رسالة النجف

التقويم

 

التقويم العبري(1)

المهندس محمد علي صائغ2

تقويم اليهود القدماء:

كان التقويم عند اليهود القدماء تقويمًا قمريًا بحتًا يُعرف مولد الأهلة فيه بالرؤية، وخصّصوا لمشاهدتها أشخاصًا عُرفوا بالصدق والأمانة.

 وفي سنة 358 ميلادي عدّل الحبر الأكبر هيلل الثاني التقويم العبري ووضع قواعده ونظامه.

يحتوي العام العادي أو السنة البسيطة في التقويم العبري على 12 شهرًا، أيام كل شهر فردي الرتبة 30 يومًا، وأيام كل شهر زوجي الرتبة 29 يومًا، وبذلك تتكون السنة البسيطة من 354 يومًا، ويزاد شهر إضافي ثالث عشر 7 مرات كل 19 سنة يضم ثلاثين يومًا، ويسمى هذا العام بـ(العام المطول).

وفي السنوات التي تبدأ بيوم الأحد والأربعاء والجمعة يضاف يوم إلى السنة.

ولزيادة دقّة التقويم يدخل تصحيح في سنين معينة تزيح بداية السنة يومًا واحدًا إلى الوراء.

وعلى ذلك فالتقويم العبري يضم نظامًا معقدًا إلى حدٍّ ما للتصحيح، إلا أنه يتمشّى جيدًا مع الدورة الشمسية، وبذلك تكون السنة العبرية تتألف من 353 يومًا، 354 يومًا، 355 يومًا، 383 يومًا، 384 يومًا، 385 يومًا.

مبدأ التقويم العبري:

مبدأ التقويم العبري هو يوم الاثنين 7 أكتوبر سنة 3761 قبل الميلاد، والسنة العبرية ستة أنواع، تترواح أيامها من 353 إلى 385 يومًا، والسبب في هذا هو أن السنة العبرية شمسية وشهورها قمرية، لذلك فهم يضيفون 7 شهور في كل 19 سنة، فقد استفاد اليهود من دورة ميتون، ومفادها أنه بعد مضي 19 سنة شمسية يعود مولد القمر كما كان في أول الدورة، حيث إنه خلال هذه الفترة يمرّ 235 هلالاً قمريًا.

تاريخ التقويم العبري:

احتفل النبي موسى(عليه السلام)بعيد الفصح وهو خروج بني إسرائيل من مصر مساء يوم 14 من الشهر القمري أي ليلة البدر الكامل، ثم خرجوا من مصر في اليوم التالي، وكان هذا الشهر يصادف موسم ظهور القمح في مصر الذي يكون دائمًا قريبًا من الاعتدال الربيعي، وصار هذا الشهر فيما بعد وبأمر من النبي موسى(عليه السلام)هو أول شهور السنة الدينية، ويسمى نيسان ويوم 15 منه هو عيد الفصح أو عيد الخروج من مصر، وفيه نجا موسى(عليه السلام)وقومه من فرعون وجنده، وقد كان غرق فرعون في اليوم الحادي والعشرين من نيسان عبري وهو اليوم السابع من أيام الفطير.

أمر موسى(عليه السلام)بني إسرائيل أن يكون هذا الشهر هو أول السنة لهم، وكان يسمى أولا بيبثم سمّوه بعد ذلك نيسان، وكان بنو إسرائيل في أثناء إقامتهم بمصر يتبعون السنة المصرية التي كان مبدؤها قريبًا من الاعتدال الخريفي، لذا كان من الصعب عليهم تغيير نظام حياة درجوا عليه أكثر من 400 سنة في مصر، لذا ولأسباب تاريخية وزراعية جعلوا نيسان أول السنة الدينية، وعلى ذلك فإن السنة العبرية الدينية تبدأ في الربيع.

واتبعوا سنة أخرى مدنية تبدأ بالشهر السابع من السنة الدينية، وهو يقع قريبًا من الاعتدال الخريفي ويتفق مع السنة المصرية، وقد سمّوا هذا الشهر بعد عودتهم من الأسر ببابل شهر تشري.

وقد بدأوا باستعمال سنة قمرية يعرف مولد الأهلة فيها بالرؤية بشهادة الشهود الثقاة، وكان هؤلاء يراقبون الهلال من على قمم الجبال المجاورة لأورشليم في مطلع كل شهر قمري، وعند ظهوره يوقدون نارًا تكون علامة على مولده.

وكان أعداؤهم يخدعونهم بإيقاد النار على الجبال، فلما كشفوا هذه الحيلة عدلوا عن إيقاد النار.

صوم يوم عاشوراء في الديانة اليهودية:

صوم الكبورkippur أو الكفارة atonemement أو عاشوراء ashura (عبري معرب)، وهو ذكرى عودة النبي موسى(عليه السلام)من سيناء بعد أن استرضى ربه على بني إسرائيل فعفا عنهم لعبادتهم العجل، ويعتبر هذا اليوم سبتًا أي يوم راحة يحرم فيه العمل، والصوم فيه إجباري، وعاشوراء هو اليوم الوحيد الذي أمر النبي موسى(عليه السلام)بصومه، وهو دائمًا يصادف في أوائل فصل الخريف.

أما يوم النجاة (اليوم الذي خرجوا فيه من مصر) فهو يوم 15 نيسان (عبري)، ويصادف دائمًا في فصل الربيع، وقصّته مذكورة في التوراة، ويسمى عيد الفصح.

أما أيام الصيام الأخرى فوضعت في عهود متأخرة، ويلزم أن نلاحظ أن يوم عاشوراء لدى اليهود هو اليوم العاشر من الشهر الأول من السنة العبرية، وهي سنة شمسية قمرية، أي إن أوائل شهورها مرتبط بظهور القمر كالشهور العربية.

يتبع=
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1. - تتمة المقال المنشور في العدد السابق

2.  باحث في الهيئة والمواقيت والأهلة .

 

.

تتمة مقال = التقويم العبري

نظام الكبس في التقويم العبري:

كان عيد الفصح أهم أعياد اليهود، ويحتفلون به في اليوم الخامس عشر من نيسان محسوبًا من رؤية الهلال، وتسبب الالتزام بالاحتفال بهذا العيد إدخال الكبس في سنتهم القمرية لكي يحافظوا عليه دائمًا في الربيع، إذ كان مفروضًا عليهم في اليوم التالي لعيد الفصح (16 نيسان) أن يقدّموا في الهيكل قربانًا لله شكرًا على نضج أول حصادهم، وكان هذا القربان سنبلة من الشعير، وكانوا يفحصون الشعير قبل الميعاد المحدد لتقديم القربان، فإذا اتضح أنه غير تام النضج أدركوا أن الاعتدال الربيعي لم يأت بعد للفرق بين سنتهم القمرية والسنة الشمسية، وإذ ذاك كانوا يؤجّلون الاحتفال بعيد الفصح إلى الشهر التالي ويجعلون هذه السنة ثلاثة عشر شهرًا بإضافة شهر إلى آخر السنة، ويبدأون السنة الدينية بمولد الهلال التالي.

وقد اقتضى هذا النظام إضافة شهر كل ثلاث سنوات، فتكون السنة ذات ثلاثة عشر شهرًا.

لم يكن أحبار اليهود على علم بحركات الأرض والأجرام السماوية ولا بمبادئ الفلك، ولكنهم بمرور الأيام واختلاطهم بالبابليين والفرس أحاطوا علمًا بها وعرفوا دورة ميتون للتوفيق بين السنة الشمسية والشهور القمرية.

في سنة 358 ميلادية عدَّل الحبر الأكبر هيلل الثاني التقويم العبري، ووضع قواعده ونظامه على النحو المتّبع إلى الآن في تصميم النتيجة العبرية، وهو مبني على حساب دقيق وحرص على تنفيذ أوامر التوراة.

ومن هذا يتضح ما يلي:

1.     أن العمل بالتقويم العبري معمول به منذ أيام سيدنا موسى(عليه السلام)(حوالى عام1500 قبل الميلاد)، أي منذ أكثر من 3500 سنة.

2.     أن يوم الخروج من مصر تمّ في فصل الربيع، وأن اليهود يحتفلون بهذا العيد دائمًا في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الذي يظهر هلاله بعد الاعتدال الربيع (أي بعد 21 آذار / مارس).

3.     أن غرق فرعون في اليوم الحادي والعشرين من نيسان عبري، وهو اليوم السابع من أيام الفطير.

4.     أن صوم الكبورkippur أو عاشوراء ashura أو الكفارة atonemement وهو ذكرى عودة النبي موسى(عليه السلام)من سيناء بعد أن استرضى ربه على بني إسرائيل فعفا عنهم لعبادتهم العجل، وهو يصادف دائمًا في فصل الخريف.

5.     ويعتبر هذا اليوم سبتًا أي يوم راحة محرم فيه العمل، والصوم فيه إجباري، وعاشوراء هو اليوم الوحيد الذي أمر النبي موسى(عليه السلام) بصومه.

6.     أنه يلزم أن نلاحظ أن يوم عاشوراء لدى اليهود هو اليوم العاشر من الشهر الأول(تشري) من السنة المدنية العبرية وهي سنة شمسية قمرية أي إن أوائل شهورها مرتبط بظهور القمر كالشهور العربية.

الهجرة النبوية الشريفة وعاشوراء اليهود:

روى الحافظ ناصر الدين عن ابن عباس:

ن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قدم المدينة يوم عاشوراء، فإذا اليهود صيام، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله):ما هذا؟ قالوا: هذا يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون ونجّى فيه موسى(عليه السلام)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنا أولى بموسى فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بصومه) أخرجه البخاري ومسلم.

وقد علّق العلامة البيروني على ذلك:

(وقول اليهود إن الله أغرق فرعون فيه غير صحيح، فقد نطقت التوراة بخلافه، وقد كان غرقه في اليوم الحادي والعشرين من نيسان عبري (بعد سبعة أيام من عيد الفصح)، وهو اليوم السابع من أيام الفطير، وكان أول فصح اليهود بعد قدوم النبي(عليه السلام) يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من آذار سنة 934 للإسكندر، ووافقه اليوم السابع عشر من شهر رمضان (الموافق لـ15 نيسان عبري)، واليوم الذي أغرق الله فيه فرعون كان اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان، فإذًا ليس لما ورد وجه البتة بخصوص قول اليهود أنه يوم غرق فرعون وذلك بمقارنة هذه الرواية بما ورد في التوراة) .

صوم عاشوراء في الإسلام:

دخل النبي(صلى الله عليه وآله)المدينة في النصف الأول من ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة (النصف الثاني من أيلول / سبتمبر سنة 622 ميلادي )، وصادف في تلك الفترة عيدًا (يوم الكبّور ويصادف يوم 10 تشري من عام 4383 عبري وهو يوم صوم إجباري لدى اليهود )، حيث تقول بعض الراويات إن النبي(صلى الله عليه وآله) دخل يثرب فوجد اليهود صائمين فاستفسر عن ذلك، فقيل إنه يوم الخروج من مصر والنجاة من فرعون، فأمر بصيامه وقال: أنا أحق بموسى من بني يهود.

مما سبق تبين أن 10 تشري من السنة التي دخل فيها النبي يثرب يطابق مضي عشرة أيام تقريبًا من رؤية هلال ربيع الأول (حسب التقويم العبري)، وهو اليوم الواجب الصيام حسب الرواية، وليس بعد مضي 10 أيام من رؤية هلال محرم، أي إن 10 تشري (عاشوراء اليهود) طابق في تلك السنة 10 ربيع الأول وليس 10 محرم.

 والسؤال: ما الذي يدعو بني يهود إلى قول لا يطابق التوراة؟ وما الذي يدعوهم لتغيير الحقيقة المسجّلة في كتبهم؟ مع أنهم أصحاب ديانة يفخرون بها على العرب آنذاك، أضف إلى أنهم كانوا آنذاك أصحاب نفوذ ومنعة ومحترمين في الجزيرة وفي يثرب ولم يكونوا قد اصطدموا بعد بالمسلمين.

 أليس هذا الإدّعاء منهم يهزّ صورتهم أمام الناس الذين جاوروهم وعرفوا مظاهر ديانتهم ومنها المناسبات الدينية!!

ثمَّ إن النبي(صلى الله عليه وآله)معصوم ومسدّد بالوحي، فكيف يُصدر أمرًا عباديًا واجب الطاعة بناءً على خلفية غير صادقة؟

لا بد من التساؤل عن الصلة بين هذه الرواية وبين الذكرى الأولى لشهادة الإمام الحسين(عليه السلام)عام 62 هجري التي صادف فيها عاشوراء اليهود مع عاشوراء الإسلام.

يتبع=

.

تتمة مقال = التقويم العبري

عاشوراء الإسلام وعاشوراء اليهود:

تروي المصادر التاريخية أن النبي(صلى الله عليه وآله)بارح مكة قبل ختام شهر صفر ببضعة أيام، ومكث ثلاث ليال في غار ثور، ثم خرج ليلة غرّة ربيع الأول قاصدًا يثرب، ووصل إلى قباء (على بعد فرسخين أو 11 كيلومترًا من يثرب) يوم الاثنين 8 ربيع الأول الموافق لـ 20 أيلول / سبتمبر 622 م وقت الظهر، واستراح هناك أيام: الثلاثاء والأربعاء والخميس، إلى أن وصل علي(عليه السلام) والفواطم معه، وأسّس في قباء أول مسجد في الإسلام، ثم شرّف المدينة يوم الجمعة 12 ربيع الأول.

روى صاحب السيرة الحلبية عن ابن عباس: ن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قدم المدينة يوم عاشوراء، فإذا اليهود صيام، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما هذا؟ قالوا: هذا يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون ونجّى فيه موسى(عليه السلام)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أنا أولى بموسى، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بصومه] أخرجه البخاري ومسلم.

والسؤال: إذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد أمر بصوم عاشوراء، فأيّ عاشوراء هذا؟

إذا كان المأمور به ذلك اليوم بعينه، فهو ليس العاشر من محرم، لأن الناس في ذلك الحدث كانوا في شهر ربيع الأول، والرواية متعلقة بعاشوراء اليهود الذي يكون في اليوم العاشر من أول شهورهم من سنتهم القمرية وهو شهر تشري.

وقد تمكّن الفلكيون من التأكد من ذلك بالحساب، حيث ثبت أن 12 من ربيع الأول لسنة 1 هجرية يوافق العاشر من تشري لسنة 4383 عبرية، وهو يوم عاشوراء اليهود، ويوافق 23 سبتمبر لسنة 622 ميلادية، ولم يوافق العاشر من محرم في التقويم الإسلامي العاشر من تشري في التقويم العبري إلا سنة 27 بعد الهجرة، أي بعد 18 عام من انتقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)إلى الرفيق الأعلى.

الاحتفال بعيد الفصح اليهودي مرتبط برؤية الهلال:

كان عيد الفصح أهم أعياد بني إسرائيل، ويحتفلون به في يوم الخامس عشر من نيسان محسوبًا من رؤية الهلال، واستمر على هذا النظام إلى أن قام الحبر الأكبر هليل بتصميم التقويم العبري عام 381م.

يشترط في إقامة هذا العيد ما يأتي:

1.     حلول الاعتدال الربيعي، وكانوا يعرفون ميعاده بتمام نضج الحنطة.

2.     ظهور البدر الكامل الذي يأتي بعد الاعتدال الربيعي، ويكون هذا دائمًا في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري، ففي مسائه يذبح الخروف.

يبدأ العيد من اليوم الخامس عشر من الشهر ويستمر سبعة أيام لغاية 21 من الشهر، وفيه يأكلون خبزًا غير مختمر، ويسمى الفطير، ويذبح الخروف في مساء الرابع عشر من شهر نيسان العبري.

ويسمى الخروف حمل باسكال، وكلمة باسكال لاتينية مأخوذة من العبرية باساك pasakh بمعنى يمر أو يعبر، وفيها إشارة إلى خروج بني إسرائيل من مصر أو مرور الملاك على بيوت المصريين للفتك بهم.

وكذلك يسمى البدر الكامل الذي يأتي بعده عيد الفصح بدر باسكال، وقد واظب اليهود على الاحتفال بهذا العيد إلى يومنا هذا، وميعاده ثابت غير متنقل.

عيد الفصح المسيحي ارتبط برؤية الهلال لمدة ثلاثة قرون:

كان المسيح عليه السلام من الإسرائيليين وقد احتفل بذبح الخروف مع حوارييه بعد ظهور البدر الكامل للاعتدال الربيعي، وسمي هذا الاحتفال بالعشاء الأخير أو الرباني، وكان يوم الخميس، ويعتقد المسيحيون أنه حوكم يوم الجمعة، وأن الحاكم الروماني بيلاطس البنطي أمر بصلبه في هذا اليوم، وقد اتفقت روايات الأناجيل الأربعة على أنه صعد إلى السماء يوم الأحد التالي، واتفق المسيحيون بأن يحتفلوا سنويًا بهذه الذكرى، ولكنهم اختلفوا في تحديد موعد الاحتفال، إذ قالت الطوائف الشرقية: أن المسيح احتفل بأكل الخروف بعد ظهور البدر الكامل الذي يأتي بعد الاعتدال الربيعي، وينبغي أن يكون الاحتفال في مثل هذا اليوم أسوة به.

وقالت الطوائف الغربية: بأن هذه الفكرة نزعة يهودية ولا يصح أن يقع احتفال المسيحيين واحتفال اليهود في يوم واحد، وبما أن المسيح صعد إلى السماء يوم الأحد، فيلزم أن يكون احتفالنا في هذا اليوم.

استمر المسيحيون الأوائل باستخدام التقويم القمري الشمسي اليهودي مرتبطًا برؤية الهلال لأكثر من ثلاثة قرون، وعلى هذا الأساس أقيم عيد الفصح، وقد تبنّ‍ت الكنيسة المسيحية عام 325 ميلادية التقويم اليولياني، وقد شكّل التقويم الجديد الذي تبنّته الكنيسة مشكلة لها، فهو شمسي، وعيد الفصح في منتصف الشهر القمري بالضبط.

 المهم: بعد أن ضعفت روما المُتَنَصِّرة حديثًا تحت تأثير الكنيسة المسيحية، أصبح تحديد عيد الفصح استنادا إلى القمر الكامل يشكل مشكلة لها، وأصبح من الضروري نقل هذا العيد إلى التقويم الروماني.

 فقرّرت كاتدرائية نيقيه عام 325م أن عيد الفصح يجب أن يحتفل به وفقا للشروط التالية:

1.     في أول يوم أحد.

2.     بعد أول اكتمال للقمر.

بعد الاعتدال الربيعي.  

يتبع=

.

تتمة مقال = التقويم العبري

التقويم الإسلامي

التقويم الهجري الذي يعتمد على الشهر القمري يمكن أن يسمى (التوريخ الهجري) اعتمادًا على أصل الكلمة (توريخ وهي ترجع إلى كلمة (ورخ) في اللغات السامية، ومعناها قمر، فالتوريخ في المعنى الأقدم يعني التوقيت بالأشهر القمرية.

والأساس في التقويم الهجري هو الشهر القمري، والسنة الهجرية تتألف من اثني عشر شهرًا تتراوح مدّتها على التوالي بين30 و 29 يومًا، ويبلغ مجموع أيام السنة العادية 354 يومًا، ومجموع أيام السنة الكبيسة 355 يومًا بزيادة يوم واحد في نهاية شهر ذي القعدة.

وتساوي الفترة المتوسطة الزمنية للشهر القمري 29 يومًا 12 ساعة 44 دقيقة 2.8 ثانية، وهي تساوي بالكسور العشرية 29.530589 يومًا، ويبدأ الشهر العربي مع ميلاد الهلال الذي يحدث عند اقتران الشمس والقمر، في طول واحد بالنسبة لمركز الأرض، وتختلف لحظة الميلاد باختلاف توقيت الآفاق، مما يجعل مواقيت رؤية الهلال ومدّة مكثه فوق الأفق بعد غروب الشمس مختلفًا من مكان إلى آخر.

علمًا بأن ميلاد الهلال يحدث في لحظة واحدة بالنسبة لجميع أصقاع الأرض، لأنه ظاهرة كونية لا علاقة له بمكان الراصد، فهو ليس كشروق القمر أو غروبه.

ولو أخذنا في الاعتبار أن أول محرم من السنة الهجرية الأولى يوافق يوم الخميس من 15 يوليو(تموز) سنة 622 ميلادية بالتقويم اليولياني، و 18 يوليو سنة 622 بالتقويم الجريجوري، فعلى هذا الأساس يمكن إعداد تقويم هجري بالحساب فقط بحيث تكون الشهور القمرية متفقة إلى أقصى حدود التقريب مع الفترة الزمنية الميلادية لميلادين متتالين للهلال، وبهذا يتمّ الربط بين أوائل الشهور العربية في مختلف السنين والتواريخ الميلادية.

وإذا اعتبرنا أن الفترة الزمنية المتوسطة للشهر القمري هي فقط 29 يومًا 12 ساعة 44 دقيقة، وأغفلنا الثواني وقدرها 2.8 ثانية في الشهر لضآلة هذه القيمة التي لا تتعدى أكثر من يوم واحد في مدى 2400 سنة.

فإذا ما اعتبرنا هذا كله، فإن السنة الهجرية المتوسطة تبلغ 354‌‌‌+ 30/11 يومًا، مما يوحي بدورة ذات ثلاثين عامًا تتألف من إحدى عشرة سنة كبيسة وتسعة عشر سنة عادية.

وتوزع السنين الكبيسة في الدورة الثلاثينية بترتيب خاص.

وعلى ذلك فهو قمري صرف مبني على تغيرات أوجه القمر، ويتكوّن من 12 شهرًا قمريًا، ستة أشهر منها مدتها تسعة وعشرون يومًا، وستة أخرى مدّتها ثلاثون يومًا، واصطلح أن تكون الشهور فردية الرتبة أيامها ثلاثون يومًا والشهور الزوجية الرتبة أيامها تسعة وعشرون يومًا، وعلى هذا الأساس فشهر رمضان أيامه ثلاثون يومًا، وشهرا شوال وذي الحجة أيامهما تسعة وعشرون يومًا، وفي السنوات الكبيسة يضاف إلى الشهر الثاني عشر (شهر ذي الحجة وهو زوجي الرتبة) يومًا ليكون ثلاثين يومًا، وبهذا تتألف السنة التقويمية من354 يومًا أو 355 يومًا، وبهذا تكون أقصر من الشمسية بمقدار 10.25 أو 11.25 يومًا، ويجتمع هذا الفرق ليكون شهرًا تقريبًا كل ثلاث سنوات أو سنة لكل 33 عاماً إسلاميًا تقويميًا.

مبدأ عدّ السنين قبل تأسيس التقويم الهجري:

ظلّت قريش تؤرخ بعام الفيل، وكان المسلمون يؤرخّون معها به قبل الهجرة، فلما هاجر النبي(صلى الله عليه وآله)إلى المدينة ترك المسلمون التأريخ بعام الفيل، وسمّوا كل سنة مما بين الهجرة والوفاة باسم مخصوص مشتقٍّ مما اتفق فيها للنبي(صلى الله عليه وآله):

فالأولى بعد الهجرة: (سنة الإذن).

والثانية: ( سنة الأمر ).

والثالثة: (سنة التمحيص).

والرابعة: ( سنة الترفئة ).

والخامسة: ( سنة الزلزال ).

والسادسة: ( سنة الاستئناس ).

 والسابعة: ( سنة الاستغلاب ).

 والثامنة: ( سنة الاستواء ).

والتاسعة: ( سنة البراءة ).

والعاشرة: ( سنة الوداع ).

فكانوا يستغنون بذكر السنة عن عددها، ثم بعد ذلك صار التاريخ أحيانًا بنفس الكيفية، حتى السنة السابعة عشرة للهجرة، وهي السنة التي تأسّس فيها التاريخ الهجري الذي يؤرّخ بها الآن.

تأسيس التقويم الهجري:

في خلافة عمر بن الخطاب كتب أبو موسى الأشعري -على ما رواه الشعبي- إلى الخليفة: أنه تأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، وروى ميمون بن مهران: أنه لما رفع إلى عمر صكّ محله في شعبان، قال عمر: أي شعبان؟ الذي نحن فيه أو الذي هو آت؟، فدعا الخليفة عمر بن الخطاب إلى اجتماع ضمّ كبار الصحابة، فأشار الإمام علي(عليه السلام)عليهم أن يؤرّخوا بالهجرة، فأقرّوا رأيه.

ومبدأ العمل بالتقويم الهجري يوم الأربعاء 20 جمادى الآخرة سنة 17 هجرية، المصادف 8 تموز/يوليو سنة 638 ميلادي.

واعتبر أول شهر في السنة الهجرية [محرّم] وليس [ربيع الأول] للسببين التاليين:

 أ – أن شهر محرم هو الشهر الذي استهل بعد بيعة العقبة بين وفد من أهل يثرب والنبي(صلى الله عليه وآله)أثناء الحج، فكأنّ الهجرة بدأت في ذلك الوقت، فقد أذن بها النبي(صلى الله عليه وآله)، فكان أول هلال يهلّ بعد الإذن بالهجرة هو شهر محرم.

ب- أن شهر محرم كان بدء السنة عند العرب في الجاهلية، ولأنه كان أول شهر يأتي بعد انصراف الناس من حجّهم الذي هو ختام مواسم أسواقهم.

استخدم التقويم الهجري لأغراض الطقوس الدينية والحياة العامة، وبقي هو الأساس في كل بلدان العالم الإسلامي، فكانت تجبى الأموال العامة وتنفق على حساب الشهور القمرية ما خلا العشور الزراعية التي لا مناص من جبايتها في أوقات شمسية.

يتبع=

.

تتمة مقال = التقويم العبري

التقويم المالي العثماني الشمسي وبداية العمل به وفشله:

وفي أيام الدولة العثمانية التي تأسست على أساس الزعامة والإقطاع، كانت تحصل على العشور بواسطة الملتزمين، وكان هذا يكلّف الخزينة كثيرًا إذ إنه يجبى في سنة شمسية أيامها 365 يومًا، وينفق في سنة قمرية أيامها 354 يومًا، مما يكلّف الخزينة نفقات سنة كاملة كل 33 سنة قمرية، لذلك ولتعويض هذا النقص كانت الدولة العثمانية تتقاضى من التزامات العشور زيادة بفرق ما بين الشمسي والقمري يسمونها [التفاوت الحسن].

وفي سنة 1209 هـ ارتأت الدولة العثمانية أن يكون حساب الإيراد والإنفاق كلاهما بالحساب الشمسي منعًا للخسائر التي تلحق الدولة بالتزام طريقة [التفاوت الحسن]، فاتخذت الدولة لمعاملاتها المالية سنة بدايتها من تاريخ الهجرة وشهورها شمسية، وأخذت أسماءها من الاصطلاح السرياني مخلوطًا بالروماني ( الإفرنجي) وشهورها هي: مارت (آذار/مارس)- نيسان - مايس (أيار/مايو) - حزيران - تموز - أغسطس - أيلول - تشرين الأول - تشرين الثاني - كانون الأول - كانون الثاني - شباط.

(وهذه الأسماء، قسم منها يستعمل حاليا في العراق، والآخر في مصر، والثالث في سوريا ولبنان ).

ولما كانت التزامات العشور تدفع إلى الخزينة في الربيع، جعلت الدول شهر مارت (آذار /مارس) بداية سنتها المالية، وكانت سنة 1209 هجري قمري هي أول سنة في هذا التقويم، فبدأ التقويم بسنة مالية(شمسية) هي 1209، وسنة هجرية هلالية هي1209 أيضًا.

وصار الناس يتعاملون بنوعين من السنين في تقويم واحد: هجري قمري، وهو الذي يعرفه الناس، وهجري قمري مالي للمعاملات المالية، خليط من تقويم قمري من بداية الهجرة إلى سنة 1209 وشمسي ما بعده.

وبعد مضي فترة وجيزة صار التفاوت بين السنتين واضحًا، وقد حصل خلل في هذا التقويم لأنه يلزم حذف سنة هجرية في كل 33 سنة، وهي التي لا يدخل فيها أول شهر آذار، وفي عام 1343 هجري قمري(1924ميلادي) كانت السنة المالية 1340 هجري ظاهرها قمري منسوب إلى الهجرة النبوية، لكنه لا يدل على سنة هلالية (التي هي 1343)، فكانت السنة المالية العثمانية [شيئًا عجيبًا... وكان التفاوت بين التاريخين مضحكًا وليس له معنى علمي قط] على حدّ تعبير (حسن وفقي بك) في كتابه تقويم المنهاج القويم، والكلام التالي له أيضا وباختصار:

[ولو كانت الدول العثمانية تبنّت محاولات الإصلاح بجعلها التقويم الهجري الشمسي المعتمد، لكان للمسلمين حينئذ تاريخ شمسي لا يلبث أن يعم أقطارهم، فلا يبقى لحكومات الاحتلال الأجنبية في البلاد الأسلامية عذر في العدول عنه إلى غيره كما حدث في استعمال كل بلاد المسلمين التقويم الجريجوري (الميلادي) في عصر الاستعمار]... انتهى.

التقويم الهجري القمري والهجري الشمسي في المملكة العربية السعودية:

لم تعتمد المملكة العربية السعودية سوى التقويم الهجري رسميًا.

 كما واستخدمت تقويمًا هجريًا شمسيًا (تقويم أم القرى) من أول الميزان (23سبتمبر/أيلول سنة 622 ميلادي)، أي بعد بدء السنة الإيرانية بستة شهور، وهو الفرق بين بدايتي التقويمين، وشهور هذا التقويم هي البروج العربية المعروفة ويجمعها :

حملالثور جوزة السرطان
ورمت عقرب بقوسها جديًا

 

 

ورعى الليث سنبل الميزان
ونزح الدلو بركة الحيتان

 

التقويم الهجري الشمسي في إيران:

أما إيران فقد استعملت منذ عام 1924م (في مطلع حكم أسرة بهلوي) تقويمًا هجريًا شمسيًا، وفيه مبدأ السنة الهجرية الأولى، وفيه انتقال الشمس لبرج الحمل ( 21 / آذار-مارس ) سنة 622 يولياني( سنة 1هجري قمري)، والسنة الهجرية الشمسية الإيرانية تتألف من اثني عشر شهرًا، أسماؤها فارسية تراثية، شهوره الستة الأولى تبدأ بفروردين وأيامها 31 يومًا، والشهور الخمسة التي تليها أيامها 30 يومًا، ما عدا الشهر الأخير اسفند الذي يكون تسعة وعشرون يومًا في السنة البسيطة وثلاثين يومًا في الكبيسة، وهذا النظام مأخوذ من التاريخ الفارسي الشمسي القديم الذي كان متّبعًا في بلاد فارس وصار رسميًا في 31 /3/1925م (11 فروردين 1304 هجري شمسي).

وفي أيام الشاه محمد رضا بهلوي أصدر قرارًا صادق عليه مجلسَا الشيوخ والنواب في تاريخ 15 /3/1975 بجعل أول فروردين 1354 هجري شمسي هو أول فروردين 2535 الشاهنشاهية وهو تاريخ تولّي كورش الحكم.

وقد اعترض العلماء أيضا على تحويل بداية عدّ السنين من حكم كورش، وقد أعيد الاعتماد على التاريخ الهجري الشمسي بعد نجاح الثورة بقيادة السيد الخميني(قده).

 يتبع=

.

تتمة مقال = التقويم العبري

وأخيرًا.. علاقة التقاويم بالقمر:

ومع أن الاستعمال الشائع حاليًا هو للتقويم الجريجوري (الميلادي)، فإن أهم المناسبات الدينية لدى المسيحيين واليهود تتبع التقويم القمري، والدليل على ذلك أن عيد الفصح المسيحي ليس ثابتًا في مكان واحد من التقويم ويحدد وفقًا لظهور الهلال.

وحيث إن التقويم العبري هو تقويم توفيقي (قمري - شمسي)، فإن عيد الفصح اليهودي يصادف دائمًا اليوم الخامس عشر من أول ظهور للهلال بعد الاعتدال الربيعي، ويصادف دائمًا 15 نيسان، وهو نفسه 15 الشهر القمري العربي أو قريبًا منه.

أما صوم يوم عاشوراء اليهودي، فموعده اليوم العاشر من ظهور هلال شهر تشري (الشهر الأول في التقويم العبري)، وهو يوم الصوم الإلزامي الوحيد في الديانة اليهودية، ويبدأ قبل غروب الشمس بنصف ساعة ويستمر 25 ساعة.

أما عيد الفصح المسيحي، فإنه يحلّ في أول أحد بعد اكتمال البدر بعد الاعتدال الربيعي، وقد تعمّد النصارى هذا الإجراء لئلا يتطابق عيد الفصح اليهودي مع عيد الفصح المسيحي، وبذلك فإن عيد الفصح المسيحي لا يحلّ في منتصف الشهر العربي بل بعده.

يتعلق بعيد الفصح: الصوم الكبير، وهو يسبقه بفترة 46 يومًا (ويسمى أوله أربعاء الرماد)، وأول أحد في الصوم الكبير (وهو خامس أيام الصيام)، والشعانين الكبرى، وهو الأحد السابق لعيد الفصح مباشرة، والجمعة الحزينة، وهو الجمعة السابقة مباشرة لعيد الفصح، وفيها حوكم المسيح عليه السلام، وخميس الصعود موعده بعد عيد الفصح بـ 39 يومًا.

أما في الإسلام فالأعياد والمناسبات الدينية كلها مرتبطة بظهور الهلال، لذلك كان تحديد أول الشهر القمري مرتبطًا بضوابط شرعية، وثبوته مرتبط بفتاوى الفقهاء.

إن شعوب العالم تتعامل مع السنة ذات الاثني عشر شهرًا، ويبدو أن ذلك مأخوذ من تراث قديم، ألا وهو ظهور الهلال 12 مرة خلال تعاقب الفصول الأربعة، وحتى عندما تكون السنة ذات 13 شهرًا، فإن هذا خاضع لرؤية الهلال 13 مرة في السنة الكبيسة في الدورة التوفيقية، سواء كان ذلك في السنة البابلية، أو اليونانية، أو الصينية، أو العبرية، أو الرومانية في أول عهدها، أو غيرها، وهذا يدل على أهمية الحساب وفقًا لرؤية الهلال لدى الجميع.

الخلاصة:

تعتبر السنة ظاهرة شمسية بصورة أساسية، وعلى الرغم من أن السنة القمرية عبارة عن اثنتي عشرة دورة قمرية، فهذا يشكل بصورة أساسية نهاية الدورة الشمسية إلى أقرب رقم للأشهر القمرية، ولذلك فإن الكثير من التقاويم القمرية تحوّلت إلى تشكيل قمري شمسي لجعل السنة فصلية تتماشى مع الشمس.

السنة الشمسية هي المدة التي تقطعها الأرض في سيرها على دائرة البروج 360 درجة، أي إتمام سيرها اثني عشر برجًا أو اثني عشر شهرًا، والسنة القمرية اثنا عشر شهرًا قمريًا، فأيام السنة الشمسية هي 365.242216 وأيام السنة القمرية من أيامنا الشمسية هي 354.367068 يوم.

إن السنة الشمسية لا تحتوي على عدد صحيح من الأيام، فهي تزيد على 365 يومًا، وتنقص عن 366 يومًا، وفي حياتنا المدنية لا يصح أن تنتهي سنة بعد مضي جزء من اليوم، ولا أن تبدأ سنة أخرى، ولهذا تستعمل سنة مدنية أو اصطلاحية، طولها 365 يومًا أو 366 يومًا.

واستعمال سنة مدنية بأحد هذين الطولين يجعل فارقًا بينها وبين السنة الشمسية، ويزداد الفرق بمرور الزمن فتختلف اختلافًا بيّـنًا عن الفصول، فالاعتدال الربيعي الذي يقع في 21 آذار/مارس، إذا امتد استعمال السنة بإحدى الفترتين جيلاً بعد جيل، أصبحت شهور الصيف في الشتاء وبالعكس.

ولهذا السبب ينبغي التوفيق بين السنة المدنية ذات العدد الصحيح من الأيام والسنة الشمسية، فتكون المدنية في بعض السنين 365 يومًا وفي بعضها 366 يومًا.

وما يقال عن السنة الشمسية، يقال عن الشهر القمري الذي يزيد طوله عن 29 يومًا، وأحيانا أخرى يكون 30 يومًا (29.531يوم)، لذا يستعمل شهر مدني طوله أحيانا 29 يومًا وأحيانا أخرى 30 يومًا، ويوضع نظام يتحقق به التوفيق بين السنة المدنية القمرية والسنة القمرية الحقيقية.

كما أن معدل دوران الأرض حول محورها مستقلاً تمامًا عن دورتها في الفضاء ككوكب من كواكب المجموعة الشمسية، وإن كلتا الدورتين مستقلتان تمامًا عن دورة القمر كتابع للأرض (عدد الشهور القمرية في السنة الشمسية هو (12.36827) وهذه القيم العددية تمثل صعوبات في تخطيط التقويم.

إن الأرصاد التي قامت بها الشعوب ذات الحضارات قد طورت التقويم الشمسي وجعلته دقيقًا للغاية، أما ما يتعلق بالتقويم القمري فإن محاولات التنبؤ بثبوت الهلال حسابيًا، بحيث تكون مطابقة للرؤية، لم يحالفها التوفيق، بمعنى أن الحسابات المتعلقة بالشهور القمرية تفيد للتخمين فقط، ولا بد من إجراء حسابات لكل شهر على حدة، للتنبؤ بإمكانية رؤية الهلال.. ولذلك فإن التقويم العبري والذي استفاد من دورة ميتون التوفيقية بين السنة الشمسية والشهور القمرية تتقدّم شهوره على الهلال المرئي، وقد تطابق بداية الشهر العبري ولادة الهلال في اليوم الأول، ولكن ليس لكل الآفاق نظرًا لاختلاف التوقيت.

ضرورة وجود تقويم دقيق:

لقد صار قيام التقاويم المصمّمة بعناية ضرورة لازمة مع نمو وارتقاء الحضارات المركبة، ومع الوقت الذي تقدّمت فيه هذه الحضارات، تابع علماء الفلك اكتشافاتهم، وأثبتوا أن دورة اليوم والشهر القمري والسنة الشمسية مستقلة تمامًا بعضها عن بعض، وأنه ما من تقويم واحد يستطيع أن يضم كل هذه الوحدات أو الدورات الزمنية للطبيعة في خطة واحدة بسيطة، وأن أي محاولة لوضع خطة تقويم تحتوي ولو على وحدتين من هذه الوحدات الزمنية الثلاث، تكون عرضة للانزلاق والوقوع في مشكلات وصعوبات كبيرة، ولولا هذه الصعوبات لأمكن وضع تقويم شمسي دائم وبدون الحاجة إلى الكبس، ولولاها لأمكن وضع تقويم يتنبأ بأول الشهر القمري بدقة وليس تخمينًا.

والتقويم الشمسي الذي نستخدمه حاليًا ليس تقويمًا مثاليًا، واختيار (بداية عدّ السنين) أمر تمّ لأسباب دينية، وتقسيم العام إلى شهور مختلفة الأيام بهذا الشكل ليس مناسبًا تمامًا، ثم إن بدء السنة بهذا التاريخ من السنة ليس هو الأمثل، بل اختيار أوائل الفصول كان هو الأنسب.

إلا أن اتفاق الجميع على تاريخ موحّد لقياس الفترات الزمنية أمر مهم في الحياة العملية.

إن شعوب العالم بأسرها تفتخر وتتشرف بانتمائها إلى أنبيائها، والنصارى في شتى أنحاء العالم يتخذون ميلاد السيد المسيح تاريخًا لهم، وكل الأمم تتمنى وتحاول أن تجعل تقويمها مرتبطًا بالحوادث العظيمة التي مرت بها، وقد مرّ علينا أن الامم أرّخت بتولي الملوك، وكان آخرهم كورش.

وبالنسبة لنا: لماذا لا يكون تاريخنا نابعًا من تراثنا، خصوصًا وأن التزاماتنا الدينية كلها مرتبطة بالتقويم الهجري، ونحن نعتقد أن ديننا لا يفترق عن حياتنا، بل هو صانع لنظامنا الاجتماعي المميز، فلماذا هذه الازدواجية؟

ألا يمكن أن يكون التقويم الهجري منظمًا لحياتنا ويكون هو الأساس، وتبقى الأمور الزراعية تدار بتقويم شمسي ثانوي آخر بدلاً من العكس؟

إن أمورنا الدينية تدار الآن بتقويم ثانوي، وبالتالي فقدنا الصلة بتراثنا العريق، وصرنا لا نتصور البعد الزمني للأحداث المسجلة بالتاريخ الهجري، إلا إذا حولناها إلى التاريخ الميلادي، وبخصوص شهورنا العبادية، فلا نعرفها إلا في موسم الحج وأول شهر رمضان وعند إحياء مراسم عاشوراء.

وبالأمس القريب نشأت الحركة البهائية وأنشأت تقويمًا خاصًا لها.

فهل صار مبدأ تاريخنا متخلفًا ونظامه غير مناسب حتى نأبى الانتماء له؟

وأخيرًا:

 لاحظنا من الجولة بين بعض التقاويم كيف أنها تتعرض بين وقت وآخر للكبس (نسيء)، وكيف أنها في تاريخها الطويل كانت عرضة للتلاعب بإضافة شهر أو شهور، بينما التقويم القمري الشرعي هو الوحيد الذي لم يتعرض للكبس.

إن الأحداث المسجلة بالتاريخ الهجري هي الوحيدة التي تعبر عن دورات متكاملة لم تتعرض للتعديل أو التغيير أو النسيء.

انتهى

 
115%