رسالة النجف

التشابه بين الصور الحسيّة والواقع

 

التشابه بين الصور الحسّية والواقع عند فلاسفتنا المحدثين

مناقشة الأدلة

الشيخ مصطفى يحفوفي

 مقدمة

بيَّنا في بحث سابق([1])النظرية التي يتبنّاها الفلاسفة الإسلاميون المحدثون في المدركات الحسّية، وألمحنا إلى ما يعتري هذه النظرية - في أصل صياغتها - من تشويش والتباس، وأرجأنا مناقشة أدلتهم إلى بحث آخر، فكان هذا البحث الذي بين يدي القارئ الكريم، والذي سيتركّز على مناقشة تلك الأدلة.

خلاصة النظرية:

وقبل الخوض في عرض الأدلة ومناقشتها، لا بدّ من تقديم عرض موجز لمضمون تلك النظرية - وهو ما فصّلناه في بحثنا السابق -، فنقول:

يذهب الفلاسفة الإسلاميون المحدثون إلى وجود نحوٍ من المطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي، وملاك هذه المطابقة عندهم هو الاتحاد الماهوي بين الصور الحسّية والواقع، أي أننا عندما ندرك موضوعًا خارجيًا، فإنه يكون هنالك أمر مشترك بين هذا الموضوع المدرَك، وبين الصورة الحسّية التي ندرك بواسطتها ذلك الموضوع، وهذا الشيء المشترك هو الماهية، فما ينطبع في أذهاننا من الموضوع الخارجي هو ماهية ذلك الموضوع، وهذه الماهية هي التي تشكّل الرابطة بين الصور الحسّية والواقع الخارجي.

لكن ومع وجود هذا الاتحاد من ناحية الماهية، إلا أنه يبقى ثمّة اختلاف بين الإدراك وبين الواقع، مرجعه إلى الاختلاف بين الوجودين، حيث توجد الصور الإدراكية بوجود ذهني، بينما توجد الموضوعات الواقعية بوجود عيني، وهو ما يسبّب اختلافًا في الآثار, فيكون للشيء في الواقع الموضوعي آثار لا تكون له في وجوده الذهني، ومثال ذلك النار التي لا تختلف ماهيتها في الخارج عن ماهيتها في الذهن، بل الماهية في الحالين واحدة، ولكن وجود النار الواقعي يختلف عن وجودها الذهني, فهي توجد في الخارج بوجود عيني, بينما توجد في الذهن بوجود ذهني، وهذا ما يسبب الاختلاف في الآثار, فتكون النار الخارجية محرقة، بينما النار الذهنية لا تكون محرقة، فالوجود في حالته الخارجية يختلف عن الوجود في حالته الذهنية، بينما الماهية تبقى واحدة في كلا الوجودين.

هذه هي خلاصة النظرية السائدة لدى الفلاسفة الإسلاميين المحدثين في الإدراك الحسي، ومن جملتهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا)، غير أن للشهيد الصدر بيانًا آخر لهذه النظرية، وهو البيان المطروح في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)، حيث يتبنّى في هذا الكتاب أيضًا القول بالمطابقة بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي، ولكن دون القول بأن هذه المطابقة قائمة على أساس الاتحاد الماهوي.

الأدلة ومناقشتها:

ويبدو أن خلاصة الأدلة التي استدل بها فلاسفتنا على مطابقة الصور الحسّية للواقع تتركّز في دليلين هما:

1- لزوم السفسطة: وهو الدليل الذي تمسّك به الاتجاه السائد القائم على أساس الاتحاد الماهوي.

2- الاستقراء: وهو الدليل الذي يقيمه الشهيد الصدر في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء).

1- دليل لزوم السفسطة([2]):

وهو الدليل الذي يتبنّاه الاتجاه السائد القائل بأن الصور الحسّية تطابق الواقع الموضوعي نحوًا من المطابقة، وأن الملاك في هذه المطابقة هو الاتحاد الماهوي.

وخلاصة هذا الدليل هي أنه لولا وجود مطابقةٍ ما بين الذهن والخارج,  ولولا أن الذهن يمثل الخارج نحوًا من التمثيل، للزمت السفسطة، أي لو كان ما في الذهن يغاير ما في الخارج من دون جهة اتحاد بينهما, لما كان الذهن كاشفًا عن الواقع الخارجي بأي نحو من أنحاء الكشف، وذلك يؤدي إلى انسداد باب العلم بالواقع وعدم إمكان المعرفة، وهو ما يعبر عنه بالسفسطة([3]).

يقول العلامة الطباطبائي: [ وقد عرفت أيضًا أن القول بمغايرة الصور عند الحسّ والتخيّل لذوات الصور التي في الخارج، لا ينفك عن السفسطة ]([4]).

ويقول الشهيد مطهري: [ فإن قلنا إن الذهن قادر على إدراك ما ليس في الخارج أو أنه يدركه بشكل آخر، عندها لا يبقى لدينا اعتماد على أية حاسة من حواسنا]([5]).

ويقول العلامة الشيخ جعفر السبحاني عند مناقشته الرأي القائل بأن ما ندركه من المحسوسات يشكّل رموزًا عن الخارج: [ فإنا نسأل هؤلاء الذين يَعدُّون أنفسهم من الواقعيين وأصحاب الجزم واليقين: إذا لم تكن الصور الذهنية والقضايا البرهانية حاكية عن الواقع، بل رموز عنه، فمن أين نعلم بصحّة القواعد العلمية الطبيعية والفيزيائية والرياضية، وما ذكرتموه لا يؤدي إلا إلى إنكار العلم بالخارج، والانسلاك في عداد السوفسطائيين ]([6]).

إذًا لا بد - بحسب هذه النصوص - أن تكون الصور الإدراكية حاكية عن الواقع الموضوعي وكاشفة عنه، وإلا سقط الاعتماد على الحواس، ولزم إنكار العلم بالخارج، فانسد باب العلم بالواقعيات ولزمت السفسطة.

هذا هو الدليل على ضرورة وجود نحوٍ من المطابقة بين الصور الإدراكية بما فيها الصور الحسّية، وبين الواقع الموضوعي.

 ولكن ما هو الدليل على أنه لا بد أن يكون هذا التطابق والتماثل على أساس الاتحاد الماهوي؟

يقول العلامة المطهري في الإجابة على هذا السؤال: [ ليس هناك شكّ في كون الوجود الذهني وجودًا مغايرًا للوجود الخارجي، وأن الذهن والخارج ليسا متطابقين بلحاظ الوجود، وإذا لم يتطابق الوجودان فلا تطابق([7]) - أيضًا - بين ماهية الشيء الخارجية وماهيته في الذهن، فحينئذ سوف لا يبقى فرق بين العلم والجهل المركب وستضحى كل العلوم جهلاً مركبًا، ولا تبقى لألوان الإدراك أية قيمة، وبعبارة أخرى، سيعجز العلم والإدراك البشري عن الكشف عن عالم الواقع بأي نحو كان ]([8]).

وبعبارة أخرى: إن الوجود الخارجي للأشياء يغاير وجودها الذهني، فإذا غايرت ماهياتُ الأشياء الخارجية أيضًا ماهياتِها الذهنية، فمعنى ذلك أنه لا يبقى أيّ شيء مشترك بينهما، فيكون ما في الذهن مباينا لما في الخارج كليّة فلا تبقى أي رابطة بين الذهن والخارج، ولازم ذلك أن يكون الذهن والخارج غريبين أحدهما عن الآخر غربة كلية، فلا يعود بمقدور الذهن أن يكشف عن الخارج بأي نحو من أنحاء الكشف، وعندها يطغى الجهل المركب وتسود السفسطة([9]).

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] - وذلك في بحث تحت عنوان [تساؤلات حول نظرية الإدراك الحسي عند الفلاسفة المحدثين]، وهو البحث المنشور في مجلة (رسالة النجف)، العدد صفر.

[2] - هذا الدليل يستخدم في إثبات المطابقة بين الصور الإدراكية والواقع، سواء كانت تلك الصور صورًا عقلية أو صورًا حسيّة، فمناقشتنا لهذا الدليل تصبُّ في صميم بحثنا المتعلق بأدلة الإدراك الحسّي.

[3] - تجدر الملاحظة بأننا قصرنا البحث في الدليل الأول على كون الرابطة بين الصور الإدراكية والواقع الموضوعي هو رابطة الاتحاد الماهوي، وهو ما يتبنّاه الاتجاه السائد لدى الفلاسفة الإسلاميين المحدثين الذين تشكّل نظريتهم موضوع بحثنا هذا، ولذلك لم نتعرض للاتجاهات الأخرى التي تعتقد أن الرابطة ليست هي الرابطة الماهوية.

[4] - السيد محمد حسين الطباطبائي: نهاية الحكمة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران)، جمادى الأولى 1404 ، ص39.

[5] - الشهيد مرتضى المطهّري: شرح المنظومة، تعريب عبد الجبار الرفاعي، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، قم (إيران) الطبعة الأولى، ج1 ، ص260.

[6] - محاضرات الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني، بقلم الشيخ حسن مكي: نظرية المعرفة، الدار الإسلامية بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ 1990م ، ص113.

[7] - العبارة موهمة، والأوضح أن يقال : (وإذا لم يتطابق الوجودان ولم يكن هنالك تطابق - أيضًا - بين ماهية الشيء الخارجية وماهيته في الذهن، فحينئذٍ ... الخ)

[8] - الشهيد مرتضى المطهّري: شرح المنظومة (المختصر)، تعريب السيد عمار أبو رغيف، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الأولى ، جمادى الثانية 1417هـ ، ص54.

[9] - إنما يصح ذلك بعد ردّ النظريات الأخرى والتي تتبنّى كون الرابطة بين الذهن والواقع هي غير الرابطة الماهوية، بحيث لا يبقى في البين سوى الرابطة الماهوية، فإذا ألغينا هذه الرابطة أيضًا، لزمت السفسطة.

 

.

تتمة مقال = الصور الحسّية والواقع

مناقشة دليل لزوم السفسطة

الأمر الأول الجدير بالانتباه هو أن المطلوب إنما هو معرفة العلاقة القائمة بين خصوص الصور الحسّية والواقع الموضوعي, وليس العلاقة بين الصور العقلية والواقع. ولكنّنا نجد أن فلاسفتنا عند حديثهم عن علاقة الذهن بالواقع, قد خلطوا بين المقامين, وجعلوهما في عرض واحد, فقالوا بالمطابقة الماهوية مطلقًا بين الذهن والواقع, حتى فيما يتعلق بالصور الحسّية.

وهذا مما لا يستقيم، لأن الصور الحسّية صور جزئية تحصل في الذهن عند اتصال الحواس بالعالم الخارجي, وتتكثّر كلما تجدّد هذا الاتصال, ففي كل مرّة يقع الحسّ على شيء, تحدث صورة حسيّة جديدة في الذهن, بل حتى الشيء الواحد إذا اتصلت به الحواس مرة بعد أخرى, فإنه يحدث عند ذلك عدد من الصور الحسّية بعدد مرات الاتصال.

هذا, بينما يختلف الأمر في الصور العقلية, حيث تكون الصورة العقلية واحدة, مهما تكرّرت حالات الاتصال بين الحواس والخارج.

وعليه فإنه من الممكن الحديث عن الاتحاد الماهوي بين الصورة والواقع، في مقام الصور العقلية, ولكن هذا الحديث بعيد في مقام الصور الحسّية([1]). هذا أولاً.

وثانيًا: إن هؤلاء الفلاسفة الذين يتبنّون القول بأن الرابطة بين الذهن والخارج هي الرابطة الماهوية، وأن الذهن إنما يكشف عن الواقعيات عن طريق إدراك ماهياتها، وأن الاتحاد بين الماهيات الذهنية والماهيات الخارجية هو الوسيلة التي يتوسل بها الذهن ليدرك الواقع, إن هؤلاء الفلاسفة أنفسهم يعترفون في الوقت عينه بأن الاطلاع على ماهيات الأشياء هو من الأمور الصعبة بل المتعذرة.

وفي ذلك يقول العلامة الشيخ محمد رضا المظفر : [ إلا أن المعروف عند العلماء أن الاطلاع على حقائق الأشياء وفصولها من الأمور المستحيلة أو المتعذرة، وكل ما يذكر من الفصول فإنما هي خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقة ، فالتعاريف الموجودة بين أيدينا أكثرها أو كلها رسوم تشبه الحدود ]([2]).

 ويقول العلامة الطباطبائي: [ فالفصل المنطقي هو أخصّ اللوازم التي تعرض النوع وأعرفها، وهو إنما يؤخذ ويوضع في الحدود مكان الفصول الحقيقية، لصعوبة الحصول غالبًا على الفصل الحقيقي الذي يقوّم النوع ]([3]).

وعليه، فإذا كانت الماهيات هي طريقنا إلى معرفة الواقع، وإذا كانت معرفة هذه الماهيات صعبة أو متعذِّرة, لتعذُّر أو لصعوبة الحصول غالبًا على الفصول الحقيقية والتي تتقوّم بها ماهيات الأنواع، أفلا تكون النتيجة المنطقية لذلك هي أن معرفة الواقع متعذِّرة أو صعبة غالبًا، ونكون بناءً على ذلك قد أضعنا الطريق الوحيد المؤدي بنا إلى العلم بالواقع، فننتهي إلى مضيق السفسطة، وهو الأمر الذي حاولنا الفرار منه؟!

ولا ينفع في ردِّ هذا الإشكال القولُ بأن لوازم الماهية، بل أخصّ لوازمها، وهي المأخوذة مكان الماهية الحقيقية يمكن أن تؤدي الوظيفة نفسها التي كان يمكن أن تؤديها الماهية، فنتعرّف على الوقائع من خلال اللوازم بدلاً عن أن نتعرّف عليها من خلال الماهيات.

وذلك لأننا نسأل عن الكيفية التي من خلالها يمكننا إدراك هذه اللوازم، وهل هذه اللوازم من ذوات الماهيات، فندركها من خلال ماهياتها، أم أنها من غير ذوات الماهيات، فندركها من طرق أخرى غير طريق الماهيات ؟ فإذا قيل إنها من ذوات الماهيات عاد الإشكال الأول بعينه وهو صعوبة أو تعذّر الحصول على تلك الماهيات.

وإذا قيل إنها من غير ذوات الماهيات ، بل هي من لوازم الماهيات ولا ماهيات لها, فعندها يقال: من الممكن إذن تحصيل المعرفة بالواقعيات من خلال مفاهيم ذهنية ليست هي بالماهيات، وإذا كان ثمّة اتحاد, فهو اتحاد بين هذه اللوازم التي لا ماهيات لها وبين الواقع, ولا ضرورة عندها لحديث الاتحاد الماهوي وحصر الرابطة بين الذهن والواقع بالرابطة الماهوية .

وتبقى بعد ذلك مناقشة لا يتسع المجال لتفصيلها, ولكننا نشير إلى خلاصتها, وهي: لو فرض أن الواقع الموضوعي يقوم بدور العلة التي تدفع الذهن إلى ابتكار صور تشير إلى الواقع ولكنها لا تمثله - بنحو المطابقة - , ولو فرض أيضا أن الذهن إنما يبتكر هذه الصور بعد اتصال الحواس بالواقع ضمن نظام مطَّرد معين, وليس عن طريق الصدفة وبصورة عشوائية. فهل يمكن إنكار أن هذه المعرفة هي معرفةٌ ما بالواقع؟

وليس المدعى في هذا الفرض أن هذه المعرفة معرفة كاملة, وإنما هي نحو من أنحاء المعرفة, بحيث يكون لنا علمٌ ما بالواقعيات, يحول دون انسداد باب العلم ولزوم السفسطة. خصوصًا وأن الاتجاه القائل بالمطابقة الماهوية قد أقرّ بعدم معرفتنا الماهيات بحقائقها, واكتفى بأن تكون المعرفة باللوازم - دون معرفة الحقائق - هي من الطرق الصحيحة للمعرفة, والتي تبعد عنا غائلة السفسطة.

والنتيجة التي تؤدي بنا إليها كل هذه المناقشات هي أن دليل لزوم السفسطة لا يفي بالبرهنة على ضرورة أن تكون الرابطة بين الذهن والواقع - وبالأخص بين الصور الحسّية والواقع - هي رابطة المطابقة الماهوية.

2- دليل الاستقراء:

ذكرنا سابقًا أن الشهيد الصدر يستدل في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء) على المطابقة والتشابه بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي بدليل الاستقراء.

ولنأخذ ببيان هذا الدليل بما يسمح به المقام, فنقول: إننا وبعد الفراغ عن الاعتقاد بوجود عالم موضوعي وراء الإحساس، وبعد الفراغ عن الاعتقاد بوجود علاقة السببية بين الواقع الموضوعي والقضايا المحسوسة، بمعنى أن بعض القضايا المحسوسة لها واقع موضوعي مستقل عن إدراكنا وتصوّرنا، وهذا الواقع الموضوعي وضمن شروط خاصة يقوم بدور السببية لحصولنا على الصورة المحسوسة, إننا وبعد الفراغ عن الاعتقاد بكل ذلك([4])، نسأل:

عندما تظهر في مداركنا صورة معيّنة نتيجة اتصال أدوات الحسّ بالواقع الموضوعي ضمن شروط خاصة، فهل يكون هنالك تشابه بين تلك الصورة والواقع، أو أن الصورة المحسوسة تكون معلولة للواقع الموضوعي دون أن تشابهه؟

يجيب الشهيد الصدر: [ إنّنا نعتقد عادة بوجود تشابه بدرجة ما بين الصورة المحسوسة التي ندركها، والواقع الموضوعي لها ]([5]).

ونسأل ما هو مقدار التشابه بين الصورة المحسوسة والواقع الموضوعي لها؟

الجواب: إنها درجةٌ ما من التشابه، كما مرّ في النص الآنف، أو قل إنها درجة لا يمكن الاستغناء عن الاعتقاد بها كما في النص التالي: [ ولا شك في أن الإنسان الاعتيادي يذهب إلى الاعتقاد بدرجة كبيرة من التطابق والتشابه بين الصورة المحسوسة والواقع الموضوعي، بينما تتناقص هذه الدرجة كلما أخذنا بعين الاعتبار ما يكشفه العلم من الجوانب الذاتية لعملية الإدراك الحسي، ولكن يبدو أن هناك درجة من التشابه بين الصورة المحسوسة والواقع الموضوعي لا يمكن التنازل عن الاعتقاد بها ]([6]).

ويمثّل (قده) لهذه الدرجة من التشابه بالصور المُبْصَرة المتعلقة بالشكل الهندسي للأجسام، فإن ما نراه من أجسام بشكل دائري - مثلاً - لا نحتمل  عادةً أن يكون مربعًا في الواقع.

لكن وعلى الرّغم من ذلك، فإن احتمال كونه مربعًا في الواقع، وعلى خلاف ما نراه، لا يحتوي على أي خلل منطقي، بل إننا لا نملك أي مبرر قبلي - أي قبل الحسّ والتجربة - للتأكيد على أن ما نراه بشكل دائري هو دائري في الواقع وليس مربعًا.

لذلك فإن القضية القائلة بأن ما نراه من الأجسام بشكل دائري هو دائري في الواقع أيضًا، هي قضية بحاجة إلى دليل، فما هو الدليل على هذه القضية ؟

هذا ما نبيّنه الآن وبالمقدار الذي تستوجبه مقتضيات البحث، مع مراعاة دواعي الاختصار، والتفصيل موكول إلى محله([7]).

إذا نظرتُ إلى ورقة فرأيتها بشكل مستدير، فهل لي أن أحكم بأن هذه الورقة هي مستديرة الشكل في الواقع أيضًا، وكما تظهر لي، أم يحتمل أن يكون لها في الواقع الخارجي شكل آخر غير الاستدارة، كأن يكون شكلها هو المربع - مثلاً - وعلى خلاف صورتها المحسوسة لي؟

إننا ولكي نثبت التشابه بين شكل الورقة المحسوس وبين شكلها الواقعي, علينا أولاً وقبل كل شيء أن نكون قد فرغنا عن إحراز خاصيّة الشكل للورقة في الواقع الموضوعي، أي علينا أن نعلم أولاً بوجود شكل ما للورقة في الخارج، ثم نبحث بعد ذلك عن حقيقة هذا الشكل، وهل هو المستدير أو المربع؟ وإلا لو لم نعلم بامتلاك الورقة لخاصية الشكل، بل كان وجود الشكل للورقة من مخترعات الذهن - مثلاً - فلا معنى عندها للبحث عن حقيقة هذا الشكل في الخارج، وهل هو المستدير أو المربع؟

فكيف نحرز وجود خاصيّة الشكل للورقة في العالم الموضوعي؟

يرى الشهيد الصدر (رحمه الله) أن ذلك إنما يتمّ عن طريق علم إجمالي قبلي، فنحن نعلم علمًا إجماليًا قبليًا بوجود شكل هندسي للورقة، أي نعلم بكليّ غير محدّد للشكل الهندسي للورقة.

وبعد علمنا بوجود شكل هندسي للورقة في الواقع، يمكننا الانتقال إلى إثبات مصداقه، وتحديد ما إذا كان هذا المصداق مشابهًا للشكل المحسوس أو لا؟

وهذا يتوقّف بدوره على تحديد طبيعة رؤيتنا، وهل أن رؤيتنا هي رؤية موضوعية بطبيعتها، أم أنها ليست رؤية موضوعية بطبيعتها؟

والمقصود من كون رؤيتنا موضوعية هو أن عيني ترى - ضمن الشروط العامّة للرؤية - كل ما تواجهه، ولا ترى شيئًا لا تواجهه.

ونحن يمكننا أن نثبت أن رؤيتنا موضوعية من خلال تراكم قيم احتمالية نحصل عليها عن طريق الاستقراء.

وخلاصة ذلك : هي أننا نلاحظ أن الرؤية تقترن وفي عدد كبير من الحالات بمواجهة شيء، ونلاحظ أن زوال الرؤية يقترن بزوال المواجهة. فنثبت بقيمة احتمالية كبيرة أن رؤيتنا موضوعية بطبيعتها.

فإذا ثبت أن رؤيتنا موضوعية, أمكننا أن ننتقل إلى إثبات التشابه بين الصورة المحسوسة وبين الواقع الموضوعي لها، فيكون الشكل المستدير الذي نراه هو الشكل الواقعي للورقة.

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - للإطلاع على هذا الأمر بالتفصيل وبصورة أوضح، يراجع بحثنا [ تساؤلات حول الإدراك الحسّي ]، المنشور في مجلة (رسالة النجف) العدد صفر، ص143 إلى ص 145.

[2] - الشيخ محمد رضا المظفر: المنطق، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية 1405 هـ، 1985م، ص 101.

[3] - السيد محمد حسين الطباطبائي: بداية الحكمة، دار المصطفى للطباعة والنشر، بيروت 1402 هـ، 1985م، ص65؛ وانظر أيضا شرح المنظومة تعريب عبد الجبار الرفاعي (مرجع سابق) ج1,  هامش صفحة 213.

[4] - يستدل الشهيد الصدر على كل هذه القضايا بالدليل الاستقرائي.

[5] - السيد محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية، 1397هـ، 1977م، ص 465.

[6] - المصدر نفسه ص 465-466.

[7] - انظر في بيان هذا الدليل : [الأسس المنطقية للاستقراء]، ص466 إلى ص 468، ويلاحظ أيضًا القضايا التي بني عليها هذا الدليل في مواردها من الكتاب.

 

.

تتمة مقال = الصور الحسّية والواقع

ولإثبات ذلك نقول: لو فرضنا أن الشكل الواقعي للورقة هو المربع وعلى خلاف ما نراه من الاستدارة، فإن هذا الفرض لا يخلو من أحد احتمالين:

1 - إما أن يكون هذا المربع من المربعات التي يمكن أن نرسمها داخل الدائرة التي نراها .

2 - وإما أن يكون هذا المربع أكبر من المربعات التي يمكن أن نرسمها داخل تلك الدائرة.

والاحتمال الأول يتضمن أن الامتداد الذي تمثّله صورة الدائرة المحسوسة، هو أكبر من واقع الورقة، وذلك لأننا افترضنا في هذا الاحتمال أن المربع الواقعي هو من المربعات التي يمكن أن نرسمها داخل الدائرة التي نراها، فيكون  للدائرة المرئية امتداد أكبر من امتداد المربع الواقعي، وهذا معناه أننا نرى من الامتداد شيئًا لا نواجهه. وهو أمر ممكن لو كانت رؤيتنا غير موضوعية، ولكننا أثبتنا بقيمة احتمالية كبيرة أن رؤيتنا موضوعية، فيكون من غير المحتمل أن نرى شيئًا لا نواجهه، فيكون هذا الاحتمال الأول غير صحيح.

أما الاحتمال الثاني، فإنه يتضمن أن جزءًا من المربع الواقعي يقع خارج الدائرة التي نراها، وذلك لأننا افترضنا في هذا الاحتمال أن المربع الواقعي أكبر من المربعات التي يمكن أن نرسمها داخل الدائرة التي نراها، وعندها لا بد أن يقع جزء من امتداد هذا المربع خارج تلك الدائرة، وهذا معناه أننا لا نرى جزءًا مما نواجهه، وهو الجزء الواقع خارج الدائرة، وهذا يصحّ أيضًا لو كانت رؤيتنا غير موضوعية، ولكننا فرغنا عن كونها موضوعية، فلا بد أن نرى كل ما نواجهه. فيكون هذا الاحتمال باطلاً أيضًا.

فإذا بطل كلا الاحتمالين الناتجين عن فرض كون المربع هو المصداق لكلي الشكل المعلوم بالعلم الإجمالي القبلي، انتفى أن يكون المربع هو الشكل الواقعي للورقة التي أراها مستديرة الشكل. ويجري الأمر عينه في جميع الأشكال الأخرى التي يمكن أن تشكّل أطرافًا للعلم الإجمالي بكليّ الشكل، ما عدا الشكل الذي نراه، وهو المستدير في مثالنا.

ويتبين بذلك أننا إذا أثبتنا ومن خلال تراكم قيم احتمالية نحصل عليها عن طريق الاستقراء أن رؤيتنا موضوعية فإننا نثبت بالتالي أن المستدير هو المصداق الوحيد لكلي الشكل المعلوم بالعلم الإجمالي القبلي.

وهذه القيمة الاحتمالية المثبتة لكون المستدير هو المصداق الواقعي لكلي الشكل، حاكمة في الوقت نفسه على القيمة الاحتمالية النافية لذلك والمستمدّة من العلم الإجمالي القبلي. والمراد بهذه القيمة الاحتمالية النافية، القيمة الاحتمالية التي نحصل عليها من علمنا الإجمالي المتعلق بكلي الشكل، حيث يشكّل هذا الكلي جامعًا بين أشكال، يحتمل أن يكون كل واحد منها مصداقًا لذلك الكلي، واحتمال مصداقية كل طرف تثبت من جهة احتمال مصداقية هذا الطرف بعينه، وتنفي من جهة أخرى - وبالدرجة نفسها - مصداقية باقي الأطراف.

ولكن هذه القيمة الاحتمالية النافية، والتي تنفي مصداقية المستدير - في مثالنا - وتحتمل أن يكون المربع هو المصداق الواقعي لكلي الشكل، تحكم عليها القيمة الاحتمالية المثبتة,فإن هذه القيمة الاحتمالية المثبتة حيث إنها تنمِّي احتمال مصداقية المستدير, وتخفض قيمة احتمال مصداقية باقي الأشكال, فإنها تكون حاكمة على القيمة الاحتمالية التي يحددها العلم الإجمالي القبلي([1]).

فإذا ارتفعت وبدرجة كبيرة القيمة الاحتمالية المثبتة لكون المصداق لما أراه مستديرًا هو المستدير واقعًا، وانخفضت في المقابل، وبالدرجة نفسها مصداقية باقي الأشكال - كالمربع في مثالنا – وإذا كانت القيمة الاحتمالية النافية لمصداقية المستدير محكومة بالقيمة الاحتمالية المثبتة لذلك, فإن النتيجة تكون : أن ما أراه مستديرًا هو مستدير في الواقع أيضًا.

وبناء على هذه النتيجة، يثبت التشابه بين الصور المحسوسة والواقع الموضوعي لها.

مناقشة موقف (الأسس المنطقية للاستقراء):

بينَّا أن الشهيد الصدر يذهب إلى الاعتقاد بوجود درجة من التشابه بين الصور الحسّية والواقع الموضوعي لها، ويظهر أنّ مراده من ذلك هو التشابه من حيث الخصائص إذ يقول:[ أثبتنا أن الواقع الموضوعي للصورة المحسوسة يشبهها في كثير من الخصائص]([2])، وهذا التشابه في الخصائص غير مختص عنده ببعض أنواع الصور المحسوسة، بل هو عام يشمل جميع تلك الصور، وهو ما يشير إليه بقوله: [ ما دمنا قد عرفنا أن كل صورة محسوسة تشابه الشيء الذي أثارها في الواقع الموضوعي ]([3]).

والملاحظة الأساسية التي يمكن تسجيلها على ما يذهب إليه (قده) هي أن الدليل الذي أقامه أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى هو وجود تشابه بين كل صورة محسوسة وبين الواقع، بينما لم يُثبت الدليل سوى التشابه بين الصورة المُبْصَرة للشكل وبين الشكل في العالم الموضوعي، ولم يتعدَّ ذلك إلى باقي المُبْصَرات كاللون، ولا إلى باقي المحسوسات كالطعوم والروائح.

وقد يقال: إن الشهيد الصدر إنما استخدم (الشكل) في دليله الاستقرائي كمثال فقط، ولكنه أراد من هذا الدليل إثبات التشابه بين جميع الصور الحسية والواقع.

ونجيب: ليست المشكلة مشكلة المثال، وإنما الدليل نفسه قاصر عن إثبات عموم المدّعى.

وذلك لأن الدليل الاستقرائي - وكما بينَّاه سابقًا - مبني على وجود علم إجمالي قبلي يتعلق بكليّ غير محدّد، وهذا الكلي لا تردّد فيه، لأنه معلوم بالعلم الإجمالي القبلي، ولكننا نتردّد في مصداق ذلك الكلي المعلوم، فنُثبت المصداق عن طريق الدليل الاستقرائي، ولولا وجود ذلك العلم الإجمالي أولاً، لما وصلت النّوبة إلى الدليل الاستقرائي المثبت لخصوص المصداق.

وبهذه الطريقة أثبتنا التشابه بين الصورة المحسوسة للشكل وبين الشكل الواقعي، فقلنا بوجود علم إجمالي يُثبت وجود شكل هندسيّ للشيء في الواقع، ثم تردّدنا في مصداق هذا الشكل، هل هو المستدير كما يظهر لمداركنا الحسّية، أم هو المربع وعلى خلاف ما يظهر لتلك المدارك؟

وهنا جاء دور الاستقراء ليثبت أن المصداق الواقعيّ للشكل هو المستدير وليس المربع.

ولكن هذا إن صحَّ في خصوص قضية الشكل من المُبْصَرات، فإنه لا يصحّ في باقي المبصرات، علاوة على المحسوسات الأخرى من غير المبصرات، كالطعوم والروائح.

ولنوضح المسألة فيما يتعلق بباقي المبصرات كاللون، وعليها يُقاس ما يتعلّق بالمحسوسات الأخرى من غير المُبصرات.

ففيما يتعلق باللون يمكن أن يقال: إن اللون لا وجود له في الواقع الموضوعي، ولكن أذهاننا هي التي تصنع الألوان نتيجة ما تتلقّاه العين من الأشعة التي تعكسها الأجسام، فنحن لا نواجه لونًا موجودًا في الخارج، ثم وعبر عمليات فيزيولوجية معيَّنة، نحصل على صورة حسّية في الذهن تحاكي ذلك اللون الخارجي، بل إننا نواجه أشياء تقوم بدور الأسباب والشروط، فيصنع الذهن من خلالها صورة حسّية للون، لا وجود لما يماثلها في الواقع الموضوعي.

وهذا معناه أننا لا نمتلك علمًا إجماليًا قبليًا يتعلق باللون. وإذا كنّا لا نمتلك مثل هذا العلم الإجمالي أساسًا، فلا يصل البحث إلى المصداق، لِيُتَردَّدَ فيه، ويشكّ في أن ما أراه من لونٍ أخضر – مثلاً - هل هو الأخضر في الواقع أم الأزرق ؟ وذلك لأن دليل الاستقراء - كما ذكرنا - مبني على وجود علم إجمالي قبلي يُثبت أصل وجود شكل أو لون... ثم يأتي دور الاستقراء فيثبت المصداق ويبرهن على التشابه بين الصورة المحسوسة والواقع.

ولو صح وجود هذا العلم الإجمالي المتعلق بوجود الشكل في العالم الموضوعي, فمن أين لنا أن نثبت وجود مثل هذا العلم فيما يتعلق باللون؟!

وبهذا يظهر أن دليل الاستقراء يختص بإثبات مصداق الشكل وما يماثله، فيدل على التشابه بين الصورة المحسوسة للشكل وبين الشكل الواقعي، ولكنّه لا يفي بإثبات التشابه بين باقي صور المحسوسات من مُبصَرات وغيرها، وبين الواقع الموضوعي لها, إلا إذا استطعنا أن نثبت وجود علم إجمالي قبلي يتعلق بوجود مصاديق هذه الصور المحسوسة في الواقع. وهو ما لم يثبت, بل لعل الأصح عدم وجوده.

والخلاصة هي أن أيّاً من الدليلين اللذين أقامهما فلاسفتنا المحدثون على المطابقة والتشابه بين الصور الحسّية المختلفة وبين الواقع الموضوعي، وهما دليل لزوم السفسطة ودليل الاستقراء غير وافيين بالبرهنة على المدَّعَى.

وهذا ما يؤكد على ما ذكرناه في بحثنا السابق من ضرورة تولية نظرية الإدراك الحسّي في الفلسفة الإسلامية المزيد من الاهتمام، لمحاولة بناء نظرية واضحة المعالم راسخة الأسس، لما لهذه النظرية من أهمية، حيث تعتبر اللبنة الأساس التي يقوم عليها كل بناء نظري، ثم تبتني عليها كل عقيدة.

انتهى المقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - يراجع في بيان مسألة الحكومة وتفصيلها كتاب [الأسس المنطقية للاستقراء] وبالأخص البحث المتعلق بالفرضية الثانية من الفرضيات التي تفي ببديهة الحكومة، ص 233.

[2] - الأسس المنطقية للاستقراء، ص 468.

[3] - المصدر نفسه ص 468.

 
115%