رسالة النجف

الإمامة والحياة

 

الإمامة والحياة

الشيخ علي ياغي1

 مدخل:

على مدى الزمان الذي عمَر فيه الإنسان هذه الأرض وتقلّب على وجهها، كانت تواجهه المتاعب وتتحدّى إرادته المصاعب، يتغالب معها، وقلّما استطاع أن يغلبها، فهو في خوضٍ دائم، لا يخرج من عثرةٍ حتى يقع في أخرى، فعلى مختلف صُعُد الحياة، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي والتنظيمي العام، لم يهتدِ هذا الإنسان إلى طريق الاستقرار وإلى مدخل الحياة الخالية عن العقبات... حتى يُخيَّل لهذا الإنسان، أن اللااستقرار وعُقَد الحياة وكثرة متاعبها ومصائبها، هي قدر مقدور في لوح مسطور، سيّما وأن للتاريخ - فضلاً عن مشاهدات الزمن الذي نحياه - حكاياته التي لا تتسع لها الطوامير عن العثرات والهنَات المميتة، والتهالك في مسيرة هذا الإنسان على وجه الأرض، مع أن نيّة الاستقرار وحبّ الطمأنينة والميل إلى الحياة الوادعة هي سمة الإنسان وأمنيته ورغبته.

وبين هذه النية والرغبة والميل، وبين الواقع الذي عليه حياة الإنسان في مسيرته المعذّبة، يمكن أن نطرح هذا السؤال:

هل بالإمكان أن نعيش الحياة على وجه الأرض، أم أن الحياة بالمعنى الذي نتوق إليه، هي أبعد من الأسباب الموجودة في هذه الحياة الدنيا؟

هذا ما نحاول الإجابة عليه، ومن الله نستمد العون.

نظرتان إلى الحياة:

إحدى النظرتين: نقصرها في جانب الأسباب المعِدَّة للحياة، والمهيِّئة لظروفها والمنتِجة لمعناها الذي نتوق إليه.

وفي مساحة هذه النظرة لا نرى الحياة إلا كاملة المعنى، فإن الأسباب المعِدَّة للحياة هي وجود ممتلئ رابٍ لا فقر فيه ولا عوز يعتريه.

قال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}([1]).

وقد تلاءمت جميع هذه الأسباب فيما بينها، وانسجمت في أدوارها وتكاملت في صناعة دورة الحياة على أفضل وزان وأتم نظام، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ*الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ*وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ* وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}([2]).

وقال تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ*فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ}([3]).

إلى غيرها من عشرات الآيات المباركة التي تؤكّد - معزَّزةً بالوجدان -، أن جميع ما له دخل وشأن في السبب المُعِدّ للحياة متوفر وحاصل على أفضل نظمٍ وأتـمّ رسم.

أما ثاني النظرتين إلى الحياة: فهي ما نتكلّف فيها الفحص والتأمّل والوقوف على واقع الحياة في طور المفاعلة بين الأسباب المعدّة، وبين ما تحدثه إرادة الإنسان في تلك الأسباب، فإنه من الواضح الجلي الذي لا لبس فيه، أن لفعل الإنسان أثرًا في صفحة الكون يصل في بعض الأحيان إلى حدّ الإضرار الفادح في معادلة التوازن الكوني.

وقد عبّرت الآيات ولو بلسان التحذير عن هذا الأثر، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}([4])،وقوله: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}([5])، وقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}([6]).

إلى غير ذلك من تعبيرات القرآن الكريم التي تحمل هذا المعنى، وتؤكد على أن أحوال الإنسان وأفعاله التي ظرفها الكون ومساحتها عالم المادة من هواء وماء وتراب ومخلّقات أخر، تؤكِّد أن كل حال وفعل للإنسان ينعكس في مرآة الكون، وتُحدِثُ فيه أثرًا جديدًا، وهذا الأثر إما أن يثبِّت معادلة التوازن، وربما يزيد في إرهافها ودقّتها، وإما أن يُخل بالمعادلة ويُخسر الأسباب عن قدرها وتوازنها الطبيعي.

والذي نلاحظه بوضوح تام، أن نصيب الأسباب المُعِدَّة للحياة من فعل الإنسان، كانت في الغالب ضد توازنها، وضد قانونها المعبَّر عنه بالسنن الكونية، فلطالما بدّلت أحوال الإنسان وأفاعيله ونواياه وتصوراته في طبائع الأشياء، فانقلبت المعادلة في السنن الكونية من ملامس الرحمة إلى مخالب النقمة، ومن دواعي الهناء إلى علل الشقاء.

ومن أمثلة ذلك ما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}([7]).

إذن نحن بين واقعين اثنين تتردد بينهما الحياة، غير أن واقعها الأول أضحى واقعًا نظريًا تجريديًا بحتًا، بعد أن صبغت إرادة الإنسان هذه الحياة وأسبابها بطابع التبعية، والانفعال بمحدثات الإرادة البشرية في صفحة الكون، فعمليًا للحياة واقع واحد تعيشه وتحياه، هو واقع الانفعال السلبي، وهو واقع التأثر بنوع الإرادة والفعل الإنساني في صفحة الكون، والتي كانت في غالب الأحيان معاندة لقانون الأسباب المعدة للحياة.

 المخرج المنشود:

والذي نعتقده جازمين، ونؤمن به مطمئنين، أن معاناة الحرث والنسل، والضيق الذي يعانيه البشر، والمآسي المتلاحقة المتعاقبة التي يدور رحاها على آمال الأنفس المعذّبة، وأن الفتن التي تعصف بنواحي الأرض حروبًا ومجاعات، بل ثوران السماء والأرض من براكين وزلازل وطوفان، وظلمٍ متراكمٍ وعدلٍ مفقودٍ، وغيرِ ذلك من ألوان الطغيان ومظاهر الفساد، كل ذلك ليس قَدَرًا مقدورًا، ولا واقعًا لا مخرج منه أو محيد عنه، بل ليس هو الطبع الأولي للحياة ولا قدرُها الثابتُ كذلك.

والذي نراه سببًا خالصًا وعلّة تامة لجميع ما تضج به الأرض من طغيان وفساد، وإفساد وانحراف، والتواء وظلم، وتكدّر وضيق، وضنك وضياع، وهلاك وضلال، وفتن وقتل، ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، والخوف المنتشر في بقاع الأرض، واختلال دورة الحياة في ناموسها التكويني، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([8])، واختلال موازين الاجتماع المدني بتقديم السافل وتأخير العالي، وإعطاء الفاجر وحرمان البارّ، وغير ذلك من ألوان الطغيان والفساد، كل ذلك يرجع إلى سبب واحد وعلّة واحدة، وهي بوضوح الكلمة وبساطة التعبير، أن البشر دخلوا الحياة من غير بابها الصحيح، وممرّها الصريح، وأخذوا يتردّدون بين محطّاتها من غير هدى أو كتاب منير.

فقد دخلوا عالمًا شائكًا ملتبسًا متشابهًا، يتيه في أنفاقه وسرادقاته كل من لا دليل معه يهديه إلى حقائق مشاهداته، ويرقّي في مداركه إلى ما غاب عن حسِّه، ويربط له بين الغيب والشهادة، ويعرِّفه من أين جاء إلى هذه الحياة؟ ولماذا جاء إليها؟ وما هي وظيفته في مهلتها؟ وإلى أين المصير بعد هذه الحياة؟

أو فقل بتعبير آخر: من يُخلِّق في داخل الإنسان الوعي والشعور، ويرقّي له في أطواره وأحواله النفسية، والفكرية، والروحية، والعقلية، ما يجعل منه إنسانًا عارفًا بحقائق مشاهداته، ومعايناته، وما له به من صلة في عوالم الكون والوجود، ومن يُفرِد له بين متشابهات الأشياء، ويوضح له المبهمات، ويفسّر له المعضلات، ويهديه إلى كل حقّ وحقيقة.

فإن حاجة البشر إلى هذا الدليل عند الدخول في عوالم هذه الحياة بما فيها من مطاوي وخدَع وبما فيها من وجوه متشابهة، ودواعٍ صوارفٍ عن جهة الحق والصلاح.

إن الحاجة إلى هذا الهادي والدليل والمعرِّف والناظم والسايس والمعلّم لتستقيم الحياة وتتوفّر على علّة صلاحها، وتمامية الحكمة من إنشائها وابتنائها.

 إن الحاجة إلى الدليل هذا، والمعرِّف والسايس، هي أعظم من حاجة الشيء إلى ما يكون به الشيء شيئًا، وما يكون به الموجود موجودًا، ليس بمعنى دخوله في قوام الشيء وما له من كينونة وحقيقة، بل بمعنى الحاجة إلى الدليل والهادي لإغناء الحياة فوق ما نعقله من مفهوم حاجة الذات للذاتيات([9])، فضلاً عن العوارض والطوارئ والأحوال والشؤون التي تتردّد فيها الأشياء، وتتنقّل في منازلها هبوطًا وانحدارًا ورقيًّا وارتفاعًا.

ولا مغالاة في هذا المذهب فإنه عين الحقّ وغاية الغاية في الرشد، وذلك ببيان ما يترتب على وجود الإمام (الهادي والدليل) من أثر وغاية، ولطف وعناية، ورحمة وآية، في نظام الحكمة من الخلق والإيجاد في المبتدأ والمعاد.

فقد اعتبر الكلاميّون أن الإمامة لطف، واللطف واجب على الله تعالى، يدرك العقل ذلك انسجامًا مع كماله - عزّ شأنه، وتعالى مجده -، فلا بدّ من نصب الإمام وجعل الحجّة، وإقامة الدليل والهادي بعد كون الآدميين لهم الاستعداد الفطري للترقّي في مدارج الكمال، والبلوغ إلى أرقى السّنام، ومحاذاة شطر الواحد القهار في اتحاد الإرادة بعد إخلاص الطاعة، وهذا ما لا يكفي له الاستعداد الفطري، فلا بد من مؤيد سماوي يفتح مغاليق أبواب الفطرة، وينمِّي في كل ذات ما بها من قدرة، يرقّي القابل إلى طور الفاعل، والمستعد إلى غاية ما له من مدٍّ وحدّ.

يتبع=

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.  مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية .

[1] - إبراهيم آية 34.

[2] - الرحمن من الآية 3 إلى الآية 7.

[3] - الرحمن من الآية 9 إلى الآية 12.

[4] - الرحمن آية 9.

[5] - الرحمن آية 7.

[6] - الأعراف آية 96.

[7] - إبراهيم آية 28.

[8] - الروم آية 41.

[9] - لا أقل من القول بالشرط لأجل الغاية فقد خلق الله الإنسان والجن لأجل العبادة وهي غير حاصلة إلا به مع بقاء الاختيار.

 

.

تتمة مقال = الإمامة والحياة

ولعلنا إذا أردنا أن نُفرد الكلام، وننظم البيان، بشأن الآثار المترتبة على الإمامة والإمام، نخلص إلى ما يلي:

أولاً: ارتباط التكاليف بالإمامة، فإن العقل يدين بأن الآدميين يصلحهم التكليف ويعود عليهم بالنفع العميم والخير الوفير، وهو غير حاصل من غير طريق نصب الحجّة وإيضاح المحجّة.

ثانيًا: إن نظم الأمر، وسياسة الرّعية، وإقامة العدل، وانتصاف المظلوم من الظالم، وسواه مما يجري مجراه، لا يتم إلا بنصب الإمام.

ثالثًا: إقامة الحجة، وإيضاح وتبليغ الرسالة، ودعوة الأنام لعبادة العلام لا يتم إلا بالإمام.

رابعًا: ما يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}([1])، فإنه إن أريد منها مطلق ما يتحقق به مفهوم العبادة مثل صلاة العوام وحَجّهم وغيرهما من العبادات التي يمكن أن تُسقط أوامرها أو تؤجر مؤديها، فإن غير الإمام لا معرفة له بوجوه العبادة إلا عن طريق الإمام، فهذا الفرد من العبادة مع قصوره، وربما إمكان سلب المعنى عنه ولو بوجه، مع ذلك لا تحقّق له إلا بالإمام المعرِّف والمبيِّن لما هو من العبادة ولما هو ليس منها.

وإن أريد بالعبادة الفرد الأكمل والأتمّ، فهو باعتباره ليس منفصلاً عن دواعيه من العلم بالله وأمره، ومن طهارة الذات التي يفعل بها العلم فعل الماء في التراب فتنبت من كل زوج بهيج، خشوعًا وخضوعًا وقربًا وخوفًا وفَرَقًا ورجاءً، وغير ذلك، بحيث تكون عبادةً أتم وعبادةً أكمل وعبادةً جامعة لكل ملازمات المعنى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}([2])، وقوله تعالى: {قََدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ...}([3])، إلى آخر ملازمات إقامة الصلاة وتأديتها التي لها لوازم ولوازم لا تعدّ ولا تحصى.

فإن هذا الفرد من العبادة غير متحقّق جزمًا، وغير واقع حتمًا من غير الأطهار المعصومين، محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطيبين (عليهم السلام)، هذا فضلاً عن أن أخذ العبادة بمعناها الأشمل على قاعدة {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}([4])، غير متحقّق إلا بهم بما هم معلّمون، والفرد الثاني غير متوفر إلا منهم فإنهم الواجدون لداعيه، يقول الإمام علي (عليه السلام): (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا)([5]) ويقول أيضًا: (إلهي ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك)([6]).

وكيف كان، فإن غرضنا أن نقول: بأن العبادة التي جعلت علّة غائية للخلق والإيجاد، سواء كانت العبادة على نحو الفعلية الدائمة أو كان يكفي تحقّقها ولو آنًا ما، هي غير حاصلة بغير الحجة والإمام والهادي والدليل.

وأخيرًا.. إن جميع هذه الآثار المرتبطة بالإمامة، والمترتّبة عليها، قد صرّحت بها الروايات، ونطقت بها المأثورات فضلاً عن الآيات المباركات، التي تبلغ إلى ثلث القرآن.

فمن تلك الروايات، ما عن إمامنا علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، يذكر فيها بعض مقامات الإمامة وشؤونها:

(... إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومقام أمير المؤمنين عليه السلام، وميراث الحسن والحسين عليهما السلام، إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إن الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحلّ حلال الله، ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم وهى في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار)([7]).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام):

(ما جاء به عليّ عليه السلام آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله، ولمحمد صلى الله عليه وآله الفضل على جميع من خلق الله عز وجل، المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقّب على الله وعلى رسوله، والرادّ عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله، كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجّته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرّسل بمثل ما أقرّوا به لمحمد صلى الله عليه وآله، ولقد حملت على مثل حمولته، وهي حمولة الربّ، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله يُدعى فيكسى، وأُدعى فأُكسى، ويُستنطق وأُستنطق فأنطق على حدّ منطقه، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشّر بإذن الله وأؤدّي عنه، كل ذلك من الله مكّنني فيه بعلمه)([8]).

لذا نعتقد - نحن الإمامية - بأن الإمامة بما لها من مقامات وشؤون ومزايا، سواء في زمن الحضور أو الغيبة لا يمكن أن تَصلُح الحياة إلا بها.

وعندما تفتقد حياة المجتمعات إلى الإمامة الجامعة لا يعني ذلك إلا ضياعها وبعدها عن صراط الحق والاستقامة.

انتهى
 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 [1]- الذاريات الآية 56.

[2] - العنكبوت آية 45.

[3] - المؤمنون الآيات 1-2-3.

[4] - الأنعام آية 162.

[5] - مناقب آل أبي طالب ابن أبي شهر آشوب 1/317.

[6] - عوالي اللئالي 1/20.

[7] - مسند الإمام الرضا (ع)- الشيخ عزيز الله عطاردي 1/98.

[8] - باب الأئمة هم أركان الأرض ج1 كتاب أصول الكافي ص 196.

 
115%