رسالة النجف

الزيارة الجامعة الكبيرة محض التوحيد

 

الزيارة الجامعة الكبيرة في رحاب العقيدة

من محاضرة لآية الله الشيخ محمد سند 1

 أثيرت شبهة حول الزيارة الجامعة الكبيرة، مفادها أنها تخالف كتاب الله عز وجل في بعض فقراتها، حيث ورد في الزيارة (وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم)، مع أن القرآن الكريم ينص على أن إياب الخلق إلى الله وحسابهم عليه، قال تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}([1])، وقال تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}([2]).

تعميم الشبهة

وفي الحقيقة إن هذه الشبهة غير مختصة بالزيارة الجامعة الكبيرة، بل تشمل زيارات عدّة غيرها، منها ما ورد في أشهر زيارة للإمام الرضا (عليه السلام) من وصف أمير المؤمنين وغيره من الأئمة (عليهم السلام): (وديّان الدين بعدلك، وفصل قضائك بين خلقك)([3])، وهي أوصاف وردت في القرآن الكريم منسوبة إلى الباري تبارك وتعالى، حيث إن من بديهيات الدين أن مبدأ الخلق من الله، وأن المنتهى إلى الله، وهذان الوصفان في زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) يوحيان بأن المنتهى إلى الأئمة (عليهم السلام).

وعلى هذا الأساس اعتبرت تلك الزيارات التي وردت فيها هذه التعابير مخالفة للقرآن الكريم، بل مخالفة لبديهات إسلامنا الحنيف، فكيف نقبل هذه الزيارات مع ورود هذه الفقرات فيها، مع أنه ورد عنهم (عليهم السلام) أن ما خالف كتاب الله فهو زخرف، أو لم نقله، أو يضرب به عرض الجدار([4])، فينبغي أن يضرب بهذه الزيارات عرض الجدار، حيث تكون هذه الفقرات دليل كذبها وزيفها، وعدم انتمائها إلى أهل بيت العصمة (عليهم السلام).

جواب الشبهة

الإجابة على هذه الشبهة متوقّفة على بيان عدّة مسائل في العقيدة الإسلامية من وجهة نظر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث إن هذه الشبهة مبتنية على بعض النظريات الفاسدة في العقيدة.

المسألة الأولى: نفي التجسيم والتشبيه

تعريف التجسيم

التجسيم بمعناه البسيط الواضح هو القول بأن الله تبارك وتعالى جسم ذو أعضاء شبيه بأجسام مخلوقاته وأعضائها، وهذه النظرية الخطيرة، نجدها عند كثير من أصحاب المذاهب الإسلامية مع الأسف، حيث أثبتوا لله جسماً، وذلك تمسكاً بالفهم الساذج لظواهر بعض الآيات القرآنية.

تغاير التجسيم والتشبيه

وبما أن التجسيم مبني على تشبيه الله تعالى بأشرف مخلوقاته وهو الإنسان، فقد يظن بأن نظريتي التجسيم والتشبيه واحدة، ولكن التأمل الدقيق يُظهر لنا بأن التشبيه أعم من التجسيم، وبالتالي يكون نفي التشبيه أخص من نفي التجسيم، لأن التجسيم كما قلنا هو تشبيه الباري تبارك وتعالى ببعض مخلوقاته مع إثبات الجسمية له، ومعلوم أن مخلوقات الله أعم من المادة التي تتركب منها الأجسام، فلله مخلوقات غير جسمانية، وبالتالي فقد يكون المرء مشبّهاً ولكنه ليس مجسماً، كما لو شبّه الباري ببعض مخلوقاته النورانية (المجردة)، فنفي التجسيم غير مساوق لنفي التشبيه، كما أن القول بالتجسيم يلزم منه القول بالتشبيه.

موقف أهل البيت (ع) من التشبيه

على أي حال يلاحظ المتتبّع لتراث آل محمد (عليهم السلام) أنهم انبروا وبكل قوّة لتفنيد تلك النظريات الباطلة، واستبدالها في عقول المسلمين ببيان حقيقة صفات المولى تبارك وتعالى، التي تنزّهه عن التجسيم والتشبيه والتعطيل والظلم و... من قبيل نظريتي الجبر والتفويض، اللتين رفضهما آل محمد (عليهم السلام) من خلال بيانهم لنظرية الأمر بين الأمرين، حتى أوصلوا هذه النظرية إلى درجة البداهة عند أتباعهم، مع كونها من النظريات الدقيقة جداً، وكذلك فيما يتعلّق بمسألة التجسيم، حيث كانت تلك المقولة الرائعة: "لا تشبيه ولا تعطيل، وإنما توصيف بتوحيد"،المستفادة من الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام):

منها: ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (فانف عن الله البطلان والتشبيه ، فلا نفي ولا تشبيه ، هو الله الثابت الموجود ، تعالى الله عما يصفه الواصفون)([5]).

ومنها: ما رواه هشام بن إبراهيم ، قال : (قال العباسي قلت له - يعني أبا الحسن عليه السلام - : جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة قال : ومن هو ؟ قلت : الحسن بن سهل . قال : في أي شيء المسألة ؟ قال : قلت في التوحيد ، قال : وأي شيء من التوحيد ؟ قال : يسألك عن الله، جسم أو لا جسم ؟ قال : فقال لي : إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: مذهب إثبات بتشبيه ، و مذهب النفي ، ومذهب إثباتٍ بلا تشبيه. فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز ، ومذهب النفي لا يجوز ، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه )([6]).

ومنها: ما رواه محمد بن عيسى بن عبيد ، قال : (قال لي أبو الحسن عليه السلام : ما تقول إذا قيل لك : أخبرني عن الله عز وجل شيء هو أم لا ؟ قال فقلت له : قد أثبت الله عز وجل نفسه شيئًا حيث يقول : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}([7]) فأقول : إنه شيء لا كالأشياء ، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه ، قال لي : صدقت وأصبت ، ثم قال لي الرضا عليه السلام : للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب : نفي ، وتشبيه ، وإثبات بغير تشبيه ، فمذهب النفي لا يجوز ، ومذهب التشبيه لا يجوز لأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء ، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه)([8]) .

تعالى الله عما يصفون

ونظرية التشبيه هذه تجدها مع الأسف معششة وناخرة في الكثير من الكتابات، حتى عند الكثير ممن ينزّه الباري تعالى عن التشبيه، عن غير عمد منهم، وما ذلك إلا لصعوبة المطلب ووعورة مسلكه، حيث إن أذهاننا مشبعة بما نراه أو بما نخلقه من أوهام، والإمام الباقر يقول: (كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم، ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين، فإن ذلك كمالها، ويتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما، وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به)([9]).

شمول نفي التشبيه لعالم الآخرة

وما ينبغي الالتفات إليه هو أننا عندما ننفي التشبيه والتجسيم فإنما ننفيهما مطلقاً، أي حتى في عوالم القيامة والآخرة، لا سيما وأن المعاد هو نوع من التوحيد، فهو توحيد الغاية، تمامًا كما ننفي الرؤية الحسية مطلقاً، خلافاً لبعض المذاهب الإسلامية التي تنفي الرؤية في عالم الدنيا، ولكنها تثبتها في عالم الآخرة، وبالتالي فكل توصيف أو تفسير لآية قرآنية يثبت الرؤية أو التشبيه فهو باطل مردود على صاحبه، ينزّه الباري تبارك وتعالى عنه، ويكشف فقط عن قلة إدراك صاحبه وضيق أفقه.

ليس كمثله شيء

فقوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}([10])، ينبغي أن تفسّر بما يليق بساحة قدسه وجلاله، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله ذعلب اليماني:

(هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس. بعيد منها غير مباين. متكلم لا بروية، مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء. كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة. تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته)([11]).

وكما ورد عن الصادق (عليه السلام) حينما سأله أبو بصير: (هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال (عليه السلام): نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}([12])، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا ؟ قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فأحدث بهذا عنك، فقال: لا، فإنك إذا حدّثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله، ثم قدّر أن ذلك تشبيه، كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه المشبّهون والملحدون)([13]).

وهذه هي الرؤية القلبية التي يثبتها مذهب الإمامية مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وكل توصيف له محكوم بقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}([14])، والشيء هو أعمّ المفاهيم على الإطلاق، فالباري عز وجل لا يشبه شيئاً أبداً من مخلوقاته، وكل ما عداه مخلوق له، فهو لا يشبه حتى مخلوقاته النورانية، فخلقة الأنوار وخلقة العقول وخلقة الأرواح، كلها لا تشبه الله عز وجل ولا يشبهها الله عز وجل، وهو مع ذلك محيط بالأشياء ومهيمن عليها وخارج عنها ولا شيء منها، وما أحسن وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) للذات الإلهية، حيث يقول: (لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن)([15]). أو قوله (عليه السلام): (مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة)([16])، أو القول المشهور عنه : (داخل في الأشياء لا بالممازجة، وخارج عن الأشياء لا بمزايلة - لا بمباينة -) .

يتبع=

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1. بقلم السيد علي الشرخات ، وقد اعتنى فضيلة الشيخ حسين عباس بترتيبها وتهذيبها.

[1] - سورة الغاشية:25-26.

[2] - سورة البقرة: من الآية156.

[3] - بحار الأنوار : 99/45 ، وهذا وصف موجود في كثير من زيارات الأئمة (عليهم السلام) وبنفس اللفظ.

[4] - انظر: وسائل الشيعة (مؤسسة آل البيت)، كتاب القضاء، باب 9 من أبواب صفات القاضي.

[5] - التوحيد، الشيخ الصدوق (381هـ) ، ط1378هـ، قم: ص 102، وإليك الرواية بتمامها : (عن عبد الرحمن بن قصير، قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام بمسائل ، فيها : أخبرني عن الله عز وجل هل يوصف بالصورة وبالتخطيط ؟ فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد فكتب عليه السلام بيدي عبد الملك بن أعين : سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك ، فتعالى الله الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه المفترون على الله ، واعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل ، فانف عن الله البطلان والتشبيه ، فلا نفي ولا تشبيه ، هو الله الثابت الموجود ، تعالى الله عما يصفه الواصفون ، ولا تعد القرآن فتضل بعد البيان).

[6] - التوحيد،الشيخ الصدوق (مصدر سابق): ص 101.

[7] - سورة الأنعام: من الآية19.

[8] - التوحيد، الشيخ الصدوق : ص 107.

[9] - بحار الأنوار، العلامة المجلسي:  66/293 .

[10] - سورة القيامة:22-23.

[11] - نهج البلاغة ، خطب الإمام علي عليه السلام: 2/99. وعنه بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 66/293.

[12] - سورة الأعراف: من الآية172.

[13] - كتاب التوحيد، الشيخ الصدوق، مصدر سابق: ص 117 ح20.

[14] - سورة الشورى: من الآية11.

[15] - نهج البلاغة، خطب الإمام علي، شرح محمد عبده: 1/113، خطبة رقم 65.

[16] - المصدر السابق: 1/16، خطبة رقم 1.

.

= تتمة مقال - الزيارة الجامعة

المسألة الثانية: نفي التعطيل

بين نفي التشبيه ونفي التعطيل

ولكنا حينما ننفي التشبيه يجب أن لا نغفل عن قضية نفي التعطيل، فكما أن نفي كلٍ من الجبر والتفويض قد يؤدي إلى الآخر إذا لم يلتفت المرء إلى الحدّ الأوسط بينهما وهو الأمر بين الأمرين، فكذلك نفي التشبيه قد يؤدي إلى التعطيل، ونفي التعطيل قد يؤدي إلى التشبيه والتجسيم، ولذا ورد عنهم (عليهم السلام): (فلا نفي ولا تشبيه ، هو الله الثابت الموجود).

بيان ذلك: يعرّف التعطيل بأنه تعطيل الباري تبارك وتعالى عن صفاته، أو عن الكمالات، أو عن الفاعلية، أو عن القيمومية، أو عن العالمية، أو عن القدرة، أو عن الإحاطة، أو عن الهيمنة، وقد يؤدي إلى نفي أصل الوجود والعياذ بالله كأن يقال بأن هذه المخلوقات والعوالم برمّتها لا خالق لها، فيتعطّل بهذا القول عالم الخلقة عن الخالق.

وحينئذٍ نقول: عندما ينفي الإنسان التشبيه والتجسيم قد يؤدي به ذلك إلى التعطيل، فمع التزامه بنفي التشبيه ومحاولة تنزيه الباري عن شبهه بمخلوقاته تراه ينجرّ من حيث لا يشعر إلى التعطيل، فيحسر قدرة الله تعالى وهيمنته عن عالم الخلقة، فإذا أراد أن ينفي التعطيل ويثبت لله الصفات الكمالية والفاعلية والحاكمية تجده يثبتها له بتشبيه الباري بما يشاهده ويدركه من أفعال المخلوقات، لأن حدود الإدراك عنده هي أفعال المخلوقات، فيثبت مثلها للباري تعالى، فيغدو بالتالي مشبهاً من حيث لا يشعر.

ومن هنا نشأت تلك الجدلية العويصة بين نفي التشبيه ونفي التعطيل، تماماً كالجدلية الناشئة بين نفي الجبر ونفي التفويض، فنفي الجبر أدّى بالمعتزلة إلى التفويض الباطل، وأن الله فوّض إلى العباد تفويضاً عزلياً، أي أن قدرته وهيمنته وإحاطته تعالى انعزلت وانحسرت عن مخلوقات الله والعياذ بالله.

ونفي التفويض أدّى بالأشاعرة إلى القول بالجبر، وأن كل فعل مستند إليه تعالى وأنه لا إرادة ولا اختيار للمخلوق أبداً في طاعاته ومعاصيه، فيلزم من ذلك نسبة الظلم والعبث إلى الحكيم العادل تبارك وتعالى، فيصبح الله مسؤولاً عن معاصي العبد ثم يعاقبه عليها، تعالى الله عما يصفون.

فإثبات الفاعلية والقدرة لله في الأفعال قد يؤدي إلى الجبر، وإثبات الإرادة والاختيار للعبد وإثبات مسؤوليته عما يقترفه من أفعال قد يؤدي إلى التفويض الباطل، والطريق الوسط هو الأمر بين الأمرين، الذي أوضحه وبيّن معالمه أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وكذلك نقول في التشبيه والتعطيل، فنفي التشبيه قد يؤدي إلى التعطيل وانحسار قدرته تعالى وهيمنته وإحاطته بعالم المخلوقات، كما أن نفي التعطيل وإثبات الحاكمية والفاعلية قد يؤدي إلى التشبيه،والطريق الوسط هو (توصيف بتوحيد)، الذي أوضحه وبيّن معالمه أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

فقولنا بأن الملائكة على سبيل المثال في عرصات يوم القيامة هي أجسام لطيفة نورانية، هو قول لا نستطيع قوله عن الباري تعالى، لأننا لا نستطيع أن نثبت له جسماً أو شبهاً بأحد من خلقه، لكننا بنفينا المطلق للتجسيم والتشبيه قد نقع هنا في التعطيل، فلا يمكن لنا مثلا أن نعطّل الله عز وجل عن الحاكمية في يوم القيامة، لأن الإغراق في النفي قد يؤدي إلى التعطيل، ونفي النفي، أي نفي التعطيل يعني الإثبات، والإغراق في الإثبات لكل صفة إثباتية قد يؤدي إلى التجسيم والتشبيه.

فما الحلّ لهذا الإشكال.

نفي التعطيل في عالم الآخرة

وبعبارة أخرى: كما قلنا في نفي التشبيه وتعميمه لعالمي الدنيا والآخرة، فكذلك نقول في نفي التعطيل، فإنه ليس مختصاً بنشأة دون أخرى، وعالم دون آخر، فإحاطته وهيمنته وفاعليته وقدرته، ثابتة له تبارك وتعالى في كل النشآت والعوالم، ولا يختص بها عالم دون آخر، فإذا نفينا التشبيه والتعطيل، فكيف نثبت بأن الحاكمية في يوم القيامة لله تعالى، إذ أن حاكميته تعالى ثابتة له في كل النشآت والعوالم، ولذا اقتضى توضيح نظرية مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والفرق بينها وبين المدارس الأخرى في تفسيرها للحاكمية المطلقة لله جل وعلا.

وإنما أحببنا الإطالة في بيان هاتين القاعدتين، لدقتهما ولدخالتهما في كثير من المعارف الإسلامية، والتي منها ما نحن فيه، وهو مسألة الحساب، كما سيأتي بيانه.

المسألة الثالثة: حاكمية الله في مدرسة أهل البيت(ع)

شمول حاكمية الله لعالم الدنيا وللمجال التنفيذي

مما لا إشكال فيه أن الحاكمية في يوم القيامة منحصرة بالله تبارك وتعالى، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}([1])، ومما لا إشكال فيه أيضًا أن الحاكمية في المجالين التكويني والتشريعي في دار الدنيا هي بيد الله تبارك وتعالى، ولكن الفرق بين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والمذاهب الأخرى أن حاكمية الله لا تنحصر بيوم الدين وبالمجال التشريعي، بل تشمل السلطة التنفيذية والإجرائية أيضًا، هذا كله من غير تشبيه وتجسيم.

ومن غرائب الأمور أنهم عطّلوا الله عن الحاكمية التنفيذية في دار الدنيا، ومع ذلك قالوا بتشبيهه وتجسيمه، ولا تجد هذا التنزيه مع عدم التعطيل مع إثبات الحاكمية المطلقة له جلّ وعلا إلا عند أهل البيت (عليهم السلام).

بيان ذلك: لما كان الله منزّها عن مشابهة مخلوقاته، فحاكميته في كل المجالات لا بد أن تكون بواسطة مخلوقاته الذين {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}([2])، فتصرّفه هذا ليس منحصراً في دار من دور الخلقة وحتى في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالحاكم الأول هو الله تبارك وتعالى والحاكم الثاني هو رسول الله.

طاعة رسول الله (ص) مطلقة

وحاكمية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليست منحصرة بزمان وجوده المبارك في دار الدنيا، بل تشمل ما بعد رحيله عن دار الدنيا، ففي خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) كان الحاكم الأول هو الله جل وعلا، والحاكم الثاني رسول الله، وفي المرحلة الثالثة تأتي حاكمية أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو مهبط إرادات الله وليس المشرّع، وإنما منفّذ الشريعة ومطبّقها، فيتنزّل الأمر على الرسول ولو في عالم البرزخ أو عالم الآخرة، ثم يتنزّل على أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن ثمَّ يأتمر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو في دار الدنيا بأوامر النبي التفصيلية، وكذلك نقول في عهد باقي الأئمة، فنحن لا نحصر ولاية الرسول بدار الدنيا (يا حسين اخرج -إلى العراق- فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا)([3])، فخروج الحسين كان بأمر من الله ورسوله، فالرسول هو رسول مطاع حتى في الدار الآخرة، وكذلك قول الحسين: (إن الله قد شاء أن يراهنّ سبايا)([4])، فهذه حاكمية تفصيلية،ففي عهد الحسين (عليه السلام) كان الحاكم الأول في نظام المسلمين هو الله عز وجل، ثم الرسول (صلى الله عليه وآله) ثم الحسين (عليه السلام)، لأن وجوب طاعة الله ورسوله الثابتة بنص القرآن مطلقة غير مقيدة بزمان دون آخر أو بحال دون أخرى، بل تشمل كل الأزمان والأحوال،

فتلخص لدينا أمران:

الأمر الأول: أن طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مطلقة وغير مقيدة بزمان أو بحال.

الأمر الثاني: إن حاكمية الله سبحانه حتى في دار الدنيا هي حاكمية تفصيلية، تشمل الأمور التنفيذية الإجرائية، وليست مختصة بالتشريعات الكلية فقط.

شواهد قرآنية

ولذلك نجد التعابير القرآنية في المجالين التشريعي والتنفيذي فيه أمور تفصيلية إجرائية، فضلاً عن التشريعات الكلية، وفي بعضها أمر للرسول بأن يتولّى السلطة التنفيذية الإجرائية ليكون مطبّقاً لتلك الحاكمية المطلقة لله جل وعلا من قبيل:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([5]).

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}([6]).

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}([7]).

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([8]).

وهذه الآيات وغيرها ينبغي أن لا نقرأها بحسب موارد النزول مع اعتبارها تشريعات كلية فقط، إنما هي إجراءات تنفيذية أيضًا، كما أن كل بند تشريعي كلي في القرآن هو أيضًا بند إجرائي تفصيلي من الله جل وعلا بمقتضى حاكميته المطلقة.

وإن وجدت غرابة في هذا القول، فنسألك: أيّ فرق بين حاكمية الله التفصيلية التنفيذية التي يتولاها رسول الله وبين حاكميته تعالى التي يتولاها ملائكته المقرّبون، الذين ينفذّون أوامره التفصلية، وكل ما عدا الله من المعصومين الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة هم منفذّون لإرادة الله ومطبّقون لحاكميته تعالى، ولذلك نجد تلك التعابير المختلفة في القرآن من نسبة بعض الأمور تارة إلى الله وأخرى إلى غيره من عباده المكرمين المعصومين، من قبيل الموت الذي ينسبه القرآن تارة إلى الله وأخرى إلى ملك الموت، وثالثة إلى أعوان ملك الموت:

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}([9]).

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}([10]).

{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}([11]).

{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ}([12]).

فتأمّل فيما أسلفنا، وتمعّن في فهم آيات القرآن الكريم التي تتعرّض لذكر التشريعات التفصيلية، لتدرك تلك الحاكمية التفصيلية لله جل وعلا.

 يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - سورة الفاتحة:4.

[2] - سورة الأنبياء:27.

[3] - انظر: اللهوف في قتلى الطفوف ، ابن طاووس الحسني (664هـ)، ط1، قم: ص40. وعوالم الإمام الحسين (ع)، البحراني( 1139هـ)،  ط1، قم : ص214

[4] - نفس المصدر السابق.

[5] - سورة التوبة:73.

[6] - سورة التوبة: من الآية103.

[7] - سورة الأنفال: من الآية65.

[8] - سورة الممتحنة:12.

[9] - سورة الأنعام: من الآية60.

[10] - سورة الزمر: من الآية42.

[11] - سورة السجدة:11.

[12] - سورة الأنفال: من الآية50.

 

.

تتمة مقال - الزيارة الجامعة

وساطة المخلوقات في الأفعال الإلهية

وهذا - الذي ذكرناه من الاختلاف في تعيين من يقبض الأرواح - ليس تناقضاً في القرآن الكريم، بل هو محض التوحيد، هو إثبات الحاكمية لله ولكن بتوسط مخلوقاته، هو نفي التعطيل وإثبات كمال قدرته ومشيئته وحاكميته مع كمال نفي التشبيه والتجسيم، هو محض تنزيهه عن مشابهته لمخلوقاته وعن مشابهة مخلوقاته له.

فأفعال الألوهية عند الله عز وجل من إحياء وإماتة وحاكمية وديانية هي بتوسّط أشرف مخلوقاته من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، فأفعالهم تسند إليه تعالى لأنهم لا يصدرون إلا عن أمره عز وجل {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}([1])، فكل أفعالهم قائمة به كما كان كل وجودهم قائم به تعالى.

إذاً فالحاكم الأول في دار الدنيا هو الله عز وجل بحسب مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) التي لم تعطّل حاكميته حتى في الدنيا، ولا يصحّ أن يقودنا هذا الإثبات إلى تشبيه أو تجسيم، فنقول والعياذ بالله بأن الله شاب أمرد أملس وفتى بهي جميل، أو أن نقول بعدم مشابهته للأجسام لنشبهه بغير ذلك من مخلوقاته تعالى، فنقول بأنه روح أعظم والعياذ بالله، أو نقول بكونه نوراً مختلطا بالسماوات تتولد منه طاقات أخرى، بل هو كما وصف نفسه:

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}([2]).

والخلاصة:

إذا كان الله تعالى ليس جسمانيًا وليس له شبيه من خلقه ومع ذلك لا يجوز تعطيل صفاته، فكيف نثبت له الحاكمية المطلقة خصوصاً في يوم القيامة ؟!

حينئذٍ تسدّ أمامنا الأبواب، ولا نجد باباً نفتحه سوى باب (توصيف بتوحيد)، التوحيد القائم على التنزيه عن التشبيه، وعلى نفي التعطيل، وإثبات حاكمية الله عز وجل ولكن بتوسّط خليفته:

{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}([3]).

حيث لا تعني هذه الخلافة التفويض العزلي والتعطيل لله، أو انتفاء قدرة الله أو انحسارها.

تصوير الحاكمية المطلقة لله في يوم القيامة

قلنا بأن الحاكمية الإلهية التي ينفذّها الله بواسطة مخلوقاته ليست منحصرة بدار الدنيا، بل شمولها ليوم القيامة أوضح, ونستعرض هنا بعض الآيات القرآنية التي تصوّر وتبين تلك الحاكمية, وتظهر وساطة أشرف مخلوقاته في تطبيق تلك الحاكمية, يقول تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ}([4]).

ويقول علي (عليه السلام): (أنا موازين القسط)([5]).

ويقول تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ}([6]).

وباعتراف الفخر الرازي إن هذه الآية دالة على وجود شاهد في كل قرن لا يزلّ ولا يخطئ، لأنه لو كان يزلّ أو يخطئ لكان أحقّ أن يشهد عليه لا أن يكون شاهداً، وقد تكرّر هذا في آيات وسور عديدة في القرآن الكريم بأن هناك أشهاداً على الأمم والناس في البشرية, وهؤلاء الأشهاد من هذه الأمة:

{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}([7]).

ومعنى كونهم شهداء يوم القيامة أنهم يداينون الناس، الشاهد يعني الذي يدين، إن فعل الحسنة فبثواب، وإن فعل القبيح فبعقاب، والديّان فوقهم هو الرسول، والديّان فوق الرسول هو الله عز وجل، فهي سلسلة مراتب وصلاحيات، تماماً كما في حاكمية الله في دار الدنيا التي لم يثبتها غير أهل البيت (عليهم السلام)، ليس الحاكمية التشريعية فحسب، بل حتى الإجرائية والتنفيذية.

المسألة الرابعة: في  الصفات الإلهية

أقسام الصفات الإلهية

نخلص من هذا كله إلى قاعدة عامة في صفات الباري الفعلية، باعتبار أن الصفات الإلهية تنقسم إلى قسمين:

( القسم الأول ): الصفات الذاتية، كالوجود والأحدية، والواحدية والحياة، والقدرة والقيمومية، والأولية والآخرية، والعلم ـ والسمع والبصر يرجعان إلى العلم بهذا المعنى {السميع البصير} ـ.

( القسم الثاني ): الصفات الفعلية، مثل الرازق والباسط، والمحيي والمميت، والحاكم ومالك يوم الدين، وما شابه ذلك.

ويفرقون بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية، بأن الصفات الفعلية تارةً تثبت له تعالى، وتارةً يُثبت ضدها فهو محيي ومميت، وهو رازق ومقدر للرزق أو مانع, فالصفات الفعلية - إذاً - ترجع لنفس فعله تعالى، وفعله تعالى مخلوقٌ له، فإذا كان الفعل مخلوقاً له، فإن تجلي الباري تعالى بصفاته الفعلية هو تجلٍ بفعله، لا بتجسيمه تعالى، ولا بتشبيهه بأحد من خلقه، سواء كان المشبه به جسماً أو نوراً أو غيره. بل إن تجليه في صفاته الفعلية هو بتوسط فعله، وكل مخلوقاته هي فعله، سواء في ذلك المادية والمجردة، كما يعبر الباري تعالى عن النبي عيسى وأمه: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}([8])، {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ}([9])، فنفس وجود النبي عيسى هو كلمة من كلمات الله تعالى، تكلم بها الله تعالى، وآية من آياته تجلى بها الله تعالى.

تجلي صفات الله الفعلية بتوسط أفعاله ومخلوقاته الشريفة:

القاعدة العامة التي وصلنا إليها هنا هي: إن الأفعال والصفات الفعلية، التي هي مشتقة أو هي عين الأفعال، تعني تجلي الله عز وجل بالفعل نفسه، مثل تعبير الإمام الصادق (عليه السلام): [غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه]([10])، وليست صفاته تبارك وتعالى أحوالا عارضة على الجسم أو على جوهر نفساني أو على جوهر نوراني أو غيره, كما هو الحال عند مخلوقاته, وحينئذ فتجلي الباري تبارك وتعالى بصفاته الفعلية إنما يكون بتوسط مخلوقاته الشريفة، تماما كما مرّ بنا حول حاكميته تعالى في دار الدنيا، التي كانت بنزول المشيئات والإرادات الإلهية على قلب الرسول (صلى الله عليه وآله)، فكان هذا مظهراً لحاكمية الله في النظام البشري، وكذلك في قوله تعالى:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}([11])، فإن استخلاف الله عز وجل يختلف عن استخلاف المخلوق لمخلوق, حيث تنحسر قدرة المستخلِف عن موارد فعل المستخلَف، أو تنحسر قدرة الموكِّل وتقصر عن موارد فعل الوكيل، وكذا المنوب عن النائب، بخلاف موارد استخلاف الله عز وجل، فإنه لا يعني انحسار قدرته تعالى، وإنما هو أقدرُ- في تلك القدرة التي أقدرَ المخلوقَ عليها- من المخلوق نفسه، كما عبر بذلك - في قول قريب من هذا المضمون - أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة.

عود على بدء

فقدرة الباري عز وجل غير محصورة، وقيموميته وهيمنته على خلقه، وعلى الفعل في خلقه غير منقطعة، وهو الذي يفيض هذه القدرة، آناً بآن، أو ما هو أقل من الآن. فالمدد هو من الباري تعالى ومن ثمَّ هو المتحكم، فصدق بذلك أن توفِّي الأرواح يُسند تارةً إلى ملك الموت، وأخرى إلى أعوان ملك الموت، وثالثة يسندها القرآن الكريم بمعنى الفعل إلى الباري تعالى؛ لأن ملك الموت عندما يقوم بهذا الفعل، إنما يقوم به بإقدار وإفاضة وهيمنة وإحاطة من الله عز وجل، ولا يستقل ملك الموت بفعله هذا عن المدد من الله بقدر شعرة أو ما هو أقل من الشعرة، أو بقدر الآن أو ما هو أقل من الآن. فالفاعل الحقيقي هو الله عز وجل، لكن مظهر الفعل هو ملك الموت الذي له أعوان يستمدون القدرة من الله أيضا ولكن عبر ملك الموت, من قبيل قولنا (يدنا عونٌ لنا)، أو (قوانا عونٌ لنا)، ولكن بإقدار من الله عز وجل لنا على استعمال تلك اليد أو هذه القوى, وبهذا المعنى يصح نسبة الفعل إلى الله تبارك وتعالى, وهو حقيقةً له تعالى، بقدرته القيومية والهيمنة والإحاطة التي له على مخلوقاته.

والخلاصة : أنه في الصفات الفعلية عموماً، يكون فعله تعالى بتوسط صدور تلك الأفعال من مخلوقاته الشريفة ؛ لأنه هو الذي يمدّ، ويفيض تلك القدرة على مخلوقاته، من ثم يكون الفعل مسنداً إليه، ولا يُتوقع بقولنا أن الله تعالى هو ديان يوم الدين، أن لله تعالى في عرصة يوم القيامة موقعيةً جغرافيةً معينةً نتجه إليها، وأن تلك الموقعية الجغرافية هي محددة لجسم الباري ـ والعياذ بالله ـ.

نتيجة المسائل الأربع المتقدمة

إياب الخلق وحسابهم في يوم القيامة

بناء على ما تقدم يصبح جواب الشبهة واضحاً، ولا تناقض بين {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}([12])، وبين (وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم)، فإيابنا إلى خلفاء الله في المحشر، هو إيابٌ إلى الله عز وجل، ومداينة أولياء الله للعباد يوم القيامة، هي مداينة إلى الله. وإلا فإن علياً (عليه السلام) ـ كما روى الفريقان ـ هو قسيم النار والجنة [قسيم النار والجنة.. أقول للجنة هذا محبك فدعيه يدخل، وللنار هذا مبغضك فخذيه]([13])، وهو مظهر لفعل الله عز وجل. هذه الصفات لله عز وجل ليست خاصةً بنشأة دون أخرى لكي نتساءل ونجادل في كيفية تفسيرها في نشأة الآخرة دون نشأة الدنيا. ففي النشأة الدنيا أيضاً يصح هذا القول وإذا صحَّ في النشأة الدنيا {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}([14])، بلا عزلة كما مر سابقا، فيصح في الآخرة أيضا دون أدنى ريب, بل لا بد من المصير إلى هذا المعنى لكي ننزه الله عن التشبيه والتجسيم والمحدودية, وكأنما الذي يتبنى هذا الإشكال في ذهنه، يرى أن انحسار قدرة الباري لا مانع منه في الدار الدنيا، أما في يوم القيامة فهناك مانع! كل النشآت ممتنعة عن انحسار قدرة الباري، ولذا مر بنا أنه ليس هناك نظرية في المذاهب الإسلامية كما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، من تصوير أن الحاكم الأول - بلا أن يعزب عن حكومته وحاكميته شئ- هو الله عز وجل. أما أتباع المذاهب الأخرى فلم يستطيعوا في بياناتهم الاعتقادية أن يصوروا أو يبينوا أو يحققوا هذا المطلب، بخلاف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا سر وصف الأئمة بهذه الصفة المهمة، أنهم [مهبط مشيآت الله]، للدلالة على مظهر حاكمية الله عز وجل {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}([15])، التي نتلوها في القرآن الكريم ونخاطب بها الأئمة عليهم السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة.

وإذا كان هذا هو الحال في الدار الدنيا، وهو لا ينافي حاكمية الله، بل على العكس من ذلك، فهو يوحد ويحقق ويبين حاكمية الله عز وجل، فإن الحال هو كذلك في الدار الآخرة، في محاسبتهم (عليهم السلام) للخلق، وإلا فما معنى [قسيم النار والجنة]؟! وماذا يعني كونهم [أصحاب الأعراف]([16])؟! وإن كان المفسرون قد فسروا [أصحاب الأعراف] بمعنى أنهم من تكافأت حسناتهم وسيئاتهم فلم يستطيعوا الدخول للجنة ولم يُذهب بهم إلى النار، فإن سياق الآيات لا يساعد على هذا التفسير, والصحيح في تفسير الأعراف هو ما أشارت إليه روايات أهل البيت (عليهم السلام) من أنهم هم أصحاب الأعراف، وهم المتوسمون، وهم الحكام، وهم دُياَّن يوم الدين، نيابةً عن الله عز وجل.

هكذا صورت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى؛ فالمداينة والمحاسبة يوم القيامة هي فعل من أفعال الباري، يوجده الله عز وجل على أيدي شرفاء مخلوقاته؛ لأنه هو الذي يمدهم، يمد ذواتهم ويمد أفعال ذواتهم، فقوله تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}([17])، أي عباد مكرمون، ومن كرامتهم على الله أن كل حركاتهم وسكناتهم وإرادتهم ومشيئاتهم صادرة عن إرادة ومشيئة الله، فنقمتهم من نقمة الله، وغضبهم من غضب الله, وبهذا المعنى يفسر قوله (صلى الله عليه وآله): (فاطمة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها), أي أن رضاها (عليها السلام) هو صادرٌ من رضا الله عز وجل، وأن غضبها هو من غضب الله، أو تابع لغضب الله.

نتيجة البحث

يتضح لنا مما تقدم كله أن عبارة [وَإِيابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ] الواردة في الزيارة الجامعة الكبيرة هي عين التوحيد، وتمام التنزيه للباري, وكمال إثبات الحاكمية له عز وجل, وذلك باعتبارهم ـ (عليهم السلام) ـ خلفاء الله عز وجل، ومظهر إرادته ومشيئته, وقد وردت في القرآن الكريم عدة أفعال لملائكة النار، ولـ (مالك) صاحب رئاسة ملائكة النار، وهذه الأفعال هي أفعال الله تعالى، لكنها تظهر على أيدي خزنة النار, وعلى ذلك فهذا التعبير موجود في القرآن الكريم ولا يُختلف عليه، فكيف تكون هذه الفقرة في الزيارة الجامعة مخالفة للكتاب والسنة؟! بل هي مطابقة للكتاب والسنة! شريطة التضلع في هذه المعارف الاعتقادية.

 وإلا فإن كان الإنسان لا يتدبر فيها، فسيقع حتما في أحضان التشبيه والتجسيم, ليصور لنا بأن لله موقعية جغرافية في يوم القيامة, تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا, بل هو تعالى الذي عيَّن العين فلا عين له، وهو الذي كيَّف الكيف فلا كيف له، وهو الذي خلق الزمان والمكان, فهو فوق الزمان والمكان, أو يعطل الله عن الحاكمية يوم القيامة, وحينئذ سيكون هو الذي يقع في مخالفة الكتاب.

وخرجنا كذلك من هذا البحث بقاعدة عامة مهمة ولله الحمد، وهي أن الصفات الفعلية للباري لا يُتوقع أن تعرض أو تحل أو تطرأ على ذات الباري، لأنه يستلزم الحدوث والإمكان والنقص في ذات الباري, بل إن صفاته الفعلية وأفعاله هذه يوجدها تعالى في مخلوقاته، فالمدد والفيض يكون منه عز وجل. وهذا فارق مهم بينها وبين صفاته الذاتية، إلا بناء على التجسيم والتشبيه وما شابه ذلك مما ينزه الباري تبارك وتعالى عنه.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

[1] - سورة الأنبياء:26- 27.

[2] - سورة الإخلاص:3-4.

[3] - سورة البقرة: من الآية30.

[4] - سورة الأنبياء: من الآية47.

[5] - حلية الأبرار، السيد هاشم البحراني (1107هـ) ط1: 2/125.

[6] - سورة النحل: من الآية89.

[7] - سورة الحج: من الآية78.

[8] - سورة المؤمنين آية 50.

[9] - سورة النساء آية 171.

[10] - أمالي الصدوق ص 353.

[11] - سورة البقرة آية 30.

[12] - سورة الغاشية:25-26.

[13] - راجع مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 527 باب ما ذكر أن عليا قسيم النار.

[14] - سورة البقرة آية 30.

[15] - سورة الأنبياء آية 26 ـ 27.

[16] - وفي تفسير العياشي عن هلقام عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} ما يعني بقوله: {على الأعراف رجال}؟ قال: ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح ؟ قلت: بلى. قال: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلا بسيماهم. [تفسير الميزان ج8 ص 145].

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (أنا قسيم النار، وخازن الجنان، وصاحب الأعراف) [خاتمة المستدرك ج 3 ص 93، مختصر بصائر الدرجات ص 34، البحار ج 53 ص 48]، ويقول العلامة المجلسي (ره) في هامش هذا المقطع من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام): (إشارة إلى قوله تعالى {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ} فقد روى في المجمع عن الحاكم الحسكاني ـ وهو من حفاظ العامة قال عنه الذهبي في تذكرته ج3 ص 309: (شيخ متقن ذو عناية تامة بعلم الحديث كان معمرا عالي الإسناد صنف وجمع) ـ بإسناده رفعه إلى الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) فأتاه ابن الكواء فسأله عن هذه الآية فقال: ويحك يا بن الكواء نحن نقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار.

وعن الغدير ج2 ص325: وأخرج أبو إسحاق الثعلبي ـ في الكشف والبيان ـ في الآية الشريفة عن ابن عباس إنه قال: (الأعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه). ورواه ابن طلحة الشافعي في (مطالب السئول) ص 17، وابن حجر في (الصواعق) ص 101، والشوكاني في (فتح القدير) 2 ص 198.

[17] - سورة الأنبياء آية 26 ـ 27.

 

115%