رسالة النجف

مصحفنا الفعلي هو نسخة علي(ع)

 

مصحفنا الفعلي .. نسخة علي (عليه السلام)

الشيخ علي كوراني1

 

مما امتازت به هذه الأمة المرحومة عن غيرها من الأمم نصُّ كتاب الله عزّ وجلّ، حيث لا يوجد على وجه الأرض كتابٌ سماويٌّ محفوظُ النسخةِ جيلاً عن جيل، وحرفًا بحرف، غير القرآن!

أما الأحاديث التي تُوهِم وقوع التحريف فيه، في هذا المصدر أو ذاك فليس لها قيمة علمية ولا عملية، حتى لو كانت أسانيدها صحيحة.. ذلك أن الله تعالى قد تكفَّل بحفظ كتابه بقوة نصّه الذاتية، ثم بالمحافظين عليه (عليهم السلام).

إن القرآن كلام الله تعالى.. وهي حقيقة يقف عندها الذهن لاستيعابها، ويتفكر فيها العقل لإدراك أبعادها، ويخشع لها القلب لجلالها. وهي تعني فيما تعني أنه عز وجل قد انتقى معاني القرآن وألفاظه، وصاغها بعلمه وقدرته وحكمته. وهي حقيقة تُفاجئ كل منصف يقرأ القرآن، فيجد نفسه أمام متكلم فوق البشر، وأفكارٍ أعلى من أفكارهم، وألفاظٍ لا يتمكن إنسان أن ينتقيها أو يصوغها!

يجد أن نص القرآن متميزٌ عن كل ما قرأ وما سمع! وكفى بذلك دليلاً على سلامته عن تحريف المحرّفين وتشكيك المشكّكين! إن القوة الذاتية لنص القرآن هي أقوى سندٍ لنسبته إلى الله تعالى، وأقوى ضمان لإباءِ نسيجِه عما سواه، ونفيه ما ليس منه! فقد جعل الله هذا القرآن أشبه بطبقٍ من الجواهر الفريدة، إذا وضع بينها غيرها انفضح! وإذا أخذ منها شيء إلى مكان آخر، نادى بغربته حتى يرجع إلى طبقه!

وعندما يتكفَّل الله عز وجل بحفظ شيء أو بعمل شيء، فإن له طرقه وأساليبه ووسائله في ذلك، وليس من الضروري أن نعرفها نحن، ولا أن تفهمها أكبر عقولنا الرياضية! فحِفْظُ الله تبارك وتعالى لكتابه، كأفعاله الأخرى لها وسائلها وجنودها وقوانينها! ومن أول قوانينها: قوة بناء القرآن، وتفرّده، وتعاليه على جميع أنواع كلام البشر، الماضي منه والآتي!

بل تدل الآيات الشريفة على أن بناء القرآن أتقنه الله تعالى بدقّة متناهية وإعجاز كبناء السماء!

قال الله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} الواقعة:75-77..

والتناسب بين المُقسَم به والمُقسَم عليه الذي تراه دائمًا حاضرًا في القرآن، يدل على التشابه في حكمة البناء ودقّته بين سُوَر القرآن وآياته وكلماته وحروفه، وبناء مجرَّات السماء ومواقع نجومها!

وإلى اليوم لم يكتشف العلماء من بناء الكون إلا القليل، وكلما اكتشفوا جديدًا خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل! وكذلك لم يكتشفوا من بناء القرآن إلا القليل، وكلما اكتشفوا منه جديدًا خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل!

كما أن التاريخ لم يعرف أمّة اهتمَّت بحفظ كتاب وضبطه، والتأليف حول سوره وآياته، وكلماته وحروفه، فضلاً عن معانيه، كما اهتمَّت أمّة الإسلام بالقرآن. وهذا سند ضخم، رواته الحفّاظ والقرّاء والعلماء وجماهير الأجيال سندًا متصلاً جيلاً عن جيل إلى جيل السماع من فمِ الذي أنزله الله على قلبه (صلى الله عليه وآله)! ولكن سند القرآن الأعظم هو قوته الذاتية ومعماريَّته الفريدة!

هذا هو اعتقاد المسلمين بالقرآن سواءٌ منهم الشيعة والسنة، وسواء استطاع علماؤهم وأدباؤهم أن يعبِّروا عنه، أم بقي حقائق تعيش في عقولهم وقلوبهم وإن عجزت عنها ألسنتهم وأقلامهم!

ولا يحتاج الأمر إلى أن ينبري كتَّاب آخر الزمان فينصحوا الشيعة بضرورة الإيمان بكتاب الله تعالى وسلامته من التحريف! فنحن الشيعة نفتخر بأن اعتقادنا بالقرآن راسخ، ورؤيتنا له صافية، ونظرياتنا حوله واضحة، لأنها مأخوذة من منبع واضح صافٍ، منبع أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وباب مدينة علمه!

وإذا كانت بعض المصادر الشيعية فيها ما يخالف ذلك، فإن المصادر السُنِّيَة فيها أكثر وأعظم!!

والذين يتصورون أنها مشكلة خاصة بمصادر الشيعة متوهِّمون.

النسخة الأمّ التي دوّنوا عنها المصحف الإمام، المعروف بمصحف عثمان؟

توجد أربعة احتمالات للنسخة الأمّ التي أملى منها سعيد بن العاص المصحف على زيد بن ثابت وغيره من الكتاب:

الاحتمال الأول: أن تكون صحف حفصة، أي نسخة عمر التي جمعها هو وزيد في عهد أبي بكر ثم في عهده.. كما ذكرت أكثر الروايات في مصادر السنِّييِّن.

الاحتمال الثاني: أن تكون نسخة عائشة، كما ذكرت بعض الروايات.

الاحتمال الثالث: أن تكون نسخة علي (عليه السلام)، كما يُفهم من صفات النسخة.

الاحتمال الرابع: أن يكون سعيد، أو هو وبقية أعضاء اللجنة رأوا عدة نسخ وقايسوا بينها وناقشوا فروقاتها واستمعوا إلى شهودها، ثم راجعوا عثمان وعليًا (عليه السلام) وغيرهما من الصحابة الخبيرين بالقرآن، واختاروا الكلمة أو الصيغة الأكثر وثوقًا عندهم، كما يُفهم من بعض الروايات.. وفيما يلي نفحص ما يملكه كل واحد من هذه الاحتمالات.

لم يكتبوا المصحف الإمام عن صحف حفصة أو نسخة عمر:

كان توحيد عثمان لنسخة القرآن عملية جراحية لمرض حدث في الأمة حيث اختلف المسلمون في قراءات القرآن، وانقسموا إلى أحزاب دينية متعارضة! وقد كان بعض الأشخاص يعيشون على هذه الاختلافات والتعصّبات، فلما قام عثمان بجمع القرآن، سحب البساط من تحت أقدامهم  فأُسقط في أيديهم، وفقدوا مكانتهم وجمهورهم! لقد صارت قراءتهم مثل غيرها، وصاروا هم مثل غيرهم.

وانتهى عهد الأحرف السبعة الذي بدأه عمر، وصار على الجميع أن يقرأوا بحرف واحد هو حرف  عثمان في المصحف الإمام!

لهذا ارتفعت اعتراضات زعماء الأحرف السبعة أو الأحرف العشرين وجمهورهم، وكان سلاحهم ضد عثمان وضد حذيفة، هو الأحرف السبعة التي سلَّحهم بها عمر!

وكان الجواب المنطقي للدولة أن تقول لهم: إن عمر أخطأ في طرح الأحرف السبعة، فهذا الواقع الخطير الذي نعانيه إنما هو ثمرتها، ولو تركناه بلا معالجة جذرية لاختلفت الأمة في كتابها إلى فرق ومذاهب متناحرة إلى يوم القيامة! ولكن الناس كانوا متعلقين بسياسة عمر، وقد سجَّلوا نقاط ضعفٍ على سياسة عثمان. لذلك لم يستطع عثمان أن يُخطِّئ عمر، بل كان يرى نفسه محتاجًا لإثبات (الشرعية) لأعماله بالاحتجاج بأعمال عمر وأقواله! لهذا نراه يحتجّ على المعترضين أولاً: بأن عمر كان ينوي توحيد القرآن. وثانيًا: بأنه كتب مصحفه الإمام عن نسخة عمر أو الصحف التي عند بنته حفصة!

لهذا يجب أن ننظر إلى الروايات التي تقول إنهم نسخوا المصحف الإمام عن صحف حفصة بأنها كلام سياسي للدفاع عن عثمان، وليس بالضرورة أن يكون هو الذي حصل! وكذلك كثير من دفاعات عثمان عن نفسه فيما خالف فيه عمر، كما يظهر للمتتبِّع!

 قال ابن شبة في تاريخ المدينة: 3/1136:

[حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن الوليد بن سعيد، عن عروة بن الزبير قال:

قدم المصريون، فلقوا عثمان رضي الله عنه. فقال: ما الذي تنقمون؟ قالوا: تمزيق المصاحف.

قال: إن الناس لمَّا اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة. فقال: من أعرب الناس؟

فقالوا: سعيد بن العاص. قال: فمن أخطهم؟ قالوا: زيد بن ثابت. فأمر بمصحف فكُتب بإعراب سعيد وخط زيد، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم. فلما كان حديثًا كتب إلى حذيفة: إن الرجل يلقى الرجل فيقول: قرآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفِّر صاحبه، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم]. انتهى.

والجميع يعرفون أن عمر لم يقم بهذا العمل، ولم يقرأ على المسلمين قرآنًا في موسم الحج!

يتبع=


ـــــــــــــــــــــــــــ

1. مفكر إسلامي وباحث في شؤون العقيدة .

 

.

تتمة مقال =  مصحفنا الفعلي .. نسخة علي (ع)

 وقال ابن شبة في: 3/1005:

[عن توبة بن أبي فاختة، عن أبيه قال: بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه، قال: ولِمَ؟ قال: لأنه كتب القرآن على حرف زيد. قال: أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه، ومن استطاع أن يغلَّ شيئًا فليفعل، والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدًا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة! ]. انتهى.

ولم يَدَّعِ أحد غير عثمان وابن مسعود - خصم زيد بن ثابت - بأن قرآن عثمان كُتب على حرف زيد، ولكن غرض ابن مسعود من ادّعاء ذلك أن يبرِّر تمَسُّكه بقراءته، وغرض عثمان من ذلك إن كان قاله، أن يُسكِت المعترضين لعمر، لأنهم يعرفون ثقة عمر بزيد!

 وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: 2/426:

[الواقدي: حدثنا الضَّحّاك بن عثمان، عن الزهري، قال: قال ثعلبة بن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود؟ غضب إذ لم أوَلِّه نسخ المصاحف! هلاّ غضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك وولَّيَا زيدًا، فاتَّبعت فعلهما!]. انتهى.

والجميع يعرف أن أبا بكر وعمر لم يولِّيَا ابن مسعود على نسخ المصاحف حتى يعزلاه، ولا ولَّيَا زيدًا إلا على جمع القرآن مع عمر وبرأيه، ولكن عثمان يريد الدفاع عن نفسه وإثبات أن سياسته نفس سياسة الشيخين التي يريدها الناس!

هذا هو الدليل الأول..

والدليل الثاني: أن قراءات عمر التي كانت في نسخته التي عند حفصة لا توجد في المصحف الإمام، وقد روتها عنه أحاديث صحيحة  كالبخاري، وكان يأمر بإثباتها في المصاحف ومحوِ ما عداها، مثل قراءة: صراط من أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم وغير الضالين، وامضوا إلى ذكر الله.. وغيرها، وغيرها..

قال البخاري في صحيحه: 6/63:  [وقرأ عمر: فامضوا إلى ذكر الله]، راجع الدر المنثور للسيوطي: 1/15 فإنك لا تجد لها أثرًا في قرآننا الفعلي الذي هو المصحف الإمام، والحمد لله.

والدليل الثالث: إصرار الدولة على مصادرة مصحف حفصة وإحراقه. ولا يمكن أن يكون سبب ذلك إلا أن حفصة أو غيرها.. أشاعوا أن مصحف عثمان.. فيه نقص أو خلل.. الأمر الذي جعل الدولة تُلِحُّ على أخذ النسخة. ولكن حفصة وقفت في وجه الدولة وقاومت إلى أن توفيت.. لكن الدولة ما أن فرغت من تشييع جنازة حفصة حتى وضعت يدها على النسخة وأحرقتها! فلو كان المصحف الإمام نسخة عن مصحف عمر، لما استطاعت حفصة أو غيرها أن تتكلم بكلمة، ولما كان معنى لإصرار الدولة وافتعالها أزمة طالت أكثر من عشرين سنة مع حفصة القوية بنت الخليفة القوي!!

قال في كنز العمال: 2/573: [عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله وخارجة، أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل. فكانت الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم كانت عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها، حتى عاهدها لَيَرُدَّنها إليها فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان هذه المصاحف، ثم ردَّها إليها فلم تزل عندها. قال الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب فيها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، فلما تُوفِّيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسل إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت، وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب، أو يقول إنه قد كان فيها شيء لم يكتب - ابن أبي داود].انتهى.

والمتأمل في هذه الرواية يطمئن بأن مصحف عمر كان فيه زيادة عن مصحفنا، كما صرَّح أبو موسى الأشعري عن مصحفه!

وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة: 3/1003: [عن ابن شهاب قال: حدثني أنس رضي الله عنه، قال: لما كان مروان أمير المدينة، أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضًا، فَمَنَعَتْها إياه.. لما ماتت حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلاً. فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر، فشققها ومزِّقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف لما نسخ عثمان!].

 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/156: ( باب ما جاء في المصحف): [عن سالم بن مروان، كان يرسل إلى حفصة يسألها عن المصحف الذي نسخ منه القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياه، فلما دفَنَّا حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر: أرسل إليّ بذلك المصحف، فأرسله إليه! رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح]. انتهى.

بل إن أزمة الدولة مع حفصة وإصرار حفصة الشديد! توجب أن نُكذِّب ما يقال من أنها أعطتهم النسخة أول الأمر، ولذلك شاع في المدينة أن مصحف عثمان لم يكتبوه عن مصحف عمر، وأن في مصحف عمر زيادات لم يكتبوها في القرآن!

الدليل الرابع: أن حفصة نفسها لم تكن تقرأ بمصحف أبيها الذي هو عندها أو عنده لا فرق، بل استكتبت لنفسها مصحفًا متداولاً! كما في مجمع الزوائد: 6/320 و: 7/154.

 إن كل المؤشرات بل والأدلة تدلُّنا على أن مصحف عمر كان مشروع مصحف يحمل اجتهادات  عمر المتجددة، وكان ينتظر أن يكتمل عمله فينشره.. ولكن الأجل عاجله، ثم عاجل مروان نسخته فأحرقها! .

ولم يكتبوا المصحف الإمام عن مصحف عائشة:

تفاجؤنا في روايات جمع القرآن وثيقة تاريخية مهمة وسارّة، يقول فيها عثمان إن لجنة جمع القرآن كتبت المصحف الإمام عن مصحف كتبه النبي (صلى الله عليه وآله)! وقد أعلن عثمان ذلك في رسالته إلى الأمصار التي أرسلها مع المصاحف!

 قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة: 3/997: [عن أبي محمد القرشي: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى الأمصار: أما بعد فإن نفرًا من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافًا شديدًا، فقال بعضهم قرأت على أبي الدرداء، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس. فلما سمعت اختلافهم في القرآن والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ورأيت أمرًا منكرًا، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم، وأحببت أن نتدارك من ذلك.

فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين أن ترسل إليَّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه، وإذا القرآن غضٌّ، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفرًا من كُتَّاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طريف، وعبد الله بن الوليد الخزاعي، وعبد الرحمن بن أبي لبابة، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا]. انتهى.

كما أكَّد على ذلك عبد الله بن الزبير الذي كان عضوًا في لجنة جمع القرآن.

وقال عبد الله بن الزبير كما في ج 3 ص 991: [فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فعرضناها عليها حتى قوَّمناها، ثم أمر بسائرها فشققت]. انتهى.

فما عدا مما بدا.. حتى صار القرآن مدوَّنًا في مصحف كامل من عهد النبي (صلى الله عليه وآله)؟! وأين وسائل الكتابة البدائية من [العسب والرقاق واللخاف وصدور الرجال] والمأساة التي يرويها البخاري؟!

وأين جلوس الإستعطاء على باب المسجد لتجميع الآيات والسُوَر من المسلمين؟! وأين قصة جمع القرآن على يد أبي بكر وعمر؟! وأين عشرات الروايات وعشرات النظريات؟! والتاريخ الذي بنوه عليها.. إلى آخر الأسئلة الكبيرة؟!

على أي حال.. إن الذي يهمنا الآن هو النتيجة التي تقول إن المصحف الإمام كتب عن نسخة مكتوبة في عهد النبي وتحت نظره (صلى الله عليه وآله) وذلك نعمة عظيمة يجب أن نشكر الله تعالى عليها.. ولتسقط كل الروايات المخالفة لها، وليكن ما يكون!

يتبع =

 

.

تتمة مقال = مصحفنا الفعلي .. نسخة علي (ع)

قرآننا الفعلي هو نسخة علي بن أبي طالب (عليه السلام):

والحمد لله أن كل المؤشرات تدل على صحة ذلك. ومن أوَّلِها أن أوصاف المصاحف التي كانت موجودة عند تدوين المصحف الإمام لا تنطبق عليه، ولا على مصحف عبد الله بن مسعود، ولا على مصحف أُبَيِّ بن كعب، ولا على مصحف أبي موسى الأشعري، ولا على مصحف عمر، ولا على مصحف زيد بن ثابت..

بل يكفي أن نرجع إلى عدد السُوَر والقراءات التي ذُكرت في مصاحفهم لنرى أنها تختلف عن عدد سور مصحفنا الفعلي.. إلا مصحف علي (عليه السلام)!

وحتى قراءة عثمان لا تنطبق عليها النسخة الفعلية إذا صح أن عثمان كان له اعتراض على عدد من جمل أو كلمات المصحف الذي كتبته اللجنة!  

فقد قال في كنز العمال: 2/586:

[- عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فُرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، (أخرجه ابن أبي داود وابن الأنباري).

- وعن قتادة: أن عثمان لما رُفع إليه المصحف قال: إن فيه لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها. (ابن أبي داود وابن الأنباري).

- وعن قتادة عن نصر بن عاصم الليثى عن عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان: إن في القرآن لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها! (ابن أبي داود).

- وعن عكرمة  قال: لما أُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئًا من لحن، فقال: لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا (ابن الأنباري وابن أبي داود )] انتهى.

والحمد لله أنه لم يكن في المصحف الإمام لحن ولا خطأ! وما أقامت العرب (لحنه) بألسنتها!

بل قَوَّم هو ألسنة العرب وأقام لحنها، لأنه كما وصفه عثمان: [القرآن الذي كُتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه، وإذا القرآن غضّ... ]انتهى. وانتهى الأمر!

يبقى هنا سؤال هام: وهو أنه لم يُعرَف عن أمِّ المؤمنين عائشة أنها كانت تملك هذه الثروة العظيمة.. ولو كانت عندها لحدَّثت عنها عشرات الأحاديث، قبل كتابة المصحف الإمام عنها وبعده، وهي التي تحدَّثت عن كل ما يرتبط بها من النبي (صلى الله عليه وآله) حتى في الأمور الشخصية، وافتخرت بكل ما يمكن أن يكون حظوة لها عند النبي (صلى الله عليه وآله)، أو أثرًا منه عندها؟!

ولو كانت عندها لحلَّت بها مشكلة أبيها وعمر المزعومة، في البحث عن سُوَر القرآن وجمعه!!

والجواب: نعم هذا صحيح، وأحاديث عائشة تنفي أن تكون عندها مثل هذه النسخة..

فلو كانت عندها لاشتهرت، ولاحتجَّت بها على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) عندما خالَفْنها في مسألة رضاع الكبير، وفي مسألة كفاية خمس رضعات.. ثم لو كانت نسخة القرآن عند عائشة لما استكتبت نسخة من القرآن المتداول.. كما في رواية مسلم: 2/112: [عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني، حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فلما بلغتها، آذنتها، فأملت عليَّ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين]. انتهى.

ما الحقيقة إذن؟ هل نستطيع القول إن عثمان يكذب في ادعائه أن اللجنة كتبت المصحف الإمام عن مصحف غض كُتب بإملاء النبي (صلى الله عليه وآله)؟!

كلاَّ.. فليس للخليفة مصلحة في إخبار أهل الأمصار بذلك، إلا أنه يريد أن يطمئنهم ويفتخر لهم بثقته بالنسخة التي كتب عنها القرآن.. وقرائن وصفه للنسخة وثقته بها تأبى أن يكون قوله افتراء!

كل ما في الأمر أنها نسخة علي (عليه السلام)، وقد أراد عثمان أن يبتعد عن حساسيتهم من عليٍّ.. فنسبها إلى عائشة، ولعله أشرك عبد الله بن الزبير ابن أخت عائشة في اللجنة وأرسله إليها وأحضر نسخة مصحفها العادية، لكي ينسب التدوين إليها!!

أرانا ملزَمين بهذه الفرضية، لأنها تملك مؤيدات كثيرة، ولأن كل فرضية أخرى للنسخة الأم تواجهها مضعِّفات كثيرة! ولا بد أن نستذكر هنا أن وجود سعيد بن العاص في مشروع تدوين المصحف الإمام بصفته مُعرِّبًا ومُمليًا للمصحف، وبصفته أَمَويًِّا من أقارب الخليفة، ومن أسرة موالية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام).. ووجود حذيفة الذي له مكانة مميزة بين الصحابة، بصفته رائد مشروع توحيد القرآن، ومن خاصَّة أصحاب علي (عليه السلام).. يجعل لمصحف عليٍّ في اللجنة أسهمًا وافرة في أن تكون نسخته هي النسخة الأم التي كتب عنها المصحف الإمام. 

وقد روى الشيعة والسنة أن عليًا (عليه السلام)، كتب نسخة القرآن على أثر وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

 وروى في كنز العمال: 13/127: [عن محمد بن سيرين، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقسم عليّ أن لا يرتدي برداء إلا الجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل. ابن أبي داود في المصاحف]. (ونحوه ابن أبي شيبة في مصنفه: 7/197)

وقال ابن أبي شيبة في مصنفه: 7/204: [عن ابن جريج، وعن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: القراءة التي عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم فيه]. انتهى.

ومن الذي عرض على النبي (صلى الله عليه وآله) نسخته قبيل وفاته، غير علي (عليه السلام)؟! بل لم يدَّع ذلك أحد من المسلمين غيره! وكفى بذلك دليلاً شرعيًا!

ثم إن من المعروف أن مصحفنا الفعلي الذي جمعه عثمان، بقراءة عاصم، التي هي قراءة علي (عليه السلام)!

 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: 2/426: [حفص، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليًا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف علي، فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة، فما اختلفنا إلا في التابوت. كان زيد يقرأ بالهاء، وعليّ بالتاء].انتهى.

وهذه الرواية تكشف أن الذي صحَّح [التابوت] وجعله بالتاء هو علي (عليه السلام)! وأن زيدًا بقي يقرؤها بالهاء إلى آخر عمره!

انتهى

115%