رسالة النجف

ليلة القدر

 

ليلة القدر

 الشيخ أحمد صمادي1

 

لماذا سمّيت بليلة القدر

وردت هذه التسمية في القرآن في سورة القدر وقد ذُكر في وجهها عدّة أمور:

منها: أنها سمّيت بذلك لما يُقدّر فيها من أمور العباد كالآجال والأرزاق والبلايا والسعادة والشقاء إلى العام القابل، ولذا يعبّر عن ليلة القدر برأس السنة الروحية أو رأس سنة التقدير، وهي بهذا المعنى مأخوذة من قدَر بفتح العين بمعنى قضى وحكم، وهو الذي استظهره صاحب الحدائق([1]).

ومنها: أنها سمّيت بذلك لأن الأرض تضيق تلك الليلة بسبب ما ينزل فيها من ملائكة وهي مأخوذة حينئذٍ من قدِر بكسر العين بمعنى التضييق، ومنه قوله تعالى حكاية عن النبي يونس عليه السلام {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى}([2])، ونقل هذا القول عن الخليل بن أحمد الفراهيدي([3]).

ومنها: أنها سمّيت بذلك لما لها من الشأن والعظمة والمنزلة, لأنها ذات شأن وشرف على سائر الليالي، أو لأنه نزل فيها كتاب عظيم القدر، أو لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وعظمة، أو لأن الطاعات فيها ذات قدر، أو لأن المحيي لها يصير ذا قدر.

 وهي بحسب هذه الأوجه الخمسة مأخوذة من قدْر بسكون العين، بمعنى المنزلة والعظمة والشرف, ومنه قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}([4]).

والمعنى الأول هو الأنسب والأشهر من هذه المعاني، إلا أن لليلة القدر مفهومًا واسعًا يتّسع لكل هذه المعاني فلا يبعد أنها سمّيت بذلك لكل هذه الأمور مجتمعة.

 فضل ليلة القدر

ليلة القدر ليلة عظيمة جليلة، إنها ليلة يتّصل فيها العبد بربه، بل هي ليلة الضيافة الإلهية لمن أراد أن يلبّي نداء الله، ويحل ضيفًا عليه بإحياء تلك الليلة العظيمة بالعبادة، وهي ليلة عظمت في السماوات والأرض, ففي ليلة القدر يدخل المؤمن في رحمة الله الواسعة من الباب الذي فتحه الله سبحانه لعباده, بل إن فضل هذه الليلة المباركة لا ينكره أحد ولا يجحده جاحد، تلك الليلة الشريفة التي حلّت على الشهر المبارك شهر الله، شهر رمضان، وباختصار هي ليلة ملؤها النور والرحمة والخير والبركة والسلامة والسعادة من جميع الجهات، ومن آيات في فضلها وشرفها:

1- نزول الكتاب المبين فيها {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}([5])، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }([6])، ذلك الكتاب الذي جعله الله هدى للمتقين ورَيًّا لعطش العلماء، وربيعًا لقلوب الفقهاء، ومَحاجَّ لطُرقِ الصلحاء، ودواءً ليس بعده داء، ونورًا ليس معه ظُلْمة، فإنّه حبلُ اللهِ المتين، وسببُه الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره به، تشرح الصدور وتستنير السرائر.

2- أنها خير من ألف شهر، أي ما يزيد على ثلاث وثمانين سنة، وهو ما يوازي عمر إنسان كامل، فالعمل الصالح فيها من الصلاة والزكاة وأنواع الخير... خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر، فهذه الليلة منحها الله للنبي وأمّته ليزيدوا من عمرهم العبادي، بعد أن كانت أعمار أفراد هذه الأمة المرحومة أقصر من أعمار الأمم السابقة، ولذا حثّ النَّبي والأئمّة الناس على إحياء ليلة القدر بكل لحظاتها، وقد حرصت الزهراء عليها السلام على ألا ينام أحد من أهل بيتها في تلك اللّيلة العظيمة، وكانت تداويهم بقلة الطعام وتقول: (محروم من حرم خيرها)([7]).

3- فيها تنزّل الملائكة والروح([8])بأمر ربّهم، فينتشرون في الأرض، ويمرّون على مجالس المؤمنين، ويسلّمون عليهم، ويؤَمّنون على دعائهم، ويستغفرون لهم حتى مطلع الفجر.

4- أنها سلام حتى مطلع الفجر، فهي ليلة السلام وليلة الرحمة، فالمؤمن فيها سالم من كل آفة وشرّ، وذلك لكثرة خيرها أو لأن الملائكة تسلّم عليه وتدعو له بالسلام.

5- فيها يقدّر مصير العباد وأمورهم، فإن الله عزّ وجلّ يقدّر فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل: من حياةٍ وموت ورزق وسعادة وشقاء... وغير ذلك { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}([9]).

 ولا يمكن معرفة كل أسرار ليلة القدر وخفاياها ومواهبها العظيمة، وقد اكتفينا ببعض فضائلها التي أشار إليها القرآن.

يتبع = 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.

[1] - الحدائق - منشورات جامعة المدرسين/قم: 13/447.

[2] - سورة الأنبياء من الآية 87.

[3] - مجمع البيان: 10/518.

[4] - سورة الأنعام من الآية 91.

[5] - سورة الدخان الآية 3.

[6] - سورة القدر الآية 1.

[7] - مستدرك الوسائل ج7/470 مؤسسة آل البيت لإحياء التراث: ط2 ح 8680/15

[8] - تعددت الأقوال في الروح حتى أنهاها في تفسير البصائر إلى خمسة عشر قولاً، أقربها أنه مخلوق أعظم من الملائكة، وهو ما رواه الصفار بسنده عن أبى بصير قال: (كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فذكر شيئًا من أمر الإمام إذا ولد. قال واستوجب زيادة الروح في ليلة القدر، فقلت: جعلت فداك أليس الروح جبرئيل؟ قال: جبرئيل من الملائكة والروح خلق أعظم من الملائكة أليس الله يقول تنزل الملائكة والروح) بصائر الدرجات ص 484 (نشر مؤسسة الأعلمي طهران - تحقيق الميرزا محسن كوجة باغي).

[9] - سورة الدخان: 4/5/6.

 

.

تتمة مقال = ليلة القدر

 

نزول القرآن في ليلة القدر

نزل القرآن في شهر رمضان، وبالتحديد في ليلة القدر، لكن اختلف في نزوله جملة واحدة أم أن بدء النزول كان في ليلة القدر؟

وقد ذهب إلى الأول جمع كبير من علمائنا، والمعروف أنه رأي الشيخ الصدوق.

ومال إلى الثاني جماعة من العلماء وهو ما نسب إلى الشيخ المفيد([1]).

ويُبعّد الثاني أن الأول هو الظاهر من الآيات. فالذي يظهر من قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}([2])أن القرآن كله انزل في شهر رمضان، وكذا قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}([3])التي تشير إلى ليلة القدر، والذي يظهر منها أن القرآن أنزل كلّه في ليلة القدر، وهو ما يظهر بوضوح من سورة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } فإنه وإن لم يُذكر اسم القرآن صريحًا إلا أن الضمير في {أنزلناه} يعود إلى القرآن يقينًا، والسبب في إبهامه بيان عظمته وأهميته.

لكن يبقى ثمّة سؤال ينبغي الإجابة عليه، وهو: أنّ المعروف أن القرآن نزل تدريجيًا خلال فترة البعثة لمدة ثلاث وعشرين سنة، فكيف نوفّق بين ما هو المعروف، وبين ما يظهر من الآيات السابقة من أن القرآن نزل كلّه في ليلة القدر؟

وللجواب على هذا السؤال نقول: بأن للقرآن:

1 - نزول دفعي، وهو نزوله بأجمعه ليلة القدر إلى البيت المعمور في السماء الدنيا.

2- ونزول تدريجي، وهو ما حصل مدّة البعثة الشريفة خلال ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وهو ما أشار إليه قوله تعالى {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً }([4]).

والوجه في ذلك ما رواه القمي في تفسيره عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن الكاظم (صلوات الله عليهم أجمعين) من أن الله أنزل القرآن في ليلة القدر إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول ثلاث وعشرين سنة([5])، ومثله ما ذكره في تفسير آية 185 من سورة البقرة([6])، وكذلك ما رواه في الوسائل عن الصادق (عليه السلام) ([7]).

وألمح بعض الأعلام إلى الوجه بقوله: ن تعبير الآيات عن نزول القرآن يكون مرة بكلمة إنزال وأخرى بكلمة تنزيل، وأنه يستفاد من كتب اللغة أن التنزيل للنزول التدريجي والإنزال له مفهوم واسع يشمل الدفعي أيضًا"([8]).

وفيه أولاً: أن ذلك غير ثابت، وبعض أهل اللغة قد يكون أخذه من كلام المفسّرين فلا يصير بمجرد ذلك لغة([9]).

 وثانيًا: هو منتقض باستعمال التنزيل بالدفعي في القرآن قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }([10])، فاستعمل التنزيل وأريد به النزول جملة واحدة.

يتبع = 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1]- تصحيح الاعتقاد - دار المفيد تحقيق حسين دركاهي ط2: 232.

 [2]- سورة البقرة من الآية 185.

 [3]- الدخان من الآية 3.

 [4]- سورة الإسراء: 106.

 [5]- تفسير القمي - مؤسسة دار الكتاب/قم: 2/290؛ ومثله ما ذكره أيضًا عند تفسير ه للآية 185 من سورة البقرة: 1/66.

[6] - تفسير القمي: 1 /66.

[7] - الوسائل كتاب الصوم باب 18 من أبواب أحكام شهر رمضان ح25.

[8] - راجع تفسير الأمثل - مؤسسة البعثة للطباعة والنشر ط1: ج20 ص 313 (تفسير سورة القدر).

[9] - تفسير القرآن الكريم مفتاح أحسن الخزائن الإلهية - (مطبعة العروج ط1): 4/432 ؛ وراجع كلام الزبيدي في التاج - نشر مكتبة الحياة بيروت: 8/133.

[10] - سورة الفرقان: 32.

 

.

تتمة مقال = ليلة القدر

 

تعيين ليلة القدر

تعددت الأقوال عند المسلمين في تعيين ليلة القدر:

أما عند العامة، فقد أُحصي أكثر من أربعين قولاً، قال الشوكاني في فتح القدير: "اختُلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولاً، وقد ذكرناها بأدلتها، وبيّنا الراجح منها في شرحنا للمنتقى"([1])، ونقل أبو يعلى الموصلي في مسنده عن الحافظ في فتح الباري أن الأقوال في ليلة القدر بلغت ستًا وأربعين قولاً([2])، ووصفوا أكثر تلك الأقوال بالشذوذ وعدّوا منها:

أنها دائرة بين ليالٍ السنة كلها.. أنها بين ليالي شهر رمضان كله.. أنها في أول ليلة من شهر رمضان.. أنها في آخر ليلة من شهر رمضان.. أنها في منتصف شعبان.. أنها في ليلة سبع عشرة.. أنها تأتي في كل سبع سنين مرة.. أنها كانت مرة واحدة وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن.. أنها رفعت بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى آخر تلك الأقوال.

ولكن الذي عليه معظمهم أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، قال القرطبي في تفسيره: "والذي عليه المعظم عند العامة أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث زر بن حبيش"([3]).

وأما عند الإمامية، فقد دارت بين خمسة كلها في شهر رمضان:

أنها في كل العشر الأواخر، استظهره صاحب الحدائق من كلام العلامة في المنتهى([4]).

أنها في فرادى العشر الأواخر (نقله صاحب الحدائق عن الشيخ في التبيان)([5]).

أنها منحصرة بين ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، استنادًا إلى مجموعة من الروايات([6]).

أنها منحصرة بين ثلاث ليال، ليلة تسع عشرة، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، قال في الحدائق "ولا خلاف بين أصحابنا رضوان الله عليهم في انحصارها في هذه الليالي الثلاثة"([7]).

أنها في الليالي الثلاث مجتمعة، بمعنى أن لها ثلاث مراتب: في ليلة التاسع عشر: التقدير، وفي الواحد والعشرين: الإبرام، وفي الثالث والعشرين: الإمضاء، وهو الذي مال إليه في (المراقبات) وأن القرآن أشار إلى آخر مراتب التقدير من الإمضاء([8]).

أنها ليلة الثالث والعشرين، وهو الظاهر من كثير من الأخبار([9]).

ويتضّح من مراجعة الأخبار الواردة عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام) أنهم يتحرّزون عن تحديدها بليلة معيّنة، والهدف من ذلك أن يجتهد الناس في العبادة، وأن يقوموا بإحياء أكبر قدر ممكن من ليالي شهر رمضان، طمعًا في إدراكه،ا وأنها أخفيت بين الليالي لحكمةٍ، كما أخفى سبحانه وتعالى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.

لكن ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان هي الليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر لعدّة مؤيدات:

منها: ما دلّ من روايات على نزول القرآن ليلة ثلاث وعشرين([10]).

ومنها: أن من قرأ سورة العنكبوت والروم ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان (فهو من أهل الجنة لا أستثني فيه أبدًا)([11]).

ومنها: أن من قرأ سورة القدر ألف مرّة ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان أصبح شديد اليقين بما يختص بأهل البيت عليهم السلام([12]).

ومنها: أنها ليلة الجهني ( عبد الله بن أنيس الأنصاري ) الذي أسرّ له النبي عن ليلة القدر، لأنه لا يقدر على المجيء إلى المدينة أكثر من ليلة واحدة، فكان الجهني إذا كان ليلة ثلاث وعشرين دخل بإبله وغنمه وأهله إلى المدينة([13]).

ومنها: ما ذكره في الوسائل من أن الصدوق نقل اتفاق مشائخنا على أنها ليلة ثلاث وعشرين([14]).

ومنها: ما ورد في كثير من الروايات من تحديد ليلة القدر بليلة الثالث والعشرين([15]).

يتبع = 

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] - فتح القدير - الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير - مطبعة عالم الكتب: 5 /472.

[2] - مسند أبي يعلى الموصلي - مطبعة دار المأمون للتراث تحقيق حسين سليم أسد: 2/335.

[3] - تفسير القرطبي - مطبعة دار الفكر بيروت تحقيق مصطفى السقا: ج20 ص134 - راجع في الموضوع سنن البهقي - مطبعة دار الفكر بيروت: 4 /307 /313.

[4] - الحدائق - منشورات جامعة المدرسين/قم: 13/447 استنادا إلى رواية الكافي (دار الأضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه): عن حمران عن الباقر عليه السلام 4:/157 ح6.

[5] - الحدائق - منشورات جامعة المدرسين/قم: 13/447.

[6] - منها رواه في التهذيب - دار الكتب الإسلامية طهران: 3 /58 ح3 /4 .

[7] - الحدائق منشورات جامعة المدرسين/قم: 13/447 ولذا ذكروا أعمالا عامّة للّيالي الثلاثة وأعمالاً خاصة لكل منها.

[8] - المراقبات في أعمال السنة: 238 - الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: 4/ 159 - ورواية الوسائل: باب 32 من أبواب تعيين ليلة القدر ح13595 - 2.

[9] - الحدائق - منشورات جامعة المدرسين/قم: 13 / 447.

[10] - الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: 2/629 ذيل ح6.

[11] - وسائل الشيعة باب 33 استحباب قراءة العنكبوت والروم... ح 13615 -1.

[12] - الوسائل باب 33 استحباب قراءة العنكبوت والروم والقدرح2)؛ ورواه الشيخ المفيد في المقنعة - جامعة المدرسين/قم: 50 ؛ والشيخ في التهذيب - دار الكتب الإسلامية طهران: 3/100.

[13] - الوسائل ياب 32 من أبواب تعيين ليلة القدر ح16.

[14] - الوسائل باب 32 تعيين ليلة القدر، ح 1.

[15] - بحار الأنوار - مؤسسة الوفاء بيروت: 98/160- وج 97/9 ومستطرفات السرائر - مؤسسة النشر الإسلامي/قم: 17/2 الوسائل: باب تعيين ليلة القدر 32 ح8 /9 /13.

 

.

تتمة مقال = ليلة القدر

 

علامة ليلة القدر

تعرّضت الروايات إلى بعض علامات ليلة القدر، ونشير إلى جملة منها:

1 - أن يطيب ريحها، وإن كانت في برد دفئت وإن كانت في حرّ بردت وطابت([1]).

2 - أن تطلع الشمس في صبيحة ليلتها ليس لها شعاع كالقمر ليلة البدر([2]).

3 - أن نجومها كالشمس الضاحية([3]).

وهناك علامات لم تذكر في مصادرنا:

1- أنه لا تنبح فيها الكلاب، وقد سأل عبد الأعلى الإمام الصادق عن ذلك فقال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنهم يقولون إنها لا ينبح فيها كلب، فبأي شيء تُعرف؟ قال: إن كانت في حرّ كانت باردة طيبة، وان كانت في شتاء كانت دفيئة لينة)([4]).

2 - لا يُرمى فيها بنجم.

3 - لا ينزل فيها مطر.

4 - ليس فيها ريح.

5 - ليس فيها سحاب([5]).

ارتباط ليلة القدر بولي الأمر

دلّت الروايات على أن الملائكة تتنزّل في ليلة القدر على حجّة الله وولي الأمر في تلك الليلة بإذن الله وبأمره، وبحوزتهم كل أمر قدّره الله تعالى وأبرمه من أمور العباد في تلك السنة من الآجال والأرزاق والبلايا والسعادة والشقاء وغيرها مما يرتبط بهم.

فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يا معشر الشيعة خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلحوا، فو الله إنها لحجّة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنها لسيّدة دينكم، وإنها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا ب‍ {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} فإنها لولاة الأمر خاصّة بعد رسول الله( صلى الله عليه وآله) )([6]).

- وفي تفسير القمّي: (قيلَ لِأَبي جَعفَرٍ عليه السلام: تَعرِفونَ لَيلَةَ القَدرِ؟ فَقالَ: وكَيفَ لا نَعرِفُ لَيلَةَ القَدرِ وَالمَلائِكَةُ يَطوفونَ بِنا فيها!)([7]).

- وما ورد من أن من قرأ سورة القدر ألف مرة أصبح شديد اليقين بما يختص بأهل البيت عليهم السلام([8]).

- وروى الكليني بسنده عن الباقر عليه السلام: (أنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يُؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا)([9]).

لكن هناك سؤال يُطرح في المقام وهو: أن المعروف أن النبي يعلم بإذن الله علم ما كان وما سيكون، وأن هذا العلم موجود عند أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين، فما هو العلم الذي تنزل به الملائكة ليلة القدر؟

 وللجواب عن ذلك نقول: يظهر من الروايات أن الله تعالى خلق لوحين:

1- لوح المحو والإثبات، وهو الذي يحيط بعلمه النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، وهو ما يحصل فيه البَداء، فقد يُثبت الله شيئًا ثم يمحوه لحِكَمٍ كثيرة لا تخفى على أولي الألباب، مثل زيادة العمر لأجل صلة الرحم والصدقة والدعاء فيمحو الله العمر الناقص ويثبت الزائد بعد فعل تلك الأمور، وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى ذلك على ما في بعض الروايات: ( والله لولا آية في كتاب الله لحدّثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} )([10]).

2- والثاني اللوح المحفوظ، وهو الذي استأثر بعلمه جلّ وعلا، ويعبّر عنه بأُم الكتاب أو العلم المخزون عند الله تعالى، ويكتب فيه ما سيكون من غير شرط، وهذا العلم يستحيل فيه البداء والتغيُّر، وهو حتمي الحصول والتحقّق لأنه يُخبر عمّا في علم الله تعالى، ويؤكد ذلك ما في بعض الروايات من حصول الإبرام والإمضاء في ليلة القدر([11]).

من هنا نعرف أهمية نزول الملائكة والروح في تلك الليلة المباركة من كل سنة على ولي الأمر وإبلاغه ما أبرمه الله تعالى من الأمور التي لا بداء فيها ولا تغير، فحصولها حتمي لأنها تخبر عما في علم الله تعالى الذي لا يتبدل ولا يتغير، ويؤكّد ذلك ما جاء في بعض الروايات، منها ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: ( سمعته يقول وناس يسألونه يقولون: الأرزاق تقسم ليلة النصف من شعبان؟ قال: فقال: لا والله ما ذلك إلا في ليلة تسعة عشرة من شهر رمضان وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين، فإن في ليلة تسع عشرة يلتقي الجمعان، وفي ليلة إحدى وعشرين يفرق كل أمر حكيم، وفي ليلة ثلاث وعشرين يمضي ما أراد الله جل جلاله ذلك، وهي ليلة القدر التي قال الله {خير من ألف شهر} قلت: ما معنى قول: "يلتقي الجمعان" ؟ قال: يجمع الله فيها ما أراد الله من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه، قلت: وما معنى يمضيه في ليلة ثلاث وعشرين؟ قال: إنه يفرق في ليلة إحدى وعشرين، ويكون له فيه البداء، وإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين أمضاه فيكون من المحتوم الذي لا يبدو له فيه تبارك وتعالى )([12]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] - الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: 4/157ح3 وقد ذكرت هذه العلامة في العديد من المصادر.

[2] - مستدرك الوسائل - مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث بيروت ط2: 7/468 ح 8672.

[3] - الإقبال - مكتب الاعلام الاسلامي قم ط1 تحقيق جواد القيومي الاصفهاني: 1/152.

[4] - الإقبال - مكتب الاعلام الاسلامي قم ط1 تحقيق جواد القيومي الاصفهاني: 1/152

[5] - هذه الأربعة الأخيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد - دار الكتب العلمية بيروت: 3/178.

[6] - أصول الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: 1/308 ح6.

[8] - التهذيب - دار الكتب الاسلامية طهران: 3/100.

[9] - أصول لكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: 1 / 306 ح3.

[10] - قرب الإسناد - تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث قم ط1: ص 354.

[11] - راجع مبحث البداء من البحار مؤسسة الوفاء بيروت، وصراط النجاة ج3 سؤال 1228.

[12] - الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: باب ليلة القدر: 4/159/8.

 

.

تتمة مقال = ليلة القدر

 

هل رفعت ليلة القدر

من جملة الأقوال التي ذكرت عن ليلة القدر:

1 - أنها كانت مرة واحدة وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن.

2 - أنها كانت في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) فقط ثم رفعت بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.

ولكنّ هذه الأقوال شاذّة لا يعوّل عليها، لأن المؤكد بقاؤها بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وتكرّرها في كل سنة، وأنها تتكرّر بتكرّر شهر رمضان، ويتكرّر معها الخير وتتجدّد فيها البركة والرحمة، لما روي عن الصادق عليه السلام سئل عن ليلة القدر: ( كانت أو تكون في كل عام؟ فقال: لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن)([1]). ولما رواه أبو ذرّ الغفاريّ قال: (قلت: يا رسول الله، القدر شيء يكون على عهد الأنبياء.. يُنزَّل عليهم فيها الأمرُ فإذا مضَوا رُفعت؟ قال: لا، بل هيَ إلى يوم القيامة)([2])، إلى غيرها من الروايات الدالة على تكرّرها في كل سنة في شهر رمضان.

ويؤيد ذلك: التعبير في سورة القدر بالفعل المضارع « تَنَزّل » الدال على الاستمرار والتجدّد أي « تَتَنزّل » في كلّ عام، وكذا في سورة الدخان جاء الفعل مضارعًا مستمرًّا متجدّدًا: { فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ * أمرًا مِن عندنا إنّا كنّا مُرسِلينَ }.

وإذا عرفنا مدى ارتباط ليلة القدر بولاة الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعرف أن وراء مثل هذه الأقوال التي ذكرها أعداء أهل البيت مغزى وهدفًا سياسيًا، وقد أكّد ذلك ما جاء في بعض الروايات التي رواها الكليني في الكافي عن الصادق عليه السلام([3]).

هل كانت ليلة القدر في الأمم السابقة

قال العلامة الحلي في التذكرة: إن الله "خصّ بليلة القدر هذه الأمة"([4])ومال إليه آخرون([5])، وهو ما يظهر من بعض الروايات:

منها: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما اطّلع على أعمار الناس قبله، ورأى تقاصر أعمار أمته فتأثر (صلى الله عليه وآله) مخافة ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيرًا من ألف شهر([6]).

ومنها: انه ُذكر للنبي (صلى الله عليه وآله) قصة رجل من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر وتمنّى ذلك في أمته فأعطاه الله ليلة القدر([7]).

وادّعى بعض علماء العامة أن ذلك هو المشهور، قال النووي: "ليلة القدر مختصة بهذه الأمة زادها الله شرفًا ولم تكن لمن قبلنا، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء([8])واستندوا إلى النبوي المروي عن أنس: (إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها من كان قبلكم"([9]).

بل ادعى بعضهم الإجماع على ذلك، قال ابن كثير في تفسيره: "إن الخطابي ادعى الإجماع على اختصاص ليلة القدر بهذه الأمة، ثم قال والذي دلّ عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا"([10]).

لكن بعض الروايات تدل على عدم الاختصاص:

منها: ما رواه في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وهي رواية طويلة فيها: (ولا بد لمن سواهم من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا أن تكون على أهل الأرض حجة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده، وأيم الله لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم، وأيم الله ما مات آدم إلا وله وصي، وكل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها)([11]).

 والذي يقرب إلى النظر عدم المانع من وجود ليلة القدر في الأمم السابقة بمعنى إرسال الملائكة إلى ولي الأمر وحجة الله على عباده في تلك الليلة وتقدير أمور العباد فيها، وأن المختص بأمة نبينا (صلى الله عليه وآله) هو فضلها وثوابها الذي هو خير من ألف شهر والذي تفضّل به تعالى على هذه الأمة كرامة لنبينا (صلى الله عليه وآله)، ويؤيد ذلك:

1 - أن الله في ليلة القدر يدبّر أمور العالم ويقدّر شؤونهم، وهي سنَّة إلهية عامة وثابتة في جميع الأمم.

2 - استخدام الفعل المضارع {تنَزّل} في سورة القدر وهو يدل على الاستمرار.

3 - وكذلك استعمال الجملة الاسمية: {سَلَامٌ هيَ حَتَّى‏ مَطْلَع} الذي يشير إلى الدوام.

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: باب ليلة القدر: 4/158 /7.

[2] - البحار - مؤسسة الوفاء بيروت: ج25/97 / ح72.

[3] - أصول الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه: في باب (شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها، أصول الكافي:1/307/ح4.

[4] - التذكرة (تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث قم ط1): 1/283 - مسألة 167.

[5] - تفسير الأمثل - مؤسسة البعثة للطباعة والنشر ط 1: 20/319 (تفسير سورة القدر).

[6] - الدر المنثور في التفسير بالمأثور - نشر دار المعرفة بيروت ط1: 6 /371.

[7] - مجمع البيان - دار احياء التراث العربي بيروت: 10 /409.

[8] - المجموع في شرح المهذب -دار الفكر: 6/447.

[9] - كنز العمال (مؤسسة الرسالة/بيروت - تحقيق الشيخ بكري حياني والشيخ صفوة السقا): 8/536 ح24041.

[10] - تفسير ابن كثير - دار المعرفة بيروت طباعة سنة 1412 ه ق: 4/568.

[11] - أصول الكافي - دار الاضواء تحقيق العلامة الشيخ محمد جواد الفقيه:1/308 /7.

 
115%