رسالة النجف

فصل الخطاب في الميزان

 

فصل الخطاب في الميزان

السيد جعفر مرتضى1

كثيرًا ما يتّهمنا بعض المخالفين بالقول بتحريف القرآن، ويحتجّون علينا بكتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب".

فما هو موقع هذا الكتابِ ومضمونِه في دائرة الفكر الشيعي؟

نقول: إن كتاب الله سبحانه هو ذلك الكتاب الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. وهو الذكر المصون الذي أخذ ربّ العزّة والجلال على نفسه أن يكون هو الحافظ له، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([1]).

ونحن وإن كنّا قد بحثنا هذا الأمر مفصّلاً في كتابنا "حقائق هامّة حول القرآن الكريم"([2])، والذي يبيّن بما لا يقبل الشك أن الشيعة لا تدانيهم فرقة من الفرق الإسلامية في تنزيه الكتاب العزيز عن التحريف، الا أننا وجدنا من المناسب وضع مقالة سهلة التناول، وذلك تعميمًا للفائدة.

ومن أراد التوسّع والتفصيل، فليرجع الى كتابنا "حقائق هامّة" وغيره من الكتب التي تصدّت للردّ على هذه النسبة.

ولسوف تذهب كلّ محاولات الحاقدين والموتورين الذين يريدون النيل من معجزة الإسلام الخالدة أدراج الرياح، وستكون حسرة عليهم، حين يرون كيف أن كل كيدهم ومكرهم {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}([3]).

غير أن ثمة أمرًا يحاول من خلاله بعض الحاقدين، والجهلة المتعصبين، الطعن به على شيعة أهل البيت «عليهم السلام»، وإثارة أجواء مسمومة حول اعتقادهم بالقرآن، متذرّعًا بما صدر عن أحد المحدِّثين المعروفين، وهو الشيخ حسين النوري([4])، الذي وقع تحت تأثير روايات ذات طابع معيَّن، روي بعضها في كتب الشيعة، وورد أكثرها من كتب غير الشيعة، وعلى رأسها الصحاح الستة وسواها من مجاميع حديثيّة، وكتب تفسير وقراءات، وعلوم قرآن لدى غير الشيعة.

وحين لم يستطع أن يعرف هذا المحدِّث وجه الحقّ فيها، ولم يتمكّن من أن يردّ ما يستحق الرد، ويقبل ما يكون فيه موجبات القبول، وعجز عن تحديد المراد فيما يحتاج إلى تفسير وتأويل.. بادر إلى تأليف كتاب ضعيف في مبناه، وفي معناه.. زعم أنه أثبت فيه -استنادًا إلى تلك الروايات والمنقولات- حدوث تحريف في كتاب الله سبحانه، وقد سماه بـ «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب»([5]).

ومن الواضح: أن شذوذ أحد المنتسبين إلى مذهب مَّا برأي غريب، لا يبرر نسبة ذلك الرأي إلى ذلك المذهب، ولا يصحح التشنيع عليهم به. ولو فتح هذا الباب لذرت قرون الأحقاد والفتن، ولاتَّسَع الخرق على الراقع.. وربما لم يسلم أحد.

ومهما يكن من أمر، فإن إلقاء نظرة متأملة على مضامين ذلك الكتاب تعطي أنه يفقد القيمة العلمية من الأساس.

ونحن هنا نشير باقتضاب شديد إلى بعض وجوه الخلل فيه، فنقول:

إنّ أدلة هذا الكتاب على ما ادَّعاه الكاتب هي اثنا عشر دليلاً، زعم أنّها تدلّ على وقوع التحريف في كتاب الله، ولعلّ دليلين منها، قد أخذهما من كتب الشيعة.. والعشرة الباقية -بكل ما حشده فيها من روايات- إنما أخذها من كتب غير الشيعة، ولربما يورد فيها النزر اليسير من كتب الشيعة أيضًا.

ونحن نورد أدلته هذه، ثم نشير إلى وجوه الخلل فيها، على سبيل الإجمال والاختصار، ليتضّح الأمر، وليسفر الصبح لذي عينين، مع تذكير الأخوة الأكارم بأن لا غنى عن مراجعة الكتب التي توضّح الإجابات على أقوال ذلك المحدِّث بصورة أتم، وتضع النقاط على الحروف في مختلف التفاصيل التي حاول أن يثيرها في سياق حديثه..

ولسوف يتضح: كيف أن أهل الفتنة والضغينة يمارسون عملاً ظالمًا ومجحفًا في حق أتباع أهل البيت «عليهم السلام»، وأن عملهم هذا يعتبر جريمة في حق الإسلام والقرآن، وأهله وحزبه، وأتباعه وأشياعه.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:  (ملاحظة: الهوامش المرفقة أضافتها أسرة التحرير)

1. إستاذ في الحوزة العلمية وعالم محقق .

([1]) الآية 9 من سورة الحجر.

([2]) تأليف السيد جعفر مرتضى، يعالج فيه موضوع تحريف القرآن وموضوعات أخرى من قبيل جمع القرآن، ونزول القرآن على سبعة أحرف، ونسخ التلاوة، وموضوع اختلاف اللهجات والقراءات، وغير ذلك من موضوعات لها مساس بموضوع تحريف الكتاب إثباتًا أو نفيًا، أصدرت طبعته الأولى في سنة 1409هـ - مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرّفة.

([3]) النور الآية39

([4]) هو الشيخ حسين بن الميرزا محمد تقي بن الميرزا علي محمد بن تقي النوري الطبرسي، المعروف بالشيخ حسين النوري، وهو صاحب كتاب (مستدرك الوسائل).

ولد في 18 شوال 1254هـ في قرية "يالو" من قرى "نور" إحدى كور طبرستان، وتوفي في ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الثانية 1320هـ.

وقد فرغ المؤلف من كتابه "فصل الخطاب" في النجف في 28 جمادى الثانية 1292هـ، وطبع في 1298هـ.

([5]) بعدما نشر الشيخ حسين النوري كتابه المذكور، كتب الشيخ محمود الطهراني الشهير بـ"معرّب" رسالة في الردّ عليه، وسمّاها "كشف الارتياب عن تحريف الكتاب"، وأورد فيها بعض الشبهات، وبعثها الى المجدّد الشيرازي، فأعطاها للشيخ النوري، وقد أجاب عنها برسالة فارسية مخصوصة.

 

.

تتمة مقال = فصل الخطاب في الميزان

فنقول:

إن ما استند إليه المحدِّث النوري هو الأمور التالية:

الدليل الأول:

استدلّ المحدِّث النوري بروايات عن أهل السنة واليسير منها عن الشيعة تقول: إن ما وقع في الأمم السالفة سيقع في هذه الأمة([1])، وقال: ومن ذلك تحريف الكتاب.

وهو استدلال باطل، لأن المقصود بهذه الروايات هو: مضامين وكليات الأحداث الجارية وفق السنن التاريخية، والتحولات الاجتماعية بصورة عامة..

ويدل على ذلك: أن كثيرًا من الأمور قد حدثت في الأمم السالفة، ولم تحدث في هذه الأمة:

مثل : قصة أهل الكهف.

وذلك الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

وولادة نبي من أنبياء الله من غير أب.

وموت هارون وهو الوصي قبل موت موسى النبي.

ورفع عيسى.

وغير ذلك من أمور كثيرة ومتنوعة.

فالمراد بالروايات المشار إليها إذن، هو: وقوع أمور تشبه ولو من بعض الوجوه ما جرى في الأمم السالفة.. وهي تلك التي تخضع للسنن التاريخية، والتحولات الاجتماعية العامة، كما قلنا.

وحتى فيما يرتبط بأمر التحريف، فإن حصوله ولو في بعض الجوانب كاف في صدقية الحديث.. فإذا حرّفت الكتب في الأمم السالفة في مضامينها، وفي نصوصها.. فإن التحريف قد حصل في هذه الأمة ولو في نطاق الحدود والمعاني. وإن كانوا قد أقاموا حروفه، وقد أشير إلى ذلك فيما روي: «أقاموا حروفه، وحرفوا حدوده»([2])..

والنتيجة المتوخاة من التحريف لدى السابقين واللاحقين واحدة.

الدليل الثاني:

الروايات التي رواها غير الشيعة حول جمع القرآن، وأنّه إنّما كان بعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، اعتمادًا على شاهدين، مما يعني: أن القرآن لم يتواتر، وذلك يفسح المجال لاحتمال وقوع التحريف فيه([3]).

ويرد على هذا الاستدلال: أن هذه الروايات غير صحيحة.. لأن القرآن قد جمع في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكانت المصاحف متداولة وشائعة فيما بين الصحابة.. وكان ثمة كُتَّاب للوحي معروفون في التاريخ، وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب «عليه السلام»، وأُبيّ بن كعب، وآخرون([4]).

لكن الحقيقة هي: أن الحكام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا يملكون نسخة تامة من المصحف، فأرادوا أن يهيئوا لأنفسهم نسخة منه، فطلبوا من زيد بن ثابت فهيّأ لهم ما أرادوا.. وذلك بعد أن رفضوا المصحف الذي كان خلف فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان قد كتب فيه التّنزيل والتأويل، وأسباب النزول، وفي من نزلت الآيات، وأين نزلت، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه منها، وغير ذلك([5])..

الدليل الثالث:

الروايات التي رواها غير الشيعة في آيات وسور يُدَّعى نسخ تلاوتها، فإذا كان نسخ التلاوة باطلاً. ولم تكن تلك الآيات والسّور موجودة في القرآن، فذلك يعني أنها قد حذفت منه، ومعنى ذلك: وقوع التحريف فيه([6]).

ونحن نوافق النوري على رفضه لنسخ التلاوة، غير أننا نقول: إن ما ادَّعوه من آيات وسور قد نسخت تلاوتها، هي في الحقيقة ادِّعاءات باطلة، والنصوص المشار إليها هي: إما من كلام رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أو بعض الصحابة أو هو كلام مختلق، ومكذوب من قبل الأعداء، أو غير الواعين، وغير الورعين، لأهداف وأغراض مختلفة.

وقد تصدينا في كتابنا «حقائق هامة حول القرآن» لبيان زيف هذه الادِّعاءات، فلا بأس بمراجعته لمن أراد التوسع في ذلك([7]).

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

([1]) ورد في تفسير قوله تعالى {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} الانشقاق19: عن حريز عن بعض أصحابه عن أبى جعفر عليه السلام قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة)، والقذة : ريش السهم، يعني كما تقدر كل واحدة منهن على صاحبتها وتقطع ، قال ابن الأثير يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان . راجع تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي 1/ 606.

([2]) روى في الكافي 8/53 ؛ والبحار 75/359 ؛ والوافي 5/274: عن الإمام الباقر (عليه السلام) فما كتبه لسعد الخير : (...أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم بتركهم للرعاية).

([3]) راجع الإتقان 1/57 فما بعدها ؛ وصحيح البخاري 3/145 ؛ و2/90 ؛ ومسند أحمد 1/13 ؛ وغيرها.

([4]) راجع صحيح البخاري 2/201 و3/147 ؛ كنز العمّال 2م390 ؛ جامع الترمذي 5/666 ؛ وحقائق هامّة ص90، وغيرها.

وقد بحث المؤلف في "حقائق هامة" دعوى جمع القرآن بشاهد وشاهدين وبيّن ضعفها، واستدل بما لا مزيد عليه على جمع القرآن في عهد النبي (ص)، راجع حقائق هامة من ص63 الى ص 138.

([5]) راجع تفسير البرهان - المقدمة ص36 عن تفسير القمّي والإتقان 1/57-58 ؛ وعمدة القاري 20/16 ؛ والوافي 5/274 ؛ وحقائق هامّة ص81 ؛ وغيرها.

([6]) راجع لباب التأويل للخازن 1/8 ؛ والبرهان للزركشي 1/235-262 ؛ والإتقان 1/157 ؛ وفتح الباري 9/10 ؛ ومناهل العرفان 2/110 ؛ وغيرها.

([7]) بحث المؤلف فيه بحثًا مطولاً حول نسخ التلاوة ذكر فيه أدلة القائلين به وبيّن زيفها وبطلانها، وتعقّب الروايات التي تضمنت ما ادعي كونه آيات قرآنية خلا منها القرآن الكريم،وبيّن بطلانها، راجع حقائق هامة ص305 الى صفحة 368 .

 

.

تتمة مقال = فصل الخطاب في الميزان

الدليل الرابع:

استدلّ بروايات وردت من طرق غير الشيعة حول اختلاف مصاحف السلف، وحول أن ترتيب القرآن كان باجتهاد الصحابة([1])..

ونقول:

أولاً: لو سلمنا صحة هذه الروايات، فإنها لا ربط لها بتحريف القرآن، لا من حيث الزيادة، ولا من حيث النقيصة، فإن بعض السلف كان يجمع السور القرآنية بصورة تدريجية تبعًا لتدرج نزولها.. وقد يطلع على سورة في وقت متأخر عن اطلاع غيره عليها، فيثبتها في مصحفه من ذلك الحين..

أضف إلى ذلك: أن اختلاف ترتيب السور ليس بالأمر المهم.

أما دعوى الاختلاف في ترتيب الآيات، فلا يصح ما قالوه فيه أيضًا، لأنه إنما يستند إلى مجرد استحسانات، بل تخرصات تدل على عدم فهمهم لمعاني بعض الآيات، فادَّعوا أنها أزيلت من أماكنها لتوضع في أماكن أخرى..

ولكن مراجعة الموارد التي ادَّعوها تظهر فساد ما قالوه، فلا ينبغي الالتفات إليه..

ولكي يتضح ما نرمي إليه نورد هذا المثال المعروف، وهو: أن البعض قد حاول ادِّعاء: أن آية التطهير، قد ازيلت عن موضعها في سورة هل أتى، ووضعت في سورة الأحزاب في سياق مخاطبة النساء، مع أنها لا ترتبط بهن.

ومن الواضح: أن هذا الكلام يدل على عدم تدبر هذا القائل في معنى الآيات الكريمة.. فإن نقل هذه الآية إلى سورة هل أتى، يفسد معنى آيات تلك السورة، إذ لا مناسبة بين سياقها ومضامينها، ويبن إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم.

ويخل أيضًا بالمعنى في آيات سورة الأحزاب، لأن سياق الآيات يتجه إلى بيان أن الله سبحانه وتعالى قد طلب من نبيِّه أن يقول لأزواجه أمورًا، ويفرضها عليهن، فقال له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَه وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}

(قل لهن):  {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا}

(قل لهن): {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}

(قل لهن): {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}

(قل لهن): {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَهَ وَرَسُولَهُ}

(ثم قال له): {إِنَّمَا يُرِيدُ اللُه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا..}([2]).

أي أننا إنما أصدرنا هذه التوجيهات لزوجاتك، لأننا نريد إبعاد الرجس عنك وعن أهل البيت حتى ولو صدر من أناس آخرين، كالزوجات، أو الجيران، أو الأقارب.. مع تعمّد الإلماح إلى أن الزوجات فيهن المسيئات، وفيهن المحسنات، وأشار إلى شيء من مخالفاتهن في سورة التحريم، والطلاق، والأحزاب..

فالأمر للزوجات لا لخصوصية لهن، بل الخصوصية لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ولأهل بيته «عليهم السلام» فقط.

وثانيًا: كيف سيتم نقل آية التطهير إلى سورة هل أتى، وهي نصف آية؟! فهل يبقى صدرها في سورة الأحزاب ناقصًا؟! أم تنقل كاملة إلى هناك ليظهر التنافي والتنافر بينها وبين آيات تلك السورة بصورة أتمّ وأجلى؟!

وثالثًا: إن القبول بهذه الاستحسانات، والذوقيّات سيفتح الباب أمام التّلاعب بالقرآن، ويفسح بالمجال أمام أي شخص كان ليدَّعي: أن هذه الآية لا تناسب هذه السورة، بل تناسب تلك.. من خلال أوهام وتخرصات في مختلف الاتجاهات، وفق ما يروق له، وانسجامًا مع أهداف شريرة تدفعه لزرع الفتنة، أو للتّلاعب بإيمان الناس، أو بحياتهم..

الدليل الخامس:

ما رواه غير الشيعة أيضًا: من اختلاف مصاحف الصحابة في بعض الكلمات، مثل إضافة: «إلى أجل مسمّى» في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ}([3]). وإضافة كلمة «بعلي»([4]) إلى قوله تعالى {وَكَفَى اللَهُ المُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}([5]).

يتبع = 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

([1]) للاطلاع على مصادر تلك الروايات راجع حقائق هامة ص148.

([2]) الآيات 28 ـ 34 من سورة الأحزاب.

([3]) الآية 24 من سورة النساء.

([4]) راجع الدرّ المنثور 5/192، وحقائق هامة ص250 .

([5]) الآية 25 من سورة الأحزاب.

 

.

تتمة مقال =  فصل الخطاب في الميزان

الدليل السادس:

ما روي من اختلاف بعض المصاحف في زيادة سورة أو آية، من قبيل زيادة سورتي الخلع والحفد في مصحف أُبي بن كعب، وسورة الولاية، وكذلك زيادة بعض الآيات مثل آية: الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة الخ.. وما إلى ذلك.

ونقول:

أما بالنّسبة للكلمات المدرجة في الآيات، مثل كلمة «إلى أجل مسمّى»، ونحوها.. فإنّ المراجع لها يجد أنها إمّا جاءت على سبيل التفسير، أو لبيان التأويل المروي([1]).

وأمّا ما زعموا أنه سور وآيات، فهي إمّا أدعية وابتهالات، مثل سورتي الخلع، والحفد([2])، أو أنها مواعظ وعظات، تخيلوا أنها من القرآن، وهي ليست منه، أو تضمنت مطالب وأمورًا، أحب بعضهم أن يدخلها في القرآن إشباعًا لبعض رغباته، مثل: الحديث عن رجم الشيخ والشيخة([3]).

ومثل: الحديث عن رضاع الكبير([4])..

ومثل: {لو كان لابن آدم واديان من تراب لابتغى واديًا ثالثًا}([5]).. وما إلى ذلك..

كما أن ابن مسعود لم يذكر المعوذتين في مصحفه، لتخيّله أنهما عوذتان للحسنين «عليهما السلام»([6])..

الدليل السابع:

ما رواه غير الشيعة من إحراق عثمان للمصاحف، وحمله الناس على قراءة واحدة.

وجوابه واضح: فإنّ اللّحن كان قد فشا في الناس، وكثرت القراءة بلهجات القبائل المختلفة.. فكان ما عمله عثمان هو: أنه جمع الناس على قراءة واحدة.

وهذا إجراء حسن، يهدف إلى حفظ القرآن من التحريف لا العكس، وأيده فيه أمير المؤمنين «عليه السلام»([7])، ولكنه لم يرض بالإحراق لسائر المصاحف، المكتوبة وفقًا لسائر اللهجات، لما في الإحراق من الإهانة للقرآن.

الدليل الثامن:

روايات غير الشيعة حول نقص القرآن وذهاب كثير من آياته وسوره([8]).

وهذا الدليل أيضًا واه: فإن تلك الروايات غير صحيحة، فراجع كتابنا: «حقائق هامة حول القرآن الكريم» صفحة 343 الى صفحة 345، و353 الى 368.

إلا إذا كان المقصود هو: ذهاب تفاسير وبيانات للمعاني القرآنية، لا ذهاب نفس الآيات القرآنية، كما تقدّم في التعليقة رقم (18) .

يتبع=

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) قال ابن الجزري : (ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحًا وبيانًا لأنهم محقّقون لما تلقّوه عن النبي (ص) قرآنًا، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه) .

وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 1/86: (وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرأوا بكذا وكذا، إنما ذلك على جهة البيان والتفسير). راجع النشر 1/32؛ والإتقان 1/77 ؛ وحقائق هامة ص224.

([2]) زعموا أنه يوجد في مصحف ابن عباس وقراءة أُبي وأبي موسى : (بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يهجرك)، وفيه: (اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك،إن عذابك بالكفار ملحق)، راجع الإتقان 1/65، 2/26 ؛ والدرّ المنثور 6/421 ؛ والبرهان للزركشي 2/37-127 ؛ وروح المعاني 1/25 ؛ وأكذوبة تحريف القرآن ص33 ؛ وحقائق هامة ص328-329 .

([3]) روي أن عمر بن الخطاب كان يعتقد أن القرآن ينقصه آية الرجم وهي على حدّ زعمه التالية: {اذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم}، أو نحو ذلك، يقول عمر: (لولا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي) راجع صحيح البخاري 4/ 152-153-115، وسنن الدارمي 2/179 ، وصحيح مسلم 5/116 ، ومسند أحمد 1/23-29-36-40-43-50-55 ، وج5 ص132 -183 ، وحقائق هامة ص346 ، وغيرها الكثير.

([4]) عن عائشة : (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات)، ويقولون إن آية الرجم ورضاع الكبير كانت في صحيفة تحت سرير عائشة، فلما مات رسول الله (ص) وتشاغلوا بموته، دخلت الداجن وأكلت تلك الصحيفة -كما تقول عائشة- ، قال ابن عبد البر: (أنكر جماعة أزواج النبي(ص) على عائشة رضاع الكبير، ولم تأخذ واحدة منهن بقولها في ذلك، وأنكر ذلك ايضا ابن مسعود على أبي موسى الأشعري، ولهذه الآية المزعومة قضيّة يذكرونها في كتبهم وملخصها: أن عائشة قد روت هذه الروايات لزوجات النبي محتجّة بها عليهن وهي أنه بعد نزول آية {ادعوهم لآبائهم} وجدت زوجة أبي حذيفة أن زوجها يتأذى من دخول سالم عليها وهي على غير استعداد، فرفعت أمرها الى رسول الله، فأمرها بإرضاعه خمس رضعات، وفي رواية عشر رضعات، ففعلت، فصارت يدخل عليها، وذهب ما في نفس أبي حذيفة، فكانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبّت عائشة أن يراها ويدخل عليها إن كان كبيرًا خمس رضعات ثم يدخل عليها. وابت أم سلمة وسائر ازواج النبي أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة حتى يرضع في المهد.. راجع صحيح مسلم 4/167-168 ؛ والترمذي 3/456 ؛ وحقائق هامة ص332 و335 و338 و339 ؛ وغيرها.

([5]) راجع صحيح مسلم 3/100 ؛ والترمذي 5/666 ؛ ومسند أحمد 5/131-132 ؛ وحقائق هامة 325 الى ص328 ؛ وغيرها.

([6]) راجع صحيح البخاري 3/144 ؛ ومسند أحمد ج5 ص129 -130 ، وتفسير القمّي 2/450  والإتقان 1/65-79-80 ؛ وحقائق هامّة ص376 ؛ وغيرها.

([7]) راجع البرهان في علوم القرآن 1/240- 235 ؛ وسنن البيهقي 2/42 ؛ والإتقان 1/59-60 ؛ والجامع لأحكام القرآن 1/54 ؛ وحقائق هامة ص192 ؛ وغيرها.

([8]) راجع الإتقان 2/25 ؛ والجامع لأحكام القرآن 14/13 ، والدرّ المنثور 5/180 ؛ ومستدرك الحاكم 4/359 ؛ ومسند أحمد 5/132 .

وتقدّم ما يدل على ذلك في الدليل الخامس وفي الردّ عليه.

 

.

تتمة مقال = فصل الخطاب في الميزان

الدليل التاسع:

ما رواه الشيعة من أنّ أسماء الأئمة (عليهم السلام) قد كتبت في الكتب السماوية السابقة وقد حُذفت([1])، والمفروض أنها لا توجد في هذا القرآن المتداول أيضًا، فلا بد من أنها قد كانت موجودة ثم حذفت، إذ إن ما جرى في الأمم السابقة، لابد أن يجري في هذه الأمة أيضًا..

وقد عرفنا فيما سبق (في الردّ على الدليل الأول): بطلان أساس هذا الاستدلال، وقد قلنا: إنه لا ملازمة بين التحريف اللّفظي للكتب السابقة وبين التحريف اللفظي للقرآن، إذ يكفي تحريف معانيه، وحدوده.

الدليل العاشر:

روايات غير الشيعة، وقليل من روايات وردت في كتب الشيعة أيضًا حول اختلاف القراءات، والحديث المروي: أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف. أشهر من أن يذكر([2]).

ولكننا نقول: إن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف لا يصحّ، بل هو قد نزل على حرف واحد من عند الواحد، كما روي عن أئمّة أهل البيت «عليهم السلام»([3])..

كما أن حديث اختلاف القراءات، وإبدال بعض الكلمات بكلمات أخرى حديث ساقط، لأن ذلك من شأنه أن يحدث الخلل في النص القرآني، وهو يجعل اختيارات القرّاء وحيًا إلهيًا، ونصًا قرآنيًا، وهو أمر غير صحيح.

مع ملاحظة: أن نقل هذه القراءات في مواردها الخاصة لا تقوم به حجة، ولا يوجب علمًا، ولا عملاً..

نعم.. يمكن قبول القراءة حسب اختلاف اللهجات، وما عدا ذلك يدخل في دائرة التّفسير والتّأويل.. أو أنه مكذوب، ومختلق..

الدليل الحادي عشر:

روايات منسوبة إلى الشيعة تتحدث عن وقوع التّحريف في القرآن([4])، غير أنّنا أثبتنا -في كتابنا حقائق هامة- أن المقصود بها هو تحريف المعنى، لا اللفظ، (فراجع ص55 الى ص57).

الدليل الثاني عشر:

روايات كثيرة، ولها طرق كثيرة قد تصل بمجموعها إلى الألف، أو أكثر تتحدث عن آيات قد حرّفت في بعض مواردها..

ونقول:

أولاً: إن من يراجع هذه الروايات يجد: أن أكثرها يدخل في دائرة القراءات، أو التفسير أو التأويل، أو تدخل في دائرة القصور في القراءة لدى بعض الناس، أو أنها ناشئة عن الخطأ في النّسخ والكتابة لمصحف بعينه، أو لعدم وجود النقط والشكل، وما إلى ذلك..

ثانيًا: إن الألف رواية المشار إليها لا يصحّ الاستدلال بها من جهة أخرى أيضًا، وهي أن أكثر من 320 رواية منها رغم التكرار فيها، وفي طرقها.. تنتهي إلى السياري. الذي يقولون عنه: إنه فاسد المذهب، منحرف، غال، وملعون على لسان الإمام الصادق «عليه السلام»، وقد طعن به جميع الرجاليين الذين ذكروه..

وأكثر من 600 رواية أو طريق من الألف هي عبارة عن مكررات، والفرق بينها، إما من جهة نقلها من كتاب آخر، مع وحدة السند، أو من اختلاف الطريق.

وما عدا هذين القسمين، فإن أكثر من مئة حديث منها عبارة عن قراءات مختلفة، أكثرها عن الطبرسي في مجمع البيان، الذي يورد في الأكثر قراءات وأقوال غير الشيعة، كقتادة، ومجاهد، والسّدي، وعكرمة، وغيرهم.

وتبقى روايات يسيرة جدًا لا تستحق الذكر والالتفات، ولا يصح الاعتماد عليها في إثبات أمر كهذا([5]).

هذا كلّه عدا عن أن قسمًا من أخبار التحريف منقول عن علي بن أحمد الكوفي، الذي وصفه علماء الرجال: بأنّه كذّاب، فاسد المذهب([6]).

وثمّة قسم آخر منقول عن آخرين معروفين بالضعف، وبالانحراف، مثل:

يونس بن ظبيان، الذي ضعَّفه النجاشي، وقال عنه ابن الغضائري: «غال كذّاب، وضّاع للحديث»([7]).

ومُنَخّل بن جميل الكوفي، الذي يقولون عنه: إنه غال، منحرف، ضعيف، فاسد الرواية.

ومحمد بن حسن بن جمهور، وهو الآخر: غال فاسد المذهب، ضعيف الحديث..

وأمثال هؤلاء لا يصح الاعتماد على ما يروونه في أبسط المسائل الفرعية، فكيف بما يروونه في هذه المسألة الخطيرة جدًا؟! والتي هي من أعظم المسائل، وعليها يتوقف أمر الإيمان، ومصير الإسلام..

هذا.. ونحب أن نثير الانتباه إلى ضرورة دراسة الدواعي والأسباب التي دعت هؤلاء الغلاة، وفاسدي المذهب للقيام بهذا الدور الهدّام والخبيث.. الذي تقرّ به عيون الزنادقة، ويبتهج له مردة اليهود وغيرهم من القوى الكافرة..

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن الغلاة ليسوا من الشيعة، ولم يزل الشيعة يتجنّبونهم، ويظهرون إدانة نهجهم، ويعلنون للناس انحرافهم، فلا يصح نسبة ترهاتهم وأباطيلهم وكيدهم الخفي إلى الشيعة.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) راجع الكافي 1/342 الى ص361 ؛ وتفسير القمي 1/11و211 ، و2/125.

([2]) نقل الكاتب في كتابه حقائق هامة ص177-178 عشرات المصادر لهذا الحديث، منها صحيح مسلم 2/202 الى ص204 ، وج3 ص146 ؛ ومسند أحمد 6/433 -463، معظمها من كتب السنّة وبعضها من كتب الشيعة، وقال : (ذكر ابن الجزري اسم عشرين صحابيًا كلهم روى هذا الحديث).

([3]) راجع الكافي 2/461 ؛ وتفسير البرهان 1/1 ؛ والوافي 5/272 -273 ؛ والوسائل ج4 هامش صفحة 822 ؛ وحقائق هامة ص178 -179 .

([4]) روى في بصائر الدرجات ص413-414 ؛ والكافي 8/125 ؛ والبيان ص247: عن أبي جعفر (ع) قوله: (أما كتاب الله فحرّفوا)، وفي مقتل الحسين (ع) للخوارزمي أن الحسين (ع) قال يوم عاشوراء لجيش يزيد: (فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب، ومطفئي السنن..الخ)، وذكر السيد الخوئي (قده) في البيان ص246 الى ص248 عدّة روايات تتحدّث عن وقوع التحريف في القرآن، وراجع حقائق هامة ص54.

([5]) هذه الإحصائية مذكورة في كتاب أكذوبة تحريف القرآن للشيخ رسول جعفريان ص68 الى ص71 فراجع.

([6]) كما ذكر السيد الخوئي في البيان ص246.

([7]) راجع رجال النجاشي ص265.

 
115%