رسالة النجف

دعوة الإسلام حكمةٌ وسلام

 

دعوة الإسلام حكمةٌ وسلام1

العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي

ملخص تاريخ الإسلام من بدء دعوته إلى حين انتشاره

إن بلاد العرب كانت على أقبح جانب من العبادة الوثنية الأهوائية، والعوائد القاسية الوحشية، وخشونة الظلم والجور، وإدمان الحروب والغارات.

قد امتازت كل قبيلة بجبروت رياستها، واستقلّت بعصبية قوميتها، حتى إن كل قبيلة اختصّت بصنم معبود، لئلا تخضع إلى قبيلة أخرى، واستمروا على ذلك أجيالاً متعددة تتراكم عليهم فيها ظلمات الوحشية. وضلالات الوثنية، وعوائد الظلم، وقساوة العداوة، والحروب المبيدة الفظيعة، بل كانت الدنيا بأسرها مرتبكة بين العبادة الأوثانية الصريحة، وبين التثليث وتجسيد الإله والسجود للأيقونات (الصور والتماثيل) وإن جرى لفظ التوحيد على بعض الألسن لفظًا بلا معنى، حتى إنك ترى معارف التوراة الدارجة في الإلهيات ناشئة من مبادئ وثنية يجب أن ينزّه عنها جلال الله.

وعند تراكم هذه الظلمات والضلالات، وهيجان براكينها الهائلة نبغ صاحب دعوة الإسلام والتوحيد الحقيقي (محمد)، وأعلن بين العرب بادئ بدء بدعوة الإسلام التي هي أثقل عليهم من الجبال، فدعاهم جهارًا إلى رفض معبوداتهم من الأوثان، وترك عوائدهم الوحشية، وإلى الخضوع لعدل المدنية، والتجمّل بالأخلاق الفاضلة والآداب الراقية، واستمر على هذه الدعوة في مكة نحو ثلاث عشرة سنة.

وفي السنة الثالثة من دعواه الرسالة أعلن بدعوته لعامة الناس إعلامًا تامًا، وصار ينادي بدعوته في جميع أيامه في المحافل والمواسم بجميل الموعظة، وقاطع الحجة، والإنذار بالعقاب والبشرى بالثواب، وحسن الترغيب والترهيب، وتلاوة القرآن، والإعذار بالنصيحة، لم يَهَبْ في دعوته طاغوتًا ولم يستحقر فيها صعلوكًا، يدعو الشريف والحقير والمرأة والعبد.

وقد آمن -في خلال هذه الدعوة- بدعوته الثقيلة على الأهواء من كل وجهة خلق كثير من أهل مكة وضواحيها من قريش وغيرهم، واحتملوا في سبيل ذلك أشد الاضطهاد والهوان، والجلاء عن الأوطان إلى الحبشة وغيرها.

فكم من شريف في قبيلته عزيز في أهله وقومه صار بإسلامه مهانًا مضطهدًا، وكل هذا لم يصدّ الناس عن الإسلام، إذ لا يصدّ الضعيف ما يقاسيه من العذاب ولا يصدّ الشريف العزيز ما يلاقيه من الهوان، يرون الإسلام هو العز والشرف والحياة والسعادة.

ففي السنة الخامسة هاجر إلى الحبشة من جملة المؤمنين اثنان وثمانون رجلاً من معاريف قريش وأتباعهم وذوي العزة، ومعهم مثلهم أو أكثر منهم من النساء المسلمات الشريفات، وبقي كثير من المؤمنين في مكة وغيرها، يقاسي أكثرهم سوء العذاب، وكل هذا لا يصدّ الناس عن إظهار الإسلام.

وقد أقبل على الإيمان بدعوة (محمد) وهو بمكة قبائل الأوس، والخزرج، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وخزاعة. ولا يخفى أن محمدًا كان عزيز قريش من بيت سيادتها وعزها، تسمّيه قريش (الصادق الأمين)، يُودع عنده مشركو قريش والعرب ذخائرهم إلى حين هجرته، ومع ذلك كان يقاسي الأذى الشديد من المشركين، والاستهزاء والتكذيب لدعوته، والحبس مع بني هاشم في الشعب، وهو مع ذلك متمسّك بالتحمّل والصبر الجميل وهدو السلم، لا يفتر عن دعوته ونشرها، وبثّ تعاليمه الفاضلة، وحماية التوحيد وإبطال الوثنية.

حتى إذا اشتدّ عليه الاضطهاد وتعاقد المشركون على قتله، عزم على أن يقطع مادة الفساد ويحافظ على دعوة التوحيد والإصلاح، ويعتزل عن بلاده وهيجان المشركين للشر، فهاجر إلى المدينة لنشر دعوته، وجمع المسلمين في حماية جمعية واحدة، فانتظم له في هجرته -زيادة على من ذكرنا إسلامه- إسلام كثير من العرب بالطوع والرغبة، ومن جملتهم قبائل اليمن وحضرموت والبحرين، بل ما من قبيلة من القبائل التي حاربته إلا ويذكر التاريخ المعلوم أنّ أناسًا منها أسلموا بالطوع والرغبة، فمنهم من تجاهر بإسلامه ومنهم من تستّر به إلى حين.

حروب رسول الإسلام

وأما حروب رسول الإسلام فإن أساس التاريخ الذي يذكرها يقرنها بذكر أسبابها التي يعلم منها أنه لم يكن حرب من حروبه ابتدائيًا لمحض الدعوة إلى الإسلام، وإن جاز ذلك للإصلاح الديني والمدني، وتثبيت نظام العدل والمدنية، ورفع الظلم والعوائد الوحشية الجائرة القاسية، لكن دعوته الصالحة الفاضلة تجنبت هذا المسلك وسلكت فيما هو أرقى منه وهو الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، كما جاء هذا التعليم الأساسي في الآية الخامسة والعشرين بعد المائة من سورة النحل المكية {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

وقد استمرت سيرته الصالحة على ذلك، فكانت حروبه بأجمعها دفاعًا لعدوان المشركين الظالمين عن التوحيد وشريعة الإصلاح والمسلمين، ومع ذلك فهو يسلك في دفاعه أحسن طريقة يسلكها المدافعون، وأقربها إلى السلام والصلاح، يقدّم الموعظة ويدعو إلى الصلاح والسلام ويجنح إلى السلم، ويجيب إلى الهدنة ويقبل عهد الصلح، مع عرفانه بأنه المظفّر المنصور، وهاك ما ينادي به التاريخ من أسباب حروبه وغزواته.

حرب بدر وأسبابها

فأول حروبه المعروفة بعد هجرته هي حرب بدر، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وسببها أن المشركين من قريش اشتدّ اضطهادهم للمسلمين ومن يريد الإسلام بمكة، ومنعوهم عن الهجرة والفرار بدينهم، حتى ضيّقوا عليهم بقساوة الاضطهاد والحبس لكي يردّوهم إلى شرك الوثنية وعوائد الضلال، فإنهم عرفوا من سيرة (محمد) أنه لا يحب إثارة الحرب فزاد طغيانهم لمّا أمِنوا جانبه، فأراد أن يرهبهم بالقوة والمنعة، ويهدّدهم بالتعرض لسبيل تجارتهم إلى الشام، لكي تلجئهم الضرورة الاقتصادية وحاجتهم لتجارة الشام إلى الكفِّ عن ضلالهم في اضطهاد المؤمنين بمكة ومنعهم عن الهجرة والفرار بدينهم، فندب إلى ذلك بعض أصحابه، فنهض منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً على أضعف عدة، لم يكن معهم إلا سبعون بعيرًا يتعاقبون عليها وأسياف قليلة.

فقصدوا قافلة قريش المقبلة من الشام، فسمع بذلك رئيس القافلة أبو سفيان، وأرسل إلى مكة يستصرخ قريشًا لتخليصها، فخرجوا بعدة كاملة من الخيل والسيوف والدروع، وكانوا نحو ألف رجل، واتفق أن قافلة قريش نجت من أصحاب (محمد)، ولكن قريشًا لم يكتفوا بنجاة قافلتهم، بل قصدوا محمدًا وأصحابه اغترارًا بكثرة عددهم وقوة عدتهم، وقد منعهم عقلاؤهم عن قصد (محمد) فلم يقبلوا، حتى اجتمعوا مع المسلمين في مكان يسمى (بدرًا) وابتدأوا بالقتال، فانتصر المسلمون انتصارًا باهرًا وقتلوا من صناديد قريش سبعين وأسروا سبعين، ورجعت قريش إلى مكة بالانكسار.

غزوة بني القينقاع

ولما قدم (محمد) في هجرته إلى المدينة رأى أن موقع الإسلام والمسلمين بين اليهود في خطر، فإنهم كانوا محدقين بالمدينة، وهم بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، فكان أول أعمال (محمد) في هجرته أنه عاهد هؤلاء اليهود على السلم وأمانة الجوار وأن لا يكيدوا المسلمين ولا يخونوهم ولا يساعدوا عليهم عدوًا، ولكن بني قينقاع غدروا بعد وقعة بدر وصاروا يكاتبون المشركين، وأنشبوا حربًا بينهم وبين المسلمين، فغزاهم محمد وانتصر عليهم، فطلبوا النجاة بالجلاء عن بلادهم فسمح لهم بذلك.

حرب أحد

ثم تجمّعت قريش بعدتها وعديدها وغزوا (محمدًا) وأصحابه إلى المدينة في السنة الثالثة من الهجرة حتى وصلوا إلى مكان يقال له (أُحد) وهو يبعد عن المدينة بأميال يسيرة.

تأكيد العهد مع اليهود وجلاء بني النضير

ورأى محمد أن اليهود لا يكادون يثبتون على عهدهم، فقصدهم هو وأصحابه لتأكيد العهد وأخذ الميثاق منهم، فأبى بنو النضير، فعدل عنهم إلى بني قريظة، فأعطوه عهودهم مجددًا على أن لا يغدروا بهم ولا يساعدوا المشركين عليهم، فرجع عنهم إلى بني النضير وحاصرهم على إعطاء العهد، فاختاروا الجلاء عن بلادهم، فسمح لهم بذلك حفظًا للسلام بين البشر، فحملوا كل ما يقدرون على حمله، ونزل أكثرهم في (خيبر) لكي يكيدوا محمدًا عن قرب.

حرب الأحزاب

ثم جمعت قريش في السنة الرابعة من الهجرة جموعها منها ومن أحلافها من القبائل، وكذلك (غطفان) وأهل نجد، وتحزبوا على قتال (محمد) وأصحابه، وكان الساعي في هذا التحزب واجتماع غطفان وأهل نجد مع قريش على الحرب هم جماعة من يهود بني النضير الذين أجلاهم محمد ونزلوا خيبر، منهم آل أبي الحقيق وغيرهم، فقصدوا المدينة بجيش عظيم يعدُّ بنحو عشرين ألفًا، فخندق (محمد) على المدينة وحاربهم، وقد كانوا كاتبوا بني قريظة على الغدر بمحمد والنهوض إلى حربه، فخفّ بنو قريظة إلى الغدر ونقض العهد، وبدا منهم الاعتداء، فأرسل إليهم (محمد) حليفهم سعد بن معاذ رئيس الأوس مع جماعة من الأوس والخزرج فوجدوهم على أقبح الغدر، حتى صار بعضهم يغِير على بيوت المدينة ومجامع العيالات.

غزوة بني قريظة

وحينما انكسرت قريش وانحلّ جيش الأحزاب عطف محمد وأصحابه على الغَدَرة بني قريظة فحاصروهم، فجعل بنو قريظة حكمهم إلى سعد بن معاذ رئيس الخزرج لأنهم كانوا حلفاءه قبل الإسلام، وظنوا أن سعدًا يتساهل معهم، فوافقهم محمد على ذلك ولم يصمّم على حربهم، فحكم سعد بقتلهم فنفّذ حكمه في الغادرين، ولو أنهم اختاروا الجلاء إلى حيث يُؤمن غدرهم لسمح لهم (محمد) كما سمح لبني قينقاع وبني النضير، ولو شفع فيهم سعد لتركهم له، فإن المعلوم من حال (محمد) أنه كان يحبّ السلم وصلاح البشر والعفو إذا أمن من فساد عدوه، ولم ينصبغ العفو بصبغة الضعف والوهن.

حرب بني المصطلق

وفي السنة الخامسة أو السادسة صار بنو المصطلق يستعدون لحرب (محمد)، فغزاهم وظفر بهم.

صلح الحديبية

وفي ذي القعدة من سنة ست قصد محمد مكة للحج والطواف بالبيت ومعه من أصحابه نحو سبعمائة رجل، وقدّموا ذبائح العبادة سبعين بعيرًا، وجعلوا عليها علائم الهدي لكعبتهم ورسوم العبادة، لكي يطمئن أهل مكة بالسلم، فصدّه أهل مكة واستعدّوا لحربه وطلبوا رجوعه، فسمح لهم بما طلبوا وتساهل معهم بالصلح حسبما يقتضيه حبُّ السلم، ونحر في مكانه هديه للكعبة ورجع.

حرب خيبر

وإن بني النضير الذين نزلوا بعد جلائهم في خيبر وخضع لهم أهلها لم يزالوا يسعَون في حرب (محمد) وقطع أثره، وهم الذين سعوا في حرب الأحزاب ولم يزالوا على إثارة الفتن، فغزاهم في أواخر السنة السادسة، ففتح حصونًا لبني النضير، منها حصن ناعم، ومنها القموص حصن بني أبي الحقيق، ومنها حصن الصعب بن معاذ وباقي حصون خيبر، إلا حصنين (الوطيح، والسلالم)، فإن أهلهما طلبوا من (محمد) أن يسيِّرهم ويحقن دماءهم فسمح لهم بذاك.

فتح مكة

وقد كان في صلح الحديبية أن خزاعة دخلت في حلف (محمد)، وبني بكر دخلت في حلف قريش، فعَدَت بنو بكر وقريش على خزاعة بالحرب العدوانية، فجاء مستصرخ خزاعة إلى (محمد) فتوجّه في سنة ثمان بجيشه إلى مكة في عشرة آلاف بعدة كاملة، ولما خافت منه قريش وأحلافها وضعفوا عن مقاومته لم تحمله سوء أفعالهم على الانتقام منهم، بل دخل مكة بأرأف دخول وأكرم معاملة، فكأنه ساق إلى قريش جيش العفو وامتنان الرحمة وكرم الأخلاق.

حرب هوازن

ولما سمعت هوازن بفتح مكة جمعت جموعها لحرب (محمد)، فقصدهم وحاربهم وغنم أموالهم وذراريهم، فوفد رجالهم عليه بعد أن أسلموا في هزيمتهم طوعًا، فاسترحموه، فخيّرهم بين ردّ السبي وردّ الأموال، فاختاروا رد السبي، فاسترضى المسلمين في ذلك فأجابوه، فردّ السبي وكان نحو ستة آلاف ما بين امرأة وطفل وقد كانت ثقيف من جملة المنهزمين من جيش هوازن، فرجعوا إلى الطائف وتحصّنوا بحصونهم لحرب (محمد)، فوجّه إليهم بعض جيشه.

حرب مؤتة وحرب تبوك

وأما بعثه الجيش إلى الشام، حيث حاربوا جيش الروم والعرب والرومانيين في (البلقا) شرقي بحيرة لوط، ومسيره بجيشه إلى تبوك، فكان الداعي لذلك أن هؤلاء تظاهروا بالعداوة للإسلام و(محمد) واستخفّوا بحرمته، وقتلوا رسله الذين أرسل معهم كتبه لدعوة التوحيد، مع أن العادة المستمرة أن الرسول حامل الكتاب محترم لا يقتل، ولا يقتله إلا من تجاهر بالطغيان والعداوة لمن أرسله، فإنّ (محمدًا) كاتب ملك الروم في الدعوة إلى صلاح الإسلام وتوحيده الحقيقي حينما كان قيصر راجعًا مع جيشه من انتصاره على الفرس، فتجرأ شرحبيل الغساني على قتل الرسول حامل الكتاب، واستعدّ الروم وأتباعهم لعداء (محمد) وحربه، فاستعدّ لدفاعهم وعدم الخضوع لجرأتهم التي تهدّد دعوة التوحيد والإصلاح.

سراياه وتجريداته

وأما سرايا (محمد) وتجريداته فكلّها كانت دفاعية، يردّ بها كيد الغادرين ويدافع بها من يستعد لحربه، ويسعى في الفساد والبغي، ولم تكن فيها مهاجمة ابتدائية على هادئ مسالم كما يشهد بذلك معلوم التاريخ.

سيرة محمد في دفاعه

وقد كانت حروبه الدفاعية محدودة بالحدود الصالحة فيما قبلها وما بعدها، وكانت محدودة فيما قبلها بالدعوة إلى التوحيد الحقيقي ومدنية العدل، والكفّ عن عوائد الظلم والوحشية، ثم بالدعوة إلى الصلح وحفظ السلام، والمعاهدة والهدنة، ومحدودة في آخرها بقبول العدو لدعوة التوحيد والعدل، أو طلبه للصلح أو الهدنة.

وقد كان (محمد) في جميع ذلك يشدّد النهي عن قتل النساء والأطفال والمشائخ العاجزين والرهبان المعتزلين، وكان يجمع بين الرحمة وحقوق أصحابه المجاهدين، فيسمح برحمته بكل ما يسمح به أصحابه من السبي والغنائم، ويرعى للأسير الشريف حرمة شرفه، ويطيِّب قلوب الأسرى بلسانه وقرآنه، ويوصي أصحابه بهم ويرغّبهم في عتقهم، حتى إن العتق في شريعته من العبادات الواجبة في بعض الموارد... هذا ملخص سيرة (محمد) في دعوة الإسلام.

وأما المعروف من تاريخ العرب المدوَّن وحالهم الموروث الذي نشاهده، فهو أنهم أمة حرب وتحزب وشدة طغيان وتعصب، وقد كانوا في عصر الدعوة الإسلامية قبائل فوضى، لا تصدّهم عن طغيانهم وظلمهم سلطة سياسة ولا قانون حكومة، بل كانت كل فرقة تدافع عن نفسها بنفسها، فليس من الممكن في العادة أن تستقيم بينهم دعوة صالحة تضاد عبادتهم وعوائدهم، وترفض وثنيتهم وأوثانهم، وتهدّد تحزبهم الوحشي وفوضويتهم وعصبية رياستهم العدوانية، وتلوي أعناقهم إلى الخضوع إلى عدل المدنية وناموس السلام ما لم تكن تلك الدعوة معتزّة بقوة دفاعية.

دعوة المسيح

وأما دعوة المسيح في بني إسرائيل فلم يكن فيها ما يبهظهم في أصول ديانتهم وعباداتهم وناموس شريعتهم، بل كان أساس دعوته هو الحثّ على لزوم التوحيد وحق العمل بالشريعة وحفظ وصايا التوراة، والتعليم بمكارم الأخلاق وحسن العدل، وهذا مما يرتاح له نوع بني إسرائيل، ولم يكن في دعوة المسيح إلا أنها كانت تتعرض لرياء الكهنة والكتبة وجبروتهم في الرياسة الدينية، وأكلهم الدنيا باسم الدين، وهذا أيضا مما ترتاح إليه نفوس العامة.

ولكن لمحض ذلك قامت قيامة الكهنة والكتبة وأنصارهم، وجرى من أعمالهم مع المسيح والمؤمنين به ما تسمعه من التاريخ والأناجيل من أنواع الاضطهاد، مع أن قدرتهم كانت محدودة بالسياسة الرومانية، لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا إلا بالمحاكمة والتطبيق على قوانين السياسة بالاستعانة بالكذب وشهادة الزور، وبذلك صالوا على المسيح والذين من بعده من أصحابه.

فكيف حال الدعوة الإسلامية التي سمعت حالها مع العرب والوثنيين المتوحشين الذين شرحنا لك حالهم، فهل يمكن في العادة أن تستقيم بدون دفاع؟ وهل يصح في حكمة الإصلاح الديني والاجتماعي أن لا تعتز هذه الدعوة بالدفاع؟ وهل يجوز أن تسلم أمرها بالوهن إلى التلاشي بعدوان أضدادها.

يتبع =

ـــــــــــــــ

1. اختير هذا النص من كتاب [الرحلة المدرسية] للعلامة الشيخ محمد جواد البلاغي ، بتصرف.

 

تتمة مقال = دعوة الإسلام حكمةٌ وسلام

استعداد المسيح للدفاع بالسيف

إن الأناجيل قد ذكرت وهن التلاميذ وضعفهم عن الصبر على الشدائد، وتفرقهم عن المسيح عند هجوم اليهود عليه كما أخبرهم به المسيح قبل ذلك،، وقد تمّ إحصاء هذا كله من الأناجيل في الجزء الأول من كتاب الهدى([1]) صحيفة 30 و 31، فراجعه لتعرف أن ألوفًا من أمثالهم لا يقومون مقام واحد من أصحاب (محمد) في الصبر والثبات على الإيمان والتفاني في سبيله.

ومع ذلك فإنجيل لوقا يذكر في العدد السادس والثلاثين من الفصل الثاني والعشرين أن المسيح أراد من تلاميذه الاستعداد للدفاع بالسيف وقال لهم: (من ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفًا)، ولكن يا للأسف لم يحيوا أمره المؤكد لهم جميعًا بالسمع والطاعة، بل قالوا قول المتثاقل المتشبث بالمعاذير (ههنا سيفان)، فلم يرَ المسيح في جواب تثاقلهم إلا أن يقول: (يكفي)، وظاهره أن جوابكم يكفي في بيان وهنكم.

إن اليهود والنصارى يعتقدون أن التوراة الموجودة هو كتاب الله جاء بشريعة الله في كلام الله لموسى رسوله، وقد كثُر في هذه التوراة الأمر بالمهاجمات الحربية الابتدائية في الحروب القاسية الآمرة بذبح الأطفال والنساء، والتوراة وكتاب يشوع (يوشع) يذكران أن موسى الرسول ويشوع مختار الله قد عملا بهذا الأمر القاسي على أقسى وجوهه([2])، مع أن التوراة وكتاب يشوع لم يذكرا أن ذلك كان لأجل الدعوة إلى التوحيد والإيمان والإصلاح، بل لم تذكر التوراة غاية لهذه الحروب القاسية إلا انتهاب الأرض من سكانها المطمئنين بها وإعطائها لشعب بني إسرائيل الذين لم يستقروا على التوحيد والشريعة والطاعة جيلاً واحدًا.

فهل من الصواب وشرف الإنصاف أن نغضّ الطرف عن هذا كلّه، ونعترض على الإسلام دين التوحيد الحقيقي والإصلاح والمدنية حيث اضطرته الأحوال إلى أن يدافع عن صلاحه عدوان الوثنية وفساد الوحشية؟!

وأنت إذا تأملت في فلسفة الإصلاح الديني الاجتماعي بل وعواطف الاجتماع، رأيتها بوجدانك تسوّغ لمحمد في عصره المظلم بالظلمات المتراكمة أن يبتدئ بالمهاجمة في سبيل إصلاحه، فكيف نعترض عليه إذا سلك أرقى مسلك في الإصلاح، ألا وهو الدفاع الجميل الذي تقوم به الحجة، ويحدّده الصلاح وعواطف الرحمة بأكرم الحدود وأشرفها.

خلاصة الكلام في دفاع الإسلام

وأخيرًا أقول : إنك إذا نظرت إلى التاريخ نظر حرّ تجد أن الذين نالهم السيف من الذين دافعهم (محمد) لا يبلغون عُشر الذين آمنوا به بالطوع والرغبة وفدوا أنفسهم وكل غال دون دعوته الكريمة، وإن هؤلاء الذين انقادوا إلى الإسلام بالسيف لمّا تشرّفوا بنعمة الإسلام صار (محمد) أحب الناس إليهم، وذلك لما وجدوه من صلاح دعوته، وحسن سيرته في تبليغها، وإجراء شريعتها فيما عاملهم به من التحمّل والمُلاينة، وجميل الدفاع، وعواطف الرحمة، وكرم المروءة، وحسن الخلق، وحسن الولاية، وإن حروبه معهم وإن كانت لأجل أشرف الغايات لم تكن إلا دفاعًا جميلاً لحماية الإصلاح الديني والمدني، مقرونةً بحسن المعاملة وجميل الصفح وعظيم المنّ وأيادي الرحمة مما لا يتصور من مُحارب مظفّر معتزّ بنصيحة أصحابه وتفاديهم في سبيل نصره.

نعم كان كثير من النائين عن مركز (محمد) ينتظرون بإسلامهم قوة الإسلام وارتفاع الموانع بينهم وبينه، ولأجل ذلك تقاطرت إليه قبائلهم بالطوع والرغبة عندما ارتفعت الموانع.

إن من أنعم النظر في التاريخ وفلسفة الحقائق لا بد له من أن يعترف بما قلناه، وإن كان النصارى الغربيون يودعون في أذهان العوام أن (محمدًا) كان على أعظم جانب من القساوة الحربية والتهاجم العدواني، وأن دينه لم ينتشر إلا بالسيف العدواني القاسي، وأن ديانته وثنية وحشية، ولكن بعد النظر إلى التاريخ والتحقق في دين الإسلام يتضح أن الحقيقة على ما شرحناه، وأن توحيد الإسلام هو التوحيد الحقيقي.

الإسلام والمسيح

إن من أسباب نفرة النصارى من الإسلام هو توهّم أنه يقطع علاقتهم بالدين المسيحي، ويكدّر صفاء إيمانهم بالسيد المسيح، ويشوّش محبتهم له واعتصامهم به.. ولكن واقع الحال أن الإسلام لا يقطع إلا علاقتهم بالتثليث، وسرّ الفداء، وحمل آثام الناس ولعنات الناموس على سيدنا المسيح وحاشاه...

إن الإسلام بقرآنه وبيانه يُمجّد رسالة المسيح، وينادي بقدسه وطهارته، وبرّه وكماله، ويبرئه عما لوثت به الأناجيل قدسه، فكيف يكدّر صفاء إيمان النصارى به، نعم إن الإسلام ينفي ألوهية المسيح، وينفي الإيمان بألوهية البشر المضطهد.

ولعله ينقدح في نفوس البعض أن الإسلام اضطهد الكنيسة الشرقية الزاهرة، ولكن الحقيقة هي أنه لم يُرِد منها إلا أن تتنزه عن شرك التثليث البرهمي وعبادة الصور والأيقونات، وزخرف التسابيح الموسيقية، وخداع الغفرانات وتأثيراته المعروفة، وهل كانت زهرة الكنيسة إلا بهذه الأمور المظلمة.

إن الإسلام جعل للكنيسة أن تبقى على صورتها بضمان حمايته بشرط أن تعطيه عهدًا على السلم وعدم الغدر، وأن لا تتجاهر بالمنكرات وشرب الخمر ومضادة الإسلام. ألم تبقَ الكنيسة في الشرق حين قوة الإسلام الحربية آمنةً مطمئنةً، يصدع ناقوسها مع أذان المسلمين، ويجلس قساوسها محترمين مع علمائهم، تجري في أعيادها ومواسمها على رسومها؟!

النظر في دين الإسلام ورسالته وقرآنه

لا يخفى على من نظر في القرآن بنظر حر أنه جرى بكرامة منهجه على حقيقة الحكمة واللطف في الدعوة إلى حقيقة التوحيد وشريعة العدل والمدنية، اللذين هما المقصود الأصلي والمطلب الأساسي، فسلك في أمرهما أحسن مسلك في الحجة، فلم يهاجم في الأمور الثانوية العرضية بصراحة تثير العصبية فتكون معثرة في سبيل المقصود الأصلي وروح الإصلاح مهما أمكن البيان لأولي العقول بنحو جميل، وليس من حكمة الدعوة لأهل الكتاب أن يجاهرهم بالصراحة بأنّ كتبهم التي بأيديهم قد كثُر فيها التحريف والتبديل والكفر الوثني والخرافات الكثيرة والتناقض الظاهر، إذ لا يخفى أن المجاهرة بذلك تهيج داء العصبية المهلك، وتنفر عن الإقبال إلى الإيمان الصحيح، وتصرف عن الإصغاء إلى بيان الحق.

والهداية إلى الحق لا تنحصر بالمجاهرة التي ذكرناها، بل إن القرآن أظهر ذلك وبيّنه وأوضحه بأحسن بيان وأجمل إيضاح، فأوقف ذوي العقول على بعض موارد التبديل والتحريف والزيادة بخصوصياتها، بحيث تتنبه عقولهم ووجدانهم لذلك على حين غفلة من هياج العصبية، فتعرّض لذكر القصص التي لها نحو وقوع في التاريخ فنزّهها عن الخرافات والأغلاط الزائدة، وأوردها على الحقيقة المعقولة استلفاتًا للعقول إلى الخرافات الدخيلة في الوحي، وأما ما لم يكن له نحو وقوع فلم يتعرّض لتكذيبه بالصراحة لكنه أودع في معارفه ما يوضح تكذيبه، وهذا شيء في غاية الحكمة بحسن الإرشاد.

فالقرآن بجميل إشارته ووضوح حجته يشير إلى كذب جملة من منقولات العهدين الرائجين، وإليك جملة من موارد ذلك :

فمن ذلك : أن العهد القديم والعهد الجديد قد نصّا على نبوة يعقوب وموسى وهارون وداود وسليمان وأرميا والمسيح عليهم السلام، وأنهم أُكرموا بالوحي والقداسة والأمر بإرشاد للناس، ومع ذلك ينسب العهدان إلى هؤلاء الأنبياء الكرام ما ينافي مقام النبوة والإمامة في الناس للإرشاد والتعليم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى كذب هذه النسبة الساقطة بقوله تعالى في الآية الرابعة والعشرين بعد المائة من سورة البقرة: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، (كما تقتضيه الحكمة وجلال الله وقدسه)، {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}([3])، فإن الكذب، والخديعة، والجرأة، وسوء الأدب مع الله، وخيانته، وعدم الإيمان به، والاستهزاء بوعده، ونسبة الخداع والكذب إليه، والزنا الفاحش بالمحصنات، والغدر بالمؤمنين، والدعوة إلى الشرك بالله، وعبادة غيره، وبناء مشاعر الأوثان، والقول بتعدد الأرباب والآلهة، والتحريف، هذه كلها من أقبح الظلم، ومرتكبها من الظالمين، والعقل والوجدان يُقبّحان ائتمان الظالم على الرسالة والنبوة وإمامة الدين والتوحيد والشريعة.

ومنها : قصة آدم (عليه السلام) وأكله من الشجرة، وما فيها من نسبة الكذب إلى الله عز وجل (وحاشا لله)، حيث أخبر آدم أنه يوم يأكل من شجرة الحسن والقبح يموت، بينما ينسب الصدق إلى الحية التي هي إبليس لعنه الله، حيث أخبرتهما الحية أن تلك الشجرة التي نهيا عن الأكل منها هي شجرة معرفة الحسن والقبح، فلما أكلا منها لم يموتا كما أخبرهما الله عز وجل، وإنما أصبحا عارفين بالحسن والقبح كما أخبرهما إبليس لعنه الله([4]).

ومنها : خرافة أن الله جسم يتمشى، وله صوت، ويختبئ منه آدم، ويقول لآدم أين أنت..؟ من أعلمك أنك عريان..؟ هل أكلت من الشجرة..؟. وأن آدم صار كواحد من الآلهة في معرفة الحسن والقبح.. وأن الإله خشي أن يأكل آدم من شجرة الحياة فيعيش إلى الأبد([5]).

ومنها : أن يعقوب عليه السلام خادع أباه إسحاق وكذب عليه مرارًا لكي يأخذ منه البركة([6]).

ومنها : خرافة مصارعة يعقوب مع الله وما فيها من الكلمات الوثنية، فإن القرآن يوضح بطلان هذه الخرافات بما تضمنته معارفه وتعاليمه بحقيقة التوحيد وجلال الله وقدسه وأنه الواحد القهار([7]).

ومنها : ما نسب إلى موسى عليه السلام من الجرأة على الله بالخطاب والشك في وعده([8]).

ومنها : أن هارون صنع العجل الوثني لكي يتخذه بنو إسرائيل إلهًا ويعبدوه من دون الله، وصنع أمام العجل مذبحًا لعبادته، مع أن الله في ذلك الحين كان يكلّم موسى في تقديس هارون بالكلام الطويل لرياسة الدين والشريعة، وإن الله كلّم هارون في أمور الدين والشريعة مع موسى ومنفردًا قبل واقعة العجل وبعدها([9]).

في حين أن القرآن ينسب عمل العجل والدعوة للشرك إلى السامري (الشمروني) من عشيرة شمرون ابن يساكر ابن يعقوب الذين كان منهم مع موسى ألوف، ويبرئ هارون من أمر العجل، ويوضّح أنه نصح بني إسرائيل ونهاهم عن عبادته، وأخبرهم بفتنتهم وضلالهم.

فالقرآن أوضح حال الخرافة الجامعة بين نبوة هارون وتقديس الله له والدوام على تكليمه، وبين كون هارون يدعو إلى الشرك ويصنع العجل الوثني ويبني له مشعر العبادة([10]).

ومنها : ما ورد من أمر موسى عليه السلام بقتل الأطفال، وجعله شريعة جرى عليها خليفته يشوع (يوشع)، حيث ورد في التوراة أنه لما تغلب بنو إسرائيل على المديانيين وسبوا نساءهم وأطفالهم، أمرهم موسى أن يقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة ثيبة، وأما الأطفال من النساء اللواتي لم يقربهن ذكر فإنهن يبقين حيات لهم، وقد كنّ اثنين وثلاثين ألفًا.

وأن الله أمر بني إسرائيل أن يحرموا مدن الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين واليبوسيين، ولا يبقوا منها نسمة أصلاً من البشر أو من البهائم، وعلى ذلك جرى يوشع بن نون في حروبه، وأن المقتولين من الأطفال والنساء يزيدون على مئات الألوف([11]).

ومنها : ما ورد في التوراة عن الله جل شأنه أن موسى وهارون عليهما السلام لم يؤمنا بالله، وعصياه، وخاناه([12]).

ومنها : ما ورد من أن أرميا نسب الخداع والكذب إلى الله جل شأنه([13]).

ومنها : ما نسب إلى سليمان عليه السلام من اتّباع الأوثان وعبادتها وبناء مشاعرها، حيث تذكر التوراة الرائجة بأن سليمان خالف الشريعة وتزوج بالنساء المشركات، فأملن قلبه وراء آلهة أخرى، فذهب سليمان وراء عشتاروت إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وبنى مرتفعة لكموش رجس الموابيين، ولمولك رجس بني عمون، وعمل لسائر نسائه المشركات مثل ذلك.

وقد تكرر نسبة هذا العمل الإشراكي لسليمان في العدد الثالث عشر من الفصل الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني.

فكيف يرضى أحد أن يقال في جلال الله أنه يختار لإنقاذ عباده من الشرك والفساد رجلاً يعلم أنه يشرك، ويدعو إلى العبادة الوثنية، ويعمل أوثانها، ويبني مشاعر عبادتها؟!([14])

ومنها : ما ورد من أن (امنون) بن داود عشق أخته ثامار بنت داود حتى زنا بها.. وقد سمع داود بذلك، فلم يعامل (امنون) بحدود الشريعة.. وأن (أبشالوم) بن داود زنا بسراري أبيه ونسائه على السطح بمنظر بني إسرائيل، ولما مات بكى عليه داود كثيرًا بصراخ، قائلا: من يجعل موتي أنا عوضًا عنك يا أبشالوم ابني يا ابني([15]).

ومنها : ما نسب إلى داود (عليه السلام) من نسبة الزنا بامرأة أوريا المؤمن المجاهد الناصح، وحكاية الحمل من الزنا، فذلك مما تقشعرّ منه الجلود، ولا يصدر من أكثر الفسّاق المتهتكين الخائنين([16]).

ومنها : قول التوراة الرائجة أن موسى وهارون وابنيه وسبعين من شيوخ بني إسرائيل رأوا الله وتحت رجليه شبه صنعة العقيق، ولم يمد الله يده إليهم بل رأوه وأكلوا وشربوا.

في حين أن في آيات القرآن ما يكذّب هذه الحكاية ويسفّهها، مضافًا إلى أن القرآن الكريم يكذّب خرافة رؤية الله -المتكررة في التوراة والعهد القديم -بقوله تعالى في الآية الثالثة بعد المائة من سورة الأنعام المكية: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}([17]).

ومنها : حكاية الذين جاؤوا إلى إبراهيم وإلى لوط، واضطراب التوراة الرائجة في عددهم، وفي أنهم الله أو ملائكة، وذكرت أنهم أكلوا من طعام إبراهيم ولوط، في مقابل بيان كرامة القرآن في ذكره لهذه القصة على الوجه المعقول، حيث يقول تبارك وتعالى : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}([18]).

ومنها : أن إنجيل يوحنا ينسب إلى المسيح ( عليه السلام ) قوله بتعدد الآلهة مع الاحتجاج الساقط والتحريف الواهي([19]).

وإن أناجيل متى ومرقس ولوقا تنسب إلى المسيح القول بتعدد الأرباب مع الاحتجاج الساقط والتحريف الكبير، وما تذكره الأناجيل في أحوال تلاميذ المسيح مما لا ينفك عن الظلم ولو بمحض خذلانهم للمسيح ونكولهم عن مواساته التي طلبها منهم مرارًا بالتأكيد([20]).

والقرآن -بآية العهد المتقدمة- يوضّح أن الأناجيل قد خالفت الحقيقة بأحد أمرين: إما بوصف التلاميذ بما مر من صفات الذم.

وإما بإرسال المسيح للتلاميذ بعده ليُعلّموا جميع الأمم ويعظوا العالم أجمع بالإنجيل، وأنه أرسلهم كما أن الله أرسله([21])، وهذه هي الإمامة في الناس.

بل جاء في انجيل متى أن المسيح قال للتلاميذ : "إن كل ما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السموات وكل ما يحلونه على الأرض يكون محلولاً في السموات"([22]).

وكيف يجتمع في كتاب الوحي أن المسيح يقول لبطرس : اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس، مع قول المسيح له: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأعطاه إمامة الحل والربط في الديانة كما تقدم لسائر التلاميذ([23]).

ومنها : أن بولس كان ضدًا للكنيسة، وكان يهجم على البيوت، ويجر المؤمنين بالمسيح نساءً ورجالاً إلى السجن، ويقتلهم، ويعاقبهم، ويضطرهم إلى التجديف (الكفر بالمسيح وشتمه)، وكان مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا([24]).

وكيف يجتمع هذا مع ما يذكره العهد الجديد في أعمال الرسل والرسائل المنسوبة إلى بولس أن بولس صار رسولاً وإمامًا، بل كان النفوذ لإمامته في النصراني، فقد قالت رسائله ما شاءت من إبطال شريعة التوراة وعيبها وذمها([25]).

فالقرآن يوضّح أن التلاميذ وبولس إن كانوا رسلاً وأنبياء وأئمة، فوصفهم بما يؤدي إلى كونهم ظالمين كاذب، وإن كانوا كما وُصفوا به فوصفهم بالرسالة والنبوة والإمامة كاذب، وهذا العهد الجديد قد جمع بين المتنافيين فإن الظالم لا يكون إمامًا.

(انتهى المقال)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) كتاب الهدى إلى دين المصطفى،، تأليف الشيخ محمد جواد البلاغي، ردّ فيه على بعض النصارى ما افتراه من أباطيل، وفنّد مفترياتهم، طبع أكثر من مرة في مجلدين.

([2]) راجع : كتاب الرحلة المدرسية، دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1414هـ/1993م. الجزء الأول في صحيفة 69، وسيأتي الإشارة إلى ذلك في هذه المقالة، فانتظر.

([3]) البقرة: الآية124.

([4]) راجع الرحلة المدرسية : 1/14.

([5]) راجع : المصدر السابق 1/21.

([6]) راجع : كتاب الرحلة المدرسية الجزء الأول، ج1 ص 65.

([7]) راجع : كتاب الرحلة المدرسية الجزء الأول ص 67.

([8]) راجع : المصدر السابق : 1/72-73.

([9]) راجع : المصدر السابق، ص 41-42.

([10]) راجع : المصدر السابق، ص 29و30 و33.

([11]) راجع المصدر السابق : 1/84 -85.

([12]) راجع : المصدر السابق : ج2 ص246.

([13]) راجع المصدر السابق : 1/73.

([14]) راجع : المصدر السابق : 1/43-44.

([15]) راجع : المصدر السابق : 1/68.

([16]) راجع : المصدر السابق نفسه.

([17]) سورة الأنعام:103. راجع : المصدر السابق، ص77.

([18]) الذاريات: 25-29، راجع : كتاب الرحلة المدرسية الجزء الأول ص صحيفة 55-56 ؛ 59 وص60 و 69.

([19]) راجع : المصدر السابق ص 89.

([20]) راجع : المصدر السابق ص 159 - 160.

([21]) راجع : المصدر السابق ص 160.

([22]) متى 18: 18.

([23]) أنظر : متى 16: 16 - 24.

([24]) راجع : كتاب الرحلة المدرسية ج1 ص208 و209.

([25]) راجع : المصدر السابق ص 118 و119.

 

115%