رسالة النجف

صلح الإمام الحسن (ع)

 

صلح الإمام الحسن (عليه السلام)

دراسة تحليلية

بواعثه - ظروفه - نتائجه

الشيخ حاتم إسماعيل1

أهمية القائد في الأمة:

إن قرار الحرب والسلم, من أخطر القرارات، التي تواجه القائد والمتصدي لسياسة الأمة، لأن اتخاذ موقف في أي منهما يشكل تحديًا فائق الدقّة، بحيث يتوقف عليه مصير أمة بأكملها، أو فئة في كل كيانها، فقد تكون العاقبة الزوال والفناء، وقد تكون النجاح والفلاح.

من هنا, لا بد وأن يتمتع القائد بالقدرة العالية، والحكمة الكافية، التي تؤهّله لاتخاذ الموقف المناسب، الذي تقتضيه مصلحة الشعب أو الأمة التي يقودها.

إلا أن ميزان النجاح والفشل لا يتمثّل بمجرد كسب جولة في المعركة، أو انتصار في الحرب بالمعنى العسكري والميداني، كما هو شائع بين الناس على العموم. وإنما يتحدّد ميزان الربح والخسارة, في مدى قدرة المتصدي للمسألة العامة, على إيصال الأمة, والفئة التي يقودها، إلى شاطئ الأمان، بحيث تحقق الهدف المرجوّ والغاية والمنشودة.

وعلى هذا الأساس يكون الحكم على مدى نجاح القائد، وجدارته بالموقع الذي يشغله، لأنه بمقدار ما يؤمّن للفئة استمرارية أطول، وصمودًا في وجه النوائب أشد، وبمقدار ما يؤسّس لمرحلة لاحقة تتقوّى فيها دعائمها، بمقدار ما يستحق القائد الثناء والمدح، وإن خسر جولة بحسب ظاهر الأمور.

وفي المقابل، فإنه بمقدار ما يعجّل في هلاكها وزوالها، من خلال مواقفه المتهوِّرة والمتسرّعة, بمقدار ما يستحق الإهانة والنسيان، وإن ربح جولة في معركة، أو كسب المعركة كلها بحسب ظاهر الأمور.

والمثال على نجاح القائد، في اتخاذ القرار الصائب, حركة الإمام الحسين (عليه السلام) في سنة 61 للهجرة، إذ إن معركته كانت خاسرة من الناحية الميدانية والعسكرية المباشرة، إذ قد انتهت باستشهاده، واستشهاد كافة إخوته وأبنائه وأصحابه، بالإضافة إلى سَبي نسائهم، ولا يتوهم عاقل أنه ربح المعركة في الميدان بهذا القتل والسبي.

إلا أن أثر الواقعة كان كبيًرا على الأمة الإسلامية كلها، وعلى بني أمية بشكل خاص، حيث اندلعت الحركات الناقمة على حكم الأمويين، ولم تهدأ إلا بزوال ملكهم. كما أنها أعادت إلى الدين بهجته ورونقه في قلوب الناس وضمائرهم، وأدّت إلى عودة المفاهيم الصحيحة للإسلام بعدما اندثرت معالمه وحقائقه, ودخلت عالم النسيان, أو كادت، ولهذا كانت حركته (عليه السلام) خالدة، وانتصرت على المستوى الاستراتيجي.

وأما يزيد بن معاوية فيمثّل النوع الثاني من القيادة، فإنه قد ربح المعركة ظاهريًا ضد الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن العاقبة كانت وخيمة عليه، وعلى ملك بني أمية عمومًا، ذلك أن قراره حرب الإبادة على أهل البيت عليهم السلام قد أدّى إلى زوال الحكم الأموي، كما أشرنا، كما أدّت بيزيد إلى الرمي في مهملات التاريخ, الناقم على كل سلوكه وتصرفاته، ذلك أن مأساة كربلاء قد دفعت به إلى الاعتقاد بقدرته على فعل ما يشاء، فكان أن ضرب الكعبة بالمنجنيق، وأعمل القتل والسبي وإعاثة الفساد في المدينة وأهلها، فازدادت النقمة عليه، فصار بذلك مثالاً للقائد الأرعن، الذي لا يكون مصير أمثاله إلا كمصيره.

والتاريخ مليء بالشواهد على كل من النموذجين للقائد والقيادة, وسيظهر أن الإمام الحسن (عليه السلام) يمثّل النموذج الأول بأرقى معانيه, وأسمى درجاته, وأن معاوية يمثل النموذج الثاني بأجلى مظاهره.

فالقائد الحكيم إذن, هو القادر على اتخاذ الموقف المناسب، والذي تقتضيه مصلحة الأمة أو الجماعة، مهما كان قاسيًا ومرًّا, بالنسبة إليه, على المستوى الشخصي، فإن المهم بالنسبة إليه هي الجماعة وإيصالها إلى أهدافها لا الفرد من خلال مصلحته الآنية.

وتتجلّى حكمة القائد بحسن قراءته للوقائع والأحداث, المحيطة به من عديدٍ وعتادٍ، ومدى التزام مناصريه بقراراته، وإيمانهم بحقّانية القضية المدروسة، ومدى تفانيهم في نصرتها، على نحو يكون قراره منسجمًا مع هذه الأمور، بما يناسب الهدف الأسمى للجماعة والأمة، التي يقودها.

من ناحية أخرى، لا بد من دراسة موقع الخصوم، ومدى تماسكهم وترابطهم، وإيمانهم بالقضية، التي يقاتلون لأجلها، بالإضافة إلى مدى التفافهم حول القائد المحرّك لهم, وإمكانية الانتصار عليهم, سواء على المستوى الميداني في الحرب إن نشبت، أو على المستوى الفكري النظري، إن كان الملجأ هو الحوار والمجادلة.

فإذا أحسن القائد قراءة مواقع المعسكرين قراءة واقعية وعقلانية، استنادًا إلى الميزان الذي يتحرّك على أساسه، أمكنه أن يتّخذ القرار المنطقي الصائب، والذي يخدم هدفه الأسمى، وغايته الكبرى.

وعلى هذا الأساس فإن الحكم على صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية سلبًا أو إيجابًا، خاضع لا محالة, لدراسة هذه العوامل من كافة الجوانب، ومقارنتها مع النتائج التي أدّت إليها.

طبيعة المجتمع العراقي:

من المعلوم أن معسكر الإمام الحسن (عليه السلام) كان مؤلفًا من أهل العراق على العموم، وهم الذين كانوا في صف أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبله، فهم أعوانه في حرب الجمل، وعلى أيديهم دارت الدائرة على الخوارج، الذين كانوا منهم كذلك، وهم الذين أكرهوه على قبول التحكيم في معركة صفين، ورجالهم كانوا أول من بايع الإمام الحسن (عليه السلام) بعد استشهاد الإمام علي (ع)، فشكَّل الإمام (عليه السلام) جيشه لقتال معاوية منهم.

إلا أن هذا الوقوف التاريخي في صفّ علي (عليه السلام) وأهل بيته، لا يعني أنهم كانوا مؤمنين به حقّ الإيمان، وعارفين بحقّه حقّ المعرفة، وإنما أَمْلَت عليهم هذا -الوقوف إلى جانبه-, مجموعة من الظروف، هي التي دفعتهم إلى اتخاذ هذا الموقف.

وبعبارة أخرى، إن وقوفهم إلى جانب علي (عليه السلام) لا يشكل وثيقة تدل على أنهم كانوا من شيعته بالمعنى العقائدي، لأن دوافع المناصرة أعم من الإيمان والاعتقاد، فقد يكون الدافع إليها البحث عن الغنيمة والمال، وقد يكون الترؤس والزعامة، وقد يكون ناشئًا من مجرد الحماس والاندفاع العاطفي، وقد ينشأ من غيرة ونكاية في الطرف المقابل، وكرهًا له.

هذا من الناحية النظرية، وأما من الناحية الواقعية والعملية، فإنه يمكن القول أن أهل العراق كانوا أنصارًا لعلي (عليه السلام), على مستوى كافة الدوافع والخلفيات, باستثناء الدافع العقائدي، ذلك أنهم لم يكونوا يرونه إمامًا مفترض الطاعة بأمر الله تعالى، بل كانوا يرون فيه القائد المحنّك، القادر على إيصالهم إلى المقامات المرموقة, والمناصب العالية، التي تمكّنهم من تحصيل الرّفاه والمتعة في عالم الدنيا، كما هو الشأن في كافة الزعماء السياسيين أو القَبليّين, الذين يفتحون خزائن الدنيا للمقرّبين منهم, والمحسوبين في صفهم, وإلى جانبهم، دون أن ننسى البُعد العاطفي الذي تقتضيه جبلة الإنسان وفطرته، مهما كان بعيدًا عن الحق وعن العمل به، بعدما عرفوا من عظمة علي (عليه السلام) وسابقته في الإسلام، ومدى قربه من الرسول الأعظم (صلى الله عليه آله)، مع ما عاينوه منه ومن شدة إخلاصه وبأسه في ذات الله تعالى.

إن أهل العراق يتشكَّلون بغالبيتهم من رجال القبائل وعوائل المقاتلين، الذين فتحوا العراق في خلافة عمر بن الخطاب، والذين كانوا يرونه محقّقًا لطموحاتهم، ومغذّيًا لأطماعهم، بعدما بنى مدينتي الكوفة والبصرة وأسكنهم فيها، وولّى عليهم أبا موسى الأشعري ليفقههم في الدين، ولذلك فإن أساس ارتباطهم بالدين محبة عمر بن الخطاب، ولا يمكنهم أن يرضوا بأي نقد أو موقف سلبي له, وهو الذي فتح لهم أبواب الدنيا من كل جانب بحسب زعمهم.

ومن الظاهر أنه لم يكن ليخفى عليهم موقف علي (عليه السلام) من الخلافة، ولا رأيه في الخلفاء الذين سبقوه, كما لم يخفَ عليهم موقف عمر بن الخطاب وغيره من رجال السلطة الحاكمة، من علي (عليه السلام) وأهل بيته, وبالتالي فلا يمكنهم أن يكونوا في صفّ علي (عليه السلام) من الناحية العقائدية.

وتظهر هذه الحقيقة جلية, بملاحظة أن الإسلام الذي تربّوا عليه, هو إسلام عمر عن طريق أبي موسى، الذي كان مخالفًا لعلي (عليه السلام)، ولشيعته وخطّه، وهو الذي عمل على تخذيل الناس عن نصرة علي (عليه السلام) في حرب الجمل، وجهد في حثّهم على عدم بيعته، بعد مقتل عثمان، وكان واليًا على البصرة حينها، وهو أحد قطبي مؤامرة التحكيم في حرب صفين التي أدّت إلى جعل معاوية قرينًا لعلي (عليه السلام) بمسألة الخلافة في أذهان الناس، وكان العراقيون قد فرضوه عليه (عليه السلام)، رغم تحذيره الشديد لهم منه.

وقد بيّن لهم الإمام الحسن (عليه السلام) هذه الحقيقة, يوم استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام), فقد جاء الناس إليه, وقالوا: أنت خليفة أبيك, ووصيه, ونحن السامعون المطيعون لك, فمرنا بأمرك, فقال لهم: كذبتم والله, ما وفيتم لمن كان خيرا مني, فكيف تفون لي, وكيف أطمئن لكم ولا أثق بكم؟([i]).

وقد قطع الإمام الباقر (عليه السلام)، كل شك في هذه القضية، حين توجّه إلى أهل العراق بقوله - والحديث منقول بالمعنى - : لقد حكَمَكم علي بن أبي طالب يا أهل العراق وقاتل عدوه وعدوكم، وما عرفه منكم خمسون رجلاً حقّ معرفته، وحقّ معرفته إمامته.

وهو ما يتبين بصراحة من خلال استعراض سيرتهم مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنهم بعدما فرضوا عليه قبول التحكيم، رغم تحذيره لهم منه، وإصرارهم على أن يكون الحَكَم من طرفه من كان مخذِّلاً للناس عنه، وهو أبو موسى الأشعري نفسه، الأمر الذي يوحي بنتيجة التحكيم سلفًا، فإنه بعدما انتهى التحكيم نهايته المعروفة، ثارت الجلبة بين الناس، وأعلن بطلان الحكم الذي قضى به الحَكَمَان، أعلن قوم من العراقيين كفر علي (عليه السلام) ودعوه إلى التوبة، ثم أعلنوا الحرب عليه، وتسمّوا بالخوارج، وهناك الكثير من القرائن التاريخية الدالة على أنهم شكّلوا حزبهم قبل مسألة التحكيم، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث مستقل ودراسة مستوعبة.

في هذه الأجواء، أراد علي (عليه السلام) أن يعود إلى المعركة ضد معاوية، ولكن العراقيين امتنعوا عن المشاركة بالحرب، بحجة أن الخوارج -الذين اعتزلوا عليا (عليه السلام)- ربما تعرضوا لنسائهم وأطفالهم وممتلكاتهم، بالسلب والنهب والسبي والقتل، فإنهم بنو قومهم، وكانوا يعيشون بينهم، وهو ما يعني معرفة الخوارج بكافة أحوالهم، فزعموا أنهم إذا انتهوا من الخوارج, وأمّنوا على عوائلهم وأملاكهم عادوا إلى حرب معاوية، فاضطر علي (عليه السلام) لقبول ذلك. حتى إذا قُضي على الخوارج امتنعوا عن دخول الحرب ضد معاوية من جديد.

وقد ورث الإمام الحسن (عليه السلام) مقاليد الأمور في هذا المجتمع المتفكّك، الذي تحكمه العصبيات القبلية، وغير المتبصر في أمور الدين ولا العارف بحق الإمام، والذي لا يجمعه سوى السعي إلى الغنائم، والبحث عن متاع الدنيا بأي ثمن. ولكنه في الوقت نفسه لم يجد بغيته عند علي (عليه السلام)، إذ لم يجدوا في الحروب التي خاضوها تحت لوائه، ما يشبع رغباتهم، في تقسيم الغنائم، من امتلاك الأموال والعبيد والإماء، فإنه لم يقسّم (عليه السلام) من الغنائم سوى السلاح والعتاد، وأما النساء والعبيد والأموال فأرجعها إلى عوائل خصومه، لأنه كان يرى أن عوائل محاربيه من المسلمين، وهذا يعني أنه إذا حلّت دماؤهم بخروجهم عليه إلا أن أموالهم وأعراضهم لا تحلّ لهم، وأما المقاتلون فيرون أن كل ذلك مشروع ما دام قد أخذ في الحرب، لا فرق في ذلك بالنسبة إليهم، بين المسلمين وغيرهم.

وهذا ما أدّى إلى انكفائهم عن الوقوف في صف علي والحسن (عليهما السلام)، بل والحسين (عليه السلام) أيضًا فيما بعد، واستطاع معاوية بن أبي سفيان أن ينفذ إلى قلوبهم من هذه الثغرة، فاشترى ذمم بعضهم بالأموال التي بذلها لهم، مع أنه كان قد نكبهم من قبل، كما حصل مع عبيد الله بن عباس، الذي كان معاوية قد قتل أولاده الصغار، ثم اشتراه بالمال فانقلب إلى معسكره، وأسكت آخرين بوعود كاذبة أرسلها إليهم، فكانت النتيجة اضطرار علي (عليه السلام) إلى قبول التحكيم، والحسن (عليه السلام) إلى قبول الصلح، والحسين (عليه السلام) إلى الاستشهاد في كربلاء.

سبب وقوفهم مع علي (عليه السلام):

وفي هذا المجال يُثار تساؤل، على جانب كبير من الأهمية، عن سبب وقوفهم إلى جانب علي (عليه السلام)، حتى باتوا محسوبين من شيعته ومواليه، وغدا اسم العراقيين قرينًا لعلي (عليه السلام) وللتشيّع، رغم ما تقدّم من أنهم كانوا في الحقيقة من شيعة عمر بن الخطاب، ومن أتباع مدرسته وحزبه؟

إن من الواضح من أدنى ملاحظة للتاريخ، أنه عندما تولى الخلافة عثمان بن عفان، عمل بكل جد، على تقريب بني أمية، وتسليطهم على رقاب الناس، الأمر الذي أدى إلى تحريك العصبيات القبلية عند الآخرين، وإحساسهم بأن كل الإنجازات والامتيازات التي حصلوا عليها أيام عمر بن الخطاب، قد ضاعت سدى، فاندفع الناس إلى من يعمل على إعادة هذه المكاسب إليهم، فلم يجدوا غير علي (عليه السلام) قادرًا على تحقيق هذه الآمال لهم.

ولما كان معاوية أقوى الولاة على الإطلاق، فإن من الطبيعي أن تتوجّه أنظار بني أمية وحزبهم إليه، وهو ما ظهر جليًا في سياسة عثمان، الذي كثيرًا ما كان يلجأ إليه في ضرب المتمردين على سياساته، والسعي إلى القضاء على حركاتهم المناهضة له، حيث كان يوجّه رؤوسهم إلى معاوية، ليُعمل عقابه فيهم، من قبيل ما عاقب به أبا ذر الغفاري وسواه من المؤمنين، الذين لم يرتضوا سياسات عثمان.

إن تقريب أصحاب معاوية في إدارة دفة الحكم، نظرًا لما تقدم من إعجاب العرب بالنظم التي كانت قائمة بينهم، إضافة إلى إعجابهم التاريخي بأهل الكتاب، هذا الإعجاب الذي تمتد جذوره إلى ما قبل الإسلام، إن هذا التقريب سيؤدي لا محالة إلى انقلاب العراقيين، وهم من العرب كما ذكرنا، ضد سياساته، فهو في الحقيقة عبارة عن موقف معارض لسياسات عثمان, أكثر منها انسجامًا مع خط علي (عليه السلام) ومواقفه وأهدافه.

وهنا تتجلى عظمة علي (عليه السلام)، الذي استطاع أن يجعل منهم أنصارًا له، يقاتل أعداءه بهم، رغم ما هم عليه من بعد عن خطه من الناحية الفكرية، ثم يصيّرهم متعاطفين مع هذا الخط الفكري الأصيل، بل استطاع أن يجعل من بعض رجالهم أخلص أصحابه وأصدقهم، من أمثال صعصعة بن صوحان، ورشيد الهجري وأمثالهما، وشيئًا فشيئًا صاروا شيعة حقيقيين لأهل البيت (عليهم السلام)، ولكن ذلك لم يتجلَّ، إلا بعد استشهاد الحسين (عليه السلام) بأبهى صوره ومعانيه.

ويشير إلى هذه الحقيقة ما قاله عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية للإمام الحسين (عليه السلام) عندما أراد الخروج إلى كربلاء، ونُصْحُهما له بعدم التوجه إلى العراق، لأنهم غدروا بأبيه وأخيه من قبل، ولا يؤمن أن يغدروا به أيضًا، وإن عرف الحسين (عليه السلام) بثاقب بصره المؤيَّد بعلم الإمامة، أن قتله بينهم سيؤجج جذوة الخير فيهم، ويؤسس بذلك لزوال ملك بني أمية، وأنهم سيشكلون البذرة الأولى والأساسية لهذا التغيير في الأمة الإسلامية، وهو ما عمل عليه وأدركه كلٌّ من علي والحسن (عليهما السلام)، ولذلك كان رهانهما على أهل العراق رغم ما لاقياه منهم.

طبيعة المجتمع الشامي:

على النقيض من صفات أهل العراق، كان أهل الشام يتمتعون بصفات تجعلهم في صف معاوية بشكل طبيعي، فقد تعرّفوا على الإسلام أصلاً كما يريد معاوية، ذلك أنه ومنذ فتح الشام، في خلافة أبي بكر، ذهب واليًا على بعض نواحيها، تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات يزيد في خلافة عمر ضمت نواحيه التي كان واليًا عليها إلى إمرة معاوية، وأطلق عمر بن الخطاب يده في كل منطقة الشام يفعل ما يشاء، ويتصرف كما يحلو له، وقد اشتهر عنه أنه كان يصفه بأنه كسرى العرب، ويقول له: لا آمرك ولا أنهاك، وهي طريقة مناقضة لطريقته في معاملة الولاة ومحاسبتهم حيث كان يضرب بعضهم، كما هو المعلوم من سيرته.

ويبقى هذا التأييد المطلق لمعاوية, غير مبرّر من الناحية المنطقية، ذلك أن إطلاق يده، لا بد وأن يكون مستندًا إلى إدراك معرفة معاوية الشديدة بالإسلام وخصائصه، ومعرفة مدى حرصه وإخلاصه على هذا الدين، وهو مخالف لما كان عليه معاوية، الذي أسلم كرهًا عام فتح مكة، ولم يُعهد منه إخلاص أو نصح لهذا الدين بعد إسلامه، الأمر الذي يقتضي عكس ما جرت عليه سيرة عمر معه، لو كان عمر حريصًا على مصلحة الإسلام والمسلمين.

واستمر معاوية في حكم أهل الشام، طيلة خلافة عثمان كذلك، فزادت إمارته عليهم على العشرين سنة، اعتادوا عليه فيها، وألفوا طريقته في الحكم، فتربّى صغارهم على الإسلام الذي يريده معاوية، وعليه شاخ كبارهم.

من ناحية ثانية استطاع معاوية أن يحيط بطريقة حياتهم، وأن يتعرّف على طبائعهم، وطرائق تفكيرهم، ونظام مجتمعهم، المختلفة جذريًا عن حياة أهل العراق وطبائعهم، بل وطريقة وطبائع العرب في شبه الجزيرة العربية عمومًا، ذلك أن أهل الشام قد اعتادوا على العيش في الدولة المنظّمة، والارتباط بمركز الحكم، لأنهم عاشوا مدة طويلة تحت الحكم الروماني والبيزنطي، قبل أن يفتحها المسلمون، فاستفاد من ذلك كثيرًا في إدارة أمورهم، وكسب ثقتهم والتفافهم حوله، وهو ما أظهره الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال مخاطبًا أهل العراق: (فيا عجبا والله! يُميت القلب ويجلب الهمّ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم)([ii]).

ويتجلى مدى وثوقهم به من خلال وصفه لهم حين أراد أن يخرج لحرب علي (عليه السلام) يوم صفين، فقال إنه يريد أن يقاتله بمائة ألف لا يفرقون بين الناقة والجمل([iii])، كناية عن شدة ثقتهم به، وتأثيره فيهم، حتى وإن كان ذلك بقلب الحقائق الواضحة لكل أحد، فإنهم لا يتردّدون في قبول قوله، والعمل وفق إرادته، لما في ذلك من تحقيق لمآربهم، وإشباع لرغباتهم ومصالحهم.

إن هذه الصفة وأمثالها, لا يمكن أن تتحقق إلا في مجتمع متراص ومتماسك, من الناحية التنظيمية والإجرائية، ولهذا استعان معاوية بالكثير منهم في تنظيم شؤون مملكته، من أمثال يوحنا الدمشقي وغيره, ممن لم يدخلوا الإسلام أصلاً.

هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا على معرفة كبيرة بالكتاب المقدس بعهدَيه، لأن المسيحية كانت الديانة الرسمية للدولة الرومانية، التي كانوا منضوين تحت لوائها قبل الفتح، وهذا يعني أن الكثيرين منهم، إن لم يكن جميعهم، من معتنقي هذه الديانة، وبالتالي فإن دخولهم في الإسلام نتيجة الفتح الإسلامي، لن يكون ناتجًا عن قناعة واعتقاد صحيح، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الفاتحين الجدد، ومدى معرفتهم وارتباطهم بالإسلام الصحيح، وحرصهم على تطبيق تعاليمه وتنفيذ أحكامه، وملاحظة الغاية التي يبتغونها من وراء الفتح، هل كانت لنشر الدين أم للغنائم والمتاع.

ومن الطبيعي، والحال هذه، أن يكون موقفهم من الدين الجديد سلبيًا, أو حياديًا في أقل الفروض، بمعنى أنه لا يهمهم سوى تحصيل المأمن في ظله، ما دام لم يدخل إلى نفوسهم وقلوبهم، بل يمكن القول أنهم سيعملون على القضاء عليه، من خلال اعتناقهم له، ما داموا لم يستطيعوا ذلك من الخارج.

وهذا ما يتماشى, في المحصّلة النهائية, مع موقف معاوية نفسه, وأمثاله من العرب والقرشيين, الذين دخلوا الإسلام كرهًا، بحثًا عن مغنم أو مقام يرجونه, أو مأمن يركنون إليه.

ويكفي أن نذكر في هذا المجال موقف خالد بن الوليد الذي كان أسر ابنة ملك الروم، في إحدى الغزوات، ثم أرجعها إلى أبيها معززة مكرمة، في الوقت الذي قتل مالك بن نويرة وأصحابه، وسبى نساءهم وذراريهم، واستولى على زوجة مالك ودخل بها من ليلته -وهؤلاء كانوا من المسلمين- لمجرد أنهم امتنعوا عن دفع الزكاة لأبي بكر, دون بحث عن سبب امتناعهم، بل دون قبول عذرهم في ذلك.

إن شعبًا يتمتّع بما يتمتّع به أهل الشام، من خلفية ثقافية، وتاريخ حضاري، وبعد ديني، لن يكون قادرًا على تقبل الوضع الجديد بسهولة، والذي يعني في أبسط صورة أن يخضع لأمة لا تاريخ لها ولا تراث، وفضلاً عن ذلك يرون أنفسهم مضطرين للدخول في الدين الجديد، خصوصًا وأن الفاتحين الجدد لم يُظهروا لهم محاسن هذا الدين، ومواطن القوة التي تخاطب الفطرة والوجدان، وتحرك العقل وتحثه على التأمل والتفكير، وكيف يفعلون ذلك وهم لا يرونه مشتملاً على هذه الصفات والخصائص؟!

فمن الطبيعي إذن أن لا يكون هؤلاء القوم في صف علي (عليه السلام) والحق، خصوصًا إذا استطاع الحاكم الجديد أن يصل بهم إلى أعلى المناصب والمقامات، وإن ظلوا على قناعاتهم السابقة، وديانتهم التي اعتادوا عليها، كما هو الحال بالنسبة ليوحنا الدمشقي.

يتبع =

ــــــــــــــــ

الهوامش

1. باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية.

[i]- بحار الأنوار, ج44, ص43.

[ii] - نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده: 1/69.

[iii] - الغدير، الشيخ الأميني: 10/169

 

 

تتمة مقال = صلح الإمام الحسن (الشيخ حاتم إسماعيل)

أثر الحروب على المجتَمَعين:

يتبين من مقارنة سريعة وبسيطة، لطبيعة كل من المجتمعين، استنادًا إلى ما تقدم ذكره بإيجاز شديد:

1ـ إن المجتمع العراقي مفكك، محكوم بالعصبيات القبلية، لا يمتلك قضية يدافع عنها ويقاتل لأجلها بقوة وجدية، وهذه كانت طبيعة الإنسان العربي على العموم, ذلك أن البحث عن الغنائم لا يعني أكثر من السعي إلى ترف العيش ورغده، ظنًا من الباحث عنها أنه بالمال والمكسب المادي, يحقّق سعادته وراحة باله. فإذا تعارض ذلك مع الإبقاء على حياته -خصوصًا إن خاب أمله في تحصيلها- كما حصل للعراقيين مع علي (عليه السلام)، آثر الدعة والبقاء، على الإقدام وارتكاب الأهوال، وإن كان في ذلك كرامته وعزته.

وهذا بخلاف أهل الشام الذين وجدوا في معاوية ضالتهم، وحقّق معاوية فيهم أمانيه، فأخلصوا له وارتبطوا به، لما يرونه في هذا الارتباط من تحقيق لآمالهم، وإشباع لرغباتهم، في تحصيل المال والجاه والسلطان، خصوصًا إذا كان هذا الارتباط بمعاوية لا يؤثر سلبًا على رؤيتهم للحياة والدين، بل يخدمها ويتماشى معها.

2- إن العراقيين لما كانوا يفتقدون الهدف النبيل، والغاية الشريفة من قتالهم وحروبهم، فإن من الطبيعي أن تفتر هممهم، وتتهاوى عزائمهم، مع ويلات الحرب ومآسيها، ويتأكد ذلك عندما لم يروا المكاسب التي كانوا يرجونها مع الانتصار لعلي (عليه السلام)، فكان ذلك قمة الخلاف بين مبدأ العراقيين ومبدأ علي (عليه السلام) في الحياة، ما جعلهم ينقمون على الحرب، ويسعون بالتالي إلى التسليم والدعة، في ما يزعمون، وإن لم يتحقق لهم ذلك من الناحية الواقعية، فإن معاوية قد أذلّهم وأظهر كل جبروته فيهم من بعد.

وأما أهل الشام فإن هدفهم في طور التحقق، وغايتهم في معرض التنفيذ، بعدما لم يتقيدوا بقوانين هذا الدين، ولم يكن لهم من هم سوى تحصيل الغنيمة، وهي غاية تتوافق مع مطامح العراقيين، إلا أن الفرق بينهما هو أن أهل الشام قد اتفقت غايتهم مع قائدهم الجديد، فأعطاهم ذلك دفعًا قويًا في القتال تحت لوائه ورايته، بخلاف ما كان عليه حال أهل العراق مع إمامهم وقائدهم.

3- لقد وجد العراقيون أن الامتيازات التي حصلوا عليها أثناء خلافة عمر بن الخطاب، لا يمكن استرجاعها، أو المحافظة على ما بقي منها، إلا مع معاوية، خصوصًا وأنهم قد اطّلعوا، بدون شك، على موقف عمر منه، والمدائح التي كان يطلقها بحقه، إلا أنهم ومن ناحية أخرى كانوا قد التزموا بمبايعة علي (عليه السلام) في الخلافة، والالتزام بالبيعة من طبيعة العربي أصلاً، فلا يأمنون بالتالي على أنفسهم إن هم نقضوا بيعتهم وانحازوا إلى صف معاوية، بعدما تأججت الصراعات بين أهل العراق وأهل الشام على أكثر من صعيد، الأمر الذي أدى إلى تذبذب واضح في مواقفهم، وطريقة معالجتهم للأحداث والمشاكل، لأن لازم ذلك أنهم قد وقعوا بين أمرين أحلاهما مرّ، فمن ناحية لا يمكن خوض الحرب إلى جانب علي (عليه السلام)، إذ لا أمل لهم في الحصول على مغنم أو مكسب يرجونه، ومن ناحية أخرى لا يضمنون تحصيل ذلك، إن هم تركوه وانحازوا إلى صف معاوية، وأهل الشام معه، فآثروا الراحة والدعة، والابتعاد عن الحرب، طلبًا للسلامة، وبحثًا عن النجاة.

إن هذه الصفات تبدو ظاهرة وواضحة في أهل العراق من خلال قراءة كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) الحاكية عن وصف حالهم، واليأس منهم، وهي كثيرة ومبثوثة في مختلف خُطبه وكلماته في نهج البلاغة وغيره، وقد وصل به الحال إلى أن يتوجه إلى الله عز وجل بقوله: (اللهم إني قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني، فأبدلني خيرًا منهم وأبدلهم شرًا مني).

وأما أهل الشام فلم يتغير أي شيء يؤثر على تماسكهم في موقفهم وقناعاتهم، بل إن التطورات التي حصلت في صفين وما بعدها من غارات وحملات على البلاد الواقعة تحت سلطة علي (عليه السلام)، قد قوَّت عزيمتهم، وزادت من تصميمهم على الثبات إلى جانب معاوية، وقد يكون ذلك بعضًا من الثأر من العراقيين، الذين كانوا في الأساس من المقاتلين الذين تحققّت الكثير من الفتوحات على أيديهم، خصوصًا وأن الشاميين يرون أنفسهم أقدم وأعرق في تحكيم النظام على مجتمعهم من العراقيين الذين هم بقايا القبائل العربية إن صح التعبير، وهي ميزة يرون أنها تؤهلهم للانتقام منهم بقوة، في محاولة إعادة الاعتبار لأنفسهم وقوتهم، دون أن يؤدي ذلك إلى إثارة المسلمين ضدهم من جديد، إن هم أظهروا أنهم فئة منهم.

الكوفة أيام الحسن (عليه السلام):     

لقد كانت الكوفة حاضرة العراق وعاصمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومركز الثقل والقرار فيه، وهذا ما يفترض أن يدخلها مختلف أصناف الناس ويسكنونها في زمانه، من خاصة أصحابه (عليه السلام) الذين وفدوا إليها، ومن مواطنيها الذين كانوا منقسمين في ما بينهم إلى جماعات وأحزاب، فقد كان فيهم المتعاطفون مع علي (عليه السلام)، وفيهم الحزب الأموي, الذي كان يعمل في الخفاء لتأليب الناس ضده، والخوارج، والشكّاك الذين تأثروا بمقولة الخوارج فأضاعوا الحق، والمذبذبين الذين ليس لهم موقف واضح من الأحداث، وسواهم.

وأثار مقتله (عليه السلام) عواطفهم، وأجّج مشاعرهم، فاندفعوا بمجملهم لبيعة الإمام الحسن (عليه السلام) بعده، إما اتباعًا واقتناعًا، أو خوفًا وتملقًا من هياج الناس ضدهم، أو كرهًا ببني أمية وخوفًا من شرورهم، وقد كانت له بعد استشهاد أمير المؤمنين مباشرة، خطبة مؤثرة في الناس، ويبدو أنها قد كان لها وقع مهم في نفوسهم، حيث بين لهم موقعه في الإسلام وفيهم، فقام عبيد الله ابن عباس ودعاهم إلى مبايعته([1])، (وكان أول من بايعه قيس بن عبادة الأنصاري، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المُحلِّين، فقال الحسن (عليه السلام): على كتاب الله وسنة رسوله, فإنهما يأتيان على كل شرط، فبايعه الناس، وكان الحسن (عليه السلام) يشترط عليهم: أنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت. فارتابوا بذلك, وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال)([2]).

ويكشف هذا النص عن مدى فَرَق العراقيين من الحرب، وعن عدم اقتناعهم بها، ويشير أيضًا إلى أنهم قد بايعوه رجاء السلامة، واعتقادًا منهم أنه لن يسير بسيرة أبيه (عليه السلام)، فكان شرطه عليهم مسفرًا عن سرائرهم وخفايا أفئدتهم.

ولما بلغ معاوية خبر استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبيعة الناس لابنه الحسن (عليه السلام)، دس رجلاً من حِميَر إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويُفسدا على الحسن الأمور، وعرف الإمام الحسن بذلك فاستخرجهما من مخبئيهما وضربت عنقاهما([3]).

الاستعداد للحرب:

إن أول عمل قام به الإمام الحسن (عليه السلام) أنه زاد عطايا المقاتلين مائة مائة، كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل([4])، ثم أرسل إلى معاوية بعد قتل الجاسوسين في البصرة والكوفة، رسالة جاء فيها: (أما بعد، فإنك دسست إليّ الرجال كأنك تحبّ اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله...)([5]).

ثم أرسل معاوية رسالة يطلب فيها الصلح, ويمنّي الإمام أن يكون خليفته من بعده، فأجابه الإمام: (أما بعد فقد وصل إليّ كتابك فتركت جوابك خشية البغي عليك. فاتبع الحق تعلم أني من أهله والسلام)([6]).

وأخذ كل من الطرفين، يعبئ رجاله للقتال، وأرسل كل منهما إلى عمّاله ليلتحقوا به في الحرب، ولكن أهل العراق - كعادتهم مع أبيه - لم يتحرّكوا، وأرسل بعضهم إلى معاوية سرًا يستأمنه على عياله وأمواله، وتوالت الخيانات من قادة جيشه، وعلى رأسهم عبيد الله بن عباس الذي انحاز إلى معسكر معاوية وذهب معه سبعة آلاف رجل، نتيجة الدعاية التي كان يطلقها معاوية ويبثها جواسيسه فيهم، حتى تفرق أكثر عسكره، وحاولوا قتله ثلاث مرات، بعدما تلقوا من معاوية وعودًا مفادها: أن من يقتل الحسن فله مائة ألف درهم، وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي. فلم يجد بدًا من أن يذكر اقتراح معاوية الصلح، فقال لأصحابه: (وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة, فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله، فنادى القوم بأجمعهم: بل البقية والحياة)([7]).

وقد حذّرهم الإمام (عليه السلام) مرة أخرى، حين علم بمحاولة قتله، فقال لهم: (ويلكم إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن إنْ وضعتُ يدي في يده فأسلمه، لم يتركني أدين بدين جدي، وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي، ولكن كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقون ويستطعمون بما جعل الله لهم، فلا يُسقون ولا يُطعمون، فبعدًا وسحقًا بما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون)([8]).

ولم يترك الأمام (عليه السلام) تذكير الناس بموقعه ومكانته، حتى بعدما فُرض الصلح عليه، فإنه قد خطب في الناس حين عزم على إبرام الصلح، وكان مما قال لهم: (أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا). وكرّر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه([9]).

إعلان الصلح:

وهكذا اضطر الإمام الحسن (عليه السلام) إلى قبول الصلح، بعدما أتم الحجة على أهل العراق، حفاظًا على البقية الباقية من شيعته وأصحابه، كما صرح (عليه السلام) بذلك في أكثر من مقام، فقد سأله سائل عن السبب الذي دفعه إلى الصلح، فأجابه الإمام (عليه السلام) مُبيّنًا الحكمة في ذلك، وقال فيه: (.. ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل)([10]).

وحين اعترض عليه حجر بن عدي بعدما وافق على الصلح وقال له: (سوّدت وجوه المؤمنين)، فأجابه الإمام (عليه السلام): (ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم)([11]).

هذا مع أن الإمام (عليه السلام) قد بيَّن لهم سبب لجوئه إلى الصلح، فإنه بعدما تمَّت المعاهدة قام في أهل العراق، فقال: (يا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قتْلُكم أبي، وطَعْنُكم إياي، وانتهابكم متاعي)([12]).

وهي أسباب يكفي كل واحد منها في إبراز الوجه الحقيقي لتشيع أهل العراق، كما تقدم الحديث عنه، من أن تشيعهم لرغبة منهم في سبيل الحصول على غاية دنيوية، ولم يكن الدافع لها محض ديني ولا إطاعة الإمام من حيث هو إمام.

وأراد معاوية أن يضلّل الناس من جديد، فصعد المنبر بعد إبرام الصلح وقال: (إن الحسن بن علي رآني أهلاً للخلافة، ولم يرَ نفسه أهلاً لها). فلما فرغ صعد الإمام الحسن (عليه السلام) وخطب فيهم مبينًا فضله وموقعه في الإسلام، قال فيها: (... وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية. نحن أولى بالناس في كتاب الله عز وجل، وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه آله) ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه آله)، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، وتوثَّب على رقابنا وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا في الفيء ومنع أمنا ما جعل لها رسول الله (صلى الله عليه آله).

وأُقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلى الله عليه آله) لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، وما طمعت فيها يا معاوية الخ..)([13]).

بنود الصلح:

رغم أن التاريخ لم يحفظ لنا وثيقة الصلح على نحو متكامل، واكتفى المؤرخون بالقول أن معاوية أرسل إلى الإمام صحيفة بيضاء مختومًا على أسفلها بختمه، وكتب إليه:

أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك([14]).

وكان الإمام قد أرسل صحيفة إلى معاوية ذكر فيها بعض الشروط، التي كان قد كتبها قبل ذلك ولكنها وصلت إلى معاوية متأخرة عن إرساله الصحيفة البيضاء المختومة بخاتمه([15]). على الرغم من ذلك إلا أن بعض بنود الصلح قد ذكرت بنحو متفرق وغير مكتمل في المصادر التاريخية. وهي كما استقاها العلامة آل ياسين وجمعها من مجمل المصادر التاريخية، كما يلي:

1- تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسوله (صلى الله عليه آله)، وبسيرة الخلفاء الصالحين.

2- أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد.

3- أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليًا إلا بخير.

4- استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يسلم إلى الحسين كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصِلات على بني عبد شمس، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد.

5- ان الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويَمَنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحدًا بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.

وإن أصحاب علي آمنون حيث كانوا، ولا ينال أحدًا من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئًا، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه....

ثم كتبها معاوية بخطه، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، وأخذ على نفسه عهد الله وميثاقه بالوفاء بكل ما ورد فيها([16]).

وروى الصدوق (رحمه الله) شرطًا آخر, قال: بايع الحسن بن علي (صلوات الله عليه) معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين, ولا يقيم عنده شهادة الخ..([17]).

ومن الملاحظ انه رغم تشتت جيش الإمام (عليه السلام)، وتأثير معاوية على الكثيرين منهم وشراء ذممهم، إلا أنه كان لا يزال يخشى قوته، وقدرته على قلب المعركة لصالحه، ولذلك بادر إلى إرسال الصحيفة البيضاء ليشترط الإمام ما يريد، وإلا فلم يكن مضطرًا إلى ذلك، لو أنه ضمن النتيجة لصالحه، وهو ما يفسّر قبوله تفضيل بني هاشم في العطاء على بني قومه، الأمر الذي يعني إقراره علنًا بحق بني هاشم وفضلهم على بني عبد شمس، وهو ما لم يُقِر به أموي أصلاً.

تقييم الصلح ونتائجه:

إن مراجعة بنود الصلح التي أفصح التاريخ عنها، تكشف بوضوح، عن مدى ما كان يتمتع به الإمام الحسن (عليه السلام) من دراية وحنكة، وقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والتي يستطيع من خلالها أن يستفيد من عناصر الضعف، ويحولها إلى مواقع قوة، في مصلحة الدين والأمة، ذلك أنه على الرغم مما ابتلي به من تفكّك في جيشه، وخيانة من قادته، وتذبذب وانهزام من أتباعه وأنصاره، فقد كان لا يزال يملك زمام المبادرة، حيث استطاع أن يفرض على معاوية شروطًا هو الرابح فيها على كل حال، لأن معاوية قد أقرّ على نفسه بالبغي عليه وظلمه، سواء التزم ببنود الصلح أم لم يلتزم، إذ أقرّ على نفسه أنه ليس له أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده، بل يرجع الحق إلى أهله، ومعنى ذلك أنه قد اعترف بأنه ليس أهلاً للخلافة أصلاً. كما أن إلزامه بالعمل بسيرة الخلفاء الصالحين يكشف بالملازمة عن أنه لم يكن كذلك، أمام ملأ المسلمين، وخصوصا أهل الشام منهم.

وأما إذا لم يلتزم بالشروط المنصوص عليها، وهو ما حصل بالفعل، فإنه يكون قد فضح نفسه أمام جميع المسلمين، وأثبت من جديد أنه ليس أهلاً لما زعمه من قدرة ودهاء، في السياسة كما اشتهر عنه، لأن القادر في الحقيقة، هو الذي يصل إلى مبتغاه وغايته، من دون افتضاح ولا خيانة عهد، وقد أخذ على نفسه عهد الله وميثاقه على الوفاء بكل شرط شرطه الإمام الحسن (عليه السلام).

ثمة أمر آخر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن الصلح قد أظهر بشكل جلي من هو أهل للقيادة فعلاً، وهو الذي ينطلق من مبدأ الدين، وينتهي إلى أن يكون الدين غايته، مع الحفاظ على المتدينين، والخروج بأقل الخسائر، من معركة لم يكن ميزان القوى المادية لصالحه، هذا إن فرض في موقفه خسارة أصلاً، وبين من يبحث عن التسلّط على رقاب الناس، ضاربًا بكل القيم الإنسانية، والمبادئ الإسلامية عرض الجدار لأجل مصلحته الخاصة، وهو ما كشفه معاوية صريحًا بعد إعلان الصلح، وانقلابه عليه حين صعد المنبر وقال لأهل العراق: (إني ما قاتلتكم لتصلّوا أو لتصوموا وإنكم لتفعلون ذلك، ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد آتاني الله ذلك وأنتم له كارهون).

وفي المحصلة النهائية فإنه لولا صلح الحسن (عليه السلام)، لأمكن أن يظل معاوية مُظهرًا نفسه بمظهر الحريص على الدين وأهله أمام الناس، خصوصا بعد السيل الهائل من الأحاديث التي وضعت على لسان رسول الله (صلى الله عليه آله)، وما جرى عليه الخلفاء من قبله، من تصرفات كانت لصالحه، بحيث أعطته شرعية وقداسة في أذهان الناس، استمرت ما يزيد على العشرين عامًا، خصوصًا تلك التي تحرص على إظهاره من صحابة رسول الله (صلى الله عليه آله)، معلنة عدالة كل صحابي وإيمانه وتقواه، وحجية رأيه مهما كان سلوكه مشينًا، واعتقاده مهينًا، والتي استفاد معاوية منها مدة طويلة.

وقد أسّس هذا الصلح لإبطال بيعة يزيد في ما بعد، وعلى لسان معاوية نفسه، وهو الشرط الذي لم يُبقِ لمعاوية أيّةَ مصداقية في نفوس الناس، بعدما نقض كافة الشروط الواردة في معاهدة الصلح، وهو ما أعطى ثورة الحسين (عليه السلام) الدافع القوي، والحجة الدامغة على جميع العابثين والمتربصين بهذا الدين من كل جانب.

ويمكن القول أنه لولا صلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية، لما أمكن للحسين (عليه السلام) أن ينطلق بثورته المجيدة، ولو انطلق فعلاً بدونه، لما أمكن لها أن تؤتي ثمارها المباركة، من إحياء الدين بعدما اندرست معالمه، وخَفَتَ نورُه، والقضاء على ملك بني أمية، وفضح أكذوبتهم، وتزييف مقولتهم.

ذلك أن استمراره (عليه السلام) في القتال رغم ما حلّ به يعني لا محالة الدخول في المجهول، من دون أية ثمرة ترتجى، إذ لم يكن الناس مهيئين حتى ذلك الوقت لقبول أي تشكيك في سلوكيات من أعطى معاوية تلك الهالة والشرعية، وبالتالي ستكون النتيجة لصالح معاوية وحزبه، ولن تقوم للدين قائمة بعدها، لأنه سيتمكن حينها من تضليل الناس، على نحو لا خلاص منه مهما حاول المخلصون بعد ذلك أن يصحّحوا، إذ سيبدو أنه كان محقًا، وأن الإمام (عليه السلام) باغٍ عليه، حيث أن منطق القوة والسيطرة هو السائد في أذهان الناس.

وهذا بخلاف المبادرة إلى إعلان الصلح بالشروط التي فرضها الإمام الحسن (عليه السلام)، فإنه أدّى إلى فضح أكذوبته، كما تقدم، وهو ما سينعكس بالضرورة عند المُنصفين، ويدعوهم إلى قراءة الفترة الماضية من جديد، بحيث تهتز ثقة الناس بجميع تصرفاتهم وأعمالهم، ويجعل من حالة النقد عليهم وردِّ آرائهم أمرًا مقبولاً ومنطقيًا، وبذلك تتهيأ الظروف المناسبة للقيام بالحركة الحسينية فيما بعد وتؤتي ثمارها المرجوة.

وهذا ما يفسر قوله (عليه السلام)، حين لامه بعض الناس على توقيع الصلح، فأجابهم بقوله: (ويحكم ما تدرسون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت)([18])...

وهو ما أكده الإمام الباقر (عليه السلام) في ما بعد، وكان ممن شهد وقعة كربلاء مع جده الحسين (عليه السلام)، قال: (والله الذي صنعه الحسن ابن علي (عليه السلام) كان خيرًا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس)([19]).

وفي حديثه مع سدير, وقد بيَّن فضائل الحسن (عليه السلام), قال له سدير: كيف يكون بتلك المنزلة, وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية؟ فقال (عليه السلام): اسكت, فإنه أعلم بما صنع, لولا ما صنع لكان أمر عظيم([20]).

وقد أدرك معاوية في ما بعد، حقيقة ما صنعه الإمام الحسن (عليه السلام) بصلحه هذا، ولهذا لم يقرّر قرارًا حتى عمد إلى سمّه (عليه السلام) وقتله، بواسطة زوجته جعدى بنت الأشعث، ولولا ذلك لم يكن بحاجة إلى تسميمه بعدما حصل على ما يريد من الحصول على الخلافة بزعمه، خصوصًا وأن الإمام (عليه السلام)، وهو المطلع على خفايا الأمور، قد علم بما ستقترفه يدا معاوية بحقه، فكان أن شرط عليه، أنه إن حدث للإمام الحسن شيء فالخلافة للحسين (عليه السلام) من بعده دون سواه.

وهكذا أطبق الإمام عليه كافة أبواب الدهاء والمكر، وألزمه لعنة ثابتة تلاحقه على مدى الأيام.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
االهوامش

[1]- الإرشاد، للشيخ المفيد، ص188.

[2]- الكامل في التاريخ، ج3، ص402.

[3]- الإرشاد، ص188.

[4]- مقاتل الطالبيين، ص34.

[5]- مقاتل الطالبيين، ص33.

[6]- نفس المصدر ، ص38.

[7]- بحار الأنوار، ج44، ص21.

[8]- نفس المصدر، ج44، ص33.

[9]- الكامل في التاريخ، ج3، ص406.

[10]- بحار الأنوار، ج44، ص2.

[11]- نفس المصدر، ج44، ص57.

[12]- الكامل في التاريخ، ج3، ص405.

[13]- نفس المصدر، ج44، ص63.

[14]- صلح الحسن، آل ياسين، ص258؛ والكامل في التاريخ، ج3، ص405.

[15]- الكامل في التاريخ، ج3، ص405.

[16]- صلح الحسن عليه السلام، ص259-262.

[17]- البحار, ج44, ص2.

[18]- بحار الأنوار، ج44، ص19.

[19]- نفس المصدر ، ص25.

[20]- بحار الأنوار, ج44, ص1.

 

115%