رسالة النجف

الر سول (ص) وأسباب النـزول

 

الرسول (صلى الله عليه وآله) وأسباب النزول

الشيخ حسن حيدر

تمهيد

تُمثّل أسباب النزول نصوصًا نقليّة تحكي نزول الوحي، وقد شغلت الباحثين -بما هي سياقات ثقافيّة وتاريخيّة واجتماعيّة تحيط بالنصّ القرآنيّ- على مرّ العصور، وذلك في إطار تعاملهم مع نصّ المصحف ومحاولة بيان مسائله وتدبّر قضاياه، فكان لها حضور بارز امتدّ بامتداد علم التفسير، حتّى اشتهر أنّه لا غنى للمفسّر عنها، وعدّوا العلم بها من شروط التفسير وفهم القرآن([1]).

وقد بدأ حديث أسباب النزول في مرحلة مبكرة من مراحل التاريخ الإسلاميّ، فقد كان ذلك مقارنًا للدعوة والرسالة، أي مقارنًا لأولى نفحات الوحي، ثمّ واصل رحلةً امتدّت عصورًا، وقد اتّخذ خلالها أشكالاً متعدّدة، شكّلت جذور هذه المسألة.

من هنا لا يمكن -من الناحية المنهجيّة- عزل بحث أسباب النزول عن إطاره التاريخيّ، فالحصول على إجابات وحقائق جديرة بالثقة في نطاق أسباب النزول، يتوقّف على وضع البحث في إطاره التاريخيّ الذي امتدّ قرونًا من الزمن.

وفي هذه المقالة نتابع أولى الاهتمامات بهذا الباب -من خلال دراسة حركة الرسول (صلى الله عليه وآله)-، ونتأمّل في طبيعة هذا الاهتمام، على أن يكون ذلك مناسبة لتقصّي التطوّرات التي رست عليها أسباب النزول خلال مراحل لاحقة -إذا وفّقنا الله تعالى-، معتقدين بأنّ هذه الوقفة تجعل الصورة أسلم وأوضح، وتُلقي بظلالها على البحث بمختلف مستوياته، وتحدّد كثيرًا من معالمه.

عقبات البحث التاريخي

لا يخفى على القارئ العقبات التي تنتظر بحثًا تاريخيًّا لم تمسّه يد التحقيق ولم يُطرق بشكل منهجيّ ومستقلّ من قبل، وقد مضى عليه أكثر من عشرة قرون من عمر الزمن، ممّا جعل بعضَ دارسي أسباب النزول المعاصرين يرى عدم تيسّر الكلام في تاريخ أسباب النزول؛ "إذ لا توجد -على حدّ علمنا- ولو دراسة واحدة اعتنت بتاريخ أسباب النزول، سواء عند القدامى أو عند المحدثين (...)، وفضلاً عن ذلك نفتقد اليوم الوثائقَ القديمة التي يمكن أن تدلّ على تاريخ أسباب النزول والهيئة التي كان عليها، خاصّة في الأطوار الأولى من تشكّله"([2]).

ونحن وإن عشنا صعوبات البحث التاريخيّ وعوائقه، ولكنّنا لا نسلّم بأنّ البحث فيه يمثّل مهمّة مستحيلة بناءً على افتقاد الوثائق؛ وذلك لوجود مادّة قابلة للتحليل بين أيدينا، وتتمثّل بنصوص النبيّ (صلى الله عليه وآله) والصحابة، وهذه النصوص، بعد وضعها في ظرفها التاريخيّ -الاجتماعيّ- الثقافي المناسب، تمثّل نماذجَ تستحقّ الدراسة والتحليل، لذا سنستنطقها على أمل أن نعرض على القارئ شريطًا تاريخيًّا لهذه المسألة، ليعيش أسبابَ النزول في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله).

عمليّة الرصد

تشكّل حركة النبيّ (صلى الله عليه وآله) علامةً مهمّة تشير إلى وضعيّة وحقيقة أسباب النزول، إلا أنّ الإشكال يقع في وجود حركة ترتبط بالأسباب يمكن للباحث أن يرصدها في ذلك العصر، حيث يرى عددٌ من الباحثين، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) والصحابة لم يعتنوا بأسباب النزول؛ إذ : "من المسلّم به أنّ الرسول وصحابته لم يكن لهم اهتمام بأسباب نزول القرآن (...)، ولم تكن هناك حاجة إلى الخوض في أسباب النزول؛ بما أنّ الدواعي إليه لم توجد بعد"([3])، و"الاهتمامات الأولى بعلم أسباب النزول ظهرت مع مشاغل التابعين، فقد أخذ هؤلاء بعض المعطيات التاريخيّة المتعلّقة بعدد من الآيات من أفواه الصحابة"([4])، ويجزم البعض بأنّه "لم يرد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّه لفت الأنظار إلى عِلم أسباب النزول ولا طلبه، ولم توجد آيات وأحاديث بهذا الخصوص"([5])، ويعتقد الكثيرون أنّه ربما ظهرت إرهاصات أولى لبحث أسباب النزول إلا أنّ الأهمّ أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) والصحابة لم يقوموا بتظهير الصورة بأيّ شكل من الأشكال، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ الصحابة كانوا معاصرين لنزول القرآن فاكتفوا بما شاهدوه من أسباب النزول، واقعًا تحت نظرهم، من غير أن يولوا ذلك الأمر اهتمامًا خاصًّا يمكن أن يشكّل معطىً للبحث في باب أسباب النزول([6]).

لكنّ هذه الآراء لا تصمد طويلاً إذا ما تقصّينا جنبات التاريخ الذي رفدنا بمجموعة من الوثائق التي تدحض تلك المزاعم، فقد سجّل حقائق مغايرة تمامًا لما ذكروه في هذا المجال، ويمكننا أن ندرس ذلك من خلال بيان دور النبيّ(صلى الله عليه وآله) في بثّ روح الحماس لتتبّع أسباب النزول من جهة، واهتمام الصحابة بها من جهة أخرى.

ولا بدّ أن نلتفت إلى أنّ الحديث في هذه المرحلة -أي في زمان وعصر الوحي-، ليس حديثًا في روايات أسباب النزول، بقدر ما هو حديث عن ارتباط نزول الآيات بالأسباب، وبيان كيفيّة تعاطي الرسول (صلى الله عليه وآله) والمجتمع من حوله معها، وما التعرّض للروايات في هذه المرحلة إلا ضمن الدائرة التي تصبّ في هذا الهدف.

أوّلاً: حركة النبيّ (صلى الله عليه وآله)

إذا رجعنا إلى سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والنصوص التي وصلتنا عنه، فإنّنا نجده (صلى الله عليه وآله) يعمد إلى لفت الأنظار إلى أسباب النزول بأساليب متعدّدة وفي مختلف المناسبات:

1- وقفات الرسول (صلى الله عليه وآله) عند أسباب النزول

أولى بوادر اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله) تتبدّى في الوقفات المتكرّرة له عند أسباب النزول، فقد كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يبيّنها مرارًا لأصحابه وسائليه، وقد تمّ ذلك في أكثر من مناسبة، وبصيغٍ متفاوتة:

منها ما ورد في قضيّة عويمر بن ساعدة العجلانيّ، في سبب نزول الآية:{والذين يَرْمونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلا أَنْفُسهُم...}([7]):

حيث طلب الرسول (صلى الله عليه وآله) من عويمر أن يأتي بأهله ليبيّن أحد أسباب النزول قائلاً: "ائتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنًا"([8]).

وكما في مسألة الظهار، حيث شكَت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوجها الذي ظاهَرَها([9]):

فطلب منها الرسول (صلى الله عليه وآله) أن تأتي بزوجها فقال له: "قد أنزل الله تبارك وتعالى فيك وفي امرأتك قرآنًا وقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ..(إلى قوله)..وإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}([10])"([11]).

كذلك في سبب نزول الآية: {فَإِذا أَمِنْتُم فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي...}([12])، بعد أن سأله سُراقة بن مالك بن جَعْثم المُدلجيّ: يا رسول الله، هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للأبد؟

فقال (صلى الله عليه وآله): "بل للأبد إلى يوم القيامة -وشبّك بين أصابعه- وأنزل الله في ذلك قرآنًا" وقرأ الآية([13]).

وقريب منه الذي ورد عنه (صلى الله عليه وآله) في الآية: {وَيَسْتَفْتونَكَ قُلِ الله يُفْتيكُم فِي الكَلالَة}([14])، بصيغة: "إنّ الله أنزل وبيّن ما لأخواتك وهو الثلثين"([15]).

وكذا في قصّة عبد الله بن أبي أمية، قبل أن يَقبل الرسول (صلى الله عليه وآله) إسلامه، حيث قال (صلى الله عليه وآله) لأخته أم سلمة التي جاءت متوسّطةً له عنده (صلى الله عليه وآله): "هو الذي قال لي:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا}..إلى قوله:.. {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ}([16])"([17]).

وذكر السيوطيّ في سبب الآية الكريمة {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا...}([18])، أنّه بعد أن ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) لصحابته مقام شهداء أحد في الجنّة، وقولهم: "يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، قال الرسول (صلى الله عليه وآله): "فأنزل الله هذه الآيات: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا...}"([19]).

هذا وقد نُقلت لنا روايات متعدّدة عن أهل البيت (عليه السلام) يركّز فيها الرسول(صلى الله عليه وآله) على أسباب نزول الآيات وفي مناسبات أكثر أهميّة، وقد أغفل ذكرها أهل العامّة؛ من ذلك خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير، والتي أوردها الفتّال النيسابوريّ في كتابه "روضة الواعظين"، وذكر فيها ثماني آيات مشفوعةً بأسباب نزولها([20])...

وما يمكن أن نخلص إليه من خلال هذه الأحداث التي ينقلها التاريخ، أنّ وقفاتٍ متكرّرة قد عمد إليها النبيّ (صلى الله عليه وآله) عند أسباب النزول، معبّرًا عن ذلك بمختلف الصيغ، ممّا يجعلنا نعتقد بأنّ حسّ الارتباط بأسباب النزول، قد أوقده الرسول (صلى الله عليه وآله) في الصحابة منذ السنين الأولى من عمر الدعوة الإسلاميّة ومع النفحات الأولى لنزول الآيات.

2- الاهتمام بأعلام النزول

أبدى النبيّ (صلى الله عليه وآله) نوعًا آخر من تركيز ارتباط الآيات القرآنيّة بأسباب النزول، وذلك حينما كان يُبرز اهتمامًا خاصًّا بأعلام النزول، إذا ما نزل فيهم القرآن مدحًا([21])، فيبيّن سبب النزول مثنيًا على صاحبه.

منها ما اشتُهر في مختلف كتب التفسير وأسباب النزول، في قوله تعالى: {..إِنَّ الله يُحِبُّ التَوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِين}([22])، حيث كانت عادة القوم الاستنجاء بثلاثة أحجار، وقد استنجى رجل من الأنصار بالماء، لعدم استغنائه بالحجارة، فبعث إليه الرسول (صلى الله عليه وآله)، وقال له: "هنيئًا لك، فإنّ الله عزّ وجلّ قد أنزل فيك آية: {إنَّ الله يُحِبُّ التَوَّابِين ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِين}، فكنت أوّل من صنع ذا..."([23]).

وورد أنّ رجلاً من الأنصار حضر عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) معبّرًا عن مدى حبّه له بحيث لا يطيق مفارقته، وسأله عن حال الجنّة، وأنّه هل سيُحرم من رؤيته أو أنّ ثمّة سبيل لرؤية الرسول (صلى الله عليه وآله) مع أنّ مقامه (صلى الله عليه وآله) يكون في أعلى عليّين؟

فنزلت على أثر ذلك الآية:{وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَبِيِّينَ وَالصدِّيقِينَ وَالشُهَداء وَالصَالِحِين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا}([24])، فدعا النبيُّ (صلى الله عليه وآله) الرجلَ فقرأها عليه، وبشّره بذلك([25]).

كما ورد بعد مبيت عليّ (عليه السلام) في فراش الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثمّ لحوقه مع النساء به(صلى الله عليه وآله)في هجرته إلى المدينة، فإنّه لمّا وصل علي(عليه السلام) بهم إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال له(صلى الله عليه وآله): "إنّ الله سبحانه قد أنزل فيك وفي أصحابك قرآنًا" وتلا عليه الآيات الأواخر من سورة آل عمران: {الذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعودًا}..إلى قوله.. {إِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَاد}([26])"([27]).

وورد في قصّة إيثار أمير المؤمنين (عليه السلام) المقداد على نفسه حيث أعطاه الدينار الوحيد الذي لديه، أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بحث عن عليّ (عليه السلام) فلمّا وجده قال له: "أما أنّ جبريل قد أنبأني بذلك، وقد أنزل الله فيك كتابًا: {وَيُؤْثِرونَ عَلَى أَنْفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَة...}([28])"([29]).

ومثل ذلك ما ورد في آية التطهير عن عليّ (عليه السلام) قال: "دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيت أمّ سلمة، وقد نزلت عليه هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله ليُذْهِبَ عَنْكُم الرجْسَ أَهْلَ البَيْت وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيرًا}([30])، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، هذه الآية نزلت فيك وفي سبطيّ والأئمّة من ولدك"([31])...

فنحن نجد حرصًا عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) على الاهتمام بأعلام النزول، وهذا يظهر جليًّا من خلال إبرازهم عبر التهنئة أو البحث عنهم ثمّ إيراد سبب نزول الآيات في جوٍّ يُشيع حالةً من الإلتفات لدى المجتمع، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّه يدلّ على سعي الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى ربط الآيات القرآنيّة بالأعلام الذين نزلت فيهم، ممّا يدفع الناس إلى إقامة ارتباط أوسع في مجال أسباب وأعلام نزول الآيات.

على أنّ الذي عاب هذا الباب في الفترات اللاحقة هو اختفاء عدد كبير من الأسباب المرتبطة بالأعلام، ففي الكتب المشهورة المصنّفة في أسباب النزول، نفتقد كثيرًا من أسباب نزول مجموعة كبيرة من الآيات نعلم يقينًا بأنّها مرتبطة بأعلام كما يظهر من سياقها بشكل واضح، ممّا يضطرّ الباحث إلى التنقيب عنها في مختلف المصادر، فيما الذي اشتهر منها لدى مختلف العلماء نادر، وهو ما يرسم أكثر من تساؤل!

يتبع =

ـــــــــــــــــــــ

([1]) يندر أن يخلو بحث مرتبط بأسباب النزول، سواء في علوم القرآن أو مقدمات التفسير، من هذا المعنى، يمكن على سبيل المثال ملاحظة: السيد محمّد رضا الجلالي: مجلّة تراثنا، ج4، ص: 20، وهبة بن مصطفى الزحيليّ: التفسير المنير، دار الفكر المعاصر، 1418: ج1، ص:18-19، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج1، ص10، الواحدي: أسباب النزول، ص: 10، بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشيّ: البرهان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربيّة، ط1: ج1، ص22.

([2]) بسام الجمل: أسباب النزول، المركز الثقافيّ العربيّ: ص: 49.

([3]) المصدر نفسه، ص: 61.

([4]) المصدر نفسه، ص: 62.

([5]) عبد الرحيم أبو علبة: أسباب نزول القرآن: دراسة وتحليل، الوكالة العربيّة للتوزيع، ص:90.

([6]) فكرة أنّ الصحابة اكتفوا بما كانوا يشاهدونه، قد شغلت معظم الباحثين، حيث أكّدوا هذه الفكرة وأيّدوها، من غير نقاش؛ بناءً على أنّ: "الجيل الأوّل من المسلمين عاين نزول الوحي وتعرّف إلى الظروف الحافّة به (...)، ومن ثمّ لم تكن هناك حاجة إلى الخوض في أسباب النزول بما أنّ الدواعي إليه لم توجد بعد" (بسام الجمل: مصدر سابق، ص:61)، وتكون نتيجة ذلك أنّ: "الإلمام بهذه الأسباب لم يكن مطلوباً عند جيل الصحابة بما أنّهم عاينوا التنزيل وكانوا شاهدين مباشرين على تلقّي الرسول للوحي"(بسام الجمل: مصدر سابق: 57، وراجع: الزركشيّ: مصدر سابق، ج1، ص22).

كلّ ذلك من غير أن يلتفتوا إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يهيِّئ الأمّة لما بعد رحلته، ويؤمّن الغذاء للأجيال اللاحقة، فضلاً عن أنّنا نعتقد ـ وفقاً للمنظومة الشيعيّة ـ بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد شجّع على التدوين، وأوّل من لبّى هو أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).

([7]) النور، الآية 6.

([8]) أبو الحسن عليّ بن إبراهيم القمّي: تفسير القمي، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، ط3، 1404: ج‏2، ص: 98، وذكرها: جلال الدين السيوطي: لباب النقول في أسباب النزول، عالم الكتب، ط1، 1422:ص 182 مع اختلاف بسيط، وأوردها: الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني: الكافي، دار الكتب الإسلاميّة، ط3: ج6، ص163، ح4 روايةً عن الصادق(عليه السلام) حين سُئل عن الملاعنة.

([9]) تذكر بعض كتب أسباب النزول أنّ اسم المرأة هو خولة، وزوجها هو أوس بن الصامت (كما في تفسير القمّي: مصدر سابق، في مورد آخر: ج‏2/ ص:353، الواحدي: مصدر سابق: ص231)، إلا أنّ هذه الكتب التي صرّحت باسم الرجل والمرأة لم تذكر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الذي ذكر أنّ الله قد أنزل فيهما قرآناً، وإنّما كان ذلك من تعبير ناقل السبب.

([10]) المجادلة، الآية 1.

([11]) تفسير القمي: مصدر سابق، ج‏2، ص: 354.

([12]) البقرة الآية 196.

([13]) الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ: تهذيب الأحكام، دار الكتب الإسلاميّة، ط4: ج5 ص25 ح74.

([14]) النساء، الآية 176.

([15]) السيوطي: مصدر سابق:ص96، رواه أبو داود في سننه (سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الفكر، ط1، 1410، ح: 2887)، فتح الباري (ابن حجر العسقلانيّ: فتح الباريّ، دار المعرفة للطباعة): 8/268، الواحدي: مصدر سابق: ص136.

([16]) الإسراء الآية90.

([17]) تفسير القمي: مصدر سابق: ج‏2، ص: 27.

([18]) آل عمران الآية 169.

([19]) السيوطي: مصدر سابق:ص66.

([20]) محمّد بن الفتّال النيسابوري: روضة الواعظين، منشورات الرضيّ: ص804، ونقله عنه السيّد هاشم البحرانيّ: البرهان في تفسير القرآن، مؤسّسة البعثة، 1415: ج2، ص227 - 239.

وأورد محمّد بن إبراهيم النعماني، في كتابه الغيبة، مكتبة الصدوق: ص39، ح1: حديثاً طويلاً عن مجيء وفد من اليمن إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد نقل فيه عن الرسول(صلى الله عليه وآله) بياناً لسبب نزول خمس آيات: (آل عمران: 103 و 112/ الزمر: 56/ الفرقان27/ إبراهيم37)، إلى غير ذلك ممّا تناقلته الكتب التفسيريّة والمجامع الحديثيّة...

([21]) وأمّا إذا نزل القرآن ذمّاً، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يتحاشى ذكر صاحبه وفضحه، فقد كانت "سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) مع المنافقين تأبى ذلك، فإنّ دأبه تأليف القلوب، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطّلاع على سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)"(السيّد أبو القاسم الخوئيّ: البيان في تفسير القرآن، مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئيّ قدس سرّه: ص225).

اللهمّ إلا من كان يتجاهر بعداء النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويؤذيه على رؤوس الأشهاد، كما في عمّه أبي لهب، بل تولّى نفس القرآن أحياناً فضحهم بالاسم.

([22]) البقرة الآية 222.

([23]) محمّد بن مسعود العيّاشي: تفسير العيّاشي، المكتبة العلميّة الإسلاميّة - طهران: ج1 ص: 109 ح: 328.

([24]) النساء، الآية69.

([25]) الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي: الأمالي، مؤسّسة البعثة، ط1: ج2 ص233، السيوطي: مصدر سابق: ص83، الواحدي: مصدر سابق: ص:120-121.

([26]) آل عمران : 191- 194.

([27]) محمّد بن الحسن الشيباني: نهج البيان عن كشف معاني القرآن: ج1، ص79.

([28]) الحشر الآية 9.

([29]) السيّد شرف الدين علي الحسينيّ الاسترآبادي النجفي: تأويل الآيات في فضائل العترة الطاهرة، مطبعة أمير، ط1: ج2 ص679 ح5.

([30]) الأحزاب،33.

([31]) أبو القاسم عليّ بن محمّد بن علي الخزاز القمّي الرازي: كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر، انتشارات بيدار، 1401: ص155.

 

 

تتمة مقال = الرسول (صلى الله عليه وآله) وأسباب النزول

3- تعليق الجواب على نزول الأسباب

الأسلوب الآخر الذي اعتمده رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مجال ربط المجتمع الإسلاميّ بأسباب النزول، هو ما كان يعمد إليه أحيانًا من تعليق جواب بعض المشكلات على نزول القرآن([32])، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من أثر إعلاميّ نفسيّ على الناس، حيث يجعلهم -وبسبب حالة الانتظار التي يتركهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيها- أشدَّ ترسّخًا واعتقادًا بهذا الباب -باب العلم بأسباب النزول-، ومن نماذج ذلك ما رُوي في شكوى زوجة أبي قيس بن الأسلت على ابنه محصن، الذي أراد أن يرث نكاحها كونها زوجة أبيه، بعد أن منع عنها إرثها من زوجها، فقد أجابها الرسول (صلى الله عليه وآله): "ارجعي لعلّ الله ينزل فيك شيئًا"، ثمّ أخبرهم لاحقًا بنزول الآية {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤكُم مِنَ النِسَاء...}([33]).

فنحن نعتقد أنّ لهذا الأسلوب نوعًا من التأثير النفسيّ الذي يجعل المجتمع على تماسٍ مع أسباب نزول الآيات، ويؤدّي إلى أن يعيش الناس في حالة ترقّبٍ لنزول القرآن وفق أسباب، وهو ما سنلاحظه في فقرات لاحقة.

4- بيان وتوضيح الأسباب

اهتمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بجانبٍ آخر من جوانب أسباب النزول، وذلك حينما تولّى بنفسه أمر بيان وتوضيح بعض الأسباب إذا ما كان ثمّة لبس أو إبهام في حقيقتها، كما في الآية {لا تَجْعَلوا دُعَاءَ الرسُول بَيْنَكُم كَدُعَاءِ بَعضكُم بَعْضا}.. إلى قوله تعالى.. {أَنْ تُصِيبهُم فِتْنَة أو يُصِيبَهُم عَذابٌ أَلِيم}([34])، حيث ورد أنّ ابنته فاطمة الزهراء ÷ عندما سمعت الآية، لم تعُد تنادي الرسول (صلى الله عليه وآله): يا أباه، وصارت تناديه: يا رسول الله، فقال لها الرسول (صلى الله عليه وآله): "يا بنيّة لم تنزل فيك ولا في أهلك من قبل، وإنّما نزلت في أهل الجفاء..."([35]).

ففي مثل هذه الموارد لا يرتبط الأمر بمجرّد بيان الحوادث، بقدر ما يرتبط ببيان مفاهيم لها عميق الأثر على تمييز الجماعات المحيطة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وسيكون لذلك بلا شكّ أثر كبير على مستقبل مسيرة الإسلام وأهله.

النتيجة

يتبيّن ممّا تقدّم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد قام في هذه المرحلة بتسجيل بعض الأحداث التاريخيّة وفقًا لأسباب النزول، ثم بيّن بعض الحقائق فيها، وقد سعى إلى إيقاظ حسّ الأصحاب وتوجيههم في مجال حسن الالتفات إليها، لارتباطها بالآيات القرآنيّة، مستعينًا بأساليب عديدة تخدم هذا الهدف، وتنمّي الشعور بأهميّة هذا الاطّلاع، ممّا يكشف عن المنزلة الرفيعة التي تحتلها أسباب النزول لدى رسول السماء(صلى الله عليه وآله).

ثانيًا: اهتمام الصحابة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله)

هكذا كانت حركة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فكيف تلقّف الصحابة أسباب النزول؟ وكيف كان أثر حركته على المجتمع؟

إذا كان من المتوقّع أن يظهر بوضوح اهتمامُ الأصحاب بأمر الأسباب، سواء لطبيعة هذا الموضوع وجاذبيّته، أم بسبب توجيهات النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الإشكاليّة التي يطرحها البعض تتمثّّل في كيفيّة رصد حركتهم واهتمامهم، بعد أن اتسمّت حركتهم تجاه أسباب النزول بالركود والخفاء، من غير أن تتّسم بأيّ نَفَسٍ إعلاميٍّ أو صورة تظهر إلى العلن، ذلك أنّنا نتحدّث عن مجتمع على تماسٍ مباشر بأسباب النزول؛ فقد كانوا "على جانب كبير وفقهٍ واسع لهذا الباب [أسباب النزول]، كيف لا وهم الذين أكرمهم الله بملازمة نبيّه، وكان الوحي يتنزّل بينهم روّاحًا غدّاءً بآيات الله"([36])!

لكنّ الحق أنّ كثيرًا من أسباب النزول كانت تقع في غياب الصحابة، وهذا أمر طبيعيّ، فمن المعلوم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانت له حياته الخاصّة ولم يكن المجتمع بكامله يرافقه ويمشي خلفه وبين يديه أينما ولّى وجهه! وخاصّة في الحالات التي كان يأتيه فيها وحي السماء([37]).

من هذا المنطلق كان بالإمكان رصد حالة الصحابة مع أسباب النزول، وتَبَيُّن جهاتٍ تُبرِز اهتمامهم بها.

نعم، ما نسلّم به أنّ نزول كثير من آيات القرآن بين ظهرانيهم، ومعاصرتهم لحياة الرسول (صلى الله عليه وآله)، جعل ما ينقلوه من أسباب النزول قليلاً بالقياس إلى الأجيال اللاحقة التي كانت متعطّشةً إلى الأسباب وسائلةً عنها.

هذا، فضلاً عن فقدان الكثير من الوثائق، التي قد ترتبط بأسباب النزول، والعائدة إلى ذلك الزمان.

والراصد لحركة الصحابة في هذا المجال يجد أنّ أبرز علامات وأمارات هذا الاهتمام قد تجلّى من خلال ترقّبهم لها من جهة، والترويج لها بين أطياف المجتمع من جهة أخرى، ممّا يعطي أكثر من إشارة في هذا المجال.

1- ترقّب نزول القرآن وفقًا لأسباب

يلاحظ المتابِع للفترة التاريخيّة المعاصرة للوحي، أنّ الصحابة كانوا يعيشون حالة الترقّب لنزول الآيات القرآنيّة وفقًا لأسباب، ممّا يشير إلى أنّ الناس قد اعتادوا على أسباب النزول وباتوا يعيشون في أجوائها بشكل راسخ، بحيث صاروا يتوقّعون نزول آيات عند أحداث معيّنة.

من نماذج ذلك ما ورد في قضيّة الرجل الأنصاريّ واستنجائه بالماء، والحال التي كان عليها؛ فإنّه بمجرّد استدعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) له "جاء الرجل وهو خائف أن يكون قد نزل فيه أمر يسوء في استنجائه بالماء"([38])، والمقصود بكلّ تأكيد أنّه جاء مترقّبًا لما نزل فيه من القرآن عند حصول هذه الحادثة، وهذا ما يُسمّى بأسباب النزول.

وكذلك ما نقله مقاتل بن حيّان، من سؤال أسماء بنت عميس وترقّبها لنزول القرآن في النساء، عندما رجعت من الحبشة، مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فقد دخلت على نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقالت: "هل نزل فينا شيء من القرآن؟، قلن: لا، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله! إنّ النساء لفي خيبة وخسار، فقال (صلى الله عليه وآله): وممّ ذلك؟!، قالت: لأنّهنّ لا يُذكرن بخير، كما يُذكر الرجال، فأنزل الله تعالى هذه الآية {إنّ المُسْلِمِين والمُسْلِمَات، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَات}..إلى قوله تعالى.. {أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}([39])" ([40]).

بل تجاوزت حالةُ ترقّبِ نزول الآيات وفق أسباب معيّنة، الصحابةَ المخصوصين، لتعمَّ المنافقين، وهذه الحقيقة يؤيّدها القرآن الكريم في بعض آياته، وذلك من خلال إشارته إلى ترقّب المنافقين نزول القرآن في شأنهم، يقول تعالى {يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُون}([41]).

ويعلّق صاحب الميزان على الآية بالقول: "كان المنافقون يشاهدون أن جلّ ما يستسرّون به من شؤون النفاق ويناجي به بعضهم بعضًا، من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللمز والاستهزاء أو جميع ذلك، لا يخفى على الرسول، ويتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) أنه من وحي الله (...)، فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر و همّوا به من تقليب الأمور على النبي(صلى الله عليه وآله) ([42]).

كلّ هذا يؤكّد أنّ مسألة أسباب النزول قد اتّضحت أولى معالمها، بحيث كان الناس يعيشون حالة الترقّب والانتظار تلك، ولولا اعتياد الصحابة على حدوث هذا الأمر واهتمامهم به لما كان لتلك الحالة أن تَسْكنَ وتَسْتوطنَ نفوسَهم.

2- ترويج الأسباب

إلى ذلك فقد كان لبعض الصحابة دور في ترويج الأسباب في المجتمع، فها هو الأشعث بن قيس يبرز ليقول في الآية {إنَّ الذِينَ يَشْتَرونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلاً...}([43]): "فيّ نزلت، خاصمت إلى رسول الله فقضى عليّ باليمين"([44])، وكأنّه يقوم بحملة ترويجٍ لسبب نزول هذه الآية، على أنّ اللافت هو أنّ هذا السبب لا يحمل في طيّاته أيًّا من أمارات المدح! وما كان هذا الأمر ليحصل لولا ارتباط المجتمع بأسباب النزول بشكل أو بآخر.

كذلك ينقل مجاهد عن كعب بن عجرة أنه قال: "لَفِيّ نزلت وإيّاي عنى بها {فَمَن كانَ مِنكُم مَريضًا أَو به أَذى مِن رَأسِه فَفِدية مِن صِيام أو صَدَقة أو نُسك...}([45])، قال: قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو بالحديبية، وهو عند الشجرة، وأنا محرم: "أيؤذيك هوامك؟" قلت: نعم، أو كلمةً لا أحفظها عنى بها ذاك، فأنزل الله جلّ وعزّ: {فَمَن كان منكم مَريضًا أَو بِه أَذى مِن رَأسِه فَفِدية مِن صِيام أَو صَدقَة أو نُسك‏...}"([46]).

كما يذكر الزركشيّ في البرهان، في ختام بحث أسباب النزول وتحت عنوان فائدة، يقول: "روى البخاري في كتاب "الأدب المفرد في بر الوالدين" عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه، قال:

نزلت فيّ أربع آيات من كتاب الله عز وجل:

كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدًا صلى الله عليه [وآله] وسلم، فأنزل الله تعالى: {وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا}([47]).

والثانية: أني كنت أخذت سيفًا فأعجبني، فقلت: يا رسول الله هب لي هذا فنزلت عن الأنفال.

والثالثة: أني كنت مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي، أفأوصي بالنصف؟ فقال: لا، فقلت: الثلث، فسكت، فكان الثلث بعد جائزًا.

والرابعة: أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فضرب رجل منهم أنفي بلحى جمل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر"([48]).

لقد كان مدعاةً للافتخار أن يرتبط شخص من الصحابة بسبب النزول، لذا كانوا يعمدون في مثل هذه الحال إلى ترويجها، وهذا بغضّ النظر عن كون الآية المرتبطة بهذا السبب قد نزلت مدحًا أو غيره، ممّا يكشف عن مكانة أسباب النزول في تلك الفترة والمرحلة من تاريخ الدعوة الإسلاميّة.

خلاصة واستنتاج

إن البذور الأولى لبحث أسباب النزول قد غرسها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بنفسه بين صحابته، وهذا ما تجلّى واضحًا في مواقفه وطيّات كلماته (صلى الله عليه وآله)، وبذلك يكون (صلى الله عليه وآله) قد وضع اللبنة الأولى في صرح هذا الباب، وذلك من جهة حثّ المسلمين على الاضطّلاع بها.

وهذا لا يعني أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قد أعطى صورة هذا الموضوع كاملة، كما أنّه لم يجعله بابًا مستقلاً من العلم تكون له أسسه الخاصّة والواضحة، وإنّما قام بدور ترسيخ هذا الباب في النفوس وربط القرآن بأسباب نزوله.

لا شكّ أنّ هذا الاهتمام من الرسول (صلى الله عليه وآله) كان له هدفٌ يرتبط بمستقبل الأمّة الإسلاميّة وارتباط الأجيال اللاحقة بالقرآن وأسباب نزوله. وما يستوقفنا هو الإهمال الذي طرأ على هذا الباب في مراحل لاحقة، ممّا يرسم أكثر من علامة استفهام، وهو الأمر الذي لا بدّ من دراسته دراسة مستوفية، ولعلّنا نوفّق في مقالات أخرى إلى استبيان حقيقة الأمر.

هذا بالنسبة لدور النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأمّا تفاعل الصحابة مع واقع أسباب النزول فقد بدا جليًّا من خلال ردّة فعلهم تجاه هذا الأمر، ترقّبًا وترويجًا، فكانت نتيجة حركة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في إطار الأسباب أنّها كانت تعيش في عمق وجدانهم.

على أنّ المُلاحظ هو قلّة الأسباب المنقولة عن الصحابة، لا سيّما بالقياس إلى الفترات اللاحقة من تاريخ الإسلام، ويعود ذلك إلى عدّة أمور، منها أنّه لم يكن ثمّة أسباب شائكة تُثير اللغط في المجتمع، أو حالات ادّعاء مخالفة للواقع، والتي تخلق في المجتمع جوًّا عامًّا من السؤال والنقل؛ وذلك لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)ما زال بينهم، وهو المرجع في أمورهم، وسيرته واضحة للعيان بخلاف ما سنجده لدى الأجيال اللاحقة([49]).. هذا فضلاً عن ضياع عدد كبير من الروايات المرتبطة بتلك الفترة.

ومن الملاحظ أيضًا أنّه لم يَرِدْ، في جميع الوثائق التي وصلتنا، اصطلاحُ "أسباب النزول"، سواء على لسانه(صلى الله عليه وآله) أم على لسان أصحابه.

(انتهى المقال)

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

([32]) السيوطي: مصدر سابق،ص:73، وهذا لا ينفي وجود أمر آخر وراء ربط الناس بأسباب النزول، عند تعليق الجواب على سبب النزول.

([33]) النساء الآية 22.

([34]) النور الآية 63.

([35]) عليّ بن محمّد الشافعيّ (ابن المغازليّ): مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): ص364، ح411.

([36]) خالد خليفة السعد: علم أسباب النزول وأهميّته في تفسير القرآن، المقدّمة ص:4، الزركشي: مصدر سابق: ج: 1ص: 22.

([37]) هذا ونستثني الإمام عليّ(عليه السلام) الذي كان لا يخلو أمره إمّا من مرافقة الرسول(صلى الله عليه وآله)؛ ربيباً ثمّ صاحباً ثمّ صهراً، وإمّا من خلال الاستماع إليه فينهل من معرفته كما رُوي عنه: "ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها عليّ، فكتبتها بخطّي، وعلمني تأويلها وتفسيرها..."(الشيخ محمّد بن علي بن محمّد بن علي القمّي (الشيخ الصدوق): كمال الدين وتمام النعمة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1405: 1/284، محمّد باقر المجلسيّ: بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 89/41، أحمد بن عليّ الطبرسيّ: الاحتجاج، منشورات دار النعمان للطباعة والنشر: 1/223، عبيد الله بن أحمد (الحاكم الحسكانيّ): شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، ط1: 1/35).

([38]) تفسير العيّاشي: مصدر سابق: ج:1 ص109 ح328.

([39]) الأحزاب، الآية 35.

([40]) الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسيّ: مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ط1: ج8 ص: 158 - 159.

([41]) التوبة، الآية 64.

([42]) السيّد محمّد حسين الطباطبائي اليزديّ: الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1417: ج‏9، ص: 326، نعم يعتبر العلامة أنّه ربما كان المنافقون لا يعتقدون بأنّ ذلك من الوحي، وإنّما من الوشاية وما شابه، وعلى أيّ حال فقد اعتادوا هذا النوع من البيان، وهو ما يُعرف بأسباب نزول القرآن، حتّى لو لم يعتبروا القرآن وحياً منزلاً!

([43]) آل عمران، الآية 77.

([44]) أمالي الشيخ الطوسي: مصدر سابق: ج1 ص368.

([45]) البقرة، الآية 196.

([46]) محمّد بن جرير الطبريّ: جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبريّ)، دار المعرفة، 1412: ج‏2/136.

([47]) لقمان، الآية 15.

([48]) الزركشيّ: مصدر سابق: ص: 33 ـ 34، وذكره السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، دار الفكر، ط1: ج2، ص: 512.

([49]) لا بدّ من وقفة مطوّلة مع الحالة التي عاشتها الأجيال اللاحقة وارتباط ذلك بأسباب النزول، لعلّنا نوفّق إلى إنجاز ذلك في المستقبل القريب.

 

115%