رسالة النجف

الاستنساخ

 

الاستنساخ

الشيخ أحمد صمادي1

قضية الاستنساخ ليست جديدة في مجال الدراسات والبحث والخيال العلمي، فقد شرعت منذ سنة 1950، وفي سنة 1978 صدر كتاب الخيال العلمي للكاتب ديفيد روفريك حول تخيلاته عن استنساخ البشر، وبقي الاستنساخ عن طريق الخلية ضمن الخيال العلمي حتى سنة 1997 حيث أعلن كامبل ويلموت عن مولد النعجة دوللي بواسطة الاستنساخ وليس من طريق النطفة.

وفي 27 كانون الأول من سنة 2002 فجرت الكيميائية الفرنسية بريجيت بواسوليه رئيسة مؤسسة (كلونايد) التي تنتمي إلى طائفة الرائيليين([1]) قضية استنساخ البشر عندما أعلنت أنها نجحت بإجراء عملية استنساخ لأول إنسان في الولايات المتحدة الأمريكية وولادة الطفلة (إيفا أو حواء)، وأثارت هذه القضية جدلاً واسعًا ما زال قائمًا في الأوساط العلمية والسياسية والدينية، ولم تحظ قضية علمية -خلال نصف القرن الأخير- باهتمام بالغ من قبل المؤسسات العلمية والطبية والسياسية والقانونية والاجتماعية والدينية وفي مختلف أنحاء العالم بمثل ما حظيت به قضية الاستنساخ، وما أثارته من ضجة ما زال صداها مسموعًا من خلال مختلف وسائل الإعلام.

وللحكم على هذه القضية لا بد من معرفة الاستنساخ والاطلاع على حقيقته كأي موضوع يراد الحكم عليه، فلا بد من تقديم مقدمة لتتضح حقيقة الاستنساخ، فنقول:

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

([1]) هذا وقد ارتبط الاستنساخ باسم الرائيليين فهم أول من أعلن عن ولادة أول طفلة بالاستنساخ سنة 2002م .

فمن هم الرائيليون؟

حسـبما تشـير مراجعة كتابات "رائيل" على موقع للحركات الدينية على الإنترنت، إن "رائيل" هو مغنٍّ وصحافي فرنسي متخصص في كتابة الأخبار والتحقيقات الرياضية يمارس رياضة قيادة السيارات وقد سمى نفسه "رائيل" أي نور الله.

بدأ حركته منذ ثلاثين عامًا في 13 كانون الأول في العام 1973 في فرنسا)، ويزعم أنه التقى مع الإيلوهيم ويقول عن نفسه أنه [خاتمة الأنبياء] وانه أخ غير شقيق ليسوع (ع).

وقد حاول المدعو [رائيل] بناء سفارة لاستقبال المخلوقات الفضائية بزعمه والاحتفاء بها عند قدومها إلى الأرض في القدس المحتلة.

وقد ذكرت جريدة السفير في عددها 7-1-2003م تحت عنوان [إن الرائيليين يخادعون]: أعلن الصحافي الأميركي مايكل غيلن الذي كان يفترض أن يتولى الإشراف على تحاليل الحمض الريبي النووي للطفلة المستنسخة (حواء) التي أعلن الرائيليون ولادتها في 27 كانون الأول الماضي، (أمس) أنه علّق عملية التحقّق هذه، متحدثًا عن احتمال أن يكون الرائيليون قاموا بخدعة محكمة، أضاف غيلن: علقت صباح اليوم (أمس) عملية التحقق المستقلة الرامية إلى التأكد من ولادة طفل مستنسخ، ففريق العلماء لم يتمكن من الوصول إلى العائلة المفترضة، ولا يمكنه بالتالي التحقق من إعلان ولادة طفل مستنسخ، وتابع إنه بمعنى آخر، لا يزال من الممكن تماما أن يكون إعلان شركة (كلون ايد) يندرج في إطار خدعة محكمة تهدف إلى الدعاية للحركة الرائيلية، وأعرب في المقابل عن استعداده لاستئناف عملية التحقق في حال امكن الوصول إلى العائلة المعنية -ومما يقرّب كذب مزاعمهم أنه لم ير أحد ما ادعي استنساخه-.

فلذا لم يثبت نجاح الاستنساخ البشري، وعلى فرض ثبوته فيشك في كونه مشروعًا عمليًا يمكن من خلاله إنتاج ما يريدون من نسخ بشرية، ولذا قال بعض العلماء: إن مسالة الاستنساخ أصبحت أقرب شيء إلى كذبة أكاديمية تجاوزت الحقائق العلمية والخيالية.

فلذا كلامنا في الموضوع سيكون فرضيًا.

.

تتمة مقال = الاستنساخ

معنى الاستنساخ:

وهو في عرف أهل اللغة: الحصول على نسخة طبق الأصل عن النسخة الأصلية.

قال ابن منظور في لسان العرب: والاستنساخ: كتب كتابًا من كتاب إذا اكتتبه عنه حرفًا بحرف، وفي التنزيل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([1])، أي نستنسخ ما تكتب الحفظة.

وهناك معنى آخر للنسخ وهو: الإزالة وإبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، ومنه قوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}([2])، ومنه قولهم نسخت الريح أثر الأقدام أي أزالتها([3]).

وأما في الاصطلاح العلمي: فيراد به إنتاج مخلوق مطابق لصاحب الخلية عن طريق التكاثر اللاجنسي بواسطة دمج الخلية في بويضة منزوعة النواة.

وتوضيحه -كما يظهر من كلمات أهل الاختصاص-: أنه تؤخذ خلية من مخلوق يراد استنساخه، سواء كان ذلك المخلوق ذكرًا أو أنثى، وتلك الخلية تحمل جميع خصائص ذلك المخلوق الوراثية، ويوجد في الخلية نواة وهي أهم أجزائها وتتكوّن من ثقوب عديدة تؤمّن مرور المواد عبرها، ويصطلح عليها بـ[الغشاء النووي]، ويوجد بداخل النواة سائل يعرف بالحمض النووي ويصطلح عليه (دي أن أيه)، وتحتوي الخلية على 46 كروموزومًا أو صبغية أو جينة تحمل الصفات الوراثية للمخلوق، وهي متكاملة وكافية للتلقيح مع البويضة المنزوعة النواة -بينما النطفة تحتوي على نصف هذا العدد، وكذلك البويضة-، ثم تؤخذ بويضة من أنثى وتفرغ من نواتها التي تحوي 23 كروموزومًا وراثيًا حتى يأتي الناتج الجديد نسخة طبق الأصل عن صاحب الخلية، ثم تدمج الخلية مع البويضة ويسلط عليها شحنة كهربائية حتى تحتضنها البويضة وتثبت فيها، وتُترك ما بين ثلاثة أيام إلى خمسة، وبعد التأكد من الاحتضان تنقل إلى رحم أنثى حتى يتكون الجنين.

فالحاصل: إن عملية الاستنساخ لا تقوم على التلقيح المتعارف الجنسي، وإنما هو تلقيح لاجنسي يتم فيه تلقيح البويضة بخلية من جسم الإنسان مثلاً، ولا فرق بين كون تلك الخلية من ذكر أو أنثى، ويمكن أن تكون تلك الخلية من نفس زوج صاحبة البويضة أو من أجنبي أو من محارمها، بل حتى من نفسها، وقالوا إن الناتج الجديد يطابق الأصل مائة بالمائة حتى في البصمة، وأنّ النسخ المستنسخة ستكون متعددة الأفراد متحدة الذات، أي إنَّها ستكون شخصًا واحدًا في التفكير والإدراك والعواطف والميول والرغبات.

إلا أن جماعة من أهل الاختصاص شكّكوا فيما ادعاه الرائيليّون وغيرهم في أصل إمكان الاستنساخ ونجاحه، وأن كل ما قاموا به هو من قبيل الدعاية الإعلامية فضلاً عن كون المخلوق الجديد مطابقًا بالتمام للأصل، لأن هناك عدة عوامل تؤثر في خصائص الإنسان من روحه وعقله ونفسه والبيئة التي يعيش فيها وغيرها من الأمور التي تلعب دورًا في شخصيته.

لكن سواء صدّقنا بنجاح عملية الاستنساخ أم لم نصدق وقلنا إن الاستنساخ ما زال ضمن الخيال العلمي، فتحتاج هذه الواقعة إلى الحلول الفقهية والدينية.

وهناك ثلاثة جوانب مهمة ترتبط بهذه القضية ينبغي تناولها، وهي: الجانب العقائدي، والجانب الأخلاقي،  والجانب الفقهي.

 يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــ
 

([1]) سورة الجاثية: من الآية 29.

([2]) سورة البقرة: آية/ 106.

([3]) لسان العرب لابن منظور مادة نسخ

 

.

تتمة مقال = الاستنساخ

الجانب العقائدي:

هلّل بعض الملاحدة والعلمانيين واللادينيين للاستنساخ وروّجوا له وقالوا إن الإنسان قادر على الخلق.

وشكّك بعض الدينيين بالاستنساخ من جهة كونه تدخلاً في مشيئة الله، فلذا لا يمكن حصوله والقبول به، وأنه يتنافى مع الآيات القرآنية التي حصرت الخلق بالله وحده جلّ وعلا من قبيل قوله تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}([1]) وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}([2])، وقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماإذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}([3]) وقوله تعالى: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}([4]) وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}([5])، وغيرها من الآيات

لكن نقول: إن الاستنساخ يؤكّد على عظمة الله وإتقان صنعه، وعلى عجز البشر، وأن ما قام به الإنسان لا يعدو كونه نمطًا جديدًا ومتطورًا، ولن يكون مستغنيًا عما خلق الله تعالى، فالخلية التي نحتاجها في عملية الاستنساخ جزئية مخلوق من خلق الله أودعها الله عز وجل في جسم هذا المخلوق وحباها بخصائصها الفريدة، فما قام به الإنسان بعد الاطلاع على بعض أسرار هذا المخلوق وخلاياه وجيناته عبر خريطته الوراثية التي أودعها الخالق في أجسامنا ثم استخرج البويضة الأنثوية من جسم المرأة الذي خلقها الله تعالى وخلق فيها نظام الإخصاب وقام بدمج تلك الخلية في البويضة، فعملية الاستنساخ تجري ضمن دائرة الهندسة الوراثية، والتدخل البشري إنما هو في خصائص ومكوّنات موجودة ومحددة الأدوار والوظائف من قبل الله تعالى، ولا دور للإنسان في تلك الوظائف، بل اهتدى إلى معرفة أسرار خلقه تعالى.

ثم من أين للإنسان أن يصنع الروح -التي يولجها الله في الجنين عند استعداده لتقبل تلك الروح- وهو لا يعرف كُنه الروح وحقيقتها فضلاً عن خلقها، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}([6]).

فلذا الاستنساخ يؤكّد ما جاء في الآيات القرآنية من انحصار الخلق بالله عز وجل وان الناس لو اجتمعوا بأسرهم وكان بعضهم لبعض ظهيرًا ما قدروا على خلق ذبابة واحدة من دون الاستعانة بالمواد التي خلقها الله تعالى.

 يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة الزمر: آية62.

([2]) سورة النحل: آية20.

([3]) سورة لقمان: آية 11.

([4]) سورة الرعد: من الآية 16.

([5]) سورة الحج: آية 73.

([6]) الإسراء: الآية85.

 

.

تتمة مقال = الاستنساخ

الجانب الاخلاقي:

من جملة المآخذ التي أثيرت ضد الاستنساخ: المحاذير الأخلاقية الناتجة عن عملية الاستنساخ، ومما أشاروا إليه من محاذير في كلماتهم:

1- إن الاستنساخ يهدّد نظام الأسرة والزواج والقرابة والمصاهرة والميراث، ففيه تغيير جذري للعلاقة المؤسسة لأصل الإنجاب ويجعل الإنسان مخلوقًا مخالفًا للفطرة، ويلغي دور الأسرة والتنشئة الاجتماعية التي تقوم بها من القيم والدين والتربية والآداب والأخلاق، والتي تحرص عليها كافّة الأديان وتحميها وترعاها.

2- إن فيه تلاعبًا بحياة الإنسان وخصوصياته.

3- إنه يحوّل الإنسان إلى منتوج صناعي يبحث له عن أسواق.

4- إن هذه العملية تسبب مشاكل، إذ من الممكن أن يستخدمها المجرمون للهروب من العدالة.

5- إن المستنسخ يعاني من تشوهات جينية وجسدية ويشيخ بسرعة كما قال الدكتور أيان ويلموت المسؤول عن معهد روزلين في اسكتلندا الذي استنسخ النعجة دوللي.

كما توقع هاري عريفين مدير ذلك المعهد أن يكون البشر المستنسخون غير أصحاء، ودعا إلى حظر مثل تلك التجارب , وأوضح إن مزاعم شركة (كلونايد) فيما يتعلق بمعدل النجاح العالمي في تجربة استنساخ البشر تتناقض مع سنوات من البحوث التي أجريت على الاستنساخ لكائنات أخرى.

كما كشف باحثون يابانيون أن الاستنساخ ينطوي على مخاطر كبيرة ويمكن أن يؤدي إلى مشاكل لا يمكن التكهّن بها في أي مرحلة من مراحل الحياة.

وأكد الباحثون أن 10 من 12 من الفئران المستنسخة توفيت قبل المدة الطبيعية لحياة الفئران، الأمر الذي يبرّر المخاوف المثارة بشأن مساعي توليد كائن بشري عبر الاستنساخ.

وقال أتسو اوغورا من معهد الأمراض المعدية في طوكيو: إن تشريح الفئران المستنسخة كشف إصابتها بداء ذات الرئة وبقصور في الكبد ونقص في الأجسام المضادة واللوكيميا وسرطان الرئة.

واعتبر أطباء بريطانيون أن استنساخ كائن بشري ينطوي على مخاطر طبية وأخلاقية جمّة من التشوهات والشيخوخة والموت المبكر.

6- إنه يستلزم إتلاف عدد كبير من البويضات والخلايا حتى تنجح عمليه واحدة حسب تقارير العلماء.

7- إنه يستلزم الهرج والمرج في المعاملات المختلفة في جميع نواحي الحياة لحلول النسخ محل بعضها.

ولهذه الأسباب وغيرها المنافية للأخلاقيات، سارعت مختلف الهيئات السياسية والحقوقية إلى إصدار قوانين وتشريعات تحذر من إجراء تجارب الاستنساخ على البشر، وقد صدرت قوانين تمنع الاستنساخ وتعاقب عليه في كل من أمريكا وكندا وألمانيا وفرنسا وغيرها، وطلبت فرنسا وألمانيا من الأمم المتحدة دعوة لمناقشة القضية وإصدار قانون يحظر عمليات الاستنساخ البشري في العالم بدافع القلق من التداعيات الأخلاقية المترتبة على هذا النوع من الاستنساخ.

ووصف وزير الصحة الفرنسي (برنارد كوشنار) الدكتور أنتينوري الذي أعلن عن عزمه إجراء تجارب على استنساخ البشر: بأنه طبيب الأخلاقيات المجنونة، وطالب ايطاليا بسحب ترخيصه ومنعه من مزاولة الطب.

وقال: إنه ببساطة أمر مرفوض أخلاقيًا أن تخلق الحياة وأنت تسرق معناها.. يجب حظر استنساخ البشر الآن.

وصرح المدير العام لمنظمة اليونسكو بأنه لا يمكن قبول الاستنساخ الإنساني تحت أي شرط.

وأعلنت المندوبة الأوروبية للبحث العلمي أمام البرلمان الأوروبي: أنه يوجد اتفاق بين العلماء دوليًا على استنكار البحث في الاستنساخ الإنساني.

و صوّت مندوبو 186 بلدا في منظمة اليونسكو على الإعلان العالمي حول حقوق الإنسان، الذي يشير الفصل 11 منه إلى أنه لا يمكن السماح بالممارسات المخالفة لكرامة الإنسان، مثل الاستنساخ من أجل الحصول على بشر.

وأعلنت المنظمة العالمية للصحة أن استنساخ الإنسان غير مقبول.

يتبع =

.

تتمة مقال = الاستنساخ

الجانب الفقهي:

فقد شغلت هذه القضية علماء الدين من مختلف الأديان وعقد بعضهم الندوات لتدارس المسألة وقام المهتمّون بالقضية بتوجيه الأسئلة المرتبطة بها.

رأي السنة:

حرّمه جلّ علمائهم، فقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر في 28/تموز/1997 فتوى حرّم فيها الاستنساخ بكل أنواعه على الإنسان دون غيره، وأكدوا على هذا التحريم في أول سنة 2003 بعد إعلان طائفة الرائيليين عن تولّد طفله مستنسخة، فأصدروا فتوى جاء فيها: [إن استنساخ الإنسان حرام ويجب التصدي له ومنعه بكل الوسائل]، وجاء في نص الفتوى الصادرة عن الأزهر: إن الاستنساخ «يعرض الإنسان الذي كرّمه الله لأن يكون مجالاً للعبث والتجربة وإيجاد أشكال مشوهة وممسوخة, وشدّدت الفتوى على أن "الإسلام لا يعارض العلم النافع بل يشجعه ويحث عليه ويكرم أهله، أما العلم الضار الذي لا نفع فيه أو الذي يغلب ضرره على نفعه فإن الإسلام يحرمه ليحمي البشر من أضراره].

كما أوضحت الفتوى أنه [يجب التفريق بين استخدام الهندسة الوراثية في النبات والحيوان لإنتاج سلالات قيّمة ونافعة وكذلك في علاج الأمراض ومحاصرة توارث الأمراض والارتقاء بالطب ومعالجة الإنسان].

وأصدر المجمع الفقهي الإسلامي([1])فتاوى بتحريمه، وتجريم فاعله، وذلك في دورته الخامسة عشرة، المنعقدة في رجب 1419هـ الواقع فيه 31 أكتوبر تشرين الأول 1998، وقالوا إن التحريم يأتي من وجوه عدة، وكرّروا بعض ما ذكرناه من المحاذير الأخلاقية.

بل إن الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية، ادعى قيام الإجماع على أن الاستنساخ البشري غير جائز من الناحية العلمية والطبية والإنسانية، بل ومن الناحية الأخلاقية والاجتماعية وأكد أن الإسلام مع العلم الذي يخدم البشرية.

واستدل بعضهم بآية: {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}([2]).

 بحجة ان في الاستنساخ تغييرًا لخلق الله لأنه يعتمد التلاعب بالجينات الوراثية من اجل الوصول إلى المنسوخ المشابه وهو من عمل الشيطان

رأي المسيحيين:

أصدر الفاتيكان بيانًا رسميًا حرّم فيه الاستنساخ بشكل مطلق، ومما جاء فيه: إن الإعلان عن ولادة طفل مستنسخ يعكس عقلية قاسية خالية من أي اعتبار أخلاقي وإنساني.

وأشار المتحدث باسم الفاتيكان إلى أن الإعلان يفتقد أي دليل ويثير الريبة والإدانة لدى قسم كبير من المجتمع العلمي الدولي.

ويعارض الفاتيكان تقليديًا أي شكل من أشكال الاستنساخ سواء أكان لأغراض علاجية أو بهدف التكاثر.

وقال بعضهم في مقام توجيهه للتحريم: رأيي هو التحريم لأن تولد الإنسان يجب أن يكون نتيجة ثمرة حبّ وعهد، ولهذا نحرم حتى طفل الأنبوب لأنه ليس نتيجة عهد وحب، بالإضافة إلى أن من مميزات البشرية اختلاف خصائصها([3]).

رأي الشيعة:

وقد حرّمه من علمائنا سماحة المرجع الميرزا جواد التبريزي، فقد نص في جوابه عن حكم الاستنساخ: إن الاستنساخ غير جائز لأنه يوجب اختلاط الأنساب بحيث يوجب اختلال النظام([4]).

وقد أكد ذلك في صراط النجاة مبينًا أسباب اختلال النظام فقال: لا يجوز ذلك العمل، لأن التمايز والاختلاف بين أبناء البشر ضرورة للمجتمعات الإنسانية، اقتضتها حكمة الله سبحانه، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ..}([5]) {وقال تعالى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُو}([6]) وذلك كله لتوقف النظام العام عليه، بينما (الاستنساخ البشري) -إضافة إلى استلزامه محرمات أخرى كمباشرة غير المماثل، والنظر إلى العورة- يوجب اختلال النظام، وحصول الهرج والفوضى، ففي النكاح يختلط الأمر بين الزوجة والأجنبية، وبين المحرم وغير المحرم، وفي المعاملات كافّة، لا يمكن تميّز طرفيها، فلا يعرف الموجب من القابل، وفي القضاء والشهادات لا يمكن تميّز المدعي من المدعى عليه، وهما عن الشهود، والملاك عن غير الملاك، وهكذا في المدارس، والمشاغل، والإدارات، والامتحانات، حيث يسهل إرسال (النسخ) بدل الأصل، (أو النسخة الأخرى) فتذهب الحقوق وفي الأنساب والموارث حيث لا يتميز الولد عن الأجنبي، إضافة إلى كون (النسخة) لا يعد ولدًا شرعيًا، فتضيع الأنساب والمواريث، وهذا غيض من فيض، وعليه فقس سائر الأمور، حيث لا يبقى نظام ولا مجتمع، والله العالم([7]).

إلا أن أكثر مراجعنا جوّزوا الاستنساخ في نفسه وبحدّ ذاته وبغض النظر عما قد يقارنه من عناوين ثانوية محرمة، نكتفي منه برأي السيد السيستاني والسيد الحكيم:

يتبع = 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقرها مكة المكرمة.

([2]) سورة النساء الآية 119.

([3]) الأب جورج خضر في مقابلة تلفزيونية.

([4]) استفتاء صدر عن مكتبه بتاريخ 17-4-2003 تحت رقم 6851.

([5]) الروم من الآية 22.

([6]) الحجرات من الآية 13.

([7]) صراط النجاة جزء 3 مسالة 1169.

 

.

تتمة مقال = الاستنساخ

رأي المرجع السيد السيتاني :

هناك مجموعة من الأسئلة وجّهت إليه دام ظله نذكر منها:

1- سؤال: هل يجوز إجراء عمليات الاستنساخ البشري؟

جواب: يجوز([1]).

2- سؤال: ما حكم الاستنساخ لكل من الإنسان والحيوان والنبات أو بعض أعضائهم لأغراض عقلائية؟

جواب: يجوز في حد ذاته([2]).

3- سؤال: انني متزوج منذ فترة ولم أرزق بولد بسبب عدم وجود حيوانات منوية وقد يكون هناك عقم، فهل يجوز إجراء عملية الاستنساخ من أجل الحصول على ذرية؟

جواب: يجوز ولكن إذا كانت الخليتان من أحدكما فلا يكون الولد منسوباً إلى الآخر([3]).

4- سؤال: هل تجوز عمليات الاستنساخ البشري للزوجين إذا كان أحدهما عقيماً؟ وهل يجوز شرعًا زراعة المبيض للمرأة من امرأة أُخرى للمرأة التي قد تلف مبيضها أو فسد؟

جواب: يجوز في كلا الموردين في حد ذاته مع الغض عن المقارنات والعناوين المحرمة([4]).

رأي المرجع السيد محمد سعيد الحكيم:

سؤال: عن جواز أصل العملية أو عدمه شرعًا لو تم تخليق إنسان بهذه الطريقة؟ وبأية شروط لو كانت؟

جواب السؤال الأول: الظاهر إباحة إنتاج الكائن الحي بهذه الطريقة أو غيرها مما يرجع إلى استخدام نواميس الكون التي أودعها الله تعالى فيه والتي يكون في استكشافها المزيد من معرفة آيات الله تعالى وعظيم قدرته ودقة صنعته، استزادة في تثبيت الحجة وتنبيهًا على صدق الدعوة، كما قال عزّ من قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ([5]).

ولا يحرم من ذلك إلا ما كان عن طريق الزنى، ويلحق به على الأحوط وجوباً تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل الأجنبي تلقيحاً صناعياً خارج الرحم، بحيث ينتسب الكائن الحي لأبوين أجنبيين ليس بينهما سبب محلل للنكاح.

أمّا ما عدا ذلك فلا يحرم في نفسه، إلا أن يقارن أمرًا محرمًا كالنظر لما يحرم النظر إليه، ولمس ما يحرم لمسه، فيحرم ذلك الأمر([6]).

مدرك الجواز :

الحكم بالجواز في قضية الاستنساخ هو الموافق للقواعد بعد فقد الأدلة الاجتهادية: فإن المسألة من صغريات الشبهة الحكمية التكليفية، وقد حقّق في محله أنها مجرى لقاعدة البراءة والحلية، خلافًا للأخباريين.

فلذا يتعين الحكم بالجواز في هذه القضية إذا لم يقارنها عنوان يستدعي التحريم كالنظر واللمس المحرمين وغيرهما من العناوين الثانوية الطارئة.

ومجرد كون الاستنساخ مخالفًا للطريقة التي حدّدها الله لعملية التكاثر من خلال الزواج والاتصال الجنسي الشرعي لا يجعله محرمًا، ولم يقم دليل على تحريم أصل الاستنساخ، فلذا يكون المرجع هو الأصول العملية، وهي تقتضي الجواز والحلية في المقام.

يتبع = 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) استفتاء صادر عن مكتبه في قم بتاريخ 18 /7/2000.

([2]) استفتاء صادر عن مكتبه في قم بتاريخ 4/ 6/2000.

([3]) استفتاء صادر عن مكتبه في قم بتاريخ 17/10/2000.

([4]) استفتاء صادر عن مكتبه في قم بتاريخ 19/1/2002.

([5]) سورة فصلت: آية/ 53.

([6]) من كتابه فقه الاستنساخ البشري .

 

.

تتمة مقال = الاستنساخ

ما ذكر من مدرك للتحريم:

منها: أنه يوجب اختلال النظام لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب.

وفيه:

أولاً: أن الاستنساخ لا يؤدي إلى اختلال النظام لأنه لا يُنتج نسخة مطابقة للأصل مائة في المائة لما قيل من أن البويضة لا تفرغ من نواتها تمامًا، فهو نظير التوائم التي لا تخلو من العلامات المائزة.

قال بعض أهل الخبرة في الأمر: إن المستنسخ لا يأتي شبيهاً بالأصل تمامًا، والسبب أنه عندما تنزع النواة من البويضة يبقى فيها بعض الخصائص حول النواة، إذْ لا تنزع النواة ولا تفرغ تمامًا.

وقال عالم النفس جروس كاجان من جامعة هارفارد: لن يمكن الحصول على نسخة مشابهة تمامًا كما حدث مع دوللى.

وثانيًا: لو سلمنا أن المستنسخ يطابق الأصل تمامًا، فيمكن منع تلك الأمور بوضع علامات لتلك النسخ كالأرقام وغيرها كما يُفعل مع الأمور المتشابهة والمثلية.

نعم إن سلمنا بأن الاستنساخ يؤدي إلى اختلال النظام فيحرم بلا شك.

ومنها: إنه مخالف لقوله تعالى{فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}([i]).

 وفيه: إن هذه الآية والله العالم ناظرة إلى ما كان يفعله أهل الجاهلية والمشركون من تبتيك وقطع آذان بعض الأنعام قبل منحها للأصنام علامة على أنها موقوفة لها ثم يلتزمون بحرمتها على أنفسهم فلا ينتفعون بها في شيء، فما هو عمل الشيطان ليس هو مجرد تغيير هيئتها وقطع آذانها بل ما استتبع القطع من وقفها للأصنام وتحريمها على أنفسهم، وهو تشريع محرم ولا ربط لها بالاستنساخ.

ومنها : إنه مخالف لما فطر الله عليه من التكاثر بواسطة الزواج والعلاقة الجنسية الشرعية.

وفيه : أنه لا دليل على انحصار التولّد من خلال الاتصال الجنسي.

ومنها: وأما ما قيل من أنها تستلزم إتلاف عدد كبير من البويضات والخلايا حتى تنجح عملية واحدة.

ففيه: أنه لا يحرم إتلاف البويضة والخلية قبل أن تصبح مبدأ نشوء الجنين فلا يضر إتلافها قبل الانعقاد.

وبذلك اتضح الجواب عن ما استند إليه القوم في التحريم من المحاذير الأخلاقية وغيرها، نعم هذه الأمور تستدعي الإقلاع عن تكاثر الإنسان بهذه الطريقة لما فيها من محاذير أخلاقية لا تصل إلى حدّ التحريم، لكنها غير محبّبة لأن التولد من خلال الزواج والحياة الأسرية لها فوائد جليلة، فإن الولد عندما يعرف بتضحية والديه من أجله وشقاء أمه بحمله يدفعه إلى البرّ بهما وعدم عقوقهما وتعم الألفة والمحبة بين أفراد الأسرة، بالإضافة إلى تنشئة ذلك الطفل في بيئة أسرية ترعاه رعاية سليمة، ولهذا اختارها الله تعالى للتناسل والتكاثر.

فيمكن القول بأن الاستنساخ يحرم الإنسان من فوائد عظيمة جسدية وروحية لا يمكن للاستنساخ أن يمنحها للإنسان بينما يحصل عليها عن طريق التناسل الجنسي والحياة الأسرية السليمة.

استنساخ الأعضاء:

هناك نوع آخر من الاستنساخ وقد جوزه بعض من منع من استنساخ الإنسان الكامل و هي استنساخ الأعضاء بغرض زرعها لمن يحتاج إلى ذلك العضو بدل أن ينتظر من يصاب بحادث حتى ئؤخذ أعضاؤه وهو أمر ذو فائدة عظيمة لكن ما هو حكمه الشرعي.

يتبع =

ـــــــــــــــــ

([i]) سورة النساء الآية 119.

 

.

تتمة مقال = الاستنساخ

يوجد احتمالات أربعة في قضية استنساخ الأعضاء تظهر من كلماتهم:

الأول: أن يستنسخ نفس العضو بزرع خلية من العضو المراد استنساخه حتى ينمو ويصير عضوا تامًّا.

وهذا على فرض إمكانه فلا شبهة فيه عند فقهائنا، بل ينبغي التشجيع عليه لما فيه من الفوائد الجليلة التي تعود على البشرية.

الثاني: أن تزرع الخلية في جسم حيوان لتنمو وتصبح عضوًا كاملاً، وقيل إن العلماء توصلوا إلى تحقيق الاختراق في كل من الهندسة الوراثية والاستنساخ الذي يُعتبر فرعًا من فروع هذا العلم.. فأصبحوا قادرين على التحكم بالمواصفات الجينية لعدد من المخلوقات وأدخلوا عليها تعديلات أدّت إلى نتائج غريبة مثل (فرّوج بصوت وبطعم فرّي) أو (فأرة معدلة جينياً تحمل على ظهرها أذناً بشرية قابلة للزرع في طفل فقد أذنه مثلاً).

وهذا لا إشكال فيه عند الفقهاء أيضًا لعدم تأديته إلى قتل نفس محترمة.

الثالث: أن يزرع خلية العضو في جنين حتى ينمو ذلك العضو كخلية الكبد مثلاً ثم يقطع منه ذلك العضو.

وهذا لا يجوز أن أدّى إلى قتل جنين محترم النفس أو قطع عضو منه.

لكن الكلام في إمكان هذا النوع من الاستنساخ فقد شكك فيه من قبل أهل الاختصاص.

فإن بعض العلماء يرى استبعاد حدوث مثل هذا النوع من الاستنساخ، لما يكتنفه من صعوبات عدة، لعل من أبرزها طبيعة الأعضاء البشرية المعقدة، وفي هذا الصدد يقول الدكتور (هاري جريفن): إن استنساخ الأعضاء البشرية غير ممكن حاليًا، لأن بنية الأعضاء معقدة، وتحوي نسيجًا كاملاً من الأعصاب والعضلات والألياف، واستبعدت الدكتورة (صديقة العوضي) حدوث هذا النوع من الاستنساخ، وعلّلت ذلك بأن تكوين الأعضاء داخل الجنين تخضع لعوامل وراثية، هي المسؤولة عن تكوين هذه الأعضاء ما دامت داخل الجنين، وعلى هذا الأساس، فإنه لو زرعت نواة الخلية الكبدية في بويضة فارغة، فإنها ستنتج جنينًا، ولن تنتج كبدًا فقط، أما إذا زرعت خلية كبدية، فإنها ستنتج نسخة مكوّنة من صنف واحد من الخلايا الكبدية، وليس كبدًا كاملاً، بكل أوصافه وأشكاله ووظائفه المختلفة([1]).

الرابع: إن يستنسخ أجنة ثم يؤخذ منها العضو بعد أربعة عشر يومًا كما قيل، وتؤدي هذه العملية إلى تلف الجنين أيضًا.

وهذا محرم أيضًا بلا شبهة إن أدى إلى قتل جنين ذي نفس محترمة.

فروع تحتاج إلى حل :

تتفرع على مسألة الاستنساخ عدة فروع:

منها: أن تكون الخلية من الزوج والبويضة من الزوجة.

ومنها: أن تكونا من أجنبيين.

ومنها: أن تكون الخلية من أقارب صاحبة البويضة ومحارمها كأبيها وابنها وأخيها وغيرهم.

ومنها: أن تكون الخلية من امرأة أخرى غير صاحبة البويضة.

ومنها: أن تكون الخلية من نفس صاحبة البويضة.

فروع ينبغي أن ُيعطى أجوبة لها من حيث الجواز وعدمه، ومن حيث ثبوت الأحكام المترتبة على النسب والقرابة من المواريث والنكاح والنظر والنفقة، وهل إن المستنسخ يتبع صاحب الخلية في كونه هاشميًا إن كان الأصل هاشميًا؟ وهل يكون مملوكًا لو كان صاحب الخلية مملوكًا؟ وهل يكون بحكم ابن الزنا إن كان صاحب الخلية متولدًا من الزنا والعياذ بالله؟ وهل يكون المتولد قبل بلوغه تابعًا لدين صاحب الخلية؟ وغيرها من الأمور المترتبة على النسب، فهناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجوبة.

أما الحيثية الأولى : أي حكم الاستنساخ في هذه الصور:

فلا كلام في الحرمة عند من حرم الاستنساخ، وإنما الكلام عند المجوزين لأصل الاستنساخ.

أما الصورة الأولى: فلا إشكال فيها إن جوّزنا الاستنساخ بحدّ ذاته، فإنها القدر المتيقن من الاستنساخ الجائز.

وأما بقية الصور: فيظهر ممن جوّز أصل الاستنساخ من العلماء تجويزها وأن المحرم أو المشكل هو تلقيح البويضة بنطفة أجنبي وأن هذه المسألة ليست هي نفس مسألة تلقيح البويضة حتى يستشكل فيها.

بل إن بعض المراجع جوّز تلقيح البويضة بنطفة أجنبي خارج الرحم، ولا يضر إرسالها إلى الرحم بعد التلقيح في الخارج([2]).

لكن المسألة لا تخلو من كلام، فيمكن أن يدّعى دلالة بعض الأخبار على لزوم الاحتياط في المقام مثل صحيحة([3]) شعيب بن أعين الحداد عن الصادق عليه السلام، وهي:

محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد بن أبي حمزة، عن شعيب الحداد قال: (قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل من مواليك يقرؤك السلام وقد أراد أن يتزوج امرأة وقد وافقته وأعجبه بعض شأنها، وقد كان لها زوج فطلّقها على غير السنّة، وقد كره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): هو الفرج، وأمر الفرج شديد، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط فلا يتزوجها.

ورواه الكليني عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد مثله([4]).

فإن الرواية وإن وردت بخصوص السؤال عن الزواج ممن طلّقت على غير السنة، إلا أن مقتضى عموم العلّة في قوله(عليه السلام)(ومنه يكون الولد أن كل ما يكون مبدأً لتكوّن الولد يجب الاحتياط فيه، والاستنساخ في هذه الصور التي تدمج فيها البويضة مع غير خلية الزوج لاستنساخ الولد يجب الاحتياط فيها للشك في حرمتها فلا تجري فيها البراءة لدلالة عموم العلة على الاحتياط مع الشك، فلا فرق حينئذ بين تلقيح البويضة بنطفة غير الزوج أو بخليته، لأن كلاً منها مبدء لتكون الولد.

وأما الحيثية الثانية:

فقد اختلف العلماء فيها:

فالسيد السيستاني -وبعض الفقهاء غيره- رجّح كون صاحب الخلية (الزوج) أبًا له، والزوجة صاحبة البويضة أمًّا له، بعد أن استشكل في البداية، وبالتالي فإن تلك الأحكام المرتبطة بالنسب تثبت بحق المستنسخ.

قال دام ظله في جواب السؤال:

الإستنساخ البشري إذا تم بين خلايا جسم الزوج والزوجة وتمّ تولّد الطفل المستنسخ، في هذه الحالة هل يلحق الطفل بالزوجين شرعًا أو أنه يلحق بالأب فقط؟ وهل يرث هذا الطفل من الزوجين اللذين تولد منهما؟

الجواب: في عدّهما أبًا وأُمًّا للمولود شوب إشكال، وان كان هو الأرجح وتترتب على ذلك مسألة الإرث أيضاً([5]).

وأما السيد محمد سعيد الحكيم: فقد حكم بعدم تبعيته للأب لأنه يعتبر أن النسبة للأب تابعة لتكوّن الكائن الحي من حيمنه بعد اتحاده بالبويضة، واستشكل في تبعيته للأم.

جاء في كتابه عن الاستنساخ بشأن المسألة:

السؤال: إذا كان من خلق بهذه الطريقة إنسانًا، فما هو نسبته للشخص الذي انتزعت منه الخلية امرأة كان أو رجلاً…؟

الجواب: إذا كان إنتاجه بالوجه السابق (بالاستنساخ) فليس له أب قطعًا، لأن النسبة للأب تابعة عرفًا لتكوّن الكائن الحي من حيمنه بعد اتحاده مع البويضة، كما يشير إليه قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ}([6])، ولا دخل للحيمن هنا بل للخلية المأخوذة من الجسد، وخصوصًا إذا كانت الخلية مأخوذة من جسد المرأة، حيث لا معنى لكونها أبًا للإنسان المذكور.

وقد ورد في نصوص كثيرة: إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وبغض النظر عن صحة النصوص المذكورة والبناء على مضمونها فإنه لم يتوهم أحد أن مقتضى هذه النصوص كون حواء بنتًا لآدم، وذلك يكشف عن أن معيار بنوّة شخص لآخر ليس هو خلقته من جزء منه، بل خلقته من مَنِيِّه كما ذكرنا.

وأما النسبة للاُم فهي تابعة لتكون الكائن الحي من بويضتها، وهو هنا لا يتكون من تمام بويضتها بل من بعضها بعد تفريغها من نواتها، ومن ثم يشكل نسبته لها. نعم يصعب الجزم بعدمه.

كما لا مجال للبناء على أنه أخ لصاحب الخلية أو البويضة بعد أن كان الأخ هو الذي يشارك أخاه في أحد الأبوين، وليس المعيار حمل الخصائص الحياتية والوراثية لعدم دخله في الانتساب عرفًا.

والمرجع في ضابط الانتساب هو العرف لا غير، وعليه عوّل الشارع الأقدس في ترتيب الأحكام حسبما نستفيده من الأدلة الشرعية، ولنفترض أن توصّل العلم الحديث إلى اكتشاف ناموس يتيسر به تحويل خلية حيوانية أو نباتية ببعض التعديلات إلى إنسان مشابه لإنسان مخلوق بالطريق الاعتيادي في الخصائص الحياتية والوراثية، فهل يمكن أن نحكم بحصول علاقة نسبية بينهما بمجرد ذلك، من دون تحقق الضوابط النسبية العرفية المعهودة؟!

لا ريب في عدم جواز ذلك، بل نحن ملزمون بتخطي التشابه المذكور وتجاهله، والحكم بأنهما أجنبيان، وهكذا الحال في المقام حيث يتعين كون الإنسان المذكور أجنبيًا عن صاحب الخلية، وليس بينهما أي ارتباط أو عنوان نسبي. انتهى كلامه دام ظله([7]).

هذا.. والمسألة مشكلة تحتاج إلى مزيد تفصيل وبسط لا تفي به هذه العجالة , فالاحتياط طريق النجاة بترك ما يحرم على الأجنبي وفعل الواجبات المترتبة على الأقارب والأرحام.

انتهى

_______________

([1]) مجلة الوعي الإسلامي نقلا كتاب الاستنساخ بين العلم والدين ص55 .

([2]) السيد السيستاني في استفتاء صادر في قم بتاريخ 2-8-2004.

([3]) فإن إسناد الشيخ إلى الحسين بن سعيد في أحد طرقه الثلاثة إليه صحيح، وهو الذي يرويه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد.

وأما النضر بن سويد الصيرفي: فقد وثقه النجاشي.

ومحمد بن أبي حمزة ثابت بن صفية الثمالي: ثقة لما نقله الكشي عن حمدويه بن نصير من أنه ثقة فاضل.

وشعيب بن أعين الحداد: ثقة عند النجاشي أيضًا.

([4]) وسائل الشيعة باب 157 مقدمات النكاح وآدابه حديث1.

([5]) السيد السيستاني استفتاء صادر في قم بتاريخ 13-1-2002.

([6]) السجدة: الآية 8.

([7]) كتاب فقه الاستنساخ البشري للسيد محمد سعيد الحكيم .

 
115%