رسالة النجف

دعاء الفرج

 

دعاء الفرج

السيد جعفر الحيدري1

إن هذا البحث الذي أقدّمه بين أيديكم يرتبط بأحد أهمّ الأدعية الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، والذي يُعرف بدعاء الفرَج للإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرَجَه الشريف وجعلنا من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمستشهدين بين يديه صلوات الله وسلامه عليه..

وقد نقلَ الراوي لهذا الدّعاء الشريف عن أهل البيت (عليهم السلام) بأنه مما يُدعى به في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك، وهي المظنون كونها ليلة القدر في أكثر الروايات، بل صريح بعضها.

وبحسب تعبير الرواية الشريفة عن محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين (عليهم السلام)، قال:

(تكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذا الدعاء ساجدًا وقائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال، وفي الشهر كله، وكيف أمكنك، ومتى حضرك من دهرك، تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي "صلى الله عليه وآله": اللهم كن لوليك... الخ).

إذن فالدعاء - على اختصاره - هو من الأدعية المهمّة جدًا، والذي يُدعى به في ليلةٍ هي أهمّ وأفضل ليالي السنة، وفي شهر هو خير شهورها، بل يُدعى به في كل حال ومتى حضرك من دهرك.. كلّ ذلك لأهميّته العظيمة وفائدته الجليلة كما يستفاد من الرواية الشريفة المنقولة في عيون الكتب، وهو المستفاد أيضًا من سيرة علماء الإماميّة ومتشرّعيهم على امتداد الزمان..

وهذا إن دلّ عن شيء فهو يدلّ على الاهتمام البالغ والشديد بهذا الدعاء الشريف وبمضامينه العظيمة بلا شك.

ولستُ في هذا البحث بصدد التركيز على أهمية هذا الدعاء أو على المعاني الجليلة التي تضمنها أو المعاني السامية التي يريد أهلُ البيت عليهم السلام أن يركزوها في أذهاننا وقلوبنا من أجل التفاعل مع الوجود المقدّس لولي الله الأعظم الإمام المهدي المنتظر سلام الله عليه في كل وقت وحال، والارتباط به وانتظار ظهوره الشريف..

موضوع البحث

وإنما أردت الالتفات - مع الأخذ بنظر الاعتبار تلك الأهمية له - إلى فقرة من فقرات هذا الدعاء الشريف، لا أظن أنها بهذه الصيغة التي يقرأ المؤمنون بها ويكتبون، بل لعلّ هناك تصحيفًا أو سهوًا أو غلطًا وقع من الناسخ لها، وهي فقرة (وتُمتّعه فيها طويلاً)، وهذا ما سيتضح من خلال تحقيق الحال فيما يأتي، عسى أن نوفّق لقراءة هذا الدعاء الشريف وغيره من الأدعية الشريفة من دون لحن في الإعراب أو خطأ في الكلمات، حتى يكون تأثيره علينا وعلى الواقع فعّالاً ناجعًا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد رسوله وآله وسلم..

نص الدعاء ومصدره

في البداية نشير إلى أقدم مصدر نقل هذا الدعاء، وهو كتاب الكافي، للشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني أعلى الله مقامه، حيث ذكر في الفروع الجزء الرابع صفحة 162 من كتاب الصيام باب الدعاء في العشر الأواخر، عن محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين (عليهم السلام)، قال:

تكرّر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذا الدعاء ساجدًا وقائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال، وفي الشهر كله، وكيف أمكنك، ومتى حضرك من دهرك، تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله): أللهم كن لوليك فلان بن فلان، في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليًا، وحافظًا، وناصرًا، ودليلاً، وقائدًا، وعونًا [ وعينًا ]، حتى تسكنه أرضك طوعًا، وتمتعه فيها طويلاً..

وهذا النص - مع اختلاف يسير- هو ما يتداوله المؤمنون في مواقع الدعاء ومظانّ الإجابة غالبًا.. ومن المعلوم أن المقصود بفلان بن فلان هو الحجة بن الحسن سلام الله عليه وإنما قضت الظروف في ذلك الزمان إخفاء الاسم، وهكذا التقديم والتأخير في بعض كلمات الدعاء مثل كلمة ناصرًا قبل قائدًا، لا يؤثر في المضمون شيئًًا، خصوصًا مع الأخذ بنظر الاعتبار قاعدة التسامح في أدلة السنن على بعض معانيها، بل مع ملاحظة ورود ذلك التعبير في مصادر أخرى.

المناقشة في فقرة من الدعاء

ولكنّ المهم هو هذه الفقرة التي عقدنا الحديث عنها وهي عبارة (وتمتعه فيها طويلاً) في ذيل الدعاء، فإنه من البعيد جدًا - كما سيتضح - أن تكون هي من النصّ الوارد فيه، بل أنّ الصحيح فيها هو (وتمكنه فيها طويلاً) كما هي في رواية شيخ الطائفة الطوسي للدعاء في كتابه الشريف (تهذيب الأحكام) الجزء الثالث صفحة 102 عند ذكره لأدعية العشر الأواخر من شهر رمضان، حيث نقل نفس الرواية السابقة عن محمد بن عيسى بإسناده عن الصادقين (عليهم السلام) قال:

قال وكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان - إلى أن قال - (أللهم كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليًا، وحافظًا، وقائدًا، وناصرًا، ودليلاً، وعينًا، حتى تسكنه أرضك طوعًا، وتمكنه فيها طويلاً)..

والملاحَظ أن التعبير الموجود في هذا النصّ هو بالضبط ما عليه سيرة العلماء والمؤمنين عند قراءَتهم لهذا الدعاء الشريف، من دون تقديم وتأخير وتغيير، عدا هذه الفقرة الموجودة في ذيل الدعاء، والتي أشرنا إليها آنفا..

وهذا الأمر - أعني التقديم والتأخير - وإن كان لا يؤثر في هذا العمل المندوب كثيرًا مع الالتفات إلى قاعدة التسامح، ولكنه يدعو إلى التأمّل قليلاً لمعرفة النص الصحيح أو الأصح على أقل تقدير، خصوصًا مع الأهمية الكبرى لهذا الدعاء الشريف والتي أشرنا إليها في بداية البحث..

وأما ما يرتبط بالفقرة الأخيرة - محل الكلام - فإن ما أظنّه بل أعتقد به هو أنّ العبارة الصحيحة فيه هي (وتمكنه فيها طويلاً) دون غيرها..

وليس هذا لأجل ورودها في رواية الشيخ الطوسي للدعاء فحسب - خاصة وأن الشيخ أعلى الله مقامه أراد بها نفس رواية الشيخ الكليني قدّس الله نفسه كما هو واضح بالمقارنة - بل لأن هذا التعبير هو الملائم لمثل المقام، وهو المستعمل في مثل هذا السياق قرآنًا وسنة نبوية وولويّة..

وأما التعبير الآخر (وتمتعه) فهو غير مستعمل في مثل المقام، ولو على نحو عدم الوجدان، والله العالم..

وحتى يكون الدعاء الشريف - على أهميّته الفائقة - فعّالاً ومؤثرًا وناجعًا فيما يمرّ به المؤمنون من ظروف عصيبة، مع تكالب الأعداء وتواتر أنواع البلاء، ينبغي أن نتحرّى فيه اللفظ الصحيح ليؤثر أثره - ولو بنحو جزء العلة - ويبقى التوفيق الكامل بظهور الأمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف والتزوّد من فيض علمه ولطفه، والتشرّف بالنظر إلى طلعته المباركة غاية عظيمة بل تمام العلة المطلوبة، نرجو من الله أن يتمّها علينا قريبًا عاجلاً، وما ذلك على الله ببعيد..

البحث في معنى الصيغتين لغة واستعمالا

ولكي يتضح الحال بشكل أدقّ، سوف أتناول بالبحث معنى هاتين الكلمتين لغة، وكذلك موارد استعمالهما في الكتاب والسنة، حسب ما استطعت الظفر به من ذلك، كما سأشير إلى ما ورد من الروايات الشريفة لتطبيق هذه الكلمة أو تلك في موارد استعمالها.. والله ولي التوفيق:

قال في لسان العرب في مادة (مكن): ((الجوهري: مكنّه الله من الشيء وأمكنه منه بمعنى. وفلان لا يمكنه النهوض أي لا يقدر عليه. ابن سيده: وتمكن من الشيء واستمكن ظفر، والاسم من كل ذلك المكانة))([1]).

فالمكان هو مقر الشيء من الأرض، والإمكان والتمكين الإقرار، والتقرير في المحل، وربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشيء من الأمور المعنوية كالمكانة في العلم وعند الناس، ويقال أمكنته من الشيء فتمكن منه أي أقدرته عليه فقدر عليه، وهو من قبيل الكناية.

وقال الراغب الأصفهاني في مفرداته: ((ويقال مكنته ومكنت له فتمكن، قال {ولقد مكناكم في الأرض - ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه - أولم نمكن لهم - ونمكن لهم في الأرض - وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم } وقال { في قرار مكين } وأمكنت فلانًا من فلان... الخ))([2]).

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ}([3]).

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ}([4]).

{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ}([5]).

{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}([6]).

{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}([7]).

{فِي قَرَارٍ مَكِينٍ}([8]).

وأما في استعمال القرآن الكريم:

قوله تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}([9]).

فقد ورد في تفسير هذه الآية عدد من الأحاديث التي تبيّن أن المراد منهم هم الأئمة الطاهرون عليهم السلام، وخاصة الأمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف..

وهنا أشير إلى رواية واحدة في المقام وهي ما أورده العلامة المجلسي في البحار ج24 ص165 - عن كنز الفوائد للكراجكي - عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ}.. الآية، قال: (هذه لآل محمد، المهدي وأصحابه يُملّكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدين, ويميت الله عز وجل به وبأصحابه البدع والباطل, كما أمات السفهة الحقّ، حتى لا يرى أثر من الظلم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولله عاقبة الأمور).

وأيضًا قوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}([10]).

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي ج7 ص 266 في شرحه لها:

(يعني دين الإسلام الذي أمرهم أن يدينوا به, وتمكينه أن يظهره على الدين كله, كما قال: " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ". وقيل: تمكينه بإعزاز أهله وإذلال أهل الشرك, وتمكين أهله من إظهاره بعد أن كانوا يخفونه).

وحول نفس هذه الآية الشريفة ذكر الشيخ علي بن إبراهيم القمي في تفسيره بأنها نزلت في القائم من آل محمد صلوات الله عليه. تفسير القمي ج1 ص14.

وروى الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة ص240 ما يؤكد ذلك أيضًا.

وأيضًا قوله تعالى {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}([11]).

{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}([12]).

فقد ورد في عدد من الأخبار عند تفسير هذه الآية، الإشارة إلى الإمام الحجة سلام الله عليه، وأنه هو المقصود فيها... بل ورد في أخبار أخرى استشهاد الإمام المهدي بهذه الآية على نفسه الشريفة، كما في رواية السيدة حكيمة لولادته سلام الله عليه.

وأما مجيء هذه الكلمة ومشتقاتها في القرآن الكريم في نفس السياق ولكن من دون ورود روايات تطبّقها على الإمام المهدي سلام الله عليه، فهي عديدة، منها:

قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا}([13]).

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}([14]).

وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}([15]),

وقوله تعالى: {فلمّا كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين}([16]).

وقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}([17]).

وقوله تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}([18]).

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ}([19]).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1. كاتب وطال في حوزة قم المقدسة .

 

[1] - لسان العرب ج13 ص164.

[2] - مفردات غريب القرآن ص471.

[3] - سورة الأعراف: من الآية10.

[4] - سورة الأحقاف: من الآية26.

[5] - سورة القصص: من الآية57.

[6] - سورة القصص: من الآية6.

[7] - سورة النور: من الآية55.

[8] - سورة المؤمنون: من الآية13.

[9] - سورة الحج:41.

[10] - سورة النور: من الآية55.

[11] - سورة القصص:5.

[12] - سورة القصص:6.

[13] - سورة الأنعام: من الآية6.

[14] - سورة الأعراف:10.

[15] - سورة يوسف: من الآية56.

[16] - سورة يوسف 54.

[17] - سورة الكهف:84.

[18] - سورة القصص:57.

[19] - سورة الأحقاف: من الآية26.

 

.

تتمة مقال - دعاء الفرج (الحيدري)

وأما ما ورد بهذه اللفظة ومشتقاتها بنفس السياق في أحاديث أهل البيت أو أدعيتهم سلام الله عليهم، فمنها:

ما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة التي رواها الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج2 ص277، ورواها غيره كذلك عن الإمام الهادي عليه السلام بقوله (..... وقلبي لكم مسلّم ورأيي لكم تبع ونصرتي لكم مُعدّة، حتى يحيي الله تعالى دينه بكم، ويردّكم في أيامه، ويظهركم لعدله، ويمكنكم في أرضه، فمعكم معكم لا مَعَ عدوّكم، آمنت بكم، وتوليت آخركم بما توليت به أولكم، وبرئت إلى الله عز وجل من أعدائكم..... الخ).

وفي المقنعة للمفيد ص329 باب شرح الصلاة على النبي والأئمة (عليهم السلام)، الواردة في كل يوم من شهر رمضان، يقول:

ويتبع هذا التسبيح بالصلاة على محمد وآله، على ما جاءت به الآثار، فتقول: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، لبيك يا رب وسعديك، اللهم صل على محمد وآل محمد - إلى أن يقول في آخر الصلاة - اللهم صل على الخيرة من ذرية نبيك, أللهم اخلف نبيك في أهله، اللهم مكّن لهم في الأرض, اللهم اجعلنا من عددهم ومددهم، وأنصارهم على الحق في السرّ والعلانية..... الخ).

وروى الشيخ الطوسي هذه الصلاة في مصباح المتهجد ص620, ورواها في التهذيب ج3 ص119, ونقلها السيد ابن طاووس في الإقبال ج1 ص212.

وأيضا ما أورده السيد في الإقبال ج2 ص117 من دعاء الإمام الصادق عليه السلام يوم عرفة, وهو دعاء طويل حيث يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في نهاية ثلثه الأول تقريبًا: (... اللهم صل على محمد وآل محمد الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا, اللهم افتح لهم فتحًا يسيرًا، وانصرهم نصرًا عزيزًا، واجعل لهم من لدنك سلطانًا نصيرًا, اللهم مكّن لهم في الأرض واجعلهم أئمة واجعلهم الوارثين..... الخ).

وقد وردت هذه الصيغة أو أحد مشتقاتها في أدعية أخرى لم نذكرها اختصارًا..

وأما الصيغة الثانية وهي (وتمتعه فيها طويلا)، فقد أشرنا في بداية البحث إلى الظن بل الاعتقاد بعدم كونها من الدعاء، لما أشرنا إليه من عدم ورود مثل هذه الصيغة في نحو هذا الاستعمال وهذا السياق، بل إن ما ورد لهذه الصيغة ومشتقاتها من استعمالات، لا يخرج عن إحدى هذه المعاني الست وهي:

 

( المعنى الأول ): والمراد به التمتع الدنيوي الذي يلائم الكفار والمنافقين والفاسقين، الغافلين عن الآخرة ونعيمها أو جحيمها، وهذا المعنى هو الأكثر في استعمالات القرآن الكريم مثل:

قوله تعالى: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا}([1]).

وقوله تعالى: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}([2]).

وقوله تعالى: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا}([3]).

وقوله تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}([4]).

وقوله تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}([5]).

وقوله تعالى: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}([6]).

وقوله تعالى: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}([7]).

وقوله تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}([8]).

وقوله تعالى {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}([9]).

وقوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}([10]).

وقوله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}([11]).

وقوله تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ}([12]).

وقوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}([13]).

وقوله تعالى : {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}([14]).

وقوله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}([15]).

وقوله تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ}([16]).

وقوله تعالى: {وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ}([17]).

وقوله تعالى: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}([18]).

وقوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}([19]).

وقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}([20]).

وغيرها من الآيات الشريفة التي لم نذكرها اختصاراً.

 

وأما ( المعنى الثاني ) : المستعمل فيه هذه الصيغة ومشتقاتها، فهو بمعنى الحاجة والغرض الشخصي، والتي يُعبر عنها بالأمتعة ونحوها:

كما في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}([21]).

وقوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب}([22]).

وقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}([23]).

وقوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ}([24]).

ولعلّ منه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}([25]).

وكذلك قوله تعالى: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}([26]).  

 

وأما ( المعنى الثالث ): فهو المراد منه إعطاء شيءٍ من المال للزوجة المطلّقة قبل أن يُسمَّ مهرها وقبل الدخول بها .

كما في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ}([27]).

وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}([28]).

وقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً}([29]).

وقوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً}([30]).

 

وأما ( المعنى الرابع ): فهو ما أريد به أحد أقسام الحج، والمعبّر عنه بحجّ التمتع، كما جاء في قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}([31]).

 

وأما ( المعنى الخامس ): فهو أحد قسمي النكاح، أو ما يُعبّر عنه بالعقد المنقطع في مقابل العقد الدائم، كما ورد في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}([32]).

ولا يخفى ما في هذه الاشتقاقات من تداخل وتقارب في معانيها، حيث إن الأصل في كل هذه الصيغ هي مادة واحدة ومصدر واحد، وهو الاستمتاع أو التمتع بالشيء، ولكنّ الاختلاف من جهة الاستعمال أو بالإضافة إلى المستمتِع أو المستمتَع به أو فيه - وقد يتخلف الأمر نوعًا ما، كما في المعنى الثاني بل والرابع حيث صار مصطلحًا فيه مع غض النظر عن تحقق التمتع في الخارج وإن كان الشيء بطبيعته مما يكون فيه الاستمتاع خارجًا - .

وعليه فلا فرق بين المعنى الأول مثلاً وبين المعنى السادس الذي سأذكره إلاّ من جهة الاستعمال وعدمه، أو لنقل - مراعاة للدقة العلمية - من جهة كثرة الاستعمال وندرته، ولذلك فإنّ:

 

( المعنى السادس ): هو التمتع المجرّد، وقد ورد هذا الاستعمال بهذا المعنى في القرآن الكريم في آية واحدة كما أظن، وهي قوله تعالى : {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}([33]).

وفي هذا الاستعمال لا نجد إضافة الاستمتاع إلى الكافرين أو المنافقين أو الفاسقين، وكذلك لم يرد في ضمن الآية الشريفة ذكرٌ لهم، وإن كان خطاب الآية بل والسياق فيها هو لغير المؤمنين كما لا يخفى، حيث ابتدأت الآية بطلب الاستغفار والتوبة، ونتيجة ذلك أنّ الله سوف يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمىً ووقت محدود، ويؤتِ كلّ ذي فضل فضله، وأما إذا لم تستغفروا ولم تتوبوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير...

وأنت ترى أن هذا الاستعمال لم يبتعد كثيرًا عن المعنى الأول الذي ذكرناه، فهو وإن كان حسنًا ولكنه ضمن شروط وقيود ووقت محدود، بل هو أيضًا في سياق الحديث عن غير المؤمنين..

ولذلك كله فنحن لا نجد واحدًا من هذه المعاني الستّ المتقدمة يصلح لأن يكون ضمن دعاء الفرج الشريف للإمام الحجة المهدي المنتظر عجل الله فرجه وسهّل مخرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه وخدّامه والمستشهدين بين يديه.

وإن كلمة (وتمتعه فيها طويلا) لا تناسب أبدًا أن تكون دعاءً منّا لله سبحانه وتعالى من أجل أن يكون وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلاً وعينًا للإمام المهدي سلام الله عليه حتى يمتعه في هذه الأرض طويلاً، بعد أن اتضح بأنّ هذه الصيغة لا تستعمل في هذا السياق..

وعليه فإن عبارة (وتمكنه فيها طويلا) بعد أن عرفنا بأنها المذكورة في كتاب التهذيب للشيخ الطوسي أعلى الله مقامه عند إيراده لنفس رواية الدعاء الشريف هذا، وبعدما اتضح جليًا بأن هذا التعبير هو المستعمل كتابًا وسنة في مثل هذا السياق، وإن كلمة (وتمتعه) لا تناسب المقام بل ولم تستعمل في مثل السياق، ظهر بأن التعبير الصحيح والذي يجب أن يكون هو المستعمل عند قراءَتنا لهذا الدعاء الشريف هي عبارة (وتمكنه فيها طويلا) بلا شك إن شاء الله تعالى..

هذا مضافًا إلى ما أشرنا إليه من احتمال التصحيف لما بين (تمكنه) و(تمتعه) من التشابه والتقارب في خطوط ذلك الزمان خاصة قبل التنقيط كما لا يخفى..

وقد كان هناك نقاط أخرى مرتبطة ببعض جهات الموضوع أعرضنا عنها اختصارًا..

ــــــــــــــــــ

[1] - سورة الأنعام: من الآية128.

[2] - سورة التوبة: من الآية69.

[3] - سورة الفرقان: من الآية18.

[4] - سورة القصص: من الآية61.

[5] - سورة الشعراء: :204- 207.

[6] - سورة البقرة: من الآية126.

[7] - سورة هود: من الآية48.

[8] - سورة لقمان:24.

[9] - سورة الأحزاب:16.

[10] - سورة الحجر:3.

[11] - سورة العنكبوت:66.

[12] - سورة محمد: من الآية12.

[13] - سورة هود:65.

[14] - سورة إبراهيم: من الآية30.

[15] - سورة النحل:55.

[16] - سورة الذاريات:43.

[17] - سورة الأحقاف: من الآية20.

[18] - سورة آل عمران: من الآية14.

[19] - سورة النساء: من الآية77.

[20] - سورة الحديد: من الآية20.

[21] - سورة النور: من الآية29.

[22] - سورة الأحزاب 53.

[23] - سورة يوسف: من الآية17.

[24] - سورة يوسف: من الآية79.

[25] - سورة المائدة: من الآية96.

[26] - سورة عبس: 30 - 32.

[27] - سورة البقرة: من الآية236.

[28] - سورة البقرة:241.

[29] - سورة الأحزاب: من الآية28.

[30] - سورة الأحزاب: من الآية49.

[31] - سورة البقرة: من الآية196.

[32] - سورة النساء: من الآية24.

[33] - سورة هود:3.

 

115%