رسالة النجف

أبعاد النهضة الحسينية المباركة

 

أبعاد النهضة الحسينية المباركة

الشيخ أحمد صمادي1

 

مقدمة:

كانت واقعة الطف ولا زالت الحادثة الأبرز والأهم بين حوادث التاريخ الإسلامي، فلا بد من تسليط الضوء على جملة من أبعادها للاطلاع على أسرارها وعظمتها.

ورغم كل ما كتب وألّف في السيرة الحسينية، إلا أن تلك الكتابات لم تلمّ بكل خصائص وميزات هذه الواقعة المباركة، فللنهضة الحسينية أبعاد وجوانب متعدّدة تستحق الدراسة والبحث والتأمل، فهناك البعد الإنساني الشامل، وما تركته هذه النهضة من أثر في الفكر والضمير العالمي، وهناك البعد الكوني وتفاعل غير الإنسان بل حتى الجمادات مع هذه الواقعة الأليمة، وهناك البعد الديني وما يمليه التكليف الشرعي من القيام في وجه من أرادوا محو الدين والقضاء على الشريعة والسنن، وهناك البعد العبادي ومناجاة الخالق والاتصال به حتى في أحلك الظروف، وهناك البعد الأخلاقي وتعامل الحسين (عليه السلام) مع عدوّه الشرس في إطار الخُلق العظيم الذي يتحلّى به النبي وآل البيت صلوات الله عليهم، وهناك البعد العسكري وطبيعة المواجهة بين معسكر الإمام والمعسكر الأموي وما قام به الإمام (عليه السلام) من تكتيكات عسكرية، وهناك البعد الزمني لأن النهضة لا تحدّ بليل أو نهار بل هي متلألئة في سماء الدهر وأفق التاريخ، وهناك البعد المكاني والجغرافي وعدم ارتباط هذه النهضة بمكان معين، وسنشرع بالبحث في هذه الأبعاد مستمدّين العون من الله تعالى.

البعد الإنساني

إن الناس على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم قد تأثّروا بهذه النهضة التي أثّرت في قلب كل من سمعها وفي كل أحرار العالم، رغم المحاولات التي قام بها بنو أمية لطمس الحقيقة، فقد دخل حب أهل البيت (عليهم السلام) وحبّ الحسين (عليه السلام) إلى أفئدة الناس, ولم يقتصر على أتباع أهل البيت أعزهم الله، فقد تأثّر بهذه النهضة أناس كثيرون قديمًا وحديثًا في أرجاء المعمورة، نذكر على سبيل المثال:

أ - الراهب ورأس الحسين (عليه السلام):

روى المؤرخون قصة الراهب الذي رأى رأس الحسين (عليه السلام) عندما كان منصوبًا بجنب صومعته في "قنسرين"، حيث كان النّور يتصاعد منه إلى السماء، فوعد الجلاوزة بعشرة آلاف درهم مقابل إعطائه الرأس الشريف تلك الليلة، ففعلوا، وقد رأى ذلك الراهب تلك الليلة العجائب من الرأس الشريف، فأسلم و تشهّد الشهادتين(1).

ب - رسول ملك الروم:

كان هذا الرسول من أشراف الروم وعظمائهم، وقد دخل إلى مجلس يزيد(عليه اللعنة) فوجده يشرب الخمر والرأس أمامه، فسأله: رأس من هذا؟ فلما عرف أنه رأس ابن بنت رسول الله قال له متأثرًا: أفٍّ لك ولدِينك، إن أبي من أحفاد داود (عليه السلام) وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونني ويأخذون من تراب قدمي تبركًا، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما بينه وبين نبيكم إلا أمّ واحدة، فأيّ دين دينكم!.

ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له: قل حتى أسمع فقال: بين عمّان والصين بحر مسيرة سنة، ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء طوله ثمانون فرسخًا في ثمانين فرسخًا، ما على وجه الأرض بلدة مثلها، يحمل الكافور والياقوت أشجارها العود والعنبر، وهي في أيدي النصارى لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقّة ذهب معلّقة فيها حافر، يقولون إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى (عليه السلام) وقد زينوا حول الحقّة بالديباج، يقصدها في كل عام عالم من النصارى ويطوفون حولها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى عندها، هذا شأنهم ورأيهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى (عليه السلام) نبيهم، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم، فأمر يزيد بقتله حتى لا يفضح بني أمية، فقُتل بعد أن تشهد الشهادتين(2).

ج - رأس الجالوت:

وقد روى ابن لهيعة: عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: لقيني رأس الجالوت فقال: والله بيني وبين داوود لَسبعين أبًا، وإن اليهود تلقاني فتعظّمني، وأنتم ليس بين ابن نبيكم وبينه إلا أبٌ واحد، قتلتم ولده !(3).

د - د. بولس سلامة:

وهذا بولس سلامة الشاعر النصراني المعروف الذي أثّر الطفّ في أحاسيسه، فأنشد يقول عن كربلاء:

من رآها بكى ومن لم يزرها
كربلاء ستصبحين محجًا
ذكرك المفجع الأليم سيغدو
فيكون الهدى لمن رام هديا
كلما يذكر الحسين شهيدًا

 

 

حمل الريح قلبه تذكارا
وتصيرين كالهواء انتشارا
في البرايا مثل الضياء اشتهارا
وفخارًا لمن يروم الفخارا

موكب الدهر ينبت الأحرارا

 

هـ - وهذا "حافظ إبراهيم خير الله" الذي زار كربلاء سنة 1975 م، وقد تأثّر وارتعش وذهل وبكى عندما دخل مقام الحسين (عليه السلام)، وسجّل انفعالاته في مقال نشرته مجلة الحوادث في عدد 5/9/ 1975 ومن جملة ما جاء فيه:

"دخلت مقام الحسين (عليه السلام) فصعقت وذهلت , هوذا من استشهد فأصبح رمزًا للانتفاض على الظلم، هوذا من استشهد في سبيل العدل وترك الملايين تتطلع إليه مثالاً للإنسانية وأفنى جسده في سبيل الكمال البشري. الحسين استشهد بعد أن شهد مصرع رجاله وأطفاله حتى اللحظة الأخيرة من حياته، بقي يشهد ظلم الإنسان للإنسان، كثير والله هذا ,... كل من جاء إلى كربلاء جاء لتحسين مرآة الضمير والوجدان في نفسه".. إلى أن قال: "بعد ربع ساعة وجدت نفسي أبكي ثم أبكي ثم أبكي".

وقد تعرّض إلى هذا المقال الشيخ مغنية رحمه الله في كتابه "صفحات لوقت الفراغ".

وفي سنة 1937 زارت الكاتبة والموظفة في الاستخبارات البريطانية (فرايا ستارك) العراق، ولمدة أسبوع، وتجوّلت في أرجائه، ومن جملة ما دوّنته في كتابها (صور بغدادية):

وعلى مسافة غير بعيدة عن الكوفة جُعجع بالحسين إلى جهة البادية، وظلّ يتجوّل حتى نزل في كربلاء، فقُتل قتلة فظيعة مع أهل بيته بعد أن مُنع عنهم الماء , وقصّة قتله هذه من القصص القليلة التي تقول (فرايا ستارك ) أنها لا تستطيع قراءتها من دون أن ينتابها البكاء(5).

بل تأثر بالنهضة حتى غير أصحاب الديانات السماوية مثل غاندي الزعيم الهندوسي المعروف الذي اشتهر عنه: "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فانتصر"... "لو كان لي عشرة رجال من أصحاب الحسين لفتحت العالم".

إلى غير ذلك من الكثيرين الذي ألفوا الكتب عن الإمام الحسين، كأنطوان بارا الذي ألف كتاب (الحسين في الفكر المسيحي)، والعقّاد الذي ألف (أبو الشهداء)، وابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين)، والمؤرخ محمد بن جرير الطبري (استشهاد الحسين)، والشيخ العلايلي (الإمام الحسين "عليه السلام")، وغيرهم الكثير.

ناهيك عمّن ألف في النهضة الحسينية من أصحاب المذهب ومن الشعراء الذين جمع السيد جواد شبر بعض شعرهم في عشرة مجلدات، وقال في مقدمة كتابه: "ولا أريد أن أجمع كل ما جاء من شعر في الإمام الحسين ويوم الحسين (عليه السلام)، ولا أقدر أن أقوم بذلك بل غايتي أن أعرض نماذج من شعرهم وأعدد أسماءهم و أدوارهم وعصورهم... نعم إن الشعر الذي قيل في الحسين (عليه السلام) يحتاج إلى مئات المجلدات"(6).

البعد الكوني

إن لنهضة الحسين (عليه السلام) بعدًا كونيًا، فلا ينحصر التأثّر بمصابه على الإنسان وحده أو على هذه البسيطة التي نعيش عليها، فقد بكته الملائكة كما في الكثير من الروايات.

ذكر ابن قولويه في كامل الزيارات عشرين حديثا تحت عنوان بكاء الملائكة على الحسين (عليه السلام)(7)، وعقد فصلاً آخر في نَوْح الجنّ على الحسين (عليه السلام)، ذكر فيه عدّة أحاديث(8)، وذكر أحاديث في نَوح الطيور كالبوم(9)، وجاء في زيارته (عليه السلام): (لقد عظمت الرزية، وجلّت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل الإسلام، وجلّت وعظمت مصيبتك في السماوات على جميع أهل السماوات)(10).

بل وردت روايات في بكاء السماء والأرض على الحسين (عليه السلام)(11)، بل في بعضها أن السماء بكت دمًا على الحسين (عليه السلام)، فعن الصادق (عليه السلام) أنه قال لابن شبيب: (يا بن شبيب، لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده (عليه السلام): أنه لما قتل جدي الحسين (صلوات الله عليه)، مطرت السماء دمًا وترابًا أحمر)(12).

وذكر ابن نما الحلي وغيره، أن البلاذري قال في مختاره: "مطرت السماء دمًا يوم قتله، وما قُلع حجر بالشام إلا وتحته دم عبيط، قال عبد الملك بن مروان للزهري: إن أخبرتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي  (عليهما السلام)؟ قال: لا يُرفع حصاة ببيت المقدس إلا وُجد تحتها دم عبيط"(13).

بل بكاه (عليه السلام) من يتقلّب في الجنة والنار من خلق ربّنا - كما جاء في الزيارة المطلقة الأولى والتي رواها المحمّدون الثلاثة في كتبهم - وقال عنها الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه: "وقد أخرجت في كتاب الزيارات، وفي كتاب مقتل الحسين عليه السلام أنواعًا من الزيارات، واخترت هذه لهذا الكتاب لأنها أصحّ الزيارات عندي من طريق الرواية، وفيها بلاغ وكفاية والتي يقول فيها الإمام الصادق (عليه السلام): أشهد أن دمك سكن في الخلد، واقشعرت له أظلّة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، ومن يتقلب في الجنّة والنار من خلق ربنا، وما يُرى وما لا يُرى"(14).

البعد الديني

إن واقعة كربلاء وما ترتّب عليها من آثار ومواقف، جاءت نتيجة لموقف الإمام الحسين الشرعي، وانطلاقًا من مبدئه السامي، فقد رأى الإمام الحسين أن تكليفه الديني يحتّم عليه السير إلى العراق لإصلاح ما فسد في الأمة، ليحقّ الحق ويبطل الباطل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسير بسيرة جده وأبيه صلوات الله عليهما كما صرح (عليه السلام) قبيل خروجه قائلاً: إني لم أخرج أشرًا ولا بطراَ ولا مفسدًا ولا ظالما، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد (صلى الله عليه وآله) وأبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين(16).

حتى وإن كان هذا الموقف يعرّض الحسين (عليه السلام) مع أهل بيته للتشريد والقتل ما دام في ذلك إحياءً لأمر الله وحفظًا لشرعه ونصرة لدينه ومرضاة لرب العالمين، ما دام الواجب والتكليف يحتّم عليه القيام، ولذا لم يبايع (عليه السلام)، لأن المبايعة تعني الإمضاء لبني أمية وإظهار أحقيّتهم في الخلافة وأن عليًا وأبناءه وشيعتهم على باطل، وموقفه هذا هو نفس موقف أصحابه الذين استشهدوا معه، فإنه نابع من إيمان عميق لا يتزلزل ونوايا صادقة ونفوس طاهرة ولم يكن إتباعهم للحسين (عليه السلام) لأجل منافع شخصية أو مادية بل كانت غايتهم رضا الله تعالى والنصرة لابن بنت نبيهم، وهذا واضح من أفعالهم وأقوالهم، وقد أخبر (عليه السلام) بأنهم يستأنسون بالمنيّة دونه استيناس الطفل بمحالب أمّه، وقال عنهم: لا أعلم أصحابًا أولى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنى جميعا خيرًا. وقد واجهوا أعداءً فقدوا الروح المعنوية ولم يكن لهم هدف سوى الباطل جُلبوا إلى ساحة كربلاء ترغيبًا أو ترهيبًا وخوفًا أو طمعًا في مال أو جاه أو سلطان(17).

البعد العبادي

الحصار والموقف الرهيب الذي عاشه الحسين (عليه السلام) وأنصاره في كربلاء لم يقلّل من عبادتهم لله تعالى، فقد أبى الحسين (عليه السلام) إلا أن تكون ليلة العاشر من محرم كبقية الليالي، مُحياة بالعبادة والاتصال بالله فإنه كوالده أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لم يترك العبادة ومناجاة الله في جوف الليل حتى في أحلك الظروف والأوقات، وليلة الهرير في صفين شاهدة على ذلك، فقد كان (عليه السلام) يتعبّد لله بين السهام والرماح(18)، وعلى نهجه سار أبناؤه الطاهرون، وهذا واضح من سيرتهم (عليهم السلام)، حتى إذا جنّ الليل تجدهم يبحثون عن مكان يخلون فيه إلى ربهم لأنهم لا يأنسون إلا بلقائه تعالى، لذا طلب الحسين (عليه السلام) من أخيه العباس أن يستمهل القوم إلى الغد، لأن الحسين (عليه السلام) يحبّ الصلاة لله وتلاوة القرآن والدعاء والاستغفار(19)، فودّع الحسين (عليه السلام) وأصحابه تلك الليلة بالعبادة وكان لهم دوي كدويّ النحل، وهم ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد حتى الصباح، وقد ورد أن ليلة عاشوراء هي إحدى الليالي السبعة التي تُحيا في السنة(20)، فكان الحسين على موعد لتشهد ساحة كربلاء إحياءه (عليه السلام) لتلك الليلة على هذه الأرض الطاهرة المباركة، وقد كست هذه العبادة في ليلة العاشر من المحرم أصحاب الحسين أنوارًا ربانية هذّبت نفوسهم، وشحذت قلوبهم، وصقلت عقولهم، وهم مع إمام زمانهم وحجة الله على خلقه حبيب رسول الله سيد شباب أهل الجنة، فاستعانوا بها على أعدائهم وحقّقوا بواسطتها أعظم انتصار عرفه التاريخ، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على غاية التفاني في الله تعالى والتعلّق به والإخلاص إليه، وكما كان أمير المؤمنين يراقب زوال الشمس في صفين وهو منشغل بالحرب وقتال الأعداء ليصلي الظهر في وقتها - وقد روي أن هذا الموقف أثار ابن عباس، فسأل الإمام (عليه السلام) مستنكرًا: وهل هذا وقت صلاة؟ فأجابه (عليه السلام): علامَ نقاتلهم! إنما نقاتلهم على الصلاة ــ(21).

فكذلك فعل ولده الحسين (عليه السلام) ظُهرَ يوم العاشر من محرم، فإنه لم يؤخّر الصلاة، بل أداها في وقتها مصليًا صلاة الخوف بحوالى نصف أصحابه مع وقوف البقية يدافعون عن المصلين، بعد أن رفض القوم إيقاف القتال لأداء الصلاة، وهذا ما يميّز هذه النهضة من بين الثورات في أبعادها المختلفة، لا سيّما العبادي منها(22).

يتبع =


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

االهوامش

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

1- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، مطبعة الحيدري، النجف الأشرف: ج 3 ص 217.

2- اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس الحسني، مطبعة مهر قم: ص 110.

3- نفس المصدر السابق ؛  والعقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي، ط بيروت سنة 1983: 4/383.

4- مجلة الحوادث، بيروت: عدد 5/9/1975.

5- موسوعة العتبات المقدسة، قسم النجف1، الشيخ الخليلي: ص 323.

6- أدب الطف، ط مؤسسة التاريخ بيروت: 1/17-18.

7- كامل الزيارات، المطبعة المرتضوية، النجف، سنة 1356: 83-86.

8- نفس المصدر: 93-97.

9- نفس المصدر:99.

10- مصباح المتهجد، الطوسي، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، ط1: ص774.

11- كامل الزيارات: 88-92.

12- الآمالي للصدوق، ط مؤسسة البعثة، قم،: ص192.

13- مثير الأحزان، المطبعة الحيدرية، النجف: ص63.

14- مفاتيح الجنان، الفقيه، دار الأضواء، بيروت، ط2: 2 /444 ؛ الكافي، دار الأضواء، بيروت: 4/563 ؛ التهذيب، دار الكتب الإسلامية، تحقيق السيد حسن الخراسان، ط4: 6/55.

 وعلق الشيخ علي أكبر الغفاري المحقق لنسخة دار الكتب الإسلامية قائلاً: "قيل: لعل المراد أنه بكت عليه جميع سكان السماوات وجميع أهل الأرض والسماوات والأرض كنايتان عن أهاليهما. وإن كان بكاء السماوات والأرضين عليه أمر لا يستبعده إلا شرذمة"، الكافي: 4/575.

16- العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام)، البحراني، مطبعة أمير، قم:  ص 179.

17- تاريخ الطبري، تحقيق نخبة من العلماء، الأعلمي بيروت: 4/ 317 ؛ الصحيح من السيرة، دار الهادي، بيروت، ط4: 7/356 .

18- ينابيع المودة، للقندوزي الحنفي، دار الأسوة: 1/453.

19- الإرشاد، للشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيت: 2/91.

20- وسائل الشيعة، منشورات المكتبة الإسلامية: ج5 ص241، ح10 باب 8 من أبواب صلاة ليلة النصف من شعبان وكيفيتها...

21- كشف اليقين، للعلامة الحلي، تحقيق حسين الدركاهي: ص 122.

22- لواعج الأشجان، للسيد الأمين، مطبعة بصيرتي: ص 156.

.

تتمة مقال =

البعد الأخلاقي

لقد تجسدت الأخلاق المحمدّية في واقعة الطفّ بأروع معانيها، فقد تعامل الحسين (عليه السلام) بالأخلاق الكريمة حتى مع أعدائه الذين أرادوا القضاء على الإسلام بما يمثّله من خلق رفيع، فأعاد الحسين (عليه السلام) إليه الحياة بتعامله وخلقه العظيم، وروى شجرته الطيبة من دمائه الزاكية ودماء آل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين، فكان سلام الله عليه يحسن إلى المسيء ويعطي البخيل ويحلم عن المبغض والمعاند، وهو في أحلك الظروف وأصعبها، ورغم ما حلّ به وبأهل بيته من مظلومية ومصائب، لأنه قام من أجل إحياء دين جده المصطفى الذي حصر بعثته بإتمام مكارم الأخلاق، فقد جسّد ريحانة المصطفى صلوات الله عليه في هذه الملحمة معاني العزة والإباء والشجاعة والكرامة والإيثار والتفاني والثبات على المبادىء والصبر على النوائب والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الدين والوقوف بوجه الظلم والفساد، فقد كان همّه (عليه السلام) هداية الناس وإنقاذهم من الضلالة وحيرة الجهالة، وقد تأذّى (عليه السلام) لحال أولئك الناس الذين اجتمعوا من كل حدب وصوب لقتاله، لأنهم سيدخلون النار بسببه، وقد برزت هذه الأخلاق في عدّة محطات ومواقف من واقعة الطف, فقد جاء في بعض الروايات أنه لما جاء الحر بن يزيد الرياحي على رأس ألف فارس لمحاصرة الحسين وأخذه إلى الكوفة بأمر من ابن زياد، ودبّ العطش في جيشه وخيله، سقاهم الحسين ورشف خيلهم ترشيفًا، فقال (عليه السلام) لفتيانه: (اسقوا القوم وأَرْوُوهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفًا)، ففعلوا وأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيها ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا عزلت عنه وسقوا آخر، حتى سقوها كلها. فقال علي بن الطعان المحاربي: (كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين عليه السلام ما بي وبفرسي من العطش قال: (أنخ الراوية أي السقاء، ثم قال: يا ابن أخي أنخ الجمل، فأنخته فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السّقاء، فقال الحسين عليه السلام: اخنث السقاء - أي اعطفه-، فلم أدر كيف أفعل، فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسي)(23).

 وفي ساحة المعركة أسرع إلى جون الحبشي مولى أبي ذر الغفاري عندما سقط شهيدًا على أرض كربلاء ليعانقه، كما أسرع إلى مصرع ولده علي الأكبر، ودعا له بأن يبيّض الله وجهه وأن يطيب ريحه وأن يحشره مع الأبرار ويعرّف بينه وبين محمد وآله صلوات الله عليهم، مجسدًا لقول جده (صلى الله عليه وآله) لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى ويحدث الباقر عن أبيه السجاد أنه كان يفوح من جسد جون رائحة المسك(24).

وكيف لا يكون كذلك وهو ريحانة المصطفى (صلى الله عليه وآله) وهو الذي حيّته جارية من جواريه بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى، فقيل له: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ قال: كذا أدّبنا الله، قال الله تعالى {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا }( سورة النساء 86.) وكان أحسن منها عتقها(25).

البعد العسكري

اتخذ الإمام الحسين (عليه السلام) عدّة تدابير عسكرية إجراءات وقائية لحماية أهل بيته والاستعداد لمواجهة الأعداء:

(الأول): التعبئة المعنوية التي وصل إليها أصحاب الحسين (عليه السلام)، فقد كان أنصاره يتمتعون برباطة جأش وروح عالية وإيمان بالمبدأ الذي يقاتلون من أجله لا يشوبه أدنى شك بعد أن اختزلتهم الطريق وبعد أن اختارهم من بين الكثيرين الذين التحقوا به في بداية المسير، ولم يكن (عليه السلام) يقبل كل أحد ليكون من أنصاره ولا حتى المعونة من أحد بمال أو فرس، كما يشهد لذلك قضية عبيد الله بن الحر الذي جاء إلى الحسين (عليه السلام) بعد أن استنصر القوم، فقال للحسين (عليه السلام): يا بن رسول الله، والله، لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا فرسي خذه إليك فو الله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه، فأعرض عنه الحسين (عليه السلام) بوجهه، ثم قال: لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك. {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}( الكهف 51) ولكن فرّ، فلا لنا ولا علينا، فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، أكبّه الله على وجهه في نار جهنم(26).

(الثاني): إصلاح السلاح، فقد قام (عليه السلام) مع أصحابه بشحذ السيوف وإصلاحها(27).

(الثالث): تقريب الخيام من بعضها وإدخال أطناب بعضها ببعض وجعلها على شكل هلال، بحيث يكون المقاتلون في وسط ذلك الهلال أمام الخيام، وحفر خندقًا من خلف الخيام وملأه بالحطب والقصب لإشعال النار فيه عند الشروع بالقتال لحماية الخيام والعيال وحتى لا يجد الأعداء منفذًا إليها إلا من جهة المقاتلين(28).

(الرابع): كان الحسين (عليه السلام) يستطلع التلال المحيطة بالخيام والمشرفة عليها مخافة أن يكمن فيها أحد ليتسلل منها إلى الخيام(29).

(الخامس): تنظيمه لأصحابه عند شروع المعركة، فجعل زهير بن القين على الميمنة وحبيب بن مظاهر على الميسرة وثبت (عليه السلام) مع أهل بيته في القلب، وأعطى الراية لأخيه العباس لأنه أشدّ المقاتلين بأسًا وأقواهم وأكفأهم لحملها(30).

البعد الزماني

إن يوم عاشوراء وإن كان يومًا واحدًا في حساب الأيام وهو العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، لكنه يرمز إلى التاريخ برمته، فمقولة (كل يوم عاشوراء) توضح بما لا شك فيه أن هذا اليوم العظيم يُلقي بظلاله على كل أيام البشرية في كل عصر ومصر، وكلما مرّ الزمان وتجدّدت ذكرى المأساة نشعر وكأنها حدثت بالأمس، فذكرى الطف ليست حدثًا تاريخيًا عابرًا انقضى وأُسدل الستار عليه، بل هي واقعة حيّةً ولذا تجدها حاضرة على الدوام في الوجدان ويتم التذكير بها وإحياءها على مدار السنة وفي كل مناسبة حزينة وأليمة.

بل كانت هذه الذكرى حاضرة قبل حدوثها، فقد عرف بها الأنبياء وتأثروا بها من آدم إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، ولعنوا يزيدًا، كما جاء في الروايات التي جمعها العلامة المجلسي في البحار وغيره(31).

البعد المكاني

وكما أن النهضة الحسينية لا ترتبط بزمان معيّن، فكذلك لا ترتبط بمكان معين، فلا يحقّ لنا أن نربط هذه التضحية العظيمة بالماضي فقط، وبيوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، ولا أن نحدّها بأرض كربلاء، لأن الحسين (عليه السلام) وارث الأنبياء والأوصياء كما نقرأ في زيارة وارث، فهو وارث لكل الأنبياء الذين أرسلهم الله لنشر الدين والوقوف بوجه الطغاة وظلمهم، وبوجه عبادة الأصنام والشّرك، فلا يمكن لنهضة كهذه أن ترتبط بمكان أو زمان محدّدين، فعلى أيّ أرض كنّا وفي أيّة بقعة تواجدنا، علينا أن نطبّق تعاليم نهضة الحسين وأن نسعى وراء تحقيق أهداف تلك النهضة المباركة بأن نكون أباة الضيم، وأن نقف مع القسط والعدل في وجه الظلم والجور، وأن نكون أحرارًا لا نرضى بالذل والقهر، وأن يكون الدين في مقدمة أولوياتنا واهتماماتنا، فنضحّي في سبيله ونسترخص الغالي والنفيس من أجل نشر الدين وإحياء مبادئه والتحلي بأخلاق النبي وآله (عليهم السلام)، وأن نترجم الاهتمام بالصلاة والعبادات وبكل ما أمر الله تعالى على أيّ أرض كنا، وذلك بأن نُخلص في أعمالنا على أيّ أرض كنّا، وأن ندافع عن الحقّ في أيّة بقعة تواجدنا وأن نقوم بواجبنا في أي مكان حللنا وبذلك نكون قد حقّقنا مقولة كل أرض كربلاء ونكون قد وفينا بنزر قليل من وظيفتنا اتجاه ما قدّمه الإمام الحسين لهذه الأمة، لأنه مهما فعلنا - ونحن نعيش ببركة نهضتهم العظيمة - لن نَفيَ حقّ قطرة دم واحدة سقطت من أصحاب الحسين (عليه السلام)، فضلاً عن دمه الشريف الذي سقط منه، ومهما جهدنا فلن نَفِيَ تحمل سوط أو أنّة أو زفرة ممّا تحملته السبايا وعقائل الوحي من أجل إيصال النهضة إلى أهدافها ومبتغاها.

هذا.. وهناك أبعاد أخرى (كالبعد السياسي و المأساوي والأدبي وغيرها) مما لا يسعنا خوض غمارها كلّها في مقال محدود الصفحات، بل يحتاج بسط الكلام فيها إلى مجلدات.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

23- الإرشاد، للشيخ المفيد مؤسسة آل البيت: 2/79.

24- العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام)، للبحراني: ص265.

25- لواعج الأشجان، للسيد الأمين، مطبعة بصيرتيك ص16.

26- الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: 1/325 ؛ الأمالي للصدوق، مؤسسة البعثة، قم: ص219.

27- – تاريخ الطبري، الأعلمي:4/318.

28- تاريخ الطبري، الأعلمي: 4/319 ؛ الإرشاد، المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيت: ص 232.

29- كلمات الإمام الحسين، الشيخ الشريفي، مطبعة دانش، قم: ص 406.

30- مناقب ابن شهراشوب، الحيدرية النجف: 3/250.

31- بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2: 44 /225 - 243.

 
115%