأدخلها الفسطاط، وأمر به الحسين فحوِّل من هناك إلى بين يديه عند فسطاطه]([24]).

كلمة أخيرة: إن هذه المقالة إنما نتجت عن المطالعة التي تمّت لنزر يسير من الكتب المطبوعة التي بين أيدينا، ولو أردنا أن نستقصي جميع الكتب المطبوعة والمخطوطة التي تملأ المكتبات فلربما نكتشف الكثير؟؟!!

وبناءً على كل ما تقدّم يمكن القول بأنه يصح للخطيب الحسيني أن يعتمد على مثل هذه النصوص ولكن من دون الجزم بحصول هذا الأمر، بل هو مجرد ناقل، ولا يجوز لأحد أن يعترض عليه ويتهمه بالاختراع أو الوضع، وقد مرّ في طيات البحث جوابُ استفتاء للسيد الخوئي (قدس سره) صريحٌ في جواز ذلك.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) مستدرك الوسائل، الميرزا النووي ج10 ص318 باب استحباب البكاء على الحسين (ع) ح13.

([2]) اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس ص67.

([3]) اللهوف في قتلى الطفوف ص67. وفي بحار الأنوار ج45 ص43.

([4]) مقاتل الطالبيين ، أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ) ، ص77

([5]) بحار الأنوار ج45 ص43.

([6]) راجع مقاتل الطالبيين ص76، وغيره.

([7]) مقاتل الطالبيين، الأصفهاني ص77، قال: (حتى رمي بسهم فوقع في حلقه وأقبل ينقلب في دمه ثم نادى : يا أبتاه عليك السلام هذا جدي.. الخ).

([8]) مقاتل الطالبيين ص77 ، وشرح الأخبار ج3 (ت363هـ) ج3 ص153 .

([9]) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) ص558 عن ناسخ التواريخ ج2 ص355.

([10]) اللهوف في قتلى الطفوف ص68.

([11]) شرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 ص153.

([12]) مقاتل الطالبيين ص76.

([13]) موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) ص558 عن البهبهاني عن أبي مخنف.

([14])  منتخب الطريحي ج2 ص 213.

([15]) ينابيع المودة ج3 ص78، ناسخ التواريخ ج2 ص355، ومنتخب الطريحي ج2 ص 213.

([16]) قال حميد بن مسلم: [وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة، تنادي: يا حبيباه، يا ابن أخاه، فسألت عنها فقالوا: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب]. راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص77، مثير الأحزان لابن نما الحلي ص 51، واللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس ص68.

([17]) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص257.

([18]) عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق (ره) ج1 ص136.

([19]) نور العين في مشهد الحسين (ع) لأبي إسحاق الإسفراييني ص44.

([20]) صراط النجاة، فتاوى السيد الخوئي والميرزا جواد التبريزي قدس سرهما، ج1 ص440 سؤال رقم 1211.

([21]) مقتل الحسين للخوارزمي ص35.

([22]) منتخب الطريحي ج2 ص213.

([23]) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص77.

([24]) راجع البداية والنهاية لابن كثير ص201.

 

 

 

التربية بين الأسرة والمدرسة

الأستاذ حسن جابر

توطئة

للتربية التي نخوض غمارَ سبقها، والولوج في مطاوي علومها، نرصفُ اللبنات الأولى، لميولٍ ومداركَ تحقق أغراضها وغاية وجودها.

ولأنه الإنسان سمة الوجود، وعلّة التشريع، وسبيل التقرّب إلى الله تعالى، الذي كان بعضَ إبداعه وخليفته لإعمار كونه.

ولأجل توطئةٍ مُثلى، على طريق ذات الشوكة، في تربةٍ مباركةٍ تُعِدُّ لمجتمعٍ طيب، يصقل المواهب الخيّرة، ليكون دافع الإنسان نحو إنسانيته، ليرقى متقدّمًا على ما عداه وسواه، وتلك كانت أهداف الرسالات وساحة عمل الأنبياء (عليهم السلام)، حيث أنتجت صفوة النُّخب في فجر انطلاقتها بقوةٍ واقتدار، وعزمٍ في الأداء لا يلين... وبذات القوة، ومن أجل تثبيت النهج التربوي الرسالي الهادف ولكل من نصّب نفسه إمامًا للناس يقتدون به ويقتفون أثره للنّهل من معين عطائه الزاكي بصبرٍ وأناة:

الله الله في تزكية النفس وتطهيرها من دنس الكِبَر والغرور والأحقاد.

الله الله في قلوبكم ... عرش الله، ولْتبقَ معمورة بالعطف والحنان، وبالمشاعر الممتلئة حبًا لناشِئتنا، لتغدوَ على صورة المَثَلَ الذي أراده الله أن يُحتذى.

فبالتربية نبني ونقوّم.. ونعطي الحياة معناها الأسمى، بصورتها الأنقى، ونضع البذرة في أرضٍ خصبةٍ تؤتي أكلها بإذن ربها {... وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}([1])، ولأجل هذا كان بحثنا التربوي -المتواضع هذا- المتمّم لبحثنا السابق الذي أوردناه في العدد السابع عشر لمجلتنا المباركة تحت عنوان (التربية بين التقليد والتجديد)، من أجل دراسةٍ موجزة عن المتغيرات التربوية، وكيفية محاكاتها للثقافة المجتمعيّة بأبعادها الثلاثة (العموميات - الخصوصيات - المتغيرات)، ثم لإفراد عناوين دور كلٍّ من الأسرة والمدرسة، والتناغم الآيل لتربية إيمانية قويمة، تكمل فيه المدرسة الدور، وتملأ فراغًا قد يطرأ، عبر معلّمٍ مختص يؤدي الرسالة، ويؤتمن على الأفراد، تمامًا كما فعل الأنبياء (عليهم السلام) والصالحون، في سبيل النهضة التربوية الرائدة لبناء الشخصيّة الملتزمة الواعية المؤمنة، كوافدة على المستقبل تحملُ مشعلَ الخلاص للأمة بقوة واقتدار.

1- التربية والتغيير

لعبت التربية -ولا زالت- دورًا رائدًا على مسرح المجتمعات البشرية، ولازمت المتغيرات التي طاولت النظام الاجتماعي برمّته.

وقد برزت بلحاظ تلك المتغيرات الثقافية التربوية كلاعبٍ رئيسٍ في إدراك الواقع والظروف المحيطة، ولتُحَدَّدَ على أثرها المواقف ولتصاغ صورة المجتمعات على ضوء نتائج الديناميكيا التربوية الجديدة لحراك مقصود.

وعلى عكس هذا فإن مبدأ الحشو وإكساب الخبرات، بعيدًا عن المطابقة الحيّة لواقع الحياة، قد جعلت همَّ المدارس في إنجاز المقررات والمناهج، وبالمقابل كان همُّ التلامذة التفوّق للحصول على النتائج الأفضل، والترفّع إلى مرحلة جديدة.

وتجدر الملاحظة هنا إلى أن معظم من تفوّق في ميدان الدراسة قد فشل في الميدان الاجتماعي في أول امتحان له، لغياب التربية الهادفة، الملازمة للتحصيل العلمي في سنيّ الدراسة.

فالمتعلم لم يَعُدْ تلك الوجهة الصالحة المقصودة في بني قومه، ولا ذاك المتكيّف بذوقه وعواطفه وسلوكه بحسب الواقعية المتوخّاة.

وأدهى من كل هذا ترى من يقود عملية التربية مسكونًا بآراء غربيّة، في المنهج والفكر والاقتصاد والفلسفة، ويعمل على بثّها بين ناشئتنا وأجيالنا من حيث يدري أو لا يدري، لإشاعة أفكار غربية هدّامة تنفذ إلى مجتمعاتنا تحت مسمّى العلم والنهضة لمحاربة التقوقع والتزمّت.

ومؤدّى ذلك هو حمل المتعلمين على الانبهار بالمستعمر والاندماج بأفكاره.

وقد صرّح بهذه الظاهرة الكاتب الإنجليزي -ميكالي- عندما كان رئيسًا للجنة التعليمية عام 1835م التي قرّرت جعل اللغة الإنجليزية أداة لتعليم الهنود بدلاً من لغتهم، فقال :

[... يجب أن ننشئ جماعة تكون ترجمانًا بيننا وبين الملايين من رعيّتنا، وستكون هذه الجماعة هنديّة في اللون والدم، إنجليزية في الذوق والرأي واللغة والتفكير...] ([2]).

إن آراء ميكالي وأمثاله يجب أن تدفعنا وتحفّزنا على مجابهة تلك الأفكار الوافدة بهدف إقصائنا عن مسرح التأثير في الحياة، لخلق جيلٍ واعٍ يستنير بنور الإسلام، ويتبنّى عقيدته ونظامه ومنهاجه، باعتباره دينًا وثّابًا له أيديولوجيته الفطرية والإنسانية ودستورًا متكاملاً في كل شيء.

2- الثقافة والتربية في المجتمع

تتأثّر التربية لدى الأطفال بعدة عوامل بيئية، تعمل على تلقين مفرداتها للناشئة.

فمن الثقافة التي تُبنى من خلال الطبيعة ومظاهرها، إلى ثقافة مكتسبة من الناس والجماعات، حيث يُعتبران معًا مجموعة الظروف المحيطة بالفرد والتي تكسبه طابعه الخاص وتؤثر فيه. فالطفل يولد في أسرته، التي تعتبر مؤسسته الاجتماعية الأولى، وتليها المدرسة، ثم المجتمع الأكبر، حيث تشترك جميعها في العمل على أنسنة هذا المخلوق.

كيف لا؟ فالثقافة التربوية لديها إمكانية الاكتساب، والانتقال من جيل لآخَر عبر كفاح الإنسان ونشاطه، ولهذا اعتبرت التربية عاملاً رئيسًا من عوامل الثقافة المجتمعية، وقديمًا قيل : [لا ثقافة بدون تربية، ولا تربية بدون ثقافة].

وبناءً عليه، فقد بُنيَ موقف التربية من الثقافة وفق مستوياتٍ ثلاثة :

أ - على مستوى العموميات :

ونعني بها [... جميع العناصر الثقافية التي يشترك فيها جميع أفراد المجتمع، كالأفكار والعادات والتقاليد وأنماط السلوك واللغة] ([3]). وبدورها تعمل على شدّ أواصر المجتمع، وبنائه مستقرًّا متضامنًا.

وقد أكسبت التربية هذه المفاهيم القيم والسلوك السويين، وصولاً للمحتوى الأخلاقي الذي يبدأ بإلزاميةِ مجانيةِ التعليم، لتتقارب مستويات المجتمع وتردم الهوّة القائمة بين طبقاته.

ب - على مستوى الخصوصيات

ونقصد بها طرائق التفكير، والعادات والمصطلحات والمعتقدات التي تحكم سلوك الأفراد، وهنا يأتي دور التربية ليهذّب تلكم الطرائق والعادات لتتحوّل العقيدة الإيمانية إلى سلوك جماعي، كمثل الجسد الواحد ويمثّل الإنسان فيه بعدًا أرضيًا للإيمان بالله والتقرّب إليه، (أحبهم إليه أنفعهم لعياله) ([4]).

ج- على مستوى المتغيّرات

حيث يمارس الفرد هنا قناعاته، في خضم عالم متغيّر، يُثري عاداته بإضافات جديدة، له حق الاختيار فيها.

وهنا تبرز عقدة اصطدام تلك المتغيرات بما أَلِفَه الإنسان واعتاد عليه، ليأتي دور التربية الموجّه لحسن الاختيار القويم، حيث المصلحة العليا للفرد والمجتمع والأمة، حتى تغدو تلك المفردات الجديدة جزءًا من ثقافة ذاك المجتمع، أو قل ربّما تحلّ محل عناصر قديمة، وتصبح جزءًَا من ثقافة الأمة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى خطورة ما تُحدثه تلك الثقافات الدخيلة -وفي أغلب الأحيان- من هزّة واضطراب، وصراع بين الأجيال، فتختلّ العلاقات الاجتماعية ويضطرب السلوك.

والحاجة هنا ماسّة لإعادة التكامل والتوازن، وهضم المتغيّرات بما ينسجم مع أعراف وتقاليد المجتمع.

مثال على ذلك: رفض فكرة التلفزيون لأول مرّة، وما يتضّمنه من ممارسات غير مقبولة ومخالفةٍ لثقافة المجتمع، مما يحتّم تدخّل التربية في تهذيب ذاك الطارئ على المجتمع بإيجابيةِ وجه الانتفاع به.

3- دورُ كلًّ من الأسرة والمجتمع في تربية الطفل

أ- دور الأسرة :

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)  : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه"([5]).

عن الإمام علي (عليه السلام) : "حُسْنُ الأخلاق برهان كرم الأعراق"([6]).

وعن دور الأب: ".. أبتاه كان عليك أن تقول لي لا أحيانًا لتأديبي وتدريبي، حتى لو كنتَ مستطيعًا، كان يجب في بعض المرّات أن تحرمني لأعتاد على واقع الحياة..." ([7]).

وعن تأثير الأم في الولد، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ".. أطعموا المرأة في شهرها الذي تلد فيه التمر، فإن ولدها يكون حليمًا تقيًا"([8]).

ب-طهارة المولد :

((إن القرآن الكريم يعبّر عن رجلين من هؤلاء العظماء بطهارة المولد والسلام يوم الولادة، وهما يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم.

يقول في حق يحيى (عليه السلام): {سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ}([9]). ويقول على لسان المسيح (عليه السلام): {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ}([10])، والسلام هنا بمعنى : عموم العافية، أي الطهارة الكاملة للبدن والروح. وهذه الحقيقة -أي طهارة المولد- متساوية في جميع الرسل والأنبياء. والنكتة الأخرى التي يجب التنبّه لها هي : أن القرآن عبّر عن السلامة في دور الرحم بسلامة يوم الولادة، وذلك لأن السلامة في تمام ذلك الدور لا تعرف إلا بعد ولادة الطفل سالمًا، واجتيازه تلك المراحل كلها بنجاح حيث تنقطع صلته تمامًا برحم أمه... ولا ريب فلسلامة المولد قيمتها باعتبارها السبب الأول في نشوء جيل مستوٍ وخلقِ مجتمع فاضل تنتشر فيه روح السعادة والإنسانية والصفاء))([11]).

... وهذا لقمان الحكيم (عليه السلام) يرشد ولده ويقوّم سلوكه كدليل على دور الأب الريادي في ميدان الإعداد والتوجيه، وقد خلّد القرآن الكريم هذه الإرشادات "الوصايا" لما لها من عظيم الشأن، وبالغ الأثر على النفس الإنسانية، قال (عليه السلام):

{يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}([12]).

وقد دلّت الآيات الكريمة على لسان لقمان الحكيم (عليه السلام)، على الدور التربوي الذي يجب أن يضطلع به الأب لرعاية ولده والقيام بتربيته لضمان سعادته في الدارين "الدنيا والآخرة".

فأراد تجنيبه لأعظم المعاصي، وإحدى أهم الكبائر "الشرك بالله" وحثّه على شكر الوالدين كمقدمة لشكر المولى عز وجلّ، وذلك من خلال تقدير فضل الأم في حمله وتربيته ورضاعته، مُنذرًا إياه بأن المرجع إلى الله تعالى، وعليك التهيؤ للحساب.

وبعد، فقد أنكر عليه طاعة الوالدين عند إلحاحهما عليه بالشرك بالله، وزوّده بأسلوب تربوي فريد عند رفضه لهذا النوع من الأوامر، وذلك من خلال الرفق واللين دون جفاء أو خشونة، وذكّره بأن الأعمال معروضة على الله يوم القيامة، ثم دعاه لإقام الصلاة والأمر بالمعروف، إلى أن نهاه عن التكبّر، وعدم الإعراض عن الناس بتصعير الخدّ، وألزمه التواضع في المشي وعدم المبالغة برفع الصوت التي هي من صنيع الحمير.

هذه هي مدرسة القرآن، ومنهج السماء في عملية الإعداد والتربية لأنصار الرسالة وأتباعها ليكونوا طلائع السير بين الناس إلى الله... يصدعون بالحق كروّاد، ودعاة أمر حكيم، وعمالقة أخلاق وجمال أسلوب.

ج - دور المدرسة في التربية

وهناك اتجاه يقول بأن تُتْرَك مهمة التربية للمدرسة، وآخر يقول أن المدرسة يبدأ عملها بعد عمل الأسرة.

ونقول : مما لا شك فيه أن التناغم الكبير والمحاكاة المطلوبة في عملية البناء التربوي تفرض التكامل بينهما، بحيث يتوجّب على الأهلين القيام بالإشراف المباشر على تربية الطفل، والقيام بما يصلحه، من أجل مستقبل أفضل.

والمدرسة هي الأخرى متممة لدور الأهل، ومن خلال المتابعة البنّاءة بينهما لشؤون الطفل وشجونه إذ لا يجب الفصل بين الدورين "الأسرة والمدرسة" باعتبارهما مسرح تواجد الطفل في سنيه الأولى، ومرتع انفعالاته ومواهبه واستخراج إبداعاته وقدراته بشكل إيجابي مدروس.

نعم قد يتمّيز دور المدرسة استثنائيًا حال تفكّك بعض الأسر، مما يعوق قيامها بوظيفتها التربوية، ولا يخفى ما لدور مجالس الأهل والمعلمين في تلك المتابعة التي يجب أن تتّسم بالفاعلية، باعتبارها مسؤولية مشتركة متعاونة للوصول إلى تنشئة صحيحة وسليمة، حيث تسهم -وإلى حدّ كبير- في فهم عالم الطفل ونموّه ومتطلباته المشتركة.

لكن الخطر المحدق يبرز عند خروج المرأة للعمل، فتفقد أصالة دورها التربوي باعتبارها العمود الفقري للتربية، فيجعلها على خلاف ذلك. وظروف العمل هذه تنعكس بالسلب على طريقة تربية الأم لأبنائها، فلا تجد ما يخفّف عنها أعباء دورها كزوجة، وأم راعية.

4 - خصائص وميزات المعلم الناجح

وبما أن الحديث عن المدرسة التي قوامها حسن اختيار المعلم، والمرشد، والموجّه في آن، والمؤتمن على فلذات أكبادنا، فلا بد -والحال هذه- من انتقاء المعلم الأنجح، والمربي المميّز، بحيث يستحق أن يكون رسول محبة وخير، ويجب أن يكون :

- مؤمنًا ملتزمًا بتعاليم الدين القويم، وأمينًا على إيصالها إلى الناشئة.

 - ذا تقوى عالية، يشعر بالرقابة الإلهية عند أدائه لدوره.

- متفقّهًا بأحكام الدين الحنيف، ليتمكّن من القيام بدوره كآمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر.

ولذا يجب عليه:

- إيقاظ الشعور الديني في نفوس تلامذته.

- التركيز على الشخصيات الرسالية التي لعبت دورًا بارزًا في تاريخ الإسلام، ليتحقق لهم حسن القدوة والأسوة.

- حيازة مؤهلات علمية متميّزة في مجال اختصاصه وعطائه.

- الخضوع وبشكل دوري لإعادة تأهيل وتدريب في الاختصاص من ناحية، والإحاطة بعالم الولد من ناحية أخرى في ظل متغيرات متسارعة.

- الإخلاص في العطاء، والرغبة في أداء دوره كرسالي لا كموظف.

- الإحاطة بعادات وتقاليد مجتمعه.

- الهدوء، والصبر وسعة الصدر، والقدرة على تجاوز الأخطاء، وحلّ المشكلات.

- المحافظة على كرامة التلميذ، وتجنّب التقريع وأسلوب السخرية.

- تجنّب المساءلة والمبالغة بها، وخاصة بما لا يعنيه، تجنبًا لخدش كرامة الناس مهما قلّت.

- عدم التقدّم لمكان أو على قوم فيهم مَن هم أفضل منه.

- المداومة على المطالعة والكتابة، والتواصل الاجتماعي.

- التمتع بدقة الملاحظة وسرعة البديهة، والقدرة على أخذ الموقف المناسب بالسرعة الممكنة ودون تسرّع.

- تجنب الصراخ ورفع الصوت، والمحافظة على رباطة الجأش، وعدم إظهار العصبية، وأن لا يجري على لسانه أيّ استهزاء اتجاه الولد.

جِراحاتُ السنانِ لها التئامُ
 

 

ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
 

- فتح آفاق الطلاب على خطط المستعمرين، وأساليبهم، وتحصينهم بالأساليب والقدرات الفكرية الكفيلة لمواجهتها، وتنبيههم دائمًا على الأخطار المحدقة بأمتهم.

- الإقدام على محاسبة نفسه يوميًا، ما إذا كان راضيًا عمّا قدّمه لتلامذته، وهل قام بدوره كاملاً وكأنه يربي ويشرف، ويدرس ولده وفلذة كبده.

5 - الخاتمة

وبعد، فإن الحديث عن التربية شاق وطويل، والولوج في مطاوي أهدافه، أو مكامن أبعاده في إطار متكامل نحو مشروع لنهضة الأمة ليس بالأمر السهل، والمتصدي للعمل التربوي يستثير الواقع بإلحاح وقوّة بصيرة، لقيادة عملية اجتياز تفاعلية للبيئة المحلية والأممية أيضًا، بعيدًا عن دوامة التداخل الثقافي المستجدة، لصياغة الشخصية الرسالية، وفق ممر إلزامي يتوّج العلاقة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.

وهنا تتناغم قدرات كل مرحلة، ومهارات الطفل المكتسبة لاحقًا لتتحوّل وفق منطق تطويري تدريجي، لمعارف صاغتها التجربة ثم راجت كنتائج فاعلة، ضمن استراتيجية آيلة لمستلزمات النهوض.

من هنا كانت المقاربة لمراحل التربية الثلاث "الأسرة -المدرسة- المجتمع" وتفعيل آلياتها، لكي تصل إلى حالة اندماج تربوي رائد يرقى بالفرد، مرورًا بالمجتمع، وصولاً لأمة تأخذ موقعها تحت الشمس بقوة الحق السليم، الناتج عن تطبيق برامج السماء، ومناهج الله لعباده.

ولا يمكن لذلك أن يتم أو يحصل إلا بالمعلّم المخلص، العالم بقضايا أمّته، المرتبط بقيم الشريعة السمحاء، وواقع الحياة، ومتغيراتها، وأن لا يحيد عن سبيل الحق كعالم ربّاني مداده أفضل من دماء الشهداء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
 

([1]) الأعراف : 58.

([2]) باقر شريف القرشي، النظام التربوي في الإسلام، ص133، دار التعارف للمطبوعات، 1983.

([3]) أبو طالب محمد سعيد ود. رشراش عبد الخالق، عوامل التربية (2)، ص62 دار النهضة العربية، ط1، 2001.

([4]) قرب الإسناد ، الحميري القمي ، ص120 ح421.

([5]) بحار الأنوار، ج3 ص281، ط2، 1983، مؤسسة الوفاء، بيروت-لبنان.

([6]) غرر الحكم ودرر الكلم،الآمدي، ص167، دار الثقافة في النجف الأشرف.

([7]) أبتاه، سامي خضرا، ص18، دار الهادي، 1997م.

([8]) مكارم الأخلاق ص86.

([9]) مريم : 15.

([10]) مريم : 33.

([11]) الطفل بين الوراثة والتربية ، محمد تقي فلسفي، ص90-91، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات .

([12]) لقمان : 13-19.

 

 

 

الهجرة الحادة والمهاجرون بين الماضي والحاضر

أسباب ونتائج

د. حسن جعفر نور الدين

 

مضى على الناس زمن وهم يهاجرون، يتركون أوطانهم وتاريخهم وعوائلهم ويرحلون، لا حبًا بالهجرة، إذ ليست -في الإطار الذي نقصده من الهجرة- فرصة للاستجمام والسياحة في جانب منها، وليست للراحة والتنزه والبحبوحة، إنما هي هجرة للجسد أكثر منها هجرة للروح، وهجرة للمستقبل لا من الماضي أو تنكرًا له وهروبًا منه. في الهجرة القسرية التي أعنيها في حديثي، تبقى الذكريات سِفرًا يتصفَّحه المهاجر باستمرار، فيقرأ فيه ذكرياته مع الأهل والأصدقاء، مع الحجر والمدر، يتلمّس فيه عبق أصابعه وهي تلامس التراب فيحيي فيه الحياة.

لو جمعت الدموع التي أهرقها المهاجرون منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم على سلالم البواخر ونوافذ القطارات وكوى الطائرات لبلغت بحورًا، دموع الصدق التي تهاجر من الأحداق، لتنزرع في الأرض التي يغادرون صكوك محبة وعهد بالعودة الظافرة.

إنهم يغادرون وفي قلوبهم أمل العودة إلى دم الوطن، يهاجرون ليبنوه ويصنعوه من هناك، من الأقاصي النائية وراء البحار، بعد أن تعذّر عليهم البقاء فيه وخدمته وبنائه بحريّة ومحبة دون إرهاب وتنكيل.

ذهبوا يفتشون عن الحرية التي افتقدوها، والخبز الذي حرموه، والكرامة التي ديست بأعقاب بنادق المحتلين، وسياط زبانيتهم وأعوانهم الذين باعوا ضمائرهم خدمة للمستعمرين.

ذهبوا لينتشلوا عوائلهم من العَوَز الذي نهش ضلوعهم، والفقر الذي أدمى مشاعرهم وأعدم أطفالهم، فَأَنِفوا من التسوّل، وعزّ عليهم أن يتركوا أرضهم دون حراثة، أن يتركوا الغيوم في سمائهم دون أن يستدرّوا منها المطر الحنون، والشمس فوق دورهم دون أن ينعموا بإشعاعاتها الذهبية، ذهبوا تاركين نسيم السفوح العليل وثلج الجبال البلوري ليسيل دون أن تتلقفه أيديهم الحانية، وثغورهم الداعية، وقلوبهم الآملة بعودة ميمونة، وهم يحملون إلى الأرض التي ربتهم والتي شهدوا أول نور على ترابها النفيس، يحملون ميلاد وطن جديد، عَرِقوا لأجله، وجهدوا في سبيل سعادته، وحفوا وعروا ليلبسوا فيه ثياب العافية، ومات بعضهم هناك ليحيا هو بما أسلفوه وما أرسلوه وبذلوه.

لبسوا المسوح البالية ليلبسوا في وطنهم ثياب العزّ والمجد، وشربوا الماء العكر، لينهلوا في وطنهم ماء القوة والعنفوان، وشراب الحياة.

لقد عمرت بهم بلاد المهاجر، وذاع صيتهم في كل مكان.

حملوا (الكشّة) -وهي صندوق مليء بالأزرار والأمشاط والدبابيس والأقمشة- رمز النضال والكفاح حتى عرفوا بها، ونعتوا بكلمات مسيئة كـ"الجياع" و"اللاجئين" و"توركو" (نسبة إلى الأتراك الذين كانوا يحكمون بلادنا) وسمّوا أيضًا بـ"كلّو بعشرين" وهو نداء باعة (الكشة) المتجولّين، أو لقب "أكلة الحشيش" إشارة إلى اعتيادهم أكل الخضار في بيئة طعامها اللحوم، ولم تتبدّل هذه الألقاب وتُمْحَ إلا عندما ظهرت مواهب العرب عامة واللبنانيين خاصة في الشعر والمعرفة والفن.

لقد أفلح كثيرون، فانتقلوا من حَمَلة (الكشة) إلى رؤساء جمهوريات، أو وزراء أو نواب أو أعضاء في مجالس الشيوخ، هناك في أميركا الشمالية والجنوبية، وفي أوروبا وإفريقيا، فاللبناني جريء مغامر لا يهاب الصعاب ويتحمّل في سبيل أحلامه الأهوال والمشقات.

لقد انتشر اللبنانيون في فجاج الأرض حاملين معهم فقرهم وجوعهم وتشرّدهم وشوقهم، وأغلالاً من الظلم والقهر التي زرعها المستعمرون الأتراك والفرنسيون والإنكليز، حاملين معهم أيضًا عبقريتهم وأدبهم المرهف، على حد قول الشاعر المهجري جورج صيدح :

نحن الحفاة السائرون على الحصى
للمجد نحملهم على أكتافنا
حتى إذا عثر الأديب تفرقوا
طرقوا المَهاجر فاتحين وليتهم
 

 

نحدو السراة الراكبين خيولا
ولربما حمل الخفيف ثقيلا
عنه فلا يجد الأديب مقيلا
فتحوا قلوبًا مثلنا وعقولا
 

نعم، حملوا (الكشة)، ومنها صنعوا وطنهم المؤقت الجديد، ولم يخجلوا بصغائر الأعمال ليقينهم أنهم أصحاب نفوس كبار، تصنع من الضعف قوة ومن القليل الكثير ومن الصمود والصبر النصر والنجاح.

كان بينهم وبين الوطن سلك دقيق لكن متين لا ينفصم، هو سلك المحبة والحنان والإخلاص، وتعصف بهم اللهفة إلى العودة التي خذلت البعض لأنهم ماتوا حيث كانوا، أو يئسوا من تحسّن الحال، فعزّ عليهم أن يعودوا إلى الوطن منكسرين خاليي الوفاض، وهم وعدوه أن يجعلوا فيه التراب ذهبًا، والماء عسلاً، والصحارى جنائن مزهرة، أو لأن بعضهم كما قلنا وصل إلى سدة المسؤولية في دولة ليست في الأساس وطنًا طبيعيًا لهم، إلا أنهم من خلال ما هم فيه خدموا وطنهم ودعموه في المحافل الدولية والمراكز الأممية.

ذهبوا إلى المهاجر، فساهموا في إحياء مواتها وازدهار عمرانها ونشاط حركتها، تشهد لهم تلك الدول بذيوع الصيت والشهرة والعبقرية والعطاء.

ومات الكثير منهم، ليحيوا هناك بأولادهم بعدهم، وارثي الهم والمعاناة والحاجة، أو وارثي الثروة والشهرة، يتابعون مسيرة الحياة التي فرضت عليهم واختاروها مُكرَهين.

إن وطننا لبنان مدين لهم اليوم وقبل اليوم وغدًا وبعد غد، بما قدّموه وفعلوه لنا في أوقات الشدة والمخاض، ربما كانوا يعطشون لنشرب، ويعرون لنلبس، ويتعبون لنرتاح، ويتحمّلون شظف العيش وغبار المصانع ودخان المعامل، وينامون على الخشن، لنحيا في بحبوحة من العيش ورخاء وسعادة.

غادروا بعد أن سُدّت في وجوههم أبواب الرزق الحلال، وبعد أن عانوا ويلات الجوع والعوز، بعد أن عزّ عليهم أن يجدوا أطفالهم أسيري المرض والفاقة، يموتون جوعًا، والاستعمار الغاشم ينقضّ عليهم فلا يترك لهم بابًا من أبواب الرزق إلا سدّه، إذ إنهم ذاقوا ويلات الحكم العثماني الغاشم، والاستعمار الفرنسي البغيض والإنكليزي الجشع، وعانوا من العملاء المحليين الذين باعوا ضمائرهم إلى الشيطان، فعُلّقت أعواد المشانق، وصودرت غلال البيادر، ومحاصيل الحقول، وسلبت الحقوق والمكتسبات، وأقفلت المطابع وصودرت الصحف، وأحرقت المكاتب ودور العبادة، وشُنق من شنق، وسجن من سجن، وهاجر معظم من بقي من الرجال والشباب هائمين على وجوههم، ممتطين البواخر والزوارق والقطارات، هاربين من جحيم لم ترحمهم نارها، ولم يخمد أوارها، منذ أكثر من مائة وعشرين عامًا وقوافل المهاجرين لم تتوقف يومًا من الأيام.

إن لبنان ذا الخمسة ملايين نسمة، يُقدر سكانه في المهاجر بعشرين مليون إنسان منتشرين وراء البحار وفي شتى دول العالم، إنه لبنان المغترب المسافر المهاجر في عيون الغمام وأذرعة السحب.

كانت الهجرة وما زالت ذات حدين، يكمل أحدهما الآخر، أناس هاجروا من أجسادهم وملذاتهم وباعوا أنفسهم لله وللوطن، مؤثرين الدفاع عنه والنضال في سبيله، ليستعيد حريته وأرضه المغتصبة، هاجروا من المنازل إلى الكهوف والمغاور والجبال والهضاب، هاجرت عيونهم من أحداقها لترصد الدخيل والمحتل، وتبقى له بالمرصاد، وتلك لعمري من أعظم الهجرات.

ومهاجرون إلى خارج الوطن، مغامرون يبنون بسواعدهم ما عجزوا عن القيام به في الوطن الأم للأسباب التي ذكرناها، والذين لازموا الوطن، رجال صنعوا الوطن على قدر ظروفهم وإمكاناتهم، متحمّلين أذى المحتل الغاصب، وسمّ الغلاء ومرارة الفقر والحرمان، محافظين على التواصل مع مهاجرينا في الخارج، ليكتمل العقد، عقد حلف النضال بينهما.

إنّ حديثي عن الهجرات الحادة، ليس له علاقة بالهجرات الأخرى الداخلية والخارجية، والتي تختلف ظروفها كليًا عن تلك التي أتحدث عنها، وسنفرد لها حديثًا مستقلاً إن شاء الله.

بين الماضي والحاضر

بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مساحة زمنية لافتة، أكثر من مائة وثلاثين عامًا تفصل بين طرفي المرحلتين، وفيهما حصلت تطورات واختراعات واكتشافات وتحوّلات مختلفة، انعكست على الهجرة الحادة وطورّت من أطرها ووسائلها وغيّرت من أساليبها، فما كان سنة 1880م مثلاً لم يعد موجودًا على الأغلب في القرن الحادي والعشرين، إذ تطورت الحضارة الإنسانية بشكل سريع، وانفتحت الحياة على آفاق جديدة طبعت المجتمعات بسمات جديدة، فأصبحت وسائل العيش أكثر يسرًا مما عزّز من وتيرة السفر، فاقتربت المسافات البعيدة، وتحققت إنجازات هائلة على صعيد التكنولوجيا ووسائل الاتصال المختلفة، إذ بعد أن كانت الرسائل تنتظر أشهرًا لتصل إلى المحبّين من المغترب وإليه، أصبحت الآن تصل في أيام أو ساعات أو حتى دقائق، فلم يعد المهاجر يشعر بلوعة البعد ومرارة الفراق اللتين كانتا تصيبانه، بل أصبح بفعل التكنولوجيا الحديثة وأنظمة الانترنت والكمبيوتر والفاكس والبرقيات السريعة أكثر اطمئنانًا وأقلّ مرارة ووحشة، فالأهل يستطيعون مشاهدة أبنائهم في أية لحظة وهم قابعون في أماكنهم، فيرونهم ويحادثونهم ويطمئنون إلى أحوالهم، مما ينعكس إيجابًا على نفسية المغتربين وأقربائهم في الوطن ويهدّئ من لوعة الفراق والشوق، وهذا الهدوء النفسي ينعكس هدوءًا وراحة ونموًّا على عمل المغتربين ونتاجهم المادي والمعنوي والأدبي والفكري، على عكس ما كان يعانيه مهاجرونا الأوائل في بلاد الاغتراب.

ورغم مشقات السفر ومتاعبه وألم الهجرة التي ازدادت في الوقت الراهن نتيجة الغلاء الفاحش، وندرة وسائل العمل، وأولاً وقبل كل شيء نتيجة الاعتداءات الصهيونية المتكررة منذ أربعين عامًا وحتى اليوم، حتى أصبحت مدينة كبنت جبيل تحديدًا تعدّ الآن ستة آلاف نسمة بعد أن كانت تحصي ستةً وثلاثين ألف مواطن، رغم كل ما ذكرنا فإن متاعب السفر في عصرنا الحالي لا توازي ما كان يعانيه أجدادنا وآباؤنا في الماضي، وسأورد بعض الأمثلة الحية دليلاً على ما أشرت إليه.

في مرحلة الحكم العثماني كانت الهجرة اشدّ مرارة من البقاء في الوطن، علمًا أنها كانت محظورة رسميًا ومباحة بواسطة المهربين.

كانت تضج في أعماق الفقراء والمسحوقين نزعتان : الوطن أو الهجرة، وفي كلتيهما كأنهم يتجرّعون السم الزعاف.

كان المهاجرون يُعاملون كصعاليك منبوذين مخلوعين، وكانت البواخر الصغيرة حالما ترابط في ميناء بيروت، يوفد سماسرة من ذوي الحناجر القوية إلى أسواق المدن والقرى لإذاعة نبأ وصولها وموعد سفرها، فيهرع القرويون إلى استدانة المال للسفر من المرابين، بِرهنِ كل ما يملكون من عقار وأثاث، وتبدأ عملية التهريب، السمسار يسلّم المهاجر إلى العسكري المتولّي مراقبة الشواطئ، والعسكري يصعد به من وراء الجمرك إلى ماعونة محمّلة بالبضائع، وقائد الماعونة يدخله في الباخرة بصفة حمال، وفي الباخرة يتسلّمه القهوجي ويضعه في أحد المستودعات، وبهذا الوضع يصل المسافر إلى مرسيليا في فرنسا ومنها يتسلمه سمسار جديد وينزله في خان قذر، ولا يحمله إلى باخرة تنقله إلى أميركا، إلا حينما يفرغ جيبه من الفلس الأخير، هناك في الباخرة يلتقي بأمثاله المهاجرين، ويعيش معهم عيشة القطيع الذي تطارده الذئاب، إن صعدوا إلى ظهر الباخرة تعرّضوا للحر والبرد والأمطار والرياح، وإن احتشدوا في الطوابق السفلى كادوا يختنقون، وكم من مرة سلّط عليهم البحارة أنابيب الماء الساخن لمنعهم من الاحتجاج على سوء المعاملة، وكم من مرة حملتهم الباخرة إلى حيث لا يقصدون، وأنزلتهم البلد الذي يوافق مصلحتها. السعيد منهم من يجد على المرفأ إنسانًا في انتظاره، أو يعرف عنوانًا لنسيب أو صديق، أو من يحمل كتاب توصية يؤمّن الطعام والمأوى في الليلة الأولى.

هكذا تبدأ حياة الأديب أو أيّ مهاجر إلى الغربة، تبدأ بالتفتيش عن لقمة العيش في غربة قاسية لا يعرف فيها المهاجر أحدًا.

مغامرات قاسية خاضها المهاجرون الأوائل، يذكر الشاعر إلياس فرحات شيئًا منها من معاناته هو، حيث تنقَّل في أعمال لم تُجدِه نفعًا، فمن تربية الماشية، إلى التنضيد في مطبعة، إلى تربية الحملان في مزرعة حيوانات، إلى التجوّل لبيع (مساطر) المحلات التجارية، وهو يختم قصيدة له تحكي عن هذه المعاناة ببيت يحمل فيه كل المعاني :

أغرّب خلف الرزق وهو مشرّق
 

 

وأقسم لو شرّقت راح يغرّب
 

وتذكّرني معاناة فرحات بما قرأته عن معاناة زميله وصديقه في الشعر والهجرة، الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، الذي لم يرتقِ في دنياه من شاعر متجوّل إلى صاحب متجر مقيم، يقول في قصيدة تنضح أسىً ويأسًا وخيبة قاتلة :

حنانيك ربي حنانيك ربي
بعيد المزار غريب
الديار
أيا ربي فاتحتي هكذا
 

 

لقد قصمت ظهري القاصمة
وحيد وها أنا في عاصمة
فهل لك أن تحسن الخاتمة
 

ويذكر سليمان البستاني مترجم الإلياذة شيئًا من هذا في كتابه "عبرة وذكرى" إذ يقول : [كان المهاجر يتعرّض للاستغلال على أيدي السماسرة في مرفأ بيروت، وأنه لو حوكم ولاة بيروت على ما كانوا يؤلمون به أولئك المهاجرين البؤساء وما يبتزونه من أموال يوم سفرهم أو يوم عودتهم، لحكم عليهم بالسجن المؤبد].

وقد روت جريدة البشير أن المهاجرين عند نزولهم من الباخرة في مرسيليا كانوا يقادون كالأغنام لمحل وجد للسلب والنهب ومن امتنع عن الانقياد عولج بالضرب والتهديد، وأشارت إلى أن من رأى العائد إلى بيروت على الباخرة "برنسلين" انفطر قلبه حسرة وانتفض لاعنًا مسببي الهجرة، كما كانت الحكومة الفرنسية تقوم بطرد المهاجرين الفقراء المتوجهين إلى أميركا عبر أراضيها.

هذا قليل من كثير مما كان يحصل للمهاجرين المتعبين من قهر وإهانة وظلم.

هذه نبذ عن حياة المهاجرين في بلاد الاغتراب، وسيكون لنا بإذن الله أبحاث أخرى تكشف عن حقائق وأسرار الحياة المهجرية والأدب المهجري في الماضي والحاضر.

ــــــــــــــــــــــــ

مصادر البحث ومراجعه

·        محمد عبد المنعم خفاجي : قصة الأدب المهجري، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

·        جورج صيدح : أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مكتبة السائح، طرابلس.

·        هيثم جمعة : الهجرة اللبنانية - واقع وآفاق، دون دار نشر.

·        حسن جعفر نور الدين : الصعلكة والشعراء الصعاليك، ج1، دار رشاد برس، بيروت.  

 

 

السنة السابعة / العدد العشرون/ كانون أول : 2011 - محرم : 1433هـ

115%