رسالة النجف

الإيمان المستودع وسوء الخاتمة

 

 الإيمان المستودع

سوء الخاتمة والعديلة عند الموت

الشيخ محمد صالح الفقيه

معنى حسن الخاتمة وسوء الخاتمة

يفهم من جملة من الروايات أن الإنسان قد يكون مؤمنًا ثابتًا على إيمانه، وقد يكون كافرًا ثابتًا على كفره، وقد يتقلّب بين الكفر والإيمان، فلا يستقر على حاله الأول منهما، وهذا إنما يحكم عليه بالسعادة الحقيقية الدائمة أو الشقاوة الدائمة بلحاظ خواتيم أعماله، فمن ختم له قبل موته بعمل السعداء كتب منهم وإن طال عهده قبل ذلك في صفّ الأشقياء، وكذلك العكس فإنه يختم بالشقاوة لمن ختم له بعمل الأشقياء، وإن لبث دهرًا مع الصلحاء.

وإليك بعضًا من تلك الأحاديث:

ورد عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) في حديث: إن الله خلق خلقًا للإيمان لا زوال له، وخلق خلقًا للكفر لا زوال له، وخلق خلقًا بين ذلك أعاره الإيمان يُسمّون المعارين، إذا شاء سلبهم... الحديث([1]).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): إن العبد يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويصبح كافرًا ويمسي مؤمنًا، وقوم يُعارون الإيمان ثمّ يسلبونه، ثم قال: فلان منهم([2]).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن العبد ليعمل عمل أهل الجنة فيما يرى الناس وإنه لمن أهل النار، وإنه ليعمل عمل أهل النار فيما يرى الناس وإنه لمن أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم([3]).

وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضًا: إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة([4]).

وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضًا: لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملاً سيئًا([5]).

وهذا ما يسمّى باصطلاح أهل العرفان والأخلاق (سوء العاقبة أو سوء الخاتمة)، وهو ما يحذرونه ويعدّونه من أعظم ما ينبغي التخوّف منه، ويحثّون على الاجتهاد في أن يكون العبد حين وفاته في أحسن حالات العبودية من التقوى والصلاح، إذ قد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال المؤمن خائفًا من سوء العاقبة لا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له([6]).

درجات سوء الخاتمة وكيفية التحول

وبالجملة فإن لسوء الخاتمة مراتب ودرجات، فقد تسوء عاقبة الإنسان إلى درجة أن يختم له بالكفر والجحود، وقد يختم له بالفسق والفجور، وقد يكون ذلك بنقص ما دون ذلك، وقد يكون بنقص عن الكمال الذي يرجوه الكُمّل لأنفسهم، وهذا هو ما يخشاه عباد الله المخلصون والأولياء والمعصومون ويستغفرون منه، ويتوبون مما يؤدي إليه من ترك الأولى، ويتهجدون بالبكاء والتضرّع للوصول إلى المراتب الأعلى من الكمال والتنزه عن النقص.

ويمكن أن نضيف إلى اختلاف سوء العاقبة بالدرجات الاختلاف بالكيفيات، فهو قد يحصل بشكل مفاجئ كما هو ظاهر هذه الروايات، وقد يحصل بشكل تدريجي بطيء لكنه ملحوظ، فقد يفاجئنا مؤمن تقي ورع ظاهرًا بارتكاب جريمة شنيعة أو معصية موبقة لا تتناسب مع أمثاله، وقد يتردّى حاله وسلوكه شيئًا فشيئًا.

وقد برز في المسلمين الأوائل الكثير من هؤلاء، ولا نتحدث هنا عن المنافقين الذين لم يؤمنوا قط، بل عمن كان يعدّ من المؤمنين أو خيارهم، فكم من الصحابة انقلب على عقبيه عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بل قل كم ثبت منهم على الحق، وكذا من خرج على إمام زمانه علي (عليه السلام) ليحاربه، بل ليقود تلك الحرب، فهل استقر شيء من الإيمان في قلوب هؤلاء، أم أنه نُزِع منهم وكان مستودعًا فحسب، وهل عاقبة أسوأ من هذه !

الإيمان المستقرّ والمستودع

وكيف كان فمن أعظم الخطر أن يختم للإنسان بالكفر، بحيث يكون قلبه مستودعًا للإيمان لا مستقرًا، ويكون إيمانه معارًا، وقد استفاضت المرويات في ذلك، حتى أن الشيخ الكليني (قده) أفرد لها بابًا خاصًا في كتاب الكافي تحت عنوان (باب المعارين).

 فمن تلك الروايات مضافًا إلى ما تقدم :

ما ورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن قوله تعالى {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}([7])، قال (عليه السلام): مستقرّ في الرحم ومستودع في الصلب، وقد يكون مستودع الإيمان ثم ينزع منه، ولقد مشى الزبير في ضوء الإيمان ونوره حين قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مشى بالسيف وهو يقول : لا نبايع إلا عليًا([8]).

وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال : فمن الإيمان ما يكون ثابتًا مستقرًا في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت فعند ذلك يقع حدّ البراءة([9]).

هل حسن أو سوء الخاتمة أمر طارئ مفاجئ؟

الظاهر من هذه الأحاديث أن المدار في السعادة والشقاوة في الآخرة على حسن العاقبة أو سوئها، لا على مجموع أعمال الإنسان في مجمل عمره.

وهذا ما يطرح إشكالاً وتساؤلاً يتعلّق بالعدل الإلهي ينبغي الإجابة عليه وإزاحة الغموض عنه، وهو أنه كيف يجازى الإنسان بالنعيم المقيم أو بالشقاء الدائم على خصوص ما يختم له به، دون أن يلحظ ما واظب عليه زمانًا من عمره من أعمال اجتمعت فيها شرائط القبول والإثابة من القصد والتقرب إلى الله وطلب رضائه والإخلاص له، وكذا ما يقابل ذلك من أعمال توفّرت فيها موجبات سخط المولى وغضبه واستحقاق عقوبته لتعمد انتهاك حرماته عزّ وجلّ.

فكيف يضيع الله أجر من أحسن عملاً، وكيف يتم العفوّ والغضّ عمن طال عهده بالمبارزة لربه بالمعاصي بمجرد أن ختم للأول بعمل سيّء، أو ختم للآخر بعمل صالح.

والجواب عن ذلك هو: أن حسن أو سوء العاقبة ليس أمرًا عارضًا يطرأ على الإنسان صدفة عند خاتمة حياته بحيث يحصل بدون مقدماته أو أسبابه ليتنافى ذلك مع عدله تبارك وتعالى، وإنما هو أمر مكتسب مسبّب عن واقع حال نفس الإنسان، أعني صورته الباطنية التي سيأتي الحديث عنها مفصلاً، والتي تتشكل من مجمل معتقدات الإنسان وأخلاقه وسلوكه في مجمل حياته، وعاقبة الإنسان تتناسب تمامًا مع صورته الباطنية تلك.

وسلوك الإنسان العملي وإن كان جزءًا من تلك المنظومة المؤثّرة، إلا أنه ليس هو الأشد تأثيرًا، خصوصًا إذا كانت قيمة العمل تابعة لشخصية العامل ونيته وقصده، إذ رُبّ عمل صالح بحسب الظاهر إلا أنه فاقد لشروط القبول والقربى، أو أنه كان تامًا مقبولاً لكنه أُتبع بما يُحبطه من عمل قلبي كالعجب أو غير قلبي كالمنّ بالصدقة، وبالمقابل فإن العمل الفاسد لا يلزمه فساد النفس، لصدوره أحيانًا بلا قصد، أو أنه تبعه الاستغفار ولم يكن معه إصرار، ورُبّ سيئة تسوؤك خير من حسنة تُعجبك كما ورد في مضمون بعض الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)([10]).

وبالتالي فالعمل وحده ليس هو الكاشف عن حقيقة المرء، وإنما العمدة على ما يحمله في نفسه وقلبه، ويُستشف هذا المعنى مما ورد في بعض النصوص:

منها ما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم([11]).

ومنها ما عن الإمام علي (عليه السلام) : قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله سبحانه فمن طهر قلبه نظر الله إليه([12]).

ومنها ما عن الإمام الباقر (عليه السلام) : إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرًا فانظر إلى قلبك، فإن كان يحبّ أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب([13]).

فالحكم على الإنسان بالإيمان أو الكفر على اختلاف مراتبهما إنما هو بحسب ما يحمله هذا الإنسان منهما في قلبه وعقله، فالقلب موطن لهما، وإليه ينظر الله تبارك وتعالى وبه يثيب وبه يعاقب، وليس العمل إلا نتاجًا للقلب، ولا يخفى أن هذا الحكم يختلف باختلاف حال هذا القلب وتقلباته، فيحكم على الإنسان في كل آن بما يطابق حاله، وليس ذلك لمجرد حظّ عاثر أو توفيق لا دخل للعبد فيه.

فمن ختم له بعمل أهل الجنة، وهو العمل الصادر منه بقصد التقرب به إلى خالقه -ولا يصدر مثل هذا العمل الصالح إلا من نفس على شاكلة ذلك العمل من الصلاح- كان له الخاتمة الحسنى، و كذلك من ختم له بعمل أهل النار كان له سوء العاقبة.

وأما ما سلف من أعمال فهي إن كانت صالحة ولم تصر سببًا لمزيد التوفيق لمثلها أو لخير منها، فلا تضيع عنده تعالى، إلا أن يتبعها صاحبها بما يوجب الحبط فتصبح هباءً منثورًا. وأما الأعمال السيئة فهي بدوًا سببٌ لسوء التوفيق {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}([14]).

 والحديث عن الحبط والتوبة يحتاج إلى بسط مقال لا مجال له ههنا.

التغير والانحراف تدريجي ظاهر و خفي يظهر فجأة

انحراف الإنسان قد يحصل تدريجيًا بشكل بطيء يظهر للآخرين من خلال سلوكه، بحيث يتردّى شيئًا فشيئًا من التقوى والالتزام إلى الفسق والفجور والتفلّت.

وقد يخفى تحوّله ذاك عن الناس، لمواظبته على ما اعتاده من العبادات، فلا يتغير سلوكه الظاهريّ بتغيّر قلبه، إلا أنه لا بدّ أن يظهر ذلك في فلتات لسانه أو بعض تصرّفاته، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة([15]).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة([16]).

وقد يخفى ذاك التحوّل حتى عن نفس صاحبه، فينزلق في مهاوي الفسق والفجور أو حتى الكفر، وهو غير ملتفت إلى ذلك بل لا يزال يظن بنفسه خيرًا، وهذا هو الأخطر، إذ أن مثل هذا لا يكتشف واقع حاله ولا يرى نفسه بصورتها الباطنية إلا عند الموت، فيعدل عن الإيمان إلى ما دون ذلك بحسب سوء حاله على ما سيأتي تفصيله. قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}([17]).

الصورة الباطنية

إن لكل واحد مّنا صورة باطنية لنفسه نظير الصورة الظاهرية المادية لجسده، إلا أن صورة النفس تنطبع على طبق ما يختزنه هذا الإنسان في عقله من المعتقدات، وما يتبنّاه من المبادئ والأخلاق، وما يكتسبه في مسلكه من أعمال يجترحها، أو يرغبها ويتطلع لإتيانها، فمن مجمل ذلك يُكوّن الواحد منّا لذاته صورة خاصة به، تتبدل هذه الصورة بما يحدثه صاحبها من تلك العوامل.

ثم إن كثيرًا من الناس -من المؤمنين فضلاً عن غيرهم- لا يلتفت هو شخصيًا إلى صورة نفسه تلك، بل هو محجوب عنها بسبب انشغاله عنها بصورته المادية، فيعطي كل عنايته واهتمامه لحاجاته الجسدية وممتلكاته المادية، ولمعنوياته الدنيوية، ويهمل رعاية قلبه ونفسه.

نعم من نال حظًا من العرفان واشتغل بالسلوك إلى الله تبارك وتعالى يدأب على مراقبة باطنه ودخيلته ومحاسبة نفسه على كل فكرة وخاطرة، فضلاً عن احتياطه في السلوك والعمل، فهو في خوف دائم من التراجع والتردّي، وفي سعي كادح للازدياد مما يقربه من مرضاة الخالق، وهو دائمًا يزن نفسه يحاول أن يعرف قدرها قبل يوم الميزان.

 بينما الآخرون في سكرة الحياة غافلون، حتى إن الواحد منهم في آخر لحظة من عمره يأتيه الموت وقد كوّن لنفسه صورة لم ينظر إليها قط ولم يعرف وزنها، فضلاً عن أن يراها ويتعرّف عليها غيره من الناس.

كيف تظهر الصورة الباطنية؟

عندما يأخذ الإنسان بمعالجة سكرات الموت واضطراب الروح والانقطاع عن عالم المادة الذي كان يُشكّل حجابًا يحجب بصيرته، يبدأ عالم الآخرة بالانكشاف له {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}([18])، حينذاك تنكشف له نفسه على حقيقتها، وتتصور له ذاته في آخر حالة وصلت إليها في ذلك الحين، لتكون هي عاقبته.

فتتمثّل له عقائده وأخلاقه وأعماله، وتظهر بصورها البرزخية الجزائية، إذ كل عمل له في عالم البرزخ صورة غير صورته في عالم الدنيا، لأن عالم الدنيا عالم مادي إنما تظهر فيه الآثار المادية فقط، وعالم البرزخ هو عالم تظهر فيه الآثار الروحية والنفسية، فتتمثل سائر الأعمال صالحة أو طالحة بصورها المناسبة لها، بما يشبه صورة إنسان أو حيوان أو غير ذلك مما هو مؤنس له إن كان ذا عاقبة حسنة أو موحش إن كان ذا عاقبة سوء، والظاهر أن هذا هو ما يعبّر عنه بتجسّم الأعمال بعد الموت.

فمثلاً: تتحدث بعض الروايات عن أنه يصحب الميت في القبر أشخاص وذوات لها صور حسنة هي عقائده الحقّة، كولاية أهل البيت (عليهم السلام) ، وكأعماله الصالحة وأخلاقه الحسنة من صلاة وصيام، وزكاة وصدقة، وحجّ وعمرة، وبرّ وصلة رحم وصبر ([19])، أو ذوات لها صور قبيحة كالأفعى والعقرب، والنار والظلمة، ونحو ذلك مما يرعب ويؤذي، وهي صور لعقائده الفاسدة من الشرك والشك، وأخلاقه السيئة كسوء الخلق، وأعماله القبيحة من ترك للواجبات، وارتكاب للمحرمات كالعقوق وشرب الخمر والزنا والقتل.

فظلم الظالمين ينقلب إلى ظلمة فتسْوَدّ وجوههم، والدراهم والدنانير التي يكنزونها ولم يؤدّوا زكاتها تنقلب إلى نار تكوى بها جباههم وجنوبهم، ومال اليتيم الذي أكلوه ظلمًا ينقلب إلى نار يأكلونها في بطونهم، وهكذا.

فكل إنسان ينتقل إلى عالم البرزخ بصورته البرزخية([20]) التي كوّنها لنفسه في عالم الدنيا.

أسباب التحوّل والتغيّر

ينبغي تسليط الضوء على الأسباب التي تجعل الإنسان يتحوّل عن طريق سلكه مدة طويلة ليعود ويتبع سبيلاً غيره، فإن معرفة الأسباب تمكّن المؤمن من الحذر والتوقي عن المزالق التي تودي به إلى سوء الخاتمة، فيحافظ على استقامة سلوكه ليضمن ثبات الإيمان وحسن العاقبة، بل ليرتقي في مدارج الكمال والقرب.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــ

([1]) الكافي، الكليني : ج2 ص418 ح3.

([2]) المصدر نفسه : ج2 ص418 حديث2.

([3]) ميزان الحكمة : ج3 ح 4616، عن كنز العمال590.

([4]) المصدر السابق نفسه: ج3 حديث4615، عن كنز العمال545.

([5]) المصدر نفسه: ج3 حديث4617عن كنز العمال598.

([6]) المصدر نفسه: ج3 حديث4606، عن البحار71-366-13.

([7]) الأنعام: من الآية98.

([8]) تفسير العياشي ص112-113.

([9]) ميزان الحكمة ج1ص200، ح 278، عن شرح النهج : 13-101 خطبة 189.

([10]) كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر : مستدرك الوسائل، الميرزا النوري : 1/139، بحار الأنوار: 69/321.

([11]) ميزان الحكمة : ج 8 ح16917، عن أمالي الطوسي : 536-1126.

([12]) المصدر نفسه: ج 8 حديث 16969، عن غرر الحكم 6777.

([13]) الكافي، الكليني : ج2 ص127، باب الحب في الله والبغض في الله، ح11

([14]) الفرقان: من الآية70.

([15]) ميزان الحكمة : ج1 ص214، بحار الأنوار : 68/9، ح13.

([16]) المصدر نفسه : 2/1574 عن الكافي 2-104 ح2.

([17]) الكهف:103-104.

([18]) سورة ق آية22

([19]) روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : اذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ست صور، فيهن صورة أحسنهن وجهًا، وأبهاهن هيئة، وأطيبهنّ ريحًا، وأنظفهنّ صورة، قال: فتقف صورة عن يمينه، وأخرى بين يديه، وأخرى خلفه، وأخرى عند رجليه، وتقف التي هى أحسنهنّ فوق رأسه، فإن أتي عن يمينه منعته التي عن يمينه، ثم كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الستّ، قال: فتقول أحسنهن صورة: من أنتم جزاكم الله عني خيرًا؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه: أنا الصيام، وتقول التي خلفه: أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا برّ من وصلت من إخوانك، ثم يقلن: من أنت؟ فأنت أحسننا وجهًا وأطيبنا ريحًا وأبهانا، فتقول: أنا الولاية لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. (انظر: بحار الأنوار: 6/234).

([20]) ما يراه الإنسان في المنام هو صور برزخية للأشياء، فتكون رؤياه صادقة ولكن لا يستطيع أن يعبّرها ويفسّرها إلا من يعرف حقائق الصور البرزخية، ممن استفاد معرفته من كلام الله تبارك وتعالى والأنبياء (عليه السلام)، وقد ورد في القرآن الكريم حكاية عن يوسف (عليه السلام): {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} (يوسف: من الآية37)، وورد في الحديث أن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءًا من النبوة (بحار الأنوار: 49/283 ح2).

نعم قد يرى النائم مجموعة من صورٍ برزخيةٍ شتّى غيرِ متناسقةٍ، وهي ما يسمى بأضغاث الأحلام، وهذه غير واضحة التفسير.

ويمكن التعرف إلى بعض الصور البرزخية من خلال ما ورد في القرآن أو الأحاديث الشريفة من تفسير لبعض الرؤى، وقد فسر يعقوب  (عليه السلام) الشمس والقمر بالأب والأم، والكواكب الأحد عشر بالأخوة، وفسر يوسف (عليه السلام) البقرات السمان والسنبلات الخضر بالسنين الخصبة، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات بالسنين الشداد الجدبة، وعصر الخمر بخدمة العاصر لمولاه، وأكل الطير من الخبز المحمول فوق الرأس بالصلب..

 

 

تابع مقال = الإيمان المستودع  .. سوء الخاتمة والعديلة عند الموت

وقد قدمنا أن لسوء العاقبة مراتب فلنتحدث عن أسباب بعض تلك المراتب([21])، فمنها:

سوء الخاتمة بالكفر أو الجحود أو الشك

وهذا بالطبع أعظم وأخطر أنواع الخواتيم، وهو مصداق لما تحدثت عنه الروايات من الإيمان المعار، وسببه أحد أمرين ، الأول التشكيك في العقائد الحقة ، والثاني ضعف الإيمان وحب الدنيا والتعلق بها.

فمن يبتلى بذلك يموت كافرًا بعد أن كان مؤمنًا ظاهرًا، صنفان:

أحدهما: من كان يختزن قلبه الشك بالله أو بأنبيائه ورسالاتهم أو بأوصيائهم، بسبب عدم التدبّر والتفكّر، فهو وإن كان لا يظهر ذلك في حياته ولا يُبديه، إلا أنه عند الموت يختم له بواقع عقيدته من الجحود والكفر والشك، فإذا أراد أن يجيب الملكين عندما يسألانه عن ربّه وعن دينه وعن نبيّه وعن إمامه وعن سائر معتقداته، فإنه لا ينطلق لسانه بقول (الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيّي وعليّ إمامي…إلخ) كما كان ينطق بتلك الألفاظ حال حياته، لأنه حينذاك يتكلم بلسان واقعه.

 ومن المشكّكين من لم يتجنب العصبية فيما يعتقد، بل كان يسير على دين الآباء والأجداد تعصّبًا، فتابعهم على ما هم عليه من دون أن يعتقد ويتيقن سلامة معتقدهم، فهذا في الحقيقة شاك لا دين له حتى لو كان دين آبائه الذي تابعهم في اعتناقه هو دين الحق ومذهبهم هو مذهب الصواب، ومثل هؤلاء كمثل من تابع آباءه في عبادة الأصنام والأوثان، فكلٌّ لا يرجو عن دين آبائه حولاً ولا يبغي عنه منقلبًا ولو كان آباؤه في ضلال مبين، فهؤلاء يختم لهم بالكفر ومن ثمّ بالخلود في جهنم، لأنهم لم يُسلموا ولم يؤمنوا ولم يعتقدوا بدين الحق.

ومنهم أيضًا: من تابع الآباء والأجداد في اعتقاد خلاف الحق فيما يتعلق بالله وصفاته وأفعاله، وفي سائر ما يلزم اعتقاده من النبوة والإمامة والمعاد وخصائص كل منها، كمن يعتقد بالتجسيم أو الجبر، أو لا يرى ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فعندما يقترب الموت ينكشف له الغطاء عن بعض تلك الحقائق، فيراها على خلاف ما كان يعتقد، فيؤدي ذلك إلى أن يسري شكه حينئذ إلى سائر معارف دينه، فيختم له بالشك([22]) سراية لا أصالة، ولا ينجيه من ذلك زهده وصلاح سلوكه، فإن الصلاح إنما ينفع ويكون سببًا لزيادة الاهتداء بشرط الإخلاص، وأنّى به لذي العصبيّة.

وغالب من يبتلى بهذا النوع هم أهل الفكر والنظر، دون البسطاء من الناس فإنهم يثبتون على ما أخذوه من الشرع، لعدم اعتيادهم التشكيك بسبب عدم خوضهم في مسائل العقائد بأدلة فلسفية وعقلية نظرية، وإنما يعتمدون على اتّباع الفطرة في أصول الدين وأصول المعتقدات.

إلا أنه لا يخفى أن الحجة قائمة على الكل، وأن الكفار والمشركين والمخالفين مقصّرون لا قاصرون، إذ الفطرة موجودة عند كل البشر، لكن أكثر الناس عن ذكر ربهم معرضون، فإن الله تبارك وتعالى أظهر الحق، حتى إن المقدار الذي يجب الاعتقاد به من أصول الدين واضح لمن أراده حتى لو كان له أقل مرتبة من الفهم والعقل، ففي قضية الولاية لأهل الحق فإن الحجج المعصومين متميّزون عن أهل الباطل تميّزًا يتضح بأدنى تأمل في سيرة هؤلاء وهؤلاء، فلا عذر لمن يعدل بعلي (عليه السلام) غيره، فضلاً عمّن يتولى معاوية دونه، أو يتولّى يزيداً بدل الحسين (عليه السلام) ، أو يرى هارون الرشيد خليفة للمسلمين دون موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وهكذا.

الثاني من أسباب سوء الخاتمة بالكفر والجحود : ضعف الإيمان من الأصل، المتسبّب من استيلاء حبّ الدنيا على القلب ونسيان الربّ حتى لا يبقى له موضع في القلب، ولا يزال ينطفئ نور الإيمان حتى يكره لقاء الله عند الموت فيكره الله لقائه فيحشر كافرًا، ومثله كمثل تارك بعض الواجبات كالحج، أو مقترف بعض المحرمات مصرًا عليها غير آبه بعقوبتها.

وقد ورد في الحديث: (من مات ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا)([23])، فإن تَرْكَ الحج إذا كان حبًّا للدنيا وبغضًا للمولى فإنه ينقلب عند الموت بغضًا محضًا للمولى.

وقد تكون صغيرة ارتكبها وعاودها وأصرّ عليها، أو تهاون فيها واستصغرها ورضي بها، بل أحب ارتكابها وسعى لنيل لذّتها، فهو ذاكر لمثل هذه المحرمات، ملتفت إليها، متعلق القلب بها، راغب في ارتكابها، غير آبه بعقوبتها، فتترسخ في نفسه حتى تصير جزءًا من صورته الحقيقية وذاته البرزخية، فإذا قبضت روحه وهو على هذا الحال، متعلق بالحرام، مدبر بوجهه عن ربه، لم يدرك توبة نصوحًا تقلع من نفسه حبّ تلك المعصية ومزاولتها والإصرار عليها، فيموت وهو محبّ لذنبه، متعلق لأجله بدنياه، كاره للقاء الله، فيحجب بذلك عن رحمته، لأن من كره لقاء الله كره الله لقاءه.

يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض هؤلاء بقوله:

كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، بلى والله، لقد سمعوها ووعوها، ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها...([24]).

ما يُثبّت الإيمان ويسلم به من خاتمة الكفر

 وهو جملة من الأمور المتصيدة من النصوص:

منها: أن يكون الإنسان متفكرًا متبصّرًا متحريًا للواقع، صادقًا مع نفسه، متجنبًا للعصبية واتباع الهوى.

فعن الإمام عليّ (عليه السلام) : يا كميل إنما تستحقّ أن تكون مستقرّا إذا لزمت الجادة الواضحة، التي لا تخرجك إلى عوج، ولا تزيلك عن منهجِ ما حملناك عليه و(ما) هديناك إليه([25]).

وعن الصادق (عليه السلام): إن الحسرة والندامة والويل لمن لم ينتفع بما أبصر، ولم يدر الأمر الذي هو عليه مقيم أنفع له أم ضرّ؟، قلت له: فبم يعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك؟ قال: من كان فعله موافقًا لقوله فأثبت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع([26]).

ومنها: أن يكون متوكلاً على الله تعالى في نجاته وتحصيل علمه ومعرفته وحجته.

وقد ورد في الدعاء: اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرّفني نبيك فإنك إن لم تعرّفني نبيك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني.

ومنها: الحبّ والبغض في الله، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله) أنه سأل أصحابه: أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم: الصلاة. وقال بعضهم: الزكاة... فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله، وتوالي أولياء الله، والتبرّي من أعداء الله([27]).

ومنها: العمل الصالح، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): لا يثبت له الإيمان إلا بالعمل والعمل منه([28]).

ومنها: الورع، فعنه (عليه السلام) أيضًا، وقد سئل عما يثبت الإيمان في العبد، فقال: الذي يثبته فيه الورع، والذي يخرجه منه الطمع([29]).

ومنها: الدعاء، فعن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن الله جبل النبيين على نبوتهم فلا يرتدون أبدًا، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبدًا، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبدًا، ومنهم من أعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألحّ في الدعاء مات على الإيمان([30]).

وروى الشيخ الطوسي عن محمد بن سليمان الديلمي أنه قال للصادق (عليه السلام) : إن شيعتك تقول أن الإيمان قسمان فمستقر ثابت ومستودع يزول، فعلمني دعاء يكمل به إيماني إذا دعوت به فلا يزول. قال (عليه السلام): قل عقيب كل صلاة مكتوبة: رضيت بالله ربّا، وبمحمّد صلّى الله عليه وآله نبيّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن كتابًا، وبالكعبة قبلةً، وبعليّ وليًّا وإمامًا، وبالحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، والحسن بن عليّ، والحجة بن الحسن صلوات الله عليهم أئمةً، اللهم إني رضيت بهم أئمة فارضني لهم إنك على كل شيء قدير([31]).

دعاء العديلة

ذكر الشيخ عباس القميّ رحمه الله في مفاتيح الجنان، أنه قد ورد في الأدعية المأثورة: (اللهم إني أعوذ بك من العديلة عند الموت). قال: ومعنى العديلة عند الموت هو العدول إلى الباطل عن الحقّ، وهو بأن يحضر الشيطان عند المحتضر ويوسوس في صدره ويجعله يشكّ في دينه، فيستلّ الإيمان من فؤاده، ولهذا قد وردت الاستعاذة منها في الدعوات.

وقال فخر المحققين رحمه الله: من أراد أن يسلم من العديلة فليستحضر الإيمان بأدلتها، والأصول الخمس ببراهينها القطعيّة بخلوص وصفاء، وليودعها الله تعالى ليردّها إليه في ساعة الاحتضار، بأن يقول بعد استحضار عقائده الحقة: اللهم يا أرحم الراحمين إني قد أودعتك يقيني هذا وثبات ديني وأنت خير مستودع، وقد أمرتنا بحفظ الودائع، فردّه عليّ وقت حضور موتي([32]).

ومن الأدعية المناسبة لذلك: يا مقلب القلوب والأبصار صلِّ على محمد وآل محمد وثبت قلبي على دينك ودين نبيك صلى الله عليه وآله، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب([33]).

{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}([34]).

وأما سبب سوء الخاتمة بالفسق والعصيان

فهو اقتراف الذنوب والانهماك في الشهوات مع وجود الإيمان قويًا في القلب، فلا همّ له حتى عند الموت إلا بما يشتهيه من الدنيا، فهو في قلبه إيمان وحبٌّ لله، لكنه محجوب بما ران على قلبه من المعاصي، فيعذب بذنوبه لكن دون عذاب الكافرين {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}([35])، فقد ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: ما من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبًا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء، فإذا تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدًا، وهو قول الله تعالى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ.. الآية}([36]).

والاحتراز عن هذا النوع يكون:

أولاً: بالتوبة، فإن من كان ذا فطرة سليمة وعقيدة قويمة، ولكن غلب عليه التقصير في أعماله والانحراف في أفعاله، فقد تكون زلة اقترفها وتاب منها، فهذه التي تغفر له وتكفّر عنه، بل قد يبدل مثل هذه السيئات بالحسنات، ولا تؤثر في نفس المؤمن العاصي أثرًا بليغًا.

قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا  * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}([37]).

وثانيًا: بالحذر من حب الدنيا وطول الأمل، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة([38]).

وثالثًا: بأن يرغِّب نفسه بالصلاح وأهل الصلاح وعمل الصالحين فقد ورد أنه أتى رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله رجل يحبّّّّ من يصلي ولا يصلي إلا الفريضة، ويحب من يتصدق ولا يتصدق إلا بالواجب، ويحبّ من يصوم ولا يصوم إلا شهر رمضان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : المرء مع من أحبّ.

ورابعًا: بكثرة ممارسة الطاعات والذكر والصلوات... فإنها تشغله عن بعض أمور الدنيا وتشغل قلبه بعد ذلك بحب الله عن حب الدنيا.

وأما سبب سوء الخاتمة بالنقص

وهو إما نقص عن مراتب الكمال الذي يحذره المعصومون والكمّل، وهذا يحتاج البحث عنه إلى مجال أوسع.

وإما نقص عن بعض مراتب الفضل التي حازها، فإن ارتكاب بعض المحرمات بل المكروهات يترتب عليه آثار وضعية كالحرمان من التوفيق لبعض الطاعات، وهو ما يطلق عليه (الخذلان) عند أهل السلوك والعرفان، ونقتصر في بيان هذا على أنموذج من الروايات والأدعية المأثورة مثل ما ورد من أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين إني قد حرمت الصلاة بالليل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أنت رجل قد قيدتك ذنوبك([39]).

وفي دعاء أبي حمزة الثمالي: (إلهي ما لي كلما قلت قد تهيأت وتعبأت وقمت للصلاة بين يديك وناجيتك ألقيت على نعاسًا إذا أنا صليت، وسلبتني مناجاتك إذا أنا ناجيت، ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي، وحالت بيني وبين خدمتك، سيدي لعلك عن بابك طردتني، وعن خدمتك نحيتني، أو لعلك رأيتني مستخفًا بحقك فأقصيتني، أو لعلك رأيتني معرضًا عنك فقليتني، أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني، أو لعلك رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني، أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني، أو لعلك رأيتني في الغافلين، فمن رحمتك آيستني، أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني، أو لعلك لم تُحبّ أن تسمع دعائي فباعدتني، أو لعلك بجرمي وجريرتي كافيتني، أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني)([40]).

(انتهى المقال)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([21]) ذكر هذه المراتب وبيّن أقسامها وأسبابها وكيفية الخلاص منها الشيخ النراقي (قدس سره) في (جامع السعادات: ج1 / 214).

([22]) ينقل النراقي في جامع السعادات عن الفخر الرازي أنه بكى يومًا، فسألوه عن سبب بكائه، فقال: اعتقدت في مسألة منذ سبعين سنة على نحو انكشف لي اليوم بطلانه، فما أدراني أن لا تكون سائر معتقداتي كذلك.

([23]) وسائل الشيعة (آل البيت) : 11/32 ، ب7 من أبواب الحج، ح7.

([24]) نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية، والآية من سورة القصص:83

([25]) ميزان الحكمة : ج1 ص 200، عن البحار : 69/213.

([26]) ميزان الحكمة ج1 ص279.

([27]) المصدر نفسه: ج1 ص199.

([28]) المصدر نفسه: ج1 ص200.

([29]) المصدر نفسه: ج1 ص279 عن الخصال.

([30]) المصدر نفسه: ج1 ص279 عن الكافي ص419.

([31]) مفاتيح الجنان ص123.

([32]) ذكر هذا الكلام الشيخ القمي ره في مفاتيح الجنان صفحة123 بعد نقله للدعاء الطويل المعروف بدعاء العديلة، الذي شكك في كونه من المعصوم أو من إنشاء بعض العلماء، كما نقل عن المحدّث الميرزا حسين النوري أنه يرى أنه من مؤلفات بعض أهل العلم، وليس بمأثور ولا موجود في كتب حملة الأحاديث ونقّادها.

([33]) مفتاح الفلاح، الشيخ البهائي، تعقيبات الصباح، ص54.

([34]) آل عمران:8.

([35]) المطففين: 14-15.

([36]) تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: 10/293.

([37]) النساء:17-18.

([38]) جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي : 14/56.

([39]) الكافي، الكليني : 3/45، ح34..

([40]) بحار الأنوار : 95/86-87.

 

115%