رسالة النجف

البعد الغيبي في حركة الإمام الحسين(ع)

 

البعد الغيبي  في حركة الإمام الحسين (عليه السلام)

الشيخ محمد جواد الفقيه1

بالرّغم من البعد الزمني الفاصل بيننا وبين واقعة الطف فإن شخصية الإمام الحسين وحركته البنّاءة يظلان محطّ الاهتمام لدى أهل الفكر ومثارًا للتأمّل والنقاش في أكثر من جانب، ولعل أكثرها أهميّة هو البعد الغيبي الذي تجلّى في كلماته ومخاطباته، قبل وبعد نزوله أرض كربلاء، حيث صرّح (عليه السلام) في أكثر من مناسبة بأنه سيستشهد.

 هذا الجانب أنكره البعض معللاً ذلك بأنه لو حصل لكان ضربًا من إيقاع النفس في التهلكة الحرام، بينما رأى البعض الآخر أنه إيقاع في معرض الهلكة، وفرقٌ بينهما، إلا أنه لا ينفي اللوم، وفي كلا الحالين تنجرّ النتيجة إلى القول أنه ما كان ليعلم أنه (عليه السلام) سيستشهد، ولو علم لما فعل..

ولعل أرباب هذا الرأي قد غلبهم تصورهم إلى أن الحسين (عليه السلام) صحابي جليلُ طفحت به غيرته على الإسلام فنهض بأهله وعياله وأصحابه القلة معرّضًا إياهم للموت أو الأسر، وهذا الكلام في نظري يندرج تحت خانة مظلوميته (عليه السلام)، لما فيه من الخدش الواضح في بُعد نظره (عليه السلام) ومعرفته بالأمور.

 فالحسين (عليه السلام) عاش مع جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعًا وثلاثين سنة([1])خَبر خلالها الحياة السياسية بمعناها الحقيقي المرتبط بقِيم الإسلام وأخلاقياته، كما خبرها بمعناها السائد الذي لمسه في ممارسات أمراء عصره، فعرف الناس على حقيقتهم وعرفوه، كما عرف معاصريه الحكام وأخلاقياتهم حق المعرفة.

بالإضافة إلى هذا فقد خاض مع أبيه أمير المؤمنين أعنف حروبه (الجمل وصفين والنهروان) فخبر ضراوة الحروب وقسوتها وأخطارها، وإنسانٌ بهذا المستوى ما كانت لتغيب عنه أخطار تلك المرحلة فيجازف بنفسه وأهله وأصحابه في رحلةٍ، الموتُ فيها ماثل للعيان، ومعها لا جدوى ولا ضمان لتحقيق الأهداف المتوخاة التي نهض لأجلها، لولا أن للغيب فيها يدًا.

 فكم من ثورة قُبرت في مهدها عبر التاريخ الطويل ولم يحصد دعاتها غير القتل والإبادة الجماعية، فالثورات التي حصلت وتحصل مهما كانت أبعادها السياسية والاجتماعية فإن نجاحها يشكل حالة اجتماعية تمتدّ لزمان محدود ما تلبث أن تزول بعده.

 أما أن تُباد ثلّةٌ قليلة من الناهضين للإصلاح في أمّة ما، ثم يُفرخ ذلك ثورات وثورات حتى يتحقق الهدف الأول للثائر الأول، فهذا ما لم نعهده في التاريخ إلا في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).

وأكثر ما يثير العجب أن ذلك الرجل العظيم بالرغم من مواجهته لأشكال المُلاحقة والترويع والتهديد والحصار، رأيناه وهو في ذروة أهوالها يتحرك تحرك الفاتح المنتصر، يستشرف الآتي فيلمح فيه تباشير الفتح المرهون بارتقاء سدّة الشهادة، ولا يتردّد في إعلان ذلك أمام التاريخ موثّقا إياه ضمن كتاب بعث به إلى من تخلّف عنه من أهل بيته:

أما بعدُ، فمَن لحق بي منكم استشهد ومن تخلّف لم يبلغ الفتح([2]).

لقد ألمسه الغيبُ تباشير النصر فنحا به نحو الخلود، حتى تجذّرت دعوته الإصلاحية فيه، وتمدّدت لتحتل مساحاتٍ شاسعة في الضمير الإنساني كما في الضمير الإسلامي، وبذلك كُتب لهذه الحركة المباركة أن تتخطى حدود الزمان والمكان، لتصبح منارة يهتدي بها طلاب العزة والحرية والكرامة في هذا العالم.

وهذا ولا شك يُشعرنا بأن الحسين (عليه السلام) لم يكن إنسانًا عاديًا كما يتوهم البعض بل يرتفع إلى مصاف الأنبياء والأوصياء وهو معنى الإمامة.

علمُ الغيب

 وهو على قسمين.

الأول: علم الغيب المتعلق بالذات الإلهية المقدسة، وهذا ما لا يمكن لأحد أن يطلع عليه لا نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرّب.

الثاني: العلم المفاض منه سبحانه وتعالى على من شاء من عباده، وهو على نوعين.

أحدهما: العلم بالموضوعات الخارجية الواقعة الموجودة ضمن عالم المادة ولكنها محجوبة عن العيان، كطرق السماوات وعدد المجرات وحجمها، ومسالك الأرض وما حوت بواطنها، وكالجنة والنار (على فرض خلقهما) وما إلى ذلك مما يعجز الإنسان عن إدراك كنهه وخصائصه مع أنه موجود قطعًا.

ومثال ما يندرج تحت هذا، إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) الناس بمكة عن معراجه حيث قال لهم: آية ذلك أنه ندّ([3])لبني فلان في طريقي بعير، فدللتهم عليه، وهي (أي القافلة) الآن تطلع عليكم من ثنية كذا يقدمها جمل أورق([4])عليه غرارتان([5]): إحداهما سوداء، والأخرى برقاء([6])فوجدوا الأمر على ما قال.

وكإخبار عيسى (عليه السلام) قومه بما يدّخرون وما يأكلون مع أنه بعيد وغائب عن العيان {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}([7]).

ثانيهما: العلم بالموضوعات الموجودة بالقوّة لا بالفعل.. بالوجود التقديري لا المادي، أي ما هو غير واقع فعلاً لكنه سوف يقع، ونعني به ما قضاه الله وقدّره في علمه سبحانه، حيث إن كلَّ مقدر في علم الله فهو كائن، ومنه علم الآجال المعبر عنه بعلم (المنايا والبلايا) وعلم الأرزاق الموجود بالوجود التقديري، وهذا هو محل الكلام، وهو المعبر عنه بالعلم اللدني.

عِلمُ النبيّ والإمام

من هنا نقول: إن علم النبي (صلى الله عليه وآله) بالغيب إنما يندرج تحت القسم الثاني من قسمي العلم بنوعيه، فهو علم مفاض من الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله)، وما كان للنبي أن يعلمه من ذاته.

وقد يتوهم البعض أن علم الغيب بالمعنى المتقدم مما استأثر به سبحانه لنفسه، مستفيدًا ذلك من قوله تعالى:

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }([8]).

وقوله تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }([9]) مما يفهم منه عدم إظهار هذا العلم للغير.

إلا أن ذلك مردود بقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}([10]).

وقوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}([11]).

فإن هذا الاستثناء كافٍ في الدلالة على إشاءته تعالى لأن يحيطوا بشي من علمه. بل أظهره على من شاء، بلطف منه جلّ شأنه، وتعليم من لدنه جلّ ذكره، كالخضر (عليه السلام) وسليمان وداود وغيرهم. والرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله) هو أبرز مصاديق (من ارتضى) سبحانه لأنه سيد الأنبياء وهو الأولى بالكرامة منه تعالى، لأن به تمامية الحجة على الناس.

ثم إن الكلام في علم النبي يشمل العلم بالأمور التقديرية من الآجال والأرزاق والمنايا وغيرها مما ظاهره استئثاره به تعالى والتي يجمعها قوله جلّ شأنه: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}([12])، فإن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قد اشتملت على كثير من هذا مما ليس ها هنا بيانه.

أما علمه بالأحكام، الكليّة والفرعية فإنه من المسلّمات، لأن بيانها من خصائصه ووظيفته، وجهله بها نقص في رتبته وحط من منزلته، إذ لا يجوز أن يُسأل عن حكم لم يكن علمه به حاضرًا لديه، وإلا فإنه لا تتم له الحجة على العباد ولبطلت نبوته.

علم الإمام

بعد هذه المقدمة الوجيزة ننتقل إلى علم الإمام بعد النبي فنقول:

بما أن النبي (صلى الله عليه وآله) مفارق هذه الدنيا كان لا بد له من تنصيب خليفة له يتابع مسيرته ويكون له بعض مواصفات النبي (خلا النبوة طبعًا) كي تبقى الشريعة محافظة على قوتها وفاعليتها بعيدا عن العبث والتحريف.

فوصيُّ النبي وخليفتُهُ هو الحافظُ لأصول الرسالة وفروعها من بعده، وذلك يقتضي اللطفَ من الله تعالى بأن يؤيده بالعلم والمعرفة لكي تقوم به الحجة على الناس، أما إذا كان كبقية الناس في علمه سيما في الكليات فإنه سيكون عُرضةً للأخطاء الكثيرة التي تدع الناس في حيرة من أمرهم ولبس فيما يعتقدون وبالتالي يصل بهم الأمر إلى التشرذم والتشتت والضياع.

 ثم لا بد له من كرامات تفرده عن بقية الناس لتتم تلك الحجة، ومن تلك الكرامات أن يطلعه الله على بواطن الأمور وغوامضها، بعيدها وقريبها، وهو ما نجده عند جملة من الأنبياء والأوصياء، وقد ضرب الله لنا مثلا بآصف بن برخيا صاحب سليمان (عليه السلام) الذي أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس بمدة هي أقصر من ارتداد الطرف، ومحمد (صلى الله عليه وآله) هو سيد الأنبياء وهكذا وصيّه سيد الأوصياء، و لا أدري لماذا ينكر الآخرون ما منحه الله تعالى من العلم مع أنه باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله)([13]). وهو القائل: (فتح لي رسول الله من العلم ألف باب يُفتح لي من كل باب ألف باب)([14]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مستشار ثقافي في رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

[1] - منها عشر سنوات مع جده حيث توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وللحسين (عليه السلام) من العمر عشر سنوات تقريبًا.

[2] - مناقب آل أبي طالب، المطبعةالحيدرية النجف: 3/230 ؛ وفي كامل الزيارات: من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح.

[3] - نَذَّ: نَفَرَ.

[4] - أورق: رمادي اللون.

[5] - الغرارة: وعاء.

[6] - البرقاء: الشاة البيضاء التي في صوفها سواد.

[7] - سورة آل عمران الآية 49.

[8] - سورة الأنعام من الآية59

[9] - سورة النمل الآية 65

[10] - سورة الجن من الآية 26-27

[11] - سورة البقرة من الآية 255.

[12] - سورة لقمان الآية 34.

[13] - نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي، ط 1377هـ: ص 113: عن ابن عباس (رض) أن رسول الله (ص) قال: أنا مدينة: العلم وعلي بابها فمن أراد بابها فليأت عليًا. وعن علي (رض) قال: علمني رسول الله (ص) ألف باب كل باب يفتح لي ألف باب.

قال الأميني في كتاب الغدير، دار الكتاب العربي، ط1379هـ:  ج6 ص61: أخرج حديث (أنا مدينة العلم) جمع كثير من الحفاظ وأئمة الحديث، ثم ذكر أسماءهم واحدًا واحدًا، فأحصى مائة وثلاثة وأربعين إمامًا وحافظًا.

[14] - ميزان الاعتدال، الذهبي، دار المعرفة، بيروت، ط1: 2/482: عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فدعي أبو بكر فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدعي له عثمان، فأعرض عنه، ثم دعي له علي فستره بثوبه وأكب عليه، فلما خرج من عنده قيل له: ما قال لك؟ قال: علمني ألف باب كل باب يفتح ألف باب.قال الذهبي: قلت: كامل صدوق.

 

.

تتمة مقال = البعد الغيبي في حركة الإمام الحسين (ع)

علمه بالمغيبات

وما ذكره لنا التاريخ من إخباره(عليه السلام) بالمغيبات قد يفوق حدّ التواتر.

قال أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام):

أيها الناس... فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا وَمُنَاخِ رِكَابِهَا وَمَحَطِّ رِحَالِهَا وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتًا وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَكَانَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقًا تَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ([1]).

لقد قال (عليه السلام) ذلك من منطلق خصائص الإمام، ولم يقله تخرصًا ولا استعلاء.

 (قال ابن أبي الحديد في تعليقه على هذا النص: أَقْسَمَ ( يعني عليًا) في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده، أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما صح من طائفة من الناس يهتدي بها مائه وتضلّ بها مائة، إلا وهو مخبر لهم - إن سألوه - برعاتها، وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها، ومن يُقتل منها قتلاً، ومن يموت منها موًتا، وهذه الدعوى ليست منه (عليه السلام) ادّعاء الربوبية، ولا ادّعاء النبوة، ولكنه كان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقًا، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة.

كإخباره عن الضربة التي يُضرب بها في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السلام، وما قاله في كربلاء حيث مر بها، وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجاج، وعن يوسف بن عمر، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها، وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه: "خبٌّ ضبٌّ، يروم أمرا ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش".. وكإخباره عن المملكة العلوية بالمغرب، وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: "ويخرج من ديلمان بنو الصياد"، إشارة إليهم. وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم. وكقوله عليه السلام فيهم: "ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء، ويخلعوا الخلفاء". فقال له قائل: فكم مدتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: "مائة أو تزيد قليلاً".

وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده، فإن علي بن عبد الله لما ولد، أخرجه أبوه عبد الله إلى علي عليه السلام، فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه، وقال: خذ إليك أبا الاملاك هكذا الرواية الصحيحة، وهى التي ذكرها أبو العباس المبرد في "الكتاب الكامل"...([2]).

ونحن بدورنا نكتفي بهذا القدر من الأمثلة فقط لننتقل منه إلى علم الحسين وأخيه الحسن والذرية الطاهرة من الأئمة الباقين (عليهم السلام) ، الذين أخذوا العلم بأشكاله عن آبائهم عن جدهم (صلى الله عليه وآله)، وهذه كتب الفريقين مليئة بالشواهد على ذلك، فالإمام الصادق (عليه السلام) أخبر عن انتقال الملك لبني العباس، مع أن الحركات الثورية آنذاك كانت بمجملها علويّة.

ففي آخر دولة بني أميّة وضعفها أراد بنو هاشم مبايعة محمّد الملقّب بـ(ذو النفس الزكية) وأخيه، فأرسلوا للإمام أن يبايعهما فامتنع، فاتُّهم بأنه يحسدهما فقال: (والله ليست لي ولا لهما، إنها لصاحب القباء الأصفر، ليلعبّن بها صبيانهم وغلمانهم، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضرًا وعليه قباء أصفر، وما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتى ملكوا).

وسبق جعفر (عليه السلام) إلى ذلك والده الباقر فإنه أخبر المنصور بملك الأرض، شرقِها وغربِها وطول مدته، فقال له: ومُلكنا قبل مُلككم؟ قال: نعم. قال: ويملك أحدٌ من ولدي؟ قال: نعم. قال فمدّةُ بني أمية أطول أم مدّتُنا؟ قال: مدّتكم، وليلعبّن بهذا الملك صبيانكم كما يُلعب بالأكرة، هذا ما عهده إليّ أبي !

 فلما أفضت الخلافة للمنصور تعجب من قول الباقر([3]).

وقصّة الإمام الجواد (عليه السلام) وهو في سن العاشرة أو دون، حين كان المأمون خارجًا للصيد فأرسل صقره على دراجة([4])، وإذا به يغيب ثم يعود وهو يحمل بمنقاره سمكة صغيرة.. فتعجب من ذلك غاية العجب، ولما رجع مرّ بصبيةٍ وفيهم محمّدٌ ففرّوا إلا محمدًا، فدنا منه وقال: ما في يدي؟

فقال الجواد (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى خَلقَ في بحر قدرته سمكًا صغارًا يصيدها بازات الملوك والخلفاء، فيُختبر بها سلالةُ أهل بيت المصطفى!...)([5]).

وإخبارهم بالمغيبات مذكورة في كتب العامة والخاصة، وهو ما يعبّر عنه لدى العامة بالمكاشفات، وما ذكرناه هو عيّنة للتذكير فقط.

الإمام الحسين (عليه السلام)

أخبر عن شهادته في مواضع عدة.. كما أخبر عن مصير غيره

وهنا نضع أمام القارئ الكريم بعضا من النصوص التي تصرح بعلمه (عليه السلام) أنه سائر نحو الشهادة.

1- قال (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية حين أشار عليه بتجنب أماكن سطوة بني أمية والذهاب إلى اليمن..في خبر طويل..

(أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن فارقتك فقال: يا حسين اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا!! ولما سأله عن حمله النسوة معه؟ أجابه: قد قال لي إن الله قد شاء أن يراهن سبايا([6]).

2- قال عليه السلام في معرض ردّه على ابن الزبير حين أشار عليه بالبقاء في المسجد الحرام في مكة:

(والله لئن أُقتل خارجا منها بشبرٍ أحبُّ إلي أن أُقتل داخلا منها بشبر، وأيمُ الله لو كنت في جُحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني منها، والله ليعتدُنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت)([7]).

3- وحين قال له أخوه عُمر الأطرف: حدثني أخوك أبو محمد، عن أبيه، ثم بكى حتى علا شهيقه، فضمّه الحسين إليه وقال: حدثك أني مقتول. قال: حوشيت يا ابن رسول الله. فقال: بحقّ أبيك بقتلي خبّرك؟ قال: نعم، فلو بايعت. فقال عليه السلام:

حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلي، وأن تُربتي تكون بقرب تربته، أتظن أنك علمتَ ما لم أعلم [8]؟

4- وقال (عليه السلام) في جوابه لعبد الله بن عمر:

 أما تعلم يا عبد الله أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحي بن زكريا يُهدى إلى بغيّةٍ من بغايا بني إسرائيل والرأسُ ينطق بالحجة عليهم([9]).

5- جوابه لأم سَلَمه إذ قالت له : يا بني لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق فإني سمعت جدّك (صلى الله عليه وآله) يقول: يُقتل ولدي الحسين بأرض يقال لها كربلاء. فقال لها:

 يا أمّاه وأنا والله أعلم ذلك، وأني مقتول لا محالة، وليس لي منه بُدّ، وقد شاء الله أن يراني مقتولاً، ويرى حُرمي مشردين وأطفالي مذبوحين....([10]).

6- خطبته ليلة خروجه من مكة: كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء إلى أن قال:

 ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته، موطّنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإني راحلٌ مصبحًا إن شاء الله تعالى([11]).

 7- قوله (عليه السلام): لولا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكني أعلم يقينًا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي، لا ينجو منهم إلا ولدي علي([12]).

8- قوله: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يُذلُّهم حتى يكونوا أذل من فرام المرأة([13]).

9- قوله لأبي هرة "الأزدي" - كما في تاريخ ابن جرير وغيره -: أيْمُ الله لتقتُلُني الفئة الباغية وليُلبسنّهم الله ذلاً شاملا وسيفا قاطعا، وليُسلطّن الله عليهم من يُذلهم..([14]).

10- روى جعفر بن سليمان قال: حدثني يزيد الركسي قال: حدثني من شافه الحسين (رض) بهذا الكلام قال: حججت فأخذت ناحية من الطريق أتعسف الطريق، فدُفعت الى أبنية وأخبية فأتيت أدناها فسطاطا فقلت: لمن هذه الأخبية؟ فقالوا للحسين بن علي، فقلت ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: نعم قلت في أيّها هو؟ فأشاروا إلى فسطاط فأتيت الفسطاط فإذا هو قاعد عند عمود الفسطاط، وإذا بين يديه كتبٌ كثيرةٌ يقرأها فسلمت عليه فقلت: بأبي أنت وأمي ما أجلسك في هذا الموضع الذي ليس فيه أنيس ولا منفعة؟ قال: إن هؤلاء (يعني بني أمية) أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة إليّ وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يتركوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلّط الله عليهم من يُذلُّهم، حتى يتركهم أذلّ من قرم الأمَة([15]).

11- رؤياه التي رآها لما ارتحل من قصر بني مقاتل - كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال حين انتبه: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله رب العالمين - مرتين أو ثلاثًا، فأقبل عليه ابنه علي فقال: يا أبتاه، جُعلت فداك مِمّا حمدت الله واسترجعت؟ فقال: يا بنيّ، خفقتُ برأسي فعنّ لي فارسٌ، فقال: القوم يسيرون والمنايا تسيرُ إليهم، فعلمتُ أنها أنفسنا نُعيت إلينا، فقال: يا أبتِ لا أراك الله سوءًا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى، والذي إليه مرجع العباد، قال: إذًا لا نبالي نموت محقين ! فقال له: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدًا عن والده([16]).

12- عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام لأصحابه قبل أن يُقتل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا بني إنك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون، وأوصياء النبيين، وهي أرض تُدعى " عمورا " وإنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعةٌ من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا: (قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم )([17]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - نهج البلاغة، محمد عبده، دار المعرفة، بيروت: 1/182، خطبة رقم 39، وإنما ذكرت الفقرات الخارجة عن البحث لانطوائها على بيان الصورة التي وصل إليها المسلمون.

[2] - شرح النهج، ابن أبي الحديد، دار إحياء الكتب العربية: م7، من ص44 إلى ص50.

[3] - الصواعق المحرقة:ص202.

[4] - نوع من الطيور.

[5] - نفس المصدر ص206.

[6] - اللهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس، ط 1417هـ: ص40، وفيه إشارة إلى رأسه الشريف حيث تكلم في عدة مواضع، كما هو المشهور.

[7] - تاريخ الطبري،مؤسسة الأعلمي، بيروت: م5 ص385.

[8] - اللهوف في قتلى الطفوف: ص19-20

[9] - الفتوح، لابن أعثم،: ج5 /25

[10] - مقتل الحسين، المقرم،: ص 136، نقلاً عن مدينة المعاجز وكتاب الخرايج.

[11] - شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، مؤسسة النشر الإسلامي،: ج3 ص146.

[12] - اللهوف في قتلى الطفوف: 39.

[13] - مقتل أبي مخنف: ص66، فرام المرأة: الخرقة التي تتحفظ بها من الحيض.

[14] - مثير الأحزان، ابن نما المتوفى سنة 645، الحيدرية، النجف، 1369هـ: ص33 وفي اللهوف كذلك.

[15] - نظم الدرر للحنفي:  ص214.

[16] - مقتل الحسين، أبي مخنف، قم، 1398هـ: ص92

[17] - الخرايج والجرايح، قطب الدين الرواندي، مؤسسة الإمام المهدي، قم: ج2/848.

 

.

تتمة مقال = البعد الغيبي في حركة الإمام الحسين (ع)

إن هذه النصوص فيها صراحة كافية على ما نقول، ولكن يبقى السؤال:

 من أين جاءه هذا العلم؟

وللجواب على هذا السؤال فرضيتان لا ثالث لهما، وكلاهما يعطياننا الجزم بعلمه صلوات الله وسلامه عليه بأنه ماض نحو الشهادة.

الفرضية الأولى: العلم المفاض عليه من الله سبحانه وتعالى تأييدًا لوصايته وإمامته على الناس، وقد صح بل اشتهر الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أخيه الحسن (عليه السلام): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما)([1]).

الفرضية الثانية: أن النبي(صلى الله عليه وآله) أخبره بذلك كما أخبر غيره من المسلمين.

إخبار الرسول الأعظم له بالشهادة

فقد ورد في أمهات كتب الحديث لدى الفريقين أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر عن استشهاد سبطه الحسين (عليه السلام) في أرض يقال لها كربلاء، وهو ما تضمّنه الحديث المشهور المروي عن أم سلمة وعائشة وغيرهما.

فعن أم سلمه، قالت: كان جبرائيل عند النبي صلى الله عليه وسلم والحسين معي، فبكى، فتركته، فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال جبرائيل: أتحبه يا محمد؟ قال: نعم. قال: إن أمّتك ستقتله. وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها. فأراه فإذا الأرض يقال لها كربلاء.

وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم في بيتي، قال لا يدخل على أحد، فانتظرت" فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فأطللت فإذا حسينٌ في حجره والنبي صلى الله عليه وسلم يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت والله ما علمت حين دخل فقال.. الحديث.

وعن عائشة قالت: فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزمه في يده يبكي، فقال يا عائشة إن جبريل أخبرني أن ابني حسينٌ مقتولٌ في أرض الطف وان أمتي ستُفتنُ بعدي، ثم خرج إلى أصحابه فيهم عليٌّ وأبو بكرٍ وعمرُ وحذيفةُ وعمّارٌ وأبو ذرٍ رضي الله عنهم وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل عليه السلام أن ابني الحسين يُقتلُ بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التُربة وأخبرني أن فيها مضجعه. (رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار كثير، وأوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلس حسينا على فخذه فجاءه جبريل.).

وفي حديث آخر: إن جبريل أخبرني أن ابني هذا يُقتل، وأنه اشتدّ غضبُ الله على من يقتُله.

 ( ابن عساكر عن أم سلمه ): إن جبريل أراني التربة التي يُقتل عليها الحسين، فاشتدّ غضب الله على من يسفك دمه، فيا عائشة؟ والذي نفسي بيده إنه ليحزنني هذا من أمتي، تقتل حسينًا بعدي..!!

(عن عائشة ): إن جبريل أتاني وأخبرني أن ابني هذا تقتله أمتي فقلت: فأرني تربته؟، فأتاني بتربة حمراء.

وعن عائشة أو أم سلمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لإحداهما لقد دخل عليّ البيت ملَكٌ، لم يدخل عليّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يُقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء. رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح([2]).

وعن أنس بن الحارث عن أشعث بن سحيم عن أبيه عنه انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق فمن أدركه فلينصره فقتل مع الحسين رضي الله عنه([3]).

عن ابن عباس، عنه (صلى الله عليه وآله): أوحى الله إليّ أني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وأني قاتلٌ بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا([4]).

نجى الحضرمي

عنه: أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلقٌ إلى صفين فنادى عليٌّ: اصبر أبا عبدالله اصبر أبا عبدالله بشط الفرات قلت: وما ذاك قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وإذا عيناه تذرفان! قلت يا نبي الله أغضبك أحدٌ؟ ما شأن عينيك تفيضان؟؟ قال (صلى الله عليه وآله) بل قام من عندي جبريل عليه السلام قبل قليل فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات، قال فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟ قلت: نعم, قال: فمدّ يده فقبض قبضةً من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيَّ أن فاضتا([5]).

إخبار أمير المؤمنين (عليه السلام)

عن شيبان بن محزم قال: إني لمع عليّ إذ أتى كربلاء فقال: يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداءٌ إلا شهداءُ بدر([6]).

عن هرثمة بن سليم، قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفين، فلما نزل بكربلاء صلى بنا، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمّها، ثم قال: واهًا لك يا تربة! ليحشرُنّ منك قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب. قال: فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير - وكانت من شيعة علي عليه السلام - حدّثها هرثمة فيما حدّث فقال لها: ألا أعجبك من صديقك أبي حسن (واهًا لك أيتها التربة) قال: لما نزلنا كربلاء، وقد أخذ حفنة من تربتها فشمّها، وقال: (واهًا لك أيتها التربة ! ليُحشرنّ منك قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب): وما عِلمه بالغيب؟ فقالت المرأة له: دعنا منك أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل إلا حقًّا.

قال: فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام)، كنت في الخيل التي بعث إليهم، فلما انتهيت إلى الحسين (عليه السلام) وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي (عليه السلام)، والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين عليه السلام فسلمت عليه، وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين: أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا بن رسول الله، لا معك ولا عليك، تركت ولْدي وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد، فقال الحسين عليه السلام: فولّ هربًا حتى لا ترى مَقْتَلنا، فو الذي نفسُ حسينٍ بيده لا يَرى اليوم مقتلنا أحدٌ ثم لا يُعيننا إلا دخل النار. قال: فأقبلت في الأرض أشتدُّ هربًا، حتى خفي عليّ مقتلُهم([7]).

عبد الله بن عمر

حين أشار عليه بعدم الخروج...قال: فإني قد سمعت رسول الله وهو يقول (حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه، ليخذلُهم الله إلى يوم القيامة..)([8]).

ابن عباس

فقال أبن عباس -وكان مع ابن عمر_صدقت أبا عبدالله، قال النبي في حياته (مالي وليزيد، لا بارك الله في يزيد وإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين، والذي نفسي بيده لا يُقتل ولدي بين ظهرانيّ قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم)([9]).

أشعث بن سُحيم

عن أبيه عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ابني هذا يُقتل بأرض من أرض العراق فمن أدركه فلينصره، فقتل مع الحسين رضي الله عنه([10]).

وكما ترى فإن الروايات تؤكد أن الحسين (عليه السلام) علم بأنه سيستشهد، علم ذلك عن جده (صلى الله عليه وآله) كما علمه بالعلم المفاض منه سبحانه وتعالى فهو الإمام المفترض الطاعة على حدّ تعبير النبي (صلى الله عليه وآله) (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) حكما أم لم يحكما، أطاعهما الناس أم خالفوهما، سيّان عند الله تعالى، فإنا لا نعهد أن أحدًا من الأنبياء والأوصياء استتبّتْ له الأمور إلا ما ندر، كداود وسليمان وذي القرنين ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، وأما الباقون من سلسلة الأنبياء صلوات الله عليهم، فهم بين مقتول ومصلوب ومشرّد ومحارب، ولم يخدش ذلك في مقامهم عند الله تعالى، ولا في نبوّتهم، كذلك أوصياء الأنبياء، والأولياء بعد الأوصياء([11]).

ومجمل القول: أن الحسين (عليه السلام) كان يعلم بأنه سوف يستشهد، ولم يمنعه علمه هذا عن متابعة مسيرته، إذ إن المقدمات العادية كلها كانت تامة فلقد استصرخته شريعة الله بعد أن عمد بنو أمية ومن لفّ لفّهم إلى حرفها عن مسارها الذي رسمه الباري سبحانه بما أوحاه إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) ورقمه في كتابه العزيز، واستصرخه المسلمون فبعثوا إليه باثني عشر ألف كتاب من الواحد والاثنين والثلاثة، ولو كان مسلمًا عاديًا لأجاب إلى الجهاد؛ كيف وهو من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله منه (حسينٌ مني وأنا من حسين)([12]).

نعم، إن الحسين (عليه السلام) يحمل ذاتًا قدسية تذوب في ذات الله عزّ وجلّ فتهون عندها نفسه وكل ما تحت يده، وهذا ما كشفته أحداث واقعة الطف، ومهما يكن فإن جده إسماعيل (عليه السلام) قبله كان قد أسلم نفسه للذبح، والحسين (عليه السلام) ليس أقلّ خطرًا ولا منزلة منه، فإنه حين ضعف عن القتال وسقط إلى الأرض، صنع لنفسه وسادة من الرمل، وجعل وهو يسمع بين الحين والحين صراخ الأطفال وبكائهم، وأنين النساء الثكلى وشكواهن، وبين تيْن وتيْن يحسّ مرارة اللؤم التي تَنْطِف بها أحقادُ أولئك الشُذّاذ من قَتَلة أولاد الأنبياء، يرى ويسمع كل ذلك، فيحتسبه بعين الله تعالى، ويرمق السماء بطرفه مليًّا وقد تهدّلت على شفتيه الذابلتين من شدة الظمأ كلماتٌ ناجى بها ربه مُسلِمًا إليه أمره، غير آبهٍ بجراحاته ولا بآلامه، فيقول:

اللهُّم خُذْ لنفسكَ الرِضا منْ نفسي حتى تَرضى.

{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}([13]).

 انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - شرح الأزهار، أحمد المرتضى، غمضان، صنعاء: 4/522.

[2] - هذه الرواية وردت في أمهات كتب المسلمين مع اختلاف بسيط في النص، فقد جاءت في أكثر من 25 كتابًا من أمهات كتب أحاديث أهل السنة:

منها: تهذيب الكمال: 3/152 ؛ منتخب مسند عبد بن حميد ؛  تهذيب الكمال ؛ المعجم الكبير ؛ المعجم الأوسط ؛ صحيح بن حبان ؛ تأريخ دمشق ؛ فيض القدير ؛ مسند أبي جامع إلخ ؛ ومن أراد فليراجع المعجم الفقهي الكمبيوتري الإصدار الثالث.

[3] - تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، دار الفكر: 14/223 - 224، وهذا الحديث مثبت في كثير من كتب الحديث.

[4] - روي هذا الحديث في تفسير القرطبي ؛ وفيض القدير ؛ والدر المنثور ؛ وتهذيب التهذيب ؛ وغيرها مما لا يسعنا ذكره. قال عنه الذهبي: حديثٌ نظيف الإسناد.

[5] - مسند أحمد، دار صادر، بيروت: 1/85.

[6] - كنز العمال، المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت: 12/655.

[7] - وقعة صفين لابن مزاحم المنقري، المؤسسة العربية الحديثة، الطبعة الثانية: ص 140-141.

[8] - الفتوح، لابن أعثم: 5/24.

[9] - نفس المصدر والصفحة.

[10] - أسد الغابة، إسماعيليان، قم: 1/123.

[11] - وأثناء بحثي هذا لفت نظري أمران:

الأول: أن الناس كانوا ينتظرون وقوع هذا الحدث العظيم، كما ذكر ذلك الطبري في تاريخه، قال: (وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر وينتظرونه في كل يوم وليلة).

الثاني: نظرة الناس العامة إلى رفعة ومكانة الإمام الحسين وجعله في مصاف الأنبياء كما يظهر ذلك من الحوار الذي جرى بين الفرزدق وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكان الفرزدق قد أخبره بلقائه مع الحسين (عليه السلام) يقول:

 فقال لي ويلك، هلا اتبعته!( يعني الحسين(عليه السلام)) فوالله ليملكن ؛ ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه.قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته،..ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم، فصدّني ذلك عن اللحاق بهم.

إنني أرجو من القارئ الكريم أن يقف مليا عند هذا النص العفوي الذي جاء على لسان الفرزدق!!

[12] - حديث مشهور مثبت في كتب الفريقين.

[13] - سورة النساء الآية 54.

 
115%