رسالة النجف

المذاهب الأربعة

 

المذاهب الأربعة

نشأتها وشهرتها وانتشارها

مقتطف من كتاب الشيخ أسد حيدر

(الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة)

بتصرف يسير

مُقدِّمة

قبل البحث عن حياة أئمَّة المذاهب الأربعة لا بُدَّ من ذكر أسباب نشأتها، وكيف تمَّ الالتزام بها دون غيرها من المذاهب، حتى أصبح الوقوف عند قول إمام معيَّن لازمًا، ولا يُمكن استنباط حُكم شرعي لأي أحد سوى أولئك القوم الذين وقفت قافلة التشريع الإسلامي عندهم، فأصبحوا المصدر للتشريع والمرجع الأعلى في الدِّين، حتى ادُّعي استحالة الاجتهاد لمَن بعدهم، فأغلق بابه في وجوه المُسلمين.

وغلقُ باب الاجتهاد جمود للتشريع ووقف لتطوُّر حياة الأمَّة، فتلك أمور يلزمنا النظر فيها، ولا نستطيع فهمها إلا بعد أن ندرس الظروف التي تكوَّنت فيها فكرة التمذهب بمذهب إمام معيَّن، ونبحث عن أسباب نشأتها وعوامل انتشارها، فهل كانت دواعي الانتشار بسبب القيم العلمية والروحيَّة؟ أم أنَّها استندت إلى السلطة التنفيذيَّة؟ وهل كانت مُستقلة عن تأثير السلطة أم أنَّها كانت عرضة لذلك؟ وهل أخضعتها السلطة لمُتابعتها أم أنَّها خضعت باختيارها لأغراض الولاة؟

وسيتَّضح لنا ذلك عندما نبحث عن نشأة المذاهب.

نشأة المذاهب

على أثر النجاح الذي أحرزته الجماعات التي تعمل في الخفاء ضد النظام الأموي طلع نجم بني العباس، وكان لهم نشاط سياسي في المجتمع، فهم في طليعة رجال حركة الانقلاب الذي أحدثته الأمَّة لتحويل الحُكم من البيت الأموي إلى البيت العلوي، وكان العباسيون أشد الناس حماسًا في إيقاد نار الثورة انتقامًا من الأمويين لأبناء علي (عليه السلام)، وكان شعار الثورة هو الدعوة إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام)، وكانوا بذلك يتغلغلون في أوساط الناس، وبواسطة هذا الشعار أوجدوا لأنفسهم مكانًا في قيادة تيار النقمة وتوجيه الثورة، وهم في قرارة أنفسهم يستغلون شمولهم بتسمية أهل البيت (عليهم السلام) وقد أخفوا نواياهم حتى حين، إذ ليس من السهل أن يكاشفوا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أو أن يُصرّحوا بعزمهم على العمل لأنفسهم كبيت عباسي مُستقل، ولو فعلوا ذلك قبل نجاح الثورة فمن المُؤكد أنَّ جماعات الثوار سترفضهم أو تتخذ ما يُناسب ذلك من المواقف، لأنَّ الأمر في أذهان الناس لا يعدو آل محمد (عليهم السلام) ولا يتجاوز البيت العلوي الذي كان قطب الرحى في المسيرة، وأي عمل يكشف عن نوايا العباسيين المُبيَّتة سيُؤدِّي إلى ابتعاد كثير من الثوار عنهم.

على هذا ثارت الأمَّة وانتظمت صفوفها التي نالت الانتصار في تلك الحروب الدامية، ومُحيت أميَّة من صفحة الوجود، ثُمَّ نال العباسيون ثمرة ذلك الغرس بمُسايرة الركب ومُجاراة المشاعر، فتاقت نفوسهم إلى انتحال هذا الاسم عسى أن يُوفَّقوا لإقناع الأمَّة بانطباقه عليهم فتكون لهم حُكومة وراثية، وتمنحهم الأمَّة ثقتها التامَّة.

وبالطبع فإنَّ هذه الفكرة لا تلاقي كثير قبول عند العرب وخصوصًا في المدينة وفي مكَّة في الخصوص، لذلك وجَّهوا عنايتهم إلى الموالي، فأهل المدينة أعرف بآل محمد (عليهم السلام) وأدرى بنزول الآيات فيهم، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله)  ووصاياه في آله، ولأنَّهم شاهدوا تلك الأعمال التي عامل الأمويون بها آل محمد (عليهم السلام) وتألَّموا لها، فكان كل واحد منهم يُنكر ذلك ويتمنَّى مُناصرتهم، فلا يُمكنهم أن يجعلوا العباسيين هم آل محمد (عليهم السلام). وحذرًا من إنكار العرب وانضمامهم لجانب العلويين اقتضت سياستهم أن يوجِّهوا العناية إلى الموالي، وهم يأملون من وراء ذلك تثبيت قواعد المملكة اليوم، والنقمة من العرب يومًا آخر.

المدينة والحركة العلميَّة

كانت المدينة المنورة مصدرًا للفتيا ترجع الأمَّة إلى علمائها في مهمَّات التشريع الإسلامي لأنَّها مركز العلم وفيها أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله)  وأهل بيته (عليهم السلام) والتابعين لهم بإحسان، وقد لاحظت الدولة الأموية من قبل هذه المسألة، وهي اتجاه الأنظار إلى المدينة لأنَّها الجامعة الإسلامية ويُخشى على الدولة خطرها، فكانت تَحذرهم أشد الحذر، فاستمالت أكثر الفقهاء بالعطاء والرجوع إليهم في المهمَّات، لتسدَّ بذلك ثغرة الخطر على الدولة.

وفي العهد العباسي نشطت الحركة العلمية وكان طبيعيًا أن تنتعش العلوم في ظل سلطانهم، لأنَّهم كانوا يجعلون حقَّهم في الإمامة قائمًا على أنَّهم سلالة النبي (صلى الله عليه وآله) ، وكانوا يقولون إنَّهم سيُشيِّدون نظامًا على سُنَّة النبي (صلى الله عليه وآله)  وأحكام الدِّين الإلهي.

فنهض أهل البيت (عليهم السلام) وبقية العلماء لنشر العلم إذ وجد المسلمون حرية الرأي، والتفّوا حول آل البيت (عليهم السلام) لانتهال العلوم من موردهم العذب، وكان الإمام الصادق (عليه السلام) هو الشخصية التي يتطلع إليها الناس فحملوا عنه إلى سائر الأقطار، وقصده طلاب العلم من الأنحاء القاصية، وفتحت مدرسته في تلك الفترة فكان المُنتمون إليها أربعة آلاف طالب([1])، وهذا النشاط العلمي لا يروق للدولة الفتيّة التي قامت على أطلال الدولة الأموية بدون حق شرعي، وإنَّما هو في صالح العلويين، وانضمام العباسيين إليهم كان بداعي الانتقام من بني أمية التي جرَّعتهم كأس الغصص، فهم كسائر البيوتات التي انضمت لهذه الدعوة، ولكنَّهم نشطوا بالحيلة، وتغلَّبوا باصطناع المعروف لآل البيت (عليهم السلام) فكانوا في حذر متواصل من العرب عامَّة ومن المدينة خاصَّة، فأهل المدينة قد وقفوا على حقيقة البيعة وأنَّها لآل علي (عليه السلام) دون بني العباس، كما أنَّهم كانوا في طليعة مَن بايع محمد بن عبد الله بن الحسن وفي رقبة السَّفاح والمنصور بيعته، فكيف يستقلان بالأمر وينقضان تلك البيعة؟

ولكنَّ السَّفاح استطاع بمهارته استجلاب قلوب الناس إليه وتثبيت قواعد ملكه على أيدي الفرس، لأنَّه لا يأمن وثبة العرب لجانب العلويين، فهم في نظر العباسيين أنصار بني علي (عليه السلام) لا أنصار بني العباس، كذلك كان من سياستهم في بدء الدعوة قتل كل مَن يتكلم بالعربية في بلاد فارس([2]).

ومضى السَّفاح وجاء المنصور، وهو ذلك الرجل الحديدي الذي يقتحم مواقع الخطر، ولا يتهيَّب من إراقة الدماء، ولا يقف أمامه حاجز ولا يردعه وازع ديني في سبيل تركيز دعائم ملكه، إذ كان الخطر مُحيطًا به من كل الجهات وأمام غايته حواجز لا يتخطَّاها إلا بالتجرُّد عن العاطفة، ففتك بأهل البيت (عليهم السلام) وبكثير من العباسيين أنفسهم، وأبعد علماء المدينة ونصر الموالي وأوجد تلك المعركة القوية، وهي معركة أهل الحديث وأهل الرأي.

فقرَّب فقهاءَ العراق القائلين بالقياس، وأحاطهم بعنايته ليُحوِّل أنظار الناس إليهم، وبذلك تقلّ قيمة علماء أهل المدينة الذين كانت الأقطار الإسلامية عيالاً عليهم، إذ هم حملة الحديث وأوثق الناس فيه.

أهل الحديث وأهل الرأي

وكان الحديث في العراق قليلاً ولكن انفتح فيه باب الرأي والقياس، وقد عمل به حماد بن إبراهيم النخعي المتوفى سنة 95 هـ 713 م، وأبو حنيفة المتوفى سنة150هـ عن حماد، وكان أهل الحديث يعيبون أهل الرأي لأنَّ عنايتهم بتحصيل وجه من القياس والمعنى المُستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها، وربَّما يُقدِّمون القياس الجلي على آحاد الأخبار، وطريقتهم أنَّ للشريعة مصالح مقصودة التحصيل من أجلها شُرِّعت، فجعلوا هذه المصالح أصلاً من أصول الأدلَّة إذا لم يجدوا نصًا في الكتاب والسنة الصحيحة عندهم، وقد كانت قليلة العدد لبُعد العراق عن موطن الحديث.

وأمَّا أهل الحديث فلم يجعلوا للقياس والرأي في استنباط الأحكام هذا المحل، واتسعت شقَّة الخلاف واحتدم النزاع وافترق أهل الفتيا إلى فرقتين.

وبعد أن كان هذا النزاع علميًا محضًا أصبح ممتزجًا بالسياسة أو التعصُّب، وتعددت فيه عوامل التفرقة لتستند السلطة إلى أقوى الفريقين، واتسع نطاق الخلاف، فترى مالك بن أنس يحط من كرامة العراقيين ويتحامل عليهم ويُعلن بقوله: [أنزلوهم منكم منزلة أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنَّا بالذي أنزل إلينا وإليكم وإلهنا وإلهكم واحد]([3]).

ودخل عليه محمد بن الحسن الشيباني فسمعه يقول هذه المقالة ثُمَّ رفع رأسه فكأنَّه استحيى فقال: [يا أبا عبد الله أكره أن تكون غيبة، كذلك أدركتُ أصحابنا يقولون، وكان يقرأ إذا نظر إلى العراقيين {تعرف في وجوه الذين كفروا المُنكر}... ]([4]).

وكان يُسمِّي الكوفة دار الضرب، يعني أنَّها تضع الأحاديث كما تُخرج دار الضرب الدراهم والدنانير، وقال عطاء لأبي حنيفة: من أين أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا([5]).

ومهما يكن من الأمر فقد تعصَّب كل فريق إلى بلده وتنابزوا، وعُيَّر أهل المدينة بسماع الغناء، وأهل مكَّة بالمُتعة، وأهل الكوفة بالنبيذ، واشتدت عصبية كل قوم لبلادهم، وحملتهم على وضع الأخبار في مدح كل منهم قومه وبلده وذمِّ مُقابله، وعظم الانشقاق بين الطائفتين، وبالطبع فإنَّ الكوفة تضعف عن مُقابلة الحجاز، ولكنَّ السياسة الزمنية اقتضت أن تكون إلى جانب أهل الرأي لا حُبًا بهم ولكن بُغضًا بأهل المدينة، وأصبح لكل جانب أنصار ومُتعصبون فكان مالك بن أنس في طليعة أهل الحديث، وأنصاره من الحجاز سفيان الثوري وأصحابه، وزعيم أهل الرأي أبو حنيفة وأصحابه وكثير من فقهاء العراق.

فالشافعي أخذ عن مالك وأصحابه، وأحمد المُتوفى سنة 241 هـ 820 م أخذ عن الشافعي المُتوفى سنة 204 هـ وأصحابه.

وإنَّما سُمُّوا أصحاب الحديث لأنَّ عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس.

يقول الشافعي: إذا ما وجدتم لي مذهبًا ووجدتم خبرًا على خلاف مذهبي فاعلموا أنَّ مذهبي ذلك الخبر([6]).

وتبعه أصحابه، وهم: إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، وحرملة بن يحيى، وأبو يعقوب البويطي، وابن الصباح، وابن عبد الحكم المصري، وأبو ثور، وغيرهم.

وأما أصحاب الرأي، فهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأصحابه: محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو مطيع البلخي، وبشر المريسي، فهؤلاء عُرفوا بأهل الرأي وقالوا إنَّ الشريعة معقولة المعنى ولها أصول يُرجع إليها، ولاقتناعهم بمعقولية الشريعة وابتنائها على أصول مُحكمة فُهمت من الكتاب والسنة كانوا لا يُحجمون عن الفتوى برأيهم ـ وأما أصحاب الفريق الأول، فإنَّهم يقفون ولا يتعدون حدود النص ـ وكان أصحاب الرأي يُحبون معرفة العلل والغايات التي من أجلها شُرِّعت الأحكام، ورُبَّما ردُّوا بعض الأحاديث لمُخالفتها لأصول الشريعة، ولا سيما إذا عارضها حديث آخر.

وبهذا افترقوا على فرقتين -كما قدّّمنا- أهل حديث وأهل رأي، أو أهل المدينة وأهل الكوفة، مع العلم بأنَّ أهل العراق لا يُقاسون بأهل المدينة في الحديث، فكان القياس عندهم أكثر وعليه يبنون غالب فتاواهم، ونشط سير الحركة العلمية في ذلك العصر.

نشوء المذاهب

أصبح النشاط العلمي واسع النطاق، فكان في كل بلد إمام له مذهب يُنسب إليه، وكثرت المذاهب والمنتمون إليها، إلا أنَّ أكثرها اعتراها الانقراض ولم يُكتب لها البقاء، وكان لمُؤسسيها الذين كثر أتباعهم مكانة سامية، رُبَّما فاقوا في نظر مُعاصريهم وذوي العلم منهم رؤساء المذاهب الذين وقفت قافلة الفقه عندهم، واقتصر استنباط الأحكام عليهم، ولكن عوامل انتشار مذاهبهم عجزت عن مُسايرة الظروف فلم يُكتب لها البقاء، ومُحيت من صفحة الوجود ولم يبق لأبناء السُّنة منها إلا الأربعة:

المالكي، والحنفي، والشافعي، والحنبلي، أمَّا المذاهب التي انقرضت فهي كثيرة، نذكر منها:

1- مذهب عُمر بن عبد العزيز المُتوفى سنة 101 هـ 720 م.

2- مذهب الشعبي المُتوفى سنة 105 هـ 723 م.

3- مذهب الحسن البصري المُتوفى سنة 110 هـ .

4- مذهب الأعمش المُتوفى سنة 148 هـ 764 م.

5- مذهب الأوزاعي المُتوفى سنة 157 هـ 773 م.

6- مذهب سفيان الثوري المُتوفى سنة 161 هـ 777 م.

7- مذهب الليث المُتوفى سنة 175 هـ .

8 - مذهب سفيان بن عيينة المُتوفى سنة 198 هـ 814 م.

9- مذهب إسحاق المُتوفى سنة 238 هـ .

10- مذهب أبي ثور المُتوفى سنة 240 هـ 854 م.

11- مذهب داود الظاهري المُتوفى سنة 270 هـ 833 م.

12- مذهب محمد بن جرير المُتوفى سنة 310 هـ 923 م.

13- مذهب عبد الله بن أباض([7]).

وغيرها من مذاهب المسلمين التي تتفق أحيانًا وتفترق أحيانًا أخرى في كثير من المسائل الشرعية، وهناك مَن جعل في تعداد هذه المذاهب مذهب عائشة، مذهب ابن عُمر، مذهب ابن مسعود ومذهب إبراهيم النخعي.

ولزيادة البيان نذكر طرفًا من حياة بعض أولئك العلماء ورؤساء المذاهب :

سفيان الثوري

أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي المُتولد سنة 65 هـ وتوفي بالبصرة سنة 161 هـ متواريًا عن السلطان، وعدَّه ابن قتيبة في عداد الشيعة، وهو أحد الأئمة المُجتهدين، وله مذهب لم يطل العمل به لقلَّة أتباعه وعدم مُؤازرة السلطة له، إذ كان طريدًا يخشى سطوتهم وهم يطلبونه حتى مات مُتخفيًا عنهم، وهو أحد تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) وخِرِّيج مدرسته، وكان إمامًا من أئمَّة المُسلمين، وقيل روي عنه عشرون ألف حديث، وكان والده سعيد بن مسروق من مُحدثي الكوفة ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي.

نشأ الثوري في مسقط رأسه الكوفة نشأة صالحة وكان بيته معروفًا وله مكانة في مُحيطه، فهو من فقهاء العراق الذين تُشدُّ إليهم الرحال في طلب العلم، وأراد المنصور قتله فلم يتمكن، ودُعي إلى القضاء فهرب، كان يتحرَّى مواقف الصدق في مواجهة العباسيين ويعمل على الاستمساك بتعاليم الدِّين، فلمَّا عزم المنصور على ابن أبي ذؤيب أن يقول رأيه فيه واستعفاه ابن أبي ذؤيب وأصرَّ المنصور، قال ابن أبي ذؤيب: [أشهد أنَّك أخذت هذا المال من غير حقه فجعلته في غير أهله، وأشهد أنَّ الظلم ببابك فاش]([8])، فلمَّا انصرف لقيه سفيان الثوري فقال له: [يا أبا الحارث لقد سرَّني ما خاطبتَ به هذا الجبَّار، ولكن ساءني قولك له: ابنك المهدي، فقال: يغفر الله لك، يا أبا عبد الله، كُلنا مهدي، كُلنا كُنَّا في المهد]([9]).

وبقي مذهبه معمولاً به إلى القرن الرابع.

سفيان بن عيينة

أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، مولاهم -أي مولى الهلاليين- الكوفي المُتوفى سنة 198 هـ كان إمامًا عالمًا أخذ العلم عن الصادق (عليه السلام) والزهري وابن دينار وأبي إسحاق وغيرهم، وروى عنه الشافعي وشعبة ابن الحجاج وخلق كثير، قال الشافعي: [ما رأيتُ أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيتُ أكف عن الفتيا منه]([10])، وكان ثقة العجلي والشافعي وغيرهم، وقال الشافعي: [لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز]([11])، وله مذهب يُعمل به ولم يطل عمره فانقرض في القرن الرابع، لقلَّة أتباعه وأنصاره وعدم مُلاءمته لسلطان عصره، ودُفن ابن عيينة بمكَّة.

الحسن البصري

أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري المُتوفى سنة 110 هـ، كان من التابعين وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري وأمُّه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) .

نشأ بوادي القُرى، وكان من أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما شوَّه خلقته، وكان مُؤازرًا لبني مروان يشد أزرهم وله علاقة وثيقة مع الولاة والأمراء ويُلاقي منهم الإكرام، وكان لهم في ثغر البصرة بقوَّة الدفاع أعظم من الجيوش المُدرَّبة في ساحات الحرب، هكذا في الأصل حتى قالوا: [لولا لسان الحسن وسيف الحجَّاج لوُئدت الدولة المروانية في لحدها وأخذت من وكرها]([12])، وكان مُدلِّسًا في حديثه كما نص عليه الحفاظ، ولم يطل العمل بمذهبه.

كان الحسن البصري يتفق مع سياسة الدولة الأموية، ويروي عن علي (عليه السلام)، فإذا حدَّث عنه قال: [قال أبو زينب ـ يعني عليًا ـ([13])] مُجاراةً للدولة التي اقتضت سياستها أن لا يظهر اسم علي (عليه السلام)، ونُقل عنه أنَّه تكلم في علي (عليه السلام) فقال له أبان بن عياش: [ما هذا الذي يُقال عنك أنَّك قُلته في علي؟ فقال: يا ابن أخي أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة ولولا ذلك لسالت بي الخشب([14])] ([15]).

وكان له مجلس علم حاشد بالعلماء لعظيم منزلته من الدولة، وفي مجلسه نشأت فكرة [الاسم والحكم] التي كانت أساسًا لمذهب الاعتزال.

الأوزاعي

عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام الشاميين المُتوفى سنة 157 هـ .

انتشر مذهبه بالشام كما انتشر مذهب مالك في الحجاز ومذهب أبي حنيفة في العراق، وعمل أهل الشام بمذهبه مدة من الزمن، وانتشر بالأندلس ثُمَّ اندرس مذهبه وحلَّ محله مذهب الشافعي، وعندما عُيِّن محمد بن عثمان الشافعي قاضيًا على دمشق حكم بمذهب الشافعي، وهو أول مَن نشره هناك، وبقي مذهب الأوزاعي إلى سنة 302 هـ .

وكانت للأوزاعي شخصية مرموقة في عصره، ولم يُعدم العناية من السلطة، فقد كان في العهد الأموي مُحترمًا مُبجَّلاً لأنَّه على شاكلتهم، ومن المُؤيدين لدولتهم، والمُناصرين لهم، واتخذته السياسة رمزًا دينيًَّا لأغراضها الخاصة، وفي العهد العباسي قرَّبوه لمكانته عند أهل الشام، فكانوا يستميلونه ويُقرِّبون محله، وكان المنصور يُعظمه ويُراسله لأنَّه عُرف عنه الانحراف عن آل محمد (عليهم السلام) كما يتَّضح لنا ذلك من تتبع آرائه وأقواله، يروي الأوزاعي [بعث إلي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل فأتيته، فلمَّا وصلت إليه وسلَّمت عليه بالخلافة ردَّ علي واستجلسني ثُمَّ قال لي: ما الذي أبطأ بك عنَّا يا أوزاعي؟ قال: قلتُ: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم]([16]).

وأمَّا منزلته العلمية فلا تُنكر في عصره وبعد عصره، روى ابن القطان عن مالك بن أنس أنَّه قال: [اجتمع عندي الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلتُ: أيهم أرجح؟ قال: الأوزاعي]([17])، ومات في خلوة في الحمام، وذلك أنَّ زوجته أوقدت له كانون فحم وأغلقت الباب عليه فمات.

ابن جرير الطبري

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد بن غالب الطبري، المتولد سنة 224هـ بآمد الطبرستان، وتوفي ببغداد في 26 شوال سنة 310 هـ .

 هو من المجتهدين فلم يُقلد أحدًا وله مذهب عُمل به مدة، واعتنقه جماعة منهم أبو فرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طراز.

قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: [ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير]([18])، وقال الخطيب البغدادي: [كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم...]([19]).

داود بن علي الظاهري

أبو سليمان داود بن علي بن خلف المعروف بالظاهري، ولد في الكوفة سنة 202 هـ ونشأ ببغداد وتوفي فيها سنة 270 هـ وكان له لون خاص في التشريع، لعمله في الظاهر.

استمر العمل بمذهب داود إلى القرن السابع الهجري، وكان من أتباعه وأئمة مذهبه: عبد الحق بن عبد الرحمن الأشبيلي المتوفى سنة 610 هـ، ومحمد بن الحسين المشهور بالميورقي المتوفى منتصف القرن السادس، ومجد الدين عمرو بن حسن بن علي بن محمد بن فرج المتوفى سنة 623 هـ وكان من المُحدِّثين.

ومن أئمَّة هذا المذهب أيضًا أبو محمد بن حزم([20]) صاحب الفصل في الملل والنحل وصاحب المُحلَّى على قواعد المذهب الظاهري.

قطع هذا المذهب شوطًا من الزمن بخُطىً ثقيلة، ولكنَّا نراه يُسرع في خُطاه وينتشر بنطاق واسع عندما تولَّى المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المُؤمن وأعلن تمسُّكه به، وأعرض عن مذهب مالك الذي غمر المغرب بانتشاره، فعظم المذهب الظاهري وكثر أتباعه، وانقطع علم الفروع وخاف الفقهاء سطوة السلطان عندما فرض اعتناق هذا المذهب، وأمر بإحراق كتب مذهب مالك، كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد، والتهذيب للبردعي.

قال في المعجب: [ولقد شهدت منها وأنا يومئذٍ بمدينة فاس يُؤتى منها بالأحمال فتوضع ويُطلق فيها النار]([21]).

واستمر المذهب وعدَّه المقدسي في [أحسن التقاسيم] من المذاهب الفقهية([22]).

الليث بن سعد

أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن المولود سنة 92 هـ والمتوفى يوم الخميس أو الجمعة منتصف شعبان سنة 175 هـ بمصر، وقد دفن بالقرافة الصغرى ويُعتبر قبره أحد المزارات هناك، وله مكانة علمية ومذهب يُعمل به، كان يُقرن بمالك بن أنس، يقول الشافعي: [الليث أفقه من مالك إلا أنَّ أصحابه لم يقوموا به]([23])، وكان ابن وهب تُقرأ عليه مسائل الليث فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث كأنَّه كان يسمع مالكًا يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحدًا قط أفقه من الليث([24]).

وكان أهل مصر ينتقصون عثمان فنشأ فيهم الليث فحدَّثهم بفضائل عثمان فكفُّوا، ولم يسعده الحظ بأنصار ينشرون مذهبه فيُكتب له الخلود، وقد انقرض لمدة قليلة، يقول الأستاذ أحمد أمين: [لو تعصَّب المصريون لمَن نبغ منهم لاحتفظوا بمذهبه، ولكانوا أتباعه، ولكن زامر الحي لا يُطرب وأزهد في عالم أهله]([25]).

وفي الواقع أنَّ عدم اشتهار مذهبه وانتشاره سببه عدم امتزاجه بسلطان عصره، فقد طلبه المنصور للقضاء فأبى وقال: إنِّي أضعف عن ذلك، ولم يكن من أصحابه مَن يتولاه، فالقضاء هو عامل قوي لنمو المذاهب وبقائها.

وممَّا يُؤثر عنه أنَّه لقي الرشيد فسأله الرشيد: [ما صلاح بلدكم؟ قال: يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا بإجراء النيل وإصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت السواقي، فقال: صدقت يا أبا الحارث]([26]).

وقال في النجوم الزاهرة([27]): كان الليث كبير الديار المصرية ورئيسها وأمير مَن بها في عصره، بحيث أنَّ القاضي والنائب من تحت أمره ومشورته، وكان الشافعي يتأسف على فوات لقياه، وقد كتب بعض مَن غاظه ذلك إلى المنصور:

أمير المؤمنين تلافَ مصرًا

 

فإنَّ أميرها ليث بن سعد
 

 

 عُمر بن عبد العزيز

عُمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، كان تابعيًا، روى عن أنس بن مالك وغيره، ولا نعلم بالضبط الآخذين بمذهبه والعاملين به، ولا نعلم مدة بقائه، وربما كانت له آراء خاصَّة أخذها الناس عنه فعُدَّ في عداد المذاهب، ولا يخفى أنَّ لمنزلته الدينية وفقهه أثرهما في الناس بعد أن استلم الحُكم، والناس لا ترى من حُكام بني أمية إلا ثلاثة أوجه: كره العلويين وظلم الناس واقتراف المُوبقات، ونُقل عنه قوله: [ما سرَّني لو أنَّ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله)  لم يختلفوا، لأنَّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة]([28]).

الأعمش

أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش مولى بني كاهل من ولد أسد المعروف بالأعمش الكوفي المتوفى سنة 148هـ، كان ثقة عالمًا، كان أبوه من سبي دنباوند وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، وكان يُقارن بالزهري في الحجاز، رأى أنس بن مالك لكنَّه لم يسمع منه، ويروي عن أنس إرسالاً أخذه عن أصحاب أنس، وروى عنه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وكان لطيف الخلق مزَّاحًا.

دخل أبو حنيفة يومًا لعيادته فطوَّل القعود عنده فلمَّا عزم على القيام قال أبو حنيفة: ما كأنّي إلا ثقلت عليك، فقال: والله إنَّك الثقيل عليَّ وأنت في بيتك([29]).

وعاده أيضًا جماعة وأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية([30]).

وُلد الأعمش سنة 60 هـ وقيل إنَّه وُلد يوم مقتل الحسين (عليه السلام)، وعدَّه ابن قتيبة في كتاب المعارف من جملة مَن حملت به أمه سبعة أشهر([31])، وتوفي سنة 148 هـ أي في السنة التي توفي بها الإمام الصادق(عليه السلام) ولم يكن لمذهبه ظهور وانتشار في المجتمع، وانقرض بعد مدة قليلة.

الشعبي

عامر بن شراحيل الشعبي أبو عُمر الكوفي المتوفى سنة 105 هـ، سمع من جماعة من الصحابة وقال: أدركت خمسمائة منهم، وكان قاضيًا لعُمر بن عبد العزيز ومُحدِّث الكوفة، يفتي على ما صحَّ عنده من الأثر، وينقبض عن الفتوى إن لم يجد نصًا ولا يقول برأيه، ونسبة المذهب إليه لما صدر عنه من الفتوى، وإلا فلم يشتهر عنه ذلك، والعمل بمذهبه قليل.

الأسباب التي أدّت إلى محو بعض هذه المذاهب

هؤلاء بعض رؤساء المذاهب البائدة، وهي كثيرة تزيد على الخمسين، إلا أنَّنا قصرنا الكلام على هؤلاء، لأن الاستقصاء يخرجنا عن غاية بحثنا.

وليس لنا غرض في التعرف عليهم، ولكنَّ الغرض أن نعرف الأسباب التي دعت إلى محو هذه المذاهب من صفحة الوجود وإثبات المذاهب الأربعة، مع العلم أنَّ رؤساء المذاهب البائدة لهم منزلة علمية، ونستطيع القول بأنَّ أكثرهم كانوا أعلم من رؤساء المذاهب الأربعة، فسفيان الثوري لقبّوه بأمير المؤمنين في الحديث وسيد الحفَّاظ وغير ذلك، كما قاله شعبة وأبو عاصم وابن معين وغيرهم، وقال ابن المبارك: [كتبتُ عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان]([32])، وقال القطان: [الثوري أحب إليَّ من مالك]([33]) -إلى غير ذلك من أقوال علماء الرجال ممَّا لم نعثر على مثلها لأبي حنيفة وغيره، نعم ما ورد من المدح في أئمة المذاهب الأربعة من طرق أتباعهم تتعدى حد الحصر- واعطف عليه سفيان بن عيينة وابن جريح والليث وغيرهم فإنَّهم بمكانة من العلم، وقد رجع الناس إليهم في الفتيا مدة من الزمن، واستمر العمل بمذاهبهم ثُمَّ انقرضت ولم يبقَ لأهل السنة إلا المذاهب الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.

أمَّا أتباع آل البيت (عليهم السلام) فقد بقيت آراؤهم ومعتقداتهم في الأصول والفروع وغيرهما أقوى من أن تلين للسياسة وتدخلات الولاة والأمراء . . . وإذا شوهدوا في بعض الأحيان يميلون إلى التقية وإلى تحاشي ضغائن الملوك فإنَّ ذلك كان من عزم الأمور ودرء المهالك عن أنفسهم حين يرون أنَّ دماءهم أحفظ للدين من إراقتها دون طائل.

فالحُكّام في العهدين الأموي والعباسي كانوا لا يتورعون عن سفك الدماء الطاهرة ولا يتوقفون في ظلمهم لآل البيت (عليهم السلام) عند حد، ولهذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) يرى في تعرض أهله من آل الحسن (عليه السلام) إلى تلك المحنة والعذاب أمرًا يُجرِّئ الظالمين أكثر على انتهاك حُرمات أهل البيت (عليهم السلام) ويصبح انتهاك حُرمات الناس أبسط بكثير، فقال(عليه السلام) وهو يرى موكب آل الرسول (عليهم السلام): [والله لا تُحفظ لله حُرمة بعد هذا]([34]).

ولا يندرج المذهب الجعفري في سياق نشأة المذاهب لأمور عدَّة، منها:

1ـ استقلال فقه أهل البيت (عليهم السلام) عن السلطة الجائرة وتعلقه بالإمامة والسلطة الروحية.

2ـ في العهد الأموي -حيث لم تأخذ المذاهب صفتها الرسمية ولم ترسُ على عدد معيَّن- كان الشيعة هم الخطر الحقيقي الذي يُهدِّد بقاء الأمويين في كل حين، فكان الاعتقاد بمذهب الشيعة استعدادًا للموت والتضحية.

3ـ في العهد العباسي، حيث أرست الدولة المذاهب بأربعة، لم يكن الشيعة جزءًا من السلطة، بل استمروا على العمل بقاعدة مُقاطعة الظالمين، فيما كان وجودهم الفقهي والعلمي يتسع وينتشر برغم إرادة العباسيين، وقد شيَّدوا بناءهم الفكري بعيدًا عن مؤثرات السلطة وعلى الضد من رغبات الحُكام.

يتبع=

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) راجع في رحاب الشيعة، للشيخ باقر شريف القرشي ص115؛ وموسوعة المصطفى والعترة (ع)، للشاكري ج10 ص210؛ والنظام السياسي في الإسلام، للشيخ باقر شريف القرشي ص289 وغيرها.

([2]) نشوء المذاهب والفرق الإسلامية، الحاج حسين الشاكري، ط1 1418، ستارة، إيران.

([3]) جامع بيان العلم وفضله ج2 ص157.

([4]) نفس المصدر السابق.

([5]) تاريخ بغداد ج13 ص332.

([6]) راجع مُستدرك الوسائل ج1 هامش ص21؛ أصحاب الصحاح الستة،مركز المصطفى (ص)، صفحة مُستدرك الوسائل للنوري ج1 ص16.

([7]) الأعلام، لخير الدين الزركلي، ج4 ص62.

([8]) إحياء علوم الدين ج3 ص380.

([9]) إحياء علوم الدين ج3 ص381.

([10]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان ج2 ص291.

([11]) تاريخ الإسلام، للذهبي ج13 ص192؛ عمدة القاري، للعيني ج8 ص66.

([12]) الحجاج بن يوسف الثقفي، مركز المصطفى (ص)، صفحة الإمام الصادق (ع)، لأسد حيدر ج3 ص117؛ الحسن البصري، مركز المصطفى (ص)، صفحة الإمام الصادق لأسد حيدر ج3 ص117.

([13]) الأمالي، للسيد المرتضى (ره)، ج1 ص112 ؛ مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، ج2 ص174 ؛ الحسن البصري، مركز المصطفى (ص)، صفحة إحقاق الحق للتستري ج28 ص476.

([14]) الخشب بضم الخاء والشين المعجمتين، جمع خشب وهو الصقيل من السيوف.

([15]) بحار الأنوار ج34 ص294 ؛ التجلي الأعظم، للموسوي، ص393 ؛ منار الهدى في النص على إمامة الإثني عشر (ع)، للشيخ علي البحراني، ص279.

([16]) حلية الأولياء، لأبي عمرو الأوزاعي، ج6 ص136؛ إحياء علوم الدين ج3 ص381.

([17]) البداية والنهاية، لابن كثير، ج10 ص124.

([18]) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج2 ص161 ؛ تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، ج52 ص196 ؛ تذكرة الحفاظ، للذهبي، ج2 ص712 وغيرها.

([19]) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، نفس المصدر السابق.

([20]) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتولد سنة 381 هـ، والمتوفى سنة 456 هـ، كان عظيم الحفظ، كثير التصانيف، وكان جريء اللسان مُتسرِّعًا إلى النقل بمُجرَّد ظنه، كثير الوقوع بالعلماء وله كتاب الفصل يُعرف به تحامله على المسلمين، فإنَّه كان يُطلق لسانه حتى قيل: إنَّ لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان، كان شافعي المذهب، قال ابن العربي: [ثُمَّ إنَّه انتسب إلى داود ثُمَّ خلع الكل واستقل وزعم أنَّه إمام الأئمَّة يضع ويرفع ويحكم ويُشرِّع وينسب إلى دين الله ما ليس فيه]. راجع تذكرة الحفاظ ج3 ص1146 و 1154.

([21]) المعجب في تلخيص أخبار المغرب ، المراكشي ج1 ص81.

([22]) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي البشاري، ج1 ص12.

([23]) تهذيب التهذيب، لابن حجر، ج8 ص415.

([24]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ج4 ص127.

([25]) حكاه عنه الشيخ أسد حيدر في كتابه الإمام الصادق ... ج1 ص167.

([26]) حلية الأولياء ج7 ص322.

([27]) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج1 ص167.

([28]) تفسير الألوسي ج3 ص164 ؛ الإبانة الكبرى، لابن بطة، ج2 ص221 وغيرهما.

([29]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ج2 ص402.

([30]) نفس المصدر السابق.

([31]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ج2 ص403.

([32]) تذكرة الحفاظ، للذهبي، ج1 ص204 ؛ تهذيب التهذيب، لابن حجر، ج4 ص100.

([33]) تفسير الثوري، لسفيان الثوري، ص11 ؛ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج9 ص164.

([34]) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الاصفهاني، ص149 ؛ بحار الأنوار ج47 ص305 ؛ تاريخ الإسلام، للذهبي، ج9 ص18.

 

 

 

 تتمة مقال = المذاهب الأربعة ( نشأتها وشهرتها وانتشارها )

 

عوامل انتشار المذاهب الأربعة

المذهب الحنفي

يُنسب إلى الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، من أهل كابل أو من أهل نسا، وكان اسمه عتيك بن زوطرة، وكان أبوه عبدًا مملوكًا لرجل من ربيعة من بني تيم الله بن ثعلبة من فخذ يُقال لهم بنو قفل، ولد سنة 80 هـ في نسا، وتوفي سنة 150 هـ في بغداد([35]).

كانت دعوة العباسيين قائمة على أساس الانتماء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، وأنَّهم سلالة البيت النبوي، فهم أحق بالأمر من أميَّة خصوم الإسلام وأعداء محمد (صلى الله عليه وآله) ، وبالطبع فإنَّهم يقيمون على أطلال تلك الدولة المُتَّهمة بمُخالفة الدين، دولة ذات صبغة دينيَّة، يُحاولون أن يُظهروا الاتصال الوثيق بين الدين والدولة، ليُكوِّنوا من أحكام الشريعة الإسلامية دستورًا ونظامًا تسير الدولة عليه سيرًا صوريًا، فقرَّبوا العلماء، واتصلوا بهم اتصالاً وثيقًا وآثروا نشر العلم، وجعلوا القضاء بيد أهل الرأي من أهل العراق، حتى وُلِّي أبو يوسف القضاء([36])، وهو أقوى عوامل انتشار المذهب الحنفي لمكانة أبي يوسف وسلطته التنفيذية يومذاك، فكانت للمذهب الحنفي خطوة واسعة في قطع مسافة الشهرة بما لم يسعد به غيره.

فأبو يوسف([37]) هو تلميذ أبي حنيفة وقد تربَّى في نعمه، وبتوليته منصب القضاء استطاع نشر المذهب، ووُلِّي منصب رئاسة القضاء العامة في عهد الرشيد سنة 170 هـ فلم يُقلَّد القضاء ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلا مَن أشار به القاضي أبو يوسف([38])، وذلك لمكانته في الدولة ومنزلته عند الرشيد حتى قال له الرشيد: يا يعقوب لو جاز لي إدخالك في نسبي ومشاركتك في الخلافة المفضية إليَّ لكنتَ حقيقًا به، ألست القائل لأخي وقت كذا وكذا ؟ وفي وقت كذا وكذا ؟ يُشير بذلك إلى ما عزم عليه الهادي من خلع الرشيد واستشارة أبي يوسف في ذلك، وجوابه له بردِّ عزمه، فكان الرشيد يشكر لأبي يوسف هذه اليد، حتى قيل: لم يتمكن أحد كتمكن أبي يوسف من الرشيد([39])، وقال بشر المريسي: ما اشتهيت من مراتب السلطان إلا مرتبة رأيت أبا يوسف بلغها عشية من العشايا([40]).

وقال أحمد بن يوسف الكاتب: [وبلغ أبو يوسف مع الرشيد مبلغًا لم يبلغه عالم بعلمه ولا محبوب بمرتبته]([41]).

وقال ابن عبد البر: كان أبو يوسف قاضي القضاة قضى لثلاثة من الخلفاء، ولي القضاء في بعض أيام المهدي ثُمَّ للهادي ثُمَّ للرشيد، وكان الرشيد يُكرمه ويُجلُّه، وكان عنده حظيًا مكينًا([42])، لذلك كانت له اليد الطولى في نشر ذكر أبي حنيفة وإعلاء شأنه، لما أوتي من قوة السلطان وسلطان القوة.

وإذا نظرنا إلى مقومات المذهب في نفسه نجد ذلك يرجع لجهود أربعة من أصحاب أبي حنيفة فإنَّهم ألَّفوا فيه وهذَّبوا مسائله، وليس لأبي حنيفة إلا المشاركة في الرأي أحيانًا، وخالفوه في أكثر المسائل، كما أنَّهم وسَّعوا دائرة المذهب في الحيل الشرعيَّة.

وأول أولئك النفر هو أبو يوسف القاضي، فقد خدم المذهب بقوة سلطانه وفي تصنيف الكتب وتبويب المسائل، وقد أدخل الحديث في فقه أبي حنيفة، وألَّف كتاب [الخراج] لهارون الرشيد مُستنبطًا من الحديث على مذهب مالك، وغلبت على آرائه العناية بمصالح السلطان الزمنية.

والثاني محمد بن الحسن، الشيباني، مولاهم، المولود([43]) سنة 132 هـ والمتوفى سنة 189 هـ، نشأ بالكوفة وعاش تحت ظل الدولة العباسية، أدرك أبا حنيفة ولم ينتفع منه لحداثة سنِّه، فأتمَّ دراسة المذهب على أبي يوسف، وكان ذا فطنة وذكاء، وأصبح المرجع لأهل الرأي في نبوغه وتقدمه، وألَّف في المذهب كتبًا هي في الحقيقة المرجع الأول فيه، فإنَّ الحنفية ليس بأيديهم إلا كتبه، وخرج إلى المدينة ولقي مالكًا وقرأ الموطأ عليه، ثُمَّ رجع إلى بلده فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة([44])، ونظم الفقه الحنفي وخالف أبا حنيفة في أكثر مسائله.

والثالث زفر بن الهذيل المتولد سنة 110 هـ كان من أهل الرأي وكان أقيس أصحاب أبي حنيفة.

والرابع الحسن بن زياد([45]) اللؤلؤي مولى الأنصار، درس على أبي حنيفة ثُمَّ على أبي يوسف وعلى محمد بعده، وصنَّف الكتب في مذهب أبي حنيفة، ولم تكن كتبه بتلك الدرجة من الاعتبار عند الحنفية كما كانت كتب محمد بن الحسن.

فهؤلاء الأربعة هم دعامة رقي المذهب وسعة دائرته، ولم ينقل لنا التاريخ عن أبي حنيفة كتابًا يتضمن مسائله وفقهه، وإنَّما دوَّن علم المذهب أصحابه.

نعم، يُنسب لأبي حنيفة كتاب يُسمَّى الفقه الأكبر هو وريقات قليلة لا يتضمن إلا شيئًا من العقائد، وقد شُرح ووسِّع وأضيفت إليه آراء أخر مع أنَّ الأكثرية يذهبون إلى نسبة هذا الكتاب إلى أبي حنيفة البخاري، وليس هو أبو حنيفة رئيس المذهب.

وبهذا يصبح لا أثر له في تدوين أي شيء، كما أنَّ أبا حنيفة لا يُفارق فتوى إبراهيم وعبد الرزاق إلا في مواضع يسيرة، والغرض أنَّ المذهب إنَّما انتشر وكثرت مسائله بأعمال هؤلاء الأربعة ومساعيهم، ثُمَّ جاء من بعدهم علماء نُسبوا لهذا المذهب، فكانت لهم آراء مُستقلة وتكونت مجموعة من الأقوال والآراء الفقهية وكلها تُنسب لأبي حنيفة، وإن لم يُفتِ بها ولم يعرفها، ولكنَّهم قالوا: إنَّ أبا حنيفة أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتَّجه لهم منها عليه الدليل حتى صار ما قالوه قولاً له لابتنائه على قواعده التي أسسها لهم([46]).

المذهب المالكي

يُنسب إلى الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ولد سنة 93هـ بالمدينة، ويُدَّعى أنَّ أمَّه حملت به سنتين وقيل أكثر، وتوفي سنة 179هـ.

وكان من نتائج النزاع الذي حدث بين أهل العراق وأهل المدينة، أو أهل الحديث وأهل الرأي، ظهور شخصية أبي حنيفة في العراق ومالك في الحجاز، وكانت السلطة تؤيِّد جانب أصحاب أبي حنيفة وتشد أزرهم، وتُقدِّم الموالي لتحط من قيمة العرب، لأنَّهم في نظر السلطة أعداء يتكتمون فلا يأمنون جانبهم من وثبة يومًا ما لميلهم للعلويين، وإنَّهم ليترقبونها في غالب الأحيان فهم دائمًا في حذر.

وكان مالك ممَّن انضم لجانب العلويين، وأخذ العلم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وأظهر القول بجواز الخروج مع محمد النفس الزكية، فأهين لذلك وناله الأذى وتعصَّب له قوم وناصروه وأصبحت له مكانة في المجتمع، ولحظت السلطة أهمية مكانته، فرأت من اللازم أن تجعله تحت عنايتها لتوجد منه شخصية علمية توجِّه إليه المجتمع طوعًا أو كرهًا، فأصبح مُحترمًا إلى أبعد حدود الاحترام.

ويُعطينا الإمام الشافعي صورة عن عظيم منزلته، عندما دخل المدينة يحمل إلى واليها كتابًا من والي مكة توصيةً منه بالشافعي، ويطلب منه إيصاله إلى مالك، قال الشافعي: فأبلغت الكتاب إلى الوالي فلمَّا أن قرأه قال: يا فتى إنَّ المشي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيًا راجلاً أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذلَّة حتى أقف على بابه، قال الشافعي: فقلت: أصلح الله الأمير، إن رأى يوجِّه إليه ليحضر، قال: هيهات، ليت أنِّي إذا ركبت أنا ومَن معي، وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجاتنا، قال: فواعدته العصر وركبنا جميعًا فوالله لكان كما قال، فتقدَّم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاكِ إنِّي بالباب، قال: فدخلَتْ فأبطأَتْ ثُمَّ خرجَتْ فقالت: إنَّ مولاي يُقرئك السلام ويقول إن كانت لك مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس، فانصرفت، فقال: قولي له معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مُهمَّة، قال: فدخلت ثم خرجت وفي يدها كرسي فوضعته، ثُمَّ إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية([47])، فجلس وهو مُتطلس([48])، فدفع الوالي الكتاب من يده ثُمَّ قال: يا سبحان الله! وصار علم رسول الله (صلى الله عليه وآله)  يُؤخذ بالرسائل؟ قال: فرأيتُ الوالي وقد تهيَّبه أن يُكلمه فتقدَّمتُ إليه فقلت له: أصلحك الله إنِّي رجل مطلبي ومن حالي ومن قصتي، فلمَّا أن سمع كلامي نظر إلي ساعة... إلخ([49]).

ونحن إذ نقيس منزلة مالك بين العهدين نجد الفرق بيِّنًا فنراه في عهد أحد الولاة مغضوبًا عليه يُسحب ويُجرَّد من ثيابه ويُضرب خمسين سوتًا ويُهان، ونراه في العهد الثاني يتهيَّب الوالي أن يُكلِّمه، فمالك في حاليه يُعطينا درسًا في معرفة أغراض السياسة مع رجال الأمَّة، وأنَّ لها ألوانًا من المعاملة مع الأشخاص الذين تريد أن تستخدمهم بالمُغريات.

والغرض أنَّ نجم مالك بزغ بذلك الأفق فأصبحت له شخصية مرموقة دون غيره من شيوخه الذين هم أعلم وأفقه كربيعة الرأي([50]) وغيره، فامتاز بتلك المنزلة واكتست شخصيته بأبراد العظمة، وحاول العباسيون أن يجعلوا منه مرجعًا عامًا للأمَّة في الفتوى، ولكنَّها محاولة لم تنجح، وقد أمره المنصور بوضع كتاب يحمل الناس عليه بالقهر، فكلَّمه مالك في ذلك وامتنع فقال المنصور: ضعه فما أحد اليوم أعلم منك([51])، فوضع الموطأ.

وهذه الكلمة لها مكانتها في نظر الاعتبار، فالمنصور حينما يُعلن بأنَّ مالكًا أعلم الناس، ويُلزمه بوضع كتاب تُصادق عليه الدولة فيكون نظامها المُتَّبع وتطلب الالتحاق بقافلة الدين ـ وما أبعدها عن ذلك ـ فمَن يستطيع أن يتخلَّف عن الاعتراف بمنزلة مالك وأنَّه أعلم الأمَّة؟

والرشيد يأمر عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرًا دون مالك، وكان الرشيد يجلس على الأرض أمامه لاستماع حديثه([52]).

كيف لا يكون لمالك ظهور وسمعة ومُنادي السلطان يهتف أيام الحجِّ أن لا يُفتي إلا مالك([53])، فأصبحت له مكانة في المُجتمع وهيبة في النفوس، وتقرَّب الناس إليه بشتى الوسائل، والتفوا حوله، وتزاحموا على مجلسه الذي عيَّن له وقتًا خاصًا في يوم معيَّن يزدحم الناس فيه لاستماع الحديث وأخذ الفتيا، وله كاتب بين يديه يقرأ للناس، وليس لأحد أن يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه في شيء، وبذلك لا يستطيع أحد مُناقشته، وكان على رأسه سودان يأتمرون بأمره.

قال إسماعيل الفزاري: دخلت على مالك وسألته أن يُحدثني فحدثني اثني عشر حديثًا ثُمَّ أمسك، فقلت: زدني أكرمك الله، وكان له سودان قيام على رأسه، فأشار إليهم فأخرجوني من داره([54]).

ولا ريب أنَّ هذه المعاملة من مالك تبعثنا على التساؤل عن أسباب امتناع مالك وبخله على الناس بما ينفعهم من أحاديث نبوية وإرشادات تربوية؟ وهذا الوضع منه لا شك أنَّه مُستغرب لأنَّ السنّة الشريفة أمرت بنشر العلم وتوعدت مَن يكتمونه.

ويُحدثنا أبو بكر بن عبد الله الصنعاني قال: أتينا مالك بن أنس فحدثنا عن ربيعة الرأي، فكنَّا نستزيده فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟ فأتينا ربيعة فقلنا: كيف يحظى بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ فقال: أما علمتم أنَّ مثقالاً من دولة خير من حمل علم([55]).

ولا بُدَّ من الإشارة إلى رضى مالك بإقبال السلاطين عليه وترك أيديهم تلعب بأحواله الخاصة فأصابه من جبرية الحاكم شيء.

ومهما يكن من أمر فقد أسعده الحظ فكان له شأن ولمذهبه قبول ولكتابه منزلة حتى قالوا: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وفي لفظ آخر: ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك([56]).

وكان انتشار مذهبه على أيدي القضاة والملوك، وقد انتشر بالأندلس بسبب حملِ مَلِكِ الأندلس الناس عليه بالقهر، لمَّا بلغه كلام من مالك في مدحه عندما سأل عن سيرة الملك في الأندلس فذُكر له عنها ما أعجبه فقال: نسأل الله تعالى أن يُزيِّن حرمنا بملككم، فلمَّا بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه وترك مذهب الأوزاعي([57])، وهذا من أقوى عوامل الانتشار ودواعي الظهور والسمعة، وإقبال الناس عليه إتباعًا للسلطان وخضوعًا للسلطة بدون تمييز لما هو الأرجح والأولى.

وقد نشر مذهبَ مالك في أفريقيا القاضي سحنون، يقول المقريزي: ولمَّا وُلِّي المعز بن باديس حمل جميع أهل أفريقيا على التمسُّك بذهب مالك وترك ما عداه، فرجع أهل أفريقيا وأهل الأندلس كلهم إلى مذهبه رغبة فيما عند السلطان، وحرصًا على طلب الدنيا، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن لا يكون إلا لمَن تسمَّى بمذهب مالك، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشى هذا المذهب هناك وحظي بالقبول لا بحسب مؤهلاته ومُقوماته الروحية أو العلمية، وإنَّما صار على حسب نظام القوة التي خضع الناس لها بدون تبصُّر، كما أنَّ انتشاره بالمغرب الأقصى هو كذلك رغبة لما عند السلطان، وخضوعًا لما افترضوه على الناس، ولم يكن ثبوته مُستقلاً بروحانيته عن تأثير السلطة التنفيذية، فإنَّ دولة بني تاشفين قامت في الأندلس في القرن الخامس، وتولَّى علي بن يوسف بن تاشفين فعظَّم أمر الفقهاء، ولم يكن يقرب منه ويحظى عنده إلا مَن تعلَّم مذهب مالك، فنفقت في زمنه كتب المذهب، وعُمل بمُقتضاها ونُبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله وحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فلم يكن أحد يعتني بهما كما يعتني بكتب المذهب المالكي([58]).

وما ذلك إلا من اختراع السياسة لأمور كان الأصلح للأمَّة أن تتخلى السياسة عن التدخل بمثلها، إذ من الصعب على الرعية أن تعرف صلاح أمرها ما دام مفروضًا عليها من قبل السلطان وهي تجهل ذلك، وبهذه المُؤثرات انتشر مذهب مالك بصورة هائلة كزميله المذهب الحنفي، فله أسوة به، وإذا ما قصرت خطاه في بعض الأماكن فبمُجرَّد تولِّي القضاء المالكي من قبل رجال المذهب يزداد نشاطه وإقبال الناس عليه وتمسكهم به، لذلك لمَّا خمل ذكره في المدينة مدة من الزمن فبمُجرَّد أن تولَّى قضاءها ابن فرحون أظهره بعد خُموله.

فيظهر لنا أنَّ الزمن سار في انتشار هذه المذاهب لا على سبيل الاعتقاد والواقع، بل إنَّ في الأمَّة ضعفاء قلَّدوا الأقوياء بأهم أمر، وكان الأجدر استقلالهم بمعرفته، وأخذهم له من أهله، وأنَّى لهم ذلك وكل سلطة تحاول أن تجعل أمورها ذات صبغة دينية، وتجعل أمر التشريع بيد قضاة صارعتهم الدنيا فصرعتهم إلا مَن عصم الله وقليل ما هم.

قال ابن حزم: [مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان:

1ـ مذهب أبي حنيفة، فإنَّه لمَّا وُلِّي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة كانت القضاة من قبله، فكان لا يُولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى أفريقيا إلا من أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه.

2ـ مذهب مالك عندنا في بلاد الأندلس فإنَّ يحيى بن يحيى([59]) كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومَن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به]([60]).

وحُكي عن الدهلوي أنَّه قال: فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وأسند إليهم القضاء والإفتاء، واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسًا ظاهرًا انتشر في أقطار الأرض، لم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين ولم يُولَّوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين([61]).

وهذا التعليل قد أجمعت عليه آراء المؤرِّخين والعلماء حتى لقد شاع بين الناس قولهم: [الناس على دين ملوكهم]([62]).

المذهب الشافعي

ويُنسب إلى الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وقيل إنَّ شافعًا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش، فامتنع فطلب من عثمان ذلك ففعل، وقد ولد سنة 150 هـ وتوفي سنة 198 هـ ([63]).

كان ظهوره أولاً بمصر وكثر أصحابه هناك فغلب على بغداد وعلى كثير من بلاد خراسان، ودخل شيء منه إلى أفريقيا والأندلس بعد سنة 300 هـ، وقويت شوكته، وعظمت شهرته في عهد الدولة الأيوبية التي كانت تتسم بسمة شافعية، وبذلوا جهدهم في نصرته، ببناء المدارس لفقهاء الشافعية واختصاص القضاء بهم، وكان الغالب على أهل مصر الشيعة في عهد الفاطميين الذين كانوا يملكون مصر قبله، وكان المذهب الجعفري يُدرَّس في الجامع الأزهر وغيره، فأبطل صلاح الدين تدريسه فيها وأحيا مذهب الشافعي([64]) وأبي حنيفة ومالك، وبنى لهم كثيرًا من المدارس، ورغَّب الناس فيها بالأوقاف التي حبسها عليها فرغبوا فيها وأخذوا في تقليدها وهجروا ما عداها من المذاهب.

وكان انتشار مذهب الشافعي بعد صلاح الدين أكثر من غيره، لاعتناق الملوك الذين تولوا من بعده مذهب الشافعي، وقد نجح الشافعي في بدء أمره عندما قدم مصر وزاحم مذهب مالك، حتى تعصَّب عليه المالكية، لأنَّه كاد أن يُنسي الناس مذهب مالك إلى أن آل الأمر بهم فقتلوه بسبب التعصُّب.

وكان سبب نجاحه مؤازرة بني عبد الحكم له، فإنَّ لهم مكانًا رفيعًا بمصر، ومنزلة سامية وجاهًا عظيمًا، وقد آزره أبو محمد عبد الله بن الحكم بن أعين بن الليث، وكان عالمًا عاقلاً متحققًا بمذهب مالك، وإليه أفضت الرياسة بعد أشهب، فلمَّا نزل الشافعي عليه أكرم مثواه وبلغ الغاية في برِّه، وقتل الشافعي وهو نزيله، فاعتنق مذهب الشافعي وكتب كتبه لنفسه، مع أنَّ الشافعي لم يُعدَم رعاية السلطان هناك، فإنَّه دخل مصر وهو يحمل من الرشيد كتابًا لواليه على مصر يوصيه به ويُلزمه بعنايته، ووقعت بينه وبين المالكية مناوشات كان النجاح له في نهاية الأمر.

وكان قدوم الشافعي إلى مصر في سنة 198 هـ، ويُقال إنَّه جاء مع أميرها عبد الله بن العباس بن موسى العباسي، فصحبه جماعة من أعيان أهل مصر كبني عبد الحكم والربيع بن سليمان، وأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والبويطي، وكتبوا عنه ونشروا مذهبه.

المذهب الحنبلي

يُنسب إلى الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن ذهل بن شيبان، ولد سنة 164 هـ في بغداد وتوفي فيها سنة 241 هـ.

ظهر مذهب أحمد بن حنبل ببغداد وهو آخر المذاهب لتأخره زمنيًا في الحدوث، وكانت خطوة انتشاره خارج بغداد قصيرة جدًا ولم ينل شهرة غيره من المذاهب، وظهر في مصر في القرن السابع بين أفراد معدودين، ولكن انتشر بعد فترة قصيرة عندما تولَّى القضاء عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الملك الحجازي، فزاد انتشاره هناك وذلك في سنة 738 هـ .

قال ابن خلدون: فأمَّا أحمد بن حنبل فمقلده قليل لبُعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظًا للسنة ورواية الحديث([65]).

والقدماء يعدّون أحمد بن حنبل من أهل الحديث لا الفقهاء([66])، ولذا لم يُعد مذهبه في الخلاف بين الفقهاء، وكان ابن جرير يقول إنَّه رجل حديث لا رجل فقه، وعدَّه المقدسي كذلك من أهل الحديث لا من الفقهاء، ولم يذكره ابن قتيبة في معارفه في عداد الفقهاء، واقتصر ابن عبد البر في كتابه الإنتقاء على ذكر مالك والشافعي وأبي حنيفة.

والحاصل أنَّ المذهب الحنبلي أقل المذاهب انتشارًا، وقد عَدَّ مُتبعوه هذه القلة فخرًا، نعم ظهرت عظمته ببغداد إذ كان مُتبعوه يحتفظون فيما بينهم باتحاد وثيق حيث تكون المصلحة هناك، وقد أصبحوا في زمنٍ ما ولهم قوة استطاعوا بها أن يُقلقوا بال الحكومة، وتظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانت صولتهم عظيمة وأوقعوا في سائر المذاهب التي تخالفهم ما تشتهيه أنفسهم من التنكيل والأذى، وقضت الحكومة على تلك الحركات غير المُنظمة، وضيَّقوا دائرة اتساع دعوتهم.

ولم ينل المذهب الحنبلي قوة أنصار ورجال دعوة إلا في البلاد النجدية، فقد ساعده الزمن وكتب له البقاء على يد محمد بن عبد الوهاب([67]) مُؤسس المذهب الوهابي، وإن كان مذهب أحمد وشهرته اندكت إلى جانب شهرة الوهابي ومذهبه، ولا يُنكر ما لابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية من الفضل في انتشار المذهب ونشاطه، وهما في الحقيقة أبطال دعوته وعنهم أخذ ابن عبد الوهاب تعاليم مذهبه الجديد، ومع ذلك فإنَّ مُعتنقي هذا المذهب هم اليوم أقل عددًا بالنسبة إلى مُعتنقي المذاهب الأخرى في العالم الإسلامي.

السلطة وانتشار المذاهب

وبهذه الأسباب وعوامل الترغيب التي اتخذها أولئك الأمراء وذوو النفوذ والسلطة أخذت هذه المذاهب بين العامَّة في الصيت والشهرة، ما جعلهم متزاحمين على اعتناقها بدون تمييز وحرية في الرأي، وظلَّت حقيقتها غامضة إذ لا يُمكن استكشافها، فالخضوع للسلطان أمر لا مفر منه، وكان عدم تدخل الحكومة في مثل هذه الأمور أعوَد على الأمَّة، وأصلح لدينها ودنياها، فتدخّلها فيه قد جرَّ الأمَّة إلى منافسات وعصبية أعقبتها فتن ذهب ضحيتها نفوس بريئة تدين لله بالوحدانية ولمحمد (صلى الله عليه وآله)  بالنبوة، وقد أدت الخلافات إلى فرقة وتباعد ممَّا كدَّر صفو الأمَّة ورماها بالشتات بعد الإلفة وبالعداء بعد الأخوة.

وعلى هذا المنوال أستطيع أن أسير في التدليل على ما في هذا الالتزام من النقص وقد سارت عليه جماهير من المسلمين بدون دليل ولا برهان، فتوقف التشريع الإسلامي وانحصاره بأقوال الأربعة إنَّما هو تحجير للفكر وجمود للتشريع لأغراض تعود بالنفع على الطبقة الحاكمة الذين يريدون أن يصبغوا أعمالهم بصبغة الدين وما هم من الدين في شيء، إذ لا همَّ لهم إلا حفظ ملكهم وقضاء مآربهم، على أنَّ الأئمَّة الأربعة لا يلتزمون بهذا بل يرون أنفسهم أنهم قد يخطئون، فأقوالهم لا تدل على وجوب الالتزام بقول أحد مطلقًا.

وهذا مالك بن أنس يقول: إنَّما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة. ويقول أبو حنيفة: هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت فمَن جاء برأي خير منه قبلناه. ويقول الشافعي: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط. ويقول أحمد: من قلَّة علم الرجل أن يُقلد دينه الرجال. وقال: لا تُقلد دينك الرجال فإنَّهم لن يسلموا من أن يغلطوا. انتهى([68]).

وعلى أي حال فإنَّ الاستسلام والتقليد اللذين أدّيا إلى التعصُّب والانغلاق أثَّرا في سير الحركة الفكرية والعلمية، لأنَّ التقليد يقوم على الإتِّباع وبذلك يُترك النظر والتعرُّف على الدليل.

وكيف كان، فقد استطاعت المذاهب الأربعة أن تترقّى وتكتسب قيمتها المعنوية، لأنَّها موضع عناية الخلفاء والولاة المُتعاقبين بالرغم ممَّا رافقها من خلافات ومُنافرات، وإنَّ عناية السلطة تُكسب الشيء لونًا من الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي، فعوامل الترغيب وأداة القوة جعلتها تأخذ بالتوسع شيئًا فشيئًا، ولولا ذلك لما استطاعت البقاء حتى تصبح قادرة على مُزاحمة غيرها.

ثُمَّ كان بعد هذا ما هو أدهى وأمر، فإنَّه في سنة 645 هـ أُحضر مُدرّسو المدرسة المستنصرية إلى دار الوزير، فطُلب منهم ألا يذكروا شيئًا من تصانيفهم، وألا يُلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكروا كلام المشايخ السابقين تأدبًا معهم، وتبركًا بهم، فأجاب جمال الدين عبد الرحمن الجوزي الحنبلي بالسمع والطاعة، ثُمَّ مدرس المالكية سراج الدين عبد الله الشرمساحي المالكي، وقال: ليس لأصحابنا تعليقة، فأمَّا النقط من مسائل الخلاف فممَّا أرتِّبه، فبان بذلك عذره.

وأمَّا شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني مدرس الحنفية فإنَّهما قالا ما معناه: [إنَّ المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال]، ونحو ذلك من إيهام المساواة، فأوصل الوزير ما أجابوا به إلى المُستعصم، وكان قد تولَّى الملك بعد أبيه المُستنصر، فأحضرهم أمامه، وطلب منهم جميعًا أن يلتزموا ذكر كلام المشايخ ويحترموهم، فأجابوه جميعًا بالسمع والطاعة، ورجع مدرسا الشافعية والحنفية عن اعتدادهما بأنفسهما([69]).

وقال المقريزي: فلمَّا كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري ولَّى بمصر أربعة قضاة، وهم شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة 665 هـ حتى لم يبقَ في مجموع أمصار الإسلام مذهب يُعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، وعُملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام، وعُودي مَن تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يُولَّ قاضٍ ولا قُبلت شهادة أحد، ولا قُدِّم للخطابة والإمامة مَن لم يكن مُقلدًا لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المُدَّة بوجوب اتِّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها([70]).

ويُحكى عن الأستاذ عبد المتعال الصعيدي أحد علماء الأزهر في كتابه [ميدان الاجتهاد] أنَّه قال:

[فلمَّا رأى بنو العباس أنَّ وسائلهم في القهر لا تجديهم، أرادوا أن يأتوا الناس من باب التعليم، فيتولوا أمره بأنفسهم، ليُربُّوا العلماء على الخضوع لهم، ويملكوهم بالمال من أول أمرهم، وكانت الأمَّة هي التي تتولى أمر التعليم بعيدًا عن الحكومة، كما تتولاه الآن الأمم الراقية في أوروبا وأمريكا، فيقوم في المساجد حرًا لا يخضع لحُكم ملك أو أمير، ويتربَّى العلماء بين جدرانها أحرارًا لا يُراقبون إلا الله في عملهم، ولا يتأثرون بهوى حاكم، ولا تلين قناتهم لطاغية أو ظالم، فأراد بنو العباس أن يقضوا على هذا التقليد الكريم ويتولوا بأنفسهم أمر التعليم بين المسلمين، فأخذوا يُنشئون له المدارس بدل المساجد، ويحبسون عليها من الأوقاف الكثيرة ما يُرغِّب العلماء فيها ويجعل لهم سلطانًا عليهم، وأخذت الممالك التابعة لهم تأخذ بهذا في سُنَّتهم حتى صار التعليم خاضعًا للحكومات بعد أن كان أمره بيد الرعية، وكان لهذا أثره في نفوس العلماء، فنزلوا على إرادة الملوك ولم تقوَ نفوسهم على مُخالفتهم في رأيهم، أو توجيه شيء من النصح إليهم، وكانت المدرسة البيهقية أول ما أنشئ من تلك المدارس، فهي منسوبة إلى البيهقي المتوفى سنة 450 هـ، ثُمَّ أنشئت بعدها المدرسة السعيدية بنيسابور، أنشأها الأمير نصر بن سبكتكين، ثُمَّ أنشئت بعدها النظامية ببغداد، أنشأها الوزير نظام الملك سنة 459 هـ، وقد احتفل بافتتاحها احتفالاً عظيمًا.

إلى أن يقول: ثُمَّ جاء صلاح الدين الأيوبي لمصر، فقام بإنشاء المدارس فيها للتعليم، وأنشأ المدرسة الناصرية لتعليم مذهب الشافعي سنة 566 هـ، ثُمَّ أنشأ المدرسة الصلاحية بالقرافة الصغرى سنة 572 هـ بجوار الإمام الشافعي، وجعل لناظرها أربعين دينارًا في كل شهر، ورتَّب له في كل يوم ستين رطلاً من الخبز وراويتين من ماء النيل، ثُمَّ أنشأ مدرسة أخرى بجوار المشهد الحسيني، وجعل دار العباس العبيدي مدرسة للحنفيين]([71]).

وكان صلاح الدين يقصد من هذه المدارس كلها إلى إحياء مذهب أهل السنة والقضاء على مذهب الشيعة الفاطميين الذين كانوا يملكون مصر قبله، ورغَّب الناس فيها بالأوقاف التي حبسها عليها، فرغبوا فيها وأخذوا في تقليدها وهجروا ما عداها من المذاهب.

وقد جاء المستنصر العباسي([72])بعد هذا فأنشأ في بغداد المدرسة المُستنصرية سنة 625 هـ، وأنفق في بنائها أموالاً لا تُحصى حتى تم بناؤها سنة 631 هـ، فاحتفل بافتتاحها احتفالاً عظيمًا حضره بنفسه وحضر معه نائب الوزارة، وكذلك الولاة والحُجَّاب والقضاة والمدرسون والفقهاء، وشيوخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، وجماعة من أعيان التجار الغرباء، واختير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفسًا، ورتَّب لها مدرسين ونائبي تدريس، وكان المدرسان محيي الدين محمد بن يحيى بن فصلان الشافعي، ورشيد الدين عمر بن محمد الفرغاني الحنفي، وكان نائبًا التدريس جمال الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الجوزي، وأبا الحسن عليًا المغربي، وجعل لها ستة عشر معيدًا، أربعة لكل مذهب، وجعل ربع القبلة الأيمن للشافعي، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفية، وجعل الربع الذي على يمين الداخل للحنابلة، وجعل الربع الذي على يساره للمالكية، وقد شرط المُستنصر في وقفه عليها أن يكون عدد فقهائها مائتين وثمانية وأربعين، من كل طائفة اثنان وستون بالمُشاهرة الوافرة، والجراية الدارة، واللحم الراتب إلى غير هذا من وسائل الترغيب في هذه المذاهب([73]).

فأقبل الناس على دراستها وأهملوا غيرها من المذاهب التي لم يُقدَّر لها مثل هذه الأوقاف المغرية.

وهكذا أخذ الشباب والكهول يواصلون الدراسة على المذاهب الأربعة في مثل هذه المدارس، ويسمعون في خلال دراستهم طعونًا على أي مذهب آخر، فيمتلئون حقدًا على مَن لم يترك مذهبه لينتسب إلى أحد هذه المذاهب الأربعة، فكان ذلك من النتائج الأولى لتسلم صلاح الدين دفَّة الحكم في ظروف سياسية مرَّت بها دولة الفاطميين الذين تربَّى صلاح الدين وذووه في ظل عزهم، ولولا خدمتهم للفاطميين ما كانوا.

وقد تحوَّل صلاح الدين بشدَّة ومارس القسوة وهو يتربع على العرش الذي أؤتمن عليه، واتَّجه إلى سُنَّة السلاطين الآخرين الذين حكموا الأمَّة، فقسَّم المجتمع على طريقتهم، وأقام الدراسة في قاهرة المُعز على الطريقة المذهبية التي اتَّبع إشاعتها الحُكام.

حصيلة البحث

ظهر لنا ممَّا سبق أنَّ العامل الأساسي لتكوين الالتزام بمذهب مُعيَّن، وعدم الترخيص في استنباط الأحكام الشرعيَّة إنَّما هو السلطة، وأنَّ بقاء هذه المذاهب إنَّما يكون بتلك الوسائل المُشجعة، حتى كثُر أنصارها، ولو قُدِّرت عوامل الانتشار لغير المذاهب الأربعة لبقي لها جمهور يُقلِّدها أيضًا، ولكانت مقبولة عند مَن يُنكرها، ولكنَّها عُدمت رعاية السلطة فمُحيت من الوجود، إذ لا قابلية لها في ذاتها على البقاء بقوة بنائها أو قدرات أصحابها العلمية.

وقد فاز المذهب الحنفي بالتشجيع أكثر من غيره، فهو في العصر العباسي المذهب الذي ترجع الدولة إليه في مهمَّات التشريع، ورئاسة القضاء بيد أهل الرأي، لم يُشاركهم إلا القليل من سائر المذاهب، وبعد انقراض الدولة العباسية اعتنق المذهب سلاطين الأتراك عندما أرادوا انطباق اسم الخلافة الإسلامية عليهم، لأنَّ من شروطها أن يكون الخليفة قرشيًا طبقًا لحديث: [الخلافة في قريش]([74])، والحنفية لا يشترطون هذا الشرط.

وأول مَن تولَّى الخلافة الإسلامية من غير قريش هو السلطان سليم الفاتح العثماني عام 922هـ الموافق 1517م بعد أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة، وبذلك جعل سليم الأول سلطانُ تركيا نفسَه خليفة للمُسلمين، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب.

واحتج الأئمَّة الحنفية في خلافة بني عثمان أنَّ الخليفة يتولَّى الخلافة بخمسة حقوق:

1ـ حقّ السيف.

2ـ حقّ الانتخاب.

3ـ حقّ الوصاية.

4ـ حماية الحرمين.

5ـ الاحتفاظ بالأمانات، وهي المخلفات النبوية المحفوظة في الآستانة.

وهم يقولون: إنَّ الآثار النبوية سلمت من اغتيال التتر في بغداد، فحملها الخليفة العباسي إلى القاهرة حتى نقلها السلطان سليم إلى القسطنطينية في صندوق من الفضة، وهي البردة النبوية، وسن من أسنان النبي (صلى الله عليه وآله) ، وشعرات من شعره، ونعاله (صلى الله عليه وآله) ، وبقية من العَلَم النبوي، وإناء من حديد، وجبَّة الإمام أبي حنيفة([75]).

وبهذا الشكل سارت عوامل انتشار المذاهب مع السياسة جنبًا لجنب، إذ الرغبة فيها منوطة بالقضاء ورغبة السلطة، حتى كثر التحوُّل من مذهب إلى مذهب تقرُّبًا للسلطان وطلبًا لرفده، وتحوَّل كثير من الشافعية إلى الحنفية لأجل الدنيا، وذلك أنَّ الأمير بلبغا بن عبد الله الخاصكي الناصري الأمير الكبير صاحب النفوذ والصولة كان يتعصَّب لمذهب أبي حنيفة، ويُعطي لمَن تحوَّل إليه العطاء الجزيل، ورتَّب الجامكيات الزائدة، وحـاول في آخـر عمره أن يُجلس الحنفي فـوق الشافعي([76]).

ولمَّا انتقل أبو البركات الحنفي إلى مذهب الحنبلي آذاه الحنفية، فانتقل إلى مذهب الشافعي قال المؤيد التكريتي في هجائه:

ألا مُبلـغ عنِّي الوزيـر رسالـة
تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل
وما اخترتَ رأي الشافعي تديُّنًا
وعمَّا قليـل أنتَ لا شـكَّ صائـر

 

وإن كان لا تجدي إليه الرسائـل
وذلـك لمَّـا أعوزتـكَ المآكـل
ولكنَّما تهوى الذي هو حاصل
إلى مالك فافهم لمـا أنـا قائـل(
[77])

 

وهذا أبو بكر البغدادي الحنبلي تحوَّل شافعيًا لأجل الدنيا، وولي القضاء، وكان أبو المظفر يوسف بن قرغلي سبط ابن الجوزي حنبليًا نقله الملك المُعظَّم إلى مذهب أبي حنيفة([78])، وكثير غيرهم.

وخلاصة القول: أنَّ تلك الوسائل المُشجعة للمذاهب الأربعة دعت الناس إلى الرغبة فيها والإعراض عمَّا سواها، ودعت أكثر الفقهاء الذين لهم أهلية الاستنباط أن يجمدوا على تقليد السلف وتعطيل موهبة الاجتهاد.

قال الشيخ أبو زرعة: قلتُ مرة لشيخنا البلقيني ما يقصر بالشيخ تقي الدين بن السبكي عن رتبة الإجتهاد وقد استكمل الآلة، وكيف يُقلِّد؟ لم أذكره هو استحياءً منه ولما أريد أن أرتِّب على ذلك.

فسكتَ عنِّي، ثُمَّ قلتُ: ما عندي إنَّ الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قد قُرِّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأنَّ مَن خرج عن ذلك لم ينله شيء وحُرم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونُسب إلى البدعة، فتبسَّمَ ووافقني([79]).

ومن هنا قوبل مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بتلك الهجمات العنيفة والحملات الظالمة، وأصبح الشيعة المُتمسِّكون بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عرضة لكل خطر، وغرضًا للتُّهم، وأصبح الشيعي في نظر أتباع السلطة خارجًا عن الإسلام، مُفارقًا جماعتهم، ولكنَّ الشيعة ثبتوا على أخذ تعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله)  في أحكام الإسلام من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، لأنَّهم عدل القرآن، والتمسُّك بهم من دعائم الإسلام، ففي اتِّباعهم الهدى، وهم كسفينة نوح وباب حطَّة.

وبذلك تحمَّلوا في سبيل المُحافظة على وصاية النبي (صلى الله عليه وآله)  في آله (عليهم السلام) وساروا على نهجهم، وبقي باب الاجتهاد مفتوحًا على مصراعيه، ومدرستهم مُستقلَّة عن سياسة السلطة وآراء الحُكام.

فإذا ما عُدنا إلى بدايات ضعف الحُكم الأموي، نرى الإمام الباقر (عليه السلام) يتعرَّض للأذى والمُضايقات، ويُحمل إلى مقر الجائرين في الشام وكان يصحبه ولده جعفر الصادق (عليه السلام)، ولأنَّ منهج الدعوة وأساليب العمل قد أخذت بالتطبيق على يد الإمام الباقر (عليه السلام) في ظل مُقتضيات الظروف ومُستجدات السياسة فإنَّه (عليه السلام) قرن بين السلوك الديني وبين الجانب الذي أراد الحُكام التحكم فيه وإخضاع أهل البيت وأنصارهم وهو الذي يتعلَّق بالإمامة بصيغة الخلافة ومُسميات السياسة، فقال (عليه السلام): [مَن عبد الله عبادة اهتمام وتعب ولم يعتقد بإمام عادل وأنَّه منصوب من الله فلا يقبل الله منه سعيًا]([80]).

أمَّا الإمام الصادق (عليه السلام) حيث ماج عصره بالتيارات الفكرية واشتدت فيه النزعات المُختلفة فقد اتجه إلى الأفكار ومُخاطبة العقول لشدِّها إلى أركان العلم وأصول الفقه بطريقة منهجية رائدة تتيح للعقول الإفلات من مخطط السلطة الزمنية، حتى عُرف عنه (عليه السلام) أنَّه كان يُجيب كل مَن يتوجَّه إليه بالسؤال مُراعيًا اهتمامات السائل ومقاصده، ثُمَّ يُقيم الإجابة على نحو من أغراض منهجه هو(عليه السلام)، فظنَّ مَن بهم جهالة أنَّه(عليه السلام) يقول بأقوال مُختلفة، وحاشاه(عليه السلام).

يقول الدكتور محمد كامل حسين: عُرف عن الصادق الاعتدال في الرأي والعقيدة بحيث يقبل آراءه كل مُسلم السني منهم والشيعي([81]).

 


 

([35]) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج13 ص226 ؛ مؤتمر علماء بغداد، لمقاتل بن عطية، هامش ص205.

([36]) البداية والنهاية، لابن كثير، ج10 ص194.

([37]) أبو يوسف هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد الأنصاري المتوفى سنة 182 هـ، ببغداد والمدفون في مقابر قريش، وهو أول مَن دُعي بقاضي القضاة، تولَّى القضاء لثلاثة من الخلفاء وهم المهدي وابنه الهادي والرشيد، قال محمد بن جرير الطبري: نحَّى قوم من أهل الحديث حديثه لغلبة الرأي عليه وتفريع الفروع والأحكام مع صحبة السلطان. وقال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذُكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى، وهو الذي نشر قولهما. وعن ابن المبارك أنَّه وهاه، وعن يزيد بن هارون أنَّه قال: لا تحل الرواية عنه فإنَّه كان يعطي أموال اليتامى ويجعل الربح لنفسه. وأبو يوسف هو الذي عناه الشاعر بقوله: يا قاتل المسلم بالكافر... جرتَ وما العادل كالجائر. راجع تاريخ بغداد ج14 ص256 ؛ والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر، ص172 ؛ والأعلام، للزركلي، ج8 ص193.

([38]) خطط المقريزي ج4 ص144 ؛ أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة، لأسعد وحيد القاسم، ص267.

([39]) أبو يوسف، مركز المصطفى (ص)، صفحة الإمام الصادق لأسد حيدر ص161.

([40]) حكاه الشيخ أسد حيدر في كتابه الإمام الصادق... ج1 ص171.

([41]) المكافاة لابن الداية ص62، 63، 64، 116، 173.

([42]) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر، ص173.

([43]) محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هـ، قال فيه أحمد بن حنبل: إنَّه مُرجئ، وردَّ شريك شهادته لذلك، وقد وقعت بينه وبين أبي يوسف مناكرة فكان يقول: محمد بن الحسن جهميّ، وقال محمد بن سعد الصوفي: سمعت يحيى بن معين يرميه بالكذب، وقال مُرَّة: إنَّه جهمي كذَّاب، وعن منصور بن خالد سمعت محمدًا يقول: لا ينظر في كلامنا مَن يريد الله. راجع لسان الميزان ج5 ص131 والوفيات ص324.

([44]) رسالة الإنصاف ص8 حكاه عنه السيد علي الشهرستاني في وضوء النبي (ص) ج1 ص377.

([45]) الحسن بن زياد اللؤلؤي: كذَّبه يحيى بن معين وأبو داود ومحمد بن عبد الله بن نمير، قال ابن المديني: لا يُكتب حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف متروك، وقال محمد بن حميد الرازي: ما رأيت أسوأ صلاة منه، وقال الخطيب: إنَّ الحسن ولي القضاء ولم يُوفَّق، فكان إذا جلس لا يفهم شيئًا، وعن إسحاق بن إسماعيل كنَّا عند وكيع فقلنا له: السنة مجدبة، قال: وكيف لا تجدب وحسن اللؤلؤي قاضٍ وحمَّاد بن أبي حنيفة قاضٍ.

([46]) حاشية رد المختار، لابن عابدين، ج1 ص72.

([47]) مسنون اللحية: طويلها.

([48]) مُتطلس: أي لابس الطيلسان، وهو كساء مدور أخضر لا أسفل له.

([49]) معجم الأدباء ج17 ص275 ؛ تاريخ مدينة دمشق ج51 ص285.

([50]) ربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ التيمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي، روى عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسيب، وروى عنه سليمان التميمي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد والليث وخلق كثير، وكان أبوه فروخ خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أميَّة وربيعة حمل في بطن أمِّه، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسًا، ودفع الباب برمحه فخرج ربيعة وقال: يا عدو الله أتهجم على منزلي، فقال فروخ: يا عدو الله أنت دخلت على حرمي، فتواثبا حتى اجتمع الجيران وكثر الضجيج، فبلغ مالك بن أنس، فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري، وأما فروخ فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت: هذا زوجي وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به، فاعتنقا جميعًا. قال سوار بن عبد الله: ما رأيتُ أحدًا أعلم من ربيعة الرأي، قيل: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وقال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، وكانت وفاته في سنة 136 هـ بالهاشمية ودفن هناك، وقيل سنة 133هـ. راجع وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ج2 ص288، 290.

([51]) المنتقى [شرح الموطأ]، للزرقاني، ج1 ص8.

([52]) وضوء النبي (ص) ، للسيد علي الشهرستاني، ج1 ص400.

([53]) أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة، لأسعد وحيد القاسم، ص267.

([54]) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر، ص42.

([55]) طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي، ج1 ص68.

([56]) الموطأ، رواية محمد بن الحسن، ج1 ص29 ؛ تنوير الحوالك، لجلال الدين السيوطي، ص7.

([57]) الحقيقة الضائعة ج14 ص10.

([58]) نفس المصدر السابق.

([59]) هو أبو محمد يحيى بن يحيى الأندلسي، ويُعرف بابن أبي عيسى، سمع مالك بن أنس وجمع مسائله وكتب سماع بن القاسم من مالك، ثُمَّ انصرف إلى المدينة ليسمعه من مالك فوجده عليلاً، فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك، وقدم إلى الأندلس، وخالف مالكًا في كثير من المسائل، قال أحمد بن خالد: لم يُعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى، وتوفي سنة 233 هـ. راجع الإنتقاء في فضائل الأئمَّة الثلاثة الفقهاء، لابن عبد البر، ص59.

([60]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ج6 ص144.

([61]) حكاه السيد علي الشهرستاني في وضوء النبي (ص)  ج1 ص400 عن الدهلوي في كتاب حجَّة الله البالغة.

([62]) فتح الباري، لابن حجر، ج7 ص114 ؛ تذكرة الموضوعات، للفتني، ص183 ؛ أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين، ج1 ص25 ؛ الشفاء الروحي، لعبد اللطيف البغدادي، ص215 وغيرها.

([63]) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمَّة الفقهاء، لابن عبد البر، ص66.

([64]) أجوبة مسائل جار الله، للعلامة شرف الدين (قده)، ص83.

([65]) تاريخ ابن خلدون، لابن خلدون، ج1 ص448.

([66]) راجع سنن الترمذي، للترمذي، ج2 ص72 ؛ المستدرك، للحاكم النيسابوري، ج1 ص223 ؛ عون المعبود، للعظيم آبادي، ج14 ص14 ؛ الاستذكار، لابن عبد البر، ج3 ص46 ؛ شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني، ج1 ص26 وغيرها.

([67]) ولد محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة سنة 1703م، وتلقَّى دروسه الأولى على يد أبيه قاضي العيينة، حيث أخذ عنه الفقه الحنبلي، وكان كثير المطالعة خصوصًا لكتب الشيخين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية، غادر بلاد نجد بعد زواجه متوجهًا إلى الحجِّ، ليزور المدينة بعد ذلك حيث أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم، وفي البصرة درس على الشيخ محمد المجموعي، وبدأ في نشر بعض أفكاره في التوحيد، فتجمَّع عليه أناس من رؤسائها وغيرهم فآذوه وأخرجوه منها، ثُمَّ استقر في حريملة وبدأ ينشر أفكاره المتعلقة بالتوحيد والشرك وتقديس الأولياء، فوقع بينه وبين أبيه مجادلات ومعارضات، ولم يكد ينتهي من تأليفه كتاب [التوحيد] حتى كان صيته قد ذاع بين القبائل والمدن النجدية.. فانطلق في دعوته. راجع السلفية بين أهل السنة والإمامية، للكثيري، ص305، 309.

([68]) راجع معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة ج1 ص455 ؛ مفهوم أهل السنة والجماعة ج1 ص338 ؛ جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ج1 ص199 ؛ الفتاوى الكبرى ج10 ص3 ؛ مجموع فتاوى ابن تيمية ج4 ص281 ؛ تذكرة الحفاظ، للذهبي، ج1 ص362 ؛ سير أعلام النبلاء ج10 ص35 وغيرها.

([69]) الحوادث الجامعة، لابن الفوطي، ص216 ؛ حصر الإجتهاد، للطهراني، ص106، 107 ؛ تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره، للسبحاني، ص68.

([70]) حكاه في أرشيف ملتقى أهل الحديث، 1، ص218 عن المقريزي في المواعظ والاعتبار ج3 ص390 ؛ السلفية بين أهل السنة والامامية ص110.

([71]) حكاه عن ميدان الاجتهاد الشيخ أسد حيدر في كتابه الإمام الصادق... ج1 ص182.

([72]) هو أبو جعفر منصور بن محمد الظاهر بأمر الله بن الناصر، ولد سنة 588 هـ، وبويع له سنة 623 هـ، وتوفي سنة 640 هـ . راجع : الأعلام، للزركلي، ج7 ص304.

([73]) راجع البداية والنهاية، لابن كثير، ج13 ص163.

([74]) مسند أحمد ج4 ص185 ؛ شرح مسلم، للنووي، ج12 ص201 ؛ مسند الشاميين، للطبراني، ج2 ص428 وغيرها.

([75]) تاريخ التمدُّن الإسلامي، جرجي زيدان،  ج1 ص109 ؛ الإمامة وأهل البيت (ع)، لمحمد بيومي مهران، ج1 ص69.

([76]) شذرات الذهب ج6 ص213.

([77]) مرآة الجنان ج4 ص34.

([78]) شذرات الذهب ج5 ص267.

([79]) وانقضت أوهام العمر، رواية بقلم السيد جمال محمد صالح، ج23 ص7.

([80]) الإمامة وأهل البيت (ع)، محمد بيومي مهران، ج3 ص23.

([81]) طائفة الإسماعيلية ص10.

 

115%