رسالة النجف

إقطاعات النبي (ص) وإعمار الأرض

 

إقطاعات النبي (ص) وإعمار الأرض

السيد جعفر مرتضى1

 كثيرًا ما نقرأ في التاريخ، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد خصّ بعض الناس ببعض الأراضي، وكان يكتب لهم بها كتابًا، ويضع عليهم شروطًا.. فربما أثار هذا شبهة لدى بعض من قصّر في البحث عن ظروف وملابسات هذا الأمر، وشبهتهم هي التالية:

السؤال: ما هو المبرر لإعطاء شخص واحد هذا العطاء الكبير، وتخصيصه بهذه المساحات الشاسعة، مع أنه كان من الممكن توزيع هذه المساحات على مجموعة من الأفراد الذين يعانون من الحاجة الملحّة، وليكن منهم أصحاب الصفّة المعروفون بالفقر، وكان (صلى الله عليه وآله) ينفق عليهم بحسب ما يتيسر له.

وإذا كانت هذه الأراضي قد أصبحت تحت اختيار السلطة، فذلك لا يبرر التصرف فيها، لتكريس يسيء إلى سمعة الدين، ويسقط منطق العدل والدين فيه، من خلال إعطاء تلك الأراضي لفئة صغيرة قد تكون في غنى عنها، بل يجب أن يستفيد منها أكبر عدد من الناس، وخصوصًا الفقراء منهم.

إجابة مرفوضة:

وقد حاول البعض أن يجيب: بأن من الجائز أن تكون بعض هذه المناطق الممنوحة لم تكن منحًا جديدًا، وإنما كان إعطاؤها لهم مجرد تأكيد لملكية سابقة، وهذا الإقطاع معناه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أقرّها في يد صاحبها، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يضمِّن كتب الأمان التي يصدرها للأفراد والجماعات ما يملكون من أراض. وقد يرد في بعض الحالات اسم زعيم القبيلة أو الوفد وحده على رأس الوثيقة.

ولكن ليس معنى ذلك أن كل ما يرد في الوثيقة يخصّ ذلك الزعيم شخصيًا، بل إن سائر أفراد القبيلة تكون لهم عين الحقوق المعطاة في الوثيقة المعنية، وما الزعيم - الذي ورد اسمه - إلا الممثل لمصالحهم([1]).

غير أننا نقول: إن هذه الإجابة غير دقيقة، ولا تناسب الكثير من النصوص الواردة في كتب الإقطاعات، وإذا كان أولئك الناس قد أسلموا طواعية، فإن الشرع يحكم بأن من أسلم على أرض فهي له. فأيّ داع للتصريح بمالكيتهم لأراضيهم؟!

على أن هذا لو صحّ لاقتضى أن تشمل الكتابة بذلك جميع الناس، وأن لا تختص ببعض الناس دون بعض.

الجواب الأمثل:

والإجابة الصحيحة على هذا السؤال تحتاج إلى الحديث في جهات عدّة، ولو بصورة موجزة وذلك كما يلي:

الفقر الموت الأكبر:

إن الإسلام لا يريد أن يرى الفقر يعشعش في داخل المجتمع الإنساني، لأن الفقر ليس فضيلة، كما أن الغنى ليس عيبًا أو نقصًا، بل الإسلام يريد أن يرى المجتمع طموحًا وفاعلاً، وغنيًا وقويًا.. ومتكافلاً ومتعاونًا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

فإن كان ثمّة من فقير، فلا بد أن يكون سبب فقره ظروفًا قاهرة، أو إتكالية وكسلاً مرفوضًا وممقوتًا، أو سوء تصرف، أو غير ذلك.

ولذلك جاءت تشريعات الإسلام حاسمة في معالجة مسألة الفقر باقتلاعه من جذوره، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (الفقر الموت الأكبر)([2]).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (كاد الفقر أن يكون كفرًا، وكاد الحسد أن يغلب القدر)([3]).

البداوة مذمومة:

هذا.. وقد قال تعالى على لسان يوسف (عليه السلام) مخاطبًا أباه: {..وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ..}([4]).

ما يعني أن الخروج من حياة البدو كان نعمة عظيمة توازي خروجه من السجن.

وقال تعالى أيضًا:

{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً}([5]).

فهو تعالى يذمّ هؤلاء الناس على أن الأمر قد بلغ بهم حدًا فقدوا معه الموازين، واختلّت فيه المعايير لديهم، بسبب حبّهم للدنيا وزخارفها، فكانوا يهربون من الجهاد الذي هو من أشرف الأعمال وأعظمها، لما فيه من حماية لحياة المسلمين، وحفظٍ لعزّتهم ودولتهم، والدفاع عن منجزاتهم الحضارية، ويفضّلون عليه أحط الخيارات وأرخصها وأتفهها، ألا وهو أن يكونوا بادين في الأعراب، ولا يكونوا في ساحات الشرف والجهاد والكرامة.

آثار البداوة على الإنسان العربي:

وبالرجوع إلى التاريخ نلاحظ: أن الإنسان العربي كان آنئذٍ يعيش البداوة بأجلى مظاهرها، وربما لم تكن له علاقة بالأرض، ولا يراوده حنين إليها إلا بقدر ما تحمله له من ذكريات، مُرّة تارة، وحلوة أخرى، ولا شيء أكثر من ذلك..

وكان همّه مصروفًا إلى تحصيل لقمة عيشه بطرق سهلة، مثل رعي الإبل والمواشي، وإلا فالسلّب والنهب والغارة، ولو بقيمة إتلاف النفوس، وإزهاق الأرواح..

فكان من نتائج ذلك: أن قويت عصبيّة الإنسان العربي للعشيرة، واشتدت نفرته وخوفه من كل من عداها.. فكان أن حُرم من تعاون بني جنسه معه على حلّ مشكلات الحياة، ومن فرص إرساء أسس لحضارة ذات قيمة..

وبذلك يكون العرب قد حرموا أنفسهم أيضًا من علوم كثيرة كان من الممكن أن تساعدهم على اقتحام مجالات حياتية مهمة ورائعة، فلم يمارسوا شيئًا من الصنائع، ولا استخرجوا من كنوز الأرض ومعادنها وخيراتها ما يفتح أمامهم أبوابًا من المعرفة تفيدهم في تنويع الإستفادة منها. ولا مارسوا حِرَفًَا تفيدهم في تيسير سبل العيش لهم، كما أنهم لم يجدوا أنفسهم ملزمين ولو بالإلمام بشيء من العلوم الإنسانية، على كثرتها وتنوعها واختلافها.

عناصر ضرورية لبناء الدولة والحضارة:

وغنيّ عن القول: إنه إذا أريد بناء دولة قوية ومجتمع إنساني فاعل ومتماسك، وقادر على إنشاء الحضارات وتحمّل المسؤوليات التاريخية فلا بد من توفر العناصر الضرورية لذلك، والتي بها يتوفّر الأمل والطموح، والشعور بالأمن والسلام، ثم التفرغ للتأمل والتفكير، والتعرّف على المشكلات وقهر الموانع وتجاوز العقبات، والتخطيط، واستنباط وسائل التغلّب عليها بالتسلح بالعلم والمعرفة، ثم السعي للحصول على القدرات اللازمة لذلك كلّه.

وبديهي: أن يكون ذلك كلّه مرهونًا بالإستقرار المؤدّي لإعمار الأرض، من خلال الإرتباط بها، وبذل الجهد في استخراج خيراتها، ومعادنها وكل ما فيها، ووضع ثمرات هذا الجهد في التداول، والإهتمام بتطوير الحياة به ومن خلاله، ولا يكون ذلك كلّه ممكنًا إلا بالتعاون والتعاضد، والعمل على إنتاج رؤية سليمة تؤدّي إلى تطويع وإخضاع قوانين الطبيعة لإرادة الإنسان لتكون في خدمته..

ولا مجال للنجاح في ذلك كلّه إلا في ظل الأطروحة الصحيحة، التي تحدّد الأهداف القصوى، وتحفظ مسيرة الوصول إليها وسلامتها. وتهيمن على المسار والمسير، وتمنح الثقة بالنجاح والفلاح، من خلال تضافر الجهود واستنفار العقول.

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1.  إستاذ في الحوزة العلمية وعالم محقق .

[1]- نشأة الدولة الإسلامية ص255 ـ 256.

[2]- سفينة البحار ج7 ص133.

[3]- سفينة البحار ج7 ص131 و 132 والبحار ج70 ص246.

[4]- الآية 100 من سورة يوسف.

[5]- الآية 20 من سورة الأحزاب.

 

تتمة مقال = إقطاعات النبي (ص)

سياسة الإسلام للتخلص من البداوة:

وقد كان لا بدّ من الخروج من حياة البداوة، والعمل على بناء مجتمع مدني قوي وفاعل، وقد عمل الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) على تحقيق هذا الغرض النبيل، من خلال إجراءات عديدة ومتنوعة، فأوجب على الإنسان نفقات، وحمّله مسؤوليات مالية، ثم حثّه على العمل واعتبره كالجهاد في سبيل الله، وحثّ على الهجرة من البدو، وعلى السعيّ في سبيل بناء حياة كريمة، وأوجب على كل فردٍ - وجوبيًا كفائيًا - تحصيل ما يحتاج الناس إليه من العلوم.. وحثّ على تعلّم الحرف والصناعات وشجّع على التجارة والزراعة وإثارة الأرض وعمارتها، ثم إنه من جهة أخرى ذم الكسل والتواكل، ومنع من أكل المال بالباطل، ومن الظلم والحيف، واغتصاب الأموال، والتعدّي على أراضي الغير، ولو بمقدار شبر واحد، ومنع من الربا والقمار، والإحتكار.. و.. و.. ثم كانت سياسة إقطاع الأراضي كما سنرى..

ومما يشير إلى اهتمام الإسلام بالحِرَف، وبإحياء الأرض، وبالإعمار وغير ذلك ما رُوي من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: هل له حرفة؟! فإن قالوا: لا. قال: سقط من عيني([1])..

وفي مجال الزراعة رُوي: أنه (صلى الله عليه وآله) أوصى عليًا (عليه السلام) عند وفاته بقوله: (يا علي، لا يُظلم الفلاحون بحضرتك)([2]).

وقال (صلى الله عليه وآله): (إن الله أهبط آدم إلى الأرض، وأمره أن يحرث بيده ليأكل من كدّه)([3]).

وقد حثّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته للإمام الحسن (عليه السلام) على أن لا يقلع شجرة حتى يغرس عوضًا عنها وَدِية([4])، حتى تشكّل أرضها غراسًا([5]). أي لا تمتاز الأرض عن الشجر.

وعنه (عليه السلام) : (من وجد ماءً وترابًا ثم افتقر فأبعده الله)([6]).

وقال (عليه السلام) في عهده للأشتر: (ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً)([7]).

وقال الواسطي: سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الفلاحين، فقال: (هم الزارعون كنوز الله. وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة. وما بعث الله نبيًا إلا زارعًا إلا إدريس (عليه السلام)، فإنه كان خياطًا)([8]).

وقد علَّم الله تعالى نبيه داوود (عليه السلام) صناعة الدروع، وألان له الحديد.. كما صرّح به القرآن الكريم.

لماذا إقطاع الأراضي؟!:

ومن المفردات المفيدة جدًا في هذا المجال هو: إقطاع الأراضي، فإن إقطاع الأراضي لشخصٍ ما، معناه: أن تصبح تلك الأرض تحت اختياره، ومنع الآخرين من مزاحمته أو الحدّ من فاعليته فيها، فيستفيد من هذه الفرصة التي مُنحت له ليعمل على إحياء تلك الأرض إما بالزراعة، أو بالإستفادة منها في أيّ مجال إنتاجي: تجاري، أو صناعي، أو تعليمي، أو تربوي، أو غيره.. واستخراج خيراتها، ومعادنها، وتطويرها.. ورفد السوق بها، ووضعها في دائرة التداول، لينعش الحالة الإقتصادية، من حيث إنه يضخّ في عروق اقتصاد المجتمع دمًا جديدًا، ويزيده قوة وصلابة، ويحفزه لمواصلة نموّه، ويمكِّن من ثَمّ من تهيئة الظروف والقدرات للتحرك نحو مراحل ومستويات حياتية أعلى وأرقى، وأرحب وأوسع، لها طبيعتها ووسائلها، وحاجاتها، ولا بدّ من مواجهة مسؤولياتها، وحلّ مشاكلها.

ضرورة التعاون:

إن من الطبيعي أن يستفيد الشخص الذي وُضعت الأرض بتصرّفه، من طاقات الآخرين لإنجاز مهمة الإحياء، وإيصالها إلى أهدافها، لكي تؤتي ثمارها في ظلّ نظام قائم على العدل، يضع الأمور في نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه..

وهذا يقتضي وضع ضوابط ومعايير ترتكز إلى منظومة من المُثل والقيم تحدّد طبيعة العلاقة، وتحكم طريقة التعامل، وربما يحتاج ذلك إلى رصد ميزات نفسية وأخلاقية معينة تفرضها صحة وسلامة هذا التعامل الممتدّ عبر الأعصار والأزمان.

وبذلك يصبح إقطاع الأراضي الموات بهدف إحيائها، وإنعاش الحالة الإقتصادية، وإيجاد فرص عمل لفئات من الناس، ثم دفع المجتمع ليتعلق بأرضه، ويستخرج خيراتها، وليعيش حالة السلام والأمن، يصبح ضرورة لا بدّ منها، ولا غنى عنها لبناء المجتمع الإنساني وبناء الدولة، ثم إرساء قواعد الحضارة القائمة على أساس صحيح ومتين من القيم الإنسانية والإلهية، عندها يصبح من الممكن الإنطلاق بالمجتمع الإنساني إلى آفاق السلام والسلامة، لينعم بالعيش الرغيد والسعيد..

إقطاع الأرض للمحتاجين:

ثم إن هذه الإقطاعات التي حصلت في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كانت في الأكثر لأناس يحتاجون إليها، وليسوا من الأغنياء، إلا في موارد نادرة جدًا، أُريد بها تأليف بعض الناس، وكفّ أذاهم، مع عدم الإضرار أو الإجحاف في حقّ أي كان. ويظهر هذا الأمر من مراجعة قائمة الذين أقطعهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، ممن وصلت أسماؤهم إلينا..

ومما يشير إلى أن إقطاع هؤلاء كان من موجبات القوة، ولَمَّ الشّعث، وإنعاش الإقتصاد بصورة أو بأخرى، ومن دون حيف وإجحاف أننا لم نجد أحدًا اشتكى، أو تساءل عن أي أمر له علاقة بهذا الموضوع، أو أبدى أية ملاحظة حول الأشخاص الذين أقطعهم (صلى الله عليه وآله). مع أن بعض الأنصار اعترضوا على إعطاء غنائم حُنين للمؤلّفة قلوبهم، حتى أوضح لهم النبي (صلى الله عليه وآله) ما أزال موجبات الإعتراض من نفوسهم..

الإقطاع للقادرين والمبادرين:

هذا.. وقد يكون الفقير أو الغني أحيانًا لا يريد أو غير قادر على الإحياء، فيصبح إعطاؤه الأرض لكي يحييها بلا مبرر، ولا يقدم عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن المهمّ هو: إحياء الأرض بيد من يقدر على إحيائها، وِفقًا لأحكام الشرع..

وليس المقصود: مجرد تمليك الأراضي للناس، وينتهي الأمر عند هذا..

وقد ذمّ الإسلام الكسالى، والإتكاليين، الذين يريدون أن يعيشوا كَلاً على الناس، وأعلن عن شديد مقته لهم، ولم يرضَ لهم بمدّ يد العون، وعليه فلا حقّ لهم لكي تصح المطالبة به، لأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم..

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- البحار ج100 ص9 وفي هامشه عن جامع الأخبار (ط الحيدرية ـ النجف الأشرف) ص139.

[2]- راجع: الكافي ج5 ص284؛ وتهذيب الأحكام ج7 ص154؛ والوسائل (آل البيت) ج19 ص63؛ و(الإسلامية) ج13 ص216؛ وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص460؛ ومكاتيب الرسول ج3 ص540؛ والخراجيات للمحقق الكركي ص90؛ ورسائل الكركي ج1 ص284 .

[3]- راجع: الوسائل (ط آل البيت) ج6 ص382 وج19 ص36؛ و(ط الإسلامية) ج4 ص981 وج13 ص196؛ ومكاتيب الرسول ج3 ص540؛ ومستدرك الوسائل ج4 ص475 وج13 ص24 و 462؛ والبحار ج11 ص211 و 212؛ وجامع أحاديث الشيعة ج5 ص235 وج17 ص130 وج18 ص434 و 435؛ وتفسير العياشي ج1 ص40؛ وقصص الأنبياء للراوندي ص53؛ ومنازل الآخرة للقمي ص41 .

[4] - الودي : على فعيل، صغار الفسيل، واحدة ودية.

[5]- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص22؛ ومستدرك الوسائل ج14 ص57؛ والبحار ج42 ص255 وج100 ص184؛ وجامع أحاديث الشيعة ج19 ص103؛ وشرح النهج للمعتزلي ج15 ص147؛ والنهاية لابن الأثير ج2 ص496؛ ولسان العرب ج11 ص357.

[6]- قرب الإسناد ص115؛ وجامع أحاديث الشيعة ج17 ص134؛ وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب؛ والسنة والتاريخ للريشهري ج4 ص28 و 172؛ والوسائل (ط آل البيت) ج17 ص41؛ و(ط الإسلامية) ج12 ص24 والبحار ج100 ص65.

[7]- راجع: نهج البلاغة ، وقد ذكرنا شطراً من مصادر هذا العهد في كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام.

[8]- البحار ج100 ص171؛ والوسائل (ط الإسلامية) ج17 ص42؛ و(ط آل البيت) ج12 ص25 وراجع: مستدرك الوسائل ج13 ص459 و(ط آل البيت) ص26 و 461.

.

تتمة مقال = إقطاعات النبي (ص)

صفة الأرض المعطاة:

إن الأراضي التي كان (صلى الله عليه وآله) يُقطعها على أقسام هي:

أ - أراضِ موات هي لله ولرسوله، وقد جعلها الله ورسوله لمن أحياها وفقًا لقوله (صلى الله عليه وآله): (من غرس شجرًا، أو حفر واديًا بديًا، لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضًا ميتة فهي له، قضاء من الله ورسوله)([1]).

وثمة أحاديث أخرى أيضًا تشير إلى ذلك، فلتراجع في مظانها([2]).

ب - الأنفال: وهي الزيادات، وتكون في الأموال، مثل الديار الخالية، والقرى البائدة، وتركة من لا وارث له، وتكون في الأرضين أيضًا. وهي على ما ذكره الفقهاء، ودلّت عليه الأحاديث، تشمل الأرض المحياة التي تُملك من الكفار من غير قتال، سواء انجلى عنها أهلها، (أو سلّموها للمسلمين طوعًا).

وتشمل الأرض الموات عرفًا، سواء أكانت معمورة، ثم انجلى عنها أهلها، أو لم يجرِ عليها مُلك، كالمغاور، وسيف البحار، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية([3])..

ج - الفيء: هو ما يُرجع أو يُرد من أموال الكفار وأراضيهم إلى مالكه الأصلي من دون إيجاف خيل ولا ركاب.

والفيء لله ولرسوله، وليس لأحد فيه حق. وللرسول أن يملِّك منه ما شاء لمن شاء..

وهناك كلام في تداخل هذين القسمين الأخيرين، فإن ما سلّموه للمسلمين طوعًا هو الفيء، وقد تقدم: أنه قسم من الأنفال أيضًا. ولسنا بصدد البحث والمناقشة في ذلك.

إن الإقطاعات التي كانت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما كانت من هذه الأقسام المتقدمة، ولم يكن ليُقطع أحدًا من مال حاضر النفع ظاهر العين، لأن هذا لا مجال لإقطاعه، إلا على سبيل التأليف على الإسلام، وهذا إنما كان بالنسبة لأفراد قليلين جدًا أكثرهم من أهل مكة، وكان الهدف إنهاء شغبهم على الدين وأهله، وإبعاد أذاهم، ولم تكن الإقطاعات في أكثرها تدخل في هذا السياق..

إعتراضات وإجابات:

وقد يسجل على هذه الإجابة إعتراضات:

الأول: قد ورد: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين ورد المدينة أقطع الناس الدور.

وهذا معناه: أنه قد أقطع من مال ظاهر العين، حاضر النفع.

والجواب: أنه إنما أقطعهم مساحات من الأرض، ليبنوا عليها دورهم([4])، وذلك بعد أن وهبت الأنصار كل فضل كان في خططها([5]).

وقد ذكر ياقوت الحموي: أنه (صلى الله عليه وآله) كان يقطع أصحابه هذه القطائع فما كان في عفا الأرض فإنه أقطعهم إياه، وما كان في الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك([6]).

وقال الحلبي الشافعي: (خط للمهاجرين في كل أرض ليست لأحد، وفيما وهبته الأنصار من خططها)([7]).

الثاني: قد يعترض على ذلك أيضًا بما ورد من أنه (صلى الله عليه وآله) أقطع أرضًا ذات نخل وشجر([8]).

وهذا معناه: أنه كان يقطع الناس من مال حاضر النفع ظاهر العين.

والجواب:

أولاً: قال ياقوت: أقطع الزبير بن العوام بقيعًا واسعًا([9]).

والبقيع: هو الموضع الذي فيه أروم الشجر، يعني أصوله من ضروب شتى([10]). وهذا يشير إلى أنها كانت أرضًا متروكة، حتى لم يبق من النخيل إلا أصوله.

ثانيًا: عن ابن سيرين قال: أقطع رسول الله رجلاً من الأنصار يقال له سليط، فانطلق إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن هذه الأرض التي أقطعتنيها شغلتني عنك، فاقبلها مني، فلا حاجة لي في شيء يشغلني عنك.

فقبلها النبي (صلى الله عليه وآله) منه، فقال الزبير: يا رسول الله، اقطعنيها.

قال: فأقطعها أياه([11])، فهو قد اشتغل في إحيائها، واهتم بها حتى أشغلته عنه، ثم انصرف عنها، واستقال منها، فأعطاها (صلى الله عليه وآله) لغيره.

ثالثًا: إن ذلك يفسر لنا قولهم: إنه (صلى الله عليه وآله) قد أعطى بني عقيل العقيق ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا([12]).

والعقيق: موضع فيه قرى ونخل كثير([13]).

فإن من الجائز أن يكون المقصود بالنخل هو: أصولها، أو أنها مما تركه أهله، لم يكن لها من يهتم بها.

وربما يكون بنو عقيل هم الأقرب إليها، أو الأقدر على إحيائها من غيرهم.

لا حق لمسلم في الأراضي المعطاة:

إنه لا شك في أن الأرض التي كان يقطعها النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن فيها أي حق لأحد من المسلمين، وقد صرح بهذا الأمر في الكتاب الذي كتبه لبلال بن الحارث بالأرض التي أقطعه إياها، حيث قال: (ولم يعطه حقّ مسلم)([14]).

وكذا في كتابه (صلى الله عليه وآله) لبني عقيل([15]).

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- راجع: الكافي ج5 ص28 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص151؛ والوسائل (ط الإسلامية) ج17 ص328 والإستبصار ج3 ص107 : وتهذيب الأحكام ج7 ص151 والمقنع ص132.

[2]- راجع: الكافي ج5 ص279 والوسائل (ط الإسلامية) ج17 ص326؛ والإستبصار ج3 ص108؛ وتهذيب الأحكام ج7 ص152؛ وترتيب مسند الشافعي ج2 ص133؛ والأم للشافعي ج3 ص264 و 268؛ وكنز العمال ج3 ص512 و 513 و 516 و 517؛ والأموال لأبي عبيد ص386؛ والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص142 و 143؛ وإرشاد الساري ج4 ص184؛ والخراج للقرشي ص82 و 84؛ ومستدرك الوسائل ج2 ص149؛ وشرح الموطأ للزرقاني ج4 ص424  و425؛ ومجمع الزوائد ج4 ص157؛ ونصب الراية للزيلعي ج4 ص290؛ وجامع أحاديث الشيعة وغير ذلك.

[3]- راجع: مصباح الفقاهة، كتاب الخمس.

[4]- راجع: البحار ج19 ص112.

[5]- راجع: فتوح البلدان للبلاذري ص12.

[6]- معجم البلدان ج5 ص86.

[7]- عن السيرة الحلبية ج2 ص94.

[8]- راجع: الأموال ص394؛ ومكاتيب الرسول ج1 ص329 عن: فتوح البلدان ص31؛ والبخاري ج4 ص116 في فرض الخمس، باب ما يعطي النبي  المؤلفة قلوبهم، ومسند أحمد ج6 ص347؛ وفتح الباري ج6 ص181؛ والخراج لأبي يوسف ص66؛ والنهاية لابن الأثير في مادة: قطع. وراجع أصول مالكيت ج2 ص111؛ والمصنف لابن أبي شيبة ج12 ص354؛ وصحيح البخاري ج4 ص116؛ وصحيح مسلم ج4 ص1716؛ والقواعد للشهيد ج1 ص 349؛ وحياة الصحابة ج2 ص691 وراجع: ترتيب مسند الشافعي ج2 ص133؛ والكامل لابن عدي ج4 ص1386؛ والطبقات الكبرى ج3 ق2 ص72 .

[9]- معجم البلدان ج5 ص86؛ والطبقات الكبرى (ط ليدن) ج3 ق1 ص72 .

[10]- وفاء الوفاء ج4 ص1154.

[11]- راجع: الأموال لابن زنجويه ج2 ص613 و 614 وراجع ص627؛ والأموال لأبي عبيد ص394.

[12]- سبل الهدى والرشاد ج6 ص384؛ ومكاتيب الرسول ج3 ص503 عن: الطبقات الكبرى ج1 ص302 وفي (ط ليدن) ج1 ق2 ص45؛ والبداية والنهاية ج5 ص90؛ ورسالات نبوية ص148؛ ونشأة الدولة الإسلامية ص365؛ ومدينة البلاغة ج2 ص294؛ والإصابة ج3 ص423 في ترجمة مطرف بن عبد الله بن الأعلم. والوثائق السياسية ص312 و 216 عن الطبقات، ورسالات نبوية، وقال: قابل معجم البلدان مادة عقيق، وانظر اشبرنكر ج3 ص513.

[13]- مكاتيب الرسول ج3 ص503 عن معجم البلدان.

[14]- المبسوط للشيخ الطوسي ج3 ص274 ونيل الأوطار ج4 ص309؛ والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص145 و 151؛ ورسالات نبوية ص101 و 102؛ ومسند أحمد ج2 ص306؛ وسنن أبي داود ج3 ص174؛ والأحكام السلطانية ج2 ص198؛ والنهاية في اللغة، مادة قدس.

[15]- راجع: مكاتيب الرسول ج3 ص503 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج1 ص302 و (ط ليدن) ج1 ق2 ص45؛ والبداية والنهاية ج5 ص90؛ ورسالات نبوية ص148؛ ونشأة الدولة الإسلامية ص365؛ ومدينة البلاغة ج2 ص294؛ والإصابة ج3 ص423 في ترجمة مطرف بن عبد الله بن الأعلم؛ والوثائق السياسية 312/216 عن الطبقات، ورسالات نبوية، وقال: قابل معجم البلدان مادة عقيق وانظر اشبرنكر ج3 ص513. أقول: الذي نجده في المعجم ذكره عقيق اليمامة، وهو عقيق بني عقيل قال: فيه قرى ونخل كثير، ويقال له: عقيق تمرة، ولم يذكر الإقطاع والكتاب وراجع البداية والنهاية ج5 ص90.

 
115%