رسالة النجف

نظرة في الاجتهاد ومباديه

 

نظرة في الاجتهاد ومباديه عند علماء الشيعة([1])

المرجع الديني الشيخ محمد تقي الفقيه(قدس سره)

تمهيد: في بيان مبادئ الاجتهاد:

الاجتهاد في اللغة والعرف العام شيء، وفي اصطلاح فقهاء الشيعة الجعفرية شيء آخر، ولكن المفهومين يلتقيان حتمًا، ويكون المفهوم اللغوي والعرفي داخلين في المفهوم الفقهي.

اعلم أن بعض العلوم قد تترتب طوليًا، ترتبًا منهجيًا، من حيث توقف معرفة بعضها على معرفة بعضها الآخر، بمعنى أنه لا يجوز الشروع في دراسة المتأخر قبل الانتهاء من دراسة المتقدم، لأنه لا يمكن فهم المتأخر منها فهمًا كاملاً قبل فهم المتقدم، ولأجل ذلك كانت مترتبة.

وبعض العلوم قد لا تكون كذلك، لعدم ارتباط أحدها بالآخر.

ففي النوع الأول من العلوم، لا يجوز الدخول في العلم المتأخر قبل الإحاطة الإجمالية في المتقدم رتبةً، بخلاف الثاني، فإن الطالب مخير بالابتداء بأي واحد منها شاء.

ولا ريب أن علم الفقه الإسلامي متأخر رتبة عن جملة من العلوم العقلية والنقلية، لتوقفه عليها، فمن العبث محاولة معرفته قبل معرفتها.

أما تأخره عن العلوم المتعلقة باللغة العربية فواضح، لأن الكتاب والسنة عربيان، وهما المصدر الأصيل للفقه، وهذا مما لا يشك فيه أحد من الناس، فضلا عن المسلمين، ولا ريب أن معرفة الكتاب والسنة كلاً أو بعضًا، معرفة كاملة متوقفة على الإحاطة بشؤون اللغة العربية.

والعلوم العربية كثيرة، منها النحو والصرف، والمعاني والبيان، والبديع ومعرفة معاني مفردات الألفاظ العربية.

فمن العبث إذن أن نتكلم مع شخص في الفقه الإسلامي، مستندين إلى الكتاب والسنة، إذا لم يكن له إحاطة بهذه العلوم.

* * *

وعلم الفقه الإسلامي متأخر أيضًا عن العلوم المتعلقة بالحديث: كعلم الدراية ونعني به العلم الذي يبحث فيه عن جملة أمور يعتمدها الحديث، أهمها الجرح والتعديل وشؤونهما، وأقسام الخبر، بل وطبقات الرواة.

وكعلم الرجال: ونعني به مزاولة الكتب التي يبحث فيها عن أحوال الرواة من حيث العدالة والوثاقة والطبقة، وعن كيفية تمييز الراوي عمن يشاركه في الاسم، والتمييز يحصل بملاحظة عصره ومن عاصره ومن يأخذ منه ومن يأخذ عنه، وأحيانًا قد لا يتميز فيطعن بالرواية بأن راويها مشترك، هذا إذا كان في جملة المشاركين في الاسم شخص لم تثبت وثاقته.

وهو متأخر أيضًا عن علم الأصول بقسميه، ونعني بالأصول الأصول اللفظية والأصول العملية.

والأصول اللفظية: فلسفة لغوية عالية، تفيض بالسمو الفكري، وتتجلى فيها أسرار اللغة العربية، وتوسّع آفاق الذهن وتشحذه وتزيده مضاءً ورهفًا، ويستطيع أن يلمس ذلك كل متعلم إذا مرَّ وفهم القليل منها فضلاً عما إذا فهمها فهمًا كاملاً.

وأما الأصول العملية: فهي قطب رحى الاجتهاد، وهي في الوقت نفسه حلبة تتجارى فيها أفكار عظماء الفقهاء، وكلما مهر الفقيه فيها تجلّت مقدرته وارتفع اسمه وتبلورت نظرياته.

والأصول العملية اسم لمباحث كثيرة، يجمعها ثلاثة فصول بل أربعة:

1- مباحث القطع، وهو مبحث فلسفي محض.

2- مباحث الظنون، وهو مبحث فلسفي، بل هو مبحث عقلي نقلي.

3- مباحث الشك وهي كثيرة جدًا، وأهمها الأصول الأربعة: البراءة والاشتغال والاستصحاب والتخيير، وإنما كانت أهم لأنها لا تختص في باب من أبواب الفقه ولأنها تتضمن قواعد كثيرة سيّالة يصعب حصرها في مثل ما نحن فيه، وأما مباحث الشك الأخرى فهي قواعد مهمة تختلف سعة وضيقًا ولكنها لا تطرد في جميع أبواب الفقه، بل قد يختص بعضها بباب منه أو فصل، وقد يشترك فيها عدة أبواب([i]).

4- مباحث التعادل والتراجيح، وهو محاكمة رفيعة للظنون المتعارضة والأصول المتداخلة.

وقد تشتمل كتب الأصول أو مباحث الأصول اللفظية والعملية على قواعد أخرى يتعرضون لها في أثناء البحث عن مسألةٍ، لتوقف معرفتها عليها، وقد يفردونها تحت عنوانها المختص بها، وإنما انفصلت عن هذا الموكب لأنها تدور في أفق من آفاق الفقه الضيقة، فقاعدة الحل وقاعدة الطهارة لها حقل يخصها، وقد يستوحى من عنوانها، ومثلها قاعدة نفي الحرج والضرر.

وللأصول لغته واصطلاحاته التي لا يمكن تجرده منها، وهو من هذه الناحية كسائر العلوم التي لها اصطلاحاتها ورموزها، وهذه كتب الهندسة والحساب والطب والهيئة والمنطق والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وجملة من العلوم الحديثة، كل منها يحتفظ بلغته واصطلاحاته وأسلوبه ورموزه الخاصة به.

والسبب في اعتماد العلوم على هذه الاصطلاحات هو تقريب المسافة في مقام الاستدلال والتمثيل، وتسهيل الوصول إلى النتائج بالتعبير القليل، فلو أراد الرياضي أن يشرح مسألة واحدة مجردة عن مصطلحاتها لمن لا يعرف تلك المصطلحات، لأجهد نفسه وأجهد من يستمع منه، ومع ذلك لا يمكن عادة أن يستفيد الفائدة المطلوبة، وهكذا بقية المسائل من بقية تلك العلوم.

والأصول كغيره، له ما لها من مصطلحات تخصه، وتبِعه الفقه بطبيعة الحال، ولكن كثيرًا من الناس، ويصح أن أقول الناس السذج، يطالبون الفقهاء بتجريد الفقه والأصول من مصطلحاتهما لأنهم لا يفهمونها، وهو طلب غير عادل، ولست أدري لماذا يطالبوننا ولا يطالبون أرباب المختصين بسائر العلوم بمثله.

والحقيقة والواقع أن المصطلحات العلمية بمنزلة أصول موضوعة، تعبر عن الشيء الكثير بكلمة أو كلمتين ينتهي إليها البرهان، وتنقطع عندها الخصومة، ويستعملها العلماء كآلة سريعة تقطع مسافات الخلافات الطويلة.

ولقائل أن يقول أيضًا، إذا كان غير العرب من الأمم في حاجة إلى دراسة اللغة العربية لأجل التمكن من فهم الكتاب والسنة وسائر التراث الأدبي العربي القديم، فالعربي الأصيل والمستعرب الذي عاش في البلاد العربية ليس كذلك، لأن العربية لغته ولغة آبائه وأجداده ولغة المحيط الذي عاش فيه، وهو يفهم العربية ويتذوقها ويشعر بأحاسيسها بفطرته وطبيعته ووراثته.

ألا ترى أننا نحن العرب الموجودين في هذا العصر نستطيع النطق بجميع الحروف العربية! فالنطق بالضاد والظاء والطاء والثاء والعين والغين سهل علينا كالنطق بسائر الحروف، أما غيرنا من أبناء اللغات غير العربية فلا يستطيعون النطق بجملة من حروف اللغة العربية.

وهذا الاعتراض ليس كالاعتراض السابق في البساطة، والجواب عنه ليس بتلك السهولة، لوجود الفوارق الواضحة بين العربي الموجود في هذا العصر وبين غيره، بالنسبة للقدرة على النطق بجميع حروف اللغة العربية، وبالنسبة لإدراك كثير من شؤون اللغة العربية الخفية، فإن عربي اليوم يستطيع النطق بحروفها ويميّز كثيرًا من أسرارها بفطرته، وغيره لا يستطيع النطق ولا يقوى على إدراك تلك الأحاسيس إلا بالتعلم والدراسة، ولكن هذا المقدار لا يسوغ لنا مثل هذه الدعوى التي يكذبها الوجدان.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــ

([1]) هذه الصفحات هي فصل لم ينشر من كتاب (جامعة النجف في بوتقة التحليل) الذي صدر للمؤلف(قدس سره) منذ ما يقرب من نصف قرن.

([i]) وإليك أمثلة لذلك بنبذة من القواعد، فمن تلك القواعد : قاعدة الإستيفاء، وقاعدة الإتلاف، وقاعدة على اليد، وقاعدة الغرور، وقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، التي هي كضابط لمجموعة قواعد كلها تسمى أسباب الضمان، وبعضها يختص بالأموال، وبعضها يطرد في الأموال والنفوس.

ومنها قاعدة نفي الحرج، وقاعدة نفي الضرر والضرار، فإن الأولى تختص بالعبادات والأخرى تطرد في جميع أبواب الفقه.

ومنها قاعدة الإقرار، وقاعدة من ملك شيئًا ملك الإقرار به، وقاعدة من كان له الغُنم فعليه الغُرم، وقاعدة تلف المبيع قبل قبضه، وقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات، وقاعدة التجاوز والفراغ، وقاعدة الصحة في المعاملات، وقاعدة الصحة في فعل المسلم، وقاعدة الرضاع لُحمة كلُحمة النسب، وقاعدة الطهارة، وقاعدة الحل، وقاعدة الحرية.

وقد ألّف جملة من العلماء في جملة من هذه القواعد وغيرها، كما إنني ألّفت كتابا سمّيته قواعد الفقيه، خرج منه جزء يحتوي نحو ثمان وأربعين قاعدة، يشتمل بعضها على عدة قواعد سيالة، أكثر القواعد التي ذكرناها غير موجودة فيه، وقد ألف عدد من العلماء عددًا من الرسائل في عدد من هذه القواعد لأهميتها العلمية، ولأنها مطرح الأنظار.

 

.

تتمة مقال = نظرة في الاجتهاد ومباديه

هلمَّ معي لنـتلوا معلقة من المعلقات السبع أو العشر، أو شطرًا مما تضمنته حماسة أبي تمام، فإن فهمناها وأدركنا خفاياها حكمنا لأنفسنا بأننا نستطيع فهم الكتاب والسنة ولو بعد مراجعة مفرداتها في قواميس اللغة، وإن عجزنا عن ذلك كان عجزنا شاهدًا علينا، ووجب علينا أن نحكم على أنفسنا بأننا في هذا العصر لسنا قادرين على فهمهما بدون تعلم ودراسة.

إن أشهر المعلقات معلقة امرئ القيس، وإن أشهر بيت فيها مطلعها، حتى أصبح مضرب المثل، فقيل أشهر من [قفا نبكي]، وهو هذا:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

 

 

بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لما نسجتها من جنوب وشمــأل

 

وإذا كنا لا نفهم معنى مفردات البيتين لغرابتهما بالنسبة لنا، وكان يمكننا فهمها ببساطة إذا رجعنا إلى قواميس اللغة أو إلى شروح المعلقات، فهل الرجوع إلى المعاجم من الأمور السهلة؟ وهل هي مبتذلة عند جميع من يتعلم من الكتاب والسنة؟ ولو فرض ذلك كله، فهل يمكننا فهم جميع محتويات البيتين التي أعطتهما طابعهما الأدبي الخاص الذي رفعهما في نظر بلغاء العرب في الجاهلية إلى المستوى الأعلى؟

وما هي الروائع التي لفتت انتباههم وأثارت إعجابهم؟ وهل يمكننا معرفة السبب في تثنية ضمير الخطاب من قوله (قفا)؟ وهل يمكننا معرفة الأسباب التي استدعت إعجاب فحول الأدب في صدر البيت في العصور الإسلامية الذهبية حتى قالوا معجبين: إنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى في كلمتين!

وهل كان السبب في تثنيته أن معه رفيقين، أو لأنه كان معه مرافقين لأنه ملك، والملك له وزيران أيمن وأيسر؟

وإذا كان ملكًا وكان له وزيران، فمن الطبيعي أن يكون معهم خدم وحشم وأعوان، فلماذا خص الوزيرين بالخطاب؟ فهل كان ذلك ترفعًا عن خطاب السوقة، أو لأنهم ليسوا أهلاً لمشاركة الملوك في أحاسيسهم؟

أو كان السبب في تثنية الخطاب المحافظة على وزن الشعر، لأنه إذا أفرد الضمير اختل الوزن، وإذا جمعه لم يكن مستعذب التقاطيع؟

إنها كلها أسئلة موجهة، ولكن إذا رجعنا إلى الأدب العربي وإلى واقع العرب في زمانهم، وجدنا الأمر على خلاف ذلك، لأن ملوك العرب لا يستوزرون حسبما نعرفه، وإنما يستعينون بمن حضرهم من زعماء القبائل، ووجدنا تثنية الضمير مبثوثة في شعر الجاهليين والمخضرمين والمولدين ممن لم يكن لهم خدم ولا حشم ولا وزراء ولا نديمَين، وربما يرجّح تقليدهم لامرئ القيس، ويكون امرؤ القيس استعمل ذلك لأن له نديمين أو وزيرين، والذي استقر عليه علماء الأدب نوعًا، أن هذه التثنية كانت لغةً لهم، سواء كان للشاعر صاحبان أو نديمان أو لم يكن، فلفظ (خليليَّ) و(صاحبيَّ) كثيرة فوق الحد في الشعر العربي، وصادرة حتى ممن لا خليل له ولا نديم، وإلا لوجب على الباحث والشارح الفحص عن شخصية الوزيرين و الصاحبين أو الخليلين اللذين عناهما الشاعر، وإن لم يفعل كانت العملية الأدبية عملية ناقصة.

وإذا عرفنا ذلك أو جهلناه، فهل نستطيع معرفة الصورة الشعرية اللافتة التي استدعته للوقوف والاستيقاف والبكاء والاستبكاء، والتي عناها بقوله [من ذكرى حبيب ومنزل]، ومن قوله [لم يَعفُ رسمها].

أجل إنها في هذه الكلمات الأربع صورة معبرة عن حياة العربي بعد ارتحاله بأجمعها، فإن العربي كان ولا يزال ينزل الصحراء، ويختار منها البقعة السهلة الناعمة، ويتجنب الحزنة الوعرة لوعورتها، والسهلة الرخوة لرخاوتها، لأن تحركاته مع مواشيه مظنة لاستثارة الغبار والرمال وغير ذلك، ثم إذا نزل في المكان ضرب أخبيته، وأفرد مضربًا واسعًا يجتمع فيه رجال القبيلة للتحدث والتناشد والسمر والسهر، لحماية الظعن، ولاستقبال الأضياف، ويثبت في عدة أماكن أخشابًا في الأرض لتحتكّ به الإبل وتجتمع حولها، ويهيئ الأثافي لقدوره، ويحفر نؤيًا([i]) ليكون مستقرًا للمياه المستعملة والتي تتجمع من المطر.

ثم إذا تقذّر ذلك المكان أو قلَّ فيه الماء والكلأ، ارتحل عنه، وتبقى آثار المضارب وما حولها صورًا مرتسمة في الأرض، وتكون سعتها وانتشارها دليلاً على كثرة النازلين في تلك البقعة، وتكون النفايات المتجمعة على مقربة من البيوت دليلاً على ثرائهم إن كان فيها شيء من عظام الإبل والضأن، ويكون عِظَمُ الأثافي دليلاً على سعة القدور، كما أن ما يكون فاقدًا لهذه الصفات يكون دليلاً على قلة النازلين وفقرهم.

فإذا ارتحلوا، بقيت هذه الانطباعات ترفرف فوق البقعة، كما أن انطباعات أقدامهم وأقدام مواشيهم وخيولهم أيضًا تنطق عنها كثرة وقلة، وإذا كان الشاعر قد مكث وقتًا عند أهل محبوبته كان له خباء مستقل فله ذكريات أخرى.

فالمنزل إذن أعظم أثرًا في نفس الشاعر من الذكرى، لأنه أقرب للحس من الخيال، ولما كان من شأن الرياح المتخالفة جنوبًا وشمالاً أن تحمل الرمال من الصحراء وتملأ تلك الفجوات والخلل الحاكية، قال الشاعر: إنه لم يعف رسمها ولم تتغير معالمها، حتى كأنهم ارتحلوا عنها قبيل اجتيازه بها، فهو كالعطشان الذي يرجو ماءً فيجدها ساعة ورده.

إلى هنا أصبحنا نشعر أننا إذا قرأنا البيتين نفهمهما بصفتنا عربًا بالوراثة فهمًا بسيطًا جدًا لا يثير الإعجاب ولا يلفت الأنظار، أما إذا كنا نعيش مع آبائنا، ونحيط بما شرحناه، وقدمنا في قوله [لم يعف رسمها] تلخيصًا لواقعٍ يدعو للتأمل ويبعث على الحزن، لوجدناه من كلام العرب المبني على الخفة والاختصار.

ولعل هذه الصورة لم ينقلها قبل امرئ القيس متكلمٌ بكلمتين، بل كان إذا حدّث عنها نقلها أكثر مما فصلناه، ولمّا استطاع امرؤ القيس تلخيصها بهذا التعبير القصير المبدع استثار إعجاب السامعين وإكبارهم له.

يتبع =

ـــــــــــــــــ

([i]) كتاب العين ج8 ص392 : النؤي : تحفر حول الخباء.

 

.

تتمة مقال = نظرة في الاجتهاد ومباديه

عود على بدء

العلماء يبحثون مثلاً في الأصول اللفظية عن عدة أمور:

أولها: الوضع وأقسامه.

وصور الوضع في مرحلة الثبوت أربعة: وضع عام والموضوع له عام، ووضع خاص والموضوع له خاص، ووضع عام والموضوع له خاص، ووضع خاص والموضوع له عام.

ونقول: لا ريب في وقوع الوضع العام والموضوع له العام في اللغة العربية كأسماء الأجناس، ولا ريب في وقوع الوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام الشخصية، كما أننا نقول باستحالة الوضع الخاص والموضوع له العام، ونقول بإمكان الوضع العام والموضوع له الخاص ونمثل له بوضع الحروف وأسماء الإشارة وما أشبهها.

ثم يتعمق علماء الأصول ويثبتون في النهاية أن الحروف وأشباهها موضوعة بالوضع العام والموضوع له العام، لاستحالة أخذ الخصوصية الآتية من قبل الاستعمال التي هي في الرتبة الثالثة في سلسلة العلل بالنسبة للوضع، في نفس الموضوع له الذي هو في الرتبة الثانية من هذه السلسة، قائلين ما لفظه بالحرف (لاستحالة أخذ ما لا يمكن الإتيان به من قبل الاستعمال في المستعمل فيه)، وقد اشتهر هذا المبحث باسم (المعنى الحرفي).

ثم نبحث في الأصول اللفظية أيضًا في أن المركَّبات في اللغة العربية هل هي موضوعة بوضع مستقل أو لا؟

وإنما جاء هذا النـزاع لأننا نجد المفردات لها دلالة، ثم إذا ركَّبنا بعضها مع بعض وجدنا لها دلالة ثانية، وإذا عكسنا تركيبها كان لها دلالة ثالثة، وإذا غيّرنا بها حرفًا واحدًا كان لتلك الجملة دلالة رابعة.

فإذا عرفنا معنى [زيد] ومعنى [قام]، ثم ركّبناهما جملة واحدة، وقلنا [قام زيد]، كان في هذه الجملة إسناد وربط بين زيد وقام، وهذا شيء لم يكن في لفظة زيد وحده ولا في لفظ قام وحدها وإنما حدث بعد التركيب، وهاتان الدلالتان لعلهما موجودتان في جميع اللغات، حتى قيل إن [است] بالفارسية و[استين] باليونانية، تدلان عليه، وحاول بعضهم جعل [كان] و[كائن] ترجمة لـ[است] و[استين].

ولكن إذا قدّمنا زيدًا على قام، وقلنا: [زيد قام] دلَّ ذلك في اللغة العربية على تأكد النسبة، وإذا أدخلنا كلمة [إنَّ] على هذه الجملة فقلنا: إن زيدًا قام دلَّ ذلك على تأكد أشد، وإذا أبدلنا لفظ [قام] بقائم، دلَّ ذلك على زيادة ثالثة في التأكيد، وإذا أضفنا اللام إلى قائم فقلنا: [إن زيدًا لقائم] دلَّ ذلك على زيادة رابعة في التأكيد، وإذا أردنا تعظيم التأكيد والمبالغة فيه أضفنا القسم فقلنا: [والله إن زيدًا لقائم]، وإذا زدنا إحدى أدوات الحصر وقلنا [إنما زيد قائم] أو قلنا [إنما قائم زيد] تبدّل المعنى وأصبح ناظرًا إلى إفادة النسبة وإلى حصر قلب، وحصر إفراد.

فلو فرض أن أجنبيًا عن لغتنا عرف معنى زيد ومعنى قام، ثم سمع تراكيب هذه الجملة من أربعة أشخاص، فسمع كل واحد منهم ينطق بتركيب غير التركيب الذي سمعه من الآخر، لم يفهم من أحدها غير ما يفهمه من الآخر، في حين أن العارف بأسرار اللغة العربية يعرف الفرق، ويحسّ بما يقصده كل واحد ممن تكلم بها.

وإذا تجاوزنا هذه المراحل البدائية إلى مراحل أرفع وأسمى، وجدنا في لغتنا حقيقة ومجازًا، واستعارة وكناية وإسنادًا حقيقيًا وإسنادًا مجازيًا وقصر قلب وقصر إفراد.. الخ.

ووجدنا كل تركيب من هذه التراكيب يحمل معنى لا يحمله الآخر، ووجدنا المفردات قاصرة عن تأدية كل القصود.

فإذا عرف الغريب عن لغتنا معنى مفرداتها المسماة بالمعاني الأولية، كيف يستطيع أن يفهم المعاني الثانوية التي تختلف باختلاف التراكيب، فلو سمع قائلاً يقول: فلان كثير الرماد، لم يخطر في باله أكثر من كونه يجمع الرماد، ومن أنه إذا كان الرماد في منزله كان قذرًا، مع أن هذا التركيب في لغتنا كناية عن المبالغة في الكرم التي يدّعي المتكلم بها وجود شاهد يشهد بكرم ممدوحه، وهو الرماد، وأين هذا من ذاك!

 وقد اختلف العلماء في أن مثل هذا التعبير هل يصح بالنسبة للكريم الذي يهب النقود والمواشي وسائر الأعيان ولا يستعمل الطبخ أو لا يحسنه؟

 ويعجبني ما حكي من أن شاعرًا عراقيًا مدح محمد شاه بقصيدة مطلعها:

أنخ المطي فهذه طهران
 

 

هي جنة ومحمد سلطان
 

فلما أنشده إياها أو أنشد هذا المقطع، سأل الشاه وزيره أو المترجم ماذا قال؟ فقال له باللغة الفارسية: كفت بشن خر ابن تهران، فغضب الشاه وأمر بطرده، لأن لفظ [بشن] بمعنى اقعد، ومعنى [خر] الحمار، ونتيجة هذا إقعاد الحمار في طهران.

ولا ريب أن هذا ذم، وأنه لا يخاطب به الملوك، وأن غضب الشاه في محله، على حين أن الذي يريده الشاعر ويؤديه هذا المصراع من أرفع المعاني وأسماها.

إن هذا الشاعر جرَّد من نفسه شخصًا، والتجريد باب من أبواب البلاغة في لغتنا، ثم نظر إليه فرآه قد أتعب راحلته في الأسفار في طلب المعاش والسعة والاستقرار، ثم رآه وقد انتهى به السير إلى طهران عاصمة الملك، فأمره بأن ينيخ راحلته ويرتاح من أسفاره وأتعابه، وهذا في لغتا كناية عن بلوغ النهاية والفوز بأقصى الغاية، فهو نظير قول القائل:

فألقت عصاها واستقر بها النوى
 

 

كما قـرَّ عينًا بالإيـاب المسافر
 

ولا سيما بعد استعارة لفظ [الجنة] إلى طهران، أو إدعاء كونها هي، ولا ريب أن الجنة فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وليس فيها تعب ولا نصب.

ومن المشهورات أن كلام العرب مبني على الخفة والاختصار، فيوجِز المقاصد الكثيرة بعبارات يسيرة، وليكن هذا منها([i]).

ولا ريب أن المترجم لو كان يفهم أسرار اللغة العربية ويترجم هذا البيت على حقيقته -لأن ما قلناه هو الذي يقصده الشاعر- لأعجب الشاه ذلك، ثم أغدق عليه بالصِلات والهبات ولا أقل من حسن الضيافة بدلاً عن الطرد والإهانة.

وأخيرًا وليس آخرًا: إن غير العربي إذا فهم الكلمة المفردة لن يستطيع أن يفهم مشتقاتها، وإذا عرف مشتقاتها وأدرك الفوارق بينها وعرف الفرق بين المصدر واسم المصدر، وبين اسم الزمان والمكان والآلة، وبين الماضي والمضارع والأمر، وبين اسم الفاعل واسم المفعول، فلن يستطيع التفرقة بين الحقيقة والمجاز ولا الاستعارة والكناية وأضرابهن بدون دراسة وتعلم وإتقان.

يتبع=

ــــــــــــــــــــــــــ

([i]) ولأجل ما عرضناه في تفسير هذا البيت، يمكن تسرّب الشك في ترجمة كثير من الكتب العربية إلى اللغات الأجنبية، ولا سيما إذا استبدل اللفظ بمرادفه من تلك اللغة، وأوضح ما نختاره في باب الترجمة، هو أخذ الفكرة وتجسيدها في اللغة الأخرى، بما يُحَمِّلها صورة تشبه الصورة التي يحملها الأسلوب العربي، ومع ذلك لا أعتقد أنه يبلغ الغاية .

 

.

تتمة مقال = نظرة في الاجتهاد ومباديه

نسبة علم الفقه إلى علمي الفلسفة والكلام

ثم إن علم الفقه متأخر مرتبة عن علمي الفلسفة والكلام[i] عقلاً وشرعًا، ويتضح ذلك فيما يلي:

إن الأدلة الأربعة أعني الكتاب والسنة والعقل والإجماع، تترتب في لغة المنطق والعقيدة ترتيبًا منهجيًا لا بد منه ولا محيص عنه، لأن الكتاب والسنة إذا لم يسبقهما الإيمان بالله سبحانه وبحكمته وعدالته وبالنبوة وبعصمة النبي(صلى الله عليه وآله)، ليتفرع عليهما الاعتقاد بكون القرآن من عند الله، وبكون أصل التشريع من عند الله، وبكون النبي(صلى الله عليه وآله)في سُنَّته مبلّغًا لا مشرعًا، إذا لم يسبقهما ذلك كله، فلا يمكن الاستدلال بهما في قبال من لا يعترف بكونهما من عند الله سبحانه، لأن استدلال شخص بدليل في قبال خصمه لا بد وأن يكون أمرًا قطعيًا يعتقد به الطرفان، أو يعتقد به العقلاء، لأنه بديهي أو نظري مبرهن عليه، أو يكون أمرًا ظنيًا يتفق الخصمان على حجيته والاعتماد عليه، وإلا لم يصح الاستدلال، ولم تقرع الحجة بالحجة، ولا البرهان بالبرهان، بل يكون من الاحتجاج على الخصم بأمر لا يراه حجة.

ومن أجل هذا الترتيب المنهجي، لا يستنكر الفاهمون قول الشيعة إن العقل هو الرتبة الأولى من الإسلام، لأنه الحجر الأساسي في عالم الدليل والبرهان، ولا يستنكرون أيضًا قول من يقول: إن الإسلام يسير مع العقل وعلى ضوء العقل، جنبًا إلى جنب، لأن الإسلام يستند في أصوله الأولى على العقل، ويحرّم التقليد فيها، فالتوحيد، والعدالة، والنبوة، وعصمة النبي(صلى الله عليه وآله)، لا يمكن إثباتها إلا من طريق العقل.

علم الأخلاق

ثم إن علم الأخلاق عندنا شعبة من شعب الفقه، وأدلته هي أدلة الفقه بعينها.

وعلم الأخلاق عبارة عن أدب السلوك، أو تربية النفس تربية فاضلة ترفعها من مستوى الحيوان إلى مستوى الإنسان، ومن مستوى الإنسان العادي إلى مستوى الإنسان المثالي، وهو روح الرياضة، ورياضة الروح، أو ترويضها على الأصح، والرياضة الصحيحة لها درجات:

أولها: الالتزام بفعل الواجبات وترك المحرمات.

ثانيها: المحافظة عل السنن والآداب الشرعية بالقدر المستطاع، ونعني بذلك الاهتمام بفعل ما يتمكن عليه من المستحبات، وترك ما يتمكن من تركه من المكروهات.

ثالثها: مراقبة النفس ومحاسبتها على ما تتصف به من الرذائل كالبخل والسرف والجبن والتهور والحقد والكسل وغير ذلك، ثم معاقبتها بإرغامها على فعل أضداد هذه الصفات، فإن لم تطعه عاقبها بتوجيهها إلى الإكثار من الطاعات التي تسهل عليها، ويكون ذلك ككفارة وتعويض وترويض.

رابعها: التحلي والتخلي، وهي أعلى المراتب، ونعني بها التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، ومرتبة التخلي قبل مرتبة التحلي، لأن الثانية أصعب من الأولى، والنفس إذا وصلت إلى هذه المرتبة أصبحت مهيأة للفيض الإلهي، وقادرة على تحصيل اليقين بما وراء المادة، إيمانًا يشبه الإيمان بالمحسوسات.

والرياضة بلا فقه ولا تفقه، لا تأمن من الالتواء والانحراف، بل هي عين الالتواء والانحراف.

إن السنن والآداب أحكام شرعية لا بد فيها من الاجتهاد أو التقليد، والمرتاضون من الصوفية والدراويش وغيرهم إنما انحرفوا لأنهم فقدوا التفقه من أساسه، واعتمدوا على الخيالات والأطياف والقصص الواقعية الحاصلة من باب الصدفة، والقصص الخيالية المخترعة، وسمّوا ذلك بأسماء مترتبة: وهي الأطياف الصادقة، ثم الخطورات الذهنية، ثم المشاهدات، والإحاطة.

وقد أمر الله سبحانه في كتابه باتباع سبيل واحد، وهو سبيل أهل العصمة، ونهى عن اتباع السبل، فقال عز وجل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[ii].

وحسبنا هذا المقدار في هذا المضمار.

انتهى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[i] الفرق بين علم الفلسفة وعلم الكلام مع وحدة موضوعهما : هو أن الفلسفة تبحث عما وراء المادة منطلقة من ذاتها، وعلم الكلام يبحث عن ذلك معتمدًا على العقل ومتقيدًا بالكتاب والسنة.

[ii] الأنعام:153.

 
115%