رسالة النجف

ميزان التفسير وعدّة المفسر

 

ميزان التفسير وعدّة المفسر

الشيخ إبراهيم الأنصاري1

مقدمة:

ذكر سيدنا الأستاذ الطباطبائي (قدس سرّه) في مقدمة تفسيره القيّم (الميزان): أن المفسّرين باعتبار ما عندهم من المسلّمات العقلية أو النقلية، كل واحد منهم فسّر القرآن طبق مسلكه، فالمحدّثون نظروا إلى الأحاديث الموجودة بأيدهم - مع اشتمالها على الغثّ والسمين والأكاذيب والإسرائيليات والمتشابهات وغيرها - نظرهم إلى القرآن في حجيتها سندّا ودلالةً، مع ما في إسنادها من الدسّ والكذب والإرسال، وما في دلالتها من الإجمال والتشابه والسُّقط وغير ذلك، مضافًا إلى اشتمال مداليلها على مطالب منكرة مخالفة لصريح القرآن.

 فانجرّ الأمر إلى جعل القرآن تابعًا للحديث بعدما كان متبوعًا، والنظر إلى الحديث حاكمًا على القرآن بعدما كان شارحًا، وتبدلّه إلى مؤول بعدما كان مفسّرًا.

ثم جاء بعدهم أصحاب الكلام على اختلاف آرائهم فحملوا على القرآن ما لا يتحمّله من الآراء السخيفة والمتناقضة، على نحوٍ كأنّ القرآن عند أهل كلّ فرقة لم ينزل إلا لتأييد مذهبهم.

ثم دخلت الفلسفة اليونانية وبرع فيها جماعة من المسلمين فتعاملوا مع القرآن مثل من سبقهم من تأويل القرآن وتطبيقه على آرائهم.

وكذلك كان أمر المؤرخين والقصّاصين وغيرهم من أصحاب العلوم.

وفي القرون الأخيرة جاء جمع من المثقفين المتعبّدين بالآراء الجديدة والنظريات المادّية المبنيّة على الحسّ والتجربة وإنكار ما خالفها كائنًا ما كان، وبدأوا بتأويل القرآن على طبق ما تسلّموه من النظريات الجديدة، وتطبيقها على الآيات بالتكلّفات الباردة والتأويلات غير الملائمة.

وحاصل عمل الجميع عرضُ القرآن على آرائهم، مع أن الواجب عرض الآراء على القرآن.. إلى آخر ما ذكره (قدس سرّه).

تفسير القرآن بالقرآن، هل هو مجرد شعار ؟

أقول : من القديم شاع بين المفسّرين أنهم حين يشرعون بالتفسير، فإنهم ينتقدون السابقين بمثل ما ذكره سيدنا الأستاذ، ويدّعون لأنفسهم التخلّص عن هذا النقص، ولكنّهم بمجرد الخوض في التفسير يكرّون على ما فرّوا منه ويزيدون على السابقين في ما اعترضوا به عليهم.

كما أنه قد نسب البعض إلى سيدنا الأستاذ (قدس سرّه) أنه لم يلتزم بما تعهّده من تفسير القرآن بالقرآن، بل أراد تطبيق مسلّماته على القرآن تحميلاً عليه بما لا يتحمّله وتأويلاً لا تفسيرًا.

إشكال وجوابه:

لا ريب أن التفسير يحتاج إلى العلم وليس من شأن الجاهل أن يشتغل به لقوله تعالى {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}([i])،وغيرها من الآيات المخصِّصة لعلم القرآن بالعلماء والخواصّ ونفيه عن العموم كما سيأتي عن قريب.

كما لا ريب أن كلّ عالم عنده مسلّمات من العلم الذي تعلّمه سواء كان فقيهًا أو أصوليًا أو متكلّمًا أو فيلسوفًا أو غير ذلك.

كما لا ريب في أن ما نراه من المسلّمات عند خصمنا، يراه هو من البرهانيّات أو البديهيات، وبالعكس، بمعنى أن ما هو من الأمور الثابتة البرهاينة عندنا، ينظر إليها الخصم بنظر الشكّ ويراها جدليات أو مسلّمات أو مغالطات.

فالمفسّر إن لم يعتمد على ما عنده من العلوم واكتفى بالترجمة الظاهرية لا يكون ما ذكره تفسيرًا، أو لا يكون تفسيرًا علميًا، بل يكون شيئًا شبيهًا بالترجمة، وإن أراد التجزئة والتحليل في تصوّرات القرآن، والإثبات والنفي في تصديقاته، فهذا لا يكون خارجًا عن الاعتماد على ما عند المفسّر من العلم، لأن المقدّمات التي يستعملها في كشف المجهولات التصورية أو إثبات التصديقات القرآنية ونفيها كلّها مقدّمات ثابتة في العلم السابق عليه، وتكون الاستعانة بها في كشف مجهولات القرآن مستلزمة لتطبيق القرآن على آراء ذلك العلم من فقه أو أصول أو فلسفة أو كلام أو حديث أو غيرها، فيكون تفسيرًا بالرأي.

فكيف يمكن التوفيق بين هذين الأمرين ؟

المعيار لتمييز الحق عن الباطل:

ولكن يمكن الجواب على هذا الإشكال بأن المفسّر إذا بحث في كل واحدة من المقدّمات التي سبقت تفسيره بحثًا موضوعيًا، ثمّ جعله مبنىً للبحث الذي يترتب عليه، وهكذا... فهذا البحث لا يكون جدليًا ولا مغالطيًا، كما أنه لا يكون من قبيل تطبيق القرآن على الرأي، بل هو تطبيق للرأي على القرآن، إذ كما أنه لا ينافي حقيّة الحقّ مخالفته لرأي المفسّر، لكن موافقته لآرائه ليس علامة للباطل، ولا مظنّة له.

وهذا هو الجواب بصورة إجمالية، وأما الجواب التفصيلي فيتضح من خلال عدّة نقاط، وهي :

أولاَ: الحقّ الذي تقتضيه المباني والضروريات الثابتة في مذهب الشيعة بل مطلق العدلية، أن الخالق العادل الحكيم الذي أنزل الدين ليتديّن به الناس ويعملوا به لو جعله على نحوٍ أمكن خفاؤه على أكثرية الناس أو على جماعة كثيرة معتدّ بهم خصوصًا العلماء المنصفون، فهذا ينافي حكمته تعالى من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع والأحكام.

بل كان مقتضى حكمته أن يجعل في باطن كل شخص من العقل وفي خارجه من الشرائط الاجتماعية ما يمكّنه من الخروج من الكفر والباطل في الجملة والاهتداء إلى الحقّ كذلك تحفظًّا على غرضه من الدين.

ثانيًا: إن مقتضى عدله تعالى أن ينصب من الطرق الظاهرية والباطنية ما يوصل طالبيه إليه ولا يخيب أمل الراجين والمخلصين في طريقه، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!

وثالثًا: على فرض عدم اقتضاء الحكمة ، التي هي مقبولة عند جميع الفرق الإسلامية حتى الأشعرية ، وعدم تمامية التمسك بالعدل المتسالم عليه بين جميع الفِرَق عدا الأشعرية، فمقتضى اللطف الذي تعتقده الإمامية وجوب نصب الطرق والمسهّلات والمقرّبات التي توصل طالب الحق إليه، سواء كان بالخواطر النورانية أو بالإلهامات المعنوية أو بغير ذلك من الوسائل الخارجية.

رابعًا: إن مقتضى قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}([ii])، وغيره من الآيات والروايات المتواترة أنه تعالى يساعد طالبي طريقه ويوصلهم إلى الحقّ نوعًا، بحيث لا يغيب الحق عن الأكثرية ولا يكون المحجوبون عن الحقّ والقاصرون من الجُهّال كثيرين، بل تبقى جماعة قليلة جهّالاً قاصرين، وأما أكثرية الذين راموا الحق وسعوا في طلبه، فإنهم يصلون إليه، ويهتدون إلى الغاية الحقيقية من خلق العالم.

فمن كان من أهل العلم وبحث عن أصول الدين وفروعه وعن المذاهب والآراء بحثًا موضوعيًا، لا يحجب عنه الحق، وينفتح له الباب ويلج فيه، وبالنتيجة يحصّل المقدمّات والمباني التي يجعلها أصولاً موضوعية ومبادي تصورية أو تصديقية لتفسيره، ويكون تفسيره مضافًا إلى كونه علميًا وتحقيقيًا، مصيبًا موضوعيًا ومبنيًا على الإنصاف وواصلاً إلى الحق والحقيقة ومصونًا عن الانحراف والضلالة،

وهذا الإشكال والجواب يأتيان في جميع العلوم .

مواد المعاني وصورها أو غايتها؟

وذكر سيدنا الأستاذ الطباطبائي (قدس سرّه) أنّ فهم كلامه تعالى لا يمكن مع الجمود على المعاني المأنوسة المادّية.

ونحن نبيّن مراده بذكر مقدمات:

المقدمة الأولى: إن الدّاعي الأصلي إلى وضع الألفاظ، هو الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم والتفهّم، والاجتماع إنما تعلّق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلقة بالمادة ولواحقها، فوضعت الألفاظ علائم لمسمّياتها التي نريد منها غايات وأغراضًا عائدة إلينا.

بيانه: أن الغرض من وضع كلمة [الميزان] مثلاً تفهيم ما يحصل به الغرض من الميزان، وهو تعيين مقدار الشيء، ولكنه في الأزمنة السابقة كان الميزان بشكل خاص مع مادّة مخصوصة، بحيث صار أنس الذهن بالمادّة المخصوصة سببًا لنسيان المعنى الأصلي المتقوّم بالغرض، بحيث إذا ذكرت هذه الكلمة يتبادر إلى الذهن الشّكل الخاص والمادة المخصوصة التي كانت رائجة حينذاك.

المقدمة الثانية: إن هذا الأنس يصرف المعاني إلى الفرع ويُنسى المعنى الأصلي الذي كان مبنيًّّا على الأغراض، بحيث لو وُجد مصداق آخر محصّل لذلك الغرض ولكن بمادّة أخرى أو بدون المادة بأن صنعوا ميزانًا آخر بمادة جديدة، أو استعملوا كلمة [ السمع] و[البصر] في موردٍ لا وجود للعين المادي والأذن فيها ، فإن الأذهان العادية تستغربه وتستنكره، فلو لاحظنا مواد المعنى ربما تصل التغيّرات إلى حدّ لا يبقى شيء من مواد المعنى ولا هيئته باقية في المصاديق الجديدة.

فإن كان الموضوع له هو الشيء في غايته، كان انطباق اللفظ على الشيء في مادته الجديدة ممكنًا لبقاء الغرض في المصداق الجديد، وإن كان الموضوع له المادّة والهيئة، فبين المعنى الجديد والقديم تباين كامل، فلا معنى لتطبيق الاسم عليه.

المقدّمة الثالثة: إن طريقة المفسّرين تختلف، فبعضهم يُفرط في تفسير الألفاظ بالجهات المادّية والغفلة عن الجهات المعنوية والأغراض مثل الأخباريين وغالب الأدباء واللغويين، فإما يأخذون بالمعاني المادية فيقعون في التشبيه والتعطيل والكفر والزندقة، أو يفسّرون القرآن بمعانٍ مضحكة، أو يحكمون بكون أكثر الآيات متشابهة، لعدم ظهور معانيها بناء على مبانيهم المادية وعدم فهمهم للتفسير الصحيح أو عدم قبولهم له.

ثم إنه قد فرّع على هذه المقدّمات أن المفسّر له أن يختار أحد الطريقين :

الأول: أن يبحث عن الموضوع المبحوث عنه في الآية بحثّا علميًا موضوعيًا عميقًا، ثم يأتي إلى تفسير الآية ويحملها على المختار في بحثه.

الثاني: أن يفسّر القرآن ويستوضح معنى الآية من سائر الآيات المشابهة أو المشتركة معها ويشخّص مصاديقها ويجعل بعضها مفسّرًا للبعض، وهذا هو التفسير الصحيح الذي يرتضيه القرآن دون الأول.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.  أستاذ العقائد في الحوزة العلمية في قمّ المشرفة.

[i] - العنكبوت الآية 43 .

[ii] - العنكبوت من الآية 69.

 

.

تتمة مقال = ميزان التفسير وعدّة المفسر

إهمال الجهات الأدبية والظهورات العرفية:

أقول: لنا على كلامه ملاحظتان :

الملاحظة الأولى: أن التفسير اللفظي بين إفراط وتفريط، فقد أشار (قدس سرّه) إلى المفرطين في التفسير المادّي، ولكنه ترك ذكر مقابلهم وهم المفرطون في التفسير بالغايات وأخذ الجامع للمعاني، بحيث يدخل تفسيرهم في الفريق الذي أصرّ قدس سرّه على ردّهم .

فكما أن المعنى يشتمل على علّة غائية، فإنه يشتمل على العلة المادّية والصورية أيضًا، وكما أن الجمود على المادّة والصورة وترك الغاية غير صحيح لما ذكر، كذلك الجمود على الغاية وإهمال مادة المعنى وصورته أيضًا إفراط في التفسير بالغايات، وهذا هو المُشاهد من تفاسير العُرفاء والصوفيّة وبعض المتفلسفة الذين لا يراعون الأدب مع القوانين الأدبية والموضوعات المسلّمة عند أهل اللغة والنحو والصرف والبلاغة والفصاحة، ويرون التفسير فوق هذه العلوم، ويطلقون العنان في هذا الميدان أزيد من حقه، وينبذون قوله تعالى {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}([1])وغيرها من الآيات وراء ظهورهم.

وسيدنا الأستاذ (قدس سرّه) مع كونه من العرفاء والفلاسفة فإنه من المعتدلين في هذا الباب بمعنى أنه لا يخرج عن الضوابط الأدبية الدالة على تعيين مادة المعنى وصورته، ولا يفرط في الأخذ بالغاية والجامع بين المعاني عملاً إلا قليلاً.

ولكنه في بيانه هذا ربما يتوهم منه تفريط في جانب مادة المعنى وصورته، بالتركيز على غايته وفائدته، ولعل ذلك لأنه لا يرى الحاجة إلى التأكيد على جانب المادة والصورة، لوجود هذا الجانب بقدر الكفاية في كتب اللغويين والمفسّرين والأدباء.

الملاحظة الثانية: أن [تفسير القرآن بالقرآن] كلام مجمل وله وجوه مختلفة وطرق متعدّدة، حيث إن بعضهم يجمع الآيات المشتركة في الموضوع ثم يفسّرها برأيه، ويرى هذا تفسيرًا للقرآن بالقرآن، وبعضهم يجعل المجمل مفسرًا للمبين، ويحمل الخاص على العام، والمقيد على المطلق، ثم يسميها تفسيرًا للقرآن بالقرآن.

فمجرد الدعوة إلى تفسير القرآن بالقرآن لا يحلّ المشكلة إلا إذا بحث عنه بحثًا موضوعيًا عميقًا يعيّن طريقته، ويبيّن كيفيته، ويذكر شرائطه، ومن له أهلية هذا التفسير، ثم يراعي جميع هذه الأمور في ضمن التفسير.

والتحقيق: أن التفسير مثل ساير العلوم يحتاج إلى مقدّمات خارجة عنه مثل العلوم الأدبية والفصاحة والبلاغة، ثم إلى تكميل علم العقايد والكلام لا ليحمل الآيات عليها، بل ليكون معرفته بصاحب الكلام وأوصافه وأفعاله، ومعرفته بمن جاء به، ومعرفته بالعصر الذي نزل فيه، والقوم الذين خوطبوا به، والهدف الذي نزل من أجله، ومعرفته بمن أُحيل إليهم تفسيره وتأويله، والحالات التي نزلت هذه الآيات فيها، لتكون هذه الأمور وغيرها أضواءَ تُنير درب المفسّر، ومرجّحًا للاحتمالات التي تواجهه، فإن التأمّل في ذات القائل وصفاته وحياته وحواشيه وغير ذلك يؤثّر كثيرًا في فهم مراداته من كلماته.

ثم إنه إذا مارس علم التفسير مدّة طويلة وحضر عند الأساتذة وراجع التفاسير وجمع آراء العلماء وعلومهم إلى علمه، بمعنى أنه مضافًا إلى جمع الآيات المناسبة للآية المبحوث عنها يراجع الروايات الواردة في تفسيرها، ويجمع أقوال العلماء وأدلتهم، ويزيد على ذلك ما يخطر بباله، ثم يحاكم بين الجميع ويفسّر القرآن على ضوء واقع الموضوع الذي بحث عنه القرآن، لا واقعه العرفي الواضح، بل واقعه الذي بحث عنه في العلم المناسب له والآراء التي لأهل ذلك العلم فيه.

التقوى العلمي:

إذا جمع المفسّر روايات صاحب الرّسالة (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، وآراء أهل التفسير وآراء علماء الفنّ التي يرتبط بها موضوع الآية وغير ذلك، وتدبّر بالمقدار الذي يمكنه من التدبّر ،حينئذٍ كان من المتّقين في عمل التفسير، لأنه اتّقى من التسامح والتقصير {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}([2])، ويرزقه التفسير الواقعي من حيث لا يحتسب، فإنه تعالى إذا وجد هذا المفسّر قد بذل جهده، وجاهد قدر طاقته، وجمع ما احتمل دخله في فهم الآية، واستفرغ الوسع، كان مشمولاً لقوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}([3]) وقوله تعالى {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ}([4]).

وأما إذا اكتفى بجمع الآيات وقصّر في الجهات الأدبية والروايات التفسيرية، أو توجّه إليها وغفل عن آراء العلماء في التفاسير، أو جمع هذه الأمور ولكنه أهمل البحث عن موضوع الآية ولم يراجع آراء علماء فنّه وأهل خبرته وأهل الاختصاص به، لم يكن ممن بذل جهده، ولم يجاهد، ولم يتقِ الله وذلك بسبب إهماله بعض هذه الجهات ، فلا يكون الله تعالى معه، لأن {اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}([5]).

حكومة القرآن على الحديث واستعانته به:

وهنا نكتة مهمّة، وهي أن هذه الوسائل التي يستعان بها على تفسير القرآن، هل يؤخذ بها كليّة حتى ولو استلزم حمل الآية على خلاف صريحها أو ظاهرها بالتأويل وغيره، أو يترك بالكليّة ؟ أو هناك حدّ معقول ؟

لقد بحث العلماء عن مسألة عرض الأحاديث على الكتاب وطرح ما خالفها، ومسألة تفسير القرآن بالحديث.

ولا إشكال أن القرآن حتى على فرض حجية ظاهره للجميع - كما هو الحقّ - وعدم توقف حجيّته على ورود الحديث، لا يمكن لأحد إنكار أن أعلم الناس بتفسير القرآن هم مَنْ نزل عليه ومن تعلمّوه منه بلا واسطة ونزل القرآن في بيوتهم من أهل بيت العصمة، فكل ما ورد في تفسير الآيات عنهم يجب الأخذ به والبحث عنه عند تفسير الآيات.

ولكن من جهة أخرى ليس كل ما ورد عنهم ونسب إليهم فهو منهم، إذ ما أكثر الأحاديث التي يعلم كذبها وجعلها.

شبهة الدور وجوابه:

وحيث إن القرآن لا شك في سنده وإن كان يشكّ في دلالته، والحديث بالعكس، فيستعان بكل واحد منهما للآخر، ويرفع موضع الشك من كل واحد منهما بمقابله وقرينه، وحيث إن جهة السند مغايرة لجهة الدلالة فلا دور.

ولكنّ حاجة القرآن إلى الحديث في غير موارد الصّراحة والظهور، فتُعرض الأحاديث على القرآن في نصوصه وفي ظواهره، ويميّز باطل الأحاديث من حقّه، فيؤخذ بعضها ويترك البعض، وهذا هو المراد من الأخذ بما وافق الكتاب وترك ما خالفه كما ذكره الأصوليون.

أما الأحاديث التي خرجت من هذا الامتحان بعنوان [ما يوافق الكتاب] أو [ما لا يخالفه]، فهي التي تجعل في ضمن الوسائل التي يستعان بها في تفسير القرآن وفي رأسها.

ومن هنا يظهر أنه لا يمكن رفع اليد عن ظاهر القرآن أو صريحه بالحديث، لما مرّ من أن الأحاديث المخالفة لنصوص القرآن وظواهره تطرح أولاً عند عرضها على القرآن وغربلتها، فلا يبقى منها عند الاستعانة بها في التفسير إلا ما لا يتّسم بسمة مخالف القرآن.

يتبع =

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الشعراء الآية 195.

[2] - الطلاق الآية2.

[3] - العنكبوت من الآية 69.

[4] - البقرة من الآية 282.

[5] - النحل من الآية 128 .

 

.

تتمة مقال = ميزان التفسير وعدّة المفسر

استناد العلوم إلى القرآن والاستعانة بها في تفسيره:

وهذا القانون عينًا يعمل به  في سائر الموازين، فالقواعد النحوية التي هي عند النَّحويين كالوحي المنزل، يجب أن تؤخذ من القرآن، وتُعرض عليه، باعتبار أن منزّل القرآن هو خالق النحو والنَّحويين وهو أعلم بقوانينه من سيبويه والكسائي وغيرهما، ولازمه أن كلّ قانون نحويّ أو صرفيّ خالف صريح القرآن الكريم أو ظاهره، واقتفى تأويله وإخراجه عن معناه، يطرح ويغيّر على طبق القرآن حتى يحصل عندنا (نحوٌ قرآني) و(صرف قرآنيّ) و(بلاغة قرآنية)، وهكذا سائر العلوم الأدبية.

ويُعرف بهذه الطريقة القواعد المجعولة على طبق الأهواء والمذاهب والآراء،  كما اخترع المجسّمة قولهم بأن [لن] لتأكيد النفي، فرارًا عن إلزام الشيعة والمعتزلة لهم بقوله تعالى {لَن تَرَانِي}([1])، الدال على نفي رؤيته تعالى إلى الأبد، فأرادوا التخلّص عن جوابهم باختراع عدّة من مجسّمة النحو معنى [التأكيد]، في مقابل التأبيد ، وهكذا أمثاله، ومثل دعواهم أن كلمة [هؤلاء] وضمير [هم]، لا تختصّان بذوي العقول، بل تطلقان على غيرهم، حتى يتمكّنوا من صرف قوله تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء... قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}([2])،عن إرادة أشباح الخمسة الطيّبة وأنوارهم، إلى إرادة الحجر والشجر والكلب والخنزير وغيرها.

القرآن والعقل:

وكذلك القواعد الفلسفية تُعرض على القرآن نصوصه وظاهره فيطرح ما خالفه منها ويبقى ما لا يخالفه بعد الغربلة، فيستعان بها في تفسير القرآن.

وكذلك المكتشفات الجديدة فيها حقايق واضحة مثل وجود الجراثيم وبعض أحكام الذرّة والأفلاك وغيرها من الأمور التي صارت مثل البديهيات، وأمور أخرى هي فرضيات علمية أو أطروحات ونظريات مبحوث عنها، تسلّمها بعضهم أو أكثرهم، وردّها أو توقّف في قبولها الآخرون، أو سكتوا عنها، أو أنهم تسلّموها جميعًا مع اعترافهم باشتمالها على مواضع شكّ وإبهام وعُقد غير منحلّة.

والحاصل: أن ما اتضحت حاله باليقين يؤخذ أصلاً موضوعيًا لتفسير القرآن، وما بقي فيه نقطة إبهام فإنه يُعرض على القرآن.

المحكمات والمتشابهات في كتابي التكوين والتشريع:

وحاصل ما ذكر: أن العلوم بأجمعها عبارة عن القوانين المنتزعة عن عالم التكوين والآيات المقروءة من كتاب الله التكويني.

فكما أن الكتاب التدوينيّ يشتمل على آيات محكمات هن أمّ الكتاب، وأخر متشابهات، كذلك الكتاب التكوينيّ فإن فيه آيات محكمات وقوانين ثابتات واضحات تُقرأ وتفهم بلا ريب وتشكيك، وهناك آيات متشابهات وقوانين مكتشفة ظنًّا أو اطمئنانًا قريبًا من اليقين من دون أن يصل إلى حدّ اليقين.

فالواجب على المفسّر أخذ المحكمات من كلٍّ من كتابي التكوين والتدوين، ثمّ جعل المحكمات من كل واحد منهما مفسّرة للمتشابهات من الآخر، فمحكمات القرآن تفسّر مبهمات عالم التكوين ومتشابهاته، ومحكمات عالم التكوين تفسّر مبهمات القرآن ومتشابهاته.

وحيث إن كلاً منهما صدر من حكمته ورحمته وعلمه تعالى، فإن الأفعال والأعمال التي تصدر منه تعالى في العالم الخارجي على طبق علمه وحكمته وساير صفاته، والقرآن هو أقواله وكلامه تعالى الصّادر عن علمه وحكمته ورحمته وساير صفاته، ودلالة الفعل والعمل أصرح من دلالة القول والكلام، فليس الاستعانة بالقوانين الثابتة في العلوم في تفسير القرآن بمعنى جعل كلامه تعالى تابعًا لكلام غيره أو لنظريات البشر .

إذ كما أن ما نفهمه من محكمات القرآن ودلالته الصريحة أو الظاهرة ليست آراء لنا بل هي عبارة عن وصولنا إلى ما أراد الله إيصاله إلينا، من علوم القرآن، وتحقيق لما يصرّ القرآن الكريم عليه من كونه {مُّبِيناً}([3]) و{تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}([4])، و{قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}([5])، وأمثال ذلك.

كذلك ما أدركناه من القوانين الكونية والعلوم المتّخذة عن عالم التكوين - اعتبارًا بما أراد الله العبرة به من آياته في الآفاق والأنفس، وما أراد الله إراءته لنا ووصولنا إليه بقوله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}([6])-، فإنها ليست آراء لنا، بل هي قراءة لآيات الآفاق والأنفس.

فتفسير الآيات بما تنطبق عليها من العلوم اليقينية بلا تكلّف ليس تفسيرًا بالرأي ولا جعل القرآن تابعًا لآراء هؤلاء.

معنى قراءة الكتابين والتدبّر فيهما:

وكما أن قراءة الكتاب التشريعي قد تكون مع التدبّر والتفهّم والتعقّل والوصول إلى مرامي مُنزله ومراداته من الآيات ، فتكون قراءة يريدها ربّ القرآن ومنزّله ، وقد تخلو عن هذه الخاصيّة فتكون قراءة ظاهرية ، ليس فيها إلا لقلقة لسان ولعب بالحروف والحركات لا تتجاوز حناجرهم على حدّ تعبيره (صلى الله عليه وآله) فيقول في حقّهم: شرار أمّتي قرّاء القرآن.

كذلك قراءة عالم التكوين قد تكون قراءة ظاهرية تخلو عن التدبّر وتنحصر في مشاهدة ظاهر العالم {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}([7])، ولا يُستنبط منها شيء ولا يتدبّر في آياتها ولا يُتأمّل في نُكاتها فلا يتجاوز عن حدود الحواسّ إلى العقل والفهم العميق.

وقد يقرأها متدبّرًا لآياتها، متأمّلاً في قوانينها ونواميسها مستنبطًا لأحكامها فاهمًا لأسرارها، متعقّلاً لمواضع دلالتها على علم بارئها وحكمته ورحمته ولطفه وجماله وجلاله وكماله.

فكما أن كلا الكتابين مُشَرّفان بتشريفه مُكَرّمان بالإضافة إليه، كذلك قراءة أحدهما بالتدبّر ليس بأقلّ فضلاً وأنزل ثوابًا من قراءة الآخر، فمن استعان بالآيات المحكمات التكوينية في تفسير آيات الكتاب التدويني، لا يناسب أن يقال أنه قدّم غير القرآن على القرآن، بل الأنسب أن يقال إنه جعل أحد كتابيه تعالى مفسّرًا لكتابه الآخر.

وحيث إن القرآن بمنزلة بيان وتشريح موجز لما في عالم التكوين وحكاية عن الحقائق الكونية من الخالق والمخلوق، وروابط أحدهما بالآخر، فتكون بينهما محاكاة واقعية ومرآتية ذاتية تُرى صورة كل واحد منهما في صفحة الآخر، وتنعكس فيه خير انعكاس فكأنه تعالى أوضح نكات ما عَمِلَه وفَعَله في عالم التكوين في كتابه التدوينيّ، وبيَّنَ في مقام الخارج بيانًا عمليًا لما في آياته التشريعية.

الرابطة بين علم التفسير وساير العلوم:

قال العلامة الطباطبائي (قدس سرّه): (وقد وضعنا أبحاثًا مختلفة، فلسفيةً وعلميةً وتاريخيةً واجتماعيةً وأخلاقيةً حسب ما تيسّر لنا..)([8]).

أقول: ذكر المباحث العلمية في ضمن التفسير يكون على قسمين :

أحدهما: ذكرها مرتبطًا بالآية التي تبحث عنها سواء كان يقصد عرضها على القرآن ومعرفة صحيحها وسقيمها عن طريق معرفة ما يخالف القرآن منها مما يوافقه، أو كان القصد جعلها من أدوات التفسير التي يستعان بها على فهم مراداته تعالى.

الثاني: إيراد هذه الأبحاث لمجرد التشابه والمناسبة والاستطراد، كما هو الغالب على تفسير الرازي والمنار والطنطاوي، فإنهم إذا وصلوا إلى آية فيها ذكر صلاة القصر في السفر مثلاً استرسلوا في بيان الفروع التي ذكرت في كتب المذاهب الأربعة من دون ارتباطها بالآية، وليس ذلك لأجل الاستعانة بما أوردوه على تفسير الآية، ولا بقصد عرضها على القرآن حتى يُعرف صحيحها من سقيمها.

وكذا في كل مسألة كلامية فإنهم يخوضون في نقل الأقوال والأدلة من دون لحاظ إحدى الجهتين المذكورتين.

وكذا في القضايا التاريخية يملأون الكتاب بالأساطير الإسرائيلية بالنسبة إلى ما يرجع إلى تواريخ من سبق على نبيّنا (صلى الله عليه وآله) زمانًا، من الأنبياء أو الأمم السابقة ، فيركنون إلى الذين نهى الله عن الركون إليهم من أحبار اليهود والنّصارى حتى ولو كان مخالفًا لصريح القرآن فضلاً عن ظاهره.

وكذا في الحوادث المقارنة لحياته الشريفة من غزواته وغيرها يسترسلون في ذكر الروايات المجعولة في زمن معاوية وغيره من الخلفاء السابقين عليه والمتأخرين عنه مع وضوح آثار الجعل والتحريف فيها .

وهذا النوع من البحث ورد أحيانًا في ما ذكره سيدنا الأستاذ من المسائل العلمية الفلسفية أو الأخلاقية أو التاريخية أيضًا، بمعنى أنه ورد في بحث علمي مناسب لموضوع الآية من دون قصد الاستعانة بها على توضيح الآية وتفسيرها، أو قصد عرضها على القرآن لمعرفة ما يوافقها حتى يؤخذ به وما يخالفها حتى يطرح .

ومن أوضح مصاديق ما ذكرنا: التفاسير الحديثية، فإن قانون التفسير يقتضي الاقتصار على الروايات الواردة في الموضوع المذكور في الآية، بشرط أن تكون الرواية ناظرة إلى الآية وشارحة لها، أو يكون المراد ذكر الرواية وعرضها على القرآن ليعرف صحتها وسقمها.

وأما مجرد اشتراك الرواية مع الآية في الموضوع فيورد في ضمنها كل رواية تشترك معها في الموضوع وإن لم يقصد الاستعانة بها على تفسير الآية، ولا الاستعانة بالآية على تشخيص الصحيح من السقيم في الروايات فهذا خلاف قانون التفسير الروائي.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الأعراف من الآية 143

[2] - البقرة من الآية 31، ومن الآية 33.

[3] - {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} النساء من الآية 174.

[4] - النحل من الآية 89 .

[5] - الزمر الآية 28.

[6] - فصلت من الآية 53.

[7] - الروم من الآية 7.

[8] - الميزان في تفسير القرآن - الطباطبائي / مؤسسة الأعلمي بيروت ط1 ج1 ص17 .

 
115%