رسالة النجف

الدين الحق في نصوص أهل الكتاب

 

الدين الحق في نصوص أهل الكتاب

الشيخ حاتم إسماعيل

بداية

لا تزال مسألة مقارنة الأديان تثير الكثير من الإشكاليات حول الدين الحق، وقد سعى أتباع كل دين إلى نصرة دينهم، من خلال النصوص المقدسة لدى الدين الآخر، وتجلّت هذه الظاهرة بأبهى صورها بين الإسلام والمسيحية، نظرًا لانفتاح كل منهما على دعوة الناس للإيمان به واتّباعه.

إن من الطبيعي أن يستند المتأخر -في إثبات حقانيته- إلى نصوص الدين السابق، استنادًا إلى أن الدين السابق يشتمل -بشكل أو بآخر- على إرهاصات وبشائر تتحدث عن الدعوة التالية، ما دام الكل يربطون أنفسهم بالله تعالى، وأن الدين كله حلقة مترابطة يكمل بعضها بعضًا.

وهذا ما حصل في المسيحية، التي قامت ركائزها على قوانين ونصوص العهد القديم، وعمل المسيحيون على الاستفادة من هذه النصوص في إثبات صحة ديانتهم.

ونفس الأمر حصل بالنسبة للإسلام المتأخر عن الديانتين، فقد استند في الكثير من المواضع إلى نصوص العهدين لإثبات حقانيته أيضًا، لكن لا بمعنى أن صحة الإسلام متوقفة على تصديق تلك النصوص، بل بمعنى إلقاء الحجة على من يؤمنون بها، بعد ملاحظة الظروف التي أُنزل القرآن الكريم بها، وبيان وحدانية الدين عند جميع الأنبياء (عليهم السلام) .

بل لقد صرحت بعض الآيات القرآنية الشريفة أن أهل الكتاب يعرفون نبي الإسلام  (صلى الله عليه وآله)  كما يعرفون أبناءهم([1])، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل([2]).

موقف أهل الكتاب

وقد ثارت ثائرة علماء أهل الكتاب، وعملوا على تكذيب هذه الحقائق القرآنية، تارة بإنكار إشارة الأسفار المقدسة إلى النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، والتصريح باسمه وصفته.

وأخرى بإثبات أن السيد المسيح  (عليه السلام)  هو الغاية، وبيده تكون النهاية، وأنه هو الذي يقيم دولة العدل في نهاية الأيام.

وثالثة من خلال إبراز بعض التناقضات المزعومة والموهومة في القرآن الكريم، أو العمل على الإنتقاص من شخص النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، من خلال إبراز بعض المرويات التي ربما تُسيء إلى شخصه الكريم، وهي محاولات يائسة لا تخلو من تصرف وتلاعب غير أمين في هذه المرويات، وليِّ أعناقها علّها تخدم أهدافهم، أو تكون ذاتها من مرويات مسلمة أهل الكتاب أو ضعاف الرجال، والتي لا تثبت أمام النقد العلمي، ولا تتناسب مع السيرة القطعية للنبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) .

أهل الكتاب والنصوص الإسلامية

هذا في الوقت الذي نجد فيه بعض علماء اللاهوت، المسيحي على الخصوص، يعمدون إلى الإستفادة من النصوص الإسلامية في تثبيت أركان ديانتهم. وهذا في الحقيقة من المفارقات الغريبة، لأنهم ما داموا لا يعترفون بقدسية نصوصه، ولا يؤمنون بأنها من وحي السماء، فمن غير المنطقي أن تشكل مستندًا بالنسبة إليهم، يتمسكون به لإثبات مزاعمهم.

والجدير ذكره في المقام أن كثيرًا من استنادات علماء أهل الكتاب إلى القرآن الكريم وإن ظهرت في صورة المجادلة مع المسلمين، إلا أنها في حقيقتها استنادات تأسيسة، يراد بها تقوية معتقد المسيحيين في دينهم، وفاتهم أن ذلك لا يفيدهم شيئًا، لأن فرضهم عدم كون القرآن الكريم وحيًا من عند الله تعالى، وعدم صحة نبوة النبي  (صلى الله عليه وآله) ، سيُفقد هذا المستند أية قيمة تذكر، فلا بد من القول أن مثل هذا الاستناد إنما ينشأ من موقع الضعف، وهذا ظاهر.

ولا يُنقض على هذا الكلام، بأن الإسلام وعلماء المسلمين يستندون إلى نصوص العهدين، في إثبات بعض الحقائق الدينية الإسلامية التي صدع بها النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، لأن الإسلام، وإن أثبت التحريف والتلاعب في نصوص العهدين، إلا أنه لم يفترض عدم صحة شيء منهما، لأن حقيقة التحريف لا تعني إلا التصرّف في الأصل، باللفظ أو بالمعنى، وعليه فيمكن الإستفادة من النصوص الباقية، بعد تمييزها وتمحيصها والتدقيق بها، وبعد افتراض أصل الصحة في أسفار العهدين.

وبهذا ينحل الإشكال الذي عمل بعض المسيحيين على إيراده على القرآن الكريم، حيث حاول الدكتور وليم كامبل، في جوابه على الدكتور موريس بوكاي، أن يثبت أن بعض الحقائق العلمية التي وردت في القرآن الكريم قد ورد مثيلات لها في نصوص العهدين، محاولاً بذلك إثبات صحة هذين العهدين من خلالها([3]).

ذلك أن الإسلام لا يقف موقف المعارض لهذه النظريات العلمية على فرض ورودها في أسفار الكتاب المقدس، انطلاقًا من اعتقاد المسلمين بأن أصل الوحي موجود فيه، فإن لازم ذلك أن يقبل المسلمون أن هذه الإشارات من بقايا الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، ومن الظاهر أن المسلمين لا يعيشون عقدة تجاه هذه المسألة، كما هو الحال عند أهل الكتاب، بل تشكّل قرينة إثبات أخرى على صدق القرآن الكريم، وعلى أنه وحي من السماء، لفرض قدرته على التمييز بين الحقائق والأخذ بها، وطرح التلاعبات وتزييفها، خصوصًا بملاحظة عدم اطلاع النبي  (صلى الله عليه وآله)  على هذه الأسفار، فضلاً عن عدم وجود أية وسيلة في ذلك الزمان، يمكن أن يستند إليها في التمحيص سوى الوحي.

الأسفار القانونية ونصوص أهل الكتاب

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في المقام، هو: هل أسفار العهدين المسماة بالقانونية هي كل ما ورد من نصوص يمكن الإستناد إليها عند أهل الكتاب، أم أن هناك نصوصًا أخرى، من حقها أن ترقى إلى مستوى المقبولية والقداسة عندهم؟

من الواضح أن ملاك المقبولية والقداسة لا يخضع للأهواء والرغبات والانتقائية، بل يستند أولاً وبالذات إلى مطابقة الواقع والحقيقة، وإلى مدى قربه من المصدر والمنشأ.

وقد اعترف كثير من علماء أهل الكتاب بأن أسفار العهدين قد انتقيت انتقاءً من مجموعة كبيرة من الأسفار، والتي لا تقل أهمية بعضها على أقل التقادير عن أهمية الأسفار القانونية، أدخل بعضها في مجموعة الأسفار القانونية فترة من الزمان، ثم لم تلبث أن أخرجت منها، دون الاستناد إلى مبررات علمية أو موضوعية لهذا الإدخال أو الإخراج، مع العلم أن سائر الأسفار، خصوصًا أسفار العهد الجديد، متساوية -من حيث المبدأ- في الغاية التي كتبت لأجلها، ومن حيث جهالة مؤلفيها، إن لم نقل بأن مؤلفي المنحولات معروفون بنحو أدق من الأسفار القانونية.

كما أن قسمًا من هذه الأسفار -غير القانونية- لم تدخل في قانون العهدين أبدًا، إلا أنها ظلت معينًا مهمًا يستقي منه علماء اللاهوت، في اعتقاداتهم وعظاتهم وتعاليمهم على مدى الأيام.

بل نجد في الأسفار القانونية للعهد الجديد من استند إلى بعض هذه الأسفار، كسفر أخنوخ، الذي استند إليه كاتب رسالة يهوذا([4]).

وهذا يدل على مدى الأهمية التي كان علماء اللاهوت الأوائل يولونها لهذه الأسفار، بحيث صارت مستندًا أو مصدرًا، يستقي الكتاب المقدس معلوماته منها.

وتبرز في المقام إشكالية مهمة، تشير إلى السبب الذي جعل هؤلاء العلماء يهملون قسمًا من الأسفار المهمة، ويخفون قسمًا كبيرًا منها، حتى حرمت البشرية من مصادر هامة، يمكن الاستناد إليها والاستفادة منها في مقارنة الأديان، والوصول من خلالها إلى نتائج مرضية.

إلا أن من الطريف أن نجد بعض علماء اللاهوت المسيحي([5])، وفي مقام بيان سر قبول الأسفار القانونية دون سواها، يحاولون إثبات صفة القداسة على هذه الأسفار بأدلة واهية، لا تصمد أمام النقد والتحليل، من قبيل أن الكنيسة قد قبلت أسفار العهد القديم استنادًا إلى ممارسة المسيح والرسل والتلاميذ وخلفائهم.

مع أنه قد تقدم قبل قليل استناد هؤلاء إلى أسفار غير واردة في القانون، وهو تناقض صريح، فإن الاستناد إليها يتضمن صدقها في نفسها، ويجعلها مصدرًا من مصادر القداسة، فتكون أولى من القانونية في القبول والاعتماد عليها، وعدم قبولها يثير الشك في صدقية الأسفار القانونية نفسها، وبالتالي يبقى دينهم خاليًا من المستند أصلاً، ومعه لا يمكن القول بأنه دين مرضي عند الله تعالى، أو أنه قابل للخلاص في الآخرة..

إلا أنهم حاولوا سلوك طريق آخر في ما يرتبط بنصوص العهد الجديد، فقد افترضوا رجوعها إلى أصل رسولي، إما مباشرة أو بشكل غير مباشر. هذا مع اعتراف علماء اللاهوت عمومًا بعدم وجود مثل هذا الأصل بين أيدي الناس، ولا يوجد أي دليل حسي أو منطقي يؤكد مثل هذه الرابطة أو وجود هذا الأصل، مما يعني أنه مجرد أمر افتراضي، لا يرقى إلى مستوى الحقيقة القطعية والواقع الأكيد، الذي يؤدي إلى النجاة والخلاص، وقد عالجنا هذه المسألة في مكان آخر.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، وهي التعمية على الحقيقة، وإخفاء نبوة النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله)  والحقائق الإسلامية، الموافقة للحقائق الكتابية، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}([6]).

قال أبو علي الفارسي في تفسيرها: أي تبدون بعضها وتكتمون بعضها وهو ما في الكتب من صفات النبي  (صلى الله عليه وآله)  وتعاليمه وتشريعاته والإشارة إليه والبشارة به([7]).

ومما يشير إلى هذه الحقيقة: ما ورد في قاموس الكتاب المقدس عند توصيفه سفر أخنوخ، من أنه مليء بأخبار الرؤى عن المسيا المنتظر، والدينونة الاخيرة، وملكوت المجد، حيث نقل بعض الأوصاف الواردة فيه للمسيا، وملكوته وطريقة حكمه، وهي لا تتناسب والعقائد المسيحية واليهودية القائمة([8]).

مخطوطات قمران

ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن الإكتشافات المثيرة، من الكنوز المدفونة قرونًا متمادية، والتي ظهرت أخيرًا، خصوصًا تلك التي عثر على جزء مهم منها في مغاور قمران على البحر الميت، وغيرها من المخطوطات، قد أكّدت مضمون الآية القرآنية المباركة وغيرها من الآيات، كما تشكّل قرينة إضافية لصدقية القرآن الكريم في أخباره عن تلاعبات أهل الكتاب في نصوصه المقدسة.

إن المثير للإهتمام في مخطوطات قمران، هو أنها تعود في تاريخها، إلى عصر السيد المسيح  (عليه السلام)  نفسه، وبالتالي فهي أقدم من كافة نصوص العهد الجديد، من الناحية التاريخية.

وليس هذا فحسب، بل تشكل أقدم وثيقة مكتشفة لأسفار العهد القديم نفسه، لأن ما هو موجود منها بين أيدي الناس متأخر عن عصر السيد المسيح (عليه السلام)  قرونًا عدة، وهي -بحسب اعتقاد علماء اللاهوت عند أهل الكتاب -عبارة عن ترجمات للنسخة اليونانية للعهد القديم، والتي يعبّر عنها بالترجمة السبعينية، والتي يعود تاريخها إلى حدود القرن الثاني قبل الميلاد([9])، دون أن تكون الترجمة السبعينية موجودة بين أيدينا أيضًا.

إن هذه المخطوطات مكتوبة باللغة الآرامية والعبرانية، وبالتالي فهي أكثر أصالة في الحديث عن الأنبياء وأسفارهم من الترجمة السبعينية، لوضوح أن بني إسرائيل وأنبياءهم كانوا ينطقون بهاتين اللغتين دون اللغة اليونانية، مع أن المعلوم أن الترجمة مهما بلغت من الدقة والأمانة، فإنها لا يمكن أن تحاكي النص الأصلي في كافة أبعاده وخصوصياته.

بناء على ما تقدم، فإن النسخة المكتشفة في مغاور قمران للعهد القديم وغيره من الأسفار، أولى بالاعتماد والاهتمام والدراسة من النصوص القانونية للكتاب المقدس، التي يعتمدها علماء اللاهوت من أهل الكتاب، ومما يؤكد هذا المعنى أن النسخة المكتشفة للتوراة تتوافق في مضامينها مع النسخة السامرية للتوراة، والتي تخالف النسخة المعتمدة من اليهود والمسيحيين في كثير من الموارد([10]).

جماعة المخطوطات

وهذا الأمر يفتح باب السؤال عن الجماعة التي قامت بإخفاء هذه المخطوطات في تلك الكهوف، ومدى علاقتها بالديانة المسيحية أو اليهودية، ومدى إيمانها والتزامها الديني، ونمط عيشها، وسبب إخفائها لها، وغير ذلك من التساؤلات.

إن من المتسالم عليه بين الباحثين، أن الجماعة التي حفظت المخطوطات، هي من طائفة الأسينيين، وهي طائفة مجهولة على وجه العموم، فقبل ظهور المخطوطات كانت المعلومات عن هذه الجماعة ضئيلة جدًا، لم تزد عن محاولات تحليل الاسم وربطه بعالم الشفاء([11]).

وبحسب موسى ديب الخوري، فإنهم كانوا يعيشون في جماعات منعزلة متفرغين للعبادة، وأنهم كانوا معروفين بتقواهم وزهدهم، وتكتمهم عن الأسرار، وقدرتهم على الشفاء، والتخلص من الآلام والنجاسة بالتطهر([12]).

وأما بعد اكتشاف المخطوطات، فقد افترض العلماء ازدياد معرفتهم بهذه الطائفة، فربطوا بينها وبين أصحاب هذه المخطوطات، وبمقارنة الفترة الزمنية التي عاشت فيها هذه الجماعة، وبملاحظة اقترانها مع ظهور دعوة السيد المسيح (عليه السلام) ، فقد افترض وجود علاقة بين الأسينية ونشأة المسيحية([13])، بل طرحت إشكالية علاقة السيد المسيح (عليه السلام)  نفسه بهم، وأنه كان منهم ثم انفصل عنهم([14]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة البقرة، آية:146

([2]) سورة الأعراف، آية:157

([3]) القرآن والكتاب المقدس في نور التاريخ والعلم.

([4]) عدد 14-15.

([5]) الكتاب المقدس بين العلم والإيمان، الأب بيتر مدروس، المكتبة البولسية 2004، ص20.

([6]) سورة الأنعام، آية: 91.

([7]) مجمع البيان،الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المجلد الثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1379هـ ص333.

([8]) راجع: قاموس الكتاب المقدس، ص32.

([9]) الترجمة السبعينية هي أقدم ترجمة لأسفار العهد القديم من أصلها العبري إلى اللغة اليونانية، وهي التي تمت في سنتي282 ، 283 ق . م على يد اثنين وسبعين حبرًا من يهود مصر بأمر بطليموس فيلادلف، ومراعاة لعدد من قام بها سميت الترجمة السبعينية. (Versionde septane). راجع أهل البيت (ع) في الكتاب المقدس، كاظم النصيري، ص 30. (التحرير).

([10]) الفرق والمذاهب اليهودية منذ البدايات، عبد المجيد همو، دار الأوائل، دمشق، 2003، ص67.

([11]) كتابات قمران، الخوري بولس الفغالي، ج1، ص13.

([12]) مخطوطات قمران، دار الطليعة الجديدة، دمشق، 1998، ج1، ص7.

([13]) نفس المصدر السابق، ص44.

([14]) نفس المصدر السابق، ص64.

 

 

تتمة مقال = الدين الحق في نصوص أهل الكتاب

الجماعة هم العيسويون

إن أصل كلمة الأسينيين هي يونانية معربة من كلمة إسينوس [essenos] أو إسيوس [essaios]، ومن المعلوم أن اللغة اليونانية غير قادرة على النطق بالحروف الحلقية أو الحنجرية، كما أنها لا تميز الحروف الصافرة في اللغات السامية، ومن هنا تعددت الاقتراحات في ترجمة التسمية إلى العربية، حيث ترجمت بـ[الصامتون]، و[الممارسون]، و[الأتقياء] و[الراؤون]، و[المتشيعون]، وكانوا يصفون أنفسهم في النصوص التي اتخذت عنهم وعن نظامهم بـ [الورعين]، و[القديسين]، و[الكاملين]([15]).

وبملاحظة أنهم كانوا من اليهود ولم يكونوا من اليونانيين، فإن تسميتهم اليونانية مأخوذة عن تسمية عبرية أو آرامية بلا ريب، وعليه يبدو أن أصل كلمة إسيوس [essaios] هو [العيسيون]، أي أتباع عيسى (عليه السلام) ، وذلك بملاحظة أن حرف [العين] من الحروف الحلقية، وليس له رديف في اللغة اليونانية أو غيرها من اللغات التي لا تنتسب إلى السامية.

ويؤيد هذا الاقتراح أو الاستنتاج، هو أن الاسم عيسى هو الاسم العربي، الذي ذكره القرآن الكريم للسيد المسيح (عليه السلام) ، والعربية والعبرية ساميتان، متقاربتا الحروف والاشتقاقات كما هو معلوم.

كما أن اسم [يسوع] هو الترجمة الحرفية للإسم [jessus] في اللغات اللاتينية، ويقابله في اللغة العبرية اسم [يشوع]([16])، وهو اسم لم يطلق على السيد المسيح  (عليه السلام)  أبدًا.

وبهذا تصبح الإشكالية التي أوردها موسى ديب الخوري حول علاقة السيد المسيح  (عليه السلام)  بالأسينيين، واحتمال كونه أسينيًا في البداية ثم انفصل عنهم([17])، واضحة المعالم، إذ يكون حق التساؤل هو انتساب الأسينيين للسيد المسيح (عليه السلام)  وعلاقتهم به، وليس العكس.

يضاف إلى ما تقدم أن أعظم المعجزات التي جاء بها السيد المسيحٍ، عبارة عن شفاء المرضى وإحياء الموتى، فقد [كان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلّم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب]([18])، وهي نفس المهمة التي أوكل بها تلاميذه، حين أرسلهم للوعظ في مدن بني إسرائيل، فقد: [أوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا... اشفوا مرضى، طهّروا برصًا، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين]([19])، وهذا هو ما كان يقوم به أصحاب المخطوطات، كما هو ظاهر من تسميتهم ومن سيرة حياتهم التي تحدث عنها الباحثون.

كما أن أصحاب المخطوطات يرون أنهم قد عرفوا أسرار الكتاب المقدس، دون سواهم من بني إسرائيل، وأنهم قد أخذوها من معلم الحق الذي أطلعهم عليها بدوره([20]).

ونجد جذور هذه المسألة في كتابات العهد الجديد القانونية أيضًا، فقد ورد أن تلاميذ السيد المسيح  (عليه السلام)  سألوه عن سبب حديثه بأمثال مع اليهود، فقال لهم: [لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، وأما لأولئك فلم يعطَ، فإن من له سيعطى ويزاد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه]([21]).

إن كل ما تقدم يدل على أن الأسينيين هم العيسويون، أي أتباع عيسى (عليه السلام) ، ويؤيد ذلك اختيارهم حياة العزلة والابتعاد عن الناس والأضواء الكاشفة، بعدما حصل مع السيد المسيح  (عليه السلام)  وسائر التلاميذ ما حصل، واشتداد الخناق عليهم من اليهود واليونانيين على السواء.

سبب إخفاء المخطوطات

رغم أن علماء أهل الكتاب -من اليهود والنصارى على السواء- الذين وضعوا أيديهم على هذه المخطوطات، لم يكشفوا النقاب عنها جميعًا، رغم كثرة الضغوط والانتقادات الشديدة التي وُجّهت إليهم، فقد اعترف الأب البولوني ميليك أنه وحده قد حصل على 120 مخطوطة ولم يكشف عنها أبدًا. وقال بعض الباحثين أن السبب في عدم نشر الكثير من المخطوطات يعود إلى أنها تمس الإيمان([22]).

وفي مقام تبرير عدم نشر المنحولات، وهي الأسفار التي لم تعترف بها المؤسسة الدينية الرسمية اليهودية والمسيحية، وهو سارٍ بحق مخطوطات قمران أيضا، يذكر بعضهم عدة أسباب:

منها: أنها لا تعبّر عن العقيدة الرسمية للكنيسة.

ومنها: أنها تظهر يسوع في غالب الأحيان وكأنه ساحر، صانع معجزات وخوارق، ساعة يشاء، يتحدّى بها الناس، من حين ولادته إلى حين وفاته.

ومنها: أنها تشكّل حجة للمسلمين في صحة ما يتهمون به المسيحيين بأنهم حرّفوا التوراة والإنجيل، بما كتبوا من روايات مختلقة، أضفوا عليها صفة الوحي بغير حق([23]).

ومن الظاهر أنه لا يمكن قبول هذه المبررات، لا من الناحية الدينية، ولا من الناحية الموضوعية العلمية.

أما من الناحية الدينية

فلأن الدين والبحث عن الخلاص في الآخرة، يقتضي أن تستند الكنيسة في عقائدها، إلى النصوص التي يفترض أن تكون معاصرة أو قريبة من الحدث، في أقل الفروض، إن لم تكن صادرة من صاحب الدعوة نفسه، خصوصًا وأن الكنيسة الرسمية لا تملك نصوصًا أصلية للتوراة، وما تستند إليه هي الترجمة السبعينية لنصوص العهد القديم كما تقدم، ونصوص العهد الجديد القانوني تستند في مجملها إلى هذه الترجمة، وهذا يفقدها الكثير من المعطيات التي تدعو إلى قبولها، فضلاً عن تصديقها وتقديسها.

هذا بالإضافة إلى تأخر الكتابات القانونية للعهد الجديد، فترة طويلة عن عصر السيد المسيح  (عليه السلام) ، قد تصل إلى القرن الرابع الميلادي، كما رجّحناه في مقام آخر.

مع أن العقائد الرسمية للكنيسة ظلت قرونًا طويلة رهينة القبول والرفض، ودارت حولها خلافات كثيرة ونقاشات وأخذ ورد، حتى استقرت الكنيسة عليها عبر المؤتمرات والمجامع المقدسة، كما صرحت به مختلف المصادر التاريخية، من كنسية وغيرها.

فلا يصح -والحال هذه- أن تكون الكنيسة ميزانًا للقبول والرفض، لافتقادها السند الكتابي الذي يدعم آراءها ومعتقداتها.

وأما من الناحية الموضوعية العلمية

فلأن ما ورد من تبرير بإظهار السيد المسيح  (عليه السلام)  مجرد ساحر يصنع المعجزات، منقوض بنصوص الأناجيل القانونية نفسها، التي تركّز في مجملها على صنعه للمعجزات، كما في إطعام الخمسة آلاف رجل -عدا النساء والأطفال- من سمكتين وخمسة أرغفة، ثم بقاء اثنتي عشرة قفة بعد ذلك([24])، ومسألة يباس التينة([25])، وكذلك إحياء الموتى وشفاء المرضى، وإخراج الشياطين بلمسة أو بكلمة، وغير ذلك من المعجزات، فإنها بنفسها تدل على نفس ما ذكره المبرر كما هو ظاهر.

هذا، مع أنهم يزعمون أنه ذو طبيعة إلهية، بل هو الله نفسه عند الأرثوذوكس، والله قادر على كل شيء، فإنه [عند الله كل شيء مستطاع]([26])، بل المؤمن أيضًا قادر على كل شيء بحسب الإنجيل، فإن [كل شيء مستطاع للمؤمن]([27])، فقد شفى مريضًا بعدما عجز تلاميذه عن ذلك، فسألوه عن سر عجزهم فقال: [لعدم إيمانكم. فالحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل قم من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم]([28]).

فهذا المبرر ساقط من أساسه.

وأما الاعتذار بأن نشرها يدعم حجة المسلمين، حول تحريف أهل الكتاب كتابهم المقدس، فهو مع هجنته وغرابته في نفسه -إذ إن الحقيقة هي المطلوبة في المسائل العلمية، فضلاً عن الدينية، والتي يُبحث فيها لأجل خلاص النفس ونجاتها مع غض النظر عما يقوله الآخرون- لا يمكن أن يبرر إخفاء الحقيقة، التي يُفترض أننا نبحث عنها كما هو ظاهر، لما في ذلك من ضياع لجهود الباحث عنها فضلاً عن مُدّعيها.

ويبدو أن هذا هو السبب الحقيقي الكامن وراء إخفائهم لها وعدم اعترافهم بها، لأن إقرارهم بشرعيتها سيشكل أقوى حجة للمسلمين على صحة الإسلام، كما ورد في التبرير المذكور، لما تحويه هذه الأسفار من إشارات ودلائل تؤكّد المضمون القرآني، سواء بما يتعلق بأنبياء بني إسرائيل أنفسهم أو بالنسبة إلى نبي الإسلام الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، ودعوته وخاتميتها.

إن ما تقدم يشكل حجة ليس للمسلمين فقط، بل هو حجة لكل باحث عن الحقيقة والخلاص، وهذا بنفسه يشكل إدانة للذين عملوا على إخفائها ومنعها، لما في ذلك من إضلال للناس، ورمي لهم في متاهات الضلال والضياع.

ومن الطريف أن يستفيد هذا المُبرّر من هذه الكتابات، ويرى فيها مصدرًا من مصادر القرآن، التي استند إليها وأخذ بها في بيان آياته ومعتقداته([29])، في الوقت الذي يؤكد الباحثون الكتابيون أن أول ترجمة عربية للكتاب المقدس قد تمّت في القرن الثامن الميلادي([30]).

إن هذه الحقيقة إن دلت على شيء، فإنما تدل على صدقية القرآن الكريم، في معلوماته التي أثارها وبيّنها، بعد وضوح حقيقة عدم وجود هذه الأسفار بين أيدي الناس، نتيجة لإخفائها عن مسرح الأحداث. ولو فرض بقاؤها ظاهرة فهي في نصوصها العبرية، أو اللغات الأخرى غير العربية، ولا يمكن فرض استفادة النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله)  منها وأخذه عنها، إذ من الظاهر أنه لم يختلف إلى معلم أصلاً، فضلاً عن أن يتعلم لغات أهل الكتاب، فليس له طريق لمعرفتها إلا الوحي الإلهي، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن ما ورد في القرآن الكريم نفسه، يدل على صحة المعلومات الواردة في هذه الأسفار في الجملة، دون أن يعني ذلك صحة كل ما فيها، لكونها مدوّنات كغيرها من المدونات التي تشتمل على الغث والسمين، وهذا يعني أن القرآن الكريم يشكل الميزان الأساس، في قبول المعلومات الواردة فيها أو رفضها، كما هو الحال في المدوّنات القانونية لأهل الكتاب، وبالتالي يعود السؤال المركزي من جديد، عن الداعي إلى إخفاء هذه الأسفار، وعدم الإعتناء بها، أو الإقرار بقانونيتها؟

إن مضامين هذه الأسفار تكشف بنفسها عن السبب الكامن وراء إخفائها وإنكارها، وهو ما ينبغي تسليط الضوء عليه، ولو بصورة سريعة ومجملة، بحسب ما يتسع له المجال، من خلال ما تيسر منها بين أيدينا.

مسيح آخر الزمان

إن كلمة المسيح تعني (المخلِّص) بحسب مصطلح الكتاب المقدس، وقد أخذت في الثقافة اليهودية معنى الملك الزماني، الذي يحكم الأرض في آخر الزمان، ويقيم دولة العدل، ويخلصهم من أعدائهم([31]).

ولما جاء السيد المسيح  (عليه السلام) ، ظنوا أنه هو الموعود في آخر الزمان، فحاول بعضهم أن يخطفوه ليجعلوه ملكًا عليهم([32])، بعدما رأوا ما اجترحه من معجزات، ولكن ثائرتهم ثارت عليه بعدما بيّن لهم أنه مجرد رسول مبشر بمسيح آخر الزمان، وعملوا على قتله، خوفًا من انقلاب الناس ضد المؤسسة الدينية اليهودية.

ولم يتقبل المسيحيون -تبعًا لمدرسة بولس- هذه البشارة والنبوءة، فعملوا على ليّ أعناق النصوص المقدسة، بما فيها كلمات السيد المسيح  (عليه السلام)  نفسه، فأخذوا يفسرونها تفسيرات رمزية، لا ترتبط بمداليل الألفاظ، فأمسكت المؤسسة الدينية بمفاصل ودلالات هذه النصوص، واحتكروا فهمها وتفسيرها، وحظروا على الناس التعامل معها بمعزل عن الكهنة، في مسعى حثيث وجاد، منذ ما بعد عيسى  (عليه السلام)  مباشرة، ولهذا أقصي الحواريون عن مسرح الأحداث بالمرة.

إن من المتسالم عليه بين يهود ذلك الزمان، أن الحكومة الزمنية ينبغي أن تكون بيد نسل داوُد (عليه السلام) ، وهو ما دفع المسيحيين إلى افتعال نسب بين السيد المسيح  (عليه السلام)  وبين داوُد  (عليه السلام) ، دون أن يوفّقوا في ذلك، فقد أدّت هذه الدعوى إلى الكثير من التناقضات والارتباك في ترتيب المنظومة الدينية، وإثبات حقانيتها كدين متماسك وسليم، كما فشلت فشلاً ذريعًا في بيان أن السيد المسيح  (عليه السلام)  هو مسيح آخر الزمان، وقد صرّح كاتب الإنجيل الرابع أنه كتب سفره لاثبات أن يسوع هو المسيح([33]).

وقد أثبتنا في كتاب [المسيح في الإنجيل] أن نسب السيد المسيح  (عليه السلام)  هو هاروني -بحسب الأناجيل الأربعة- وليس داوُديًا، وهذا ما يفقده خصوصية الحكم في آخر الزمان، بحسب القانون الكتابي المعمول به عندهم.

وقد أثبتت الاكتشافات الجديدة -أي مخطوطات قمران- هذه الحقيقة، إذ لم يرد أي ذكر لنسل داوُد وملكه، ولا المسيح الداوُدي في هذه المخطوطات([34])، بل هي صريحة في أن المسيح هاروني النسب في مخطوط دمشق([35]).

المسيح الهاروني

إن ما تقدم يدفعنا إلى التساؤل أنه إذا كان مسيح آخر الزمان هارونيًا، فهو مخالف لما توافق عليه علماء أهل الكتاب من أن المسيح الحاكم، لا بد وأن يكون من نسل داود  (عليه السلام) ، فلا يمكن الوصول إلى حل لهذه المعضلة.

إلا أن هذا التساؤل يرتفع بمجرد الالتفات إلى خصوصيات الدعوة الأخيرة، لأن مقتضى العهد القديم أن نسل داود  (عليه السلام)  يتولى الحكم فترةً محدّدة من الزمن، حدّدها العهد القديم بمجيء [شيلون]، فيقول: [لا يزول قضيب من يهوذا أو مشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب]([36])، وفي نسخة أخرى [وإياه تنتظر الأمم].

وهو ما لا ينطبق على السيد المسيح  (عليه السلام) ، لأن الأمم لم تكن تنتظر مخلّصًا في زمانه، بل الذين كانوا ينتظرون هم اليهود في الخصوص، نتيجة الذل والعبودية التي كانوا يرزحون تحتها، فافترضوا أنه سيخلصهم من الأمم، وهو ما لم يتحقق أيضًا، لأن السيد المسيح  (عليه السلام)  -وإن كان من نسل يهوذا كما يزعمون- لم يدعُ إلى حكم الأرض، ولا عمل على تغيير الواقع السياسي آنئذ..

فحاكمية نسل يهوذا إذن محددة وليست مطلقة، وهنا تبرز مفارقة أخرى، وهي أن السيد المسيح  (عليه السلام)  من نسل هارون  (عليه السلام)  بواسطة أمه السيدة العذراء، وليس من نسل يهوذا كما أثبتناه في كتاب [المسيح في الإنجيل]، كما أن الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت  (عليهم السلام)  ينتسب إلى هارون  (عليه السلام)  بواسطة أمه السيدة نرجس([37]).

فإذا تبين أن السيد المسيح  (عليه السلام)  لم يكن هو المسيح الموعود، نظرًا لإصراره الشديد على أنه مجرد مبشّر بالملكوت وشاهد له، كما بيّنه في مختلف مراحل دعوته، وأنهاها بمقولته التي لا تقبل التأويل [مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود]([38])، تبين أن المراد هو مسيح هاروني آخر يأتي في آخر الزمان، لا يعمل بشريعة التوراة، كما بيّنه السيد المسيح  (عليه السلام)  نفسه، حيث قال لليهود: [لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره]([39]).

وبهذا تتم نبوءة سفر التكوين بنهاية ملك يهوذا ومجيء شيلون، وتنتقل الحاكمية الأرضية بأمر الله تعالى، بواسطة المسيح الهاروني في آخر الزمان وهو الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) .

ومما يؤكد هذه الحقيقة، أنه ورد في دستور جماعة المخطوطات، أنهم قد بدأوا بالتمهيد لمجيء المخلص في مستقبل الأيام، مع أنهم معاصرون للسيد المسيح  (عليه السلام)  ومن أتباعه كما تقدم، وهذا يعني أنهم مخالفون في فهمهم لحقيقة المسيح الموعود في آخر الزمان لما يقول به المسيحيون، يقول أحد النصوص: [وإنهم عن مبدأ الشريعة لا يحيدون ليمضوا في عناد قلبهم كله. وستحكمهم الأنظمة الأساسية التي بدأ بها أعضاءالجماعة بالتعلم، حتى مجيء النبي ومسيح هارون وإسرائيل]([40]).

ومسيح هارون هو مسيح إسرائيل في نص آخر، وهو تابع للكاهن [أي مسيح آخر الزمان]، بحيث لا يحق لمسيح إسرائيل أن يمد يده لتناول الطعام بمحضر الكاهن، إلا بعد أن يبادر الكاهن لذلك، ويتبعه مسيح إسرائيل ثم باقي الجماعة([41]).

كما أن المسيح المخلص مولود من أب وأم([42])، وهو ما لا يصدق على السيد المسيح  (عليه السلام)  كما هو ظاهر، وله غيبة عن أنظار أبناء الإنسان وعندما يظهر تظهر معه شريعة الحق([43]).

وهذه المعاني نجدها مبثوثة في النصوص الإسلامية، من صلاة السيد المسيح  (عليه السلام)  خلفه، وأنه يأتي بدين جديد، مغاير في الكثير من حقائقه لما يتداوله الناس، وموافق لشريعة الحق التي صدع بها النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، ومفسرًا لها كما أرادها جده المصطفى  (صلى الله عليه وآله) ، وغير ذلك من المضامين، قبل ظهور هذه المخطوطات بأربعة عشر قرنًا من الزمان.

وكثيرة هي النصوص التي تتحدث عن ملك المسيح الأرضي في آخر الزمان، الأمر الذي لا يدع مجالا للشك في أن المراد منه الإمام المهدي  (عجل الله فرجه) . ولا تنطبق بأي حال على السيد المسيح  (عليه السلام) ، ففي سفر أخنوخ: [فسألت الملاك الذي كان يرافقني: ما هذه الجبال التي رأيتها بشكل غامض؟ فأجابني: ما رأيته كله سيخدم سلطة مسيحه، لكي يقوم ويمارس السلطة على الأرض]([44]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([15]) نفس المصدر السابق، ص37.

([16]) قاموس الكتاب المقدس، ص1065.

([17]) مخطوطات قمران، ج1، ص64.

([18]) انجيل متى: 9/35.

([19]) المصدر نفسه: 10/5-8.

([20]) مخطوطات قمران، ج1، ص40

([21]) انجيل يوحنا: 13/10-12

([22]) مخطوطات قمران، ج1، ص30

([23]) الأناجيل المنحولة، ترجمة اسكندر شديد، تقديم ومراجعة جوزيف قزي والياس خليفة، دير سيدة النصر، نسبيه- غسطا، 2004، ص10.

([24]) إنجيل متى: 14/16-21.

([25]) المصدر نفسه:21/19.

([26]) المصدر نفسه:19/26.

([27]) إنجيل مرقس:9/23.

([28]) إنجيل متى:17/20.

([29]) الأناجيل المنحولة، مرجع مذكور، ص10.

([30]) قاموس الكتاب المقدس، ص771.

([31]) قاموس الكتاب المقدس، ص860.

([32]) إنجيل يوحنا: 6/15.

([33]) المصدر نفسه: 20/31.

([34]) مخطوطات قمران، ج1، ص50.

([35]) المصدر نفسه: ج1، ص207.

([36]) سفر التكوين: 49/10.

([37]) منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل، الشيخ عباس القمي، الدار الإسلامية، بيروت، 1994، ج2، ص556.

([38]) انجيل يوحنا: 18/36.

([39]) انجيل متى: 21/43.

([40]) مخطوطات قمران، ج1، ص90-91.

([41]) نفسه ص112.

([42]) نفسه ص334.

([43]) نفسه ص342-343.

([44]) مخطوطات قمران، ج2، ص56.

 

 

تتمة مقال = الدين الحق في نصوص أهل الكتاب

المصطفى ومعلم الحق

من الأمور الهامة في كتابات أهل الكتاب تعرضهم لأحداث آخر الزمان، وصفات النبي الذي سيحكم العالم طبقًا لشريعته، دون أن يكون لبني إسرائيل أية خصوصية فيه، بل المِلاك فيه هو الإنسان من حيث هو إنسان، [في يده توجد قوانين الكائنات كلها، وأنه هو الذي يسندها في كل حاجاتها. وأنه هو الذي خلق الإنسان لتكون له السيادة على الأرض]([45]).

[وكل ما كان قد أخفي عن إسرائيل إنما وجده الإنسان الذي بحث]([46]).

إن من أهم صفات هذا النبي أنه يعلم جميع الأشياء، التي حصلت مع سائر الأنبياء قبله، والأحكام والتشريعات التي جاؤوا بها، وما سيحصل في مستقبل الأيام، ففي تفسير حبقوق: [الذين سيغدرون في نهاية الأيام إنهم الأعداء الذين لا يؤمنون، عندما يسمعون بالأشياء كلها، التي تحصل للذرية الأخيرة، من فم الكاهن الذي أقامه الله، لكي يفسر كافة عبارات عبيده الأنبياء الذين بواسطتهم روى الله كافة الأشياء التي ستحصل لشعبه وللأمم]([47]).

ومعلم الحق هذا قد جعله الله يعرف كافة أسرار كلام خدامه الأنبياء([48]).

وعقاب الكاهن الذي ينكر تعاليم معلم الحق وأتباعه سيسلمه الله لأيدي أعدائه لكي يذل بضربة قاضية في مرارة النفس، لأنه كان قد تصرف بشكل زنديق تجاه مختاريه([49]).

وفي نهاية الأزمنة ستزول مملكة إسرائيل فيذهب نساؤها وأولادها وأطفالها الصغار أسرى، وأبطالها ووجهاؤها سيسقطون بالسيف([50]).

وأما الأبرار فهم الذين سيرثون الأرض: [إنهم هم الذين سيرثون الارض، وعليكم أيها الكافرون اللعنة، عندها سيعطي للمختارين النور والنعمة، وسيكونون هم الذين يرثون الأرض]([51]).

ومن الصفات التي أطلقت على معلم الحق أنه المصطفى، وهو لقب اختص به نبي الإسلام الأعظم  (صلى الله عليه وآله) ، دون غيره من الأنبياء، ففي سفر أخنوخ: [وفي هذا الموضع رأت عيناي مصطفى الحق والإخلاص، العدالة ستسود في زمنه،....، بحضوره لن تهلك العدالة أبدًا، ولن يفنى الحق بوجوده]([52]).

[أمامه سينحني ويسجد جميع سكان الأرض، سيمجدون ويمدحون ويباركون رب الأرواح، ولهذا أصبح المصطفى والذي كان قد أخفي بحضوره منذ ما قبل خلق العالم وحتى نهاية الدهر]([53]).

وقد تحدث كثيرًا في وصف عدالته، وقدرته، وحكمته، وقضائه بين الناس بالعدل، وسيطرته على كافة الشرائع، وأنه سيبين كل ما أخفي بفمه.

وشيء من ذلك لم يتحقق على يد السيد المسيح  (عليه السلام) ، فإنه بالإضافة إلى إعلانه أن مملكته ليست من هذا العالم، فقد امتنع عن القضاء بين الأخوين في قسمة الميراث بينهما، قائلا: [من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسمًا؟]([54]).

كما امتنع عن إقامة الحد، الذي تفرضه الشريعة، على المرأة الزانية([55]).

بل نجد أنه لم يتعرض إلى تغيير الوضع السياسي القائم بأي شكل من الأشكال، ولم يعمل لذلك أبدًا، كما تقدمت الإشارة إليه، ومن المفروض أن المخلص سوف يأتي ليرفع كافة أنواع المظالم عن الناس عمومًا، فضلاً عن بني إسرائيل بحسب ما يفترضون له من مهام.

وأكثر من ذلك، فقد دفع الجزية لقيصر، وأعلن مقولته الشهيرة [أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله]([56])، وقد سبق له أن دفع الجزية مرة أخرى في بداية دعوته الشريفة، كما يبدو، حيث أمر بطرس أن يذهب ويلقي صنارة وأول سمكة تخرج يجد فيها جزية عنه وعن بطرس ليدفعها([57]).

وأعلن لتلاميذه بشكل صريح أنه لم يبين لهم كل شيء، لعدم قدرتهم على تحمله، وأن الذي يقوم بذلك شخص آخر: [إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية]([58]).

ولهذا بيّن  (عليه السلام)  لهم بأن ذهابه خير لهم: [لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي]([59]).

وقال لهم في مقام آخر: [بهذا كلّمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم]([60]).

مكان الدعوة الخاتمة

لقد ورد في الكثير من الأخبار الإسلامية أن أهل الكتاب -وخصوصًا اليهود منهم- كانوا يعرفون موطن بعثة النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله)  حق المعرفة، والقرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة، التي أشار إليها في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، وهو يعني معرفتهم بكافة التفاصيل المرتبطة بشخصه الكريم، بما فيها منطقه ومنطلقه ومهاجره، كما هو الشأن في معرفة الأبناء والاطلاع على أحوالهم.

فقد ورد أن رجلاً يهوديًا من بني عبد الأشهل خرج إلى جيرانه قبل بعثة النبي الأعظم  (صلى الله عليه وآله)  بيسير، وأخبرهم بأنه يوشك أن يبعث نبي من ناحية مكة المكرمة([61]).

وورد أيضًا أن اليهود كانوا يجدون في كتبهم أن مهاجر النبي  (صلى الله عليه وآله)  بين عير وأُحد، فأتوا واستوطنوا في ضواحي المدينة المنورة([62]).

وقد يبدو هذا الكلام غريبًا بالنسبة لأهل الكتاب بعد ملاحظة أولية لأسفارهم، إذ قد يظهر للوهلة الأولى أنها خالية من مثل هذه الدلالات، نتيجة تلاعب النساخ والمترجمين بها، أو ربما يتصورون عدم دقة القرآن الكريم في نقله عنها.

إلا أن الملاحظة الدقيقة ومراجعة النسخ المختلفة للكتاب المقدس، تدل على صحة ما ورد في القرآن الكريم والأخبار الواردة في تاريخ المسلمين، ولا يبقى معها أي شك في صدق نبوءة القرآن الكريم، فقد أثبتنا في كتاب [وعد التوراة لمن] أن أورشليم المقدسة في العهدين هي مكة المكرمة وليست بيت المقدس، بحسب نصوص الكتاب المقدس نفسه.

ونضيف هنا:

ألف: أنه قد ورد في المزمور الرابع والثمانين قوله: [طوبى للساكنين في بيتك أبدًا يسبحونك، طوبى لأناس عزهم بك. طرق بيتك في قلوبهم، عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعًا. أيضًا ببركات يغطون مورة]([63]).

وفي نسخة التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، يقول: [طوبى لأناس أنت قوتهم، المتلهفون لاتباع طرقك المفضية إلى بيتك المقدّس، إذ يعبرون في وادي البكاء الجاف يجعلونه ينابيع ماء، ويغمرهم المطر الخريفي بالبركات]([64]).

والمهم في هذا النص هو عبارة وادي البكاء ومورة، فقد بان الارتباك والحيرة لدى مترجمي ومفسري الكتاب المقدس، في التعامل معها وفهم معناها، وهو ما يظهر من خلال الترجمات المتعددة للكتاب المقدس.

ولهذا نجد أن بعض المفسرين بعد عجزهم عن تحديد موقع وادي البكاء، يفترضون أنه موقع خيالي، فقد ورد في التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ما لفظه: [الأرجح أن وادي البكاء ليس مكانًا في الواقع، بل هو رمز لواد يابس يتحول بطريقة معجزية، بالأمطار إلى أرض خصبة]([65]).

إلا أننا بالرجوع إلى الترجمة الإنكليزية للكتاب المقدس المطبوعة في بروكلن، نيويورك عام 1984، نجد أن الكلمة هي Baca وهو نفس الإسم الوارد في قاموس الكتاب المقدس ص187، وفسرها بقوله [قد تعني البلسان] أي شجر الميس.

وهذا التفسير لا ينسجم مع ما تقدم عن التفسير التطبيقي من أنه واد يابس، والصحيح أنه اسم مكة المكرمة، فإن من أسمائها [بكة]، كما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ}([66]).

وهذا التفسير يتوافق تمام التوافق مع قوله تعالى، حكاية عن ابراهيم  (عليه السلام) : {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}([67]).

باء - وفي كتاب الخمسينيات نجد عبارة: [مظلتي ومعبدي الذي أقمته وسط الأرض حتى أضع فيه اسمي فيسكن فيه أو سيتخذون لأنفسهم مواقع عليا، وغياضًا مقدسة، وتماثيل منحوتة سيعبدونها، لكل تمثاله لضلالهم، وسيضمون بأطفالهم للشياطين ولكافة أعمال قلوبهم الضالة]([68]).

ومن الظاهر أن هذا النص لا ينطبق على بيت المقدس ولا على هيكلها المزعوم، إذ لم يتحدث التاريخ عن وجود أوثان فيه، ولا عن قوم عبدوها فيه، حتى في أزمنة سيطرة غير اليهود على بيت المقدس، فإنهم كانوا غالبًا يتركون لهم حرية التعبد فيه، كما يقول المؤرخون، وإن كان الجانب الأهم فيه هو أنه مركز المملكة سواء في عهد سليمان  (عليه السلام)  أو من أتى بعده من ملوك إسرائيل، كما لم يطلق عليه اسم المعبد في أي عصر من عصوره.

إن النص المذكور ينطبق تمام الإنطباق على الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، فإنها رغم كونها أول بيت وضع للناس، كما صرحت به الآية القرآنية المباركة، فقد امتلأ في عصر الجاهلية بالأصنام التي كان الناس يعبدونها ويقدسونها، سواء في داخل الكعبة أو على سطحها أو حولها.

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن النص قد تضمن إشارة مهمة إلى موقع المعبد المقدس، الذي نسبه الله تعالى إليه، وهو أنه واقع في وسط الأرض، وهي إشارة يجدر التأمل فيها والوقوف عندها، فبيت المقدس لا يقع في وسط الأرض، سواء احتسبنا الأرض خصوص العالم القديم، والذي يشكل الشرق الأدنى عمقه الجغرافي والسياسي، لقربها من البحر الأبيض المتوسط، والذي كان يعتبر نهاية العالم ببعض الاعتبارات، أو بالنسبة إلى اليابسة في الكرة الأرضية.

وأما مكة المكرمة فقد أثبت الدكتور حسين كمال الدين في بحث متكامل أنها تقع في وسط اليابسة من الكرة الأرضية، وذكر لذلك مجموعة من الأدلة المثبتة([69]).

وعليه فالعبارة الواردة في كتاب الخمسينيات تتحدث عن مكة المكرمة بلا شبهة.

وبهذا تظهر بعض الأسباب التي دعت أهل الكتاب إلى التلاعب بنصوصهم المقدسة، وتغيير مضامينها، وإخفاء بعضها وإحراق وتمزيق بعض آخر منها.

ويظهر أيضًا وجه آخر من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وإخباراته الغيبية، وكشفه حقائق لم تظهر إلا بعد قرون متطاولة من بعثة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)  وصدعه بالرسالة الخاتمة.

(انتهى المقال)

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([45]) مخطوطات قمران، ج1 ص76.

([46]) نفسه ص88.

([47]) نفسه، ص284، وتجدر الإشارة هنا إلى أننا حذفنا بعض العبارات التي أضافها المحقق في بعض الموارد، إلا ما كان ضروريًا للسياق والمعنى.

([48]) نفسه، ص286.

([49]) نفسه، ص 287.

([50]) نفسه، ص304.

([51]) مخطوطات قمران، ج2 ص30

([52]) نفسه، ج2، ص53

([53]) نفسه، ج2، ص47

([54]) إنجيل لوقا:12/14.

([55]) إنجيل يوحنا:8/7.

([56]) إنجيل متى:22/17-21.

([57]) نفسه:17/27.

([58]) إنجيل يوحنا: 16/12-13.

([59]) انجيل يوحنا: 16/6-7.

([60]) إنجيل يوحنا:14/25-26.

([61]) الدر المنثور في التفسير المأثور، ج1 ص170.

([62]) تفسير العياشي، ج1 ص49.

([63]) عدد: 4-6.

([64]) نفسه.

([65]) ص1221، تعليق رقم: 6 / 84.

([66]) سورة آل عمران، آية:96.

([67]) سورة إبراهيم، آية:37.

([68]) مخطوطات قمران، ج2 ص172.

([69]) الأرض في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، ص59.

 

115%