رسالة النجف

التنمية الإنسانية رؤية للتكامل

 

التنمية الإنسانية

رؤية للتكامل على ضوء القرآن والفكر الإسلامي

الشيخ محمد حسن زراقط1

تمهيد حول المصطلح:

لا شك في أن مفهوم التنمية من المفاهيم الأساسية التي راج استخدامها في القرن العشرين، وما يؤشر على مركزية هذا المفهوم في العقل الإنساني المعاصر أن كوكب الأرض قسِّم بوحي منه إلى دول جاوزت طور النمو وأخرى في حال النمو، وبعيدًا عن القبول بهذا التصنيف أو رفضه، لا بدّ بادئ ذي بدء من التساؤل حول مفهوم التنمية بوصفه مصطلحًا مركزيًا من مصطلحات علوم عدة أبرزها الاقتصاد والاجتماع، لندلف بعد ذلك إلى البحث عن موقف الإسلام من مداليله ومؤدياته قبولاً أو رفضًا أو تعديلاً.

التنمية البشرية:

من الواضح أن مفهوم التنمية لم يُستخدم كمفردة يتيمة مبتورة الصلة بشيء آخر؛ لأن التنمية تتضمن تساؤلاً عن المتعلق لهذه التنمية؛ ولذلك غالبًا ما استخدم هذا المصطلح مع لاحقة البشرية أو الإنسانية كما سيأتي، وهو محل كلامنا في هذه المقالة.

ذكروا أن مصطلح التنمية في علم الاقتصاد ظهر لأول مرة في كتابات المفكر الاقتصادي البريطاني المعروف (آدم سميث) في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولكنه لم يتحوّل إلى مفهوم مركزي يكثُر تداوله إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وربما كان السبب الذي دعا إلى رواج هذا المصطلح في تلك الفترة هو الآثار التي تركتها الحرب على الجماعة البشرية بأسرها، وما لحق بها من ويلات أدّت إلى تغيّر الخارطة السياسية للعالم كما الخارطة الاجتماعية والاقتصادية، فانقسمت هذه الجماعات بعد الحرب إلى قسمين دول زالت بالمعنى السياسي كألمانيا ومن شاركها، ودول أخرى صمدت ولكن الحرب تركت بصماتها المؤلمة على تركيبتها الاجتماعية، الأمر الذي دعا العلماء والمصلحين إلى طرح محاولات لعلاج الواقع المرير. والمصطلح الرديف في اللغة الإنكليزية هو (human development) وكان يقصد به عند بداية استخدامه: "عملية إحداث مجموعة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين، بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده."([1]).

وعلى أي حال، فقد اكتسب هذا المفهوم مشروعية على المستوى الذهني، بل سلطة ربما تتجاوز حدود المعرفة إلى السياسة بعد تبنّيه من قبل الأمم المتحدة، وبالرجوع إلى هذا المصدر نجد أن مفهوم التنمية يشتمل على تركيبة من المفاهيم أهمها:

1-     تكوين القدرات البشرية مثل تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات.

2-     استخدام البشر لهذه القدرات في الاستمتاع أو الإنتاج.

3-     مستوى الرفاه البشري المحقق.

ورغم بعض التحفظات التي تُثار من هنا وهناك حول النوايا الكامنة وراء تقارير التنمية التي تتحفنا بها الأمم المتحدة بين عام وآخر والتوظيف بل الاستغلال السياسي السيّئ لها أحيانًا، فإن رواج هذا المفهوم واستخدامه يُعدّ من مكتسبات الحضارة الإنسانية في هذا القرن والقرن الذي سبقه، وأصرّ على كلمة الرواج والإستخدام وليس التأسيس؛ لأن الرغبة في النمو والتطور أمر فطري أودعه الله في خلقه منذ أن خلقهم.

وبعد هذا التمهيد أود البحث عن وجهة نظر الدين الإسلامي من المفاهيم المذكورة أعلاه لنلاحظ مدى انسجام هذه العناصر مع الرؤى الدينية أو القيود والضوابط التي يقدِّمها الدين لعملية التنمية.

موقف الإسلام من تكوين القدرات البشرية:

إن أدنى اطلاع على الفكر الإسلامي يؤكّد الحقيقة القائلة بأن: الإنسان المسلم مدعو دائمًا إلى تنمية قدراته وتكوين مهاراته في شتى المجالات، بحيث لا مجازفة بالقول: إن الإسلام لم يحرّم على المسلم دخول باب يمكِّنه من تنمية الطاقات التي تحسِّن من مستواه، من خلال ما يأتي:

1- الحضّ على العلم: في الميادين العلمية كافة، ولا نجد أن الإسلام حرّم شيئًا يصدق عليه وصف العلم، فندب المسلم إلى العلم ولو في الصين كما في الحديث الشريف، وجعله فريضة على كل مسلم كما في حديث آخر، وأخبر عن أن الملائكة تضع أجنحتها تحت أقدام طالب العلم رضا به كما في حديث ثالث، وهكذا تمتد سلسلة الأحاديث التي تمجّد العلم والعلماء إلى ما يدلّ على أن العلم ربما يكون من أهم ما يُعبَد الله به، حتى أنه جعله وسيلة صالحة للعبادة في ليالي القدر, ولم يحرّم الإسلام إلا بعض "العلوم" كالسحر وما يرتبط به مثل التنجيم ببعض معانيه، وتحضير الجن والأرواح وما شابه، ولكن التدقيق في حقيقة هذه الأمور - في نظري - يُدخلها في باب الخرافة ويُخرجها من دائرة العلم، وبالتالي يكون هدف الإسلام من تحريم هذه الأمور هو الحفاظ على الروح العلمية لدى الفرد المسلم لكي لا تُمسخ بالخرافات التي هي في الواقع لا تمت إلى العلم بصلة.

2- سَدّ الباب بوجه التحجّر والتعصّب:

من لوازم فتح الإسلام لِباب العلم في وجه المسلمين، إطلاق العنان للطاقات الخلاّقة في الأمة الإسلامية وعدم السماح لها بتقليد الماضين من العلماء مهما علا كعبهم في العلم، ومهما بلغ شأوهم فيه. ويؤكد هذه الحقيقة في نظرة الإسلام إلى العلم أمور منها:

أ- فتح باب الاجتهاد: لرواده من العلماء وعدم السماح لهم بتقليد الماضين من أساتذتهم، وربما كانت هذه الروحية مستمدة من عدم السماح للمسلم ببناء عقيدته على التقليد بل ذمّ الله سبحانه المقلِّدين للآباء في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}([2])

ب- الإيمان بمذهب التخطئة: عرف الفقه الإسلامي تيارين: أحدهما يؤمن بأن العالم المجتهد عندما يبحث عن حكم الله في أمر فهو دائمًا مصيب، وما يحكم به فهو حكم الله ولذلك سمّيَ هذا الاتجاه بالتصويب. وفي مقابل هذا التيار تيار آخر يؤمن بأن المجتهد يبذل جهده للوصول إلى حكم الله ولكنه لا يصل إليه بالضرورة فقد يصيبه وقد يخطئه؛ ولذلك سمّيَ هذا الاتجاه بتيار التخطئة وأصحابه بالمخطّئة، والفقه الشيعي يتبنى هذا الموقف. وبعيداً عن النقاش الدائر بين الفقهاء حول الصحيح من هذين الموقفين، فإن ما يهمني في هذه المقالة هو الأثر النفسي لكل منهما، فمن يعتقد بالتخطئة يحتمل الخطأ في من سبقه من العلماء ولذلك يسعى دائمًا لتفحّص أدلتهم للوصول إلى ما وصلوا إليه، أو لبيان خطئهم في ما مالوا إليه من رأي. وأما الإيمان بالتصويب فإنه لا شك يترك أثره النفسي على العالم فما دام يعتقد أن العالِم الذي سبقه مصيب لحكم الله فلماذا يبحث عن حكم جديد مصيب أيضًا فقد كفاه الماضون مؤونة الطلب؟

وهذان الأمران المشار إليهما آنفا يؤمِّنان تنمية المواهب العلمية وتنمية العلم نفسه على صعيدين: الأول يغلب عليه تنمية الجانب الكمّي من العلم، والثاني يغلب عليه تنمية البعد النوعي من العلم.

الحضّ على تنمية مهارات الكسب:

إذا كان مصطلح العلم ينصرف غالبًا إلى الدراسة والتعلم في الكتاب فإن نوعًا آخر من التعلم اهتم به الإسلام وهو تعلم مهارات الكسب ومهارات العيش، فلم يقبل الإسلام للمسلم أن يكون عالة على غيره في حياته, وذلك من خلال حضّه على طلب الرزق والسعي في سبيله، بل واعتباره هذا الأمر من العبادات التي تقرب من الجهاد في سبيل الله سبحانه، فقد ورد في المأثور عن النبي وأهل بيته عليهم السلام روايات عدة في هذا المجال نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

أ‌-        عن رسول الله (ص): "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"([3])

ب‌-    وعن أبي جعفر(ع): "من طلب الدنيا استعفافًا عن الناس وسعيًا على أهله وتعطفًا على جاره، لقي الله عز وجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر."([4])

ت‌-    وعن الإمام الكاظم (ع): "من طلب الرزق ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله..."([5]) إلى غير ذلك من الروايات التي التزم الفقهاء بمضمونها في مقام الفتوى، وأفتى بعضهم بوجوب بعض المهن والحِرَف التي تتوقف عليها حياة الناس، بل حرّم بعض الفقهاء أخذ الأجرة على هذا النوع من الأعمال لأنها حق للمجتمع في رقبة أفراده.([6])

موقف الإسلام من استخدام البشر لقدراتهم في الاستمتاع أو الإنتاج

 المنع عن احتكار المواد الأولية:

في الفقه الإسلامي مقولة تستحق التوقف عندها وهي مقولة المنع من احتكار المواد الأولية التي تمثّل عماداً لأي عملية إنتاجية، وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أمرين هما: قضية الأراضي المعروفة بالأراضي الخراجية، والثاني قضية منع الماء والكلأ وسوف أحاول الإشارة إلى الأمرين في استعراض سريع:

أ‌-        الأراضي الخراجية: بعد أن فتح المسلمون أرض العراق والشام وغيرها ودخلت هذه البلاد الواسعة تحت سيطرتهم طُرحت مسألة اقتصادية مهمة على العقل الفقهي الإسلامي وهي: كيف ينبغي التعامل مع هذه الأرض، هل توزع على المقاتلين كغيرها من الغنائم أم تعامل معاملة أخرى؟ وهنا حاول بعض الصحابة الحصول على حصة من هذا المغنم وكادت توزّع بهذا الشكل الأمر الذي كان سوف يولد طبقة إقطاعية تتحكم برقاب الناس وتحولّهم إلى عبيد في صورة عمال، ولكن حكمة الإمام علي (ع) حالت دون ذلك واتفق الرأي على أن تبقى هذه الأرض مِلكًا للمسلمين والدولة الإسلامية. وما زال هذا الرأي هو المعمول به في الفقه الإسلامي إلى يومنا هذا عند عدد كبير من الفقهاء، فهذا هو السيد السيستاني يقول: "لا يجوز بيع رقبة الأرض الخراجية. و هي: الأرض المفتوحة عنوة العامرة ـ لا بالأصالة ـ حين الفتح، فإنها ملك للمسلمين من وُجد و من يوجد..."([7]) وبذلك منع الإسلام من تشكّل طبقة إقطاعية تحتكر أهم عمود من أعمدة الإنتاج وهو الأرض، وبخاصة في ذلك الزمان الذي كانت الزراعة -وما زالت- تمثل ركنًا أساسًا من أركان العملية الاقتصادية.

 منع فضل الماء والكلأ: وردت في الفقه الإسلامي عدة من الروايات تتحدث عن سيرة النبي (ص) في القضاء، ومنها ما ورد في منع فضل الماء، وقد رُويت هذه الروايات عند السنّة والشيعة، فمن طريق الإمامية ورد: عن ‏عقبة بن خالد عن الصادق(ع) أنه قال: "و قضى بين أهل البادية أنه لا يُمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء، وقال: لا ضرر و لا ضرار"([8]) وقد ورد في كتب أهل السنّة عن أحمد بن حنبل عن عبادة بن الصامت: "...وقضاؤه بعدم منع فضل الماء ليمنع فضل كلأ..."([9])

يتبع =

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مدير تحرير مجلة الحياة الطيبة

[1] - نصر عارف، مفهوم التنمية مقالة منشورة على موقع إسلام أون لاين، ورابط الصفحة هو:

http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mafaheem-2.asp

وليس هذا التعريف محل وفاق بين الباحثين بل ليس مصطلح التنمية البشرية مقبولاً عند الجميع؛ حيث إن آخرين يفضّلون استخدام لاحقة الإنسانية محل البشرية.

نادر فرجاني، التنمية الإنسانية واكتساب المعرفة المتقدمة في البلدان الغربية، موقع مركز المشكاة للبحث، مصر. ورابط الصفحة هو:

http://www.almishkat.org/arbdoc99/ar-humdev/ar-humdev01.html1

[2] - سورة البقرة: الآية 170.

[3] - الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الجزء 17، ص 21.

 [4] - المصدر نفسه، ص 21.

[5] - المصدر نفسه، ص21.

[6] - للاطلاع على تفاصيل الآراء في هذه المسألة راجع: الشيخ مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، طبعة مؤسسة النعمان، بيروت، 1990م.، ج 1، ص 174 وما بعدها.

[7] - السيد علي السيستاني، منهاج الصالحين، ص قسم المعاملات، ص 40، المسألة 104.

[8] - وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 17، باب 7 من أبواب إحياء الموات، ح2.

[9] - مسند احمد، ج‏1، ص‏313، ج‏5، ص‏327.

 

.

تتمة مقال - التنمية الإنسانية

وفي هذا المجال وأتمنى أن لا يكون استطرادًا مملاً وخروجًا عن الموضوع أدلف إلى موضوع الملكية الفكرية التي تعدّ بحقٍّ من الأفكار التي طرقت العقل البشري في القرون الأخيرة وهي بلا شك مُنجَز غربي بامتياز على الأقل على مستوى التقنين والتنظير لها. وخلاصة القول في هذه القضية أن العقل الإنساني اهتدى إلى أن من يبذل شيئًا من وقته لابتكار عمل أو تأليف كتاب ثم ينشره، فهل يحق لأحد استنساخ هذا الإنجاز وتقليده والاتجار به دون إجازة صاحب الإنجاز نفسه أو من الشركة والمؤسسة التي ترعى هذا الإنجاز وتسوّقه؟

ولا يخفى أن هذا البحث ليس ترفًا فكريًا بقدر ما هو مسألة حياة أو موت في كثير من الأحيان؛ لأن المواد الفكرية المملوكة تبدأ من تركيبة الشراب الغازي وتنتهي إلى الأدوية التي تتوقف عليها حياة الناس، وكذلك تبدأ في دائرة أخرى من قلم الرصاص لتنتهي عند أعقد برامج الكومبيوتر التي تتوقف عليها أهم المصانع ودورات الإنتاج في العالم. وقد بنى الفكر القانوني المعاصر على حصر الملكية الفكرية بصاحب الاختراع ومن يمثّله ولم يسمح لأحد بالاستفادة من هذا تحت قوانين حماية الملكية الفكرية. ولا شك أننا كلنا رأينا هذا الرمز موجودًا على الكثير من المنتجات التي نستهلكها ونستفيد منها وهو: c الذي هو اختصار لعبارة copy right أي "الحقوق محفوظة"، وقد بدأت الأصوات تعلو بالاحتجاج على هذه القوانين وشُكِّلت حركات وجمعيات لمناهضة هذا الحق، ومنها الحركة التي تستخدم عبارة copy left في تهكم على العبارة السابقة حيث حوروا معنى كلمة (right) إلى يمين بدل الحق واستخدموا عبارة يسار بديلاً عنها. ويعتبر هؤلاء وغيرهم أن حصرية حقوق الملكية احتكار للعلم والمعرفة في الحالات العادية واعتداء على الإنسانية في حالات أخرى، وبخاصة عندما يتعلق الأمر باحتكار ملكية الأدوية المخصّصة لعلاج الأمراض القاتلة كالإيدز ونحوه، أو يتعلق ببعض الأمور الضرورية لخروج أمة من الأمم من مستنقع التخلّف لتلحق بركب التقدم فيحول بينها وبين ذلك عدم قدرتها على تجاوز هوة حقوق الملكية الفكرية لأدوات التقدم المحتكرة من قِبل الشركات عابرة القارات.

ولفقهاء المسلمين من هذه القضية موقفان: موقف يرفض بالمطلق فكرة حقوق الملكية الفكرية، وموقف يؤمن بهذا الحق. ولا أريد في هذه المقالة حسم الموقف في هذه المسألة واختيار أحد الرأيين والدفاع عنه، بل ما أرمي إليه هو الإشارة إلى أن كل موقف له مبرراته الاجتماعية والفقهية، فالأول يترتب عليه زهد بعض المبدعين عن الإبداع عندما يرون أن سهر لياليهم يذهب هدرًا على مذبح الاستنساخ والسرقة الأدبية، والموقف الآخر له آثاره التي أشرنا إليها أعلاه وهو أن هذه الحقوق تشجّع على الإبداع ولكنها في الوقت عينه تتحول إلى نقمة تحصر الإبداع بل وتقتل الإنسان لمصلحة جشع الشركات التي تشتري حقوق المبدعين وتحافظ عليها لمصلحتها هي. وأود الختام بسؤال، هو: هل يمكن أن نستنبط من تحريم احتكار فضل الماء والكلأ تحريمًا احتكار الملكية الفكرية؟

وبعد هذه المحاولة لتحديد موقف الإسلام من التنمية الإنسانية قد يصبح مشروعًا ومبررًا طرح هذا السؤال الذي سنجيب عليه, وهو: لماذا نرى واقع المسلمين وأحوالهم مختلفة عما ينبغي أن تكون عليه؟ ولماذا انتشرت نزعة الزهد السلبي بين المسلمين لفترة طويلة ما زلنا نئن تحت وطأتها؟ ولماذا ترك المسلمون بناء دنياهم واشتغلوا بدل ذلك ببناء آخرتهم وتركوا الدنيا لغيرهم؟

ويمكن أن نطرح الإشكال بعبارة أخرى وهي: لا يشك المتتبع لتاريخ الأمة الإسلامية أن الإسلام حقّق نقلة مهمة يمكن القول إنها طفرة حضارية، فشتان بين وضع الشعوب الإسلامية قبل اعتناقها للإسلام وبين وضعها بعده. فقد بنى المسلمون حضارة كانت في وقتها بقعة الضوء الوحيدة في العالم في مقابل أمم كانت غارقة في الظلام، وكان المسلمون مصدر الإشعاع العلمي والفكري الأول، ولكن ما حصل بعد ذلك قد يوحي بأن هذه الطفرة لم تكن منسجمة مع البنى الأساسية للدين الإسلامي، وبالتالي كان من الطبيعي أن يعود الوضع إلى حالته الأكثر انسجامًا وهي الوضع الحالي للمسلمين اليوم؟!

وفي مقام الإجابة نقول: إن هذه الصورة غير صحيحة.

ولتوضيح الصورة الصحيحة المعاكسة لا بد من العودة إلى دور الدين الإسلامي في عملية التنمية وإلى وميزاته في هذا المجال التي يمكن أن تضاف إلى ما ذكر سابقًا فنقول: إن عملية التنمية لها منطلقاتها ومجالاتها، ولها أدواتها ووسائلها، ولها أهدافها وغاياتها، وفي كل من هذه الموارد كان للدين الإسلامي موقف إيجابي يمثّل دافعًا للإنسان نحو الأمام، وسوف نحاول الوقوف قليلاً عند كل واحدة من هذه الأفكار.

المنطلقات القرآنية للتنمية:

تحتاج عملية التنمية إلى منطلق وميدان أو مجال ليكون مسرحًا لنشاطاتها، وهذا ما أشار إليه القرآن, حيث نجد أن فكرة التنمية تنطلق من واقع الإيمان بقدرة الإنسان على تطوير ذاته والرقي بها نحو الأفضل وهذا ما تؤكّده آيات عدة في القرآن منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ([1]) حيث تتحدث هذه الآية عن قانون وتُبيّن سنّة من سنن التاريخ وتجعل فعل الله مشروطًا بإرادة العبد للتغيير، ومن المعلوم أن أي قضية شرطية لا يتحقق جزاؤها ما لم يتحقق شرطها، والشرط هو إرادة التغيير، وهذا يعني أن الله يخبرنا بطريق غير مباشر بأن التغيير أمر متاح وممكن؛ ولذلك ليس من حق المرء أن يلقي بتبعات تخلّفه على الظروف والأوضاع المحيطة به ما دام قادرًا على الإطاحة بما لا يتلاءم وإنسانيَّتَه، يقول الله تعالى في الرد على اعتذار مثل هؤلاء الناس: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا}([2]) وإلى المعنى نفسه -أي إمكانية التنمية والتطور- يشير الحديث المأثور عن الإمام الصادق (ع): "من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة."([3])

هذا حول المنطلق وهو إيمان المرء بقدرته على النمو والتطور وهذا ما عبر عنه بأسلوب رائع الشاعر الهندي المسلم محمد إقبال في ديوانه "أسرار خودي" أو أسرار الذاتية. فإنه بعد تأمل عميق في حالة المسلمين في الهند في فترة الاستعمار البريطاني وجد أن مشكلة المسلمين وسبب تخلّفهم هو عدم إحساسهم بذواتهم وهي حالة الغربة عن الذات وفقدان الهوية ويسمّيه اللاذاتية. ولذلك يسعى في ديوانه الآخر رموز اللاذاتية، إلى معالجة هذا الداء كما يسعى في ديوانه الأول إلى نشر الإيمان بالذات بين مخاطَبيه ليكون هذا الإيمان منطلقًا للتغيير. وأحسب أن المسلمين بل الشرق عمومًا ما زال يئن تحت وطأة أعراض هذا الداء الذي لا سبيل إلى رفعه والبرء منه إلا باستئصال أسبابه, وإلا فإن الآلاف من تقارير التنمية حتى لو خلصت نيات مدونيها لن تكون إلا ضربًا في حديد بارد.

يقول محمد إقبال:

كن قطرة ماء واعية للذات فتصبح درا تحرسها الأصداف

لا جبلاً يستسلم للبحر فيغتال البحر بمدّ الموج جذوره([4])

وأما عن مجالات التنمية، فإنني أجزم بأن الدين الإسلامي يدعو إلى التنمية والتطوير في المجالين الدنيوي والأخروي، والمادي والروحي، والواقع أصدق إنباء من الكتب والأقوال، فإن نظرة إلى ما حقّقه الإسلام في ما لا يتجاوز القرون الثلاثة من الزمن تكفي للإيمان باحترام هذا الدين للدنيا والنظر إليها كمجال من مجالات التكامل أو التنمية. وما أروع التعبير القرآني عن هذا التكامل الثنائي عندما يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}([5]) وكذلك قوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}([6]) وهو ما يعبّر عنه النبوي المشهور: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها"([7]).

هذا وميزة الدين في هذا المجال أنه يُضفي معنى على الأشياء فلا تعود أشياءًا بل تلبس صورًا جديدة، فلا يبقى المال أو غيره مما سخّره الله تعالى للإنسانية مالاً بل يصبح نعمة ومحلاً لخلافة الله: {أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} وبناء عليه فقد وضع الإسلام قيودًا وضوابط تحكم السعي والكسب والتنمية لكي لا يطغى بعدٌ من أبعاد شخصية الإنسان على غيره. ولو أخذنا التجارة مثالاً فنجد أن الإسلام جعل التجارة من أسباب الكسب المحبوبة عند الله وحثّ عليها وكره العمل بالأجرة وعللّ في بعض الأخبار بأنه تحديد للرزق، ومع كراهته لتحديد الرزق نجده وضع قيودًا ولجم جماح الإنسان نحو طلب المزيد، ولا أود التوسع في هذا المجال ولكن لا بد من إشارة ليتضح ما أرمي إليه فبالرجوع إلى ما قرره فقهاء المسلمين في آداب الكسب نجد أنهم يذكرون: استحباب التسوية بين الناس في السعر، والربح بمقدار الحاجة، وأن يكون المرء آخر الداخلين إلى السوق وأول الخارجين منه وما شابه ذلك من الأحكام التي تهدف إلى التخفيف من سَورة الحرص والكسر من حدة الطمع. وإذا ضممنا إلى هذه الآداب ما ورد من توصيات أخلاقية في ذمّ الدنيا والنهي عن الإيغال فيها، يتولد سؤال يستجدي جوابًا وهو أنه لو كانت التنمية في ساحة الدنيا أمرًا مطلوبًا للدين فما الداعي إلى تشديد النكير على الدنيا والراغبين بها في النصوص الإسلامية؟ ألم يوجد بين المسلمين من آثر الاستسلام للقضاء والقدر؟ ألا يوجد بين المسلمين من يرى أن ادخار درهم سوء ظن بالله؟ وألم يبدع ذلك الشاعر عندما دعا إلى السكون القريب من الموت حيث قال:

إن في بيت الزجاج لطائف محيرة فلا تطرف عينك فتخدش روعة المنظر

وألم يدعُ الآخر إلى أن يملك المرء عين المرآة وفم الصورة كي لا ينبس ولا يرفّ له جفن ويقبل ما يعرض عليه؟

نعم كل هذا صحيح، ولا أرغب في تأويل أحلام الشعراء وأمانيهم كي لا أفسد سرّ جمالها، وأما حول النصوص الدينية فلا بد من محاولة فهم مؤدياتها؛ لأنها وردت للعمل وليست أماني شاعر ولا تهويمات صوفي حالم، وللوصول إلى فهم هذه النصوص يكفي ما أشرنا إليه أعلاه حول موقف الإسلام من تنمية الدنيا، ولكن أسأل أيضًا ألا توحي تسمية الله تعالى للصدقة التي تنقص المال بالزكاة، ألا توحي هذه التسمية بمباركة خفية للرغبة في زيادة المال ونموه واعترافًا بمشروعية هذه الرغبة الإنسانية؟ ولكن لما ضمن الله تعالى الرغبة في الزيادة بزرع ميل فطري نحوها ليحب الإنسان المال حبًا جمًا على حد تعبير الآية، ترك كوابح هذا الجموح للتشريع. فلا يحتاج من زرعت فيه الرغبة بالمال إلى إصرار كبير لطلب المزيد بل يحتاج إلى حواجز تحول دون مغالاته وإسرافه في طلب المزيد.

إذًا إن السؤال الذي ذكرناه قبل قليل مشروع وفي محله ولكن لا يمكن تحميل الإسلام مسؤولية تخلّف المسلمين، بل ولا يتحمل حتى الفهم الخاطئ للإسلام مسؤولية التخلّف أيضًا لأننا لا بدَّ من أن نُدخل في الحسبان واقع الأمور وعدم الاكتفاء بما كتب من نظريات في بطون الكتب مهما كانت قيمة كتّابها ومؤلفيها، بل إنني أدعي -وهذا ما يحتاج إلى إثبات ولكن أثيره كاحتمال فقط- أن هذا الفهم المتخلف للدين والتعامل معه كمخدّر هو نتيجة الواقع السيّء وليس سببًا له، فإن من يستريح إلى الزهد في أشكاله المتخلّفة أستبعد أن يؤثر في واقع ولو بنحو سلبي. وأكرر أن هذا الأمر احتمال يستحق الدراسة ولا ينبغي أن يغترّ الباحث باشتهار بعض الأفكار فرُبَّ مشهور لا أصل له.

الأدوات والوسائل:

على القاعدة الفقهية المعروفة التي تقول إذا وجب الشيء وجبت مقدماته نجد أن الله قد ضمن لضيفه المدعو إلى مائدة التنمية والتكامل أدوات هذا التكامل ووسائله على المستويين التشريعي والتكويني، فعلى المستوى التكويني كرّمه على غيره ممن خلق بتسخير ما في الأرض له واستخلفه فيها ليستفيد منها في رحلته نحو الأهداف السامية التي انتدبه للوصول إليها أو تحقيقها، وأعطاه العقل الذي يسمح له بالاستفادة من هذه القدرات فلا يكون كما يقول الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

 

 

والماء فوق ظهورها محمول

 

فعن الكرامة الإنسانية يقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُم فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}([8]) وليس أدلّ على الكرامة الإنسانية من أمر الله الملائكة بالسجود لهذا الإنسان: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}([9]) ومن البديهي أن هذه الكرامة الإنسانية تدعو إلى جعل الإنسان معيارًا للحكم على أي محاولة تنموية أو للحكم لها. وعن موقع العلم والقدرة على الفهم التي سَمَت بالإنسان -وربما هي التي كانت السبب في استخلافه في الأرض، حيث إن الخلافة تحتاج إلى الفهم وحسن الإدارة، وهي التي ربما كانت الداعي إلى إسجاد الملائكة له، عندما كانت النقلة الأبرز في عملية الخلق الإنساني، وهي تعليمه بعد إعطائه القدرة التكوينية على اكتساب العلم- يقول تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}([10])

هذا ما أردت الإشارة إليه من أدوات ووسائل التكامل والتنمية، ولا شك في وجود غيرها من الوسائل والآليات التي يمكن العثور عليها بالرجوع إلى القرآن واستفتائه فيها، وأكتفي بما ذكرت كي لا أطيل.

الأهداف والغايات:

بالمقارنة بين الدين وبين غيره من دعاة التنمية، يبرز الفارق الكبير والهوّة التي لا يمكن ردمها بين الطرفين، بحيث إن الدين يحمل الإنسان إلى آفاق رحبة لا يلامسها غيره، فإنّ غير الدين مهما سَمَت غاياته ورحبت آفاقه لا يتجاوز عالم المادة، ولا يؤمِّن بل لا يملك إمكانيات التحريض على التكامل إلا في المدى المنظور بالعين من عالم المادة. وأما الدين فهو تبعًا لاهتمامه بالبعد الأخلاقي والغيبي من الإنسان يفتح له باب التكامل غير المحدود ويدعوه إلى أن يتصف بصفات الله: "تخلّقوا بأخلاق الله"، بينما عالم المادة مهما رحبت آفاقه ليس فيه مطلق ولكن في الدين عندما ينفتح المتدين على المطلق فحتى الماديات المحدودة تتحول إلى أدوات للارتباط بالمطلق والوصول إلى مرحلة التخلّق بأخلاقه: {وَابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}، وفي السياق نفسه نجد أمير المؤمنين، رغم اشتهار ذمه للدنيا وطلاقه لها ثلاثًا لا تسمح له بالعودة إليها، نجده يدافع عن مطلقته البائنة، فتارة يحذر منها ويقول: "وأحذركم الدنيا، فإنها منزل قلعة، وليست بدار نجعة. قد تزيّّنت بغرورها وغرّت بزينتها. دارها هانت على ربها فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرّها، لم يصْفِها الله تعالى لأوليائه. ولم يضن بها على أعدائه. خيرها زهيد، وشرها عتيد، وجمعها ينفد، وملكها يسلب وعامرها يخرب."([11]) وهو القائل أيضًا: "أيها الناس، إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا مع كل جرعة شَرَق، وفي كل أكلة غصص، لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى..."([12]).

مع هذا الموقف من الدنيا نجده تارة أخرى تأخذه الغيرة على مطلقته فيقول لمن اتهمها ظلمًا: "إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة"([13])، وهذا كله انطلاقًا من نظرة الدين المتوازنة إلى الدنيا والآخرة، وجعل الأولى سبيلاً إلى الأخرى.

استنتاجات:

بعد ما تقدم حول التنمية على ضوء القرآن أعود إلى الإنسان المعاصر الذي هو مبدأ التنمية وموضوعها لألاحظ أنه أضاع الطريق واستقل الحافلة الخطأ كما يقول المثل الإيراني أو أُركِب فيها عن سابق إصرار وترصد، فقد صار الهدف أداة وشيئًا في خدمة السيد الجديد المعولِم رأس المال الجشع، وسُدّت أبواب التكامل على الإنسان حتى في ميدان العلم أحيانًا بطريقة لبقة مؤدبة تحت عنوان حماية الملكية الفكرية المجحفة التي تمنع الدول الفقيرة من إنتاج الأدوية الحسّاسة بأسعار رخيصة, وأحيانًا تحت عناوين تنقصها اللباقة وتتصف بدرجة عالية من الوقاحة، فربما أستطيع بعد عناء وجهد كبيرين تفهُّم أن تُمنع دولة إسلامية من امتلاك أسلحة نووية، ولكن يؤلمني إلى حد القهر أن يكون هذا المنع تحت شعار احتمال امتلاك القدرة على إنتاج هذه الأسلحة، وفرق كبير بين المنع من إنتاج السلاح النووي وبين المنع من القدرة على إنتاجه. وهذا النمط من الأخطاء واحدة من اشتباهات تقارير التنمية فإنها تتحدث عن كثير من أعراض مرض التخلّف وتحاول تقديم علاجات لها، ولكنها تغفل أو تتغافل عن أن معالجة الأعراض لا تنفع إن لم يستأصل المرض من الأعماق.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - سورة الرعد: الآية 11.

[2] - سورة النساء: الآية 97.

[3] - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، مصدر سابق، ج 16، ص 94.

[4] - ترجمة بتصرف لبيتين من شعر محمد إقبال اللاهوري.

[5]- سورة القصص: الآية 77.

[6] - سورة هود: الآية 61.

[7]- المحدث النوري، مستدرك وسائل الشيعة، ط 2، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1408 هـ، ج 13، ص 460.

[8] - سورة الإسراء: الآية 70.

[9] - سورة البقرة: الآية 34.

[10] - سورة البقرة: الآيات 31، 32، 33.

[11] - الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، الخطبة 113.

[12] - المصدر نفسه، الخطبة 145. تنتضل: أي تترامى

[13] - المصدر نفسه، باب الحكم، الحكمة 131.

 

115%