رسالة النجف

بشارة الملكوت

 

بشارة الملكوت في دعوة المسيح (عليه السلام)

الشيخ حاتم إسماعيل1

 لقد تحدّثت الأناجيل عن أن السيد المسيح (عليه السلام)، وطيلة ثلاث سنوات هي سِني دعوته الشريفة، كان يطوف في مجامع اليهود العبادية واعظًا ومبشرًا، إضافة إلى المعجزات التي كان يأتي بها من شفاء أمراض مستعصية، وإحياء موتى، وغير ذلك مما لم يكن مألوفًا ولا ممكنًا في عالم الطب، رغم انتشاره وتطوره الشديد، شكّلت دلائل آيات لإثبات صحة ما يدعو إليه، وأنه بإذن الله تعالى، ولم يكن شفاء المرضى وإحياء الموتى غاية في نفسه.

وهذا هو ما دلّت عليه الآية القرآنية المباركة، في معرض الحديث عنه (عليه السلام): {وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}([1]).

أما حقيقة دعوته (عليه السلام) وجوهرها فهي عبارة عن البشارة بـ"اقتراب ملكوت السماوات"، كما هو مسطور في مختلف فصول الأناجيل.

فما هو الملكوت الذي دعا إليه السيد المسيح؟

وما هي حقيقته؟

وهل هو ملكوت مادي أرضي، أم ملكوت معنوي روحي، لا يتجاوز آفاق النفس الإنسانية؟

معنى الملكوت:

الملكوت في اللغة على وزن فعلوت من الملك، وهو عبارة عن السلطنة العظيمة، والملك الثابت العزيز، ويمكن إرادة ملكوت الله تعالى، باعتبار أنه المالك الحقيقي لكل المخلوقات كما في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}([2])، ويمكن استعمالها وإرادة الملك الأرضي، إذا كان واسعًا وشاملاً وعزيزًا، وقد ورد في العهد القديم بكلا المعنيين:

 فمن إرادة المعنى الأول: قوله حكاية عن نبوخذ نصر: "آياته ما أعظمها وعجائبه ما أقواها، ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلى دور فدور"([3])، ويقول معترفًا: "وعند انتهاء الأيام أنا نبوخذ نصر رفعت عيني إلى السماء، فرجع إليّ عقلي وباركت العليّ وسبّحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور"([4]).

وأما إرادة المعنى الثاني: فقول دانيال النبي لبيلشاصر الملك: "أنت أيها الملك فالله العلي أعطى أباك نبوخذ نصر ملكوتًا وعظمة وجلالاً وبهاء، وللعظمة التي أعطاه إياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة"([5]).

فلا بد إذن من ملاحظة سياق الكلام الوارد فيه هذا التعبير، وإبراز القرائن الدالة على إرادة أي من المعنيين فيه، خصوصًا في عبارات السيد المسيح (عليه السلام) الواردة في الأناجيل، بعد افتراض أن جوهر دعوته هو البشارة باقتراب ملكوت السماوات.

المسيح والتوراة:

على الرغم من خيانة اليهود، وتمرّدهم على أوامر الله تعالى، وإبطالهم أحكام التوراة من الناحية العملية، وتلاعب أحبارهم بمضامينها ونصوصها، إلا أنها ظلّت محافظة على قداستها في نفوس الشعب من الناحية النظرية على الأقل.

وقد افتتح السيد المسيح (عليه السلام) دعوته بإبراز أهمية التوراة، وأنه مستند في دعوته إلى تعاليمها، يقول كاتب إنجيل لوقا: "وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربّى، ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ، فدفع إليه سفر أشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه، روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة، ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس، وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه، فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم"([6]).

وفي عظته على الجبل قال لهم: "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس (المراد بالناموس أسفار موسى (عليه السلام) الخمسة أي التوراة، وهي أسفار: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية) أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل"([7]).

وفي مقام الإثبات العملي لهذا القول، نراه قد شفى أبرصًا، وقال له: "انظر أن لا تقول لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدّم القربان الذي أمر به موسى"([8])، مما يعني أنه لم يرد الإخلال بأي قانون من قوانين التوراة ولو على مستوى تقديم القربان.

وجاءه رجل ذات مرة، "وقال له: أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا، قال له: أية الوصايا؟ فقال يسوع: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق ..الخ"([9]).

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى التزامه بالتوراة، وعدم خروجه عن تعاليمها.

الملكوت في العهد القديم:

إن أول ذكر للملكوت الأرضي في العهد القديم قد ورد في سفر دانيال، فإضافة إلى ما تقدم يقول مثلا: "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدّامه، فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض"([10]).

وقد حاول المسيحيون تطبيق هذه الرؤيا على السيد المسيح (عليه السلام)، استنادًا إلى العبارة المنسوبة إلى السيد المسيح في الأناجيل، والمقتبسة من كلام دانيال هنا، حيث يقول: "وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة وآتيًا في سحاب السماء"([11])، إلا أنها ليس فيها أي دلالة على إرادة السيد المسيح (عليه السلام) منها، بل هي على إرادة غيره أدل، سواء أريد منها ما هو ظاهر من معناها، أم أريد بها معنى كنائيًا للدلالة على المُلك والسلطنة والقوة.

إن ما تقدم من أن لفظ الملكوت قد ورد لأول مرّة في سفر دانيال، لا يعني أن العهد القديم لم يتعرض لهذه المسألة قبله أصلاً، بملاحظة أن اليهود، ومنذ زمن طويل، ينتظرون مجيء مسيح آخر الزمان ليحكم الأرض ويقيم الملكوت، وهذا ما تدل عليه طبيعة دعوة السيد المسيح (عليه السلام) في الأناجيل من كرازته "باقتراب ملكوت السماوات" الأمر الذي يدل على أنهم موعودون به، لكنهم لم يعرفوا وقته، فبيّن (عليه السلام) لهم أنه بات قريبًا.

هذا بالإضافة إلى أنه قد ورد الحديث عن هذا الملكوت في توراة موسى (عليه السلام)، وإن لم يذكر لفظ الملكوت فيه، حيث يقول: "أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم نبيًا مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيهم به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه"([12]).

المسيح والنبوة:

لقد حاول المسيحيون تطبيق هذه النبوءة على السيد المسيح (عليه السلام) أيضًا، وافترضوا أنه هو المقصود بها([13])، مع أنها لا تنطبق عليه بحال، ذلك أن النبي المقصود سوف يكون من إخوة بني إسرائيل، بخلاف السيد المسيح (عليه السلام) فإنه منهم وليس من إخوتهم.

كما إن كاتب التوراة يقول: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه"([14]).

هذا بحسب النسخة التي يعتمدها اليهود والمسيحيون، وأما بحسب التوراة السامرية فيقول: "لا يقوم نبي في إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله شفاهًا".

من الواضح أنه استنادًا إلى النسخة السامرية لن يكون أي نبي في بني إسرائيل كموسى (عليه السلام)، سواء كان المسيح أم غيره، وأما استنادًا إلى النسخة المتداولة فلا دلالة فيها على تأبيد النفي، ولكنها من جهة أخرى لا دلالة فيها على الوقوع بالفعل، بل بقيت على إبهامها من هذه الجهة، إلا أن تاريخ النبوءات والأحداث يدل على عدم وقوع هذه المثلية أيضًا، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق على السيد المسيح (عليه السلام) لعدة وجوه:

يتبع=

ـــــــــــــــــــــــــــــ 

الهوامش

1. باحث إسلامي ومدرّس في الحوزة العلمية .

[1] آل عمران49.

[2] سورة يس: آية 83.

[3] سفر دانيال: 4/3.

[4] نفس المصدر السابق: 4/34.

[5] نفس المصدر السابق: 5/18-19.

[6] إنجيل لوقا: 4/16-21.

[7] إنجيل متى: 5/17-18.

[8] متى:8/2-4.

[9]  نجيل متى: 19/16-19.

[10  سفر دانيال: 7/13-14.

[11  إنجيل مرقس: 14/62.

[12] سفر التثنية: 18/18-19.

[13] أعمال الرسل :3/20-23.

[14] سفر التثنية: 34-10.

 

.

تتمة مقال =

الأول: أن مهمته (عليه السلام) قد انتهت قبل اعتقاله!! كما صرّح بذلك في آخر خطبة قالها لتلاميذه، فإنه بعد ما أنهى كلامه معهم، توجّه إلى السماء، وقال: "..وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته"([1]).

إن انتهاء مهمته ووظيفته عند هذا الحد، يعني أن كل التطورات التي حدثت بعدها، سواء صلب وقام كما يقوله المسيحيون، أم لم يصلب وإنما شبّه لهم، كما هو الحق بمقتضى نصّ الآية القرآنية الشريفة، إن كل هذه التطورات خارجة عن وظيفته وعمله وبالتالي لن يكون له أثر تشريعي أو تبليغي ودعوي في ما بعد، بل يمكن القول أنه إذا قام بأي عمل سيكون تجاوزًا لحدود الوظيفة المعطاة له من قبل الله تعالى، بعد إقراره بقوله: "العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته".

هذا بالإضافة إلى أن الأحداث التي حصلت بعد هذا الخطاب، لم تكن من صنعه ولا باختياره، بل كانت صادرة من خصومه وأعدائه، وهو مما لا تصح نسبته إليه (عليه السلام)، وإلا فلا يكون لإدانتهم بقتله أي معنى، بل سيكون المفروض أنهم عملوا بإرادته ورغبته، بل امتثالاً لأمر إلهي فيه، وهذا مما لا يمكن أن يلتزم به المسيحيون قبل سواهم، مع أن صريح الأناجيل - وفي مختلف الموارد - إن فعلتهم كانت جريمة كبرى.

الثاني: أن موسى (عليه السلام) قد كان قائدًا لشعبه ضد خصومهم المصريين، وقد أقرّ له الإسرائيليون بهذه القيادة، حسب ما يدل عليه سياق الأحداث في التوراة، وقد أغرق فرعون وجنوده عندما لحقوا بهم، وهذا ما لم يحصل مع السيد المسيح (عليه السلام)، فلا هو ادعى قيادة بني إسرائيل، ولا هم أقروا له بذلك، بل هو لم يحاول تحريرهم من أيدي خصومهم الرومانيين، الذين كانوا يجثمون على صدورهم وفي أرضهم، وهذا ما دعاهم إلى الانتفاض ضده بعدما خاب أملهم به وبدعوته.

مع أنه لا مجال للمقارنة والمماثلة بينهما، لا من جهة الولادة ولا من جهة المنشأ والتربية والبيئة.

الثالث: أن هذا النبي الموعود ستكون معجزته في فمه، بمعنى أنه لا يجب أن تكون معجزة النبي خارجية لتكون معجزة، بمعنى أن تكون من أنحاء التصرف في عالم التكوين، كما حصل مع الأنبياء السابقين، بما فيهم السيد المسيح (عليه السلام) نفسه، لأن هذا النوع من الإعجاز خاص بالحاضرين معه والشاهدين على معجزته، وأما بعد تحقق المعجزة وانتهاء زمانها ومفاعيلها، ستنتقل إلى الآخرين على أنها قصّة أو رواية قابلة للتصديق والتكذيب، وبالتالي ربما ينتقل الشك إلى أصل وجود النبي المفترض حقيقة على مسرح الأحداث التاريخية، كما حصل بالنسبة إلى السيد المسيح (عليه السلام) نفسه فعلاً، حيث شكّك الكثير من الباحثين بوجود شخص يدعى يسوع قبل ألفي سنة من الزمان([2]).

وهذا بخلاف الكلمة المعجزة، المحفوظة والمدوّنة على مدى الأزمان، فإنها شاهد إثبات واقعي لكل من عاينها، سواء كان شاهدًا ومعاصرًا للنبي، أو لم يكن كذلك، فإذا فتحنا الأناجيل وجدناها عبارة عن مجموعة قصص تتحدث عن شخص مرّ في التاريخ، وقام بأعمال كبيرة وخطيرة، لا ترقى إلى مستوى الإثبات الفعلي لوجوده، لاحتمال أن تكون من إبداع خيالات الرواة والقصّاصين، خصوصًا وأن الظروف الموضوعية والتاريخية لتلك الحقبة لا تساعد على فكرة إحياء الموتى.

إن هذه الكلمة المعجزة لم تتحقق في تاريخ البشرية إلا بالقرآن الكريم، الذي حافظ على أصالته طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولا زال يتحدّى المجتمع البشري، بمعارفه العالية، وحقائقه التاريخية، وهو الوحيد الذي يشكل شاهد إثبات حي لنبوّات سائر الأنبياء السابقين (عليه السلام)، ولولاه لم يتمكن أحد من إثبات مرور أحد منهم في التاريخ.

الرابع: إن مقتضى المثلية في النبوة الموعودة، أن تشتمل رسالة النبي القادم على شريعة ودستور حياة، كما هو الحال في رسالة موسى (عليه السلام)، ومن المعلوم أن السيد المسيح (عليه السلام) لم يأت بشريعة قانونية تنظم حياة الناس، ولم يدّع أحد ذلك له، وما هو موجود في الأناجيل من تعاليم منسوبة إليه (عليه السلام)، لا تعدو كونها عدة تعاليم أخلاقية، لا علاقة لها بالقانون ولا بالتشريع، مع أن الكثير منها لا تثبت أمام النقد العلمي، لما تتضمنه من تهافت في أنفسها، ومخالفة للفطرة الإنسانية، من قبيل قوله "أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، لا تقاوموا الشر، من لطمك على خدك الأيمن فأَدِر له الآخر أيضًا"([3])، ولا نريد تفنيده الآن، بل يكفي دليلاً على عدم صحة هذا التعليم أن أحدًا من المسيحيين لم يعمل به على مرّ التاريخ.

وسواء تمّت هذه التعاليم كقيمة أخلاقية أم لم تتم، فإنها لا تشكّل تعليمًا قانونيًا ينظّم حياة الناس، فلا يمكن مقارنتها بشريعة موسى (عليه السلام)، وتعاليمه القانونية الواردة في كتاب التوراة، فلا يمكن أن تنطبق مواصفات النبي الموعود على السيد المسيح (عليه السلام).

الصحيح في النسختين:

قلنا إن بين النسخة العبرانية وبين النسخة السامرية تباينًا في الدلالة على موقع نبوة موسى (عليه السلام) في بني إسرائيل, فهل يمكن إثبات أيهما أولى بالصدق والاتباع, أم لا يمكن ذلك؟ فإن مما لا إشكال فيه أن هذا التباين واختلاف النسخ طارئ على أصل التوراة, من قبل النسّاخ أو الكهنة والكتّاب.

ومع غض النظر عن سقوط كلا النسختين عن الاعتبار والحجية, لكثرة الإشكالات الواردة عليهما, سواء من ناحية الإثبات التاريخي, أم من ناحية التناقضات الداخلية في مضامينها, فإنه يمكن القول أن النسخة السامرية هي الأصح في المقام, فلا يمكن قبول ما تضمنته النسخة العبرانية هنا, لأن الوارد فيها قوله: "الذي عرفه الرب وجها لوجه", ومعنى هذه العبارة, إن حُملت على معناها الظاهر منها, أن الله تعالى قد التقاه وجهًا لوجه, وتعرَّف إليه من خلال ذلك, وهو يشتمل على محاذير لا يمكن الالتزام بأي منها:

الأول: أن الله تعالى له وجه يظهر به على الناس, فيرونه من خلاله, مع أن هذه النسخة نفسها قد نفت إمكانية رؤيته تعالى, وذلك حين طلب منه موسى (عليه السلام) أن يُريه مجده, فقال له: "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش, ...., وأما وجهي فلا يُرى"([4]).

الثاني: أنه يستلزم الجسمية للذات المقدسة والدليل قائم على استحالة الجسمية عليه تعالى, لأن الجسم مخلوق له تعالى, فالقول بجسميته يعني افتقاره إلى مخلوقاته تعالى, وهو مستحيل.

الثالث: أنه يستلزم الجهل فيه تعالى, ولا يعرف مخلوقاته إلا من خلال ملاقاته لهم, وهو مستحيل كذلك.

هذا من ناحية النصّ, وأما من الناحية الواقعية, فإن التاريخ لم يتحدث عن أي نبي ظهر في بني إسرائيل كموسى (عليه السلام), بما فيهم السيد المسيح (عليه السلام) نفسه, إذ مضافًا إلى ما تقدم , فإن المسيحيين يفترضون له الألوهية, وليس مجرد النبوة, كما هو الحال في موسى (عليه السلام).

يضاف إلى كل ما تقدم أن هذه العبارة قد وردت في سفر التثنية, والمفروض أنه من إملاء موسى (عليه السلام), أو من إنشائه, فلا يبقى أي معنى لقوله: "لم يقم بعد"، الدالة صراحة على أن قائلها لم يكن معاصرًا له (عليه السلام), كما هو ظاهر.

الملكوت في دعوة المسيح (عليه السلام):

لا شك أن السيد المسيح (عليه السلام) قد اختصر دعوته الشريفة باقتراب ملكوت السماوات, وكان يبشّر بها تارة بشكل مباشر وصريح, من قبيل قول كاتب إنجيل مرقس: "وبعدما أَسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله, ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله, فتوبوا إلى الله وآمنوا بالإنجيل"([5]).

وتارة أخرى كان يتحدث عن مقتضيات ملكوت الله ومفاعيله, ليقرب الفكرة إلى أذهان الناس, من خلال استخدام الأمثال التقريبية ليتعقلوها, حتى غلب استخدام الأمثال على عظاته وتعاليمه, فاعتقد بعضهم أنه  لا يعلّم إلا بأمثال, قال كاتب إنجيل متى: "هذا كله كلّم به يسوع الجموع بأمثال، وبدون أمثال لم يكن يكلمهم"([6]).

وفي مقام بيان علّة استخدام الأمثال في تعليمه, يقول: "فتقدّم التلاميذ وقالوا لماذا تكلمهم بأمثال, فأجاب وقال لهم لأنه قد أُعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، وأما لأولئك فلم يُعط"([7]).

ولهذا كان يفسر أمثاله لتلاميذه عندما كان ينفرد بهم, حيث: "وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا, وبدون مَثَل لم يكن يكلمهم، وأما على انفراد فكان يفسّر لتلاميذه كل شيء"([8]).

وقد حاول المسيحيون تفسير الملكوت على أنه ملكوت سماوي, بمعنى أنه في عالم الآخرة, وما بعد الموت, نتيجة اعتقادهم أن السيد المسيح (عليه السلام) هو الغاية, وبه تتم النهاية, ولم يستطيعوا أن يتقبلوا فكرة أنه جاء مبشرًا بغيره من الأنبياء ليقيم الملكوت الموعود, الأمر الذي أثّر سلبًا على مصداقية تفسيرهم, وأوقعهم في مناقضة النصوص, ولم يمكنهم التخلص منها بنحو مُرْضٍ.

لقد حاولوا الاستناد في فهمهم المذكور, إلى عبارة وردت في إنجيل يوحنا, على لسان السيد المسيح (عليه السلام), وهو في جلسة المحاكمة! حين سأله بيلاطس إن كان هو ملك اليهود, "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من ها هنا"([9]).

إشكاليات التفسير المسيحي للملكوت:

لا شك أن الملكوت الموعود في كلام السيد المسيح (عليه السلام)، هو نفسه الملكوت الوارد في سفر دانيال، والذي يرأسه شخص أطلق عليه اسم "ابن الإنسان"، فيقول: "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقرّبوه قدّامه، فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والامم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض"([10])، وأطلق عليه في مكان آخر لقب "المسيح الرئيس"([11]).

 ولا ريب في أن المراد بالملكوت: ملكوت أرضي يحكم الارض بقوانين إلهية، وبواسطة رجال صالحين، أطلق عليهم لقب "قديسو العلي"، حيث يقول: "حتى جاء القديم الأيام وأعطي الدين لقديسي العلي وبلغ الوقت وامتلك القديسون المملكة"([12]).

إن الفارق الأساسي بين كلام دانيال وكلام السيد المسيح (عليه السلام)، أن الأول لم يبيّن زمن مجيء الملكوت هذا، بل أبقاه غامضًا، لعل اليهود يعملون على إصلاح شأنهم، ويرجعون إلى جادّة الحق، ليكونوا من جنود الملكوت، شأنهم في ذلك شأن سائر الأمم التي سوف تتّبعه، لأن الإبهام في كثير من الأحيان يشكّل دافعًا للإصلاح، نتيجة احتمال مجيء المتعلق في كل حين، فيبرز عنصر الحذر والخوف لدى الناس، حتى لا يكونوا من الخاسرين.

وأما كلام السيد المسيح (عليه السلام) فهو يؤكد على اقتراب موعد الملكوت هذا، على أساس أنه آخر نبي يسبق مجيء مقيم الملكوت هذا، كما يدل عليه قوله لتلاميذه ساعة ارتفاعه: "إن لي أمورًا كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، ولكن متى جاء ذاك، روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية"([13]).

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) إنجيل يوحنا: 17/3-4.

([2]) تاريخ الفكر المسيحي، القس حنا الخضري، ج1 ص146 وما بعدها.

([3]) إنجيل متى: 5/39-44.

([4]) سفر الخروج: 33/20-23.

([5]) إنجيل مرقس: 1/14-15.

([6]) إنجيل متى:13/34.

([7]) إنجيل متى:13/10-11.

([8]) إنجيل مرقس: 4/33-34.

([9]) إنجيل يوحنا: 18/36.

([10]) سفر دانيال: 7/13-14.

([11]) سفر دانيال: 9/25.

([12]) سفر دانيال: 7/22.

([13]) إنجيل يوحنا: 16/12-13.

 

.

تتمة مقال =

واللافت في سفر دانيال أنه لم يتكلم عن ملك لبني اسرائيل، ولم يعطهم أيّة خصوصية على سائر الشعوب، كما هو الحال في أسفار العهد القديم الأخرى، بل كان يتحدّث أو يحدّثه جبرئيل بعنوان ابن آدم([1])، كما أن كلمة "ابن الإنسان" المتقدمة، والواردة في سياق من تتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة، فقد وردت بعنوان "بارناشا" الآرامية، والتي تعني ابن آدم([2]).

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عدم وجود خصوصية لبني اسرائيل في الملكوت الآتي، مع أن النبي دانيال كان من أنبيائهم زمن السبي البابلي، الأمر الذي يظهر مدى حاجتهم إلى ما يسلّيهم في وحدتهم، ويرفع عنهم مرارة الواقع، ولو عن طريق زرع الأمل فيهم، ومع ذلك لم يمنّهم بأي أمل ليس لهم شأن فيه.

ولعل السيد المسيح (عليه السلام) قد أشار إلى هذه الحقيقة بالذات، حين خاطب اليهود بقوله: "لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمّة تعمل أثماره"([3]).

إن عمل أثمار الملكوت لا يعني سوى تطبيقه، وإقامة العدل في الأرض، وقد بيّن السيد المسيح (عليه السلام) المراد بهذه الحقيقة حين قال لهم في نفس السياق: "أمَا قرأتم الكتب، الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا"([4]).

والحجر الذي رفضه البنّاؤون لم يكن سوى إسماعيل (عليه السلام)، الابن البكر لإبراهيم (عليه السلام)، والذي عمل اليهود جاهدين، تبعًا لكاتب التوراة، على حرمانه من حقوقه التي منحه الله تعالى إياها، لا شيء إلا لأنه يستلزم حرمانهم من حقوق يزعمونها لأنفسهم وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى بحث في مقام آخر.

ومهما يكن من أمر، فإن حمل الملكوت على المعنى الروحي والنفسي لا يمكن قبوله ولا الالتزام به، بل لا بد من الالتزام بأنه ملكوت أرضي يتحدث عن حكومة آخر الزمان الإلهية، انسجامًا مع النصوص الإنجيلية نفسها، ووفاقًا لما كان عليه المسيحيون في العصر الأول بعد المسيح، الذين كانوا ينتظرون عودة المسيح إلى الأرض ليحكم العالم في أيامهم([5]).

وبحسب تعبير ول ديورانت: "كان الاعتقاد بنزول المسيح ليطهّر الارض ويقيم ملكوت الله ويبعث الناس بأجسادهم، وبعودته إلى الأرض، هو القاعدة الأساسية للدين المسيحي في أوائل عهده"([6]).

وقد ادّعى عدد من الاشخاص بعد السيد المسيح (عليه السلام) أنهم الفارقليط الذي أخبر عنه يسوع بأنه سيأتي ليقيم ملكوت السماوات([7])، مما يدلّ على أن المراد بالملكوت هو حكومة آخر الزمان كان واضحًا لديهم.

ولعل كل ما تقدم وما سيأتي، من البشارة بالملكوت الآتي، هو الذي دعا بولس إلى زعم أن الإنجيل سرّ لا يفهمه، ولهذا طلب من الناس أن يدعو له ليفهمه، فيقول: "وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله، مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لأجل جميع القديسين، ولأجلي لكي يعطى لي كلام عند افتتاح فمي لأعلم جهارًا بسرّ الإنجيل"([8])، وذلك أن كلمة الإنجيل تعني البشارة نفسها كما يفسرها المسيحيون أنفسهم، وتدل عليه عبارات الأناجيل.

أدلة وقرائن أخرى:

قلنا إن مختلف فصول الأناجيل تشتمل على قرائن وأدلة تبين أن وظيفة السيد المسيح (عليه السلام) كانت عبارة عن البشارة باقتراب ملكوت السماوات، وأن من يقيم هذا الملكوت نبي آخر غيره، وليس من بني إسرائيل، بل من إخوتهم، وقد أمر تلاميذه بالكرازة والوعظ، كما كان يفعل سواء عندما أرسلهم إلى المدن الإسرائيلية في حياته، وقال لهم: "إلى طريق أمم لا تمضوا والى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة، وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السماوات"([9])، وكذلك عند ارتفاعه وانتهاء مهمته، عندما تجلّى لأصحابه فقال لهم: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الأب والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به"([10])، وبحسب إنجيل مرقس فإن هذه الوصية كانت أوضح وأصرح: "وقال لهم اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها"([11])، وتقدم قبل قليل أن كلمة الإنجيل تعني بشارة الملكوت.

إضافة إلى ما تقدم نذكر بعض القرائن الأخرى التي تدل على أن المراد بالملكوت ملكوت أرضي زماني سيأتي في المستقبل القريب وعلى أساسه تقام حكومة آخر الزمان الإلهية:

فمنها: الصلاة التي أمر التلاميذ، ومن ورائهم كل من آمن به، أن يصلوها، وهي الأخرى تختصر دعوته ووظيفته، فقال لهم: "فصلّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك وليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"([12])، فلو كان يعني نفسه من إقامة الملكوت، أو كان يتحدث عن ملكوت روحي، كما يقوله المسيحيون، لم يكن لهذه الصلاة أي معنى لأنه سيكون دعاء لتحصيل ما هو حاصل كما هو واضح.

ومنها: أنه في نفس السياق أوصى تلاميذه أن يطلبوا من الله تعالى أن يحقق ملكوت السماوات، وهو يدل على أن الملكوت لم يتحقق في زمانه، ولا على يديه، حيث يقول لهم: "فلا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس، فإن كل هذه تطلبها الأمم، لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها، لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذه كلها تزاد لكم"([13]).

ومنها: أنه عندما سكبت امرأة قارورة طيب على رأسه، واغتاظ تلاميذه اعتقادًا منهم أنه إتلاف للمال، إذ كان يمكن بيعه وإعطاء ثمنه للفقراء، قال لهم: ".. الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكارًا لها"([14]).

ومنها: أنه في حديثه عن آخر الزمان، وأن ملكوت السماوات في ذلك الحين، قال لتلاميذه: " ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص، ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى"([15]).

 ولا نرى حاجة للتأكيد على أن بشارة الملكوت هذه عامّة لجميع الأمم، وليست خاصة في بني إسرائيل كما هو الحال في رسالة السيد المسيح (عليه السلام)، القائل: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"([16])، وبحسب شهادة إنجيل يوحنا "إلى خاصّته جاء"([17]).

وهذا التعليم هو نفسه الوصية التي أوصى بها تلاميذه، عندما تجلّى لهم، وطلب منهم أن يكرزوا في جميع العالم باقتراب ملكوت السماوات، في إشارة ذات دلالة على أن نبي آخر الزمان مبعوث لجميع الأمم، وليس إلى فئة خاصة كما كان يتصوره اليهود.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سفر دانيال: 8/17.

([2]) تعليق الآباء اليسوعيين على الفقرة، العهد القديم، ص1875، هامش رقم 11.

([3]) إنجيل متى: 21/43.

([4]) نفسه: 21/42.

([5]) تاريخ الكنيسة، جون لوريمر، ج1 ص86.

([6]) قصة الحضارة ج11 ص242.

([7]) المسيح في الانجيل - بحث في لاهوته وناسوته - ص185.

([8]) الرسالة إلى أهل افسس: 6/17-19.

([9]) إنجيل متى: 10/5-7.

([10]) متى: 27/19-20.

([11]) إنجيل مرقس: 16/15.

([12]) إنجيل متى: 6/9-10.

([13]) متى: 6/31-33.

([14]) إنجيل متى: 26/13.

([15]) إنجيل متى: 24/13-14.

([16]) إنجيل متى: 15/24.

([17]) إنجيل يوحنا:1/11.

 

.

تتمة مقال =

من يقيم الملكوت:

وما دامت وظيفة السيد المسيح (عليه السلام) مقتصرة على الكرازة والوعظ, والبشارة باقتراب ملكوت السموات, مع تأكيده أكثر من مرة أن مقيم الملكوت غيره, فلا بد من ملاحظة ما إذا كان مقيم الملكوت هذا ظاهر المعالم والشخصية في خطابه, أم أنه ترك الأمر مبهمًا, وقابلاً للتأويلات والاجتهادات المتعددة, مما يفسح في المجال ليتقوّل المتقوّلون ما شاؤوا, في ما يتعلق بهذه المسألة.

لا بد قبل كل شيء, من ملاحظة أن بشارته (عليه السلام) كانت عبارة عن "اقتراب الملكوت", وهي ظاهرة بل صريحة بأنه لم يحن وقت الملكوت بعد, وأن زمانه قد اقترب, وهذا ما اتفقت عليه كلمة الأناجيل, حيث لم يرد أن السيد المسيح (عليه السلام) مقيم لهذا الملكوت بنفسه, ولا هو حاصل في زمانه, وهذا يشكّل قرينة هامّة على عدم صحة التفسير المسيحي للملكوت.

تواجهنا في المقام عدة آيات قرآنية شريفة، تتحدث عن أن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي (صلى الله عليه وآله) معرفة تفصيلية، ناشئة من وجود اسمه وصفته في التوراة والإنجيل:

منها: قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} ([1]).

ومنها: قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}([2]).

ومنها: قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}([3]).

ومنها: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}([4]).

والمستفاد من هذه الآيات الشريفة، وكذلك من غيرها، أن معرفة أهل الكتاب بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) كانت معرفة يقينية وتفصيلية، ذلك أن معرفة الإنسان بأبنائه ويقينه بهم في قمّة هرم المعرفة، لحضورهم الدائم معه، رافقهم منذ ولادتهم, وعرف كل تفاصيل شؤونهم وشخصياتهم، فإذا كانوا يعرفون النبي بمستوى معرفتهم لأبنائهم، فهو قمة المعرفة واليقين به.

إن هذه المعرفة التفصيلية بصفة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وشخصه ناشئة من إخبار أنبيائهم به وتأكيدهم على  هذه المعرفة، حتى وصلت إلى حدّ تكون معرفتهم به بمستوى معرفتهم لأبنائهم، ولم يقتصر هذا الإخبار على الشفهي منه، وإنما ورد التأكيد عليه في التوراة والإنجيل، لكي لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حجّة لمتأول، بدعوى عدم وصول خبره إليهم، نتيجة تقادم الزمان، وكتمان الأمر عنهم، وهو ما صرّحت به الآية المباركة الأخيرة، حيث ورد فيها {يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل}، فان التعبير بالإيجاد يعني أنه لا يحتاج إلى أكثر من الرجوع إلى هذين الكتابين والتأمّل فيهما، بعيدًا عن التعصّب، والخلفيات الثقافية التي تربّوا عليها، وإنما بالنظرة الفاحصة والموضوعية، والباحثة عن الحق، وهذا الإيجاد ليس خاصًّا بزمان دون زمان، بل هو مستمرٌ ما دام هناك توراة وإنجيل، وما دام هناك باحثون عن الحق كذلك، كما يعطيه التعبير بصيغة الفعل المضارع الدّال على التجدد والاستمرار.

والسؤال الذي يواجهنا هنا: هل نجد ما يصدّق هذه الآيات الشريفة في التوراة والإنجيل من بشارة بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، لتتمّ الحجة على اتباع الديانتين، كما قال تعالى: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}([5]).

وفي مقام الإجابة سنقتصر على الحديث في الإنجيل، الذي انحصرت دعوة صاحبه (عليه السلام) على هذه البشارة كما أسلفنا، وأما التوراة فسنكتفي بالنبوءة المتقدمة على لسان موسى (عليه السلام)، والتي حاول المسيحيون تطبيقها على السيد المسيح (عليه السلام)، ورأينا أنه لم يكن تطبيقًا موفّقًا.

النبي الموعود:

إن الخطأ الأكبر الذي وقع به المسيحيون هو تطبيق عناوين النبي والملك والكاهن على السيد المسيح (عليه السلام)، ذلك أنهم علموا أن نبي آخر الزمان يتصف بهذه الصفات الثلاثة مجتمعة، فحاولوا نسبتها إلى السيد المسيح (عليه السلام)، دون أن يلتفتوا إلى أن ذلك مخالف لصريح قانون الكتاب المقدس، الذي حصر الملك في نسل يهوذا، والكهنوت والنبوءة بأبناء هارون من نسل لاوي في بني إسرائيل، كما هو مخالف للواقع التاريخي الذي قامت عليه سيرة اليهود.

وقد صدر الأمر التوراتي بأن لا يتزوج كل رجل إلا من سبط أبيه، ولا يتعدّاه إلى سواه، وعلّل هذا الأمر بقوله: "فلا يتحول نصيب لبني إسرائيل من سبط إلى سبط، بل يلازم بنوا إسرائيل كلُّ واحد نصيب سبط آبائه، وكل بنت ورثت نصيبًا من أسباط بني إسرائيل تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها، لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه"([6]).

وبناء على ذلك، فإن كان السيد المسيح (عليه السلام)من نسل يهوذا كما ذهب إليه المسيحيون فلا يحق له النبوءة ولا الكهنوت وإنما له الملك، وأما إذا كان من نسل سبط هارون كما هو الحق فهو نبي وليس ملكًا.

إن منشأ هذا التطبيق الخاطئ هو أن كلمة المسيح, قد وردت في الكتاب المقدس بهذه المعاني الثلاثة أعني الملك والنبوءة والكهانة، وهي لا يمكن أن تنطبق على أحد في بني إسرائيل بصريح الكتاب المقدس.

ولقد أكّد السيد المسيح (عليه السلام)في مختلف المناسبات أنه نبي وليس ملكًا، بل إن بعض اليهود حاولوا ذات مرة أن يخطفوه ليجعلوه ملكًا عليهم، بعدما رأوا ما صنعه من معجزات ففر منهم وانصرف([7])، بل قد امتنع من القضاء بين المتخاصمين، قائلاً لمن جاء شاكيًا على أخيه، "يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسمًا!؟"([8])، كما امتنع عن إقامة الحدّ على المرأة الزانية([9])، مع أن لهذه المشاكل أحكامًا في شريعة موسى (عليه السلام) يجب تنفيذها.

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنه (عليه السلام) أراد أن يثبت لهم بطريقة عملية أنه مجرد بشير لإقامة ملكوت السماوات, وقد عالجنا هذه المسألة بالتفصيل في كتاب "المسيح في الإنجيل - بحث في لاهوته وناسوته-"، فيمكن لمن أراد التوسّع أكثر أن يرجع إليه هناك.

وفي مقام بيان حقيقة النبي الموعود نجد أن السيد المسيح (عليه السلام) قد استخدم كافّة الأساليب الممكنة لإظهاره لبني إسرائيل، فقد بدأ في المرحلة الأولى من دعوته الشريفة بذكر ملكوت السماوات، وبيان حقيقته، وأنه ملكوت أرضي, بمعنى أنه حكومة تدير شؤون العالم، على أساس أحكام الله تعالى، من خلال الأمثال الكثيرة، التي أوردها لهم في مواعظه، بغية تقريبه إلى الأذهان.

هذا مع أن أصل مجيء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان مأنوسًا في أذهانهم، وكانوا ينتظرونه بفارغ الصبر، وهذا ما يدل عليه عدد من النصوص، من قبيل قول الإنجيل: "وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت، فاعترف ولم ينكر، وأقرّ إني لست أنا المسيح، فسألوه إذن ماذا، إيليا أنت؟ فقال: لست أنا، النبي أنت؟ فأجاب: لا"([10]).

وهو حوار صريح بأنهم كانوا يعرفون النبي الموعود وينتظرون مجيئه، كذلك كثير من الناس لما سمعوا بشارته، التي فسرها كاتب الإنجيل خطأ بالروح القدس، "قالوا هذا بالحقيقة هو النبي، آخرون قالوا هذا هو المسيح، وآخرون قالوا ألعل المسيح من الجليل يأتي"([11]).

إن من أهم صفات النبي الموعود إنه يأتي لجميع الناس وليس إلى بني إسرائيل فقط، وهذا كانوا يعرفونه أيضاً، فإنهم بعدما رأوا معجزة من معجزاته "قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم"([12])، مع أنه كان (عليه السلام) قد نفى هذه الصفة, أعني صفة العموم في دعوته لسائر الناس, عن نفسه، حينما جاءت امرأة كنعانية متوسلة إليه أن يشفي ابنتها، فقال لها: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"([13])، وشهد بذلك أيضاً كاتب إنجيل يوحنا حين قال: "إلى خاصّته جاء وخاصته لم تقبله"([14]).

وفي مرحلة ثانية من مراحل الدعوة بيَّن لهم أن هذا النبي ليس من بني إسرائيل أصلاً، مشيرًا إلى أنه من نسل إسماعيل (عليه السلام)، فقال لهم: "أما قرأتم في الكتب، الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية.، من قِبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره"([15]).

ولا يمكن أن يكون المراد بالأمة المسيحيين، لأن المبشرين بدعوته (عليه السلام) هم بنو إسرائيل دون سواهم، وانفصال المسيحيين عن اليهود قد تمّ في نهاية القرن الأول للميلاد([16])، بعد تدخّل بولس ودعوته غير اليهود إلى الدخول في الدين الجديد، خلافًا للحواريين وللسيد المسيح (عليه السلام).

وغير خفي أن الملكوت سيتم على يد النبي الآتي إلى العالم، والذي كان اليهود يرجون أن يكون منهم، وهذا ما تقتضيه المثلية وكون المعجزة في فمه الواردة في سفر التثنية، والتي تقول: "أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به"([17])، وتقدم الحديث عنها، فأظهر السيد المسيح (عليه السلام) بكلامه لهم أن النبي الذي سيقيم الملكوت وأمته من غير بني إسرائيل، بل هو ينتسب إلى الحجر الذي رفضه البناؤون، حيث كنَّى به عن إسماعيل (عليه السلام)، الذي حاول اليهود أن يبعدوه عن واجهة الأحداث، بكل ما أوتوا من قوّة مكر وخداع، محاولين تقديم إسحاق (عليه السلام) عليه، لا لشيء إلا لأنهم من نسله، وفي ذلك بعض كرامة لهم في ما يزعمون.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة البقرة الآية: 89.

([2]) سورة البقرة الآية: 146.

([3])سورة الأنعام الآية: 20.

([4]) سورة الأعراف الآية: 157.

([5]) الأنعام من الآية 149.

([6]) سفر العدد: 36/7-8.

([7]) إنجيل يوحنا: 6/15.

([8]) إنجيل لوقا: 12/13-14.

([9]) إنجيل يوحنا: 8/10-11.

([10]) إنجيل يوحنا: 1/19-21.

([11]) إنجيل يوحنا: 7/40.

([12]) إنجيل يوحنا: 6/14.

([13]) إنجيل متى: 15/24.

([14]) إنجيل يوحنا: 1/11.

([15]) إنجيل متى: 21/42-43.

([16]) موسوعة تاريخ اوروبا العام، ج1،ص225.

([17]) سفر التثنية: 18/18.

 

.

تتمة مقال =

اسم النبي في الإنجيل:

وفي المرحلة الثالثة والأخيرة، وعلى أبواب أورشليم، في آخر رحلة له، أعلن السيد المسيح (عليه السلام) عن اسم النبي الموعود، ولكن كتّاب الأناجيل تصرفوا به من خلال ترجمته إلى اللغة اليونانية، كما هي عادتهم في ترجمة أسماء الأعلام، ثم أضاف عليه النس‍ّاخ إضافات أثّرت على فهم معناه الأصلي، بعدما تثبتت العقائد المسيحية، التي جعلت شخص السيد المسيح (عليه السلام) محور البشارة والدعوة.

إلا أن هذه الإضافات، وتلك الترجمات لا تمنع من ظهور اسمه (صلى الله عليه وآله) في الإنجيل مع قليل من التأمّل والدقة.

وهنا لا بد من تسجيل ملاحظة هامة، وهي أن النبي الموعود، وعلى الرغم من كونه محور دعوة السيد المسيح (عليه السلام) وغايتها، وتعرض لها بالبيان والشرح في أورشليم، إلا أن الأناجيل الأزائية الثلاثة (متى, ومرقس, ولوقا) لم تذكر الخطاب والموعظة التي ذكر فيها السيد المسيح (عليه السلام) اسم النبي أصلاً، والذي ذكرها خصوص إنجيل يوحنا، وهي آخر موعظة له قبل ارتحاله عن هذا العالم، وهذا من المفارقات الغريبة.

ينبغي أولاً أن نستعرض النصوص التي ندّعي ورود اسمه الشريف (صلى الله عليه وآله) فيها، وهي أربعة:

الأول: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيًّا آخر فيمكث معكم إلى الأبد"([1]).

الثاني: "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً، الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم"([2]).

الثالث: "ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي"([3]).

الرابع: "إن لي أمورًا كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم إلا من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية"([4]).

إن محل البحث في المقام هو كلمة "المعزي" وهي ترجمة لكلمة "بيركليتوس" أو "باراكليتوس" اليونانية، والفرق بينهما أن الأولى تعني محمود أو أحمد أو كثير الحمد، وأما الثانية فتعني المدافع أو المحامي أو المعين أو المعزي الخ...

ذهب عامة المسيحيين إلى أن الأصل اليوناني للكلمة هو "باراكليتوس"، ولكن بعضهم اعترف بأن "بيركليتوس" واردة ومحتملة أيضاً، ولكنه اعتبرها قراءة شاذّة للإنجيل([5]).

لقد عالجنا هذا الموضوع بشكل موسع، في كتاب "المسيح في الإنجيل –بحث في لاهوته وناسوته"، ولا نريد التفصيل فيه هنا، ولكنّنا نورده على نحو الإجمال، ويمكن لمن أراد التوسع أكثر الرجوع إليه هناك، فنقول:

إن حروف العلة، وهي الألف والواو والياء، لم تكن موجودة في اللغة اليونانية قبل القرن الخامس الميلادي، وعليه فإن كلمة باركليتوس هي نفسها بيركليتوس في رسم الكلمة([6])، وعليه فتصح قراءة الكلمة بالصيغتين بدون إشكال.

هذا مضافًا إلى أنه لو فرض عدم صحة القراءة فيهما، فاحتمال وقوع الخطأ في القراءة عند المتمكن في اللغة وقواعدها ممكن وطبيعي، بعد عدم وجود فرق بينهما في الرسم، فضلاً عن غير العالم المتمكن بها، وقد شهد المسيحيون بأن كاتب الإنجيل لم يكن يونانيًا، بل كان يهوديًا فلسطينيًا([7])، ولغة الإنجيل نفسه تكشف عن عدم عمق ثقافته اليونانية([8])، فلا مجال لترجيح صيغة باراكليتوس استنادًا إلى ذلك.

إلا أن ذلك لا يعني استواء الصيغتين في ما هو المراد من الكلمة، بل هناك من القرائن ما يدل على أن الصحيح هو كلمة بيركليتوس الواردة في النص، والتي تعني "أحمد".

منها: أن كلمة المعزي وأخواتها المستخدمة في الترجمة العربية للنص، على أساس أن الكلمة في اليونانية هي "باراكليتوس" هي صفات، بخلاف كلمة "بيركليتوس" فإنها اسم وليست صفة، وتعليقًا على هذه الترجمة، قال الأب متى المسكين: "ليست هذه الكلمة (أي المعزي) ترجمة دقيقة للأصل اليوناني، ولكنها ترجمة جزافية للكلمة الأصلية التي هي (الباركليت)، وكان يجب أن تترك كما هي، لأن الباركليت هنا اسم وليس صفة"([9]).

وقال في مقام آخر: "في الترجمة العربية لإنجيل يوحنا لم يذكر المترجم اسم (الباركليت) بهذا اللفظ المعربة حروفه، وهذا نقص معيب، وتصرف من المترجم، حيث ترجم معناها من اليونانية إلى معناها بالعربية وجعلها اسم صفة (المعزي).

فاذا فحصنا كلمة (الروح) نجدها تأتي في الإنجيل في اللغة اليونانية الأصلية، لغويًا ومن جهة النحو، كاسم مجرد أي اسم معنوي يفيد المعنى العام، ومحايد الجنس (لا مذّكر ولا مؤنث).

وأما اسم الباركليت فيأتي كاسم علم شخص مذكر، لذلك يعتبر إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي أعطى للروح القدس - لغويا من جهة النحو- صفته الشخصية، إذ نقله لغويًا من دائرة المجردات كقوّة إلى ذات مشخصة"([10]).

ويدل على أنها اسم علم مذكر أيضاً، ورودها في اليونانية منتهية بحرف السين، واليونانية تزيد حرف السين في آخر أسماء الأعلام([11])، وهذا كله كاشف عن أن الصيغة الأصلية للكلمة اليونانية هي "بيركليتوس" والتي تعني اسم العلم "أحمد"، لا "باراكليتوس" التي تعني "المحامي والشفيع" ونحوهما.

يضاف إلى ما تقدم، أن كاتب الإنجيل قد فهم أن الكلمة اسم علم في العبرية، ولذلك نقلها بلفظها إلى اليونانية، وأدخل عليها حرف السين للدلالة على ذلك، فقد نقل الدكتور أحمد حجازي السقا عن الأب متى المسكين قوله:

"إن كلمة البارقليط تنطق بالعبرية هكذا (البيرقليط) وهذا النطق عينه هو الذي اشتق منه نطق الكلمة باللغة العربية (البرقليط) لأن اللغة العربية تميل إلى الأخذ من اللغة العبرية القديمة، أكثر من اللغة اليونانية، ووردت بهذا المعنى في كتابات الآباء الرسوليين وبالذات في رسالة برناباس"([12]).

وبهذا يتبين أن اسم النبي الأعظم أحمد (صلى الله عليه وآله) قد ورد صريحًا في الإنجيل، وهو المقصود بإقامة ملكوت السماوات، وهذا تصديق قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}([13]).

والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) إنجيل يوحنا: 14/15-16.

([2]) إنجيل يوحنا: 14/23-26.

([3]) إنجيل يوحنا: 15/26.

([4]) إنجيل يوحنا: 16/12-13.

([5]) مدخل إلى المحور الإسلامي المسيحي، الأستاذ الحداد، ص392.

([6]) نقد التوراة، ص 270-271.

([7]) تفسير الكتاب المقدس، ج5، ص228.

([8]) صوفية المسيحية- الانجيل بحسب يوحنا, ص59.

([9]) شرح إنجيل القديس يوحنا، ج2 ص939.

([10]) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص247.

([11]) نقد التوراة، ص270.

([12]) نقد التوراة، ص269، عن الباركليت الروح القدس في حياة الناس، ص12-13.

([13]) سورة الصف: الآية 6.

 
115%