رسالة النجف

القضاء الشرعي

 

القضاء الشرعي

الشيخ حسن عبد الساتر1

 

القضاء في الإسلام منطلقًا وأهدافًا:

إن الإسلام اشترط في القاضي، والمقضي فيه، والمقضي عليه، وفي نفس المواد القضائية، شروطًا كثيرة تهدف إلى تهذيب النفس وتربية الروح ونشر العدل وإحقاق الحقّ، أكثر مما تهدف به إلى الجوانب المادّية الأخرى، حيث لم يهملها كليًا أيضًا، وإنما اهتمّ بها إلى حدّ معقول يساعد على ترجمة ما يبتغيه من القضاء ترجمة صحيحة، فالإسلام في كلّ تشريعاته الفقهية وأُسسه العقائدية وباقي نظمه، يحاول أن يُوجد إنسانًا جديرًا بخلافة الله في الأرض، يملؤه وازع ديني وأخلاقي وعقائدي، يكون بمثابة الشرطي الضابط لضميره ودخيلة نفسه، ويكون هو الدافع والموجّه له في أعماله وأقواله، بل وحتى في نيّته وما توسوس به نفسه، نحو الخير والسلام وحفظ المصالح العامّة والخاصة، دون أن يكتفي بوضع مراقبين على أعماله وتصرّفاته من الخارج، وسنّ قوانين جافّة لردع جموحه وشهواته ونزواته التي تتغلّب في كثير من الأحيان على عقله وفكره وضميره السليم.

فالإسلام يربّي في الإنسان العقل والرّوح والضمير، كي يشعر دائمًا في قرارة نفسه أنه مسؤول ومحاسب على كلّ كبيرة أو صغيرة تصدر منه، من قِبل الله المطّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

والإسلام بهذه التربية، يجعل من الإنسان المسلم ضابطًا ومراقبًا وحصنًا تتحصّن به نفسه وضميره، ورادعًا له عن كل سلوك وتصرّف يخالف به الشرع الشريف والقوانين الإلهية، وبهذه التربية تسير الأمور وتستقيم في المجتمع المسلم، حيث لا تعقيد ولا انحراف، ولا تجاوز أو تعدٍّ على حقوق الآخرين وكراماتهم.

ولقد دلّت التجارب الكثيرة على أن سنَّ القوانين وحدها، ووضع المراقبين من الخارج على سلوك النَّاس وتصرّفاتهم، لم تكفِ في الحدّ من الفجائع والظلم الذي يكاد يستوعب البشرية بأسرها، ويكفيك ما ترى فضلاً عمّا تسمع من الويلات والآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تعاني منها أرقى البلاد في تشريعاتها الوضعية، وذلك لأنها تركت تعاليم السماء، وهي في أحسن حالاتها استنزلت الربّ من السماء إلى الأرض وجعلته بشرًا.

إن الإنسان الذي لم يتربّ في نفسه رادع أو وازع من الله يردعه ويحاسبه على أعماله وعلى كل صغيرة وكبيرة تصدر منه، لا تردعه القوانين الوضعية، بل لا يردعه شيء قط عن الإقدام على كل شيء يُشبع شهواته ونزواته، وتمليه عليه مآربه ومصالحه الخاصّة، نعم هو في أحسن حالاته يسعى لستر أعماله الشائنة المخالفة، كي لا يفتضح أمره ويؤاخذه القانون، وكثيرًا ما لا تُعرف خفايا أعماله، وتبقى تبعاتها وبالاً على المجتمع، بل حتى واضع القانون نفسه طالما خالف ما وضَعَهُ، إلا أن يكون له دِين يدفع وجدانه نحو الاستقامة، بل طالما أقدم واضع القانون على وضع قوانين تُشرِّع الظلم واستعباد الناس، ولذا ترى الدّول الاستعمارية ترتكب الجرائم والمآسي اللاإنسانية، ثم تشرّع في قوانينها الوضعية تبرير هاتيك الجرائم واستعمار الشعوب وخنق حرّياتها، وتسمّي ما تفعله حضارة تارة، وعدالة أخرى، والدفاع عن حقوق الإنسان رابعة، ومحاربة الإرهاب خامسة.

من هنا حاول الإسلام - كما عرفت - أن يربّي في روح الإنسان ونفسه وازعًا يمنعه عن الانحراف وارتكاب الجرائم والمآثم، قبل أن يحاول وضع مراقبين على أعماله من الخارج، لأن ذلك أفعل في استئصال الشرّ والفساد من الجذور، وتربية الإنسان على حبّ الخير والاستقامة في أقواله وأفعاله.

والحاصل: هو أن الإسلام ومشرّع الإسلام سبحانه، اعتمد وشرّع أُسسًا خاصة تُعنى بتربية الضمير والوجدان قبل عنايته بالرقيب الخارجي، وتوقظ فيه الرّوح والشعور بالمسؤولية أمام الله سبحانه، ليقوم بعمله وواجباته مع الآخرين - مهما كانوا - بإنسانية صادقة.

ومن هنا اشترط الفقهاء في القاضي "العدالة" كي تُحفظ بها حقوق الناس وأنفسهم من الجَور والظلم في القضاء، وعدم التعدّي على الأموال والأنفس والدماء، وغضّ الطرف عن الأعراض والنواميس.

وهذان الشرطان الأخيران لهما مدلولهما الرّوحي الخاص في الضبط والنزاهة والورع عن كثير من الانحرافات التي تصيب القضاة والقضاء.

وفي هذا الزمن الذي تمرّ فيه البلاد الإسلامية بتجربة لتطبيق الإسلام، نشعر بإلحاح أكثر من ذي قبل بضرورة تجديد المعالم الإسلامية وإحيائها في مختلف المستويات وبمختلف الأشكال العلميّة، من الدّرس والتدريس والتنقيب والكتابة والتأليف ونشر المؤلفات القيّمة من آثار أعلامنا الماضين، أعلى الله درجاتهم ورفع مقاماتهم، إذ لا تتركّز دعائم الإسلام أو دولته إلا ببثّ معارفه الخالصة عن الشوائب في المجتمع، فإنّ بثَّ هذه المعارف الإسلامية، هو الوسيلة الأنجع لتربية مسلمين مؤمنين مُركَّزي الإيمان، يقفون سدودًا منيعة أمام الزيغ والكفر والانحلال، لا تؤثر فيهم عواصف التيارات الوافدة من وراء بلاد المسلمين .

القضاء الشرعي روحًا وشروطًا:

إذا كانت مناسبات الحكم والموضوع، وسياق القضايا والكلام يشكّلان قرائن هامّة في تشخيص مداليل القضايا والكلام بمقتضى العقل النظري، فإن القضاء بشقّيه يشكّل الترجمة الإدارية والقانونية بمقتضى العقل العملي، سيّما القضاء التحكيمي الذي يكاد يُمارَس وحده في المحافل المحلية والإقليمية والدولية.

وإذا كان - كما يقال - "العدل أساس الملك" بمقتضى العقل النظري، فإن القضاء هو الترجمة القانونية لهذا العدل بمقتضى العقل العملي.

من هنا رأيت الكتابة في هذا الموضوع مُوزّعًا ذلك في مسائل مهمّة فيه بحسب مباني الفقه الإسلامي، وسوف أعالج هذه المسائل بشكل موجز غير مُمِلّ تاركًا التطويل إلى محله:

القضاء في الشريعة:

والقضاء فيها واجب كفائي، وهو منصب جليل لا يليق إلا بالعالم الورع خوفًا أن يتطفّل إليه من ليس أهلاً للعلم ولا أمينًا على الدين.

وحكم القاضي نافذ على المختصمين، ولا يجوز نقضه حتى من قِبَل قاضٍ آخر، إلا في فرض فقدان القاضي الأول للشروط المعتبرة في القاضي، أو فرض مخالفة حكمه لما ثبت بنحو القطع من الكتاب وسُنَّة المعصوم الشريفين.

والقاضي على ضربين: القاضي المنصوب، وقاضي التحكيم، وحكم كليهما نافذ.

والمستند في ذلك:

أما بالنسبة إلى نفس القضاء فلأن المعروف عند المتقدمين تحديد القضاء بالولاية على الحكم  شرعًا بين المتخاصمين لفصل الخصومة، والمعروف عند المتأخرين بأنه: الحكم بين المتخاصمين لرفع الخصومة، دون مجرد الولاية.

ولعله يمكن الجمع بين القولين بأنه الحكم لفصل الخصومة بين المتخاصمين من قِبَل مَن له الولاية على ذلك شرعًا، حيث إن مفهوم القضاء عند المتشرعة هو هذا، وليس مجرد الحكم، ولا مجرد الولاية.

وقد يُستأنس لذلك بقوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}([1])، وأحسب أن هذا المقدار كافٍ في بيان هذه المفردة، لعدم ترتب ثمرة عليها.

ومن الواضح أن حكم القاضي يختلف عن فتوى المجتهد، فإن فتوى المجتهد بيان لأحكام كليّة بحسب ما يؤدي إليه نظر المجتهد، بينما حكم القاضي هو تطبيق لتلك الأحكام الكلية على الواقع، ولذا قلنا إن القضاء هو الترجمة القانونية لتلك الأحكام بمقتضى العقل العملي، ويقال في لغة الأصول: إن قضاء القاضي في طول فتوى المجتهد لأنه متفرع عنها.

وكذلك تختلف الفتوى عن القضاء في أن القضاء ينفذ في حق الجميع، بينما فتوى المجتهد إنما تكون حجة في حق مقلِّدي هذا المجتهد.

وقد يُذكر فرق آخر: وهو أن فتوى المجتهد تكون مُحكّمة في بيان الحكم الكلي بقطع النظر عن تطبيقه على مصاديقه، إذ إن ذلك من وظائف المقلد، بينما في القضاء يرجع التطبيق إلى القاضي حيث إن هذه وظيفته.

وأما مسألة كون القضاء واجبًا: فلتوقف حفظ النظام عليه، إذ ما يتوقف عليه حفظ الواجب هو واجب لا محالة، ناهيك عن أنه من مقدمات تحقيق المعروف ودفع المنكر.

وأما مسألة كونه كفائيًا: فلأن هذا الغرض الواجب الذي هو حفظ النظام، إنما يتحقّق بتصدّي من يملك كفاءة القضاء دون سواه.

وأما مسألة كون القضاء منصبًا خطيرًا وجليلاً: فذلك لأنه منصب الأنبياء، كما يُفهم من قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}([2])، ويكفي فيه أن يكون منصب سيد الأنبياء والمرسلين محمد(صلى الله عليه وآله)كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا}([3])، وهو منصب الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

والحاصل: أن القضاء هو من جملة وظائف المعصوم، ففي الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح القاضي: يا شريح قد جلست مجلسًا ما جلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي). ورواه الصدوق مرسلاً، وكذا رواه في المقنع، وروى الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، مثله([4]).

وكذلك فإن منصب القضاء لمن وصفه المعصوم بـ"العالم" وأمر أن نجعله قاضيًا، كما في صحيحة أبي خديجة: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئًا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيًا فتحاكموا إليه)([5]).

وأما مسألة كونه منصبًا خطيرًا، فإنه فضلاً عن كونه منصبًا من وظائف المعصوم، أو من نصّبه من العلماء، فقد ورد من طرقنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضيَ بين الناس، فإما إلى الجنة، وإما إلى النار)([6]). كما ورد في حديث آخر: (من جُعل قاضيًا فقد ذُبح بغير سكين)([7])، وفي رواية ثالثة: (إن النواويس شَكَت إلى الله عز وجل شدة حرّها، فقال لها عز وجل: اسكتي، فإن مواضع القضاة أشد حرًّا منك)([8]).

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1.  رئيس المحاكم الشرعية الجعفرية - بالتصرف.

([1]) سورة ص من الآية 26

([2]) سورة ص من الآية 26

([3]) سورة النساء الآية 105

([4]) الوسائل ج18 ب3 صفات القاضي ح2-3 ص7.

([5]) الوسائل ج18 ب1 صفات القاضي ص4 ح 5 .

([6]) الوسائل ج18 ب12 ح2.

([7]) الوسائل ج18 ب3 ح8.

([8]) النواويس موضع في جهنم. الوسائل ج18 ب16 ح4 ص 160.

.

تتمة مقال =

نفوذ حكم القاضي:

وأما مسألة كون حكم القاضي نافذًا، ولا يجوز نقضه حتى من قِبَل حاكم آخر: فقد ذكر لذلك وجهان:

الوجه الأول: هو التمسك بمقبولة عمر بن حنظلة: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت.. قلت: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَمًا، فإني قد جعلته عليكم حاكمًا، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنما استخف بحكم الله.. وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله)([1]).

فهو فضلاً عن أنه فيما قبل الذيل يدفع إلى التحاكم عند الفقهاء الذين هم القدر المتيقن ممن روى أحاديثهم ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم، فإنه فضلاً عن ذلك يدل بوضوح على أن الحكم إذا صدر على طبق القواعد، فعدم قبوله هو استخفاف بحكم الله تعالى.

والتأمّل المشهور في سند هذه المقبولة من جهة ابن حنظلة حيث لم يُوثّق ، فقد تكفّل مبحث حجية الخبر في علم الأصول تحقيق المباني في علم الرجال وما هو الصحيح منها، هذا أولاً..

وأما ثانيًا: فإنه يمكن التساهل في أمر ابن حنظلة حيث إن صفوان الذي هو أحد الصحاح الثلاثة يروي عنه، بناء على كفاية ذلك في إثبات الوثاقة.

هذا مضافًا إلى رواية يزيد بن خليفة عنه، إذ قد روى :(قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذن لا يكذب علينا)([2]).

ومن المعلوم أن يزيد بن خليفة هو وإن لم يوثق، ولكن روى عنه يونس الذي هو من أصحاب الإجماع، بناءً على كفاية ذلك في قبول الرواية.

وقد يضاف إلى ذلك، أن تلقّي الأصحاب للرواية قد يورث للفقيه الوثوق بصدورها.

الوجه الثاني: أن القضاء شُرّع لفصل الخصومة، فلا بد من نفوذه، وإلا يلزم منه نقض الغرض، لكن هذا إذا لم يفترض حلّ الخصومة بيمين المدّعى عليه، طبقًا لصحيحة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قِبَله، ذهبت اليمين بحقّ المدعي فلا دعوى له، قلت له: وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال (عليه السلام): نعم وإن أقام بعدما استحلفه بالله خمسين قسامة، ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قِبَله مما قد استحلفه عليه)([3]).

وقد يُستظهر من الاستثناء في تحديد وظيفة القضاء، أنه إذا لم تكن الشروط متوفرّة في القاضي، إذن، فلا يكون منصوبًا من قبل المعصوم (عليه السلام)، أو كان الحكم على خلاف الموازين الشرعية، كالحكم بلا بيّنة، أو من دون علم الحاكم، إذ حينئذٍ لا يصدق أن الحاكم قد حكم بحكم المعصوم (عليه السلام)، ومعه لا يكون عدم قبوله استخفافًا بحكم الله تعالى، إذن فالحكم على خلاف الموازين الشرعية هو كلا حكم.

وأما اعتبار أن تكون المخالفة مخالفة لما ثبت اعتباره بنحو القطع، فلأنه بدون ذلك يكون الحكم مشمولاً لقوله (عليه السلام): (فإذا حكم بحكمنا).. إذ من الواضح أن المراد منه هو الحكم على طبق الموازين الشرعية عند من توفّرت فيه شروط القضاء السابقة.

وأما مسألة المراد من القاضي المنصوب وقاضي التحكيم: فيظهر أن المقصود من الأول، من كان منصوبًا للقضاء من قبلهم (عليهم السلام)، كما في رواية ابن حنظلة المتقدمة حيث قال (عليه السلام): (فإني قد جعلته عليكم حاكمًا)، وكذلك صحيحة أبي خديجة المتقدمة حيث قال (عليه السلام): (انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئًا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيًا فتحاكموا إليه).

وكذلك فقد يُعضد ذلك بفكرة حفظ النظام، وذلك بتقريب: أن مقتضى حفظ النظام لزوم نصب القاضي المجتهد، فإن مقتضى الأصل هو عدم نفوذ حكم أحد على  غيره، والقدر المتيقن الخارج عن الأصل المزبور هو المجتهد.

ويظهر أن المقصود من الثاني: أي قاضي التحكيم، هو من كان منصوبًا من قبلهم (عليهم السلام) بعد تراضي المتخاصمين عليه. ويمكن أن يُتمسك له بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}([4])، حيث إنه بإطلاقه يشمل قاضي التحكيم، بل يدل على نفوذ حكمه بالعدل، حتى لو صدر من غير المجتهد المنصوب، وكذلك يمكن التمسك بصحيحة الحلبي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا، فقال (عليه السلام): ليس هو ذاك، إنما هو الذي يُجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط)([5])، ودلالة هذه الصحيحة واضحة في المطلوب .

أخذ الأجرة على القضاء:

وفي جواز أخذ الأجرة على القضاء خلاف: فقيل بعدم جواز أخذ الأجرة على القضاء، إما لأنه واجب، وحيثية الوجوب نفسها تمنع من أخذ الأجرة، وإما لأن حيثية القضاء بخصوصها تمنع من ذلك.

أما المنع بالحيثية الأولى: فقد ذُكرَت له عدة تقريبات، ذُكر بعضها في بحث الإجارة، عند البحث عن جواز الإجارة على الواجبات، حيث اتضح هناك عدم المنع بهذه الحيثية الأولى.

وأما المنع بالحيثية الثانية: فيمكن إثباته من خلال صحيحة عمار بن مروان: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل شيء غُلّ من الإمام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، ومنها أجور القضاة، وأجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر)([6]).

وقد يقال: إنها ناظرة إلى القضاة المنصوبين من قبل الظلمة، بقرينة التعبير بكلمة "منها"، أي "ومن جملة ما أصيب من أعمال ولاة الظلمة، أجور القضاة"، والقرينة على رجوع ضمير "منها" إلى ما ذكر، وليس إلى كلمة "أنواع كثيرة"، هي عدم تكرار كلمة "منها" مع البقية.

وأجيب عنه: بدعوى أن المناسب - لو كان ذلك هو المراد - هو التعبير بكلمة "منه"، بدل "منها".

وعلى أيّ حال: فإن إعمال مثل هذه التدقيقات، وتحميلها على الروايات هو أمر زائد على طاقة الراوي، حيث إنه ينقل بالمعنى، ولا يلتفت إلى مثل هذه الدقائق، وعليه، فالتمسك بالصحيحة المذكورة غير تام.

وقد يضاف إلى ما تقدم: أنه قد عُلم من مذاق الشارع إرادته صدور القضاء والإفتاء بنحو المجانية، لأنهما من شؤون تبليغ الرسالة، حيث قال تعالى {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا}([7]).

ثم إن المنع من أخذ الأجرة على القضاء، لا يمنع من جواز ارتزاق القاضي من بيت المال، لأنه معدّ لمصالح المسلمين، ومما يؤكد جواز الارتزاق، تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام)في عهده إلى مالك الأشتر عند تعرّضه للقضاء والقاضي: (.. وأَكثِر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيح علته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس)([8]).

حكم الرشوة:

الرشوة محرَّمة على الراشي والمرتشي بلا خلاف، وحرمة الرشوة من الضروريات، وقد دلّ على حرمتها قوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}([9]).

وفي الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: (الرُّشا في الحكم، هو الكفر بالله تعالى)([10])، وقد رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد.

كما روي عن الباقر (عليه السلام) :(إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعن من نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له، ورجلاً خان أخاه في امرأته، ورجلاً احتاج الناس إليه لتفقهه في الدين، فسألهم الرشوة)([11])، وكذلك فقد روى العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) قال:(من أكْلِ السّحت: الرشوة في الحكم)([12]).

هذا ما كان على نحو الإيجاز، والحمد لله أولاً وآخرًا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

انتهى

ـــــــــــــــــــــــــ

([1]) الوسائل ج18 ب11 ص99 ح1.

([2]) الكافي ج3 ص275.

([3]) الوسائل ج18 ب9 ح1 ص179، ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم.

([4]) سورة النساء من الآية 58.

([5]) الوسائل ج18 ب1 ح8 ص5.

([6]) الوسائل ج12 ب5 ص64 حديث 1.

([7]) الشورى من الآية 23.

([8]) الوسائل ج18 باب 8 ص163 حديث 9.

([9]) البقرة الآية 188.

([10]) الوسائل ج18 ب 8 ص 162 حديث 3.

([11]) الوسائل ج18 ب8 ص163 ح5.

([12]) الوسائل ج18 ب8 ص163 حديث 7.

 

115%