رسالة النجف

مصدر الأحكام

 

مصدر الأحكام

السيد علي السيد حسين يوسف مكي1

الأحكام الشّرعيّة المجعولة من المشرّع الحكيم، تُؤخذ أصولُها (من) القرآن الكريم، (وممن) أَودع الله عندهم العلوم وهم النّبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من بعده, فهما الحجّة في ذلك والأساس الأوّلي.

وقد أشار العلماء في المباحث الأصوليّة إلى أنّ الأدلّة على الأحكام أربعة:

القرآن. والسّنة. والإجماع. والعقل.

أما القرآن:

فحجّيته ثابتة ولا مجال للكلام فيها أبدًا، فهو الكتاب المُنزل على نبيّه المرسل (صلى الله عليه وآله). وهذا ثابت عقلاً: بإعجازه وأسلوبه البليغ الّذي لم يتمكّن أحد من تحدّيه ببلاغته وفصاحته وعلومه. ونقلاً: بالرّوايات المتواترة والعديدة الّتي تدلّ على استيعابه واشتماله على جميع ما يحتاج إليه الإنسان ووجوب الرّجوع إليه في كلّ الأحوال.

وأمّا السّنة:

وهي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فحجيتها أمرٌ أكيدٌ، ولا مجال للنّقاش فيها، إذ لولاها لما قام للإسلام أساسٌ وكيانٌ ودورٌ، ولما كان هناك مجالٌ للعمل بالقرآن وتطبيق أحكامه، فإنّ القرآن واردٌ لبيان أصل التّشريع والقواعد العامّة والأسس العّامة للتّشريع، ولم تَرد فيه تفاصيل الأحكام وبياناتها، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}([1]).

ومجمل القول في حجيّة السّنة: أنّه بدون السنة لا يقومُ للإسلام ولا للمسلمين أمرٌ أبدًا, وما عليه المسلمون من وضوح أمر دينهم في احتوائه لجميع أمور الحياة والشّؤون والاعتبارات ما هو إلا بالسّنة الّتي هي تبيان وشرح للقرآن وأحكامه, وتفصيلٌ وبيانٌ للشّريعة الإلهيّة في كلّ أحكامها ومقرّراتها, وهي أيضًَا وحيٌ من الله سبحانه للنّبي (صلى الله عليه وآله)، والأئمّة (عليهم السلام) أخذوا من النّبي (صلى الله عليه وآله) كما نصّ على ذلك الكثير من الرّوايات والّتي منها حديث الثّقلين وغيره من الأحاديث الّتي توجب الّرجوع إلى النّبي وأهل البيت (عليهم السلام) تأكيدًا لدور السّنة وأهميّتها في التّشريع الإلهي.

أمّا الإجماع:

والّذي هو اتّفاق العلماء على أمرٍ لم يرد فيه قرآن ولا سنّة، فهو إنّما يكون حجّة على الحكم ودليلاّ عليه في صورة ما إذا كان مشتملاّ على الإقرار من المعصوم (عليه السلام)، إمّا لوجود المعصوم بين العلماء المُجمعين, أو لاستكشاف موافقته ورضاه على الحكم.

هذا المعنى يجعل له الحجيّة والدليليّة لحصول القطع بمدلوله، فإن تمّ فذاك، وإلا لم يكن حجّة، هذا إذا كان الإجماع محصّلاً، وأما إذا كان إجماعًا منقولاً، فالإجماع المنقول ليس بحجّة.

وقد يكون الإجماع مدركيًا، بأن يكون الاتّفاق من العلماء والإجماع منهم على المستند للحكم من آية أو رواية، وهذا ليس بحجّة لأنّ المتّبع فيه هو المدرك والدليل لا الاتّفاق.

دليل العقل:

من المتّفق عليه بين العلماء والفقهاء: أنّ العقل من الأدلّة على الأحكام, وقد يتصوّر البعض أنّ معنى هذا أن العقل له صلاحيّة التّشريع والحكم.

والواقع أنّ العقل، وهو أعلى الكمالات في الإنسان، وهو بالغ الأهمّية في مجالات العلوم والعقلانيّات وإدراكها، ولكّنه مع ذلك ليس له صلاحيّة التّشريع في قبال الله سبحانه وتعالى، ولم يدّع أحد من المسلمين على اختلاف مذاهبهم وآرائهم ذلك أبدًا، لأنّ التّشريعَ وإصدارَ الأحكام والتّكاليفَ وإقرارَها، هو لله سبحانه بشكل مطلق, ووظيفة العقل هي الإدراك وتعقّل وتفهّم أنّ هذا الشّيء حسنٌ أو قبيح, وإدراك الملازمة بين حكم العقل المستقلّ وحكم الشّرع، بمعنى أنّ كلّ ما حكم به العقل يحكم به الشّرع، وغير ذلك من المسائل.

إذا حكم الشّرع بشيء، فهل العقل يحكم بما حكم به الشّرع؟

وهذه المسألة من المهمّات أيضًا، والذي يقال فيها: إنّه لا مجال هنا للقطع بالملازمة، وإن قطعنا بأن ما يحكم به العقل ويدرك ملاكه لا بد أن يحكم به الشرع.

لأن العقل وإن أدرك إجمالاً وحكم مستقلاً بأن الله تعالى لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء جزافًا وعبثًا، وأنه تعالى إنما يحكم تبعًا لمصلحة أو مفسدة غالبةٍ تقتضي تعلق إرادته بالشيء فيأمر به، أو تقتضي تعلق الكراهة به فينهى عنه كما عليه العدلية. إلا أن العقل مع ذلك عاجز عن إدراك تمام ما بَنَى عليه المشرّع أحكامه من المصالح والمفاسد لقصوره عن ذلك تفصيلاً، لأجل عجز العقل وقصوره عن إدراك جميع الجهات المحسّنة والمقبّحة في الأفعال، ولذلك قد يكون ما يدركه العقل من المصالح والمفاسد في بعض الموارد غير ما هو المصلحة الحقيقيّة والمفسدة الحقيقيّة للحكم عند الشارع.

وبالجملة: ما لم ينكشف للعقل وجه الحكم تفصيلاً، أي ما لم يدرك جميع جهات الحسن والقبح، لا يحكم، بل يتوقّف.

ومن هنا يظهر أنه ليس كل ما حكم به الشرع يلزم أن يحكم به العقل ويدرك جهته تفصيلاً، بل غاية ما يدركه هو أن حكم الشارع تابع لمصلحة أو مفسدة في الفعل على نحو الإجمال، ولذلك ترى توقّف العقل أحيانًا عند بعض الأحكام واستغرابه منها، وذلك لقصوره عن إدراك المصلحة والمفسدة فيها، كما في الدّيّات حيث ورد عن أبان بن تغلب أنه قال:

(قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعًا من أصابع المرأة، كم فيها؟

قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثًا؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعًا ؟ قال: عشرون.

قلت: سبحان الله يقطع ثلاثًا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعًا فيكون عليه عشرون؟! إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان!

فقال: مهلا يا أبان، هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف([2])، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين)([3]).

فلا يمكن إثبات أنّ العقل يحكم دائمًا ويحيط بملاك ما حكم به الشّرع, نعم يحكم بوجوب الطّاعة للمولى والانقياد له وضرورة دفع الضرر المحتمل أو الضرر المتيقن ونحو ذلك.

وما ذكرتُ هذا الموضوع إلا للتّأكيد، ولبيان دور العقل في الأحكام، وأنّه ليس له حقّ التّشريع، ولرفع الالتباس لدى الكثير من النّاس الّذين يحاولون أن يستعملوا أو يُدخلوا عقولهم في موضوع الأحكام الشّرعيّة أو مناقشتها، والله العالم.

الخلاصة:

وقد اتضح مما ذكرنا: أن المرجع للأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية أمران:

(الأول) : القرآن. (والثاني) : السنّة، والسنّة كما أوضحنا، هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره.

فالحاصل: أنه لا بد من الرجوع إلى القرآن الكريم، والى أهل البيت (عليهم السلام).

وفي زمن غيبة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، لا بدّ من الرجوع إلى العلماء الأعلام الذين يتميّزون بالورع والتقوى والعدالة، والاجتهاد، والمسلّم اجتهادهم، لأنه ليس كل من ادّعى الاجتهاد مُسّلم له اجتهاده، وليس كل من وقف خطيبًا وأجاد الكلام كان عالمًا ومرجعًا وصار من أهل الفتوى، فإن هذا الأمر من أخطر الأمور وأهمّ الأمور التي يجب أن لا يتساهل فيها أهل العلم والدين، ولذلك يوجد هناك جماعات من أهل الخبرة يميّزون الشخص إن كان مجتهدًا أم لا، ولا ينبغي أن يُسَوَّقَ هذا المعنى حسب الأهواء والمصالح أو الدّعاية أو بذل الأموال أو غير ذلك، كما هو شائع في زماننا هذا.

حال الناس في زمن الغيبة:

بالنسبة للأحكام الشرعية وتحصيلها والعمل بها ينقسم المكلّفون بالأحكام إلى ثلاثة أقسام:

1- مجتهد

2- محتاط

3- مقلّد

المجتهد: وهو الذي يملك القدرة العلمية والمَلَكَة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية التي هي القرآن والسنّة والإجماع والعقل، والقواعد الأخرى.

فمن توفّرت لديه القدرة على تحصيل الأحكام بنفسه كذلك يسمّى مجتهدًا، وتحقّ له الفتوى والصلاحيات الأخرى المنوطة به.

المحتاط: وهو الذي لا يملك القدرة العلمية على استنباط الأحكام، أو يتمكّن من ذلك ولكنه لا يريد تحمّل هذه المسؤولية، فيعمل بأقوال العلماء المجتهدين الذين يتردد التقليد بينهم، بأن يطّلع في المسألة الواحدة على أقوالهم فيها ثم يأخذ بأحوطها، أو يعمل بما اتفقوا عليه، أو يكرّر العمل إذا اختلفوا، حتى يطمئن ببراءة الذمّة، وهذا النوع من الاحتياط مرجعه إلى الاحتياط في التقليد، وهو سهل بالقياس إلى نوع آخر من الاحتياط، وهو الذي يعمد المكلف فيه إلى الجمع في مقام العمل بين جميع محتملات النصوص والأقوال بل والقواعد، فإن هذه الطريقة شاقّة لا تتيسر إلا للأوحديين من أهل العلم والفضل، المُجْهَدِين بالتتبع والاستقراء.

المقلّد: هو الذي لا يتمكّن من تحصيل الأحكام من طريق الاجتهاد، فيرجع إلى العالم المجتهد، الأعلم من العلماء، ويعمل بفتواه في كل المسائل الشرعية لعدم قدرته على استنباط الأحكام بنفسه.

وهذا التقسيم إنما لأجل تحصيل براءة الذّمة من التكليف الشرعي، والوصول إليه بنحو تتحقّق معه الطاعة المطلقة لله سبحانه وامتثال أوامره.

والهدف الأساسي لكل هذا هو انتظام الأمور وحفظ المصالح للعباد وإبعادهم عن الشرّ والفساد في مختلف أمورهم وتكاليفهم -العبادات والمعاملات-، وما يتعلق بالأموال والأفعال والأخلاق والاجتماعيات والاقتصاد والسياسة، مما فيه خير الناس وصلاحهم.

يتبع = 

ـــــــــــــــــــــــــــ

1. آية الله السيد علي مكي رئيس الطائفة الإسلامية الشيعية في سوريا .

[1] - سورة النّحل من الآية44.

[2] - ومعنى قوله (عليه السلام): (تعاقل الرجل)، أن كل جناية كانت فيها دية شرعًا، فإن كانت الدية أقل من ثلث دية الرجل، فالمرأة تعاقله وتساويه فيها، وإن كانت الدية تعادل ثلث دية الرجل أو تزيد عليها، كان للمرأة نصفها، ومن هنا كانت دية المرأة الكاملة نصف دية الرجل.

[3] - وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت: 29/352، ب44 من أبواب ديات الأعضاء ح1.

 

.

تتمة مقال = مصدر الأحكام

باب الاجتهاد مفتوح

الاجتهاد: معناه بَذْلُ الجُهد واستعمال القدرة والامكانات على استخراج الأحكام واستنباطها من أدلّتها التّفصيليّة، الّتي هي القرآن والسنّة والإجماع والعقل -كما أسلفنا-.

وتكون هذه القدرة نتيجة العلم والمعرفة والإحاطة بهذه الأدلّة بشكل صحيح وواسع, ويجب أن يكون هذا الاجتهاد في إطار (القرآن) و(السنّة), أي ما ينطبق عليه القرآن والسنّة، لأن كلّ شيء مما يتعلّق بشؤون النّاس والحياة على اختلافها موجود في القرآن والسّنة:

قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([1]).

وفي الحديث الشّريف: (إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى -واللهِ- ما ترك شيئًا يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن, إلا وقد أنزله الله فيه)([2]).

وورد في الحديث أيضًا: (إن القرآن حيّ لم يمت، وإنّه يجري كما يجرى الليل والنّهار، وكما يجري الشّمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا)([3]).

وأمّا السّنة: فالرّوايات كثيرة جدًا في تأكيد دورها والأخذ بها, وأنّ كلّ شيء موجود في الكتاب والسّنة, وضرورة الرّجوع إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) والأخذ منهم، لأنّهم المُستَخْلَفون للقيام بحفظ الدّين ونشره وتأكيده في قلوب ونفوس النّاس.

والسّنة في واقعها وحيٌ من الله سبحانه، وشارحة للقرآن الكريم، وبيان تفصيليّ لما جاء فيه من أحكام وتكاليف وبيانات, لأن القرآن وظيفته بيان العمومات من الأحكام، وتفصيلها يكون في السّنة, وكما ورد في الحديث الشّريف: (آيات القرآن خزائنٌ، فكلّما فتحت خزينة ينبغي أن تنظر فيها)([4]). والمقصود بالنّظر هنا: التّأمّل والتّدبر بما تعطيه من معانٍ وأحكام وبيانات واسعة.

ولذلك لا بدّ من الرّجوع إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) في أمور القرآن وشؤونه ومعانيه وشرحه وتفسيره, لأنّ الله سبحانه أودع علوم القرآن وكافّة ما فيه عنده (صلى الله عليه وآله) , والنّبي (صلى الله عليه وآله) أودع هذه العلوم عند الأئمّة الطّاهرين (عليهم السلام)، فهم المرجع في ذلك، وهذا ما ينصّ عليه حديث الثّقلين، فضلاً عن الأحاديث الأخرى الّتي تؤكّد أنّ ما لديهم من علوم أخذوها من النّبي (صلى الله عليه وآله).

فإدراك الواقع القرآني وكونه تبيانًا لكلّ شيء ليس بمقدور كلّ أحد من النّاس، مهما بلغ من العلم والكمال العقلي والفكري، ولا هو تحت إرادته، وإنّما يُطْلَب منّا بذل الجهد لذلك، مستعينين بما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ القرآن كلام الله سبحانه ومراداته، وفيه أسراره، جعل بعضها في متناول النّاس حتّى لا يكونوا بعيدين عن القرآن، وجعل البعض الآخر لا يُدرك بسهولة ولا بدّ فيه من الرّجوع للنّبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) ومَن عنده علم الكتاب، صيانةً له من العبث والاجتهادات الخاطئة, وللأسرار والعلوم الّتي يشتمل عليها، ممّا لا تجد مجالاً لفهمها إلا عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّهم الأعرف بها والأبواب إليها بتعليم من النّبي (صلى الله عليه وآله).

وهكذا يبقى القرآن الوسيلة لارتباط النّاس مع الله والنّبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، ويبقى أهل البيت (عليهم السلام) الوسيلة لحفظ الدّين وحفظ القرآن سالمًا من التّحريف والتّزييف والزّيادة والنّقصان والاجتهادات الباطلة الّتي تكثر في هذا الزّمان, من السنّة والشيعة بدون مجاملة ولا محاباة، ورفع الخلاف بين المسلمين في مختلف أمورهم عبر القرآن، ولا يُرفع الخلاف إلا بالرّجوع لمن يعرف أسرارَه وعلومه وأسرارَ التّشريع وأصوله، ولا أحد يعرف كلّ هذا سوى أهل البيت (عليهم السلام) الّذين أخذوا وتعلّموا على يد النّبي (صلى الله عليه وآله).

ناحية مهمّة

ومن الضّروري ونحن نؤكّد على دور السّنة في التّشريع الإسلامي وفي تفصيل وبيان الآيات الكريمة الّتي أشارت إلى ذلك، أن نذكر ناحية مهمّة:

 وهي أنّ السّنة الشّريفة الّتي هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره.. هي وحيٌ من الله سبحانه وتعالى كما أشرنا، وليست اجتهادًا من النّبي (صلى الله عليه وآله).

فما ورد على لسان النّبي (صلى الله عليه وآله) من تّفصيلاتٍ لآيات القرآن الكريم وأحكامه والكيفيّات الّتي تمارس بها العبادات وغيرها، كلّه بوحي من الله، قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([5]).

مثلاً: أَمَرَ المولى سبحانه بالصّلاة فقال تعالى:{أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}([6])، ولم يحدّد في القرآن كيفيّة الصّلاة بشكل مفصّل، وكذلك لم يحدّد أمور الزّكاة والمقدار الّذي يجب دفعه.

ولكنّ بيان الكيفيّة للصّلاة جاء على لسان النّبي (صلى الله عليه وآله) , من اعتبار النية والقُربة فيها, ومن اعتبار أنّ التّكبير ابتداءُ الصّلاة, ثمّ القراءة، ثمّ الرّكوع، ثمّ السّجود، والتّشهّد، وغيرها ممّا يعتبر من الأجزاء والشّرائط، كلّه كان من النّبي (صلى الله عليه وآله)، والنّبي أوضحه وبيّنه بأمر من الله سبحانه, وكذلك ما يعتبر قَبل الصلاة من الوضوء ومن السّتر حال الصّلاة، والاستقبال، واعتبار دخول الوقت للصّلاة، كلّه بيانه وتفصيله كان من الله سبحانه بوحي للنّبي (صلى الله عليه وآله).

وهكذا الحال في الزّكاة والصّيام والحج وغيرها من الفرائض والواجبات، لأن العبادات -كما ورد- أمور توقيفيّة، أي يتوقّف بياناتها وتفصيلاتها وتحديدها على الشارع المقدّس، وليس للعباد دخل فيها.

ومن هنا نؤكّد أنه ليس كل ما يراه الإنسان عبادةً يكون عبادةً، فالله يريد أن يُعبد كما يشاء هو لا كما يشاء العبد.

ومن هنا نجد أن العبادات المقرّرة في الشريعة تنسجم تمامًا مع الواقع الإيماني والرّوحي عند الإنسان، وتلبّي تطلّعاته وحاجاته الرّوحية والأخلاقية، فالعبادة كما تكون بالتأمل والتفكّر، تكون أيضًا بالفعل والعمل وبالقول أيضًا، وكما يُشرف العقل والتفكّر والتأمل على تهذيب النفس والباطن وتصحيح السلوك، كذلك الفعل والعمل والقول يعمل أيضًا على تنزيه القلب والنفس والرّوح مما يجعل العابد متمحّضًا في ذاته لله سبحانه وتعالى.

فالعبادة الصحيحة التي ترتقي بالإنسان إلى مراتب الإخلاص والكمال، هي ما كانت على النّهج المأمور به من الله سبحانه وتعالى، سواء في حالات التأمل والتفكّر، أو في القول والعمل وغيرها، وما أراده الله سبحانه أوضحه على لسان نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله)، والنبي (صلى الله عليه وآله) علّمه وأعطاه للأئمة الأطهار الذين هم الامتداد الطبيعي للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يحجب عنهم شيئًا من العلوم التي فيها الخير والصلاح للعباد في مختلف شؤونهم، وأمورهم، بما يتعلّق بالدنيا والآخرة.

عود على بدء

فدور المجتهد في أحكام الشريعة إنما يكون ويصح إذا كان في إطار القرآن والسنّة، ويكون في استخراج واستنباط الأحكام منهما بتطبيق القواعد العامّة الكليّة المعتبرة على القضايا الجزئية الفرعية الخارجية التي يحتاج إليها الناس، والتي هي مورد ابتلائهم واهتمامهم، وكذلك الحال فيما يتعلق بالمعاملات وما يُشترط فيها، يكون بإمضاء من النبي (صلى الله عليه وآله) واعتبارًا منه لها، ويُصيِّرُ هذا الإمضاءُ والاعتبارُ أحكامَ المعاملات كلها أحكامًا واقعيّة ومرادة للمشرّع الحكيم، هذا مضافًا إلى النصوص الصريحة والواضحة في المعاملات، فهي أيضًا من السّنة وبوحي من الله سبحانه.

أهمية الاجتهاد

لا يقتصر دور المجتهد على استنباط الأحكام الشرعية الإلهية من القرآن والسنّة وغيرها من الأدلة المعتمدة في الاستنباط، فإن ذلك وإن كان مهمّا جدًا وضروريًا في الحياة الإنسانية، إلا أنه -مضافًا لذلك- له دور كبير في تحقيق الأهداف الإنسانية والإصلاح والتنظيم والحفظ للشؤون العامة والخاصة، التي هي الأساس في تطوّر الحياة وتناميها، لأن الإسلام لمّا كان هو الدين الخاتم ولا دينَ بعده أبدًا إلى يوم القيامة، فلا بدّ أن يُلبّي متطلبات وتطلعات البشرية والإنسانية في جميع مراحل وجودها، ولا بدّ أن يؤمّن لها جميع الاحتياجات التي فيها الخير والصلاح والنظام، ووضع كل جديد يتجدّد في حياة الإنسان في إطار التشريع الإسلامي، كما هو الحال والشأن في الأمور المتجدّدة في عصرنا الحاضر، والتي لم تكن موجودة فيما سبق، وكذلك استيعاب ما هو محتمل الوجود في المستقبل، باعتباره الدين الخالد والخاتم إلى يوم القيامة.

من هنا نفهم ونُدرك أهمية الاجتهاد وضرورته في الحياة الإنسانية، خصوصًا بعد زمان الغيبة، غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، كل ذلك لتقويم أمور الحياة وإبعادها عن حالة الفوضى والاضطراب، ولاستمرار بقاء الدين فاعلاً في حياة الناس كأساس لا يُستغنى عنه في حال من الأحوال.

فالإنسان مع الاجتهاد، دائمًا وأبدًا في حالِ تطوّر وفي حالةِ انتظام، وفي وضع لا يشعر معه بالبُعد عن الواقع الإنساني والحياة الفاضلة الكريمة الملائمة له، وهو في إطار التشريع والإسلام، أي منطلقاته كلها من الواقع الإيماني والشرعي الذي يريده ويقرّه الإسلام.

ولكن: أولاً: -وكما أسلفنا- يجب أن يكون هذا الاجتهاد في إطار القرآن والسنّة، ولا يكون غير ذلك، وإلا كان اجتهادًا في مقابل النصّ، وتشريعًا محضًا في قبال الله سبحانه، لأنه كما أسلفنا ما من شيء إلا وله أساس في القرآن والسنّة، وإلا كان بدعةً، (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)([7]).

وثانيًا: لا يمكن اعتمادُ قواعدَ وأُسسٍ ومصادرَ التشريع إلا ما كان في إطار الكتاب والسنة أيضًا ويؤدي إلى الحكم الموافق لهما، وإلا فيُضرب به عرض الجدار.

وشيء ثالث: وهو مهم جدًا، أن يكون المجتهد في وضعٍ أخلاقيٍّ وروحيٍّ خاصّ، من حيث الإيمان والاعتدال الأخلاقي والسلوكي والورع والتقوى، والخشية من الله سبحانه {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}([8])، وأن يكون في أعلى مراتب العدالة، هذا المعنى ضروري لأنه يجعل المجتهد في وضعٍ لا يُغلب للأهواء والاجتهادات الشخصية والباطلة.

ثم إن الحكم الذي يستخرجه ويستنبطه المجتهد من القرآن والسنّة، يسمّى بـ"الحكم الظاهري"، لأنه إنما يؤخذ به لقيام الدليل على اعتباره، وعدم إمكانية الوصول إلى الحكم الواقعي الأولي.

وأما إذا كنّا قادرين على الحكم الإلهي الواقعي كما لو كان الحكم ضروريًا أو بديهيًا، فلا حاجة للاجتهاد أبدًا، بل لا يصحّ الاجتهاد في قبال الواقع المعلوم، وإنما يكون الاجتهاد مع الجهل بالواقع وعدم الوصول إليه لأجل معرفة الوظيفة العملية الظاهرية التي تستوجب براءة الذمة أمام الله سبحانه.

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - سورة النحل من الآية 89.

[2] - أصول الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران ط1: ج1 ص 59، باب الرد إلى الكتاب والسنّة ح1.

[3] - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: ج35 ص404، باب 20 أن القرآن حيٌّ لا يموت ح21.

[4] - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 89/216، باب آداب القراءة ح22.

[5] - سورة النّجم الآية 3- 4.

[6] - سورة البقرة من الآية43، ووردت أيضًا في غيرها من السّور.

[7] - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 10/355 ب20 ما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون ح1، وورد بلفظ قريب منه في روايات أخرى، راجع مثلاً ج2 ص263 ب32 البدعة والسنة.. ح21.

[8] - سورة فاطر من الآية 28.

 

.

تتمة مقال = مصدر الأحكام

أمران مهمّان في هذا المقام

ثم إنه بعد هذا البيان الذي ذكرناه حول الاجتهاد، ومن هو المجتهد، لا بدّ من الإشارة إلى أمرين مهمّين في هذا المقام:

الأمر الأول: كيف يقوم المجتهد بعملية الاجتهاد:

يتصوّر البعض من الناس، أو أغلب الناس: أن المجتهد له الحقّ في إصدار الفتوى والحكم حسب مقامه ومنزلته بين الناس، وحسب ما يراه هذا المجتهد انسجامًا مع الظروف والوقائع المحيطة به، طابقَ القرآن والسنة أو لم يطابقهما.

ولا شك أن هذه نظرة خاطئة، وتصوّر خطير، وهذا المعنى هو الذي منعت منه الأخبار، حيث تضمنت المنع من استعمال الرأي والقياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها، أي إن الفقيه إذا لم يجد الحكمَ في الكتاب والسنة لا يحقّ له أن يلجأ إلى اجتهاده الشخصي.

فالأمر ليس كما يتصور، إذ الوقائع المحيطة بالإنسان والظروف التي يعيشها، وإن كان يُنظر إليها بعين الاعتبار، إلا أن عملية الاجتهاد تتبع أُسسًا وقواعد لا بد من مراعاتها:

فلا بد أولاً من الاطلاع والمعرفة بعلوم القرآن وأحكامه.

وكذلك المعرفة بأمور السنّة والاطلاع الكامل على الروايات والأخبار الواردة في المقام، والنظر في شؤونها من حيث الظهور في المعنى، والظهور في العموم أو الإطلاق أو غيرهما، وعدم التعارض والتنافي بين الروايات، وأن يكون فيها بيان كامل في المعنى المراد، بأن تكون الإرادة جدّية له، أي ليست واردة في مقام التقية ونحوها.

وكذلك لا بد من توفّر العلم والمعرفة التامة والواسعة بالأسس والقواعد الأصولية وغيرها المعتمدة في الاجتهاد.

وعندئذ بعد أن تتكامل هذه الأمور، يقوم الفقيه بتطبيق تلك "القواعد" -المستفادة من القرآن والسنّة والتي تؤكّد دورهما- على الواقعة ويعطيها الحكم الملائم.

وأضرب مثالاً لذلك، ويتضمن عدّة أسئلة:

السؤال الأول: هل تجب قراءة الفاتحة مع السورة في الصلاة، أم يُكتفي بالفاتحة؟

والجواب: أن الفقيه يَعْمَدَ إلى القرآن والسنة، والنظر إلى ما ورد فيها حول ذلك:

ففي القرآن يقول الله سبحانه{فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}([1])، وهي بإطلاقها تشمل حال الصلاة وغيرها، مما يؤكّد أصل وجوب القراءة فقط من دون نظر إلى خصوصية كونها في الصلاة أو في غيرها.

ثم ينظر في السنّة، فيجد الروايات المعتبرة التي تقول بوجوب قراءة الفاتحة، مثل قوله: (عليه السلام) (لا صلاة له إلا أن يقرأ بها)([2]) أي بفاتحة الكتاب، وغيرها من الروايات، ثم يجد في الروايات أيضًا ما يدل على وجوب قراءة سورة بعد الفاتحة، وأن الاكتفاء بالفاتحة وحدها لا يكون إلا في حال الضرورة، من ضيق الوقت أو نسيان السورة أو غيرها.

فيخرج بنتيجة وهي: أنه لا بد من قراءة الفاتحة والسورة في حال الصلاة في الركعة الأولى والركعة الثانية.

وسؤال آخر: لو كان عنده ماء وكان يعرف أنه طاهر، ثم شك في اليوم الثاني بعروض النجاسة عليه، فهل يحكم على هذا الماء بالطهارة أو يحكم عليه بالنجاسة؟

والجواب: أنه لدينا قاعدة عامة مستفادة من الروايات تسمى بالاستصحاب، وهي أن كل ما يَشُكُّ فيه المكلّف مما كان له حالة سابقة، يستطيع أن يستصحب تلك الحالة السابقة.

فيطبقها في المقام ويقول: هذا الماء بالأمس كان طاهرًا، والآن أشك في نجاسته، فأستصحب عدم النجاسة، وأبني على أنه لا يزال على ما كان عليه بالأمس من الطهارة للشك في عروض النجاسة، لأنه لا اعتبار بهذا الشك، إلا إذا زال الشك وحصل له العلم فحينئذٍ لا حاجة للاستصحاب، وهكذا...

فالحاصل: أن عملية الاجتهاد تتمّ:

(بين) النظريات والقواعد الأصولية المعتمدة للاستنباط.

(وبين) تطبيق تلك النظريات لاستفادة الحكم الشرعي واستخراجه.

فلا مجال في الاجتهاد للرأي الشخصيّ في الحكم، وإنما هو يبذل جهده وكل إمكاناته العلمية الموجودة لديه على ضوء القرآن والسنّة، لاستخراج الحكم الشرعي، وتسمّى بـ"ردّ الفروع إلى الأصول"، والأصول هي القرآن والسنة، والفروع هي الوقائع التي يطبّق عليها الحكم الشرعي.

تنبيه:

وبطبيعة الحال أن هذه الأمثلة تقريبية ليست هي كل شيء في الاجتهاد، فهناك من العمليات المعقّدة الصعبة في هذا المجال، مما يجعل الفقيه يحتاج إلى جهد كبير جدًا في استخراج الحكم.

الأمر الثاني: لماذا الخلاف بين العلماء.

من الأمور التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة للاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها، وقوع "الاختلاف" بين المجتهدين في ذلك.

ومن هنا يمكن أن يقال: إذا كان حكم الله واحدًا فلماذا الاختلاف بين العلماء.

ويمكن أن يجاب عن مثل هذا التساؤل: بأن الاختلاف بين العلماء ليس في الحكم الإلهي الواقعي، وإنما الاختلاف في طريق الوصول إلى هذا الحكم الواقعي.

والاختلاف في الطريق أو في كيفية تحصيل النتائج والحكم، أمرٌ طبيعي يحصل بين العلماء، حتى من غير الفقهاء، فأصحاب الاختصاص في العلوم الأخرى كالأطباء والمهندسين والفيزيائيين والكيميائيين وغيرهم، هؤلاء أيضًا يقع بينهم الاختلاف في النتائج لواقعةٍ واحدةٍ ولأمرٍ واحدٍ، من جهة الاختلاف في الأسس والقواعد المعتمدة في هذه العلوم، وكيفية تطبيقها، فكلٌ له أسلوبه وطريقته، برغم أن الواقع واحد.

فليس غريبًا أن يحصل هذا الأمر بين أهل الاجتهاد من الفقهاء، خصوصًا وهم يبذلون قُصارى جهدهم في الوصول إلى الحكم المُبْرِئ للذمّة بين يدَي الله سبحانه، ويبذلون وُسعَهم في أن يكون هذا الحكم مطابقًا للحكم الإلهي الواقعي.

إذن فليس هناك خلاف أو اختلاف جذري أصلاً، وإنما هي المحاولة في الوصول إلى الواقع، ومن هنا كان ما ورد من القول بأن (من اجتهد وأصاب فله حسنتان، ومن اجتهد وأخطأ فله حسنة)([3])، تأكيدًا لهذه الحقيقة.

وكذلك تعريف الاجتهاد بأنه بذل الوُسع والجهد للوصول إلى الواقع، يؤكّد هذا المعنى، ويؤكد أن المجتهد يتحرّك مع الأدلة والأُسس التي هو مجتهد فيها، ورأيه يكون حجّة عليه، ومُلزم له بين يَدي الله سبحانه، بحيث يحاسبه الله إذا خالف رأيه وطريقته.

ومن هنا نقول إن الاختلاف بين الفقهاء يكون:

(1)  نتيجة الفهم في النص، فإذا فهم أحدهم من النص معنى وفهم الثاني معنىً آخر، وكان كلٌّ منهما معتمدًا على حجة ودليل يؤيد ويؤكّد فهمَه، فلا يجوز له العمل بغير ما فهم، كما سنوضّح ذلك من خلال الأمثلة التي سنذكرها.

(2)    يكون الاختلاف بين الفقهاء في طريقة التطبيق للقواعد.

(3)  يكون الاختلاف نتيجة قبول النص وعدمه، خصوصًا وأن هناك وضعًا معيّنًا حول النصوص لدى الشيعة، تولّدَ نتيجة المواقف السلبية العدائية التي وَقَفَها خصومُ الشيعة في العهود الأولى، وبعدها، والاضطهاد غير المعقول وغير المبرّر وبمختلف الأساليب.

وكان من جملة المواقف السلبية: الدسّ في النصوص وتزويرها، والتقوّل على أهل البيت (عليهم السلام) بأقوالٍ لم تصدر عنهم، ولم تكن واردة عنهم أبدًا، في مجالات العقيدة والشريعة.

وقد ينتقد علينا البعض قولَنا عند دراسة بعض النصوص: (إنه وارد مورد التقيّة)، أو (يؤخذ بما خالف العامّة)، في مقام الترجيح للأخبار المتعارضة، ويقول المنتقد (قد مضى زمن التقية، فلماذا نقول بالتقية!!).

والجواب: أن ورود هذا الخبر كان من الأساس مراعىً به التقيّة، وواردًا في زمن التقية، فلا مجال لتغييره، ولذلك نأخذ بالخبر الآخر الذي صدر عن الإمام في غير هذا الحال، وهو ما كان مخالفًا للعامة.

هذه الأمور: هي من الأسباب الموجبة للاختلاف في مواقف الفقهاء في الحكم أو النتيجة.

فقد يرى فقيه أن هذا النص غير متكامل الحجيّة والدليلية، وقد يرى الثاني العكس، وقد يرى بعضهم أن موضوع الحكم ضيّقُ الأفق، وقد يرى بعضهم العكس، وهكذا...

فالاختلاف الذي يحصل، ليس لرأيٍ أو رغبةٍ شخصية، وإنما هو نتيجة للأسس والقواعد التي يعتمدها كل فقيه للاستدلال بها.

ولنعطِ أمثلة على ذلك:

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ}([4]).

فقد وقع الاختلاف في قراءة {يطهرن} بالتشديد أي حتى يغتسلن، أو بالتخفيف أي حتى يحصل النّقاء من الحيض.

والاختلاف في جواز المواقعة للمرأة بعد الغسل، أو بعد النقاء من الحيض، إنما هو بسبب القراءة، فمن قرأ بالتشديد، أي بنى على التشديد، فلا يجوز -بنظره- المقاربة والمواقعة للمرأة إلا بعد الغسل، ومن قرأ بالتخفيف جاز له ذلك بعد النقاء من الحيض.

ومن ذلك الاختلاف في آية الوضوء:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}([5])،

فإن الاختلاف الواقع بين السنّة والشيعة في كيفية الوضوء، هو نتيجة الخلاف في القراءة والإعراب في كلمة {أرجلكم}، فقد قُرئت بالجرّ والنصب، وأعربت تارة عطفًا على كلمة {وُجُوهَكُمْ} وأخرى على كلمة {بِرُؤُوسِكُمْ}.

فالحكم لدى السنّة هو غسل الأرجل على القراءتين: لأنهم جعلوا كلمة {أَرْجُلَكُمْ} معطوفة على {وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}، أي اغسلوا وجوهَكم وأرجلَكم؛ أما على قراءة النصب فواضح، وأما على قراءة الجرّ فقد خرجّوه بأنه إنما جرّ بالمجاورة للمجرور.

أما الحكم لدى الشيعة فهو المسح على القراءتين وليس الغسل:

أما بقراءة الجر فواضح، إذ تكون الآية هكذا: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ}، فهي عطف على لفظ {بِرُؤُوسِكُمْ}.

وأما بقراءة النصب: فلأنها أيضًا معطوفة على {بِرُؤُوسِكُمْ}ولكنّه من العطف على المحلّ، فإن كلمة {بِرُؤُوسِكُمْ} في محلّ نصب إذ المعنى {وَامْسَحُواْ رُؤُوسَكُمْ}، وإنما أُتِيَ بالباء للدلالة على أن المسح ببعض الرأس لا تمامه كما في خبر زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)([6])، والعطف على المحلّ جائز في كلام العرب ومعروف.

بل ويمكن أن يكون من عطف جملة على جملة، أي (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَامْسَحُواْ َأَرْجُلَكُمْ).

وعلى أي حال: فالشيعة يرون أن الحكم هو المسح، لأن كلمة (أرجلكم) معطوفة على الجملة القريبة أي قوله تعالى {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، وليست معطوفة على الجملة السابقة وهي قوله تعالى {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}، وذلك لعدم جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، فإن ذلك لا يناسب الأديب فضلاً عن كلام الخالق الذي هو في أرقى درجات البلاغة والإعجاز.

والمحصّلة: أن اختلاف الفقهاء في القضايا الفقهية، لا يكون اختلافًا بدوافع شخصية أو آراء اعتباطية، وإنما هو اختلاف في فهم النصّ وفهم المقصود منه، واختلاف في اللغة والإعراب، أو اختلاف في أن هذا الحكم طرأ عليه نسخ أم لا، كما في موضوع المتعة، والاختلاف الواقع حولها بين السنة والشيعة حيث يقول الشيعة بجوازها واستمرار حليتها إلى يوم القيامة لأنه لم يرد نسخ لها على لسان النبي (صلى الله عليه وآله). وإخواننا السنّة يعتمدون الحرمة لأنهم يرون أن حكم الحلية منسوخ، وهذا هو الذي نناقش فيه، أعني نسخ الحلية، وقد بُيّنت كل المناقشات في حوارات واحتجاجات دوّنها الطرفان، فليراجع من يريد التوسّع في هذا الموضوع.

لا اختلاف في الضروريات والعقائد:

الاختلاف بين المجتهدين حصرًا يكون في غير الضروريّات واليقينيّات، مثل الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

واليقينيّات والضروريات: هي الأمور المعروفة والمشهورة بين المسلمين، ولا ينبغي أن ينكرها أو يناقش فيها أحد أبدًا.

ولذلك فمن أنكر "الصلاة" أو "الصوم" مع تصديقه للنبي (صلى الله عليه وآله) في كامل الأمور الأخرى، يكون كافرًا، لأنه منكر للضروري وهو الصلاة والصوم، وإنكاره إنما هو تكذيب للنبي (صلى الله عليه وآله)، لأنّا آمنّا بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله) وصدّقناه في كل شيء وفي كل ما أخبر به.

وكذلك لا تقليد في هذه الأمور أبدًا، أي في اليقينيّات والضروريات، وإنما الاختلاف والتقليد يكون في غيرها، أي في الشرائط أو فيما يعتبر زائدًا على هذه الأمور، ومما يدخله الشك في اعتباره.

كما أنه لا اختلاف ولا تقليد في العقائد الأساسية التي هي (التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد-أي يوم القيامة-)، وإنما أصول الدين وكثير من المعتقدات تؤخذ من العقل، والعقل هو الذي يقرّرها ويجزم بها، والقرآن والسنّة يأتيان مؤيدين لما توصّل إليه العقل وأنه حقّ، بل حتى المعتقدات التي يكفي فيها الدليل النقلي، ويستدل عليها من القرآن والسنّة، لا يقلّد فيها أيضًا، وإنما يُرجع إلى أهل العلم والمعرفة في بيان الأدلة والآيات القرآنية والسنّة وإرشادهم إليها، مما يوجب الاطمئنان الكامل لديهم والمعرفة التامة فيما هو الحق.

وذلك مثل: معرفة عدد الأئمة (عليهم السلام)،ومثل أحوال البرزخ، وعوالم القبر، وعوالم الآخرة والجنة والنار، ومثل الرجعة، وغير ذلك كثير.

فإن الاعتماد على أقوال وأدلة العلماء في مثل هذه الأمور ليس من باب التقليد وإنما هو للاسترشاد بأقوالهم وأدلتهم على هذه الأمور واعتمادها من قِبل الآخرين.

انتهى المقال
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - سورة المزمل من الآية 20.

[2] - الوسائل (آل البيت): م6 ص37 ب1 من أبواب القراءة ح1.

[3] - عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي، مطبعة سيد الشهداء، قم، طبعة أولى 1983: 0/62 حديث16، راجع مسند أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت: ج4 ص198-204.

[4] - سورة البقرة من الآية 222.

[5] - سورة المائدة من الآية 6.

[6] - وسائل الشيعة، آل البيت: 1/411 ب23 من أبواب الوضوء، ح1، وهو قوله: (ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك (عليه السلام) فقال: يا زرارة قاله رسول الله ونزل به الكتاب من الله عز وجل) إلى أن قال: (فعرفنا حين قال: برؤوسكم، أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء.. الحديث).

 
115%