رسالة النجف

أبو طالب: الحامي والكفيل

 

أبو طالب (عليه السلام) .. الحامي والكفيل

د.محمّد كامل سليمان1

 لما ظهرت أمارة وفاة عبد المطلب جدّ الرسول (صلى الله عليه وآله)، عهد إلى أبي طالب بكفالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأوصاه به قائلاً له: (إني قد عرفت ديانتك وأمانتك فكن لمحمّد كما كنتُ له)([1]).

وهكذا كان أبو طالب فأحبّه وآثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله، حتى غدت كل نبضة يختلج بها شريانه نفحةً هنيّةً تترنّم باسم محمّد، إذا حضر أو غاب، وإذا نام أو استيقظ، وصار محمّد أقرب إلى نفس أبي طالب من نفسه، حتى راح يرى أن مهمّته في هذا الوجود - مع ما كان له من مهام الرياسة والسيادة - أن يقوم على تربية ابن أخيه ويحميه شرّ الغوائل.

وحتى زوجه فاطمة بنت أسد (رحمها الله)، أمّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كانت تسابق زوجها وتنافسه في الاحتفاء بمحمّد والحرص على إكرامه وإعزازه، حتى كانت تؤخّر الطعام حتى يحضر [ابنها محمّد] كما كان يحلو لها أن تدعوه، وتدهن رأسه بالطيب قبل أولادها أو تدّخره له وحده إذا لم يكن من الطيب إلا ما يكفيه.

والواقع أننا لا نستطيع بهذه العجالة تصوير حبّ أبي طالب وحدبِه الشديد على النبيّ([2])، لذلك سنحاول هنا أن نشير إلى بعضٍ من تلك المواقف التّي يتجلّى فيها إيمان أبي طالب وحرصه على ابن أخيه حتى يصدع بأمر ربّه وينشر شريعة السّماء السّهلة السمحاء.

رعايته في طفولته:

لقد كان أبو طالب، إيمانًا منه برسالة محمّد التّي سيصدع بها يوم يبلغ الكتاب أجله، لا يفارق ابن أخيه, فأخذه معه إلى الشام وهو ابن عشر سنين ليبقى قرير العين قرب عمّه لا يجد الغمّ إلى نفسه سبيلاً.

مع بحيرة الراهب:

ولكي نقف على مدى الرّعاية التّي كان يشمل بها ابن أخيه, يجدر بنا أن نشير إلى الرّحلة الثانية التي قام بها أبو طالب على رأس تجارة كبيرة إلى الشام، كان قد أوقر الإبل، حتى إذا التقى [بحيرة] الراهب في بادية الشام، ورأى هذا الأخير الغمامة التي كانت تظلّل النبي (صلى الله عليه وآله)، أسرع إلى أبي طالب وخوّفه على ابن أخيه، وأخبره بما ينتظره من النبوّة والرسالة التي ستُخرِج الناس من الظلمات إلى النور، عندها قفل أبو طالب راجعًا مفضّلاً سلامة ابن أخيه على كل الغُنم مهما تعاظم.

استسقاء أبي طالب بمحمد (صلى الله عليه وآله)([3]):

أقحط أهل البادية وأهل مكة، من احتباس المطر فقال قائل منهم: (اعتمدوا اللات والعزّى)، وقال آخر: (اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى).

فقام شيخ وسيم حسن الرأي يقول لهم : (أنّى تؤفكون، وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل).

فقاموا جميعًا إلى أبي طالب يستغيثون ويستنجدون: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلمّ فاستسق.

فخرج أبو طالب هو وشيوخ قومه، واخرج محمدًا معه، وكان بعدُ طفلاً، حتى إذا كانوا في الكعبة، أسند ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه كالضارع المستغيث، وما في السماء قزعة من سحاب، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، فجلجل الرعد واستهل المطر كأفواه القرب، فدمعت عينا أبي طالب والتفت إلى ابن أخيه منشدًا الناس([4]):

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
يلوذ به الهلاّك من آل هاشم
وميزان صدق لا يخيس شعيرةً
ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد
وجدت بنفسي دونه فحميته
فلا زال للدنيا جمالاً لأهلها
وأيّده رب العباد بنصره

 

 

ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهم عنده في نعمة وفواضل
ووزان صدق وزنه غير غائل
لدنيا ولا يعبا بقول الأباطل
وأحببته حبّ الحبيب المواصل
ودافعتُ عنه بالذرى والكواهل
وشينًا لمن عادى وزين المحافل
وأظهر دينًا حقّه غير باطل

 

خطبة أبي طالب خديجة (عليها السلام) لمحمد (صلى الله عليه وآله)وأبعادها:

(الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتا محجوجًا - ورُوي محجوبًا - وجعلنا الحكّام على الناس ، ثم إن محمد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برًا وفضلاً وحزمًا وعقلاً ورأيًا ونبلاً، وإن كان في المال قُلّ فإنما المال ظلّ زائل وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فعليّ ، وله والله بعدُ نبأ شائع وخطب  جليل)([5]).

هذه الكلمات التي ردّدها أبو طالب رحمه الله يوم خطب خديجة لمحمد (صلى الله عليه وآله)، تجعلنا نقف على المنزلة السامية لمحمّد (صلى الله عليه وآله) من نفس عمّه، فهو لا يوزن بأحد إلا رجح به نبلاً وفضلاً وعقلاً.

ثم انظر يرعاك الله إلى هذه الرؤية العميقة، وإلى هذا اليقين من المستقبل وهذا الإيمان بابن أخيه حتى قبل أن يصدع بدعوته.

ثم انظر إلى صيغة القَسم التي تنمّ عن الإيمان إذ أقسم بالله مراهنًا على مستقبل ابن أخيه ومنبّهًا في روع الحاضرين إلى ما ينتظره من النبوّة والرسالة.

ومن الجدير أن ننوّه به، أن أبا طالب عِبْر أشعاره وخطبه، حتى قبل الإسلام ما كان يقسم بغير الله، أو الرب أو الإله.

في حين أن مثل أبي سفيان ممن ادّعوا الإسلام ما حلفوا بالله حتى بعد وفاة الرسول، وإنما حثّ قومه على تلقّف الزعامة بعد وفاة الرسول قائلاً لأبنائه: (يا بني أميّة، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة)([6]).

بينما نجد أن أبا طالب ما حلف حتى قبل إسلامه لا باللات ولا بالعزّى كما يفعل القرشيون، ولا عُرف عنه أنه جلس إلى صنم من الأصنام التي كان يجلس إليها القرشيون .

أليس هذا دليلاً على مدى إيمان الرجل بالإله الذي دعا إليه محمّد (صلى الله عليه وآله) والذي أنشئ على الإيمان به حتى قبل صدوع النبي بالرسالة...

يتبع =

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1. باحث وأديب .

[1]- الخرائج  والجرائح، الراوندي، مؤسسة الإمام المهدي، قم: 1/138؛ وعنه بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 17/363 حديث 1 ، و35/83 ، حديث 26 ؛ الاحتجاج ، الطبرسي، دار النعمان، النجف، 1966: 1/342.

[2]- لمزيد من التفاصيل يراجع: بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: ج35 ،

[3]  - راجع : مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، المطبعة الحيدرية، النجف، ط 1376: 1/119. بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: ج 18 ص3.

[4]  - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/166.

[5]- بحار الأنوار: 35/158 ؛ ورواه غيره باختلاف في لفظه ، راجع مثلا: تاريخ ابن خلدون، دار إحياء التراث، ط4: ق2 ج2 ص5 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، منشورات المرعشي، قم (طبعة دار إحياء التراث، بيروت) الطبعة الثانية:14/70.

[6] - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 9/53.

 

.

تتمة مقال = بو طالب (ع) الحامي والكفيل

إيمان أبي طالب:

ثم ألا ترى برفضه لتقاليد الجاهليين، وإنكاره لتكالبهم الشهواني على المنافع المادية بأي ثمن ، أفلا ترى فيها دعائم في بنايته الإيمانية التوحيدية...

وإلا فكيف نفسر الشروط الإيمانية الصارمة التي فرضها حين عزمت قريش على إصلاح جدران الكعبة التي هدمها السيل بعد عشر سنين من زواج محمّد بخديجة، فقد شرط أبو طالب أن لا ينفق فيه إلا من طيب المكاسب ، وأن لا يدخل في بنائها مال من ظلم ولا عدوان([1]).

أليس في هذه الشروط التي كانت فيما بعد من صلب العقيدة الإسلامية التي فرضت مثل هذه الشروط في كل بناء أسس على تقوى، أليس هذا دليلاً على مدى تغلغل العقيدة الإيمانية في جبلّة هذا العظيم ، ونشأته على تبنّيها حتى قبل أن يعلن النبي (صلى الله عليه وآله) تعاليم الإسلام...

وهكذا - كما لاحظنا - فقد جاءت بأبي طالب لرياسة الناس جميعًا في مكة سيادة طريفة من الشجاعة والعفّة والسخاء والسن والتجارب والحكمة وحسن البيان، فقد نُسجت بأخلاقه الغرّ كل أكرومة، فقد اختاره الله رجلاً أبلج، متين الكاهل، شغب الشكيمة، لا يميل به الهوى، ولا تدنو من خلقه مذمّة ولا ضعف، تفزع إليه قريش وأهل البادية في نوائبهم، فيخفّ لهم وينجدهم.

فورث صفات أبيه عبد المطلب من حلم وجود وحكمة فأحلّ ما أحلّ، وحرّم ما حرّم، فكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، وينهاهم عن دنيئات الأمور ، وكان يعتقد بالآخرة ، ورفض عبادة الأصنام، ووحّد الله سبحانه ، وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها ، وجاءت بها السنة منها الوفاء بالنذر ، والمنع من نكاح المحارم ، وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل الموؤدة ، وتحريم الخمر ، والزنا ، وأن لا يطوف بالبيت عريان([2]).

هكذا كان أبو طالب قبل الإسلام حتى غدا محتذىً ومقتدىً، ولا أدلّ على ذلك من جواب أكثم بن صيفي، حكيم العرب، حين سئل: (ممن تعلّمت الحكمة والرياسة والحلم والسيادة؟

فقال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب، أبي طالب بن عبد المطلب)([3])..

حتى معاوية بن أبي سفيان الذي عُرف بعدائه للطالبيين، استشهد بحلم أبي طالب وجعله هاديًا له يوم جرى نزاع ومشاحنة بينه وبين صعصعة وابن الكوّاء، فقال معاوية : لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول: (قابلت جهلهم حلمًا ومغفرة... والعفو عن قدرة ضرب من الكرم! .. لقتلتكم)([4]).

أبو طالب والبعثة النبويّة:

لما بُعث النبي (صلى الله عليه وآله)، وصدع بالأمر امتثالاً لقوله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}([5]) ونزل قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}([6])، أجمعت قريش على خلافه، وكادت له المكائد، وتربّصت به الغوائل، وقعدت له كل سبيل، فانبرى أبو طالب العم الحادب، يدعم موقف ابن أخيه ويهدّدهم.

عندها بيّتت قريش نيّتها على قتل محمّد بيد مجرم غريب، حتى لا تؤخذ بتِرَته عشيرةٌ ولا بطنٌ من بطون قريش.

ترامى إلى أبي طالب ما بيّتته قريش، فأنشأ يرقب محمدًا ولا يدع يومًا يمرّ دون أن يراه في كل صباح ومساء.

ومرّت ليلة غاب فيها محمّد، وطلبه أبو طالب فلم يجده، فتوالت على خاطره الظنون والهواجس خشية أن يكون قد عرض لمحمد أحد بسوء، (فجمع أبو طالب في بيته سبعين رجلاً قد اختارهم من بني هاشم، ثم قال : ليأخذ كل منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظلية - أبو جهل - فإنه لم يغب عن شرّ إن كان محمّد قد قتل)([7]).

وبينا أبو طالب وقومه يعدّون لما همّوا به، إذ أقبل زيد بن الحارثة وكان قد رأى الرسول (صلى الله عليه وآله) عند الصفا، فقفل راجعًا إلى عند الرسول وأخبره بقلق عمه، فقدم مسرعًا، فهشّ العم لاستقباله، وراح يسأله: (يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير، قال : نعم)([8])..

ثم إن أبا طالب غدا على النبي فأخذ بيده ووقف به على أندية قريش ومعه فتيان هاشم فقال: يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به، قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، ثم قال لفتيانه اكشفوا عما في أيديكم، والتفت مخاطبًا القرشيين متهدّدًا متوعّدًا : (والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحدًا)([9])، ورفع عقيرته مخاطبًا النبي:

اذهب بني فما عليك غضاضة والله لن يصلوا إليك بجمعهم
ودعوتني وعلمتُ أنك ناصحي
وذكرت دينًا لا محالة إنه

 

 

اذهب وقرّ بذاك منك عيونا
حتى أوسّد في التراب دفينا
ولقد صدقت وكنت قبلُ أمينا
من خير أديان البرية دينا([10])

 

{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }([11]):

عندما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله)، أدرك خطورة ما دُعي إليه، ووقف على جسامة ما ندب إلى القيام به، خصوصًا أن في طليعة خصومه أبا لهب عمّه، هذا الذي لم يكن يمتّ إلى أبيه عبد المطلب بشيء من وراثة، لا في طبع، ولا في هيئة، وإنما وقع تحت تأثير خزاعة وهي قبيلة أمّه والتي كانت تحمل الحقد والإصرار على الضغينة، ولا سيما لبني قصيّ وبني عبد مناف، الذين هم آباؤه، لأن بني قصي كانوا قد قهروا خزاعة، وصارت إليهم سيادة الكعبة دونهم، كذلك جاء أبو لهب من عنصرين متضادين ، وقسم له أن يرث الأدنى ..

نزلت الآية .. فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب، فحضروا بمن فيهم أبو لهب.

فقام النبي يحذّرهم مغبّة الشرك وعبادة الأصنام، ويدعوهم إلى عبادة واحد أحد، فرد صمد، بيده ملكوت السماوات والأرض، وأعلمهم تفضيل الله إياهم واختصاصه لهم إذ بعثه بينهم وأمره أن ينذرهم.

فشق ذلك على أبي لهب وتهدّد وتوعّد ومضى يقول : (خذوا على يد صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإن منعتموه قتلتم وإن تركتموه ذللتم).

عندها وقف أبو طالب في وجه أبي لهب قائلاً: (يا عورةُ، والله لننصرنّه ولنعيننّه).

ثم التفت إلى الرسول قائلاً له : (يا ابن أخي إن أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)([12]).

يتبع =

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] - تاريخ اليعقوبي: 2/19.

[2] - الصحيح من السيرة، السيد جعفر مرتضى، دار الهادي، ط4 :  5/188. نقلا عن السيرة الحلبية: 1/4.

[3]- بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء،ط2: 35/134

[4]- مستدرك سفينة البحار، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1419هـ : 7/192.

[5] - سورة الحجر من الآية 94.

[6] - سورة الأنبياء من الآية 98.

[7] - الغدير، الأميني، دار الكتاب العربي، ط3، 1967: 7/349 ، نقلا عن ابن سعد الواقدي في الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت: 1/203.

[8] - المصدر السابق: 7/349.

[9] - المصدر السابق: 7/349.

[10]- المصدر السابق: 7/351. ؛ بحار الأنوار: 35/124 ؛  وروي في مصادر أخرى باختلاف يسير ومنسوبًا إلى أبي طالب في واقعة أخرى راجع مثلاً:  مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، المطبعة الحيدرية، النجف، ط 1376: 1/53 ؛ بحار الأنوار: 35/147 ؛ تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت: 2/31 .

[11] - سورة الشعراء الآية 214

[12] - تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت: 2/27؛ سبل الهدى والرشاد،دار الكتب العلمية، ط1: 2/323،

 

.

تتمة مقال = بو طالب (ع) الحامي والكفيل

ويروى لأبي طالب أنه قال:

يا شاهد الله عليّ فاشهد

 

 

آمنت بالواحد ربّ أحمد

 

من ضلّ في الدين فإني مهتدي([1])

وهنا يجدر بنا أن ننوّه بعمة النبي [صفيّة] رحمها الله، وهي أخت أبي لهب لأمه وأبيه، فصاحت بأخيها: (أي أخي، أيحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه، فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ عبد المطلب نبيّ، فهو هو)([2]).

تكبكب ملأ من قريش، كبراء وأشرافًا، وجاؤوا إلى أبي طالب في داره ، فقالوا له: (أنت شيخنا وكبيرنا وقد أتيناك تقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنه سفّه أحلامنا وشتم آلهتنا)([3]).

وراحوا يطالبون أبا طالب بأن يكفّ النبي عن سبّ آلهتهم، ويكفون هم عن التعرّض له فلا يقاتلهم ولا يقاتلونه، ولكنه يأبى الرسول.

ويقول النبي : (يا عمّ والله لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي، ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو أقتل دونه)([4]).

عند ذلك انثنى أبو طالب إلى ابن أخيه، وأقبل إليه قائلاً بعد أن رأى إجماع قريش وتألّبهم على الرسول: (اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت ، فو الله لا أسلمك لشيء أبدًا)([5]):

لا يمنعنك من حق تقوم به
فإن كفّك كفي إن بُليت بهم

 

 

أيدٍ تصول ولا سلق بأصوات
ودون نفسك نفسي في الملمّات([6])

 

دخل النبي إلى الكعبة، وشرع يصلي لله الواحد الأحد، فقام أبو جهل يغري بمن يفسد على الرسول صلاته، فقام ابن الزّبعرى وتناول فرثًا ودمًا وألقى ذلك عليه، فلما رجع النبي إلى عمه أبي طالب ورآه، سلّ سيفه ومضى معه محمد، فلما رأوه جعلوا ينهضون.

فأرسل فيهم صيحة مجلجلة : (والله لئن قام أحد جلّلته بسيفي).

فقعدوا حتى دنا منهم، ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله): (يا ابن أخي من الفاعل هذا؟)

فأشار للمعتدي، فأمر أبو طالب غلامه أن يحمل الفرث والدم فيلطخ به وجه ابن الزّبعرى، وروي: أنه أمر عبيده أن يمرّوه على أسبلة القوم([7])، أي ما على الشارب من الشعر، ثم مضى أبو طالب ومعه الرسول وهم واجمون لا ينبسون..

قطيعة قريش لبني هاشم([8])

لما رأى المشركون موقف أبي طالب (عليه السلام) من نصرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وسمعوا أقواله، اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم ، وبني المطلب ، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم ، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم.

وأجمع كفار مكة على ذلك.

عندما رأى أبو طالب اجتماع قريش وتألّبهم، دعا بني هاشم، فأمرهم بهجر بيوتهم جميعًا في مكة، رجالاً ونساءً، وذلك حفاظًا على الرسول، وليذهبوا جميعًا فيدخلوا في شِعب أبي طالب، قريبًا من مكة عند الجمرة الوسطى.

وقد ارتأى أبو طالب على قومه هذه النُقلة، لأن بيوتهم في مكة متفرقة، وتَنَقُّل الرسول بينها لا يحميه، ويعرّضه للأذى .

فارتحل بنو هاشم لشِعب أبي طالب، وتركوا متاجرهم وأخلوا ديارهم.

وقد اجتمع القرشيون بما فيهم أبو لهب، أن يمنعوا السلع من أن تباع لأهل الشِعب حتى يموت أهله محاصرين.

ولكن القائد الحكيم، سهر على الشِعب وأهله، فأنشأ يُسَهّل كل مطلب للمحاصرين مهما توعّر، ويصفّي كدرة الزمان كلما تكدّر، ويوزّع الطعام على من يفرغ طعامه، ومن اللباس على من يحترق ثوبه، حتى نفد ما لديه وفرغ ما عنده، فدار عليهم بالصبر يدعو إليه، والجَلَد يحثّ عليه، حتى حلا لهم الجوع، وطاب العذاب، حلاوة ذاقوا فيها شبع الجنة، ونهلوا من أنهار الفردوس، كل ذلك في سبيل حماية الرسول، وصونه، من أن يعرض له أحد بشرّ، ووزّع أبو طالب أعمال الحماية بين أربعين رجلاً، جعل عليهم الحراسة ليلاً ونهارًا، وأوكل إلى قسم منهم أن يقفوا في طريق القبائل في موسم العمرة والحج ليشتروا منهم طعامًا إذا غابت عنهم عيون قريش.

وهنا كان أبو طالب - حفاظًا منه على الرسول وإيمانًا منه بدعوته - يطلب إلى محمد أن يغدو إلى فراشه كل ليلة مبكرًا قبل أن يلجأ الناس جميعًا إلى فراشهم، حتى أهل بيته، كي يراه الناس جميعًا في فراشه، ويعلموا موضعه، فإذا أوى كل إنسان إلى فراشه وهدأ الشِعب في سكون الليل وسكون النوم، دلف الشيخ الهرم خفيفًا متمهّلاً على أطراف قدميه، فأخذ النبي إلى فراشٍ غير الذي نام فيه، وجعل في فراش النبي ابنه عليًا، حتى إذا حدّثت نفس أحد بشرّ، كان المقتول ابنه بدل الرسول، وقد أوصى عليًا بالصبر، لأن الرسالة الكبيرة تحتاج إلى تضحيات كبيرة ، وأنشأ يقول له([9]):

اصبرنْ يا علي فالصبر أحجى
قد بذلناك والبلاء عسير
لفداء الأغرّ ذي الحسب الثاقب
إن رمتك المنون بالنَبْل فاصبر
كل حيٍّ وإن تطاول عمرًا

 

 

كل حيّ مصيره لشعوب
لفداء النجيب وابن النجيب
والباع والفناء الرحيب
فمصيب منها وغير مصيب
آخذ من سهامها بنصيب

 

أصرّ القرشيون على مقاطعة الشِعب وأهله، ولكن هذا لم يمنع استيقاظ ضمير الحق في بعض النفوس، أمثال هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية المخزومي، ومطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، فتلاوموا على كتابة الصحيفة، وعلى المضي في تنفيذها بغير حق ولا رعاية حرمة، فتسالموا على مدّ يد المعونة وإرسال المؤنة للمحاصرين.

واتفق هؤلاء الصِّيد الذين عادت لنفوسهم النخوة العربية على أن يلتقوا إذا ذاب الشفق وأبهم الليل، بأعلى مكة عند [خطم الحجون]، ومضوا إلى الكعبة حين سقطت الشمس وعلا النهار، واستوى الضحى، ليعملوا على تمزيق العهد الذي أمضوه بمقاطعة شعب أبي طالب.

وبينا هم كذلك في وجوم وصموت، إذ يرتفع من باب المسجد صوت شيخ مهيب وقور يهيب بهم، [إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله تعالى عليها دابة فأبقت اسم الله وأكلت غدركم وتظاهركم علينا بالظلم].

وفتحت الكعبة، وتسابقت الأيدي إلى الصحيفة، فجمعها في يده [مطعم بن عديّ] لتسلم من أيدي الناس، وخرج بها إلى ظاهر الكعبة، ففتحوها، فراعهم ما رأوا أمام أعينهم، ورقة مأكولة غير اسم الله تعالى كما قال أبو طالب، وكما أخبره الصادق الأمين، فدهش الناس واعتراهم الذهول، إذ إن الأرضة قد أتت على كل كتابة إلا كلمتين اثنتين ، هما : (باسمك اللهم)، قدّستها أرضة التراب حين استهان بها جبابرة قريش.

يتبع = 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/165 ، وتروى هذه الأبيات أيضًا لعلي (عليه السلام).

[2] - سبل الهدى والرشاد، دار الكتب العلمية، ط1: 2/323.

[3] - بحار الأنوار: 9/143.

[4] - المصدر السابق: 9/143.

[5]- تاريخ الطبري، مؤسسة الأعلمي، بيروت: 2/67.

[6]- بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/164.

 [7]- نقلت هذه الرواية بالمعنى: راجع: مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، المطبعة الحيدرية، النجف، ط 1376: 1/54 . بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 18/187.

[8] - راجع هذه الحادثة في : بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/91-92 ؛ سيرة النبي (ص)، ابن هشام الحميري، ط1963: 1/234.

[9] - روضة الواعظين، الفتّال النيسابوري، منشورات الرضي، قم: ص54 . وروي باختلاف يسير في : الفصول المختارة ، الشيخ المفيد، دار المفيد، بيروت، ط2: ص59 ، وغيره

 

.

تتمة مقال = أبو طالب (ع) الحامي والكفيل

عندها صاح الحمقى من قريش: هذا من سحر ابن أخيك، فغضب أبو طالب وثارت حميّته، ونادى من جاء معه من قومه: يا بني عبد المطلب، هلمّوا إلى أستار الكعبة، حتى إذا كانوا بين البناء والستار، دعا ربّه رافعًا يديه وأهلُه من خلفه يلبّون: (اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا، واستحل ما يحرم عليه منا، ثم نادى أهله، فدخلوا الكعبة من كل مكان من شعب أبي طالب، وقد بدا القرشيون مخذولين، منكِّسي رؤوسهم، قد ثقل ما حملوه من ذنوب وأوزار، وأبو طالب يردّد منشدًا([1]):

إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخر
وإن حَضَرت أشراف عبد منافها
ففيهم نبي الله أعني محمدّا
تداعت من قريش غثّها وسمينها

 

 

فعبد منافٍ سِرُّها وصميمُها
ففي هاشم أشرافها وقديمُها
هو المصطفى من سرّها، وكريمُها
علينا فلم تظفر وطاشت حلومُها

 

 

أنت النبيُّ محمد
لمسوّدين أكارم
ولقد عهدتك صادقًا
ما زلت تنطق بالصواب

 

 

قرم أعزّ مسوَّد
طابوا وطاب المولد
في القول لا تتزيّد
وأنت طفل أمرد([2])

 

وقال في أمر الصحيفة أيضًا([3]):

إلا أبلغا عني على ذات بينها
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدًا
وإن عليه في العباد محبّة
أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى([4])
فلسنا وبيت الله نسلم أحمدًا
ولمّا تبِن منّا ومنكم سوالف

 

 

لؤيًا وخُصّا من لؤي بني كعب
رسولاً كموسى خُطّ في أول الكتب
ولا حيف فيمن خصّه الله بالحب ويصبحَ من لم يجنِ ذنبًا كذي ذنب
لعرّاء من عضّ الزمان ولا كرب
وأيدٍ أُترّت([5]) بالمهنّدة الشهب

 

(صِلْ جناح ابن عمك)([6]):

في أحد الأيام، رأى أبو طالب ابنه عليًا يقف عن يمين محمد (صلى الله عليه وآله)، يصلي كما يصلي الرسول، فأمر ابنه جعفر: (صل جناح ابن عمك)، فاستجاب الابن البار للأب الحادب فوقف يصلي إلى يساره، ، ومضى أبو طالب يردّد:

إن عليًا وجعفرًا ثقتي
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما
والله لا أخذل النبي ولا

 

 

عند ملمّ الزمان والنُّوَب
أخي لأمي من بينهم وأبي
يخذله من بنيّ ذو حسب

 

خاتمة:

وبعدُ .. هذا هو أبو طالب شيخ البطحاء، وحامي حماها، ذؤابة أكفّائها، يؤمن برسالة محمد، وبربّ محمد، فينافح عنهما ويناضل دونهما، حتى يلاقي من الويلات، ويعاني من معاداة الأهل ومجافاة الإخوان، حتى حبس في شِعبه، كل ذلك حفاظًا على صاحب الرسالة السمحاء، وصونًا له من أن تناله يد تتربص بشرّ، وذهب به الحفاظ على ابن أخيه أن ضحّى بابنه عليًا وجعله يبيت في فراش الرسول ثم ينقله إلى مكان آخر.

فرحمك الله أبا طالب، أيّ إيمان هذا الإيمان الصلب الذي عمر به قلبك ، وأي إسلام صحيح هو إسلامك، حتى وقفت نفسك وذريتك، درءًا عن الرسول وعن رسالته، وحتى كان وقوفك إلى جانب الرسول وإيمانك بدعوته مصدر فرح للمسلمين في بداية الدعوة، حتى عبّر أبو بكر عن ذلك بقوله: (أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي - أبي قحافة -)([7]).

ولهذا حق له أن يقول فيه أمير المؤمنين : (والذي بعث محمدًا بالحق نبيًا لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله..)([8]).

إلا أن أبا طالب كما يقول إمامنا الصادق (عليه السلام): (من رفقاء النبيين والصديقين)([9])، وطلب الدليل على إسلامه وإيمانه كمن يطلب دليلاً على وجود الشمس في رابعة النهار..

طلب الدليل على الضحى رأد الضحى

 

 

يقضي بفقد ضياء عين الطالب

 

هذا الإيمان الذي تجلّى لنا بأشد ما يكون الوضوح عبر وقوفه إلى جانب محمد وحمايته له، والى جانب هذه الأشعار التي عرضنا لبعض منها في هذه العجالة، والتي تزخم إيمانه العميق بالإله الواحد الأحد، وكيف يخطر في بال أو يرقى شك إلى إيمان أبي طالب وهو كما قال الإمام زين العابدين :(إن الله تعالى نهى رسول الله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات)([10]).

فرحمك الله أيها المؤمن الصابر المحتسب، الذي ما وَجَد رسول الله على أحد وَجده على فقدك ، حتى سمّى عام وفاتك بعام الحزن، وكيف لا يكون ذلك وقريش ما تجرأت على النبي ما دمت حيّا ، فقضيت اثنين وأربعين عامًا تنافح وتدافع عن محمد ودعوته،حتى قبضك الله إليه، وما ذهبت عن هذه الدنيا حتى تركت من بعدك ابنك عليًا ليقوم بالأمر ويقف في وجه كل من تسوّل له نفسه بمحاربة الرسول،ولقد أجاد ابن أبي الحديد بقوله([11]):

فلولا أبو طالب وابنه
فذاك بمكة آوى وحامى
فلله ذا فاتحًا للهدى

 

 

لما مثل الدين شخصًا فقاما
وذاك بيثرب خاض الحماما
ولله ذا للمعالي ختاما

 

انتهى المقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/131

[2] - شرح نهج البلاغة: 14/77.

[3]  - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/159

[4]  - عن سيرة ابن هشام (الثرى) بدل (الزبى).

[5]  - أي قطعت.

[6]  - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/121

[7]  - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، منشورات المرعشي، قم (طبعة دار إحياء التراث، بيروت)  الطبعة الثانية: 14/68.

[8]  - الأمالي،الطوسي، دار الثقافة، قم، ط1 : ص305 بحار الأنوار: 35/69 .

[9]  - كنز الفوائد ، الكراجكي، مكتبة الصفوي، قم، ط3، 1410هـ: ص80.

[10]  - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2: 35/157 . شرح النهج، ابن أبي الحديد: 14/69.

[11] -  الاحتجاج، الطبرسي، منشورات دار النعمان، النجف الأشرف : ج1 هامش ص350 . كتاب الأربعين، الماحوزي، ط1، 1417: هامش ص206

 
115%